أحمل آلام مرضاي إلى المنزل وأسكبها شعرا على الورق
الشاعر الفلسطيني عصام العمد: شعراء اليوم يهربون إلى القصيدة
الحديثة ليداروا ضعفهم اللغويّ
حاوره ـ سالم الرحبي:بين الشعر والطب يجد
الشاعر الفلسطيني عصام صدقي العمد نفسه، مكرساً وقته لخدمة مرضاه
الذين يحمل آلامهم في صدره لينثرها شعراً على الورق.. لم تكن
علاقته مع المرضى مجرد علاقة عابرة بل هي علاقة وثيقة ومتينة
تصل حد تناسخ الآلام.. فبين آلام المريض الجسدية وصداها النفسي
في صدر شاعرنا تقبع قصائده.. تحمل وهجها وانسانيتها الطاغية.
غربة عن الوطن تفجر طاقات الشوق والحنين ، وقرب من القصيدة يجد
فيه مواساة للواقع.. أنين صادق يسوق غيمة الشعر لتمطر على شاعرنا
في سن مبكرة ، عصرها وأخرج ماءها فكان جديراً ان يحصد ما زرعه
في أرض قلبه.. قليل من الطب وقليل من الشعر نسوقه في الحوار
التالي مع ضيفنا الذي يزور السلطنة حالياً:
شعر وطب
* بداية دعنا نتحدث عن زيارتك للسلطنة؟
** منذ زمن وأنا أتمنى زيارة السلطنة إلا ان الحياة وزحمتها
كانت حائلا دون ذلك، وما زاد شوقي لعمان قبل زيارتها هو تنظيم
اتحاد الكتاب في العاصمة الأردنية عمّان لأمسية شعرية أحياها
ثلاثة من شعراء السلطنة ، كانت تحمل الجمال والدهشة والألق،
وها أنا أخيراً في أحضان السلطنة.. أدهشني جمال مسقط وتنظيمها
ونظافة شوارعها، حتى المباني رائعة في تشكيلاتها وألوانها البيضاء،
والحظ كان حليفي أن تكون زيارتي وسط طقس معتدل ورائع حتى في
منتصف النهار.
* كونك إخصائي أطفال.. بين الشعر والطب ما هو الرابط الذي يجده
عصام العمد؟
** لي محاضرة كاملة عنوانها (بين الطب والأدب) ألقيتها في امسيات
وفعاليات عديدة.. الطب مهنة والشعر موهبة من رب العباد. سألوا
مرة الشاعر السوري وجيه البارودي نفس السؤال فأجابهم ببيت شعر
يقول فيه: "أتيت الى الدنيا طبيباً وشاعراً.. أداوي بطبي
الجسم والروح بالشعرِ".
وانا اقول في نفس المعنى: "الشعر من نفحة الديان مورده..
يشفي النفوس ويشفي الجسم والعللَ.. كرست شعري لأهل الحب أنظمه..
فما مللتُ ووحي الشعر ما بخلا.. فالحب للشعر نبع كلما نهلت..
منه القوافي تعالى ماؤه وحلا".
هناك العديد من الشعراء من هم اطباء بل أطباء كبار جداً.. فلا
يوجد مانع في ان يكون الطبيب شاعراً ، لأن الشعر هو شعور ومنحة
من الخالق.
* وهل لاقترابك من آلام الانسان الجسدية علاقة باقترابك من آلام
المشاعر والأحاسيس؟
** الشعر مأخوذ من كلمة الشعور والاحساس فما دام هناك شاعر فلابد
ان يكون لديه حساسية وشعور مرهف، فلذلك يتفاعل مع كل حدث أمامه..
حادث سيارة أو شخص فقير أو طفل يعاني أو مريض يتألم.. كل هذه
المواقف تحرك فيّ الأحاسيس والمشاعر. وانا بصراحة شديدة أحمل
آلام مرضاي الى المنزل وأسكبها شعرا على الورق.
والشعر ليس كلام موزون ومقفى ، فالشعر يقف على أربعة أعمدة هي
اللغة الصحيحة والصورة الواضحة والجلية للمتلقي والرسالة والموسيقى..
هذه هي قوائم الشعر الأربعة الاساسية والتي بدون استقامتها لا
يستقيم الشعر.
نزار يقول: "اذا نظمت قصيدة وألقيتها ولم يفهمها المتلقي
فواجبي أن أعيد صياغة القصيدة".. الشعر ليس ألغازاً.
رسالة الشاعر
* حديثك يقودنا الى سؤال عن غموض الشعر
في مقابل وضوحه.. وعن مماطلة القصيدة للمتلقي حتى تعطيه مكنونانتها
وتدخله الى عوالم دهشتها؟
** أنا من تلاميذ المتنبي، وأبو تمام، والجواهري، والزهاوي،
واحمد شوقي.. لذلك لا أؤمن إلا بالشعر الصحيح.. أنا شاعر لديّ
رسالة يجب ان أؤديها بلغة سامية وواضحة وسهلة للمتلقي.
* وماذا عن الأنساق والقوالب الشعرية الجديدة للشعر؟.. برأيك
الى أين تقود هذه الأشكال الجديدة دفة الشعر؟
** الخلل ليس في الشعر وانما في الثقافة العامة لدى الشاعر..
اللغة ضعفت لدينا فالشاعر إذا لم يملك اللغة والمرادفات والمعاني
فإنه لا يستطيع أن ينظم قصيدة كاملة.. لذلك نحد معظم الشعراء
ـ مع احترامي للجميع ـ يستعيضوا عن ضعفهم اللغوي بالهروب الى
الأشكال الشعرية الدارجة حالياً.
وهذا لا يعني وقوفي ضد القوالب الشعرية الجديدة، فهناك قصيدة
النثر، وهي اذا احتوت على الصورة الجميلة والموسيقى الداخلية
الراقية ودخلت الى قلب المتلقي فهو شعر رائع.. ولكن اذا لم تدخل
ولم يستطع المتلقي التفاعل معها فإنها ليست جديرة بتسميتها شعراً.
* حديثك عن الموسيقى الشعرية.. يقودنا الى سؤالك عن دور الموسيقى
في قصائدك؟
** الموسيقى هي كل شيء في حياة الانسان، وهي عمود اساسيّ في
كل قصائدي ، أنا لا أراعي الموسيقى الوزنية في قصائدي فحسب بل
أراعي موسيقى الكلمات، على الكلمات ان تحوي موسيقى داخلية توقظ
أحاسيس المتلقي من سباتها ، وتجعلها تنتشي وتحلق مع القصيدة.
* والقصيدة بكل جمالياتها ووهجها.. ماذا تعني لعصام العمد؟
** القصيدة هي احد ابنائي دواوني الثمانية التي اخترت لها عنواناً
رئيسياً هو (الوجدانيات) وتحمل عناوين فرعية هي : (الحب والجمال)
و(آلام وآمال) و(حصاد السنين) و(آهات الحنين) و(ترانيم شاعر)
و(طيف الذكريات) و(الفجر وليال عشر) و(حساب السني) كل هذه الدواوين
هي جزء مني.. لأن الشاعر يقاسي قبل أن تتمخض قريحته عن قصيدة..
أحيانا تصاحبني آلام القصيدة لمدة شهر قبل أن تخرج بسياقها النهائي.
ذاكرة الشعر
* وهل يمكن أن تطلعنا على صورة بانورامية
لتجربتك مع الشعر؟
** عندما نظمت الشعر كان عمري 16 سنة ، كنا ذاهبين في رحلة مدرسية
الى (وادي البيدان) وهو منتجع بفلسطين، وصادف في نفس الوقت ان
نجد مدرسة للبنات تقوم برحلة الى نفس المكان.. فجلست الى شجرة
عنونتها باسم الوادي اقول في مطلعها: "هذا هو البيدان مؤتلق
الربى.. حفظ الإله لنا ربى البيدانِ.. تعددت الآيات في جنباتهِ..
فبكل شبر منه كنز ثانِ.. والماء ينبع من صخور جباله.. متمايلاً
كالعاشق الولهانِ.. عشق الصخور فراح يلثهم خدها.. ويضمها في
لهفة وحنانِ".
وانا أكتب كان المدرس واقفا خلفني.. وسألني عمّا أكتب فأعطيته
ما كتبت وبعد ان قرأته قال: (ان في ثوبك شاعر)، فطلب مني أن
القيها في طابور المدرسة كما نشرها لي في احدى الجرائد، وفي
مدينتي نابلس بفلسطين وفي الصيف يتجمع الاقارب من قرى ومناطق
اخرى، لدينا في منزل العائلة ، فكنا نخرج سوياً ونصعد الى رأس
الجبل ، وفي احدى المرات ونحن نصعد تخيلت في ذلك الوقت ان جميعنا
عشاق وقررنا التسابق الى رأس الجبل ومن يصل أولاً يتوج كبيراً
للعشاق، وتخيلت بأني أول الواصلين فقلت: "هلموا على جبل
الهوى نتسلقُ.. فلا خير في من لا يحب ويعشقُ.. نزلت سباق الحب
بيني وبينهم.. وهل في الهوى غيري يفوز ويسبقُ؟.. فشمرت عن ساقيّ
حتى سبقتهم.. وخلفت دوني من يئن ويخفق.. وما هي إلا ساعة فوجدتني
وحيداً.. على قمم الهوى أتسلقُ.. سبقت جموع العاشقين وانني..
فخور فلا ندٌّ يجد ويلحقُ.. تركتهموا خلفي فجاءوا بباقة.. من
الورد أهدوها اليّ وصفقوا".
وهي اولى قصائدي الغزلية التي أمضيتها باسم (ابن عيبال) وهو
جبل شمال نابلس.. وبعد ان أنهيت ثانويتي في فلسطين ذهبت الى
مصر ودرست في جامعة الاسكندرية ، وجو اسكندرية جو يختلف عن جو
نابلس بفلسطين.. في الاسكندرية كانت هناك حياة مختلفة وآفاق
أرحب للتأمل والخوض في غمار الحياة ، بدلاً من الجو المحافظ
الذي كان يسود مدينتي نابلس.. وفي احدى المرات وانا على شارع
الاسكندرية البحري اشاهد بائعات الياسمين نظمت قصيدة قلت فيها:
"يا حلوة ان الهوى ناداكي.. هلا رحمت متيماً بهواكي.. يا
سلوة للقلب يا بدر السما.. هذي المحاسن ما بدت لسواكي.. غصن
من البان الجميل معطرٌ.. طيب الهوى قد عانقته لماكي.. لما خطرت
بجانبي طرق الهوى قلبي.. فصار معلقاً بخطاكي.. وشعرت ان القلب
بات مضرجاً.. بدمائه من لحظك الفتاك.. وقع السهام عليّ شيء هين..
لكنّ سهمك قد أطاح شباكي.. فتذكري البحر الخضم وموجه.. والياسمين
وقد حوته يداك.. جذبته رياكِ فحط رحاله في الصدر.. ينشق من عبير
شذاكي".
وبعد ان تخرجت من الجامعة عملت في وكالة الاغاثة بفلسطين بعدها
انتقلت الى الكويت ومن ثم انتلقت الى عمّان ولا أزال فيها.
ورغم رحلتي الطويلة مع الطب كمهنة ومصدر رزق ومع الشعر كموهبة
من الخالق أحببتها حباً كبيراً ، كنت أجد نفسي دائما منتصراً
للشعر وأجد الشعر يرفع راية النصر في وجه الطب.. كان الطبيب
يعاني آلام مرضاه في شعره كل يوم وفي كل شطر من قصائدي.
أعلى
حوراء الفارسي وطلة جديدة عبر (القارئ الصغير)
تطل علينا المذيعة المتميزة حوراء الفارسي
في معرض الكتاب ببرنامج (القاريء الصغير) حيث قدمت شكرها لتلفزيون
السلطنة على إتاحتهم الفرصة لتقديم هذا البرنامج . واضافت :
البرنامج متميز وله آثار ثقافية رائعة تنعكس على المشاهدين وان
كان يستهدف الصغار من القراء إلا إنه بمضمونه يستطيع أن ينهل
منه الجميع لاسيما الكبار . وحول مشاركتها السريعة في برنامج
تلفزيوني عقب مشاركتها كمذيعة في الإذاعة بمهرجان مسقط 2008
قالت : أضافت مشاركتي في مهرجان مسقط بعدا آخر بالاستفادة من
الفترة الزمنية للمهرجان والاحتكاك بالخبرات العملاقة التي تدير
البرامج والفعاليات في المهرجان وهذا الذي مكنني ان استفيد واوسع
قدراتي واعطي الثقة المتزنه لنفسي بأن اقدم برامج تلفزيونية
وخاصة انني كنت قد قدمت برامج تلفزيونية سابقة وهذا البرنامج
لايختلف عنها فهو ثقافي ويحمل مضامين ورسائل هادفة وسامية ..وعن
محطاتها القادمة ومشاريعها المستقبلية تقول انني اكرس وقتي الآن
للدراسة ولكن لا يمنعني من ان أمارس هوايتي وهي الإعلام التي
طالما كانت لها تأثيرات ايجابية فهي ايضا تفيدني كثيرا ولاسيما
بالمدرسة واطمح ان امارس الاعلام وان اظهر عبر الشاشة دائما
طل ما سنحت الفرصة في برامج تخدم الأطفال وهادفة .
أعلى
رحيل التشكيلي الفلسطيني كامل المغني
رام الله المحتلة ـ رويترز: توفي الفنان
التشكيلي الفلسطيني كامل المغني في غزة الثلاثاء الماضي عن عمر
بلغ 65 عاما.
ونعت الجمعية الفلسطينية للفن المعاصر في بيان صدر امس الاربعاء
الفنان التشكيلي البارز الذي قالت إنه أفنى سنوات عمره في خدمة
الفن والثقافة الفلسطينية وفي الدفاع عن هوية وقضايا شعبه. واضاف
البيان: خسر الشعب الفلسطيني برحيله واحدا من ابرز اعلام الفن
والثقافة الذي اغنى بموهبته وابداعاته التجربة التشكيلية الفلسطينية.
والمغني من مواليد حي الشجاعية في غزة عام 1943 وتخرج من كلية
الفنون في الاسكندرية قسم ديكور عام 1966 وحصل على درجة الماجستير
في سيكولوجية الرمز واللون عام 1987 . وكان عضوا مؤسسا لكلية
الفنون الجميلة بجامعة النجاح في نابلس ولقسم الفنون الجميلة
بكلية الفنون والإعلام بجامعة الأقصى في غزة كما كان عضوا مؤسسا
لرابطة الفنانين التشكيليين في قطاع غزة.
أقام الفنان التشكيلي الفلسطيني العديد من المعارض في الداخل
والخارج ونال عددا من الأوسمة والجوائز منها وسام اتحاد الفنانين
السوفيت عام 1979 ووسام بلدية داندي في اسكتلندا عام 1981 وجائزة
الشراع الذهبي الثانية بالكويت عام 1989 . وقال الفنان التشكيلي
الفلسطيني خالد الحوراني لرويترز: برحيل المغني فقدنا رائدا
من مؤسسي حركة الفن التشكيلي في فلسطين والذي ساهم في نشر هذا
الفن من خلال عمله كمحاضر في العديد من الجامعات الفلسطينية
يدرس الفن التشكيلي.
أعلى
دورة تدريبية عن التصوير الضوئي بكلية العلوم التطبيقية بصحار
صحار ـ من حنيفة بنت سالم الحوسني:نظمت
كلية العلوم التطبيقية بصحار ممثلة بجماعة التصوير الضوئي دورة
تدريبية في مجال (التصوير الضوئي) استمرت ثلاثة ايام تميزت الدورة
بالتفاعل الكبير وعدد المشاركين وحاضر فيها الدكتور جاسم محمد
الشيخ الاستاذ في كلية العلوم التطبيقية بصحار تحدث خلالها عن
اهمية التصوير وتطوره وانواع الكاميرات والعدسات والافلام وكيفية
عمل الكاميرات عن طريق عرض اجزائها بشكل مفصل ووظيفة كل جزء
منها والعلاقة بين هذه الاجزاء ببعضها.
اما في اليوم الثاني فقد كان الموضوع عن التشكيل البصري وكيفية
اختيار الصورة وفق قواعد ومعايير عالمية وكيفية التعامل مع الكاميرا
بشكل صحيح اما في اليوم الاخيرة فقد قام المشاركون بترجمعة ماتعلموه
عملياً وذلك بالخروج في رحلة الى حديقة اليوبيل الفضي والتقاط
عدد من الصور.
أعلى

صوت
(من مقامات العشق والجنون)
مقام الضحى والليل
في الصباح الوليد ، المنبثق من رحم الفجر
الحنون . رغم الضباب الكثيف . سار عائدا ، بعد انتهاء نوبة حراسته
طوال الليل البارد . اصطدم بعقبة في الطريق . لم يعر الأمر أدنى
اهتمام . في البداية ، ظنا منه ، أنها خرق بالية ، أو كومة من
التراب . ربما كلب ضال .. نام في طريق الخلق . لكنه ، توقف .
تراجع للوراء خطوة وأخرى ، تحقق من الأمر . دهش عندما تبين له
، أن ما اصطدم به ، لم يكن إلا شيئا طريا في ليونة اللحم البشري
!!
أخذ يتفحص هذه الكومة . جسد إنسان ، بني آدم ملقى بالطريق .
جثة مخلوق . اعتقد أنه قتيل ملقى على التراب ، مصاب بطلق ناري
، شخص حدث له حادث عارض ، القتيل في بلدتنا يرمونه في الرّياح
لتجرفه المياه الجارية بعيدا عن زمام العمدية .
هيـه .. عابر سبيل ضل طريقه في الظلام .هذا ما هداه إليه تفكيره
. أخيرا ، استعاذ بالله من الشيطان الرجيم .وهمس لنفسه ، أصبحنا
وأصبح الملك لله . ومال عليه وهزه بيمناه ببطء وحذر ، ويسراه
قابضة على مؤخرة البندقية الميري حتى لا تنزلق من فوق كتفه ،
وفي نفس الوقت يستمد من ملمسها الأمن والحماية.
عندما هزه برفق ، وجده يتحرك .أخرج زفيرا محبوسا من تجويف الصدر
. إنه حيّ ، فيه الروح ، قادر على كل شيء ، اطمأن وهدأ وتفحصه
جيدا . لم يجد أي أثر إصابة ظاهرة في مؤخرة الرأس ، أو طلق ناري
في البدن . أراحه على ظهره وأزال الغبار وتحقق من وجهه . عندما
تبينه هتف في دهشة :
ـ شحاته !!
نزع بندقيته من عاتقه ووسدها التراب بجواره . ضرب الشاب بلطف
على خده الأيمن الملوث بالتراب المندى ، ليفيق .. لكن الشاب
أخذ يزبد وينتفض كمن أصابته الحمى ، ولايفيق .
أزال الغبار والأوساخ عن بقية وجهه ورأسه . طقطق أذنيه . جذب
مقدمة شعره بقوة . فعل معه المستحيل لينتبه ويرد عليه ، لم ينطق
. تركه يستريح على ظهره كما كان . حمل بندقيته العتيقة على كتفه
وصلب طوله حائرا ، يتطلع حواليه . همس لنفسه هذه المصيبة التي
حلت عليه هذا الصباح الذي لم تشرق له شمس .. في منطقة حراسته
، وهو لايدري عنها شيئا . سيؤنبه بعنف شيخ الخفراء ويسأله بلهجة
حازمة : أين كنت طوال الليل ؟! ربما ينظر له بطريقة معينة فيها
مكر وخبث ، دلالة على أنه قضى الليلة مع زوجته وأهمل حراسته
.
أنه يعرف شيخ الخفراء الطويل كالنخلة التي لا تطرح رطبا . لسانه
في لسعة الكرباج السوداني .. مؤلما . قال يحدث نفسه : ماذا جنيت
في هذه الليلة ، حتى تسقط فوق رأسك هذه البلوى . لم أرتكب إثما
ولا فاحشة . أو المرور من أمام باب دار الأرملة ، لم يحدث .
لم أفكر فيها طوال الليل . استشاط غضبا وزعق في الجسد المسجى
أمامه على التراب : ولد ياشحاته .. لم ينطق .
أردف في صوت يتخلله اليأس : أصح ، الله يخرب بيتك .
لم يتحرك . صدرت عنه آهة جريحة . لا تخرج إلا من أعماق حيوان
جريح يتعذب من الألم . ظل واقفا بجواره . ود أن يركله بشدة ـ
يحسم الأمر ـ حتى ينتبه ويصحو ، لكنه تردد وهمّ بالمسير وتركه
.
* * *
أنشق الضباب عن وجه مستطيل يابس . مؤذن الجامع . أثناء رجوعه
لداره القريبة من الكوم العالي . توقف المؤذن النحيل ، في اللحظة
التي همّ الخفير بمغادرة المكان ، وقعت عيناه الكليلة على الكومة
الملقاه في الطريق .
سأله يطيبه : خيرا ، يابواسماعيل ؟!
تردد الخفير وتراجع للوراء قليلا ،أجاب بكلمات غامضة : ماعاد
، في البلد خير ..
واشار ناحية الأرض واستطرد : الولد شحاته الغلبان ، وجدته ملقى
على التراب ..
مال المؤدن ناحيته يتفحصه : مابه ؟!
أجاب في خوف : علمي علمك !!
تعجب المؤدن . لقد مرّ من هنا وهو في طريقه إلى الجامع لأداء
الفجر . كيف لم يره . وهو يرقد في طريقه . نظر للخفير في ارتياب
: مررت من هنا قيبل طلوع الفجر ، ولم يكن موجودا ..
صمت الخفير ولم يعقب .
تساءل المؤذن في حيرة : أين كان طوال الليل ؟!
أجاب الخفير بهدوء غريب : لا أعرف ..
ابتلع ريقه وعاد يؤكد : لم أشاهده أبدا ، هذه الليلة ..
قال المؤذن مستنتجا : لابد أنه جاء بعد مروري .
قال الخفير بحرص : ربما ...
جثى المؤذن بجواره وهزه برفق ، طرح على نفسه هذا السؤال بصوت
مسموع : ماذا كان يفعل في هذا الوقت من الليل ؟!
لم ينبس الخفير ردا على هذا السؤال . هنا مربط الفرس . أين كان
؟ وماذا يفعل ؟ . وضع المؤذن ذراعه اليسرى وراء رقبته ورفعه
عن التراب المندى قليلا ، بحيث ظل بقية نصفه السفلي على الأرض
.
أخذ يربت بأطراف أصابعه اليمنى على خديه ، ويزيل التراب العالق
بهما وبشعر رأسه الغزير المنكوش ، يهتف عليه لينتبه ، فلم يفق
.اقترب من رأسه وأمسك إحدى أذنيه ، جذبها نحوه . دس فمه فيها
وزعق : وحد الله ياشحاته .. كررها ثلاث مرات . بلا مجيب !!
أحدث ضجيجا في سكون الديار . أفاقت الكلاب ، تصايحت الديكة .
هدأت الضجة وران الصمت . تلاشت أصوات الجنادب . توقف نقيق الضفادع
في الحقول المجاورة للبلدة . نظر الرجل اليابس إلى الخفير القصير
، قال بحزم :أرفعه معي ..
تردد الخفير . لم تنته هذه المصيبة التي جاءت في نهاية نوبة
حراسته الليلية ، في حدود الدرك . سوف يصبح لها ذيول وحكايات
، ربما تمتد لتصل إلى المركز ويعلم بها سعادة البيه المأمور
. سأل قبل أن يميل لرفعه عن الأرض : إلى أين ياشيخ خليل ؟ رد
الرجل في طيبة : نحمله إلى داره ...
حمد الله في سره . الواقعة لن تتعدى حدود البلدة . لن تخرج من
جدران البيت ، سيكون الأمر بعيدا عن شيخ الخفراء . ولن يصل الخبر
إلى أذان جناب العمدة . تململ وقال في ضيق ليطرد استياءه ، على
خلاف ما يبطن : الولد ثقيل ياعم خليل ، والزقاق بعيد عن هنا
..
أحس المؤذن بنفور الخفير من حمله ، ونقله إلى مرقدة . في نهار
بلدتنا ، عندما يشاهد الأهالي جثة قتيل طافية على وجه مياه الريّاح
، يتركونها مع التيار تعبر زمام العمديّة ، ويستريحون من القيل
والقال والسين والجيم والمأمور والنيابة وعربة البوكس فورد والحجز
داخل التخشيبة لمدة أسبوع أو أكثر .
حدجه المؤذن بنظرة ذات معنى ،قال بدون مواربة محذرا : الكوم
العالي ..يقع في منطقة حراستك . سوف تسأل عنه في دوّار جناب
العمدة . خير لك أن نبعده من هنا ..نضعه في داره ..
هز رأسه وهو يميل للمساعدة في رفعه : ننال فيه الأجر والصواب
.
نزل الخفير حتى أقعى على الأرض . حمله من ساقيه . سار في المقدمة
متسرعا في الخطى . وراءه المؤذن يحمله من تحت إبطيه . ذراعاه
متدليتان .رأسه يميل على صدره . لعابه يسيل من بين شدقيه . أطراف
ثوبه تلامس تراب الأرض . ابتعدوا عن الكوم العالي . ضاع ثلاثتهم
في قلب الضباب الكثيف المخيم على الديار ...
عبدالســتار خليف
كاتب وروائي مصري
أعلى