|

|
مبتدأ
|
|
|
|
|
قصيدة
|
|
|
|
|
|
|
عندما يفحص العلم الفن ...
|
|
|
بلاد الشمس
|
|
|
أفق
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
قصة قصيرة
|
|
|
من خلال الدراسات العربية
|
|
|
|
مبتدأ
الغرض
في تقاليد الشعر العربي عُرف ما يسمى بالغرض
الشعري، وهو المجال الذي يكتب فيه الشاعر القصيدة، وتتعد أغراض الشعر
بين الغزل والنسيب والفخر والحماسة والهجاء، إلى غير ذلك مما صنف فيه
العرب وأفاضوا فيه حديثا.
الشعر الحديث تجاوز مرحلة الأغراض الشعرية إلى فضاءات النص المفتوح
الذي يحمل الكثير من الدلالات ويضع القارئ في مسؤولية مباشرة مع الشاعر
في فهم مغاليق النص وكشف غوامضه العميقة، وفقا لمرتأيات نقدية مغايرة
نقلت الشعر إلى ضفاف أكثر رحابة وجمالا ودهشة، مثلما يقول مالارميه
(تسمية الموضوع تحطم ثلاثة أرباع الاستمتاع بالقصيدة).
رغم أنى نصير هذا التوجه الذي يجعل من القصيدة فضاء جماليا متخما بالاحتمالات
والإحالات، إلا أنني أشعر أن الشعراء بتخليهم عن الغرض قد تخلوا عن
الكثير من الامتيازات الاجتماعية التي كانوا يجنونها من الشعر بكافة
أغراضه، لاسيما الهجاء والمديح، رغم أنهم كانوا على ثقة بأن ما يقدمونه
للممدوح أكثر بقاء وخلودا مما يقدمه لهم الممدوح.
مما يروى في هذا الشأن أن عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه) لقي بعض أبناء
هرم بن سنان الذي كان زهير بن أبي سلمى يمدحه في شعره، فقال له عمر:
أنشدني بعض مدائح زهير في أبيك. فأنشده، فقال عمر: إنه كان يحسن فيكم
القول. قال: وإنا كنا لنحسن له العطاء. فقال عمر: ذهب ما أعطيتموه،
وبقي ما أعطكم!
ومثال ذلك ما يرويه المدائني أن بنت هرم بن سنان كانت عند عائشة أم
المؤمنين، فدخلت عليها صبية تسأل فقالت: مالي لا أرى عليك أي السؤال؟
قالت لها: إني بنت زهير بن أبي سلمى. فقالت لها بنت هرم: أو ما أعطى
أبي أباك ما أغناه؟ قالت: إن أباك أعطى أبي ما فني وإن أبي أعطى أباك
ما بقى!
وفي لغة لا تنقصها الحدة يصور الشاعر اليمني الراحل عبدالله البردوني
ظاهرة المديح في الشعر على أنها استجداء لأناس أتوا بالأموال عن طرق
غير سليمة مثل السرقة فيقول:
وتجتدي كلَّ لصٍّ مترفٍ هبةً
وأنت تمنح شعرا فوق ما يهبُ
ومهما يقال من رفض لهذا الأمر إلا أن الشاعر
في كثير من الأحيان كان مهابا مرهوب الجانب، فضلا عما يكسبه من مردود
مالي جيد. ومثال ذلك ما يروى عن الحسن بن علي بن أبي طالب أنه كان
يكرم الشعراء، فسأله البعض: أتحب المديح يا بن بنت رسول الله؟ فقال:
لا، ولكن خير المال وقيت به عرضك. وهو يقصد بذلك أنه إنما يقدم المال
للشعراء صونا لعرضه، فحين يكرمهم يأمن لسانهم وهجاءهم في عرضه.
إنه يحق لنا أخيرا أن نتساءل: ألا ترون أننا فقدنا ميزات كثيرة بتخلينا
عن أغراض الشعر؟ والسؤال الأهم: هل سنعود مرة أخرى لأغراض الشعر عندما
يحتاج الشاعر لتأمين أغراض البيت؟!
حسن المطروشي
shaddad99@hotmail.com
أعلى
سائق
شاحنة
(و العودة إلى الموسيقى في الرُّجعى إلى أرض تنأى عن آخر كَمَنْجَة)
في آخر المدينة
سائقُ شاحنةٍ
بيني وبينه
بناياتٌ
وأشجار وأطفال
وشوارع وجسور.
بيني وبين سائق الشاحنة
في آخر المدينة
أعلام ومآذن
وحتَّى هواءٌ
ودائع في المدى
حشرجات في الصدى
وَدَوْي كسَّارات الصخور.
في آخر المدينة
سائقُ شاحنةٍ
بيني وبينه
سُحُبٌ تتسلَّق هوائيَّات عالية
وظِلُّ الدماء والأرغفة
جاثماً فوق القبور.
مسقط فجر 7 اكتوبر 2007
عبدالله حبيب *
* كاتب عماني
أعلى
قصيدة
جفاف
وحدي
على قلق
أخبئ حاضري في الرمل
أصرخ للجهات
الآن لا معنى لأخطائي
(يا موت كن قدري
وكن قدر القصيدة
حينما تأتيني عارية
بلا أسماء)
يكفي أرى جسدي
يماما في سماء الله
يكفيني أبي حيا أمامي
يقرأ الأشياء
يكفيني أخي في الريح
يضحك خارج المنفى
بعيدا عن كتاب الموت
يكفيني صديقي
يرقب الآتين
منكفئا على نهرين
يكفيني هنالك
شارع للقلب
أقمار الهوى العذري
عشب
زرقة
نزق
بياض
صوت جيتار
نشيد مطلق للماء
يكفيني هنالك...
إسحاق الخنجري
شاعر عماني
أعلى
معنيٌّ بالذات البشرية وعذاباتها
القاص عبدالحكيم عبدالله لـ (أشرعة): أبحث عن الدهشة في كل ما أكتبه
والنص لعبة القارئ التي لا أفكر في انتزاعها منه
أدع القصة تكتب نفسها والشخصيات تتحدث على سجيتها
القصة الحديثة لا تستغني عن بعض من روح الشعر
حاوره ـ عبدالحليم بن عبدالله البداعي:القاص
المعروف عبدالحكيم عبدالله حكاية من نوع آخر في فضاءات المشهد الثقافي
العماني ما زال يبحر بقلمه عبر محيطات قرر منذ بداية سفره فيها ألا
يكون لها شاطئ تنتهي إليه رحلته إلا شاطئا يكون الإبداع فيه هو جواز
السفر المعتمد.
* رغم تقدم تجربتك الكتابية إلا أن ولادة إصدارك
(مساس) جاءت متأخرة نوعا ما أهو قلق المبدع أم تردد الحائر وحيطة الحذر
أم أن هناك أسبابا أخرى..؟
** الأسباب التي ذكرتها في سؤالك قد تكون في
مجموعها صحيحة، ولعلي أختصرها في سببين خاصين وهما: الاشتغال والانشغال.
أما الاشتغال فهو ما يتعلق بأسلوبي وطقوسي في الكتابة والوساوس التي
تعتري العملية الكتابية لدي، فأعكف طويلا في الكتابة وإعادة الكتابة
والتعديل وأغرق عميقا في ماء الحيرة أثناء اختيار الكلمة الأنسب والسرد
الأسلس والصياغات المختلفة، إذ إن الكلمة في النص تخضع لمراجعة قاسية
وتدقيق في كل عناصرها: موسيقاها، حروفها، رسمها، شدتها وخفتها.. مما
يجعل كلام العماد الأصفهاني الذي افتتحتُ به مجموعتي (مساس) ينطبق
علي تمام الانطباق حين يقول شارحا حال الكاتب ومقدار حيرته وعدم رضاه
عما يكتب (إني رأيت أنه لا يكتب أحد كتابا في يومه إلا قال في غده:
لو غُير هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يُستحسن، ولو قُدم هذا لكان
أفضل، ولو تُرك هذا لكان أجمل..). وأما الانشغال، فهو ما نعانيه في
أيامنا هذه من كثرة مشاغل الحياة وعدم توفر وقت كاف لشيء من القراءة
ناهيك عن التفرغ للكتابة والتأليف.
* نثر عناصر الدهشة خلال سيرورة الحدث وخلق المفارقات
في معظم النهايات عناصر تبرز بشكل لافت في تقنيات الكتابة لديك.. ما
فلسفتك في هذا الجانب؟
** القصة لدي هي أن أحادثك بكلام تفهمه وأخبرك
بأمور أنت تعرفها وأثير دهشتك بممارسات بشرية معتادة تشاهدها في الحياة
فلا تثير دهشتك، ولكنك رغم ذلك تدهش كقارئ حين أضع لك هذه المشاهد
على الورق. إنني آخذك بيدك إلى البحر وأشير إليه متباهيا لأخبرك قائلا:
هذا بحر.
إنني أضمن عنصر الدهشة في سياق السرد دون بروز احتفالي أو ضجيج الكلمات
الكبيرة، بل أحدثك عن العجيب بكلمات يومية صغيرة. في قصة (الجندي والتلميذة)
أقول لك: (التلميذة تسير بمفردها ولم تكن تحمل بندقية) مدلسا على القارئ
بهذه الكلمات البسيطة دون أن أمنحه مجالا ليختبر صدقي من كذبي أو جدي
من هزلي. لكني لا أفتعل الدهشة وإنما تأتي هي بتلقائية أثناء الكتابة
وأتجنب حتى وضع علامة التعجب في نهاية الجملة المستغربة، لأني لا أريد
أن أصطنع التعجب والإدهاش بل أدع القارئ يستشف بنفسه السياق الغرائبي
في النص. تجد هذا في (الجندي والتلميذة) و(شمسان) و(حب صغير)..
* تحاصرك الأمكنة فتعمد إلى تشخيصها وتصوير مفرداتها
جاعلا من النص أشبه بالمرآة العاكسة لذاكرتها في ذاتك.. ما سر هذه
الحميمية الجامحة بينك وبين المكان؟
** المكان هو الحاضن للحدث وهو منصة المشهد،
وهو عنصر أساس في القصة، والمكان كائن حي يبث في أرواحنا حميمية دافئة
فتحلق نحو المواطن التي تحكي لنا كل الحكايا الجميلة. إن تسمية الأماكن
بأسمائها تحرك سواكننا وتلفت قلوبنا لذكريات ومشاعر عميقة ارتبطت بالمكان.
أحب أن أصور المكان الذي يحتوي الشخصية بحنان الجدران الدافئة والزوايا
المؤنسة، وأعمد إلى إضفاء روح الحياة والترابط الشخصي بين المكان وبين
الشخصية، ويشغلني كثيرا أن أدخل القارئ في أجواء المكان وتلمس عناصر
المشهد بيديه واستشعار الدفء الذي يبثه جوف المكان.
* تعمد إلى توظيف التناص في معظم نصوصك ولعل
النص الذي حمل إصدارك الأول مسماه (مساس) أبرزها في هذا الجانب حيث
يأخذنا لأول وهلة إلى تناص تاريخي مع حقبة السامري وعجل بني إسرائيل..إلى
أي مدى ترى أن تقنية التناص ساهمت في توضيح مقاصدك من خلال إيحاءاتها
ودلالاتها الرمزية؟
** لا تشغلني كثيرا مثل هذه الملاحظات، إذ إن
النص الذي أنتهي منه وأنشره يكون ملكا للقارئ يقرأه كيفما شاء ويُحّمله
ما يريد من معان وتفسيرات، يصبح النص لعبة القارئ التي لا أنتزعها
منه. ورغم ابتعادي عن التفسيرات الفلسفية إلا أن كلامك قد يكون صحيحا
بشأن التناص في الكتابات الإبداعية إذا ما نظرنا - كما قلتَ أنتَ -
إلى تأثرنا اللاواعي بأحداث مرت في تاريخ الإنسانية ورسخت في ذاكرتنا
وبقيت حية في منطقة من العقل الباطن دون أن نشعر بوجودها في جعبة الذاكرة،
ثم تنعكس هذه الأحداث الغابرة في الأثر الذي ننجزه فيما بعد سواء بالكتابة
أو بالممارسات الحياتية الأخرى. وسواء وافقتُ أن هناك تناصا في نصوصي
أو لم أوافق، فإن كل نص لا بد وأن يكون ملتبسا بالتناص بشكل من الأشكال
لأن كل نص في النهاية هو نتيجة لمؤثرات حياتية سواء كانت مدونة أو
شفاهية أو مجرد اعتقادات وأفكار.
* للشعر تجليات وطقوس خاصة يمارسها الشاعر أثناء
مزاولته للكتابة يشبهها بعضهم بلحظات مخاض متعسرة نظرا للمعاناة التي
يعانيها الشاعر حتى لحظات ولادة نص جديد.. هلا حدثتنا عن تجليات عوالم
السرد وطقوسها؟
** أنا أتأثر، إلى حد الإعياء، بالمشاهدات، أبسط
المشاهدات الحياتية تصيبني في الغور العميق. أنا مغرم بالقصة الصورة،
القصة المشهد، لا أحب الثرثرة السردية المستطيلة بكلام متخم وثقيل.
أحب أن أصور المشهد كما نراه في الحياة، أحب ملامسة الأشياء الصغيرة
من حولنا، أحب تصوير الاختلاجات والأحاسيس في الشخصية دون افتعال لحركات
مبالغ فيها أو تمثيلية باردة.
أدع القصة تكتب نفسها والشخصيات تتحدث على سجيتها، لا ألقنها كلامي
أنا ولا ألبسها قميصي ولا أحركها كدمى في مسرح العرائس، بل أفسح لها
مساحة حرة على الورقة لتعبر عن ذواتها وتمارس عاداتها الحياتية.
أقف في منطقة خارج النص، أحبس نفسي وأنفاسي في غرفة زجاجية أراقب المشهد
من خلال هذه الغرفة العازلة. أكتب وأرصد حركات الشخصيات دون أن أسمعهم
صوتي ولا أسمع أصواتهم، لذلك أحكي عنهم قائلا: (قال شيئا صغيرا في
نهايته ضحكة فرحة)، لأني شاهدت الشفاه تضحك ولم أسمع صوت الضحكة. تدخلي
في النص فقط لأطمئن على سيرورة الحدث دون عوائق الكلمات الوعرة أو
الصياغات الغامضة، أتسلل إلى المشهد أحيانا فقط لأتـأكد أن وسادة المريضة
في وضعها الصحيح، وربما لمست الوسادة لأتأكد أيضا أنها ناعمة بما يكفي
لتستغرق المريضة في موت عميق.
إن الكتابة ليس لها وقت محدد وتأتيني الأفكار طوال الوقت أثناء الممارسات
الحياتية اليومية. كل مشهد يمر أمامي هو فكرة كتابة قصة، ولكن ليست
كل فكرة قابلة لإنجاز قصصي. تأخذ الفكرة وقتها لتنضج على لهب ضئيل،
وأحيانا تأتي الفكرة وتتحول إلى قصة كاملة في نفس اللحظة ويبقى فقط
التقاط القلم وتسجيلها على الورقة ونشرها في اليوم التالي، وأحيانا
تأخذ الفكرة سنوات ولا تعدو فكرة لقصة مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
* تنشغل بهواجس الذات البشرية وملامسات عذابات
الكائن في هذا العالم.. هل بات من الضروري للمبدع أن يتحمل كل هذه
الآلام ليضيئ دهاليز العتمة في النفس الإنسانية ويصبح كالشمعة التي
تحترق لتنير ما حولها؟
** نعم أنا معنيٌ بعذابات الذات البشرية، وأنا
خاضع للعاطفة العميقة نحو هذا الكائن في العالم، والمبدع شاء أم أبى
فهو يحمِّل نفسه آلام هذا الكائن، لأن تأثر الكاتب بما حوله لا يشبه
تأثر الآخرين الذين يمرون على الأحداث والمواقف الإنسانية مرور البليد
الجامد. والمبدع هو شمعة تضيئ مشهد الألم ليراه العالم، ويزيح الستائر
عن مسرح الحياة، قد لا يقترح حلا ولا يضع علاجا، ولكنه يكشف ويشخص
ويفضح ما تخفيه الزوايا المعتمة في العالم.
* المشهد القصصي في بلادنا تتداخل في فضائه أصوات
متباينة الإيقاع والرنين.. كيف تقرأ هذا المشهد ومن أي زاوية تنظر
إليه؟
** المشهد القصصي في بلادنا جميل في العموم فيه
الجميل جدا وفيه الحسن وفيه الضعيف. وأنا سعيد بما أراه من الحضور
المميز للقصة في بلدي وبجهود مخلصة من إخواني من كتاب القصة والمبدعين،
وهذا مدعاة للبهجة والفخر. وكما ذكرتَ في سؤالك، فإن فضاء القصة يحوي
أصواتا متباينة، وبعض النصوص لم تتجاوز تعثرات البداية ونصوص أخرى
لا تزال غارقة في الصياغات الثقيلة والسرد المربك والغامض ولا يخرج
منها القارئ بأي متعة أو إدراك للمعاني الملتوية (لا تكن واضحا ولكن
كن دقيقا). أتمنى من كل كاتب أن لا يكرر ما كتب غيره، ولا حتى نفسه،
بل أن يبحث عن لغته الخاصة التي لا يشبهه فيها أحد. لكل كاتب بصمة،
فعليه أن يسعى في البحث عن بصمته ثم يخلص لها، لأنها بصمته الخاصة.
أنا أقرأ لجميع كتابنا المبدعين وأحب أن أقرأ لهم، وكلما ظهر كاتب
أشعر بسعادة وأحب أن أصافح يمينه وأحثه على مواصلة الكتابة لأن الإبداع
بحاجة إلى الكثير من التدريب والتكريس، وألا نكون في عجلة.
ودائما أشعر بالقلق حين أذكر القاصين بأسمائهم خوفا من أذكر كاتبا
وأنسى آخر، ولكن بالطبع لا يمكن ذكرهم جميعا هنا في هذه المساحة الضيقة،
بيد أني لا أستطيع أن أمنع نفسي من التعبير عن إعجابي بنصوص جوخة الحارثي،
خاصة في مجموعتها (صبي على السطح)، حيث السرد الرائق الممتع والقصة
(الجميلة)، القصة الحكاية، الأفكار البديعة واللغة المدهشة.. وقصص
سليمان المعمري بنكهاتها المميزة وألوانها الخاصة، وقصص القاصة والشاعرة
بدرية الوهيبي والتي أتمنى منها أن تكرس جزءا أكبر من منجزها الإبداعي
للقصة لتتحفنا بنصوصها الشجية الجميلة، وبشرى خلفان ونصوصها ذات الأجواء
الخاصة وبراعة الفكرة والشخوص المشخصة بدقة، ولا ننسى من استهلوا البداية
للقصة العمانية المعاصرة: محمد اليحيائي وعبدالله حبيب ومحمد القرمطي
وأحمد بلال ومحمد البلوشي ويونس الأخزمي وسالم الحميدي ويحيى المنذري
وعبدالله بني عرابة وسالم آل توية، وغيرهم من كتابنا الجميلين.
* سؤال يفرض نفسه حاليا.. يقال إن القصة بدأت
تسحب البساط من تحت الشعر الذي ظل متربعا على عرش الهرم الأدبي منذ
عصوره الأولى وأن هذا العصر أصبح عصر الرواية دون منازع.. ما تعليقك
حول هذا الأمر وهل ستكون القصة فعلا ديوان العرب مستقبلا؟
** القصة والشعر نوعان إبداعيان مختلفان، كانا
ولا يزالان منذ الأزل، فهناك قصة وهناك شعر. ولن يحل إبداع مكان إبداع
آخر، فلكل نوع محبوه وحضوره ومتذوقوه، والمتذوق للكلمة الجميلة سيجد
مبتغاه في الشعر كما يجده في القصة، وفي القصة قد تقرأ الصياغة الرقيقة
الملتبسة بحرير الشعر، وفي الشعر قد تستمتع بمشاهد حكائية. والقصة
الحديثة لا تستغني عن بعض من روح الشعر.
لا أشعر أن الهيمنة للرواية أو القصة، إننا نرى أن القصة والرواية
والشعر في خيمة واحدة..
* كثيرا ما تحاصر السيرة الذاتية للكاتب أيا
كان اشتغاله فتبرز الأنا بشكل أو بآخر في ثنايا ما تخطه أنامله.. ترى
كيف يستطيع المبدع تجنب مثل هذا الأمر.. وبرأيك هل الأمر في حد ذاته
يمثل عيبا في تقنيات السرد كما يصنفه بعض النقاد؟
** إذا نظرنا للقصة من مفهوم أن لكل كاتب بصمة
تظهر في قصصه، فإمكاننا أن نقول إن جميع النصوص هي قصص ذاتية، تعبر
عن ذات الكاتب ونظرته للحياة والأشياء، وهذا ربما ينطبق على الأسلوب
واللغة والصياغات السردية والنكهة الخاصة في أجواء النص، وهذا أمر
لا محيد عنه لأن لكل كاتب أسلوبه وبصمته الخاصة.
أما أن نرى سيرة الكاتب الذاتية منعكسة في نصوصه سواء بصورة مباشرة
وصريحة أو استشفافها من خلال سياقات محددة وترميز خاص يحيلك إلى حياة
الكاتب الشخصية، فهذا أمر لا يمكنني تصنيفه عيبا بشكل مطلق، وإنما
ننظر إلى مستوى الإبداع والاشتغال المتقن في العمل بحيث نرى تضمين
السيرة الذاتية خادما لفنية العمل وجمال النص القصصي أو الروائي. أما
أن تتحول جميع نصوص الكاتب إلى فصول ومحطات لسيرته الذاتية دون التفات
إلى شخصيات أخرى تعيش في الحياة فربما اعتبر ذلك مما يؤخذ على الكاتب
وقد يمثل عيبا في تقنيات السرد على رأي بعض النقاد كما تقول في سؤالك..
ومما ألاحظه أنا في كتابات بعض كتابنا هو النزوع للكتابة بصيغة الراوي
المتكلم في الكثير من نصوصهم القصصية إلى درجة تحول القصة إلى كلام
طويل وأفكار وتداعيات خيالية، دون احتفاء بالسرد وتصوير المشاهد والوصف.
* ما مشروعك القادم؟
** ليس ثمة مشروع بمفهوم التخطيط والتحضير، وإنما
قد تكون (أمنية) في أن أكتب المزيد من القصص وأضمنها في مجموعة قصصية
ثانية. وأتمنى أن أطور من أسلوبي وأتجنب الوقوع في بعض الهنات الكتابية
والتكرارات في اللغة والمشاهد والشخصيات والأجواء.. أن أكتب ببساطة
أكثر وقصصا أجمل، كل هذا من أجل القارئ العزيز الذي أحترمه كثيرا وأخشاه،
سأحاول أن أكتب بصورة أجمل لكي يبتهج القارئ، لأنني أعتبر نفسي قد
(أبرمت) عقدا مع القارئ بأن أكتب بشكل جيد. هذه أمنيتي وهذا مشروعي
الدائم.
* عبدالحكيم عبدالله
أعلى
لوحة "الأعلام الثلاثة" للفنان الأميركي
كاسبر جونز
قدم الفنان سلسلة من الأعمال الفنية تحت موضوع
واحد وجاءت أعماله بأساليب وخامات مختلفة
المنظور العكسي الذي قدمه في ذلك الوقت يعتبر إضافة جديدة في ميدان
الفن التشكيلي
ولد الفنان الأميركي كاسبر جونز عام 1930م في
ولاية جورجيا بالولايات المتحدة الأميركية، تميز أعماله الفنية بحس
عال وفكر غامض في كل ما يقدمه للمتلقي من أعمال فنية. أكثر أعماله
الفنية تنتمي إلى المدرسة التجريدية التعبيرية ويطلق على أعماله في
بعض الأحيان الأعمال المنتسبة للدادية الجديدة حيث كانت هذه المدرسة
تعتمد على المعتمدة على الواقع والخيال بحيث ينفذ العمل الفني بأسلوب
فني تجريدي، وقد مهدت أعماله الفنية المبتكرة في بداية الخمسينات من
القرن العشرين لظهور وأبتكار أساليب فينة جديدة ساعدة على توليد عدد
من الحركات الفنية التي جاءت بعد ذلك مثل الفن الجماهيري (البوب أرت)
وعالم الفن المفاهيمي وغيرها من أشكال الفنون المعاصرة والتي جاءت
متناقضة مع معطيات الجيل السابق والتي تعتمد على أساليب التركيب والتقنيات
التعبيرية التجريدية وهي تؤكد على سيطرة الضمير على الفكر والخامة
في نفس الوقت.
قدم الفنان سلسله من الأعمال الفنية تحت موضوع واحد وهو "العلم
الأميركي" حيث جاءت أعماله بأساليب وخامات مختلفة وكانت في بعض
الأحيان أحادية اللون كما في "الراية البيضاء" عام 1955
حيث أنتج هذا العمل من خلال اللون الأحمر واللون الأبيض و اللون الأزرق،
وتلتها العديد من الرسوم والمطبوعات المختلفة الوسائط في سلسلة الأعلام
كما في عملة المسمى بـ" العلم" والذي نفذه عام 1957 بأسلوب
العلم الأحادي، أما في عام 1958 فقد أستطاع الفنان أن يقدم تجربة جديدة
لهذه السلسلة من الأعمال حيث نفذ الفنان لوحة "الأعلام الثلاثة"
والتي اعتمدت على ثلاث لوحات من التوال للعلم الأميركي مطروحة بعضها
البعض على ما يبدو عكس المنظور وهي متجه نحو المشاهد.
اليوم سوف نحاول تحليل لوحة "الأعلام الثلاثة" لهذا الفنان
وذلك من حيث محتوى العمل الفني ومضامينه وهيئته،وعلاقة الفنان منفذ
هذا العمل وعلاقته بالمجتمع الذي يعيش فيه.
في بداية الحديث يجب أن نعرف أن هذا العمل الفني هو انعكاس صادق للخلفية
الثقافية للفنان كاسبر جونز وذلك من حيث أن هذا الفنان قد قضى عامين
ونصف في الخدمة العسكرية في الجيش الأميركي أثناء الحرب الكورية ومن
ثم عاد إلى نيويورك في عام 1953. من المؤكد أن هذه الخلفية قد أثرت
على قيم الإنتاج الفني في أعمال هذا الفنان سواء كانت بالسلب أو بالإيجاب
نحو القومية الأميركية. ولنبدأ في تحليل هذا العمل الفني من خلال المحاور
التالية:
وصف محتوى العمل الفني:
يتكون هذا العمل من ثلاثة أعلام للعلم الأميركي وهي مرسومة على توال
(الكانفس) ومثبته بشكل متدرج في المساحة بحيث توحي بالبعد الثالث في
العمل الفني وكأنه عمل تركيبي نحتي. وتظهر هذه الأعلام وكأنها مسطحة
ويتحقق الاتزان فيها من خلال التدرج المساحي للعلم من المساحة الكبيرة
في مؤخرة اللوحة وحتى المساحة الصغيرة للعلم الموجود في مقدمة اللوحة.
إن هذا التنظيم الإنشائي لهذا التكوين يتخذ منظور مغاير للواقع فهو
يقدم رؤية جديدة ومخالفة لقواعد المنظور الكلاسيكي والتي تعتمد اعتمادا
كبيرا على إن الأشكال في مقدمة اللوحة يجب أن تبدو كبيرة وتصغر كلما
بعدة وتلاشت مع نقطة التلاشي في العمل الفني. إذا فإن بؤرة المنظر
هنا ليس كلاسيكية وإنما هي منظور تم إظهاره بشكل معاكس ومغاير لقواعد
المنظور فهو هنا يقدم معالجة جديدة لكيفية إيجاد وخلق المنظور في الأعمال
المسطحة والتي تبدو وكأنها ثلاثية الأبعاد. كذلك يمكن أن يطلق على
هذا المنظور "المنظور الجوي" (أو المنظور العلوي) وكأن الأعلام
الثلاثة قد الُتقطت من أعلى بواسطة صورة جوية كما أنها توحي بالتجسيم
لأشكال الأعلام الثلاثة.
ومن أهم ما يميز هذا العمل أيضا أن الشكل أصبح أرضية والأرضية أصبحت
شكلا بحيث لا يمكنك أن تميز بين الموضوع والأرضية وكل هذا قد تم بشكل
مُحكم ومُتميز من حيث قواعد ومبادئ التصميم الجيد، فالعلم لم يعد علماً
واحداً ولم يحتل مساحة واحدة كما فعل كاسبر جونز في أعماله الأولى
من هذه السلسلة وإنما أصبح العلم أعلام ثلاثة ومتمركزة في وسطح اللوحة
ومن هنا لم يكن العلم مُهمش في إطار اللوحة وإنما الأعلام الثلاثة
للعلم الأميركي أصبح لها قيمة تعبيرية يمكن أن نستدل عليها من خلال
تحليل مضمون هذا العمل الفني وتتأكد من خلال تكرار العلم بهذا الأسلوب.
كذلك تم توزيع الشرائط البيضاء والحمراء والزرقاء بشكل متساوي يوحي
بالاتزان وإن كل لون يقابل اللون الأخر بإحكام في منتهي الجمال بحيث
إن عين المشاهد لا تخرج من اللوحة وإنما تعود إلى داخل العمل الفني
وتؤكد على مركز السيادة في هذا العمل، كما إن النجوم وكيفية ترابطها
وتراصها يظهر مدى قدرة الفنان على السيطرة على التكوين رغم اختلاف
نسب المساحة بين الأعلام الثلاثة فهي-أي النجوم- قد ظهرت وكأن بينها
ترابط وانسجام.
المعاني التي يمكن أن يثيرها هذا العمل:
استخدام العلم الأميركي يعتبر موضوعا نمطيا للفنان كاسبر منذ منتصف
الخمسينات حيث كانت الصورة تنبثق من الأمور العادية والتي كان العقل
البشري يدركها بشكل اعتيادي ويحاول الفنان تقديمها بشكل مغاير وبفكر
وأسلوب جديد ومضامين قد تكون مثار للجدل وفيما يلي تبيان لبعض المعاني
التي يمكن أن تكون لها علاقة بموضوع لوحتنا هذه "لوحة الأعلام
الثلاثة"
هناك قول بأن "العلم الأميركي" في عمل كاسبر يشكل مرجعية
ذاتية للفنان نفسه، فهوالرقيب كاسبر الذي قد رفع العلم في الجيش البطل
بشجاعة خلال الحرب الثورية، حيث يعتبر العلم شيء ثابت وهو بمثابة شعار
الولايات المتحدة الأميركية والذي يؤدي إلى تقدير الأميرييين للجيش
في حرب فيتنام، وبمعنى أخر إن مفهوم العلم في أعمال كاسبر جونز يدل
على "المعنى" وإن هذا الموضوع يمكن أن يكون مسار تفسيرات
مستمرة ويمكن أن يعاد تفسيره بشكل مرن.
كما أن هناك اختلافا في قيمة هذا العمل الفني هل يعتبر عملا فنيا أم
أنه مجرد علم فقط أراد الفنان مجارات الشعور الوطني برسم العلم الأميركي؟
وهناك حقيقة مرتبطة بهذا العمل الفني حيث انه ينتمي إلى متحف الفن
الحديث في نيويورك أن هذه اللوحة تبعث مثل العلم معقودة على حائط وهي
تقف إلى الأمام من جدران المتحف وهو عمل تصويري للعلم الأميركي بحيث
يبدو وكأنه علم فقط ومن هنا يمكن القول أن وصف هذا العمل بأن المشاهد
يرى العلم ولكن لا يفهم مغزاه ولذلك يصعب القول كيف يمكننا اعتبار
هذا العمل عملا فنيا وليس علم لأنه علم مرسوم على حائط المبنى.
وهناك تساءل يطرح نفسه حول هذا العمل والذي يدور حول عدد النجوم في
العلم الأميركي الأصلي وعدد النجوم في هذا العمل الفني؟ حيث تضاعف
عدد النجوم في عمل كاسبر من العدد 48 إلى 50 نجم ومن هنا نطرح هذا
السؤال هل هناك دلاله حول هذا العمل وهل يمثل هذا العلم: العلم الأميركي
الحالي؟
كما إن هناك حادثة حول هذا العمل الفني حيث يروي لنا الفنان هذا بقوله"
لحلمه ذات ليلة وأنا أرسم العلم الأميركي وفي صباح اليوم التالي قمت
مستيقظا لأشتري المواد الخاصة لتنفيذ هذا العمل وقد نفذته هذا الحلم
بشكل حقيقي".
مهما كانت الأفكار حول هذا العمل الفني فإنه يمثل في معناه الهوية
القومية الأمريكية وهوية الفنان الذي قام بتنفيذ هذا العمل من واقع
اهتماماته وخلفيته الثقافية وعليه فإن المنظور العكسي الذي قدمه في
ذلك الوقت يعتبر إضافة جديدة في ميدان الفن التشكيلي.
د. محمد بن حمود العامري
أكاديمي عماني
أعلى
عندما
يفحص العلم الفن ...
استبصارات مثيرة للدهشة عن العقل المبدع
اعتقد موندريان أن الخط المستقيم أساس كل الأشكال و في أواخر القرن
العشرين فقط اكتشف الفسيولوجيون خلايا متخصصة في الدماغ تستجيب للخطوط
المستقيمة
التعقيد الكسري في لوحات بولوك بالتنقيط ازدادت مع مرور الوقت، أي
أن اللوحات المتأخرة أعقد من اللوحات المتقدمة
الدوامات النهرية في لوحات فان جوخ مطابقة لنموذج كولموجوروف الإحصائي
عن الاضطراب، و الغريب أنه رسمها في الأوقات التي كان يعاني فيها نوبات
ذهنية شديدة
دعا باحث الأعصاب الأميركي جوناه لهرر Jonah Lehrer علماء الأعصاب
إلى استبطان الرؤية الفنية بغية تحقيق فتح طال انتظاره في فهم ظاهرة
الوعي التي تعد حاليا أكثر الألغاز إثارة للحيرة.
لماذا ؟ لأن الدراسات العلمية للوحات الفنية أظهرت أن الفنانين حققوا
استبصارات سبقت العلم لا يمكن تفسيرها إلا على أساس عبقرية لا تعمل
عن طريق إنقاص التجربة إلى مكونات أصغر بل على رؤيتها رؤية كلية. على
سبيل المثال، لوحات الرسام الهولندي موندريان التى عبارة عن أشكال
مكونة من خطوط مستقيمة ( انظر الصورة ). يقول موندريان أنه في بحثه
عن الحقيقة الثابتة للأشكال استقر على الخط المستقيم لأنه يعتقد أن
الخطوط المستقيمة أساس كل الأشكال. في أواخر القرن العشرين فقط اكتشف
الفسيولوجيون خلايا متخصصة في الدماغ تستجيب فقط للخطوط المستقيمة،
يعتقد حاليا أنها أساس إدراك الأشكال.
مثال آخر: لوحة بيكاسو، تراجيدي، المحنة ( انظر الصورة )، التي يستعمل
فيها لونا واحدا، الأزرق، والسطوع. مع ذلك يمكننا أن نشعر بالعمق في
اللوحة. العلماء يعرفون الآن، وليس آنذاك، أن الدماغ يدرك العمق عن
طريق جزء من النظام البصري لا يستجيب للألوان بل للظلال الرمادية،
أي مقارنة فوارق السطوع أو الإضاءة.
وهناك أمثلة أخرى اكثر إثارة للدهشة. فقد اكتشف خوسيه أرانجون من الجامعة
الوطنية المستقلة في المكسيك وزملاؤه أن ضربات الفرشاة الحلزونية في
لوحات فان جوخ ( انظر لوحة الليلة النجمية) تصوير طبق الأصل تقريبا
لظاهرة الاضطراب في الطبيعة : دوران السحب والدوامات النهرية. يوضح
خوسيه بقوله: ان الدوامات النهرية في لوحات فان جوخ مطابقة لنموذج
كولموجوروف الإحصائي عن الاضطراب . و الغريب أن هذه اللوحات رسمها
الفنان في الأوقات التي كان يعاني فيها نوبات ذهنية شديدة . فلوحة
الليلة النجمية رسمها و هو في المصح العقلي الذي قتل فيه نفسه لاحقا.
فكيف أدرك هذا الفنان المضطرب حقيقة فيزيائية لم تكشف إلا فيما بعد
؟ دراسة أخري للوحته الأخرى "أزهار عباد الشمس" كشفت أن
النحل الطنان الذي لم ير من قبل أزهارا حقيقية فضل هذه اللوحة على
لوحات الأزهار الأخرى! و هذا بالضبط ما يدعو لهرر إلى فهمه : كيف يحقق
العقل المبدع هذا الاستبصار؟ ماذا يرى هذا العقل ما لا تراه سائر العقول
؟
مثال آخر. الدراسات التي قام بها عالم الفيزياء الاسترالي رتشارد تيلر
للوحات الرسام الأميركي جاسون بولوك، التي رسمها عن طريق تنقيط الدهان
على قماش على الأرض ( انظر الصورة )، كشفت أنها ليست عشوائية، كما
تبد، بل تكشف عن أشكال كسرية متكررة كما توجد في الطبيعة : فروع الأشجار،
على سبيل المثال. الأشكال الكسرية هي الأشكال التي تكرر نفسها بحجم
اصغر في المساحة نفسها، الشجرة على سبيل المثال، بدون أن تكون متطابقة.
و دراستها احد فروع الرياضيات، الهندسة الكسرية. بل لقد اكتشف تيلر
أن التعقيد الكسري في لوحات بولوك بالتنقيط ازدادت مع مرور الوقت،
أي أن اللوحات المتأخرة اعقد من اللوحات المتقدمة. لقد كان الغرض من
أبحاث تيلر التي استخدم فيها التحليل بالحاسوب اكتشاف سر جاذبية هذه
اللوحات للمشاهد. و يبدو أن السر هو أن الناظر، بدون أن يعي، ينظر
إلى سر هندسي خفي في الطبيعة التي حوله يدركه العقل باطنيا. بل أنا
نفسي اذكر أني رأيت في كتاب عن الأشكال الكسرية صورة ظننتها لأول وهلة
أنها لوحة لبولوك حتى قرأت أنها صورة فوتوغرافية لجزء من عشب نابت
متشابهة ألوانه! في الصورة لا تظهر السماء و لا أي خلفية أخرى.
و ذكر أيضا أنني و الأهل ذهبنا إلى أحد الفنادق في صلالة فرارا من
الحر عندما انقطعت الكهرباء عدة ساعات في السنة الماضية. وعلى طول
ممر كانت هناك لوحات مصفوفة رسمتها نسوة من صلالة. اللوحات بحق كانت
راحة للعين و راحة للقلب. لكن يمكن لهاو مثلي أن يكتشف أنها لا تختلف
عن لوحات المدارس الفنية المعروفة. لا أقول أن دراسة هذه اللوحات،
على رغم جاذبيتها، يمكن أن تكشف لنا شيئا جديدا و لكنني أقول انه بدون
الخروج من سطوة المدارس الفنية لا يمكن أن نقدم شيئا جديدا. العقل
المبدع، مثل عقول هذه النسوة، يحتاج أن لا يشغل نفسه بالمدارس الفنية،
حينها يمكن أن يستبطن ما يأسر النفس.
هذا ، في رأيي المتواضع و هو رأي يقبل الخطأ ، احد الأسباب وراء أمر
الله للملائكة أن يسجدوا لآدم ، أول إنسان. ليس فقط لمقدرته على معرفة
الله و العلاقة معه. ليس فقط لأنه مؤهل للاستخلاف في الأرض بعمارتها
مع إظهار صفات الخلافة كالرحمة والإحسان و العفو. بل لأنه، خلاف القرود،
يستطيع أن يصمم آلات تسير على سطح كواكب أخرى، و أن يرسم لوحات تحرك
كوامن العقل الباطن.
لذا يقول لهرر أن ما دفعه إلى دراسة الفن أنه أثناء اشتراكه في تجارب
عن طبيعة الذاكرة كان يقرأ رواية بروست wann's WayٍS ، ليفاجأ أن بروست
في هذه الرواية قد تنبأ قبل مائة سنة بما كشفته هذه التجارب.
محمد بن عبدالله العليان *
* إعلامي عماني و عضو الرابطة الدولية للكتاب العلميين
أعلى
بلاد الشمس
رحلة صمويل مايلز إلى الجبل الأخضر سنة 1876م ( 5 ـ 5 )
أسرعنا في مسيرنا لمدة ساعتين على ضوء نهار تلاشى
بسرعة، وعند الغروب اقتربنَا مِنْ أطرافِ علاية سمائل
حصن "الخوض" يجثم، بشكل رائع، على قمة جبل منفرد، مطلا على
قاع الوادي، و قريةٍ ذاتِ بساتين
أسرعنا في مسيرنا لمدة ساعتين على ضوء نهار تلاشى
بسرعة، وعند الغروب اقتربنَا مِنْ أطرافِ علاية سمائل، أو سمائل العُليا،
وبَدأنَا بعُبُور مزارعَ وحدائقَ، مختلطة بأشكال غامضة لبيوتٍ وأكواخٍ
من سعف النخيل. لم يكن أمرا سهلا أن نشقَّ طريقنا بين شبكة معقّدة
من قنواتِ الرّيِّ ومتاهةِ النخيلِ، وفضّلنا أن لا نتغلغلَ أكثر في
البلدة، خشية أَنْ نُزعجَ الناسَ ونُقلقَهم بظهور قافلة مفاجئة بينهم
وقتَ الغروب، فانعطفنا للتخييم بجانب الغيل.
بنو رواحة بقيةَ من قبيلة شهيرة ونبيلة، هي قبيلة بني عبس. عدنانيون
من سلالة غطفان، ويزعمون أنهم ينحدرون من بني هاشم، وعند بداية وصولهم
لعمان سموا أنفسهم بني هَشّام. ويبدو أن اسم القبيلة يعود إلى رواحة
بن ربيعة؛ رغم أن بعض العرب ما زالوا يطلقون عليهم أولاد عبس. ومع
أنهم من أحدث المهاجرين، دخلوا عمان بعد الإسلام، فقد استولوا على
أخصب الأودية في البلادِ، ولهم الآن مكانة ونفوذ، حيث يشكلون جالية
قويَّة تعدادها حوالي ثمانية عشر ألف نسمة، يُؤْهِلون ثلاثين قريةَ.
إنّ قصّةَ حربِ داحس، التي دامتْ لأربعين سنة، صورة نموذجية للنزاع
المُميتِ الذي يَحْدثُ على مراحل في حياة البداوةِ العربيةِ، حتى في
الوقت الحاضرِ. إنّ تفاصيلها، التي جمعها شعراءُ العرب ورواها كل من
فريسنال وكوسين دي بيرسيفال، غاية في الغرابة، لكنها طويلة ويصعب حشرها
هنا، ويمكنني أن أعطي فقط خلاصة واضحة لها.
في سنة 562 بعد الميلاد، قام شيخ قبيلة عبس، قيس بن زهير، بغزوة ناجحة
على قبيلةِ ثعلبة، وكفديةٍ للغنيمةِ والأسرى الذين أخذهم، تلقى فرسا
مشهورا يسمى داحس. أصبحَت الرشاقة الاستثنائية لداحس موضوعا تتباهى
به القبيلة، مما أثار حسدَ جيرانِهم، ولم يطل به الأمد حتى أشرك في
سباق مع فرس آخر. هذا السباق اشترك فيه ابن عم قيس، الشيخ حَمَل بن
بدر(16)، شيخ قبيلة ذبيان، بفرسه الغبراء، وكان الرهان عشرا من الإبل
على مسافة خمسين رمية سهم. أعد للسباق دون علم قيس كليا به، وعندما
فوجئ به رفضه رفضا قاطعا، وأراد الانسحاب، لكنه وافق بعد أن زيد في
الرهان مئة ناقة، وضوعف الرمي إلى مئة سهم. عندما اقترب اليوم المحدد
للسباق، كان الفرسان قد أضمرا، وتم الاتفاق على أن أول فرس يغمر أنفَه
في حوض ماء يبعد عشرة أميال من نقطة البداية سيعلن الفائز. أطلق الفرسان
دون راكبين، ولكي يكون عدوهما سريعا؛ كانت إثارة العطش بمثابة السائط
والمهماز. على سهل رملي لين تكشّفتْ قوة داحس التي لا تُضاهى، وتقدم
بسرعة على منافسه، الذي رغم رشاقته، كانَ أقل نـَفَسًا في العدو. كان
داحس سيكسب السباق بلا ريب، لولا حيلة شيخ ذبيان، الذي أمر رجلا بأن
يتخفى في حفرة بالمضمار؛ ليقوم بإجفال داحس وتعثيره عن تقدمه. نَجحتْ
الخدعة، وأحرزت الغبراءُ قصبَ السبق. علم قيسٌ بالحيلة من أحد المتفرجين،
وانكفأ على نفسه مغيظا مُحنقا. ونظرا لأن السباق وقع في منطقة قبيلة
ذبيان، لم يكن بمقدوره أكثر مِنْ الاحتجاج، وعبثا حاول إقناع الشّيخ
حَمَل في إنصافه بإعادة الرهانِ، فرجع إلى قبيلته. كانتْ عبس مستشيطة
وتوّاقة للانتقامِ فعجّلتْ بضربتها الأولى، وكان ضحيتها أخُ الشيخ
حَمَل، الذي قام بالعمل الغادر. ومن هذه الواقعة تتالتْ العداواتُ،
بالطبع، وكان على عبسٍ أن تدفع فورا لذبيان دِيَة القتيل، وهي مائة
ناقة. قَبِلَ الشّيخُ حَمَلُ الدِّيَةَ عن أَخيه، لكنه، بعد استلامها،
انتقمَ لنفسه غدرا بقتل أخٍ للشيخ قيس.
توالت الحروب، وفي المعركة الأولى، المعروفة بذي المراقب، كان النصر
لعبس، لكنها في الثانيةِ، هزمتْ هزيمة نكراء، وأجبرتْ فيها على تقديم
الرهائن. أعقبتْ ذلك هدنة طويلة، وعند انتهائها سنة 576 بعد الميلاد،
قام الشّيخ حمل بقتل الرهائن على نحو شنيع، بدلاً مِنْ أنْ يُعيدَهم
إلى عبس.
الهجوم الذي قام به الشيخ قيس، بعد سماعه الخبر مباشرة، كانَ مفاجئا
وعنيفا جدا، حيث باغت بني ذبيان، وقتل منهم اثني عشر نفرا. بعدها أصبح
العبسيون في حالة حرجة، كونهم أقل قوة من ذبيان، فأزمعوا على الهِجْرة.
تبعتهم ذبيان، وكانوا يسلبون أمتعتهم، إلا أن عبسا انقضوا عليهم في
هجوم مباغت، وهزموهم هزيمة نكراء، وقتلوا سيدهم الشيخ حمل، الذي سبّبتْ
خيانتُه الحرب. وبعد العديد مِنْ الرحلاتِ والمغامراتِ، وَصلَ العبسيون
إلى أرضِ أعدائهم القدامى، بني عامر بن صعصعة، الذين استقبلوهم بلطف
وكرم.
كان بنو عامر في هذا الوقتِ على عداء مع بني تميم، الذين تحالفوا حينها
مع ذبيان، وأصبحت الحرب حتميةَ الآن، وجمع الفريقان قواهما للمعركة
الأخيرة، ويقال إن القوات التي حشدتها كل من ذبيان و تميم في ميدان
المعركة لم يعرف أكبر منها في بلاد العرب. أما عبس وعامر فقد تراجعوا
إلى مضيق جبلي شديد الانحدار يدعى شِعْبُ جَبَلة، حيث ترقبوا الهجوم.
حاول الأعداءُ، واثقين من عددهم، اقتحامَ الشعب، لكنهم وقعوا في مكيدة
و فوضى، و اندفع عبس و عامر نحوههم من الجبل فشتتوهم وهزموهم هزيمة
شنيعة. حدثت هذه المعركة المشهورة في سنة 579 بعد الميلاد، ومع أنها
أنهت عمليا الحملة العسكرية، إلا أن القبيلتين ضلتا في حروب متقطعة
أكثر من ثلاثين سنة، حتى أصلح بينهما أخيرا الوسطاء، وعادتْ عبس إلى
مقرها السابق. أما الشيخ قيس بن زهير فقد استنكف أن يقيم سلاما مَع
أعدائه، ذبيان، وذَهبَ إلى عُمان، حيث اعتنق المسيحية، وأصبحَ راهبا
أو ناسكا.
هكذا يختصر الشعر العربي القديم القصة، لكن التراث الشفهي للقبائلِ
غيّرَها بعض الشّيء على مدى الأزمان؛ فعلى سبيل المثال، يَعتقدُ العديدُ
مِنْ العرب الآن بأنّ داحس ركبه أثناء السباق الشيخ قيس، والغبراء
ركبها الشيخ حمل.
مُبكِّرًا في صباح اليوم التالي، 17 يوليو، عَبرتُ حدود البلدة ودَخلتُ
سفالة سمائل، أو سمائل السفلى، حيث استقبلني وحياني الوالي السيد ناصر،
الذي كنتُ قد تعرفتُ عليه قبل سنتين في صور. بعد تناول القهوةِ أخبرتُه
عن عزمي للمُضيِّ قُدُما إلى مسقط في الحال، وطَلبتُ مِنْه تدبير نوق
جديدة دون تأخير. اعترضَ على هذا، وألحّ علي للبَقاء مَعه حتى اليوم
التالي، وقال بأنّه من واجبه إكرام ضيوفه العرب قبل أن يسمح لهم بالمغادرة.
لم أود التأخر، لَكنَّه كان من المستحيل رفض المجاملة الكريمة للسيد،
لذلك وافقتُ على الوليمة بشرط أن تكون النوق في متناولنا الساعة الواحدة
بعد الظهر. قادني السيد ناصر إلى مسكن صيفي في حديقة صغيرة على حافة
الغيل، وكان مؤثثا كالمعتاد ببعض السجاد والمساند، وهناك تَركني أتمتع
برفاهية الاستحمام قبل الإفطار.
"الدايرة"، أَو دائرة سمائل، قد يطلق عليها عاصمة الوادي،
لأنها تشمل مسكن الوالي، وحصنا منيعا، وهي المركزُ الرئيسي للسكانِ،
إذ يقطنها مختلف القبائل. ومع ذلك، فهي ليسَت بلدة متراصة واحدة، لكنها
بالأحرى مجموعة من اثنتي عشْرة قرية متجاورة بلا أسوار، تشكل بمزارعِها،
وحقولها، وأبراجها، ومنازلها، مستوطنة مترفة ورائعة، تمتد على طول
الوادي لمسافة 10 أميال، ويبلغ متوسط عرضها ميلا واحدا. إنّ أسماءَ
القُرى المختلفةِ التي تتكون منها "الدايرة" هي: سمائل الحاجر،
الغبرة، حراص، لزغ، المزيرع، ستال، الجِمّار، البستان، السيح، الجبيليّة،
الدبك، وسيح السهيلة. وهي تنقسم إلى قسمين متساويين تقريبا، يعرفان
بسمائل العليا، وسمائل السفلى، يحتل الأولى بنو رواحة و بعض القبائل
الهناوية الأخرى، والثانية يحتلها الغافرية. يقع الحصن في سمائل العليا.
خط الحدود الذي يَفصلُ هذه المعسكرين العِدائيينِ مُعرَّف بوضوح، وهو
عبارة عن خندق مستعرض صغير يسمى "شرقة الحيدة".
هناك سوق شعبي يعقد يوميا بالقرب من الجهة الشمالية للحصن، ويَشْمل
مؤن الغذاءِ العاديةِ الضرورية، من فاكهة، وخضار، ولحم، وسمكٍ مملـّح،
لكن لا توجد فيه محلات لبيع الأقمشة. وسمائل، في الحقيقة، لا يمكن
أن تزدهر فيها التجارة؛ لأن نفوذ السلطة فيها ضعيف جدا، ويسود فيها
شعور عام بعدم الأمان.
إنّ المستوطنةَ غنيةُ بتمر "الفرض"، وتنتج أجودَ أنواعه
على الإطلاق. وهذا النوع من الرطب يفضله الأميركان، وهم يحسنون تقديره،
ولذلك تُشحن كميات كبيرة من الفرض سنويا إلى أسواق نيويورك وبوسطن.
في السنة التي أَكْتبُ فيها هذه الرحلة (1876)، كانت ترتاد مسقط بانتظام
سفنٌ مِنْ بوسطن لشحن التمور مضغوطة في أكياس، لكن في السنوات الأخيرة
تغير الحال، فأصبح الفرض يُوضَّب في صناديق، و يُصَدَّر إلى الولايات
المتّحدةِ عن طريق البواخر. تَنْمو الفواكه هنا بوفرة و بألوان مختلفة،
ومن نوعية ممتازة. وتعتبر سمائل مصدرا أساسيا لإمدادات أسواق مسقط
وغيرها من البلدان.
إنّ الصناعةَ الوحيدةَ التي يمكن الإشارة إليها هنا هي نَسْج الأقمشة،
وصَريرُ المنوالِ قَدْ يُسْمَعُ في كُلّ قرية. البُجَّرَة، والخضرنج،
واللنجي(17)، هي الأقمشة الرئيسية التي تنتج هنا، والقطن الذي تصنع
منه، بنوعيه الأبيض والبني، يزرع على نطاق واسع في الوادي. إنّ المنوالَ
ثقيلُ و بدائي جدا، وأفقيٌّ (لَيسَ عموديا مثل المناويل اليهوديةِ
التي قرأنا عنها في الكتاب المقدّسِ)، والحائك يَجْلسُ ويشتغل عليه
في حفرة ليست عميقة، ونِصْف جسمِه تَحتَ سطح الأرض. الدخل السنوي الذي
يستمده سلطان مسقط مِنْ سمائل للإنفاق المحلي يقال بأنه بلغ 6000 دولار؛
ثلثا هذه المبلغ يُحصَّل من الزكاة، والثلث الباقي تتم جبايته عادة
من بيت المال. قد يتراوح عدد سكان سمائل ما بين 20،000 إلى 25،000
نسمة، ومن الصعب تقديره في بلد كبير ومتفرق كهذا.
إن سلسلة الجبال الشرقية قممها أقل، ومحيطها أكثر انكسارا، من الجبال
الغربية. ولها مسميات عديدة مختلفة، أعلى قمة فيها تصل إلى (5250 قدم)
وتدعى "جبل الطائيين". من بعد قرية "لزغ" مباشرة،
يتفرع الطريق إلى "العقّ"، ويستغرق الوصول إلى قرية بنفس
الاسم حوالي ثلاث ساعات عبر طريق غاية في الوعورة. يُعتَبرُ وادي العق
مفتاحَ مسقط مِنْ جهة المنطقة الشرقية، حيث إنه يمثـّل أوضحَ المسالك
إلى العاصمة. وحين تسنح الفرصة لقبائل الشرقية في مهاجمة مسقط، فإنها
تتدفق عبر هذا المضيق الجبلي الحادِّ والوعرِ إلى شبكة معقدة من الجبال
والأودية، ومن هناك إلى وادي سمائل؛ لكن قبيلةَ الندابيين، التي تمتلك
عقبة العق، تتلقى دعما ماليا من السلطان لحماية هذا الطريق. إنّ وادي
سمائل هنا مسدود الآفاق، لَكنّي تمكنتُ من الحصول على مشهد رائع للكتلة
العملاقة للجبل الأخضر، من قرية الغبرة.
على ربوة صخرية منعزلة ترتفع عموديا عن قاع الوادي، يقابلها من الجهة
الغربية جرف شديد الانحدار، على ارتفاع 300 قدم، يقف الحصنُ القديم،
حيث تُضفي سمتُه مهابة على مشهد المكان. إنّ الموقعَ استراتيجي، ومناسب
جدا لتَمْكين الحصن من أداء ثلاثة أغراض، مقصودة دون شك؛ هي إثارة
الرهبة في نفوس المشاغبين من السكان، والسيطرة على ممر الوادي، وحماية
المستوطنة كلها.
التَلّ شديد التحدر من جميع جوانبه حتى القاعدة، وتصميمُ الحصن مستوحى
كليا من طبيعة الأرض. إنّ مقدمة الحصن الضخمة، أَو البوابة، وفيها
مسكن "العقيد"، أَو قائد الحاميةِ، تقع في الجانب الشرقي
والمنخفض، وتلتصق بالحصن من الزاويةِ الجنوبية الغربيةِ بجدران منخفضة،
مستحوذة على منطقة كبيرة ذات شكل غير متناسق. والحصن عبارة عن برج
دائري كبير مِنْ الحجارةِ الصلبةِ، بُني على أعلى نقطة مِنْ الصخرةِ،
مطلا بمشهد رائع على الوادي. في بوابة الحصنِ بئران حفرتا خلال الصخرة،
بهما معين لا ينضب من الماء، وفي داخل الحصن خزان واسع، يظل دائما
مملؤا. يوجد بالحصن أيضا ثمانية مدافع حديدية، ثلاثة منها محمولة على
عربات، والبقية على الأرض. الحصن في هذا الوقتِ بحالة خراب وتدمير،
لكن الوالي أخبرني بأنه تلقى تعليمات من مسقط لتَصليح الخروقاتِ في
الحيطانِ. الوالي حامي الحصن بالإضافة إلى كونه حاكمَ المنطقةِ، لكنه
لا يَستقرُّ فيه، وحماية الحصن مؤتمنة في يد "العقيد"، وكان
في هذا الوقت قائدا من البلوش، مع ستين رجلا تحت إمرته. أخبرَني السيد
ناصر بأنه حَذِرٌ من التدخل قدر الإمكان في شؤون رجال القبائل، وقد
حَصرَ نفسه في الحفاظ على السلام والنظامِ وحل النزاعات. استنتجتُ
بأنه موقعه يتطلب الكثير من الكِيَاسةَ، الصبر، والحصافة، موقعٌ لا
يحسده أحد عليه، لَكنَّه من الواضح يُعامل من الجميع باحترام وتبجيل
عظيمين.
استغرق كرمُ مُضيفنا كُلَّ الفترة من الشروق إلى الظهيرة، ووجدتُ رفاقي
يتلكؤن في التحرك؛ لكني صمّمتُ على المضي، رغم أن المسافة التي أمامنا
ليست أقصر من اليوم السابق، وبعد أن استأذنتُ من صديقي اللطيف، السيد
ناصر، ركبتُ ناقتي واستأنفتُ الرحلة.
مِنْ حصن سمائل، ينحرف الطريق نزولا عبر الوادي، شمالا باتجاه الشمال
الشرقي لمسافة 12 ميلا، حتى "سرور"، ومن هناك يمتد إلى الشمال
تقريبا. سرور واحة غنية ولطيفة يمتلكها إلى حد ما الهنائيون. من هذه
النقطةِ، يَختفي الغيل عن البصرِ، ويَغْرقُ في تربة مساميّة متدفقا
تحت الأرض لمسافة ما، ثم يظهر ثانية. بعد ميل من سرور، تأتي قرية "مليتة"(18)،
وبعد ميل آخر تأتي "بدبد"، واحةَ صَغيرة ساحرة بنخيلها الوافرة،
تبزغ كجزيرة خضراء خارج أرضية رملية جرداء واسعة. في وسطها قلعة قديمة،
متداعية، آيلة إلى الزوال. بعد سرور، تبدأ التلالُ بالانحسار عن قاع
الوادي، خصوصا على الضفة الغربية، أو اليسرى، ويبرز الوادي ثمة تدريجيا
إلى سهل واسع ومفتوح.
عند "المزرع"، قرية بها برج مراقبة على صخرة منعزلة، يَتفرّعُ
الطريق إلى مسقط جهة اليمين؛ و سأرجئ ملاحظاتي حوله إلى رحلة لاحقة،
وسأستمر في وصف الوادي حتى السيب في قصةِ الرحلةِ الحاليةِ. بعد تَرْك
بدبد، يمتدد الطريق عبر الضفة اليسرى على أرض صخرية لمسافة 5 أميال
تقريبا، ومن ثم يفضي إلى واحة كثيرة السكان ومزدهرة تسمى "فنجا"،
وفي هذا الجزءِ يعرف الوادي بـ"بطحاء فنجا". تخص هذه البلدة
الهنائيين والهدابيين، وهي محاطة بحزامٍ خصيب مِنْ النخيلِ والحقولِ
الغناء، يمتد طولها حوالي ثلاثة أميال. تبعد عن سمائل عشرين ميلا،
ويَتجاوزُ سكانها ثلاثة آلاف نسمة. تَدِينُ البلدةُ بازدهارها لوجودِ
نوع من الصلصال الممتاز في أحيائها، مناسب لصنع أوعية الطبخ والفخاريات
المزجّجة. الجِرار الكبيرة التي يستعملها صَبّاغةُ النيلة، وما يشبهها
من أوان، تـُنتج أيضا في مصانع الفخار هنا. يوجد بعد فنجا مباشرة قناة
مبنية بالحجارة، طولها ثلاثة أميال، تسمى "فلج الضويقار"(19)،
يجري بمحاذاة الضفة اليمنى المرتفعة، ويفضي إلى قرية وقلعة، لهما نفس
اسم الفلج، ولكن القلعة مندثرة الآن. أُخبرتُ أن الفلج بناه، في منتصفِ
القرن الثامن عشرِ، الإمام السيد أحمد بن سعيد، وبَدا أنه قد بُني
وفق هندسة نفيسة لا عهدَ للعرب بها، لكن عندما أجدب الفلجُ و دُمِّر
قبل سنوات عدة، آلت القناة إلى الإهمال والخراب، ومُنْذُ ذلِك الحينِ
وهي متصدعة بفعل السيول الجارفة المتحدرة عليها من الجبال. بعد ثلاث
ساعات من فنجا، وعلى بعد 35 ميلا من سمائل، وَصلنَا إلى حصن "الخوض"،
الذي يجثم، بشكل رائع، على قمة جبل منفرد، مطلا على قاع الوادي، وقريةٍ
ذاتِ بساتين وفواكه أسفل منه. يَعُودُ الحصن إلى قبيلةِ الهدابيين،
ويُعتبر موقعه مهما، لأنه يُهيمن إلى حد ما على خطوط الاتصال بين مسقط
والباطنة. على الضفة اليسرى أو الغربية، يقع وادي "صخنان"،
ويعرف مجراه العلوي بـ "وادي بني جابر"، ويَتّحدُ هنا مَع
وادي سمائل. يُمكن بلوغه على مقربة من سمائل بواسطة ممر منخفض، ويُوفـِّر،
من هناك، طريقا بديلا وقصيرا إلى سهلِ الباطنة. إنّ المنطقة بين الخوض
والبحر، بمسافة 12 ميلا تقريبا، غير مهمة، وخالية من السكان، وجرداء.
استأنفنا رحلتنا مِنْ "المزرع"(20) باتجاه الشرق، محاذين
عن أيماننا، سلسلة جبالٍ تمتد حتى الساحل، وكان الطريق وعرا وصخريا،
مما شقّ على مطايانا وأبطأها في المسير. عبرنا هضبة منخفضة تعرف بـ"نجد
الشِّبّة"، وقطعنا لمسافة 16 ميلا سهلا بحريا ضيقا، مُخَدَّدًا
ومقطوعًا بكثير من الأودية، مارين بعدة قرى تعود لبعض القبائل الصغيرة،
حتى وصلنا "الوطيّة"، وكان بها بقايا من قصر بناه السيد
ثويني. كان الوقت متأخرا، و لكن بعد حوالي ساعة، وصلنا إلى "مطرح"،
مارين بـ"روي"، و"بيت الفلج".
ترجمة: د. هلال الحجري*
* كاتب عماني
أعلى
أفق
أين القصيدة..؟
أجلسُ أمام أوراقي البيضاء، سارحاً عبر نافذتي
المطلة على أشجار حدائق روسنغورد Roseng?rd وهي تتدثر بالثلج، بياضاً
آخر يوسعُ من دائرة البياض حولي، ويزيده اغتراباً لونياً، ويزيدني
اغتراباً نصياً.
حاولتُ كسر المشهد بإسدال ستائر النافذة، دالفاً إلى مشهد روحي، أسامر
ذكرياتها واستقريء أوجاعها وأحلامها، لكن ظلال المشهد الثلجي تسرّبتْ
لي من ثقوب الذاكرة وجعلتني أدور حولها - أي حول نفسي - دون أن أستطيعَ
الخروج إلى الفضاء. (هل البياض حجاب؟) أم الحرف حجاب كما يرى النّفري؟.
أترك طاولتي وأكداس الكتب وقصاصات الصحف والأوراق والمحابر، وأنزل
في مصعد العمارة (لاحظْ مفارقات الكلام داخل اللغة: "أنزل"
في "المصعد")، باتجاه الشارع لاصقاً نفسي مع حركة الجموع
وإيقاعاتها المتراتبة والمتنافرة على الرصيف، عابراً مرايا المحلات
وأكشاك الصحف والحانات وأنفاق المترو والحدائق والتماثيل العارية،
لأجد نفسي أخيراً، وحيداً سارحاً أيضاً في غابة النصوص المغلقة، أردّدُ
مع سعدي يوسف:
"أسيرُ مع الجميع وخطوتي وحدي..".
لكن أين القصيدة؟
عبثاً أحاول استدراجها بكل الوسائل، بكل الأساليب، بكل الحيل الشعرية
التي أتقنتها طيلة ربع قرن من الكتابة، وهي خلف البياض: بياض الثلج
أو بياض الورقة أو بياض الروح، تمد لي لسانها ساخرةً!!..
أستنجد بريلكة، بكل تفاصيل وصفته الشعرية الساحرة، بكل الحياة التي
عليَّ أن أعصرها، واستقطرها من أجل بيت شعر واحد.
يقول ريلكه: "عليك أن ترى مدناً عديدة، بشراً وأشياء كثيرة، عليك
أن تفهم الحيوانات، أن تحس كيف تحلق الطيور، وأن تعرف الإيماءة التي
للأزهار عندما تتفتح في الصباح، عليك أن تكون قادراً على العودة بأفكارك
إلى شوارع في ضواحٍ مجهولة، إلى لقاءات غير متوقعة، والى فراقات تنبّأتَ
بها قبل حدوثها بوقت طويل، إلى أيام في الطفولة سُرّها ما زال غير
مُكتَنهٍ، إلى أيام أمضيت في غرف هادئة كتيمة، وإلى صباحات جوار البحر،
إلى البحر بالذات"...
أعيد استذكار حياتي، يوماً يوماً، حدثاً حدثاً، حكاية حكاية، منقّباً
في تفاصيلها: الطفولة، اليتم، الحب، الحرب، الأسطبل، الصحافة، الخيبات،
المنافي، المقاهي، الفنادق، الحدائق، النساء، الأصدقاء، المصطبات،
المطارات، الكتب، الحانات،.. و.. و.. ولا كلمة واحدة تمد لي يدها من
بين هذا الركام، وتنجدني.
أستنجد بالساحر الذي رأيته البارحة في حديقة فولكت بارك Folkets Park
يستعرض مهارته السحرية في دعك منديله الأبيض لتخرج منه فراشات ملونة.
فأجد مكانه فارغاً، ولا فراشات في الحديقة. ولا شيء أيضاً.
أعود إلى مكتبتي.. نديف الثلج ما زال يهطل على النافذة والأشجار وأوراقي،
ودائرة الطباشير القطبية تتسع وتتسع.. بياض محايد، شامت، شرس، ضاحك،
كئيب، وحيد، ساهم، لا مبالٍ..
بياض لا يفضي إلاّ إلى نفسه. لا يُفتح لأي طارق، كبابٍ مهجورٍ، كحبةِ
الرمل في قصيدة فيسلافا زيمبورسكا (نوبل 1996):
"أقرعُ على باب الحجر
وأقول أنا التي تدق الباب
دعني أدخل
أريد أن أدلف إلى عالمك الداخلي
وأن أتأمل ما فيه
فيرد الحجر قائلاً: انصرفي
فإنني مغلق على نفسي كليةً
فحتى لو حطمتني قطعاً
فإن كل قطعة ستظل مغلقة
ويمكنكِ أن تطحنني إلى رماد
ولكننا لن نسمح لكِ بالولوج"
استبدل قلمي الأسود بأزرق، ثم بأخضر، بأحمر.
والنتيجة واحدة.
أغيّر الأوراق بشتى الألوان والأحجام والخطوط.
وما زال الفراغ بيني وبين القصيدة شاسعاً، يحدّقُ بي ببلاهة واستغراب.
أدور في أرجاء البيت كسمكة "مزهورة"، أفتح باب الثلاجة وأغلقها.
أتقافز بأناملي على حروف الآلة الكاتبة. أقلّبُ قنوات التلفزيون. أستلقي
على الأريكة. أخلع ملابسي وألبسها. أبدّلُ سمفونية الدانوب الأزرق
بـ "جاي - زي" بـ "صديقة الملاية" بـ "كاظم
الساهر" بـ زهيريات مظفر النواب بـ "أم كلثوم" بلطميات
"فاضل الرادود".
والبياض الذي في الورقة يتسع ويتسع. يكفّن الأشياء كلها، ويجمّدها.
هل البدايات كلها هكذا؟
ألتفتُ إلى الورشة التي صنعتها قبل قليل فأجد المكائن ساكنة ساكتة
لا تتحرك.
أتنقلُ بين حقول الكلاسيكية، الرومانسية، الرمزية، الواقعية النقدية،
الواقعية الإشتراكية، الواقعية السحرية، الألسنية، التكوينية، الدادائية،
السريالية، البنيوية، التفكيكية، ما بعد الحداثة، و.. و.. بحثاً عن
بيت واحد يأوي غربتي ونأيي وحيرتي في هذا الصقيع الذي لا يرحم.
أنقّبُ في لسان أبن منظور، في القاموس المحيط للفيروزابادي، في محيط
المحيط للبستاني، في خصائص أبن جني، في اشتقاق ابن دريد، في معرّب
الجواليقي، في معجم الأدباء لياقوت الحموي، في أغاني الاصفهاني، في
تاريخ الطبري، في تأريخ اليعقوبي، في خزانة الأدب للبغدادي، في فتوح
البلدان للبلاذري، في أعلام الزركلي، في العقد الفريد لأبن عبد ربه
الأندلسي، في شرح المعلقات للتبريزي، في طبقات أبن سعد، في حماسة الشجري،
في مفضليات الضبي، في آمالي المرتضى، في سنن أبن ماجة، في صبح القلقشندي،
في ملل ونحل الشهرستاني، في فهرست أبن النديم.. فلا أجد في الرفوف
من يدلّني على مخبأ القصيدة.ألتفتُ إلى رولان بارت، جدانوف تودوروف،
بليخانوف، تروتسكي، غولدمان، باختين، جاك دريدا، ستراوس، جاكبسون،
بنجامين، لوسيان، هنري ميشو، ميشيل فوكو. ألتفتُ إلى الجرجاني، الاصفهاني،
الباقلاني، ابن رشيق القيرواني، أبن قتيبة الدينوري، أبن سلام الجمحي،
قدامة بن جعفر، الجاحظ، الصولي، الآمدي، القالي.
ألتفت إلى الشعراء، الى النقاد، الى الأصدقاء، الى القراء، صارخاً
من أقصى العالم والعزلة والصقيع:
أريد طريقاً يوصلني للقصيدة..؟
عدنان الصائغ *
* شاعر عراقي مقيم في لندن
أعلى
نظرة
عامة على مهرجان مسقط السينمائي الخامس 2008 (2 من 3)
الهموم العربية والإسلامية الكبرى في المهرجان
هزائم عسكرية وشروخ اجتماعية، وأبرياء يتحولون
إلى انتحاريين
هيمنة ذكورية تتغلغل حتى في أعماق السينما النسوية
استكمالا للتغطية التي بدأناها الأسبوع الماضي
حول بعض الأفلام التي عرضت في مهرجان مسقط السينمائي الخامس 2008 والذي
أقيم الخلال الفترة من 22 إلى 29 يناير 2008م، نواصل في هذه المادة
الحديث عن أفلام أخرى لافتة للنظر عرضت بالمهرجان. غير أن هذا الجزء
من المقالة (وكذلك الجزء الأخير في الأسبوع المقبل) يسلطان الضوء على
الأفلام التي تناولت قضايا العرب والمسلمين المعاصرة الكبرى من صراعات
سياسية وهزائم عسكرية وموقع المرأة في المجتمع العربي وعلاقة العربي
المهاجر بالمواطن الأوروبي، فضلا عن قضية ما يسمى بالإرهاب.
آخر فيلم
"خر فيلم" Making Off هو فيلم المخرج التونسي نوري بوزيد
والذي اكتسح ثلاثا من جوائز المهرجان، هي جائزة أفضل فيلم عربي في
المسابقة الرئيسية للمهرجان وجائزة النقاد والصحفيين، وكذلك جائزة
أفضل ممثل في دور رئيسي والتي ذهبت لبطل الفيلم الفنان لطفي العبدلي.
يتحدث آخر فيلم عن موضوع غسيل دماغ الأبرياء وتحويلهم إلى انتحاريين.
حيث نتعرف في بدايات الفيلم على الشاب الملقب بـ "بهتا"
والذي يحلم بالسفر إلى أوروبا ويهوى غناء الراب. ينتمي بها للشارع:
أي أنه من أسرية عادية بسيطة مشاكلها وهمومها هي المشاكل والمشاغل
العامة للبيت العربي. في إحدى حالات تهتك بهتا واستهتاره بالحياة الصعبة
التي يعيشها يرتدي بهتا الزي الرسمي لأخيه الذي يعمل رجل شرطة، أي
أنه ـ قانونا ـ ينتحل صفة رجل شرطة. يدخل بهتا أحد المقاهي ليلقي درسا
فوقيا في الأخلاق الحميدة على رواد المقهى وعلى أهمية احترام النظام
والقانون، مستخدما أسلوبا تسلطيا مستمَدا مما يراه من قسوة رجال الشرطة
على الناس واستغلالهم لمناصبهم. ينكشف أمر بهتا وتطارده الشرطة فيهرب
على غير هدى. بعد أيام من الاختفاء يظهر أمامه بعض الملتحين الذين
يوفرون له المكان الآمن، ويخبرونه أنه شخصية جديرة بالاحترام نظرا
لصلابته ورفضه لأشكال الذل والقسوة، إلا أن ما ينقصه من وجهة نظرهم
هو أن يعرف الصراط المستقيم ويهتدي. الصراط المستقيم عند هؤلاء، كما
يتضح لاحقا، هو تحويل بهتا الشاب العفوي إلى كتلة من الكراهية للمجتمع
والناس من حوله. فهم يصورون له أن المجتمع منحل أخلاقيا ومؤهل لعقاب
الرب، ولذا لابد من تأديبه ليعود إلى جادة الصواب. يحرق بهتا المراحل
في زمن وجيز ليجد نفسه وقد تحول من مغني راب هاوٍ إلى شخص مزنّر بحزام
ناسف. وفي لحظة توهان وتشوش عظيمة، وحال غياب من يستحق النسف، فإن
بهتا نفسه يصبح هو الخاسر الوحيد: يفجر حزامه الناسف في لا أحد سوى
ذاته!
يظهر في الفيلم المخرج نوري بوزيد مع الممثل لطفي العبدلي الذي لعب
دور بهتا. يظهران في لقطات أخذت أثناء التصوير وتم توزيعها في مواضع
معينة داخل سيرورة الأحداث. في هذه اللقطات يتحدث لطفي العبدلي على
سجيته دون أن يعلم أن تلك اللقطات التي يجري تصويرها سيتم تضمينها
داخل الفيلم. ما نفهمه من مجمل اللقطات التي اُلتقطت بعفوية أثناء
تصوير الفيلم هو أن هناك نسختان من سيناريو الفيلم: النسخة الأولى
هي نسخة الممثل لطفي العبدلي وفيها قصة بهتا كما شاهدناها في الفيلم،
والنسخة الثانية هي نسخة المخرج والتي تتضمن ما هو أبعد من مجرد الحدوتة.
إنها نسخة ارتجالية ـ إذا جاز لنا التعبير ـ تهدف إلى رصد انفعالات
الممثل أثناء التمثيل وموقفه من مضمون الفيلم. لم يكن لطفي العبدلي
يعلم أن هناك سيناريوهين مختلفين للفيلم، كما لم يكن يعلم أن إصرار
المخرج على تصوير كل شيء حتى النشاطات الشخصية للممثلين التي هي خارج
قصة الفيلم، نقول أن العبدلي لم يكن يعلم أن المخرج كان يضمر النية
لإدراج جزء من هذه اللقطات الشخصية والعفوية داخل الفيلم. لماذا فعل
المخرج ذلك إذن؟ لأن تلك هي خطة الفيلم التي لديه: فيلم عن صناعة فيلم.
لقد تم الاتفاق بين المخرج نوري بوزيد والشاب لطفي العبدلي (والذي
ليس ممثلا بالأساس ولم تكن له علاقة بالتمثيل قبل مشاركته في فيلم
"آخر فيلم"، إنما هو شاب عادي يهوى غناء الراب ورقص الـ
بريك دانص Break-dance، ) لقد تم الاتفاق بين الطرفين على قيام العبدلي
ببطولة فيلم يخرجه بوزيد، لكن لم يعرف العبدلي آنذاك أن القصة التي
سيمثلها ليست هي المهمة، وإنما بيت القصيد هو رصد ردود أفعاله هو أثناء
التصوير ومواقفه الشخصية من الدور الذي يؤديه. في بعض اللقطات التي
أخذت أثناء التصوير يظهر لطفي العبدلي محتجا على المسار الذي ذهبت
إليه قصة الفيلم، وبالأخص على تحويل شاب إلى إرهابي باسم الدين. يحتج
العبدلي على هذا لأنه يربأ أن يتم تصوير الدين على هذا النحو باعتباره
سببا للإرهاب. يتناقش مع المخرج عن موقفه الشخصي من الدين. فيرد المخرج
أن هناك تأويلات عدة للنص القرآني وفقا لمرجعيات الأشخاص. فالشخص المتسامح
سيجد في الإسلام دين سلام، والشخص المتزمت المغرض يمكن له أن يستخدم
بعض الآيات القرآنية لتحقيق مآربه وفقا لأيديولوجيته التي يتبناها
كما يفعل الإرهابيون. بعد سماعه لتعليق المخرج يبدي لطفي العبدلي مخاوفه
الجمة من إمكانية أن يكون الفيلم الذي يصنعه بوزيد عبارة عن "وحش"
إذا ما استخدمه البعض كحجة يدعمون بها معتقداتهم التكفيرية للمجتمع
ودعواتهم لتأديبه بالعمليات الانتحارية. هنا يرد نوري بو زيد بعفوية
أنه لو شعر بأن فيلمه قد تحول إلى وحش فسيتوقف فورا عن المضي قدما
فيه. ويردف بسرعة: هذا على أية حال آخر فيلم أعمله (من هنا تجئ تسمية
الفيلم بـ "آخر فيلم").
ما هو الوحش الذي يخشاه الشاب لطفي العبدلي والذي أعرب عنه في اللقطات
العفوية أثناء عمل الفيلم والتي لم يكن يعلم أنها سيتم تضمينها في
الفيلم؟ إن ما يخشاه العبدلي هو أحادية النظرة. ففي الفيلم أشخاص يقومون
بغسيل دماغ الشاب بهتا وتحويله إلى انتحاري مستخدمين ألف حجة وحجة،
والشاب بهتا ينزلق إلى تصديقهم لأنه لا يملك إيديولوجيا يرد بها عليهم.
فهؤلاء مؤدلجون سلفا، بينما بهتا شاب بسيط لا يعرف سوى الشارع الذي
يرقص فيه ويتمتم على أرصفته أغاني الراب. مخاوف لطفي العبدلي هي أن
يشاهد المتزمتون الفيلم ويستخدمون ما جاء فيه من حجج ومقولات تم بها
غسل دماغ بهتا ليستخدموها هم بدورهم على أرض الواقع في غسل دماغ شباب
آخرين. مخاوف العبدلي مشروعة جدا، وسببها الرئيسي هو أنه لا يعلم أن
هناك نسختين أو سيناريوهين مختلفين للفيلم. هو لا يعلم بوجود نسخة
في رأس المخرج تتضمن ما بين السطور: أي اللقطات الحية العفوية التي
تم أخذها أثناء تصوير الفيلم. إن إدراج هذه اللقطات ـ المشتملة على
النقاشات التي تمت بين المخرج والممثل الرئيسي ـ قد خلق التوازن للفيلم
وعصمه من أن يتحول إلى أداة بيد غاسلي الأدمغة وصانعي الانتحاريين.
بغياب هذه الحوارات فإن الفيلم كان سيقدم وجهة نظر وحيدة تقريبا عن
الدين هي وجهة نظر من يستخدمونه ذريعة للعنف، وإلى جوارها بدرجات أقل
وجهة نظر الشاب بهتا وأمه التي رفضت بعفويتها أن تصدق أن ابنها يريد
التحول إلى قاتل للأبرياء. بدون الحوارات التي دارت بين نوري بوزيد
ولطفي العبدلي والتي ظهرت في اللقطات الحية المرتجلة التي أخذت أثناء
التصوير كان يمكن لفيلم "آخر فيلم" أن يكون وحشا بالفعل،
أي أن يكون بوقا يردد أطروحات المتطرفين، لكن إدراج تلك اللقطات أعطى
الفيلم التوازن المنشود لأنها عكست وجهة نظر مختلفة تماما هي وجهة
نظر الممثل لطفي العبدلي (الذي هو بالأصل شاب عادي وليس ممثلا محترفا)،
وكذلك وجهة نظر المخرج عن أسباب صناعته لهذا الفيلم. بهذا المعنى فإن
"آخر فيلم" يستخدم تكنيك "الفيلم داخل الفيلم"،
أي كأن هناك فيلمين في واحد، وهو بالطبع شأن تجريبي وفكرة مغامرة غير
اعتيادية لمعالجة موضوع حساس. من الواضح أن هذه المغامرة الإخراجية
العميقة ـ وأسباب عمقها تكمن في ذكاء المعالجة والأسلوب الذي تم تقديم
الفكرة من خلاله ـ ، نقول من الواضح أن تلك الأسباب هي ما قدّرته عاليا
لجان التحكيم المختلفة ورأت فيه رؤية فنية تستحق التكريم، فكان أن
حصد الفيلم الجوائز الثلاث التي أشرنا إليها.
رؤى حالمة
عرض الفيلم السوري "رؤى حالمة" خارج المسابقة الرئيسية المخصصة
للأفلام العربية، وهو من إخراج المخرجة والممثلة السورية واحة الراهب،
ويعد أول فيلم تخرجه مخرجة سورية، وقد رأى النور عام 2003م.
تبدأ أحداث الفيلم عام 1982، وهي سنة الاجتياح الإسرائيلي لبيروت،
إلا أن الفيلم كثيرا ما يعود بنا للوراء موزعا سيرورته السردية بين
الماضي والحاضر. الشخصية الرئيسية في الفيلم شابة اسمها "جميلة".
تهرب "جميلة"من بيت أبيها لتلتحق بالمقاومة في بيروت. حين
يتم اكتشاف هروبها من قِبل والدها المتسلط، تقوم الدنيا ولا تقعد،
ليبدأ الفيلم بعدها في أخذنا إلى الماضي لنتعرف فيه على "جميلة":
حياتها وطفولتها واهتماماتها، وكل ما قاد في نهاية المطاف إلى اتخاذها
قرار الالتحاق بالمقاومة.
الفيلم تحليل من الداخل للمشروع النهضوي العربي، وبنقد لموقف المثقف
من المرأة، وكذا موقف المجتمع حتى بشخصياته التي تبدو متقدمة، إذ أن
الفيلم يشير إشارة لماحة إلى من يرغب في تحرير أرض محتلة وهو نفسه
يمارس داخل بيته دور المستبد!
ينجح فيلم "رؤى حالمة" في تشريح حالة المجتمع العربي الكبير
غداة اجتياح بيروت عام 1982، بحيث ندرك أن الفيلم لا يتحدث عن الماضي
فحسب، لكنه يتحدث عن الحاضر. فالشروخات التي كانت موجودة بالمجتمع
آنذاك، لا تزال موجودة اليوم. ولذا فإن الفيلم ليس عن حرب 1982 تحديدا
وحصريا، ولكنه عن الحروب الكثيرة التي حدثت قبل ذلك التاريخ وبعده
وعايشها المجتمع العربي ولا يزال يعايشها. إلا أن مشكلة الفيلم هي
في الكليشيهات التي حفل بها. فالسيناريو أقرب إلى المدرسي وكأنه مجرد
سد خانات من الحكايات والحوارات والأحداث لبنية سردية جاهزة. فعلى
سبيل المثال فإن عزوف بطلة الفيلم "جميلة" عن الرجال جاء
نتيجة لتحرش أحدهم بها، وهي وصفة تبسيطية تضعف من الفيلم لاسيما أنها
تشتت الخط السردي. لم يكن تأويل عزوف "جميلة" عن غالبية
الرجال يستدعي هذه المعادلة الرياضية في التناول وفقا لمبدأ لكل فعل
رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه. كان يمكن لتحفظ "جميلة"
عن الرجال أن يبدو أقوى بمراحل لو كان السبب هو نضج وعيها بالذكورية
المهيمنة على الفكر والثقافة السائدين في المجتمع. لقد ارتبطت "جميلة"
بمثقفين هم من دعاة تحرير الجسد، آخذين هذا "الشعار" كمطية
للتأثير على الآخر بهدف استغلاله جنسيا. كان يمكن لجميلة أن تشكل موقفها
الضد من الرجل بسبب هكذا فكر يعتنقه المثقفون، دونما حاجة لأن تكون
عرضة للتحرش الجسدي وهي طفلة.
هناك أيضا أخ "جميلة" القاسي على أخواته، وتُرجع المخرجة
الأمر في لقطة لماحة إلى شكه في رجولته وخصوصا أنه لا يوجد شعر ينمو
على صدره كغالبية الرجال، حيث أن عنفه ضد أخواته محاولة منه لإثبات
فحولته المفقودة. أن يكون الأخ قاسيا على أخواته لأنه عاجز جنسيا هو
كليشيه متطرف ولا داعي له أصلا، فالمجتمع العربي يحفل برجال قساة على
أخواتهم وهم في ذات الوقت متمرغون في العلاقات مع العديد من النساء.
إن القسوة على الأخت لا تحتاج لإرجاعها لأسباب من قبيل العجز الجنسي
للرجل، ولكنها وليدة الفكر الذكوري المهيمن. يمكن القول أن سيناريو
واحة الراهب متورط بهذه الكليشيهات لمحاولته وضع البيض كله في سلة
واحدة منطلقا من أسلوب تعبئة الخانات الجاهزة بالمواقف والحواديت.
فإلى جوار قصة التحرش بـ "جميلة" وهي طفلة، وكذلك إرجاع
قسوة أخيها عليها لأنه عاجز جنسيا، إلى جوار هاتين الحكايتين المتطرفتين
في انطلاقهما من مبدأ "السبب ـ النتيجة"، توجد مواقف كثيرة
شبيهة في الفيلم جعلت السيناريو شبه مدرسي من ناحية تسطيحه لردود الأفعال
على الطريقة الهوليوودية باعتبارها ـ أي ردود الأفعال ـ دوما نتيجة
آلية مباشرة لأمر تعرض له بطل الفيلم، بينما الشخصية الإنسانية أعمق
من هذه الأحادية وأكثر تعقيدا وتشابكا في مبررات أفعالها وردود أفعالها.
وفي الحين الذي يطرح فيه فيلم "رؤى حالمة" نفسه نصيرا للمرأة
ـ وهذه على ما يبدو نواياه الحسنة ـ فإنه على الطرف الآخر متعال جدا
في النظر إلى فئة اجتماعية أخرى موجودة في كل زمان ومكان ألا وهي فئة
بائعات الهوى. يطرح الفيلم تفرقة أخلاقية جاهزة بين المرأة الشريفة
والبغي في إدانة مسبقة محافظة أخلاقيا لبائعات الهوى. والأسوأ من ذلك
أنه يستخدم لغة ذكورية بحتة في التعامل مع بائعات الهوى، فهن في الفيلم
رمز للانكسار والهزيمة والانحطاط، وكأن بائعات الهوى غير موجودات في
أزمنة النصر! في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي لبيروت يصرخ أحد شخصيات
الفيلم في وجه عاهرة الحارة قائلا ما معناه: هذا زمانك يا "فلانة"
خانوم (عذرا فأنا لا أتذكر حاليا اسم الشخصية في الفيلم). أي أن زمن
الهزيمة هو زمن العاهرات! ما دخل بنات الليل بالهزائم العسكرية؟ وهل
ما يسمى بالنساء الشريفات هن من يجلب الانتصارات العسكرية؟ أما السيئ
حقا في هذا كله فهو استمرار الفيلم في استخدام لغة الخطاب الذكوري
في النظر للقضايا السياسية مثل وصف فلسطين المحتلة بأنها "أرض
مغتصبة". إن في استخدام أمثال هذه التعابير الذكورية تكريس واستمرارية
لفكرة العذرية التي هي مطلب ذكوري محض. ولذا، فإن فيلم "رؤى حالمة"
رغم حسن نواياه تجاه المرأة إلا أنه فيلم متورط في نظرة ذكورية للقضايا
السياسية والعسكرية بل ولقضايا المرأة ذاتها، وهو ما يجعل منه -في
نهاية المطاف ـ فيلما متأثرا بالهيمنة الذكورية وامتدادا غير واعٍ
لها رغم ما يبدو عليه طرحه الظاهري كفيلم نسوي Feminist!
عبدالله خميس *
* كاتب عماني
أعلى
تــراث
أبو حاتم السجستاني
هو سهل بن محمد وكان كثير الرواية عن أبي زيد
وأبي عبيدة والأصمعي عالماً باللغة والشعر. قال أبو العباس وسمعته
يقول قرأت كتاب سيبويه على الأخفش مرتين. وكان حسن العلم بالعروض وإخراج
المعمى ويقول الشعر الجيد ويصيب المعنى ولم يكن بالحاذق في النحو.
قال أبو العباس: ولو قدم بغداد لم يقم له منهم أحد. وله كتاب في النحو.
قال أبو العباس: وكان إذا التقى هو والمازني في دار عيسى بن جعفر الهاشمي
تشاغل أو بادر خوفاً من أن يسأله المازني عن النحو وكان جماعة للكتب
يبحر فيها وكان كثير تأليف الكتب في اللغة. قال أبو العباس جئت السجستاني
وأنا حدث فرأيت بعض ما ينبغي أن تهجر حلقته له فتركته مدة ثم صرت إليه
وعميت له بيتاً لهارون الرشيد وكان يجيد استخراج المعمى فأجابن:
أيا حسن الوجه قد جـئتـنـا
بداهيةٍ عجب فـي رجـب
فعميت بـيتـاً وأخـفـيتـه
فلم يخف بل لاح مثل الشهب
فاظهر مكنونه الطـيطـوي
وهتك عنه الحمام الحجـب
فذلل ما كان مستـصـعـبـاً
لنا فتناولتـه مـن كـثـب
أيا من إذا مـا دنـونـا لـه
نأى وإذا ما نأينـا اقـتـرب
عذرناك إذ كنت مستحسـنـاً
وبيتك ذو الطير بيت عجـب
سلام على النازح المغتـرب
تحية صب به مكـتـسـب
حيث صار القوم
عن ابن عباس قال: لما قدم عبد القيس على رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفيكم
من يعرف قس بن ساعدة الإيادي? فقالوا: كلنا يعرفه يا رسول الله. فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: لست أنساه بسوق عكاظ واقف على جمل أحمر
وهو ينادي ويقول: يا أيها الناس اجتمعوا واستمعوا، وإذا سمعتم، وإذا
سمعتم فعوا، وإذا وعيتم فانتفعوا، وإذا انتفعتم فقولوا، وإذا قلتم
فاصدقوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، مطر ونبات، وأحياء
وأموات، إن في السماء خبراً وفي الأرض عبراً يحار فيها البصر، مهاد
موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لا تغور، ومنايا دوان، ودهر
خوان كحذو النسطاس، ووزن القسطاس، أقسم قس قسماً حقاص لا كاذباً فيه
ولا آثماً لئن كان في الأمر رضاً، ليكونن سخط، ثم قال: أيها الناس
إن لله ديناً هو أرضى له من دينكم هذا الذي أنتم عليه وهذا زمانه وآوانه،
وقال: مالي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون، أرضوان بالمقام فأقاموا،
أم تركوا فناموا، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعض أصحابه
فقال: "أيكم يروي لنا شعره?" فقال أبو بكر الصديق: أنا شاهد
له في ذلك اليوم حيث يقول:
في الذاهبين الأولين
من القرون لنا بـصـائر
لما رأيت موارداً
للموت ليس لهـا مـصـادر
ورأيت قومي نحوها
يمضي الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضي إليّ
ولا من الباقين غـابـر
أيقنت أني لا محالة
حيث صار القـوم صـائر
أنك أني..
الحلاج
عجبتُ منك و منـّـي
يا مُنـْيـَةَ المُتـَمَنّـِي
أدنيتـَني منك حتـّـى
ظننتُ أنـّك أنـّــي
وغبتُ في الوجد حتـّى
أفنيتنـَي بك عنـّــي
يا نعمتي في حياتــي
و راحتي بعد دفنـــي
ما لي بغيرك أُنــسٌ
من حيث خوفي وأمنـي
يا من رياض معانيـهْ
قد حّويْـت كل فنـّـي
وإن تمنيْت شيْــــاً
فأنت كل التمنـّـــي
حدثكم فأحسن
اجتمع قسّ بن ساعدة وأكثم الصيفي، فقال أحدُهُما
لِصاحبه: كم وجَدْتَ في ابن آدمَ مِن العيوب؟ فقال: هي أكثرُ مِنْ
أنْ تُحْصَرَ. وقد وجَدْتُ خَصلةً إنِ استعملهاالإنسانُ سَتَرَتِ العُيُوبَ
كُلّها. قال: وما ه؟ قال: حِفظُ اللسان.
وقال عمرو بن هشام: تحدّثنا عند الأوزاعي ومعنا أعرابيٌّ من بني عليم
لا يتكلّم فقلنا: بحقّ ما سمّيتم خرس العرب ألا تتحدث مع القوم؟ فقال:
إنّ الحظّ للمرء في إذنه، وإنّ الحظّ في لسانه للغير، وقد ذكرنا ذلك
للأوزاعي فقال: وأبيه لقد حدّثكم فأحسن.
رأس تضييع الحقوق
سئل الحسن عن التواضع فقال: هو التكبر على الأغنياء!
وأتى سليمان بن عبد الملك طاووساً فلم يكلمه فقيل له في ذلك فقال:
أردت أن يعلم أن في عباد الله من يستصغر ما يستعظم ذلك من نفسه. أنشد
المبرد:
إذا تاه الصديق عليك كـبـراً
فته كبراً على ذاك الصديق
فإيجاب الحقوق لـغـير راعٍ
حقوقك رأس تضييع الحقوق
وعلى هذا قال بعضهم: ما تكبر على أحد قط إلا
تحول داؤه في أن قابلته بفعله. وقال بعضهم: ما تاه أحد علي أكثر من
مرة واحدة لأني تركته بعد ذلك وأعرضت عنه.
أريد البصرة
كان بالأهواز رجل له زوجة، وكانت له أرض بالبصرة،
فكان يكثر الانحدار إليها فارتابت زوجته وتتبعت أثره، فوقفت على أنه
قد تزوج بالبصرة فاحتالت حتى صار إليها خط عم البصرية، وبعث به إلى
رجل يحكي كل خط رآه، وأجازته، حتى كتب كتاباً عن لسان عم البصرية إلى
زوجها يذكر أن المرأة قد ماتت، ويسأله التعجيل إليه لأخذ ما تركت وسمى
مالها وجاريتها. ودست الكتاب مع ملاح قدم من البصرة، فلما وصل إليه
الكتاب قرأه فلم يشك فيه، ودخل وقال لامرأته: اعملي لي سفرة. قالت:
ولم؟ قال: أريد البصرة. قالت: كم هذه البصرة؟! قد رابني أمرك. لعل
لك بها امرأة، فأنكر، فقالت: احلف. فحلف أن كل امرأة له غيرها طالق.
فلما حلف قالت: دع السفرة. قد أغناك الله عن البصرة. قال: وما ذاك؟
قال: قد طلقت الـ(...) وحدثته بالقصة فندم.
الحمار الفقيه!
قال الهيثم بن عدي: بينما أنا بكناسة الكوفة،إذا
برجل مكفوف البصر قد وقف على نخاس من نخاسي الدواب،فقال له: ابغني
حمارا ليس بالصغير المحتقر، ولا بالكبير المشتهر، إذا خلا له الطريق
تدفق، وإذا كثر الزحام ترفق، وإذا أقللت علفه صبر، وإذا أكثرته شكر،
وإذا ركبته هام ،وإذا ركبه غيري نام!!،فقال له النخاس: ياعبد الله
اصبر،إذا مسخ الله القاضي حمارا أصبت به حاجتك إن شاء الله.
ما كان ظني أنني سأبيع
لما باع أبو الحسن الفالي الأديبُ كُتُبَهُ لحاجته
وفقره أنشد :
أنستُ بها عشرين حولاً
فقد طال شوقي بعدها وحنيني
وما كان ظني أنني سأبيعها
ولو قد خَلَّدتني في السجون ديوني
ولكن لضعف وافتقار وصبية
صغار عليهم تستهل شؤوني
فقلت ُ ولم أملك سوابق عبرة
مقالة مكويّ الفؤاد حزين
وقد تخرجُ الحاجاتُ يا أمَّ مالِكٍ
كرائم من ربّ بهن ضنين
نصحتُكَ علماً بالهوى
ابن الفارض
ُهوَ الحُبّ فاسلمْ بالحشا ما الهَوَى سَهْلُ
فَما اختارَهُ مُضْنًى بهِ، ولهُ عَقْلُ
وعِشْ خالياً فالحبُّ راحتُهُ عناً
وأوّلُهُ سُقْمٌ، وآخِرُهُ قَتْلُ
ولكنْ لديَّ الموتُ فيه صبابة ً
حَياة ٌ لمَن أهوَى ، عليّ بها الفَضْلُ
نصحتُكَ علماً بالهوى والَّذي أرَى
مُخالفتي فاخترْ لنفسكَ ما يحلو
فإنْ شِئتَ أنْ تحيا سَعيداً، فَمُتْ بهِ
شَهيداً، وإلاّ فالغرامُ لَهُ أهْلُ
فَمَنْ لم يَمُتْ في حُبّهِ لم يَعِشْ بهِ
ودونَ اجتِناء النّحلِ ما جنتِ النّحلُ
تعرّضَ قومٌ للغرامِ، وأعرضوا
بجانبهمْ عنْ صحّتي فيهِ واعتلُّوا
رَضُوا بالأماني، وَابتُلوا بحُظوظِهِم
وخاضوا بحارَالحبّ، دعوَى فما ابتلّوا
مدح عامرا وهجا علقمة
كان قوم يقدمون الأعشى على سائر الشعراء ويحتجون
بكثرة تصرفه في المديح والهجاء وسائر فنون الشعر وليس ذلك لغيره فيما
يزعمون،ويقال إنه أول من سأل بشعره وانتجع به أقاصي البلاد،وكان يغني
في شعره،فكانت العرب تسميه صناجة العرب،ومن أخباره أنه أتى الأسود
العنسي وقد امتدحه فاستبطأ جائزته،فقال الأسود:ليس عندنا عين،ولكن
نعطيك عرضا،فأعطاه خمسمائة مثقال دهنا ومثلها حللا وعنبرا،فلما مر
ببلاد بني عامر خافهم على ما معه،فأتى علقمة بن علاثة فقال:أجرني،فقال
قد أجرتك،قال:من الجن والإنس،قال:نعم،قال:ومن الموت،قال:لا،فأتى عامر
بن الطفيل،فقال:أجرني،قال:قد أجرتك،قال:من الجن والإنس،قال:نعم،قال:ومن
الموت،قال:نعم،قال:وكيف تجيرني من الموت؟قال إن مت وأنت في جواري بعثت
إلى أهلك الدية،فقال:الآن علمت أنك أجرتني من الموت،فمدح عامرا وهجا
علقمة،فقال علقمة:لو علمت الذي أراد لكنت أعطيته إياه.
قيل لي أنك زنديق
لما غضب الرشيد على ثمامة دفعه إلى سلام الأبرش
وأمره أن يضيق عليه وأن يدخله بيتاً ويطين عليه ويترك فيه ثقباً ففعل
دون ذلك وكان يدس إليه الطعام فجلس سلام عشية وهو يقرأ في المصحف فقرأ
: " ويل يومئذ للمكذبون "... فقال ثمامة : إنما هو "
المكذبين " وجعل يشرح ويقول: المكذبون هم الرسل والمكذبين هم
الكفار ... فقال: قد قيل لي: إنك زنديق ولم أقبل ،ثم ضيق عليه
أشد الضيق ... قال: ثم رضي الرشيد عن ثمامة فجالسه فقال: أخبروني
عن أسوأ الناس حالاً. فقال كل واحدٍ شيئاً؛ قال ثمامة: وبلغ القول
إلي فقلت: يا أمير المؤمنين عاقل يجري على حكم جاهل... فتبينت الغضب
في وجهه ، فقلت: يا أمير المؤمنين ، ما أحسبني وقعت بحيث أردت ...قال:
لا والله فانشرح، فحدثته بحديث سلام فضحك حتى استلقى وقال: صدقت
والله لقد كنت أسوأ الناس حالاً.
إنك قليل!
قال الأوقص: قالت لي أمي خلقت خلقة قبيحة لا
تصلح معها لمجالسة الفتيان في بيوت القيان، فعليك بالأخلاق التي ترفع
الخسيسة وتتم النقيصة، فنفعني الله تعالى بكلامها، فتعلمت العلم أدركت
به. وقال الأحنف لابنه وكان دميماً: إنك قليل فكن فطناً.
أخبرهم أنك لم تغضبني
بايع رجل آخر على أن يغضب الأحنف، فجاءه فخطب
إليه أمه فقال: لسنا نردك انتقاصاً بحسبك، ولا قلة رغبة في مصاهرتك،
ولكنها امرأة قد علا سنها، وأنت تحتاج إلى امرأة ودود ولود، تأخذ من
خلقك وتستمد من أدبك، ارجع إلى قومك وأخبرهم أنك لم تغضبني! وخطب آخر
إلى معاوية أمه فقال: ما الذي رغبك فيها وهي عجوز؟ فقال: بلغني أنها
عجوز عظيمة العجز! فقال: لعلك خاطرت أن تغضب سيد بني تميم؟ قال نعم.
قال: ارجع فلست به!.
أظنك من بيت النبوة!
كان رجل يدعي الشعر ويستبرده قومه..فقال لهم:
إنما تستبردونني من طريق الحسد.قالوا:فبيننا وبينك بشار العقيلي،فارتفعوا
إليه ، فقال له : أنشدني. فأنشده، فلما فرغ قال له بشار: إني لأظنك
من أهل بيت النبوة،قال له:وما ذاك؟ قال:إن الله تعالى يقول:( وما علمناه
الشعر وما ينبغي له)
أعلى
الادب الشعبي
بوح
تراثنا للغير .. !!
في الفترة الأخيرة والتي أصبحت بعيدة نوعا ما
من تاريخ اليوم .. وردت لنا الكثير من الفنون التراثية الجميلة من
الخارج لتعرف المستمع العماني في النهاية على فنّه دون نسبته إلى السلطنة
، وأصبحنا نغني دائما على موال واحد ظل يردد نفسه في كل المجالات المسلوبة
من هويتها وهو ( إن هذا الفن او اللحن او الاسم .. عماني ) ! ، ولكن
دون توثيق فاعل يحفظ حقوق فنونا الجميلة وغيرها.
كما هي الأغاني تتوافد إلينا من الخارج مفّعلة فنون التراث بمختلف
الأطياف ولا نستطيع الرد عليها بسوى (هيش هالحالة .. !!) ونصمت ، ها
هو التوثيق لتاريخ الشعر النبطي / الشعبي ، يوثّق تجربة عمانية رائدة
بأنها ليست عمانية ! ، فمن منا لا يعرف (عامر بن سليمان الشعيبي -
المطوع ) .. ومن منا قرأ مؤخرا بأن هذا الشاعر المعروف سبق اسمه جنسية
ليست عمانية !! ، وفي إشارة لمقدمة الكتاب الذي قرأته تشير إلى انه
ولد في ( وادي بني خالد ) إضافة إلى انها تحكي رحلته في حياته إلى
أن توفي ، لا اعلم الحقيقة بسبب هذه المتناقضات ، وليس لي القدرة على
الجزم بأنه استخفاف بعقل القارئ ! ، وليس لدي التأكيد في الوقت نفسه
بالحدود الجغرافية في الحقب الماضية وانتماءاتها التي أصبحت محل المغالطات
التاريخية في وقتنا الحاضر .. فكما قرأنا وعرفنا أن ( فلانا الفلاني
) عماني .. كشفت لنا بأنه كذلك في حقب ماضية الا ان الرقعة الجغرافية
التي ولد فيها ذلك ( الفلان الفلاني ) هي الآن ليست لنا ، وبالتالي
هذا ( الفلان ) ليس لنا !! . وربما تترسخ في ذاتك تلك المعلومة وتستطيع
التقصي عنها فتدرك الواقع وتقتنع منه ، ولكن ما لا يقنعك هو ان تعلم
بكل تلك الجوانب وانت تراها وضوح الشمس رابعة النهار ويغالطها الكتّاب
المنتصرون على القراء في إصداراتهم ، ولا حيلة لنا ولا قوة إلا بالنفي
والتوضيح الشخصي بغياب الرد الرسمي ، وهذا أمر طبيعي جدا لأن الأداة
التوثيقية لمختلف جوانب الإبداع العمانية سواء الشعر او الفن او التراث
لم تكن بنجاعة الأداة الإعلامية التي تغالط الحقيقة ، فمن الضروري
بذل الجهود وتوثيق كل ما يعني تراثنا بحيث لا تطاله أيدي التجربة دون
الإشارة لمصدره العماني ، ووضع حلول ناجعة أيضا لمنع تحريفه بهدف نسبته
لمصادر أخرى بحجة تقارب الفنون والتراث ، والجميع يعلم الطابع والصبغة
المميزة للتراث العماني أينما كان موقعه .
لا أوجه الدعوة هنا لقراءة مثل هذه الكتب التي تشّوه المصادر ولكنني
في الوقت نفسه أرى أن قراءتها مهمة للأكاديميين والمسئولين لمعرفة
أين وصل حال موروثنا وأين وصلت شخوص الأعلام العمانية في شتى المجالات
ليتسنى لهم الرد على المغالطات وتوضيح الجوانب المغيّبة من الحقيقة
موثقة في كتب يجب تداولها ليس في السلطنة فقط انما في كافة الدول الخليجية
حتى معدو او مؤلفو تلك الكتب نفسها والتي وردت فيها تلك المغالطات
، وربما هي اخطاء من قبل الكاتب .. لِم لا يتم تنبيهه عليها ؟ ، نتمنى
من المسئولين من كافة فئات المجتمع والأكاديميين والمهتمين تفعيل الدور
التوثيقي ونشره وإيجاد السبل الناجعة للحد من تمادي التطاول على التراث
والفن والأعلام العمانية المتحققة.
البارحة كانت سماي أبـــواب ..
مفتوحةٍ بين الشقا والحــــــزن
مريتها ما جيتها .. كــــــــذاب
ما طاولتني صرت متمسكـــن ..
بين الرجاء واليأس والأحباب
بين الأمل بي .. رغبين وجُبن !
فيصل العلوي *
*fai79@hotmail.com
* وهج ..
كثر..!!
كثر ما غنت ايامي حروف بكلمه صغيرة
عشقتك طهر ذاك الطفل عشقٍ يكسر اغصاني
على رغم الربيع اللي بصدرك يطلب الجيرة
تجين الكون صيف ويزهر النوار بأجفاني
تجي بلقيس في عينك تصير الشط والديرة
وجفني سور.. حرفي نار.. قلبي الحارس الجاني
خميس المقيمي
لا تنطقي
لا تنطقي..
صمتك شعر
وكل ماتمز شفاتك أنفاس الدخان
تتكسر حروف القصيدة في دمي
وانسى الفجر
وأتخيلك مثل السكون اللي يجي
قبل انفجار العاصفة
وأخاف من نفسي علي
وأخاف حتى من الحذر
وأستعجلك
ويطير بيتٍ من فمي
هزي حنايا الغيم محتاج لمطر
***
لا تنطقي
خلي السما اقرب من حدود السما
قلبي جزيرة من عطش
وإحساسك المجنون ماء
هاتي يدينك
وارحليبي خلف ما خلف النجوم
من بعد عينك
مابقت ارضٍ يجغرفها الضما
***
لا تنطقي
ادري المسافة بيننا
ابعد من حدود الخيال
وادري انك الأنثى السؤال
واد ريبك انك تنزفي
خذني وعنونني قصيدة واشتعلي وانطفي
ياسيدي لاتحترق
مثلي أنطفي
ماعاد لك فيني مجال
عنونتبك عمري وجمعت
علبة دخاني
والجريدة
وانتبهت لدمعتك قبل الرحيل
كانت قصيدة من مطر
أجلت خطواتي ورجعت
واسرجتلك ظهر السؤال
كم بحر تحتاج القصيدة
لأجل ما اغرقبك وأموت؟
كم بحر تحتاج الحقيقة
لأجل ما نؤمن بأن الله حب
وان الوحي مابيننا يا عنونة عمري السكوت
أحمد العريمي
أعلى
قراءة
في رسالة أحمد مسلّط إلى والده.... ( 2 - 2 )
(2)
أببعث لك دفا شوقٍ ولاتحلم به الأحضان
واسير لك قوافل من شعر.. واسرج لك الأجود
بعد أن انتهى الشاعر من سلامه وتحيته الشعرية
كما هي عادة الرسائل، بدأ بكتابة موضوع الرسالة القادمة، أن الشاعر
يبعث لوالده بأدفا الأشواق، وأجمل الأبيات الشعرية، والتي شبهها بالخيول
الأصيلة، والتي انتقى منها الأجود ليسرج عليها رسالته الغالية، إنّ
هذا الوصف الشعري المثير رغم بساطة مفرداته إلا أن توظيف تلك المفردات
كان مبدعا بحق، كما نلاحظ أن الشاعر بدأ يستخدم فعل المستقبل (اببعث
،وأسيّر، وأسرج) في هذا البيت فقط ولن يعود لاستخدام نفس الأسلوب سوى
في صدر بيت لاحق من القصيدة، إن معظم أفعال القصيدة جاءت بصيغة الماضي:(غبت،
قال، صوّت، قام الخ ....) وذلك لأن الشاعر يتحدث من ذاكرته، يتحدث
لوالده عن مشاهد وأحداث ومواقف سابقة، يحاول إزالة ركام الغبار من
رفّ ذاكرته، فمن البديهي أن تكون معظم الأفعال بصيغة الماضي، باستثناء
هذا البيت الذي خرج عن نص الذاكرة، ولو دققنا في البيت سيبدو لنا وحيدا
كالوتد في قلب الخيمة، وحيدا ومهما، يتكئ عليه القلب ويستفزّ الذاكرة
لحديث الذكريات، وسنلاحظ كيف زادت وتيرة الصراع الذهني وحدّة هذيان
الشاعر في الأبيات التالية، إن الشاعر بعد هذا البيت ترك لجام ذهنه
على غارب وضعه النفسي، لذلك سنلاحظ تداعي الأفكار المثير في الأبيات
القادمة وانتقاله ما بين عدة أساليب شعرية وأولها النداء بصوت عميق
من نقطة سحيقة ٍفي الروح إلى والده البعيد:
يابوي.. ووالدي.. وحزامي إن خانوا بي الأقران
يافلذة كبدي إن جاز الكلام أو رحت للأبعد
رغم أن الأب والوالد هما وجهان لعملة واحدة،
أي ان لهما نفس المعنى إلا أنني أعتقد أن إحساسنا حينما ننطق لفظة
"أبي" تختلف عن إحساسنا حينما نقول "والدي"، لفظة
الأب فيها عاطفة متأججة ولها تأثير نفسي يفوق كلمة "والدي"
التي تبدوا رسمية وجافة قليلا، إننا نشعر بعاطفة الأبوة وحميميّتها
الغامضة، ولهذه الكلمة تحديدا وقع السحر في نفوسنا، ولعل المتبحّر
في الثقافة الصوفيّة أو المسيحية يدرك الدلالة التي تثيرها كلمة الاب
أو الابن، بخلاف الوالد أو الولد. فرغم أن المعنى القاموسي هو نفسه
إلا أن الإحساس بالمفردة يختلف؛ أي أن المعنى الشعري يختلف تماما،
ويظهر ذلك جليّا حينما نردّد هذا البيت تحديدا، لقد توقفت كثيرا عند
هذه النقطة التي قد تبدوا عاديةً للبعض وربما سيعتبرها البعض الآخر
سلبية ومن مآخذ النص..
إنّ نداء الشاعر القادم من أعماق الروح لوالده فيه الكثير من الحب
والاعتداد والفخر، ولعل استخدام الشاعر لرمز "الحزام" فيه
الكثير من الدلالات التي توضّح الأهمية الكبيرة للوالد في حياة أي
واحد منا ، أنه السند وقت الشدة والعون وقت الضيق والعزاء وقت الكارثة،
ان من يعيش في حياة مبدأها الوحيد "قانون القوة" لابد أن
يحمل على كتفه سلاحا يحتمي به ولابد أن يتزود بالذخيرة التي يملئ بها
حزامه ، الحزام هو الوالد، الوالد رمز الأمان والقوة والهيبة..
وما يلفت الانتباه في عجز هذا البيت أن الشاعر رغم عفويته في البوح
بعاطفته نحو والده بكل شفافية ووضوح إلا انه يترك جسرا متينا من الاحترام
يمرِّر خلاله أحاسيسه ومشاعره، فيواصل نداءه: يا فلْذة كبدي، وفلذة
الكبد هو الابن، وكأن الشاعر لم يعد مميزا بين حب الأب وحب الابن،
لقد تداخلت العواطف وانصهرت في نار البعد الحارقة، وها هو يستدرك ذلك
بكل لطف وأدب فيقول مكملا: (إن جاز الكلام ورحت للأبعد)، أي يا والدي
أنت أغلى وأثمن ولكني لم أجد ما أعبّر به عن حبي لك سوى حبي لأولادي،
فالشاعر يدرك عمق حب الوالد لأولاده من واقع تجربته مع أبناءه، أن
الشاعر بإيثار كبير وتضحية لا متناهية ووفاء مقدس يفكّر في معاناة
والده في غياب أبنه الوحيد؛ أحمد..
توصيني على ربعي وصاة القطن للقطان
توصيني على نفسي وصاة العين للمرود
واوصيك بعناقيد الفؤاد وزهرة الرمان
كلامٍ يوقف بفم الغريب ودمعةٍ تجمد
أجزم، ولتعذروني بهذه المفردة!، أنكم سوف تكتشفون
في كل بيت فكرة شعرية مبتكرة. إن شاعرنا يجيد فعل ذلك؛ وهذا يعود لصفاء
ذهنه وارتباطه الفكري بموضوع القصيدة، أن الشاعر يجيد كتابة أفكاره
بالصوّر، لذلك فإن المتلقي لا يجد الصعوبة المزعجة في استيضاح أفكار
الشاعر، وهذا واضح في كل بيت، وفي البيتين السابقين يواصل الشاعر سرد
ذكرياته الجميلة مع والده، ويتذكّر الوصايا المهمة في لحظات الوداع،
وكما نلاحظ فإن الأب يوصي ابنه أولا على زملائه وأصحابه، ومن ثم يوصيه
على نفسه، وله حكمة ٌمن ذلك؛ فهو يعلم أن الأصحاب في الغربة هم وحدهم
القادرون على تخفيف وطء البعد والفراق، فلابد أن يكون نقيا معهم ووفيا
لهم حتى يبادلوه نفس الشعور، ولكن ما نوع هذه الوصية، هي وصاة القطن
للقطان: لا بد أن القطن الأبيض لايحتاج من القطان سوى العناية به وتشذيبه
والاهتمام به وحمايته من الحشرات الضارة، كما أن القطّان هو الحلاج
في مسمى آخر، أي الذي يفصل البذور عن القطن ويكون من أهم خطوات عملية
تصنيع القطن وغزله ونسجة وحياكته، أن للقطان دلالة روحية عميقة في
ذهن الشاعر وله دلالة أخلاقية عظيمة في وصية الوالد لولده في الغربة.
كما يوصيه شخصيا بوصاة العين للمرود: والعين لا تريد من المرود سوى
الحذر والتمهل وتزيينها وعدم طلسها وإيذاءها وهذا ما يوصي به الوالد
ولده، فكأنه يقول له: الكلام السابق بالحرف.. إن الشاعر في البيت السابق
لم يقل سوى جملتين شعريتين أختصر بهما مشهد التوديع الأخير، واستطاع
أن يختصر كل خُطَب ومحاضرات الوصايا الأخيرة التقليدية والمتشابهة
دوما، كما أنه أبتعد عن المباشرة والتوضيح والإشارة المحددة نهائيا
وتركَ لخيالنا المجال الرحب للتخمين والتأويل.. وبعد أن أستمع الابن
لوصية أباه، ها هو بدوره يتذكر وصيّته لأبيه: أنه يوصّي الوالد بأولاده
وزوجته(عناقيد الفؤاد وزهرة الرمان)، وهذا الاستدعاء للرمز أعطى البيت
جمالا وفتنة، فحينما يبتعد الشاعر عن اللغة القاموسية يقترب من اللغة
الشعرية أكثر، لذا فإننا نجد أثناء قراءتنا في قلة ٍمن القصائد مُتعة
َالاكتشاف ولذة القراءة ، بشرط أن نمتلك أجنحة قوية للتحليق في فضاء
الرموز الشاسع لنعيد تركيبها حسب فهمنا ووعينا بالقصيدة ومنطقها الخيالي
النابع من باطن الشعور أو العقل الباطن، ونحتاج لمثل هذه القدرة في
بعض الأبيات كالبيت السابق مثلا فالشاعر عوضاً عن أن يقول: أولادي،
قال: عناقيد الفؤاد، وعوضا عن زوجتي قال: "زهرة الرمان"
وليس هناك أبلغ من هذه الأسماء المركبة وأدق في أعطائنا معانٍ شعرية
قوية ممزوجة بعاطفة لا تخبؤ، هكذا يكون الوعي الحقيقي في استخدام الرمز
وتوظيفه، كما على القارئ أن يحاول البحث عن المعنى المتواري خلف قناع
اللفظ الخادع..
يابوي.... ومابي أكبر مالوله والشوق والتحنان
يا بوي ومابي أكثر مالعتب إلا على ( مسكد
وهي (مسكد) يشيخ اسمنتها في حضرة الجدران
إذا مثاّلها جاه الظلام وخانه المبرد
بدون شك أن المرور على كل جُمل القصيدة يحتاج
لمساحة كبيرة، لذلك سنقفز فوق بعض الشتلات الجميلة ونركز على الأشجار
الوارفة أو المواضيع الأساسية التي تطرَّق إليها الشاعر، كمثل الأبيات
السابقة والتي بدأ فيها شاعرنا بالتعمق واستدعاء رموزا تاريخية، فنلاحظ
ان المكان بدأ يحضر بقوة في المشهد (مسكد)، وهذا المكان جاء مرتبطا
بزمان محدد (ما قبل السبعينيات ). إنّ (مسكد) هي الاسم القديم الشائع
والمتداول تحديدا في ساحل الباطنة لمدينة مسقط ولا زال بعض كبار السن
يطلقون الأسم القديم (مسكد) للآن، وليس بالغريب أن يكون احدهم هو والد
شاعرنا، (ولمسكد) تاريخ طويل من البطولات، وربما هذا الاستدعاء التاريخي
للمكان جاء مرتبطا مع السبب الرئيسي من كتابة النص وهو قراءة الذاكرة
النفسية المكانية والزمانية في رسالة خاصة وسرية جدا. إنه عتب المحب
في لحظة البعد والحنين والشوق، كما أن شاعرنا في لحظة كتابة رسالته
وتوجيهها إلى والده العزيز، أستدعى المكان من ذاكرة والده ولغته، أراد
أن تكون (مسكد) كما يعرفها والده ويلفظها دائما ، كما أراد أن يوصّل
لوالده المشهد السينمائي الذي يتذكره الشاعر لنفس المكان ونلاحظ أن
الأبيات القادمة توالدت عن هذا المحور ، بأسلوب فيه الكثير من العتب
والندم والغصّة.. وهناك الكثير من الأبيات الرائعة التي جاءت مكملة
لتلك الفكرة:
معي ثمة كلامٍ في فمي ماجاوز الأسنان
واظن اللي قفوا بي قايضوا الإنسان بالأثمد
الشاعر بطريقته الغير مباشرة يقول لوالده أن
في داخله كلام لا يستطيع أن يقوله أبدا، ربما لخصوصية هذا الكلام،
وحتى أنه لايستطيع أن يخبر به أقرب الناس إليه (ماجاوز الأسنان)، ولكن
الوضع تغيّر فلم يعد الإنسان الصامت يمتلك تلك القوة والإمكانيات على
الصمت وكتم الأسرار، لقد استخدم الشاعر الأسنان كرمز للقوة والصمت
والحذر، وفي العجز يوحي بأن البعض قد استطاع فعلا بأن يقايض الإنسان
الصامت بسلعة رخيصة وهي الكحل، ومن المعروف أن الأثمد هو كحل يستخدمه
الرجال وكان يجلب إلى عمان من الهند، ربما يقصد الشاعر أن المسافرين
أصحاب المراكب المتجهين إلى مسكد حملوا عوضا عنه الأثمد بينما بقي
هو وحيد في الهند، هذا التلميح الجميل والإيحاء الرائع يحتاج من القارئ
أو المتلقي لأن يشحذ ذهنه لمحاولة فهم ما يختبئ خلف الرمز أو خلف التمويه
والتورية الشعرية.. فنحن نقرأ لشاعر يستخدم لغة مراوغة وخادعة ويستطيع
بخاصية زئبقية أن يهرب من أي محاولة جادة للقبض على المعنى الحقيقي
الذي يقصده.. ولا بد أن اعترف بأن محاولة قراءتي للقصيدة ليست من أجل
استيضاح ما يقصده الشاعر ويعنيه بدقة، بل هي قراءة لما فهمته وتوصلت
إليه بنفسي، ولا يشترط أن تتطابق نتائج قراءتي مع أفكار الشاعر، فليس
الهدف من القراءة إصدار أي أحكام مسبّقة والقضاء على انفتاح النص وغلقه
نهائيا أمام قراءة أخرى موازية أو أكثر شمولا، بل الهدف هو الغوص والتغلغل
في ذهن الشاعر لفهم قدرته الشعرية والتعرف على إمكانياته الفنية الكبيرة،
لذا يجب التنويه لذلك وبعد أن صوّر الشاعر لنا المشهد بكامله وكان
خلاله يتحدث عن نفسه وعن عذاباته لوالده، عاد في الأبيات الثلاثة الأخيرة
ليدخل شخصية والده في مشهد القصيدة مرة أخرى: بعد أن أنهى الشاعر هذيانه
المحموم لوالده، تذكّر فجأة كلمة والده الحكيمة ورده الجميل عليها:
مثل ماانك تقول النخله (أوفا من بني الإنسان)
أقول ان الوفا غرسٍ غرسته بابنك الأوحد
النخلة الأم و الأرض والوطن، وهي وفية لأهلها
دائما، ويرد الشاعر بأن هذا الوفاء مغروس أيضا في الابن الوحيد، ان
هذا الوفاء المتبادل ما بين النخلة والابن، ما بين الأرض والشاعر لابد
أن يهدينا ثمرة الحياة الخالدة وعشبة الوقت الجميل. وكما بدأت الرسالة
بالسلام تنتهي أيضا بالسلام، مع إمضاء الابن.. وكما لاحظنا البعد التاريخي
في القصيدة، نلاحظ أيضا الوعي بالبعد الجغرافي في القصيدة وذلك في
البيت الأخير حينما يقول الشاعر:
تحياتي... من الشط المقابل ابنكم / أحمد
والشط المقابل هو المكان الذي يدرس فيه الشاعر أي الهند. الشعر هو
رموز منتقاة بعناية، رموز تشكل صورا مدهشة متناسقة ينظمها وعي الشاعر
الكبير بموضوعه، لذلك فأن القارئ المجتهد يجد المتعة الفكرية والجمالية
حينما يقرأ نصا يستطيع استكناه موضوعه مهما كانت لغة النص غامضة ورمزية..
هذا الوعي الكبير والحنكة الخارقة ولدّت عبقرية شاعر يجيد إمتاع قُرّائه،
ويؤمن بأن القصيدة هي أكبر من موقف مارق أو موضوع سطحي بسيط، لذا فهو
لا يكتب القصيدة من أجل النشر، بل من اجل القراءة ومن أجل خلاصة ذاكرة
التاريخ.. وللأمانة لقد حصلت على القصيدة من أحد مواقع( النت) وهي
غير مرتبة أبدا، فقمت بترتيب أبياتها حسب تتابع الأفكار وانتظامها
بحد توقعي وتخميني لها، ولم أجد صعوبة كبيرة في ذلك، فأبيات القصيدة
وأفكارها ساعدتني على ترتيبها بسهولة، بعد ذلك حصلت على النص الأصلي
فوجدته متطابقا مع الذي رتبته، وهذا يدلُّ بدون شك على التحام القصيدة
وتماسكها وانتظام أفكارها، وإبداع شاعرها.. القصيدة فيها الكثير من
الأبيات الرائعة والتي تحتاج للقراءة الفنيّة المبدعة لإظهار جمالياتها
الكثيرة، وتحديدا الأبيات التي جاءت في نصف الرسالة والتي تجاوزناها
لضرورة فنية، كما ان هذه القراءة اتكأت على تحليل الجانب النفسي في
القصيدة، مع أن صاحب القراءة يعتقد بأن القصيدة تحتاج إلى قراءة فنيّة
متأنية تظهر التكنيك الرفيع الذي يستخدمه الشاعر في تركيب صوره وترتيب
أفكاره وابتكاراته المدهشة الخلاقة.
حمد الخروصي *
*calmdeath@hotmail.com
أعلى
قصة
قصيرة
مجرد كذبة كبيرة
قد نشكك قليلا في الأمر، لكننا في النهاية سنقتنع
بالمطلق أن الكذب وحده من ينسج شبكة الحياة. الحياة التي أقصد لم تكن
أبدا تلك الحياة السوداء البيضاء أو بمعنى آخر تلك التي قد تتعرفون
عليها دونما توقعها أو انتظارها تأتيكم هكذا في لطمة واحدة وبعدها
تظهر الحقيقة الساخنة.
ما الفرق بين الحقيقة والكذب ؟
طبعا لا أحد بمقدوره الإجابة عن هذا السؤال، لكن مع ذلك فقد توفرت
لدي الآن أدلة قاطعة أن السبب يعود إلى ذلك الحلم الأغبر الذي تفتق
من سديم الحياة الثانية التي نطلق عليها النعاس. هكذا كمرض مزمن كامن
في الأحشاء. انهارت فوق رأسي صوره النيزكية تباعا وكأنها كانت تتجمع
في مكان ما، أو بين فصيل ينتظر رصاصة الرحمة.
كذلك أبي لم يصدق الأمر. كان يعد خلف العمارة حبال وشباك وفلينات ورصاص
كمائن السمك. بصبر كالعادة وإخلاص ينحفر يوما بعد يوم أخاديد جليلة
على وجهه الأسمر. ولأنه ينتمي إلى الجنس الحامي يفترض أن لا تبدو عليه
الشيخوخة المبكرة أبدا. خلاياه الجلدية تقاوم قسوة الطبيعة. تخيلوا
معي لو أن الجنس الأبيض كان يعيش في إفريقيا لأنقرض عن بكرة أبيه.
لا داعي للتخيل فقد تناسل بالفعل كالبعوض في جنوب إفريقيا.
أبي كذب هذه الحقيقة، فقد تقوس ظهره وهو في سن الأربعين وشاب في سن
الثالثة والأربعين. وبدأ يشتكي من روماتيزم المفاصل في سن الخامسة
والأربعين. كان لا يعينه أحد ولا يعنيه أحد. أما إخوتي فكل في جزيرته
يعد كمائنه بنفسه ويعرض السمك على قارعة طريق الكورنيش . كانت المنافسة
شرسة حول مواقع الصيد في خليج العنق، وحول مائدة الطعام إذ تتحول المناقشات
إلى مصارعة يدوية كان أبي يهزم الجميع لأنه يعرف أسرار الخليج كما
لو أنه يشرب كأس شاي.
أما أمي فماتت منذ خمس سنوات بشوكة في الحلق. احمرت وجحظت عيناها بينما
أبي واخوتي انقلبوا على ظهورهم من شدة الضحك وهم يشيرون بأصابعهم اتجاه
وجه أمي المحتقن والمختنق. انسحبت يومها إلى المطبخ حيث صارعت أمامي
اختناقها ولولا إلحاحي عليهم لما هبوا لنجدتها. أحاطوها مرعوبين وكل
يشير مشورة. كانت أمي تموت وهم يتناطحون أفكارهم المعطوبة ويقترحون
ضربها من الخلف أو حملها من قدميها أو إنزال الشوكة برشفات ماء. وقبل
أن يتفقوا على حملها إلى المستشفى لفظت أنفاسها الأخيرة. كانت المرحومة
تشير نحوي بإصبعها بينما عيناها الجاحظتان تناجيان وجهي.
منذ ذلك اليوم الملعون وأبي وإخوتي يعتبرونني مسؤولا عن موتها. وكأنني
أنا من خنقها، أو تسبب في قتلها. الملاعين يقتلون القتيل ويأكلون عزاءه.
همست في أذن أبي:
ـ جف البحر. رأيته يجف.
دفعني بلطف وقال:
ـ شد الحبل إليك بقوة، أنت لا تأت إلا بالمصائب.
ـ أقول لك الحقيقة رأيت البحر يغور وينسحب.
كنت أراه يشفط بسرعة هائلة وكأن شدقا هائلا تشربه.
البحر يختفي هكذا فجأة من خليج العنق ! هذا لا يصدق إلا في الأفلام
أو الأحلام أو الرسوم المتحركة. كنت أعرف أنه سيعرف الحقيقة فيما بعد
وسيصدق الأمر رغما عنه. لكنني كنت مصرا على أن يعرفها مني (أنا) ويصدقني
(أنا) . لم لا يصدقني (أنا) ابنه الذي كان يتمنى أن يصبح صيادا مثل
والده لكن المدرسة أفسدت عقله وأحلامه.
كانت دهشة سكان العمارة صاعقة. وهم ينظرون إلى هذا الانسحاب الأعظم
على امتداد النظر. لا زرقة في الأفق، حتى لون السماء، تحول إلى لون
ما بين البني والأسود، أو البنفسجي والأحمر أو خليط ما بينها كلها
أو ربما هذا هو لون الدهشة فقط.
الآن يمكنهم أن يصدقوا الحقيقة العارية أمامهم. كل ما يؤمنون به من
قناعات وبداهات وتوافقات يتبخر أمامهم كسراب في نهاية الطريق.
أين الأسماك والسلطعون والمحار والطحالب وصوت البحر وأحلام البحر وجنازات
البحر ؟
كانت الرمال اللزجة صلعاء إلا من الصخور المبللة والهوات السحيقة.
شفط البحر بكائناته. ما تبقى أمام عيوننا المرعوبة غير البريق الحاد
كشفرات لتهيؤاتنا وإصرارنا على عدم تصديق شبكة الكذب المتتالية التي
قادتنا منذ البداية إلى اكتشاف أن البحر مجرد كذبة كبيرة.
من متتالية قصصية
سعيد بوكرامي*
* قاص من المغرب
أعلى
من
خلال الدراسات العربية
صورة " ألف ليلة وليلة " في الأدب الفرنسي ( 6 ـ 7 )
(عروف الإسكافي) لـ "ماردوس نيبوتي":
تتلخص هذه القصة في الليالي العربية، أن معروفا الإسكافي يفرّ هاربا
من وجه زوجته فاطمة العّرة التي جعلت حياته عذابا مقيما. وفي الطريق
يباغته سيل من الأمطار فيلجأ إلى منزل مهجور. ويسمع " جني "
انتحابه وشكواه فيأتي لنجدته وينقله إلى مدينة ( خيطان) وهناك يلتقي
معروف بتاجر ثري من أصدقاء طفولته هو ( علي القاهري ) الذي يرحب بمعروف
ويعطيه مالا وكساء ويقدمه لأهل البلد مدعيا أنه تاجر غني، ينتظر قافلته
التي ستأتي من القاهرة محملة بكل بديع و غريب. ويصدق الجميع ذلك، خصوصا
أن معروفا ينفق بغير حساب، ويتصدق على الفقراء رحمة بهم، لأنه أدرى
الناس ببؤسهم، ويعلم السلطان بأمره فيزوجه من ابنته، برغم ممانعة الإسكافي
الذي يطلب من السلطان أن يتريث حتى تصل القافلة. وتمر الأيام، وينفد
صبر السلطان، خاصة أن معروفا يستمر في إغراق المال على الفقراء إلى
أن توشك الخزانة على الإفلاس. ويطلب الحاكم من ابنته أن تسأل زوجها
عن القافلة، وعندئذ يصرح معروف لزوجته بكل شيء فتنصحه بالهرب، لأنها
تحبه وتخشى عليه بطش أبيها. ويهرب معروف بينما تخبر ابنة السلطان أباها
بأن زوجها ذهب مع رسول أتاه من القافلة، وأنه سيعود بها عما قليل،
ويتدخل القدر مرة أخرى لإنقاذ الإسكافي الطيب؛ إذ تقوده قدماه إلى
حقل فلاح يستضيفه، فيشرع معروف في مساعدة الفلاح ويحرث له الأرض، وفجأة
يصطدم المحراث بعقبة تعوق مساره، فيحاول معروف انتزاعها، فإذا به ينزع
بلاطة تخفي سردابا، والسرداب به كنز، والكنز له حارس والحارس في خدمة
صاحب الخاتم، والخاتم يأخذه معروف فيأمر الخادم بإعداد القافلة الخرافية
التي يعود على رأسها إلى " خيطان". ثم تمضي القصة لتروي
كيف عرف الوزير سرّ الخاتم، فأراد أن يستولي عليه وعلى العرش في آن،
ولكن زوجة معروف تتدخل وتسترد الخاتم وتنقذ زوجها و أباها. ثم تحضر
فاطمة من القاهرة وتكرر محاولة الوزير الفاشلة، فيتدخل ابن معروف وينقذ
أباه ويقتل الخائنة .
هذه هي القصة العربية ، فماذا فعل "ماردوس ينبوتى " بها؟
تتكون القصة من ثلاث مراحل :
الأولى: قصيرة نسبيا، وتدور أحداثها في القاهرة وهي تتلخص في وصف شقاء
" معروف " مع زوجته " فاطمة " . الثانية: فهي
الفترة الانتقالية، فترة انتظار القافلة الوهمية وهي تدور في "
خيطان" بين سوق التجار وقصر السلطان. والفقرة الثالثة هي فترة
" النفي " المتكرر، فنحن نرى معروفا يغادر المدينة بناء
على نصيحة زوجته، ثم يعود بالقافلة، ثم يتدخل الوزير الحسود وينفيه
قسرا بعد أن جرده من الخاتم .
وتحتفظ المسرحية بهذه المقدمات أو المراحل الرئيسية، ولكنها تدخل عليها
ثلاث اختلافات مهمة حيث تبدأ المسرحية، شأنها شأن القصة بتصوير حي
لبؤس " معروف" المادي والمعنوي الذي يضطره إلى الفرار وهنا
نجد أول اختلاف بين النصين، فالكاتب الفرنسي يفضل أن يكون رحيل "
معروف " بحرا ولكن سفينته تتحطم وتلقي به الامواج على شاطئ "خيطان"
هذا الاختلاف الأول. أما الاختلاف الجوهري الثاني فهو يرتبط بفرار
"معروف" خوفا من السلطان، وهو في النص الفرنسي لا يفر وحده،
بل تصحبه الأميرة زوجته، التي تقرر ـ بشجاعة وجسارة ـ أن تضحي بنعيم
القصر، لتنعم بالحرية في رحاب الطبيعة السخية، وتقاسم زوجها "
الإسكافي" حياته المقبلة بحلوها ومرها. أما الاختلاف الثالث فهو
عبارة عن حذف لكل القلاقل والدسائس التي يشهدها قصر السلطان بعد عودة
معروف وقافلته، وصراع معروف وأهله ضد الوزير، ثم ضد فاطمة زوجة معروف
الأولى، وتدخل ابن معروف لإنقاذ أبيه من براثنها.
كما أن الكاتب الفرنسي لا يكرر تدخل الجان في المسرحية كما هو الشأن
في القصة العربية، أما المسرحية فيظهر الجان مرة واحدة، ويقتصر دوره
على إنقاذ معروف، وخلق القافلة الفرنسية التي يعود رأسها إلى "خيطان"
كما يحذف المؤلف الأحداث التي تلي هذا الحدث، من صراع "معروف"
ومنافسيه وحساده، فهي لا تعني له شيئا. فيختم المسرحية بعودة القافلة
وعرض ما تحويه من النفائس البراقة، وبهذا يكون "معروف" قد
تخلص من عذابه الداخلي "الزوجة" وعذابه الخارجي "السلطان"
وهو رمز لشقاء الشعب الفرنسي.
مصرع شهرزاد لـ" سيرج دياجيلف": وهو عبارة عن باليه أخرجه
"سيرج" عام 1906، وقد أوحاه من ألحان "ريمسكي كورساكوف"
واعتمد على أشعار "فيشيل جورج ميشيل" الذي يروي في أسلوب
غنائي الرواية الافتتاحية لألف ليلة، والمقطوعات الأربع التي تتكون
منها البالية هي : "حزن السلطان"، و"انتصار الزنوج"،
" مذبحة المحظيات"، و" مصرع شهرزاد". إن هذا الباليه
يصور قصر شهرزاد بما احتواه من بذخ وفجور، وهما العنصران الأساسيان،
والانطباع الأول الذي يخرج به القارئ من مطالعة افتتاحية ألف ليلة،
ويبدو أن هذه الفكرة تسلطت على ذهن الكاتب، لدرجة جعلته يخلط بين شهرزاد
وغيرها من النساء الخائنات، فهي تلقي حتفها في نهاية البالية، شأنها
شأن الزوجة الأولى لـ"شهريار" وفي هذا ما فيه من إجحاف بحق
الملكة العفيفة التي ردت للمرأة اعتبارها .
" أوبرا شهرزاد" لـ" راؤول جانسبورج" : لقد عاد
"راؤول جانسبورج" إلى الفكرة نفسها عام 1931م، بألحان "ريمسكي
كورساكوف" وأشعار "راؤول جانسبورج" نفسه، الذي وصف
هذه المأساة الشعرية قائلا: "إنها قصة شرقية ذات ألوان زاهية،
وأنشودة حب عارم يائس وموت عنيف، تنبع شاعريتها من أعماق القلب".
والكاتب يصور هنا "شهرزاد" زاهدة، عازفة عن كل ما يحيط بها
من متع حسية، ولكنه لا يرد ذلك إلى إخلاصها لشهريار، وإنما لتمسكها
بحبيب غائب شبت معه، وشهدت الصحراء حبهما وهو ينمو مع الأيام، ثم افترقت
عنه، وزفت إلى شهريار . لكنها ظلت وفية للحبيب الغائب " إسماعين"
الذي يعود فجأة فينشد الحبيبان معا "أنشودة الحب والموت"
قبل أن يأمر شهريار بقتلهما:
إسماعين : " كي أسعد بحبك أو ألقى حتفي ، تركت إلى الأبد تلك
البقعة المباركة التي شهدت حبك حيث وعد كلانا الآخر بأن يكون له ،
شهرزاد . . . هل نسيت كل ذلك . . . هل نسيت ليالي الأنس ؟ تلك الليالي
التي كانت أجمل من الصبح، ليالي كانت الزهور تفتح فيها كوؤسها كي يرشف
منها النحل رحيق الحب !
شهرزاد : انظر إلي أيها الحبيب. . . لا لم أنس شيئا بل كنت في انتظارك،
في انتظار الحب والموت "
وتأبى شهرزاد أن يمسها الجلاد، فتنتزع منه الخنج، وتعطيه لحبيبها الذي
يقتلها، ثم يغمر الخنجر في قلبه، وهكذا يمزج الموت دماء حبيبين فرقت
بينهما الحياة والأقدار. وليس منبع هذه النظرة السوداوية، سوى أحداث
تلك الحرب العالمية التي اجتاحت كل مكان، ناشرة الذعر والخراب والشك
في كل القيم الخلقية والروحية .
د. حمود الدغيشي *
* كاتب عماني
أعلى
الجنون
واقع مخفي
رؤية في أعمال الفوتوغرافي العراقي إحسان الجيزاني
السلطة تحمي نفسها تحت عنوان العقل بينما الفنان يبدع تحت لافتة الجنون
صور المجانين والمعذبين ممكن أن توصف بالجمال والروعة باعتبارها فناً
يثير الفوتوغرافي العراقي إحسان الجيزاني في مجموعة صوره عن الجنون
بحثا شائكا عن الفن والجمال والمعنى الاستيتكي المحرك للمشغل الفني،
فالجمال الفني يكون جمالا وهو في حالة عرض نماذج تصف بـالقبح خارج
الكادر الفني مثل صور المجانين والمعذبين ورسم صراخ التوجع والدهشة
والاضطهاد والتعذيب والأعضاء البشرية الناقصة المبتورة ..الخ هذه وغيرها
ممكن أن توصف بالجمال والروعة باعتبارها فناً عاكساً للواقع أو مرمزاً
عنه أو ناقد له وفالت منه، في مجموعة بحوثه المعنونة بـمسائل الجمال
الحديثة يقول فولكيت: ( نحن أنفسنا المشاهدين نضع الحياة والإلهام
في الأشكال التي يبدعها الفنان (..) نحن أنفسنا نضع حياتنا وروحنا
في الصور المرسومة ) حيث الألوان وأبعاد الأشخاص والأشياء حيادية بغض
النظر عن وعينا نحن وعن تلك المقصدية المستترة في تلويحات الفنان وبذلك
كانت أشياء الصورة كتلة تمثل علامة ترمز لمعنى ما وتخلقه، وهذا هو
الذي دعا غارتمان أن يقتنع بان المؤلف الفني (هو فقط الوجه الأمامي،
الصورة المادية الشعورية أما الوجه الخلفي والمضمون الروحي فهو غير
واقعي ) وهذا المعنى لم يهبط من المُثل العليا الأفلاطونية وإنما هو
إنتاج تراكمات العناء في روح الفنان ووعيه، وهذا العناء هو الذي يستخرج
بوسائل الفن الروحي المضمر داخل كل ما هو مادي وبالتالي كانت عيون
الفنان تبصر الرمز وتخلقه حيث لاشيء لا يدل على علامة ما باعتبار الشيء
أما أن يخلق عناءً لنفسه أو للآخرين أو الأمرين معاً كما هو حال الجنون
بالذات، لكن ما الذي يدعو الفنان أن يتخذ من الجنون موضوعاً ويدخله
في كادره ويصنع منه مشهداً؟! فإذا كان البعض يعتقد بان الفن يزدهر
بتفاعل عضوي بين أضلاع ثلاث هي الفن والنقد والذوق العام (انظر مثلا
ص 5 من كتاب بلاسم محمد : النقد والفن ) فان اتخاذ الجنون كموضوع يصدم
الذوق العام ويخلق للنقد التباساً في اتخاذ نقيض المعرفة علماً؟! وعليه
فان الأمر مرتبط بمزاولة أخرى للفن وبتحديد تعريف مغاير للسجالات النقدية
المتعارف عليها . في كتابه جماليات المكان يحدد (باشلار) بان الموضوع
الفني يتحدد من خلال وعينا به ومعايشتنا إياه، وعليه فان كل موضوع
هو مرتبط بوضع الفنان الشخصي ومختلط بتجربته الفردية أو الجماعية أو
منظوره التأملي العام ومن هذا السياق يمكن مقاربة المجنون كموضع عام
هنا وبان الجنون مفردة مختلطة بمفردتين متناقضتين : السلطة والإبداع
من جهة، الحضارة واللامعنى من جهة ثانية وهذا التشطير يوضح لنا مواجهة
السلطة /الإبداع بكونه خروج عن المعنى ومنافٍ للحضارة وبالتالي هو
الذي ما نصطلح عليه بكونه جنوناً، وهكذا كانت السلطة تحمي نفسها تحت
عنوان العقل بينما الفنان يبدع ويضطهد تحت لافتة الجنون، ولعل من هنا
فرّعت الثقافة العربية مثلا العبقرية من عبقر وهو واد الجن والجنون
.
في وطن الفوتوغرافي الجيزاني كان العراق ، حيث كان يتم تحويل المعارض
السياسي والمختلف العقائدي والمكافح الثقافي إلى مجنون بعد حفلات تعذيب
مروعه، وكان المجنون العادي يتم اختطافه ويرسل به إلى مشانق الإعدام
أو سراديب التعذيب بدل شخصيات أخرى، وهكذا كان الجنون صليباً يتم جلده
مرتين . والجنون بكونه عنصراً يُعريّ حقيقتنا المشتركة بحب التسلط
والاستئثار حيث يكون المجتمع بذاته هو نوع من أنواع السلطة والمعتقل
الكبير، بهذا يكون عرض الجنون كموضع هو محاولة رفع الخجل بالاعتراف
بذنب جماعي من هنا كانت لقطات الجيزاني تظهر المجنون بقرب أسلاك شائكة
أو وحيدا في الشوارع، فالمجنون هو هناك حيث اللامعنى واللاحضارة، لكن
هذا النفي لايستمر حيث يبقي السلطة ويعمقها باعتبار أن القمع هو نوع
من الحماية، ومن هنا أيضاً كانت المدارس الفنية الأيديولوجية تحارب
مثل هذه المشاغل الفنية لكونها تذّكر بوجود جوانب أخرى للإنسان غير
شعارات البطولة والمظهر الحسن وبالتالي فهناك جانب لا يصنع الثورات
ويدمر الحركات الرجعية وما إلى ذلك من لافتات دموية وتنظيرات فاشية
قامعة وهذا ما نجده واضحا مثلا في كتب النقد الماركسي مثل كتاب ليكال
يولاشيف (قضايا البحث الفلسفية في الفن) حيث نجد المؤلف يقول بدم بارد:
{ وهذا وتبرز لدى بعض اتجاهات الفن (التصنع ، الحداثة ) مسألة ابتعاد
الفنانين عن تصوير الإنسان الجميل والسامي وتضفي سمة الإطلاق على تعابير
الألم وإظهار القبيح مما يدل على انعدام المثل الجمالية التقدمية عندهم
وهذا يؤدي إلى نزع سمات البطولة والإنسانية عن الف(ص93 من كتاب البحوث
الفلسفية) وكأن على الفن أن ينضم إلى جوقة الإنشاد الحربي لتهييج الحماس
العدواني ضد كل ماهو ضعيف، ومن هنا فدفع الجنون إلى عتبة المشاهدة
العامة هو مثل حمل لافتة في مظاهرة شعبية ضد السلطة، لكن ليس السلطة
السياسية فقط وإنما الاجتماعية والثقافية أولا، خصوصا إذا ما تذكرنا
بان إحسان الجيزاني مرتبط بالعراق ذلك الوطن المكون من هستريا التاريخ
وجنون السلطة، وبهذا تكون لقطة الجنون تبرز نفسها بكونهاً نقداً ..
اقصد ذلك النقد الذي يهدف إلى إعادة النظر في الوعي كفعل جماعي .
عبداللطيف الحرز*
* كاتب عراقي في مقيم في استراليا
من أعمال إحسان الجيزاني
أعلى
|