|
فتاوى وأحكام
* امرأة تقول عنوس الفتيات كثر وفي المقابل بدأ التعدد واضحاً مع الرجال،
وتقول هي الآن بين نارين، بين نار إشفاقاً على هؤلاء العانسات، وبين
نار أثرة لا ترضى أن يكون زوجها مُعدّداً، ويؤكد لها زوجها باستمرار
أنه لن يتزوج عليها ومع هذا هي تشعر أنه سيتزوج وتحدّث نفسها كثيراً
بأن تطلب الطلاق فتسأل عن حل لهذه المشكلة بنصيحة منكم.
** على أي حال هذه القضية قضية عنوس الفتيات أصبحت تؤرق المجتمعات،
وهذا أمر مزعج فالقضية يجب أن تعالج بشتى الوجوه لا بوجه واحد فحسب.
فعنوس الفتيات يجب أن يعالج بتيسير الزواج الشرعي والتقليل من مؤنه
هذه النقطة الأولى التي لا بد منها، فإنه مع غلاء المهور وكثرة الإنفاق
والإسراف في حفلات الزواج، والإسراف في الأثاث الذي يتطلبه الزواج
وفي الإعداد للزواج، كل ذلك مما يعوق الشباب عن الزواج.
فينبغي أن يكون الزواج بسهولة وبيسر من غير مشقة ومن غير تعب بحيث
لا يعطي الزوج من الصداق إلا الشيء اليسير، ولا يُطلب منه أيضاً في
مقابل هذا الزواج من النفقات إلا الشيء اليسير كالإنفاق على عرسه أو
الأثاث أو الحلي الذي يقدمه إلى زوجته، كل ذلك إنما يجب أن يكون بقدر
ليس فيه إسراف وليست فيه كلفة ولا مشقة، وهذا مما يجب أن يكون متعارفاً
عليه عند أولياء أمور الفتيات وأولياء أمور الفتيان جميعاً، فهم جميعاً
يجب أن يتعاونوا على هذا الأمر.
ثم بجانب ذلك أيضاً لا بد من النظر في العراقيل الأخرى التي تقف أمام
الشباب حتى لا يتزوجوا، كرغبتهم في إكمال الدراسة أو رغبة الفتيات
أيضاً في إكمال الدراسة، فإن هذا مما يجب أن يوضع له حل بحيث لا تكون
الدراسة عائقاً عن الزواج، فإن الإنسان مأمور بطلب العلم من مهده إلى
لحده، فهل لا يتزوج الإنسان طول عمره لأنه يؤمر أن يعيش طالبا؟ لا،
فالزواج لعله مما يعين على الاستمرار في الدراسة عندما يتعاون الزوجان
ويشد كل واحد منها أزر الآخر، ويشجع كل واحد منها الآخر على المضي
قدماً في طريق العلم، فإن هذا أمر محمود بفضل الله تعالى. كذلك بالنسبة
إلى تعدد الزوجات ، تعدد الزوجات لا بد فيه من العدل، العدل مطلب أساسي
في التعدد، فالإنسان عليه أن ينظر، أولاً الذي يريد أن يعدد إلى نواح
عديدة، عليه أن ينظر إلى إمكاناته الجسدية وإمكاناته المالية، وكذلك
أن ينظر إلى علاقاته الاجتماعية لأنه إن كان يخشى أن يسبب هذا التعدد
قطيعة مع أقربائه أو مع أي أحد ممن يخشى قطيعته فإنه يؤمر في هذه الحالة
أن يدفع المفسدة، إذ دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة. ولكن مع هذا
فإن تعدد الزوجات كثيراً ما يحل هذه المشكلة، وقد كان ذلك في إبّان
عهود الإسلام الأولى ، عندما كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يخرجون
للجهاد وكثير منهم يستشهدون في سبيل الله تعالى لا تبقى امرأة احدهم
أيّماً، بل عندما تنتهي عدتها يتقدم إليها الخاطب ويخطبها ويكفل يتاماها،
فاليتامى يجدون الكنف ويجدون الملجأ ويجدون الملاذ بسبب كفالة زوج
أمهم لهم وعنايته بهم، حتى إن أحدهم كان يحنو على ولد غيره من امرأته
كما يحنو على ولده، فالإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه عندما
تزوج أسماء بنت عميس بعدما تأيمت من أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وكانت
ولدت لأبي بكر ولده محمد بن أبي بكر، رباه الإمام علي بن أبي طالب،
وكان مما يقوله : محمد ابني ولكنه من صلب أبي بكر. جعله كابنه إلا
أنه من حيث النسب يُنسب إلى أبيه، ينسب إلى أبي بكر، لكن معنى قوله
(ابني) أنه يحنو عليه كما يحنو على ابنه الذي هو من صلبه وهكذا. فإذن
هذا الترابط الذي كان ما بينهم، وكفالة من يتزوج امرأة بجميع يتاماها
هو الذي جعل حياتهم حياة وادعة مستقرة، فكانت المرأة لا تبقى أيّماً
وهي في شبابها بعدما يموت زوجها أو يقتل عنها زوجها وإنما يسارع من
الرجال من يتزوجها ويضمها إلى أهله.
والنساء مهما كانت الغيرة في قلوبهن إلا أنهن يدركن أبعاد هذا الجانب،
وهن يقدّرن لهذا الجانب. فإذن النساء لا بد الآن من أن يدركن أنه من
الضرورة بمكان بأن تعالج هذه الظاهرة - ظاهرة العنوس - بما فيه الحل
الأمثل.
وأنا أخبرني أحد ممن يعيشون في بلد يُمنع فيه تعدد الزوجات أن إحدى
الفتيات قد مرت بها السنون ولم تتزوج أخبرت امرأته بأنها وصل بها الأمر
أنها عندما ترى خشبة تتصورها رجلاً وتحن إلى ما تحن إليه المرأة من
الرجل، فهذه خطورة وهذه مشكلة كبيرة، فلذلك الغاية إما أن تظل هذه
العوانس المسكينات في مشكلة بحيث يغالبن غريزتهن ويقاومن الدافع النفسي
في نفوسهن حتى يؤدي ذلك إلى أمراض نفسية وأمراض عصبية، وإما أن ينطلقن
إلى ما لا حدود له ويقعن في الفحشاء والرذيلة والعياذ بالله وينقلب
عارهن عليهن وعلى أسرهن وعلى مجتمعهن. فالقضية يجب أن تعالج علاجاً
شرعياً بمشيئة الله تعالى.
هذا مع أننا نقول بأن من شروط تعدد الزوجات العدل بينهن فإن الله تعالى
يقول ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا
مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ
خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ
)(النساء: من الآية3) ، فيجب الاقتصار على الواحدة مع خوف عدم العدل
، والله تعالى المستعان .
* عندي بنت متزوجة وعاملة ومتدينة ولكنني أنا ما راضية عليها لأنها
لا تسأل عن أهلها وخاصة الوالدين وتستمر في ذلك أكثر من شهر ولا تعطيهم
من راتبها ونصحناها أكثر من مرة ولكن دون فائدة، مع العلم أننا إذا
نصحناها ترد علينا ( أنا ما محتاجة لأهلي ) فما نصيحتكم لها ولأهلها
؟
** نحن ندعو الجميع إلى تقوى الله .
أما بالنسبة إليها فعليها أن تتقي الله، وأن تبر والديها، وأن تصل
قرابتها، وأن تعطف على أهلها وخصوصاً الوالدين، وأن تواسيهم بقدر ما
تستطيع من مالها.
وبالنسبة إلى الوالدين نأمرهما ونأمر الجميع أن يتقوا الله، وأن يعاملوها
معاملة حسنة، وأن لا يطمعوا في مالها، فقد يكون الطمع في المال هو
الذي يؤدي إلى مثل هذه الخلافات والنزاعات والشقاق الذي يحصل بين الناس
.
* أرجو منكم توجيه نصيحة للشاب الذي إن تحدث عن الحياة الزوجية في
المحاضرات وطريقة التعامل مع الزوجة تجد الجميع ينشرح لقوله، وفي بيته
لا يطبق حرفاً واحداً مما يقول، ويأمر الناس بتنظيم الوقت وهو يتأخر
عن العمل بصفة يومية وبدون سبب. فما هي نصيحتكم لهذا الشاب؟
** نصيحتنا له بأن يتقي الله، وأن يقول قولاً سديدا، وأن يطبق ما يقوله،
وأن لا يكون كالديك يؤذن ولا يصلي. عليه أن يكون عاملاً بما يأمر به
وتاركاً لما ينهى عنه .
* امرأة تستأذن زوجها
في قيام الليل ويسمح لها في بعض الأحيان ولكنه تصدر منه كلمات جارحة
لها على عبادتها، فكيف تتصرف وما نصيحتكم له؟
** نقول بأنها لا
تطيع زوجها إذا أمرها بترك فريضة أو فعل معصية، أما في النفل فإنها
تطيع زوجها فإن أذن لها فلتعمل بما أذن لها به من صيام ومن صلاة النفل،
وإن جرحها بكلام بعد ذلك فإن تبعة ذلك عليه ومسئوليته أمام الله عظيمة
وهو محاسب على تصرفاته السيئة، وهي مأجورة إن شاء الله، يؤجرها الله
عز وجل على ما تعمل من خير وعلى ما يصيبها من سوء المعاملة من قبل
الزوج .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
البخيل بعيد من الله
إن الله تعالى يريد لعباده المؤمنين أن يكونوا
أحرارا من العبودية لأي مخلوق طالما قد تشرفوا بعبوديتهم للخالق جل
وعلا، والبخيل عبد لماله فهو قد جعل نفسه عبدا وخادما للمال حارسا
عليه بينما جُعل المال لخدمته وتيسير الأمور عليه وهو يمنع نفسه من
طيبات الحياة وأجور الآخرة ويخرج من الدنيا ذليلا حقيرا محروما بينما
يترك ثروته كلها للورثة وربما كانوا أكرم منه وأسخى فيفوزون بنعيم
الآخرة وسعادة الدنيا فالكريم قريب من الله قريب من الجنة بعيد من
النار والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة قريب من النار روى الإمام
البخاري والإمام الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن
النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال (خصلتان لا تجتمعان في مؤمن البخل
وسوء الخلق) وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال النبي
صلى الله تعالى عليه وسلم (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان
فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا)
وأخرج الإمام مسلم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله وسلم
قال: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح
أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم).
فهذه الأحاديث النبوية الشريفة وغيرها الكثير والكثير تدل على أن البخل
مذموم وأنه خُلق لا يليق بمؤمن أبدا وإذا أردت أن يخرج حب المال من
قلبك فعليك بإنفاقه في وجوه الخير وعدم إمساكه عن منافع الخلق وطيب
النفس ببذله دون مَـنٍّ ولا أذى وأن يعتبر الغني نفسه مستخلَفا من
قبل الله تعالى على هذا المال فلا يمنعه عن مستحقيه ولا يتفاخر به
على الفقراء ولا يضيق به على نفسه وعلى غيره بالبخل والشح والإمساك
وعليه أن يقسم ماله كما أمر الله تعالى من زكاة وصدقة وتبرعات في وجوه
الخير ولا ينسى نصيبه من الدنيا قال الله تعالى في سورة القصص في الآية
الكريمة 77 (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنسى نصيبك من
الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله
لا يحب المفسدين).
واعلم أخي القارئ الكريم أن الحرص فقر حاضر قال الله تعالى (ولا يحسبن
الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون
ما بخلوا به يوم القيامة) آل عمران 180 قال ابن كثير رحمه الله تعالى
أي لا يحسبن البخيل أن جمعه المال ينفعه بل هو مضرة عليه في دينه وربما
يكون في دنياه ثم أخبر بمآل ماله يوم القيامة فقال (سيطوقون ما بخلوا
به يوم القيامة) وروى الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن
النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: (من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته
مُثل له شجاع أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة يأخذ بلهزمتيه {شدقيه}
ثم يقول أنا مالك أنا كنزك) ثم تلا هذه الآية الكريمة (ولا يحسبن الذين
يبخلون بما آتاهم الله من فضله0000 إلى آخر الآية وقال الله تعالى
(الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله)
النساء 37 فهؤلاء العاشقون لأموالهم يحبسونها عن الإنفاق وتمادى بهم
الشح حتى يأمروا غيرهم بالبخل والإمساك ويكتموا نعمة الله عليهم ولا
يظهروها والله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده وأن يشرك غيره
من عباده بالتمتع بها حتى تكون سببا لفتح باب المزيد فالكريم محبوب
عند ربه فكلما أنفق كلما أخلف الله تعالى عليه.
إن اليقين بقدرة الله تعالى يكسب في النفس الطمأنينة على رزقها وأجلها
فلا يستبد بها القلق ولا يعصف بها الهلع ولا يذل عنقها الوقوف على
باب المخلوقين وإن أقرب ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى أن يطلع
على قلبه وهو لا يريد من الدنيا والآخرة غيره ولا يلتفت قلبه إلى خزائن
سواه ولا يعتقد النفع والضر في وجود المال وعدمه فالمال لا ينفع إلا
بأمر الله تعالى كحواس الإنسان وأعضائه فالعين ترى في الجسد بأمر الله
تعالى فإذا خرجت الروح انعدمت الرؤية برغم وجود العين فالعين آلة الرؤية
وسبب الإبصار ولكنها لا تقوى على الرؤية إلا بوجود أمر الله تعالى
فيها فإذا خرج منها أمر الله عجزت عن الرؤية برغم وجودها سليمة بغير
تلف، ومن تمام النعمة على العبد أن يكون في كفاية، واعلم أن الحريص
محروم ولو كانت بيده خزائن الأرض والقانع مكروم مطعوم ولو كان حظه
من الدنيا الكفاف هذا والله تعالى ورسوله والمؤمنون أعلى والله تعالى
أعلم.
أنس فرج محمد فرج
أعلى
جزاء الصبر
في أرض حوران بالشام عاش الناس في رخاء وأنعم
الله على رجل صالح منهم اسمه أيوب فآتاه مالا كثيرا ورزقه بالبنين
والبنات ووهبه أرضا شاسعة يرعى فيها آلاف الأغنام والأبقار وبها حدائق
متنوعة الأشجار فصارت كجنة وارفة الظلال.
فتح أيوب حدائقه للفقراء والمحتاجين يقطفون منها ما لذ وطاب من الثمار
الشهية فكان الفقراء يروحون ويجيئون فيها وكأنهم أصحابها ولم يقصده
صديق ولا عابر سبيل إلا وفك ضائقته وأعطاه ما تمناه.
أحس الجميع بالأمان والاطمئنان في حدائق أيوب حتى الطيور اتخذت من
أشجارها بيوتا لها وعاشت في سكينة تغرد أعذب الألحان وتسبح ربها وتدعو
لأيوب لأنه آواها ووفر لها مكانا آمنا.
ظل أيوب ينفق من ماله على المحتاجين فأحبه كثير من الناس وكان كلما
نقص من ماله شيء ازداد المال مرة أخرى بفضل الله.
آتى الله تعالى أيوب النبوة وأمره أن يدعو قومه إلى عبادة ربهم وينهاهم
عن ارتكاب المعاصي.
أسرع أيوب عليه السلام إلى قومه ودعاهم إلى الإيمان بالله وترك المعاصي
والتصدق على الفقراء.. آمن أهل حوران بنبي الله أيوب ولم يعارضه سوى
جماعة من الناس قست قلوبهم ووسوس إليهم الشيطان وأوهمهم أن أيوب ليس
نبيا وأنه يتقرب إلى الله من أجل زيادة ماله وأولاده.
صدق القوم تلك المزاعم وأراد الله أن يلقن الكفار درسا لن ينسوه وأن
يثبت لهم إخلاص أيوب وأنه يعبده حبا وطاعة وتقربا فأجرى اختبارا عظيما.
أهلك الله تعالى ثروة أيوب إذ نفذت أمواله سرقت أغنامه وماتت جماله
وأبقاره وعاد فقيرا لا يملك شيئا.
فرح الكفار وظنوا أن رب أيوب غضب عليه وتوقعوا أن يفارق أيوب ربه لأنه
تخلى عنه وحرمه من أمواله لكن أيوب رفع يديه إلى السماء ودعا الله
ثم خر ساجدا وشكره على نعمتي الأبناء والصحة وأخذ يكثر من الصلاة والدعاء
وكأن شيئا لم يحدث.
وكان كلما شعر بضيق جمع أبناءه حوله فينشرح صدره ويحس بارتياح شديد.
مرت أيام ومات أبناء أيوب جميعهم واحدا وراء الآخر.. اغتم الناس وبكى
بعضهم حزنا لأن أبناء أيوب كانوا من أجمل شباب البلدة وأحسنهم أخلاقا.
فرح الكفار وقالوا: الآن يترك أيوب ربه ولن يعبده ثانية.
ثم تساءلوا: كيف يشكر ربه وقد حرمه من أمواله وأولاده فأصبح فقيرا
مفلسا لا مال عنده ولا ولد.
لكن أيوب المؤمن الصابر لجأ إلى الله واستغرق في الصلاة والدعاء وخر
ساجدا وشكر ربه على نعمة الصحة.
اشتد الفقر بأيوب وانصرف عنه أصحابه وتركوه وحيدا مع زوجته بلا أنيس
ولا صديق.
مرت الأيام وأيوب صابر شاكر وزوجته تؤنسه في وحدته بعد أن انصرف عنه
أصحابه وإذ بالأمراض تغزو جسمه فتضعفه وتفقده الحركة وتملأه بالجروح.
ذرفت زوجته دموعا غزيرة لأن أيوب عليه السلام أصيب بالشلل وعجز تماما
عن الحركة.
رفع أيوب عينيه إلى السماء وحمد الله على نعمة الحياة.. وتمضي الأيام
وحالة أيوب تزداد سوءا وقلبه يزداد نورا.
انصرف الناس عنه خوفا من العدوى ولم يقف معه في محنته سوى زوجته الوفية.
ازداد أيوب إيمانا بالله وصبرا وكلما اشتد عليه المرض رفع بصره إلى
السماء وشكر الله على نعمة الحياة.
ظلت الزوجة الوفية تخدمه وتعتني به.. مرت سنوات وسنوات والزوجة الصابرة
الوفية لا تنقطع عن خدمة زوجها المريض رغم هزال جسمها ووهن صحتها لكنها
تألمت بشدة لأن مرض زوجها طال ومما زاد ألمها أن أيوب يرفض أن يدعو
ربه كي يشفيه وهي تدرك أن الله سيستجيب دعوته لأنه نبي.
وذات يوم قالت له:
- يا أيوب.. لو دعوت الله لفرج عنك.
نظر أيوب إلى زوجته غاضبا وقال لها: قد عشت سبعين سنة صحيحا فهل قليل
لله أن أصبر له سبعين سنة؟
لجأ أيوب إلى ربه واستغفره ومر عليه رجلان فقال أحدهما للآخر:
لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين فابتلاه الله بالمرض
وأهلك ماله وأولاده.
تألم أيوب من ظلم الناس ونادى ربه قائلا: (رب إني مسني الضر وأنت أرحم
الراحمين) واخترق الدعاء السماوات السبع فاستجاب الله له وأمره أن
يضرب الأرض برجله فتفجرت عين ماء باردة تحته.
غسل أيوب جسمه بمياه العين فاختفت الجروح وشفي من مرضه بقدرة الله
تعالى فسجد شكرا له.
رزق الله نبيه أيوب بالأموال والأبناء مكافأة له على صبره فعاد مرة
أخرى يطعم الجائعين ويرعى الأيتام ويعطف على المساكين.
ناصر عبدالفتاح
أعلى
النيرات المنيرات
القدوة الحسنة في بيت النبي صلى الله عليه وسلم
إخواني وأخواتي في الله:
إن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وبناته قدوة لنساء الصحابة وأيضا
لنساء العالم الاسلامي إلى أن تقوم الساعة وهن أيضا من خلال معاشرتهن
لأعظم شخصية في العالم كله شخصية خاتم النبيين والمرسلين محمد صلى
الله عليه وسلم وحياتهن معه قدوة لكل رجال الصحابة ورجال المسلمين
في كيفية معاشرته صلى الله عليه وسلم لأزواجه فنحن نرى في كل مواقف
من مواقف نساء النبي أو ما وراء ذلك من مواقف بعد وفاته صلى الله عليه
وسلم مع صحابته رضوان الله تعالى عنهم ما ينم على عظمة رسول الله صلى
الله عليه وسلم الذي علمهن في مدرسته كيف تكون الحياة في بساطتها والالتزام
بالدين الإسلامي في عظمته والزهد عن زخارف الدنيا الفانية والجهاد
في كل موقف من مواقف الحياة سواء داخل بيته أو داخل المجتمع الإسلامي
والأمة الإسلامية أو في خروجه لغزواته أو من خلال عبادته لربه جل جلاله
أو طلب العلم النافع في كل مجال من مجالات الحياة هذا وقد نالت المرأة
الصحابية ما كانت تتمناه وأكثر من ذلك في مجتمع الصحابة والمجتمع الإسلامي
بصفة عامة فبعد أن كانت محصورة مهانة في مجتمع الجاهلية ليس لها أي
حقوق أضحى لها الحرية في اختيار أسلوب حياتها بما لا يتعارض مع الشريعة
الإسلامية وأيضا كافة الحقوق التي تاقت إليها بل وتفوقت على ما تاقت
إليه فقد رد إليه فقد حقها في الحياة كإنسانة ولا توءد في التراب كذلك
أصبح من حقها اختيار دينها بمحض إرادتها كما نالت حقوقها في العبادة
ومنهجها في الزهد والخروج لصلاة الجماعة في المساجد وتصدر الدعوة بين
النساء بالإضافة إلى حقها في الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
في الغزوات وحملت السلاح وشاركت في الحروب كعنصر أساسي تحارب وتضمد
الجراح وتسقي المرضي والعطشى وتطعمهم وتحمل القرب على ظهرها أيضا نالت
المرأة الصحابية حقوقها كاملة في الميراث والمعاشرة الزوجية والحياة
الشخصية داخل الأسرة كما عامل الأزواج نساءهم برقة ولين لم يعهدها
المجتمع الجاهلي قبل ذلك تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم في معاملاته
مع أهل بيته حتى أن المرأة الصحابية كان من حقها أن ترفض الزواج علانية
بأي رجل لم ترغب في زواجه وأراد أبوها أو من ينوب عنه أن يفرضه عليها
كما جلست المرأة في مدرسة الرسول الله صلى الله عليه وسلم تتعلم وتتأدب
وتفهم حقيقة دينها ودنياها بل وصل بالمرأة الصحابية أن كان من حقها
أن تناقش رسول الله في أمور دينها بل وأمورها الخاصة وكانت آيات الله
تعالى البينات تنزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم لتنير الطريق
وتهدي المجتمع الإسلامي كله برجاله ونسائه إلى طريق النور والهداية
حتى أنه أحيانا كانت المرأة تشكو زوجها إلى ربها جل وعلا أمام رسول
الله صلى الله عليه وسلم فتنزل الآيات المباركات يحملها جبريل الأمين
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتنصفها ولتكون بلسما على قلبها
وقلوب المؤمنين وأحيانا كانت المرأة الصحابية تسأل النبي صلى الله
عليه وسلم عن حقيقة وضعها وحقوقها في الإسلام فترد السماء عليها بما
يثلج صدرها وصدر جميع نساء الأمة الإسلامية فإذا كان الإسلام قد أفسح
للمرأة الصحابية ومن بعدها من نساء الأمة الإسلامية المجال لكل ما
ذكرناه فماذا كان عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته رضي الله
تعالى عنهن جميعا؟ لقد كان المجال مفتوحا لأزواج النبي صلى الله عليه
وسلم أمهات المؤمنين ولبناته على مصراعيه للخوض في كل هذه المجالات
وكانت أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها هي صاحبة السبق في هذا المضمار
فقد جاهدت رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى آخر رمق
في حياتها فعضدته وساندته بمالها وبنفسها حتى لاقت ربها الكريم ثم
تبعتها نساء النبي صلى الله عليه وسلم في جهادهن معه صلى الله عليه
وسلم.
إعداد: أم الزبرجد الشيبانية
أعلى
الدنيا مسرح كبير
هذه الدنيا :ذلك المسرح العريض لكل رغبات الناس
وشهواتهم وطموحهم واجتماعهم وانفضاضهم الدنيا بكل أسواقها الهائجة
ومهرجاناتها المائجة. يجب ألا تعني عند العقلاء شيئا سوى أنها قنطرة
توصل إلى الآخرة يقول جعفر الصادق ( إنما الدنيا للعارفين كفيء الظلال
) بمعنى أن الدنيا كلها مهما يطل العمر فيها , كلحظات الظل التي يقضيها
المسافر تحت أغصان شجرة , ثم يمضي , فلماذا الانشغال بأموالها ومتاعها
, وفتنها وأهوائها ؟ يجب على من يحب هذه الدنيا . ذلك المسرح الكبير
يحبها من أجل أن يغتنمها فرصة لطاعة الله تعالى ولتقديم الصالحات الباقيات
, التي سيحيا فيهل العبد أبد الآبدين.
ويكون فيها بجوار الله رب العالمين في جنة الفردوس الأعلى..
أخي المسلم : نعيش مع هذه اللحظات مع من يفكر بعقلانية وينظر للدنيا
بنظرة ثاقبة , يقول إبراهيم التيمي رحمه الله تعالى ( تمثلتُ نفسي
في النار أُعالج أغلالها وسعيرها وآكل من زقومها , وأشرب من غسلينها
فقلتُ يا نفسي : أي شيء تشتهين ؟ قالت : أرجع إلى الدنيا فأعمل , عملاً
أنجو به من هذا العذاب . ثم تمثلتها في الجنة مع حورها ألبس من سندسها
, واستبرقها , وحريرها . فقلت يا نفسي أي شيء تشتهين ؟ قالت : أرجع
إلى الدنيا , فأعمل عملاً أزداد به من هذا النعيم . فقلت لها : هاأنت
إذاً في الدنيا فاعملي !!
نعم أخي المسلم : يجب أن نقف وقفة محاسبة للنفس ووقفة مسائلة , حتى
نسلم من هذه الدنيا الغرورة , فأمامنا آلاف من المشاهد والصور , لناس
كانت الدنيا معهم بالأمس تضمخهم بعطرها , وتغرقهم بخيرها .. وفجأة
تولت عنهم إلى غيرهم , وغداً إلى آخرين .. وبعد غد إلى سواهم .
أخا الإسلام : إن هذه الدنيا التي نُعبر عنها بأنها مسرح كبير,هي مثل
مالٍ أصبته في منامك , فلما استيقظت لم تجد معك منه شيئاً .
ليتنا نضحك على الدنيا قبل أن تضحك علينا , وليتنا نتذكر أننا سنموت
وسنرحل عن هذه الدنيا الفانية , لأن الموت هو الذي يُعرًي الدنيا من
كل زيفها , ويضع الإنسان وجهاً لوجه أمام مصيره في أبد لا يفنى ولا
يزول ينتظره فيه نعيم مقيم , أو عذاب عظيم .
مع أن التعبير المذكور هنا عن الدنيا بأنها مسرح كبير لكن مع ذلك إن
قارناها بالآخرة , فسوف نجد أن هذه الدنيا شيء ضئيل تافه , أما الآخرة
فيكفي أن نتذكر قول الله تعالى عنها ,( والآخرة خير وأبقى ) ويجب على
من يقفون على هذا المسرح الكبير في اعتقادهم أن يتذكروا أن الموت يناديهم
ويصيح فيهم بأعلى صوت ( أن استعدوا للرحيل ) لكن : إلى أين ؟ فيأتي
الرد : إلى دار تحيون فيها خالدين , حيث النعيم الخالد للمتقين ,,
والعذاب الماحق للمفسدين .
ثم لنتذكًر اسم الدنيا : فهو من الدنو فهي دار فانية تقضون فيها أعماراً
كأنها لحظات , ثم هناك سؤالاً يجب أن نسأله لأنفسنا ألا وهو : لماذا
جئنا إلى هذه الدنيا ؟ نقول جئنا لكي نعمل لله ونعبده سبحانه وتعالى
حق عبادته , يقول يزيد الرقاشي ( إن سرك أن تنظر إلى الدنيا بما فيها
من ذهب وزينة فتعالى أُخبرك . مثلاُ شيًع جنازة ميت , فهذه هي الدنيا
بكل ذهبها وزينتها . واحمل القبر دوماً معك .. لا أقول : احمل تربته
بل احمل فكرته . إن السابقين حول هذا المعنى عاشوا , يحملون قبورهم
في كل زمان وكل مكان , عاشوا يحملون فكرة القبر, وفكرة الموت ,فكان
هذا هو الحاجز الذي منع عنهم طوفان الحياة الدنيا , وأحاله تحتهم إلى
فقاقيع , ولذلك قديما قالوا ( ما من أحد يُنزل الموت حق منزلته , إلا
عدً غداً ليس من عمره . وكم من مستقبل يوماً لا يملكه , وراجٍ غداً,
لا يبلغه ولو تنظرون إلى الأجل ومسيره , لأبغضتم الأمل وغروره !!
من ألف عام قيل للناس عظة وعبرة وهي ( إن من كانوا قبلكم فروا من الدنيا
وهي مُقبلة عليهم , وإن معهم من التقوى يومئذٍ ما معهم , وأنتم اليوم
تتبعون الدنيا , وهي مُدبرة عنكم , ومعكم من الخطايا ما معكم ) فليت
الجميع يعتبر من هذا النذير وليذكًر كل واحد نفسه : ما أعد لآخرته
وكم أخذ من هذا المسرح الكبير واستفاد ؟ .
إن الصالحين قبلنا : كانوا يجعلون للدنيا ما فضُل عن آخرتهم , ولكن
لو نظرنا لوضعنا نحن الآن , سنجد أننا جعلنا لآخرتنا ما فضُل عن دنيانا
إن الأمر خطير وغالب الناس في غفلة , والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا
.
أخي السلم :إن ربح الآخرة هو الباقي وهو النافع , وهو اليقين الذي
لا يقين مثله , وكل شيء تتركه في هذه الدنيا خوفاً من الفتنة , فإن
الله تعالى سيعوضك عنه , خيرا في الدار الآخرة ..
على كل مسلم أن يتطلع إلى رضوان الله تعالى , ويخشى على نفسه التقصير
, وفي نفس الوقت بعد أن يعمل ويجتهد عليه أن يسأل الله تعالى القبول
, ويطمع دائما في عفو الله ورحمته فالله عز وجل يقبل توبة التائبين
ويعفو عن المذنبين إن هم رجعوا إليه وأنابوا..
فاللهم يا ربنا العظيم , يا ذا الجود والكرم والإحسان , نسألك يا ربنا
: أن توفقنا جميعا إلى ما تحبه وترضاه , وأن تُخرجنا من هذا الدنيا
على خير , وأن تُحسن ختامنا أجمعين اللهم آمين :: وآخر دعوانا, أن
الحمد لله رب العالمين .
إبراهيم السيد العربي
أعلى
حرية الفكر والرأي
(الحلقة الثالثة)
السنة العملية التطبيقية لمنهج القرآن
ثم جاءت السنة العملية التطبيقية لمنهج القرآن
في التعامل مع حريات الناس وأفكارهم في الممارسات التي كان يتعامل
بها المصطفى عليه الصلاة والسلام ليس مع أصحابه فحسب بل حتى مع أعدائه
,جاءت مؤكدة لتلك الدعوة القرآنية الفريدة في إعطاء الإنسان حريته
في اختيار طريقه وسلوكه ومنهج تفكيره في هذه الحياة. وأنه ليس لأحد
كائنا من كان أن يمارس عليه ضغطا أيا كان نوعه في تقييد حريته تلك
أو تحجيم فكره وما وصل إليه. بل الدعوة واسعة للحوار والنقاش ولعرض
الأدلة كل بما يستطيع والغلبة دائما للدليل الأقوى وليس لسلطة الفرد.
وحتى ندلل على صحة ما ذكرنا نورد في هذا السياق المثالين التاليين:
الأول من واقع تعامله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه والآخر من واقع
تعامله مع المنافقين.
ففي تعامله مع أصحابه لم يكن صلى الله عليه وسلم غليظا ولا شديدا ولا
متسلطا ولا جبارا بل كان كما وصفه ربه سبحانه بقوله:" لَقَدْ
جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ
حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم"(128).فلم
يكن صلى الله عليه وسلم يعنف أحدا من أصحابه إن طرح فكرة أو أظهر اجتهاده
في أمر معين ولو كان مخطئا فيه. بل يأخذ بأيديهم لما فيه الصلاح والخير
ويحاور كلا منهم بما يعقل. بل كان يتيح الفرصة كاملة لكل واحد منهم
حتى يعبر عما يكنه في خلده إن ساوره شك أو اعترضت طريقه شبهة في أمر
ما. وقصة الشاب الذي جاء يسـتأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الزنا
معروفة حينما حاوره صلى الله عليه وسلم في ذلك بقوله اترضاه لأمك أترضاه
لأختك والشاب في كل مرة يرد بقوله:لا.. ويرد عليه النبي صلى الله عليه
وسلم بقوله وكذلك الناس لا يرضونه لأمهاتهم ولا لأخواتهم. ولم يكن
صلى الله عليه وسلم كذلك ليضجر من اختلاف أصحابه معه في الرأي بل كان
يستمع إلى آرائهم ويناقشهم فيها ويأخذ بها حينا ويدعها أخرى وهو يوحى
إليه . وقصص عمر رضي الله عنه في ذلك على سبيل المثال لا الحصر كثيرة
ومعروفة فقد كان يختلف مع النبي صلى الله عليه وسلم في قضايا عديدة
وكان يطرح رأيه فيها دون أي خوف أو وجل ورأيه مشهور في أسرى بدر وفي
صلح الحديبية.فقد كان رأيه (أي عمر) في أسرى بدر قد أيده القرآن بينما
رأيه في صلح الحديبية كان قد جانبه الصواب. أورد الإمام ابن كثير في
تفسيره روايات كثيرة تصف لنا حوار عمر رضي الله عنه مع النبي صلى الله
عليه وسلم حول بنود صلح الحديبية واعتراضه الصريح على بنود هذا الصلح
ثم تراجعه عن ذلك بعد نزول سورة الفتح. فمن ذلك ما نقتطفه من رواية
الإمام البخاري كما أوردها ابن كثير"فجاء عمر فقال ألسنا على
الحق وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟فقال
بلى قال ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا؟ فقال
صلى الله عليه وسلم (يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله
أبدا فرجع متغيظا فلم يرجع حتى جاء أبا بكر فقال يا أبا بكر ألسنا
على الحق وهم على الباطل؟ فقال يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه
الله أبدا فنزلت سورة الفتح ". ولم تكن هذه الحرية خاصة بعمر
فقط بل كانت لكل أصحابه على السواء.
وأما المنافقون فرغم خطورة دورهم الذي لعبوه في واقع المجتمع المسلم
على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وما كانوا يضمرونه من عداوة بينة
للنبي عليه الصلاة والسلام ولصحبه الكرام بل وما ظهر منهم من تعاون
لصيق مع أعدائه في كل المعارك والغزوات.ويكفي دليلا على دورهم ذلك
ما سنبينه من خلال ما عرضه القرآن الكريم نفسه. إلا أنه عليه السلام
لم ينقل عنه أنه أعلن البراءة العلنية عن طريق تحديد هوايات أشخاصهم
ورمي هؤلاء الأشخاص المحددين المعروفين بألفاظ التبديع والتفسيق والتكفير
التي تتنابز بها الأمة بين بعضها البعض منذ عهد الفتنة التي وقعت بين
الصحابة والى يومنا هذا. بل إنه عليه السلام لم يحدد أسمائهم ولا هوياتهم
أشخاصهم ولم يعرفهم أحد إلا ما كان من بعض الأشخاص الذين برزت أسماؤهم
بسبب وقائع وأحداث اشتهرت وذاعت كعبد الله بن أبي ابن سلول المعروف.
وتوفي عليه السلام ولم يعرفهم أحد إلى يومنا هذا إلا ما كان يروى أن
حذيفة بن اليمان رضي الله عنه كان مستودع سر النبي صلى الله عليه وسلم
في معرفة أسمائهم ومات ولم يبح بهذا السر لأحد.
وحتى نؤكد على خطورة دورهم وكفرهم الصريح الذي كانوا يستسرون به في
الخفاء ويظهرون غيره في العلن دعونا نستذكر بعض ما نزل بشأنهم من آيات
كريمات في سورة التوبة من أجل البيان فقط:
(وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ
يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ(42)).
( إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ
الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ(45)(لَوْ
خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ
يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ
عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ(47) لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ
وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ
اللّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ(48) وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي
وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ
لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ(49) إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ
وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن
قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ(50) ) (وَمَا مَنَعَهُمْ
أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ
وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى
وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ)(54) .
(وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـكِنَّهُمْ
قَوْمٌ يَفْرَقُونَ(56) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ
مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ(57) وَمِنْهُم
مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ
وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ(58)
(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ
قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ
وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ
اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(61)
(وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ
قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65)
لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ
عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ
مُجْرِمِينَ(66) الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن
بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ
أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ
الْفَاسِقُونَ(67) يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ
كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا
لَمْ يَنَالُواْ ) (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ
مِنْهُمْ (79) (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ
اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ
فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ
جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ)(81) ( وَالَّذِينَ
اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ
وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ
إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ(107).
إن تلك الكلمات القرآنية التي تعمدنا وضع خط تحتها لتؤكد صراحة ودون
غموض كفر هؤلاء القوم وشدة أذيتهم وخطورة عداوتهم للإسلام وللنبي عليه
السلام وللمسلمين وأنهم كانوا يمارسون دور المعادي ليس بطريق التخفي
فقط وليس بالقول فقط بل علنا وبالقول والفعل أحيانا (وَلَقَدْ قَالُواْ
كَلِمَةَ الْكُفْرِ, ) (وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً
وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ
حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ) (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ
وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ) (وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ) من
الفتك بالنبي ليلة العقبة عند عودته من تبوك وهم بضعة عشر رجلاً فضرب
عمار بن ياسر وجوه الرواحل لما غشوه فردوا(تفسير الجلالين).
لكن مع عمق وخطورة ذلك الدور الخبيث الذي كانوا يلعبونه في المجتمع
المسلم ترى ماذا صنع بهم النبي صلى الله عليه وسلم؟. وكيف تعامل معهم
ومع أفكارهم المنحرفة التي كانوا يصرحون بها تارة ويضمرونها أخرى؟.
لنأخذ على ذلك مثالا واحدا وهو قول الله تعالى في سورة المنافقون:
( يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ
مِنْهَا الأذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لايَعْلَمُونَ(8) المنافقون. هذه المقالة
كما تقول كتب التفسير قد صدرت من رأس النفاق عبدا لله بن أبي بن سلول
لدى عودة النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة بني المصطلق إثر حادثة
وقعت. فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ثبتت المقالة على
هذا المنافق بنزول هذه الآية وقد اقترح عليه عمر رضي الله عنه كما
في تفسير ابن كثير أن يأمر عباد بن بشر بضرب عنقه إلا أن قال: فكيف
إذا تحدث الناس يا عمر أن محمدا يقتل أصحابه؟ لا,.....".(تفسير
ابن كثير).
بل الأكثر من ذلك أن ابن عبدالله هذا كان من المؤمنين الصادقين وقد
استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتل أبيه على إثر هذه المقالة
الشنيعة كما في رواية محمد ابن اسحاق (تفسير بان كثير) إلا أنه عليه
السلام قال له: لا.. بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا .. وروى
البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: لما توفي عبدالله بن ابي
جاء ابنه عبدالله بن عبدالله الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله
أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه ثم سأله أن يصلى عليه فقام رسول
الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي
عليه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما خيرني ربي فقال
((اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ
لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ )التوبة80
وسأزيده على السبعين) قال إنه منافق. قال: فصلى عليه رسول الله صلى
الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل آية(وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ
مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ
بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ )التوبة84 وكذا
رواه مسلم(تفسير ابن كثير).
الشاهد من خلال استقراء هذه الروايات أنه صلى الله عليه وسلم كان يتعامل
مع المنافقين بالحسنى فلم يكن يعنف منهم أحدا ولم يعلن أمام الملأ
أنهم كحزب معين أو طائفة معينة أنهم كفرة يجب الحذر منهم ومفاصلتهم
وعزلهم عن المجتمع لئلا يتأثر بقية المجتمع المسلم بهم وبأفكارهم.
بل كان الحوار والرد المنطقي على أفكارهم وتفنيد الشبه التي يأتون
بها هو سيد الموقف في المدينة. وقد تكفل القرآن الكريم بذلك كله تعليما
للأمة وإرشادا لها حول كيفية التعامل مع مثل هذه الظواهر التي قد تحدث
في أي مجتمع وفي أي زمان. والمثالان التاليان هما غيض من فيض مما جاء
في القرآن من الشبه التي كانوا يقذفون بها في وسط المجتمع المسلم ويثيرون
بها الفتن والاضطرابات وكيف أن القرآن الكريم قد تولى الرد عليهم بالدليل
والحجة والبرهان:
(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ
قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ
وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ
اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(61). فقولهم (هو أذن):أي كما كانوا
يقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم :من قال له شيئا صدقه فينا ومن
حدثه صدقه فإذا جئناه وحلفنا له صدقنا(ابن كثير) فقد كانت هذه هي شبهتهم
وكان رد القرآن عليهم بقوله:( قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ
بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ
مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
( يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ
مِنْهَا الأذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ(8). فشبهتهم هنا التي أعلنوا
عنها وروجوا لها أن العزة بالمال والمكانة والسؤدد ولذلك قالوا: (لَئِن
رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الإعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ).
فكان الرد الحاسم من الله تعالى عليهم بقوله: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ
وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ).
وقد استمر ذلك المنهج في الرد على كل شبة يعرضونها بين الحين والآخر
قرابة عشر سنوات وهي فترة وجوده صلى الله عليه وسلم في المدينة وهم
إذ ذاك يصنفون على أنهم جزء من المجتمع المسلم لا يعرفهم أحد ولا يكاد
يميزهم أحد ولم تعلن البراءة العلنية منهم ولم يصنفوا في حزب آخر أو
طائفة أخرى. وأستمر ذلك النهج في التعامل معهم إلى أن لحق المصطفى
عليه السلام بربه. ثم أخذت حركة النفاق في التلاشي والضمور إلى أن
اختفت كليا من المجتمع المسلم في عهد الخلافة الراشدة. إذ لم تذكر
لنا كتب السير والتأريخ أي دور لهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
وبقي المجتمع المسلم محافظا على كيانه راسخا في بنيانه , بل استطاع
أن يصهر هذه الحركة الخطيرة للنفاق والمنافقين في بوتقة حسن سياسة
النبي صلى الله عليه وسلم وحسن تطبيقه لدعوة القرآن في التعامل مع
أطروحات الناس وأفكارهم وان كانت غاية في الانحراف والشذوذ.
علي بن محمد الحامدي
أعلى
سنة الإسلام في غير المسلمين
الإسلام لا يكره أحداً على الدخول فيه
خميس بن راشد بن سعيّد العدوي
بعد كل هذا؛ فعلينا أن نعرف أن إكراه الإنسان على شيء لا يحوّله إلى
الإيمان به، بل لا يجعله إلا منافقاً مرتكساً في أحط منزلة من الحضيض
الفكري، وبعبارة القرآن (فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)،
وظاهرة النفاق ظاهرة إنسانية عالمية، لم تستطع البشرية بنفسها أن تعالجها،
والقرآن وحده أصاب مفصلها في علاجه فشفاه، ووضع مرهمه على جرحها الغائر
فلأمَه، فعامل المنافقين في الدنيا معاملة المؤمنين، لم يفتش عن كوامن
معتقدهم ودواخل نفوسهم، ولم يعرضهم لاختبارات قلبية، وإنما هم كغيرهم
من المسلمين الذين تطبق عليهم الأحكام بحسب فعلهم الصادر منهم، قال
تعالى: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا
صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً) الإسراء:25.
كما أنه لم يجبرهم مبتدأً على الدخول فيه، لأن الكافر المظهر لكفره
أسهل خطباً وأكثر احتراماً لعقله من المنافق المبطن لكفره الساعي بالغوائل
والدسائس بين الناس، ولذلك استحق المنافق أن يكون في الدرك الأسفل
من النار، قال جلَّ ثناؤه: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ
مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا) النساء:145.
ولأن الإسلام يحارب الجبر ويمقت المجبّرة، فإن أسوأ أنواع المجبّرة
أولئك الذين يكرهون الناس على شيء لا يريدونه، والله جلتَّ حكمته بيّن
لرسوله الكريم أن إيمان الناس بدعوة الإسلام غير خاضع لحرصه ورغبته
عليه السلام فقال سبحانه: (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ
بِمُؤْمِنِينَ) يوسف:103، وشرح الله لنبيه قضية عدم الجبر على الأيمان
بما آتاه الله وهو القرآن؛ فقال:(وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ
يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ
وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ
37 أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا
مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ 38
بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ
تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ
كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ 39 وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ
بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ
40 وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ
بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ 41
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ
وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ 42 وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ
أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ 43 إِنَّ
اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ) يونس:37-44، وقال: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى
بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ 76 وَإِنَّهُ
لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ 77 إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ
بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ 78 فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ
إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ 89 إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى
وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ) النمل:76-80.
والجبر هو جزء من الظلم، إن لم يكن أخص خصائصه، والله حرم على نفسه
الظلم وجعله بين عباده محرماً، قال تعالى عن نفسه: (وَلا يَظْلِمُ
رَبُّكَ أَحَداً) الكهف:49، وقال: (وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ)
آل عمران:108.
وعلى ذلك فمن المنطقي أن لا يجعل الإكراه هو الطريق إلى الإيمان، قال
تعالى: (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ
الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ
اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ
سَمِيعٌ عَلِيمٌ) البقرة:256.
نعم طريق الإيمان ليس الإكراه بل هو الاقتناع بعد النظر في الحجج والدلائل،
ولذلك أتبع الله تلك الآية العظيمة آيات أخرى تقيم الدلائل البرهانية
الإقناعية على رفض الجبر، قال تعالى:(اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا
يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا
أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى
الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
257 أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ
آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي
وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ
اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ
فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
258 أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا
قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ
مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ
يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ
إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ
وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ
نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ
أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ 259 وَإِذْ قَالَ
إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ
تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ
أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى
كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً
وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) البقرة:257-260.
والله تعالى حدّد لنبيه عليه الصلاة والسلام وظيفته في الحياة وهي
الدعوة إلى دين الله والتذكير بعاقبة الإعراض عنه، لا السيطرة على
الناس بإنزال العقوبة عليهم حال عدم إيمانهم، فمن آمن منهم فله إيمانه،
ومن أعرض ونأى فالله يتولى حسابه، قال تعالى: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا
أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ، إِلا مَنْ تَوَلَّى
وَكَفَرَ، فَيُعَذِّبُهُ اللهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ) الغاشية:21-24.
وعندما كان النبي عليه السلام يحزن على عدم إيمان المشركين كان الله
تعالى ينهاه عن ذلك، فالأمر ليس بيده، وإنما هي علاقة إيمانية محضة
بين الخلق والخالق لا واسطة بينهما، قال تعالى: (أَفَمَنْ زُيِّنَ
لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ
وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ
إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) فاطر:8، وبيّن سبحانه لنبيه
أن مسألة الإيمان ليست خاضعة للمحبة النفسية، بل تحكمها المشيئة الإلهية
فقال تعالى: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ
يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) القصص:56،
هذه المشيئة الإلهية اقتضت أن يكون الإنسان حراً في اختياره غير مجبر،
قال تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ
وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) الكهف:29، وقال: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ 7 وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً
يَرَه) الزلزلة:7-8، ولم تقتض مشيئته تعالى الجبر أبداً، ولذلك مضت
سنة الله في خلقه كافة على تتابع الرسل الكرام أن وظيفة هؤلاء العظماء
عليهم السلام هي التبشير والإنذار، وذلك حتى يلقى الإنسانُ ربَه جلَّ
وعلا والحجة قائمة عليه، قال تعالى: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ
كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا
إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ
وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا
دَاوُدَ زَبُوراً 163 وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ
قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى
تَكْلِيماً، رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ
عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً)النساء:163-165.
ولنا تواصل في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى .
أعلى
وقل اعملوا
مظاهر تقسيم العمل
تقسيم العمل الفني
أيها القراء الأعزاء: يقصد بتقسيم العمل الفني
أي تجزئة إنتاج السلعة إلى أجزاء مبسطة حيث يسند الى كل عامل صنع أحد
هذه الأجزاء أو عدد قليل منها. وبمعنى آخر تنقسم عملية انتاج السلعة
الواحدة الى عدد من العمليات الانتاجية التي يتخصص لكل واحدة منها
عامل مستقل يقوم بعمل يختلف عن عمل غيره من زملائه المشتركين معه في
نفس عملية الانتاج.
وهذا النوع من تقسيم العمل هو الذي نهتم به وهو الذي نعنيه عادة حينما
نتحدث عن تقسيم العمل ويقول علماء الاقتصاد : إن آدم سميث أول من نادى
بهذا التقسيم ودعا اليه وبين أهميته... حيث ضرب مثاله المشهور عن صناعة
الدبابيس في انجلترا.
أما علماء الاقتصاد الاسلامي فيعتبرون أن أول من أشار الى هذا المبدأ
هو ابن خلدون في مقدمته.
أقول: صحيح أن آدم سميث بين أهمية العمل الفني ودوره في زيادة الانتاج
ولكنه ليس أول من أشار الى هذا المبدأ ودعا اليه كما يزعم علماء الاقتصاد
.. وكذلك ابن خلدون فله الفضل في بيان ظاهرة تقسيم العمل ومدى ارتباطها
بالنواحي المادية للحياة الاجتماعية وتأكيده ضرورة الاجتماع والتعاون
بين الناس ليكلفوا لأنفسهم حياة اجتماعية طيبة. إلا أنه ليس أول من
نبه إلى تلك الظاهرة وما قاله علماء الاقتصاد الاسلامي من أن ابن خلدون
أول من أشار الى هذا المبدأ أو تلك الظاهرة غير دقيق لأن ابن خلدون
ليس أول من بين ظاهرة العمل الفني وإن كان قد أشار اليه بقوله:
(إن الله سبحانه وتعالى خلق الانسان وركبه على صورة لا يصح حياتها
وبقاؤها الا بالغذاء وهداه الى التماسه بفطرته وبما ركب فيه من القدرة
على تحصيله. إلا أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من
ذلك الغذاء غير موفية له بمادة حياته منه. ولو فرضنا منه أقل ما يمكن
فرضه وهو قوت يوم من الحنطة مثلا فلا يحصل إلا بكثير من الطحن والعجن
والطبخ. وكل واحد من هذه الأعمال الثلاثة يحتاج الى مواعين وآلات لا
تتم الا بصناعات متعددة من حداد ونجار وفاخوري.
هب أنه يأكله حبا من غير علاج فهو أيضا يحتاج في تحصيله حبا الى أعمال
أخرى أكثر من هذه من الزراعة والحصاد والدارس الذي يخرج الحب من غلاف
السنبل. ويحتاج كل واحد من هذه الى آلات متعددة وصنائع كثيرة أكثر
من الأولى بكثير. ويستحيل أن توفى بذلك كله أو بعضه قدرة الواحد. فلا
بد من اجتماع القدر الكثير من أبناء جنسه ليحصل له ولهم القوت فيحصل
بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم بأضعاف...).
فإنه يكون قد ذكر بذلك العمل الفني والمهني إذ جعل قوت الحنطة يحتاج
الى الكثير من الأعمال (الحرفية) وأنه قد يقوم بكل منها عامل مستقل
أو عمال مجتمعون فيتخصص كل منهم بجزء من العمل. وأن اجتماع العمال
ضروري لأنه من غير الممكن أن تستوفي قدرة الشخص الواحد كل ما يحتاج
اليه . ولكن مع هذا كله لا يعد أول من أشار الى هذه الظاهرة...
وإذا لم يكن آدم سميث هو أول من أشار الى ظاهرة العمل الفني كما يزعم
علماء الاقتصاد ولا ابن خلدون كما زعم علماء الاقتصاد الاسلامي فمن
أول من أشار إليها إذن؟
هذا ما سنبينه في الحلقة القادمة بمشيئة الله تعالى.
علي بن عوض الشيباني.
أعلى
|