تعتبر من التجارب الفنية الرائدة عربيًا
(الدائرة) تستعد لإصدار كتاب يوثق تجربتها في مجال (الفن المفاهيمي)
متابعة ـ سالم الرحبي:سعياً منها لتوثيق
تجربتها المتميزة والفريدة والتي تعد من التجارب العربية المتقدمة
في مجال الفن المفاهيمي تعتزم مجموعة (الدائرة للفن المعاصر)
إصدار كتاب يوثق تجربتها في تطوير هذا الفن يضم مجموعة من الشهادات
والكلمات التي يقدمها بعض الشعراء والفنانين والنقاد وبعض المشاركين
في معارض المجموعة.
ويستهل الكتاب بكلمة للفنان حسن مير القائم على جميع معارض المجموعة
يقول فيها: ها نحن نجتمع مرة أخرى وكلنا أمل بأن تكون التجربة
الرابعة لمعرض الدائرة قد أضافت للتجربة الفنية المعاصرة في
المنطقة بعدا آخر، وهو الانتقال الى فضاء (الشارع والمدينة).
إن تطلعات مجموعة الدائرة للفن المعاصر كبيرة، فقد تأكد في السنوات
الماضية أهمية التجريب في تطوير وصقل تجاربهم الفنية المعتمدة
على الفهم أو الفكرة مع الحرية التامة في استخدام أدوات جديدة
تضيف للتجربة المحلية والعالمية مفاهيم جديدة.
لقد تطرقنا في التجارب الماضية إلى مواضيع مختلفة بعضها كانت
تعكس البعد الفلسفي للقلق الانساني المعاصر أو الانتقال إلى
البعد الصوفي الفلسفي واستطاع مجموعة منهم التطرق إلى القلق
الذي يساور الإنسان العربي تجاه المخاطر التي يواجهها من القوى
الاخرى وكانت فلسفتنا اعطاء الفنان حريته التامة للتعبير عن
آرائه وتوجهاته.
ومع اختتام ونجاح التجربة الثالثة في النادي الثقافي، أكد فنانو
الدائرة على ضرورة الانتقال والتفاعل مع المجتمع وأخذ التجربة
حيث يوجد الناس في الأماكن العامة والأسواق الشعبية.
وكان اختيارنا لسوق مطرح القديم لما يحمله من مكانة تاريخية
ومعمار رائع لوضع تجارب الفنانين فيه وبيت البرندة وصالة بيت
مزنة. وقد تمت التجربة بنجاح واستطاع الفنانون ان يتجاوزوا المساحات
المقفلة وتفاعلوا مع الهواء الطلق ومساحات الشارع ونتمنى ان
تكون التجربة القادمة لمعرض الدائرة امتداداً للتجارب العالمية
وتواصلاً معها بكل جديد في عالم الفن.
كما يقدم الشاعر سماء عيسى كلمة اخرى يضمها الاصدار يقول فيها:
ما قدمت الدائرة في عمرها القصير، أي منذ بداية تأسيسها عام2001،
خدمة للحركة الثقافية والفنية في بلادنا، كبير مهم جذري ومتميز
في فطرته وطرحه، إذ تؤسس لتجربة جديدة اعتمدت على تلاقي الفنون
الابداعية المختلفة وصمودها في بوتقة الابداع الخلاق.
ذلك بالطبع هو ما أرسى ثيمات تجربة ابداعية جديدة، خاصة في مراحلها
المتقدمة، وهي تجربة الالتحام بالشارع، حيث قدم الفنانون تجاربهم
بالأسواق والحدائق والمعارض لأول مرة في السلطنة كشكل من أشكال
الالتحام بالملتقى وارتفاعاً بمستوى ذوق الإنسان الفني في تمازجه
اليومي مع جماليات الفن ودهشته وطرحه لأسئلة تضع مداركه أمام
عالم جديد.
تسير الدائرة من عام لآخر وهي تضع تجربتها الرائدة أمام محل
الزمن والتاريخ تدخل اليها كل عام عناصر جديدة وثيمات جديدة
تساهم في دفعها الى الأمام, محتلة الصدارة في العطاء الفني,
الثقافي الخلاق في بلادنا.
تنهار هنا فواصل الفروق بين أشكال الفن الواحد، بل وبين فناني
العالم الواحد، تنهار المسافات بين الماضي والحاضر والمستقبل.
المعاناة الانسانية في جذورها البعيدة هي الثيمة الأساسية للتجربة
وإن اختلفت منطلقاتها وآفاقها.
الفن هنا ما يدفع الإنسان إلى علاقة جديدة مع الطبيعة والوطن
والإنسان، بل إلى علاقة جديدة مع نفسه. إذ يرقى بممارساته لتكون
نابعة من الجمال متجهة إلى الجمال. ذلك ما يساعد حتماً على تشكيل
جديد ودائم لأرواح عذبة يدفعها الفن دوماً إلى الخلف والإبداع.
دائماً تتقدم لغة الفن الخالدة على قطيعة التجارب السياسية المختلفة،
لأنها تخرج من حيز المكان والزمان، وترتبط دوماً بالروح الخفية
مصدر الإبداع البشري، وهي تغذي العودة إلى الجذر الإنساني الواحد
قبل تشكلاته العرقية والدينية المختلفة عبر العصور.
كما يضم الكتاب كلمة للدكتورة باتريشيا كروفس والدكتور عبدالمنعم
الحسني والكتابة عن توثيق التجربة على مدى الاعوام الماضية.
وملف عن جميع المشاركين في معرض الدائرة الرابع (الشارع والمدينة).
يذكر ان تجربة الدائرة تأسست في عام (2001) وقدمت مجموعة من
التجارب والأعمال التي شارك فيها العديد من الشعراء والفنانين
أمثال الشاعر سماء عيسى والفنان حسن مير والفنان أنور سونيا
والفنان ابراهيم القاسمي والفنانة سيني كورث والفنان عبدالنمعم
الحسني والفنانة بدور الريامي حيث انتقلت تجاربها الى منطقة
الخليج وأوروبا واستطاعوا أن يؤسسوا نموذج لفن معاصر قادر على
التأثير والتأقلم مع المستجدات الحديثة في عالم الفن: كالفن
المعتمد على الفكرة وفن الفيديو باستعمال وسائل متعددة وفن التجهيز
في الفراغ.
وقد ساهم في توثيق التجربة كتابياً الباحث عبدالفتاح الزين من
المغرب وفي اعداد الصور والمراجع الفنان حسن مير والدكتور عبدالمنعم
الحسني والفنانة بدور الريامي.
أعلى
القنوات الفضائية والتأثير نحو الأسوأ
مع تواتر إيقاع الحياة ومشاغل الناس للجري
وراء لقمة العيش والهموم اليومية المعتادة، لا يجد المرء لنفسه
الوقت لضبط ساعته على التحقيقات التليفزيونية الهادفة أو التقارير
الإذاعية المفيدة، هذا إن وجدت على الخارطة البرامجية الإذاعية
والتليفزيونية وعُرفت مواعيدها وإذا ما سنحت الفرصة وتم البحث
بين أكوام قنوات التليفزيونات الفضائية والمحطات الإذاعية المنتشرة
عما هو مفيد من برامج ثقافية وعلمية واجتماعية وسياسية وترفيهية
هادفة، يصطدم المرء بالأغاني الراقصة أو المسلسلات الهابطة أو
أفلام العنف والإثارة لتعكر صفو الفكر، ويضيع الوقت ولا يخرج
المتلقي إلا بتشويش الدماغ وتشتيت الفكر.
واذا أراد أن يستدعي من فكره أحد أبيات المتنبي أو أبي فراس
الحمداني تبرز الى عقله احدى اغاني هيفاء وهبي او نانسي عجرم
مدعومة بالصور البارزة بكل مكوناتها وعناصرها التسويقية، واذا
اراد ان يتذكر احدى الحكم الأثيرة او الأمثلة التاريخية او الأقوال
المأثورة لا يسعفه عقله الا بكلمات اغنية تبرمجت في ذاكرته،
او بعباره قالها ممثل في احد ادواره الهابطة سجلها عقله دون
ان يشعر.
شيئاً فشيئاً يبطئ العقل ويضعف التفكير ويستبدل الصالح بالطالح
من خلال التسويف العقلي الجماعي الذي نشهده في المحطات الإذاعية
والتليفزيونية الفضائية بدواعي الترفيه مع عدم التفريق بين الترفيه
الهادف المتزن والترفيه المخل الهدام للقيم والمبادئ.
فحين يستقبل المتلقي البث من كل حدب وصوب دون قيد او شرط لا
يملك ان يمسح ما يتم تخزينه في اللاوعي العقلي ويخرج على هيئة
سلوك سيئ ينعكس على الفرد والمجتمع.
فلا يوجد زر (Delete) يستطيع الاستعانة به حين يراد إلغاء الاسفاف
من الكلمات والصور التي تم تخزينها في الدماغ وتشربها العقل
من خلال مشاهدة تليفزيونية عابرة او استماع اذاعي سريع، فتتراكم
ابتذالات الاخرين الفكرية في اعماق الدماغ من خلال محاولات عبثية
للبحث عن اعمال تليفزيونية او اذاعية هادفة تثري العقل وتطور
الفكر، فلا يجد الا القليل هذا ان وجد.
ان تزاحم الفضائيات التليفزيونية وتسابقها على بث الترفيه الغث
والاسفاف المبتذل له اكبر الأثر السيئ على النشء، مما يبعد النشء
عن انتمائهم، وهذا واقع لا يجب تجاهله، فيتجرد هؤلاء من ملابسهم
التقليدية ليرتدوا الملابس الأجنبية ليقلدوا في هيئتهم واشكالهم
الممثلين والممثلات والمغنين والمغنيات، ويرتادوا الأسواق والمجمعات
التجارية بها وكأنهم ضيوف على هذا الوطن لا ابناء الوطن نفسه.
ولا يعد الشباب يستمع للموسيقى والأغاني العربية الراقية التي
تهذب النفس وترتقي بالحواس، وانما الأغاني الأجنبية الصاخبة
او الأغاني العربية المرتدية هي ايضا ثوب الغرب في ادائها وطبيعتها،
ويتسرب التأثير الإعلامي السيئ الى المأكل فلا يرغب الشباب النشء
في تناول الأطعمة المحلية المعتادة والتي توارثنا اكلها من مئات
السنين، بل الوجبات السريعة الجاهزة والتي انتشرت في كل مكان
وغيرت ثقافة الاكل عند الجيل الجديد، والتي باتصال هاتفي واحد
تصل الى باب البيت خلال دقائق معدودة.
فكيف للإنسان في وقتنا الحاضر ان يصفي فكره وينقي ذاته من هذه
الشوائب المبتذلة ويحمي اسرته من كل ما هب ودب من اعمال تليفزيونية
وإذاعية، امام هذا الكم الهائل من البث الذي يتسلل الى الدماغ
ويخلق فوضى فكرية وتشتتا ذاتيا؟
وحيث ان هذه الإذاعات والتليفزيونات الفضائية تعمل في مجال مفتوح
وتبث عبر الأقمار الصناعية دون حدود وتدخل البيوت دون استئذان،
فلا ننتظر من الحكومات العربية ان تعمل الكثير في هذا المجال
من خلال اتفاقيات توقع هنا او هناك.
والحل هو الإيمان بالمبادئ والقيم الإسلامية والعربية الصحيحة
والعادات والتقاليد والثوابت الوطنية والدينية والأخلاقية والعمل
على اتباعها قولاً وفعلاً.
والقرار الحكيم هو القرار الأبوي الذاتي النابع من الأسرة نفسها
ليتحمل رب الاسرة مسئوليته وذلك بإلغاء كل المحطات السيئة التي
تشجع على الفساد، وتخدر العقل، وتضعف الفكر وتستمرئ الخنوع والاتكالية
وتروج العنف والتطرف والشعوذة والجريمة والجنس بطريقة مباشرة
وغير مباشرة متجاوزة بذلك الخطوط الحمر لمجتمعاتنا العربية المحافظة.
والإبقاء على المناسب والمعتدل، حتى لا ينشأ أبناؤنا على هذه
القنوات الفضائية المبتذلة ويتشربون مبادئها وقيمها ونحن غافلون
عنهم بمشاغلنا، لنرى منهم عادات لم نعتدها، وتربية لم نتربها،
وأخلاقيات بعيدة عن أخلاقياتنا، فعشر محطات هادفة متزنة خير
من مائة تشتت الفكر وتشوه العقل، لأننا بحاجة الى النشء, رجال
الغد لبناء الوطن وخدمة المجتمع.
والمبادئ والقيم الصحيحة التي يجب ان يساهم بها الإعلام من خلال
الكلمة والصورة هي التي تدفع نحو العمل والاجتهاد والمسئولية
وهي الحافز المحرك نحو حياة افضل، ليخدم الإنسان نفسه ووطنه،
ويوجه طاقاته الى كل ما هو ايجابي في مسيرة التنمية الوطنية
ليكون عنصراً مهما من عناصر التقدم والازدهار، لا عضواً فاشلاً
، عبئاً على المجتمع.
ومن المهم التركيز على هذا (المخلوق الفضائي) ومعرفة تأثيراته
وتبيان مخاطره اذا كان هناك من الآباء والأمهات من لا يدرك التحولات
الغريبة التي تحصل في وسط الأسرة العربية المسلمة الى الآن من
جراء التسلل الفضائي الخارجي الى بيوتنا عبر شاشات التليفزيون
وغيرها، وعلينا ان نبادر بالتحكم بذلك قبل ان يتحكم بنا ونذوب
مع الذائبين.
نمير بن سالم آل سعيد
أعلى
"الثقافة والاقتناع" .. محاضرة بجامعة السلطان قابوس
استضافت جامعة السلطان قابوس صباح أمس
الأستاذة الدكتورة ماري باتيسون أستاذة علم الانثروبولوجي وضيفة
وزارة التعليم العالي بالسلطنة، وذلك لإلقاء محاضرة بعنوان (الثقافة
والاقتناع.. التعليم عبر أوجه الاختلاف بين الثقافات) وقد قامت
الدكتورة نافلة بنت سعود الخروصي رئيسة قسم اللغة الإنجليزية
في كلية الآداب والعلوم الاجتماعية بإدارة هذه المحاضرة مع التعريف
بالضيفة بحضور الدكتور حمد بن سليمان السالمي نائب رئيس الجامعة
للشؤون الإدارية والمالية وعدد من الأساتذة والطلاب، وخلال المحاضرة
ذكرت الدكتورة ماري باتيسون أن العالم من حولنا فيه العديد من
الثقافات وطرحت سؤالا حول الكيفية المناسبة لالتقاء هذه الثقافات
المختلفة من أجل تبادل المعلومات، كما ذكرت الدكتورة باتيسون
أن التعليم يسير في اتجاهين وليس في اتجاه واحد، حيث يتعلم الصغار
من الكبار والعكس ومن خلال التفاعل بين المجتمعات والثقافات
المتنوعة تحدث الاستفادة الكبرى، كما أضافت الدكتورة باتيسون
بأن سر تطورنا لا يتمثل في التنافس ولكنه يتمثل في الاختلاف
بين الثقافات والمعتقدات ومدى رغبتنا في التعلم من الآخرين وهذا
هو السبيل للتنمية والتطوير، وأشارت الدكتورة باتيسون إلى أن
هناك نموذجا خاطئا في التعليم يتمثل في قدوم الطلاب للجامعة
للتعليم وبعد ذلك ينتهي المطاف بتخرجهم حيث أكدت أن الهدف الرئيسي
من التعليم هو إعداد الطلاب للاستمرار في التعليم مدى الحياة،
وحول التعلم من الآخرين ذكرت أن هذه العملية تحتاج إلى رغبة
والدافع مع احترام الثقافات الأخرى، إلى جانب ذلك تطرقت إلى
موضوع الصدمة الثقافية ومشاركة الناس في القيم واختلافهم في
اتخاذ القرارات وفي نهاية المحاضرة فتح الباب للحوار والنقاش.
الجدير بالذكر أن الأستاذة الدكتورة ماري باتيسون أستاذة الانثروبولوجي
عملت مؤخرا كأستاذة زائرة في جامعة هارفارد الأميركية بالإضافة
إلى خبرتها الطويلة في تدريس علم الانثروبولوجي واللغة الإنجليزية
في جامعة جورج ماسن في فرجينيا بالولايات المتحدة الأميركية
وقد قامت بتأليف 44 كتابا و1000 مقالة.
أعلى
تطوير المتحف البغدادي أملا باستعادة الزوار
بغداد ـ أ. ف. ب: يحاول القائمون على شؤون
المتحف البغدادي تجديد معالمه التي تجسد زمنا غابرا في تاريخ
سكان العاصمة العراقية بعدما اصابها التلف نتيجة تقادم الزمن،
املا باستعادة الزوار الذين هجروه منذ العام 2003.
وتقول سليمة كريم مديرة المتحف نأمل بعد هذه التغييرات واعمال
التطوير ان تستقر الاوضاع الامنية لكي نستقبل الزوار الذين غادروه
منذ عام 2003 واغلاق ابوابه منذ ذلك التاريخ. ويضم المتحف اكثر
من مئتي تمثال تجسد حوالي سبعين مشهدا تتعلق بفترة زمنية تتجاوز
القرن حول معيشة البغداديين وخصوصا الحرف والمهن الشعبية وطبيعة
الحياة في ازقة بغداد وكيف كانت تعيش العائلات آنذاك. وتشير
الى المصاعب التي يواجهها المسؤولون عن المتحف وخصوصا في ما
يتعلق بالتخصيصات المقدمة الى المتحف لكن هناك رغبة كبيرة لدى
العاملين في تأهيله ليكون جاهزا مستقبلا.
وتضيف: لدينا كادر فني مختص بالنجارة والزخرفة والنحاتون يواصلون
عملهم رغم الاجور المتدنية. وتؤكد كريم ان: ابرز ما ادخلناه
على المشاهد التراثية هي الشناشيل المصنوعة من الخشب المزخرف.
وتمتاز ازقة بغداد واماكنها السكنية بالشناشيل التي تشكل ابرز
معالمها. وتكتسب الشناشيل اهمية اجتماعية لدى البغداديين من
حيت ضمان الخصوصية في المنزل فضلا عن تخفيفها حدة اشعة الشمس
وتلطيف الهواء كما ان بعضها مغطى بالزجاج اتقاء لبرودة الشتاء.
وكان المتحف البغدادي اهم محطة لزائري العاصمة من مناطق اخرى
ممن كانوا يفتخرون بزيارته كما كان مقصدا للسياح الاجانب. وتم
تشييد المتحف العام 1970 ويقع قرب ضفة نهر دجلة من جانب الرصافة
في احدى المباني القديمة التي يعود تاريخها الى عام 1869. وقد
استخدم المبنى مطبعة لولاية بغداد إبان الوالي العثماني مدحت
باشا. وقد ضم المتحف بين جنباته لدى افتتاحه 385 تمثالا.
من جهته، يقول النحات طلال محمود: ان عددا من التماثيل اصبحت
قديمة جدا ويصعب نقلها من مكان الى اخر داخل قاعات المتحف كما
فقد بعضها ملامحه التراثية فأجرينا مرحلة من التطوير، وذلك ضمن
مراحل لاحقة سيشهدها المتحف. ويضيف محمود (38 عاما) ادخلنا في
اجزاء من بعض التماثيل مادة السيليكون او المطاط كونها قابلة
لمقاومة عوامل الزمن والتأثيرات كما تمت صناعة بعض التماثيل
مجددا من مادة الشمع. ويتابع محمود خريج اكاديمية الفنون الجميلة
ان المشاهد التي شملها التطوير تتضمن بائعة الباقلاء الشهيرة
والعربة البغدادية القديمة التي يستعملها الاعيان في التنقل
فقد صنعنا تمثالا لحصان عربي واضفنا الشناشيل للازقة والحواري
القديمة. وبائعة الباقلاء امرأة تفترش الازقة والاحياء القديمة
لتزويد السكان وجبة الفطور في واحدة من الطقوس التي دأب عليها
البغداديون ابان ثلاثينيات القرن الماضي.
وتمثلت الاضافات في المرحلة الاولى من اعمال التطوير ايضا بنصب
فوانيس بغداد المعروفة التي كان يتولى انارتها مساء كل يوم احد
الاشخاص. وهناك تمثال نصفي لشخصية بغدادية قديمة اعيدت صناعته
من مادة الشمع. وعبر النحات عن امله في توفير امانة بغداد الاموال
الكافية لشراء المستلزمات والمواد الداخلة في صناعة التماثيل
كالشمع والمطاط لكي تستمر اعمال تطوير التماثيل بعدما بدأت تفقد
معالمها. وتعود فكرة تأسيس المتحف البغدادي الى العام 1968 عندما
ارتأت امانة بغداد ضرورة الحفاظ على تاريخ العاصمة وتوثيق فترة
زمنية من تاريخها عبر نقل التفاصيل الدقيقة.
وشملت اعمال التحديث المقهى البغدادي مع مستلزماته من أرائك
واحتياجات الزبائن مثل النراجيل والزجاجيات من صحون وأباريق
تتوافق تماما مع التفاصيل اللازمة. وبين الموجودات التي اضيفت
اليه اخيرا مشهد زفة العروس مع ما يلزمها من ملابس النساء والفتيات
المشاركات في الزفة. وفي قاعة كبيرة خصصت لمشهد المقهى القديم،
جلس احد افندية بغداد ممسكا بصحيفة (المنار) نهاية العام 1967
ويتصدرها خبر استقبال الرئيس الاسبق عبدالسلام عارف لوفد سوفياتي.
أعلى

صوت
ما مضى!!
لا أعرف سبباً لهذا الحنين الجارف الذي
يجبرنا على الالتفات دوماً الى الوراء، مغلِـفاً قوته بستار
(الذكريات).. لا يوجد واقع جميل ولا مستقبل مشرق ، هناك ماضٍ
حانٍ رؤوم يحث الخطوات على النكوص اليه.. يقفز فجأة في زحمة
آلامنا ليطير بنا الى عوالمه المثبطة لتملّح الجراح.. مثلما
يقفز في زحمة الأفراح مناجياً بصوته الشجي من على منبر الاشتياق.
ذلك الحنين الى ما مضى وكان.. شعور بالانقباض تليه وخزة ثم دفقة
من الصور المتتابعة والمتلاحقة. لا نبحث عن السلوى في ما حولنا
بل ننبشها من ملفات الذاكرة لنتكئ على جذع يفيء بظلاله على القلب
من رمضاء حاضره.
يسكن هذا الحنين أغرب الأشياء.. فقد نجده في أغنية لسعدون جابر
يطلب فيها من الطيور والشمس أن تبلغ سلامه: "سلميلي يا
طيور الطايره.. سلميلي يا شمسنا الدايره".. أو في دراجة
هوائية مرمية بإهمال على الرصيف انشغل عنها قائدها الصغير بتقاذف
الحجارة مع مجموعة أطفال على الضفة الاخرى من الشارع.. أو في
فردة حذاء متهالكة تشكو أنين السفر بين أحجار الوادي الملساء
المطلية بالطحالب، وبين الطرق المشوّكة بغصن سدرة دفنه بعض الأشقياء
في بطن الطريق. وقد نجدها في هديل حمامة أو صياح (صفرد) فتنحني
الذاكرة كسنبلة أثقلها ذهبها، صارخةً بإلحاح: ـ نفسي مثقلة بأثمارها
ـ على حد قول جبران.
هذا الشعور الغريب الذي يجعلنا نسند ظهورنا الى الوراء ونغمض
أعيننا حين نسمع أغنية قديمة لمطرب لا يزال يصدح بأغانيه، ولكنها
ـ أي اغانيه الحديثة ـ لا تحرك ذلك الساكنَ من الأعماق، ولا
تثقب وعاء الانتشاء ليسيل رحيق الهيام تداعبه النحلات وترعاه
الفراشات.. لا نطلب من الحلم أن يعيرنا أجنحته، ولا من الخيال
أن يفتح لنا فضاءاته.. فقط حنين الى ما مضى.. وحنين الى ما فات..
وحنين الى ما أطربنا به سابقاً.
ضوضاءُ ما حولك وصخبه تطردك إلى ركن قصيّ من ذاكرة المكان..
إلى رائحة الطين المعتق بأنفاس القهوة والهيل، إلى رائحة الصباحات
الندية تحمل في حقائبها زقزقة العصافير، وحكايا أشجار الغاف،
وثرثرة أغصان السدر الخافتة لنسمة صباحية تبارك للجميع ولادة
شمس جديدة.. تخرج بعدها أسراب النحل والعصافير والجنادب، وتتناسل
الأجساد من أفواه البيوت ويتعالى صياح الرعاة ومواشيهم.
الحنين الى الزمن الجميل.. الحنين الى الطفولة.. الحنين الى
الشباب.... الحنين الى الطرب الأصيل.. قائمة من الحنين تطول
وتتزاحم في أجندتنا (اللحظية).. ولكن لا شوق ولا تحرّق الى المستقبل!!!.
سالم الرحبي
al_rahby@hotmail.com
أعلى