بمشاركة السلطنة..معرض لندن للكتاب يختتم فعالياته
لندن ـ أ.ف.ب: اختتم معرض لندن للكتاب
فعالياته امس الاربعاء والذي تسجل السلطنة مشاركتها فيه اضافة
الى بعض الدول العربية حيث يكرم في دورته الحالية الادب العربي
كبرهان جرييء اذ اختار تكريم الادب العربي في وقت بدأ الكتاب
العرب للتو يثيرون اهتماما في بريطانيا.
ودعي 22 بلدا ومنطقة ناطقة بالعربية لعرض ادبها وادبائها في
معرض الكتاب السابع والثلاثين المخصص للعاملين في قطاع النشر
والذي يلقى اقبالا كبيرا حيث قصده العام الماضي 23500 زائر.
ومن الملفت ان هذه الاحتفالية الثقافية التي اختارت تكريم العالم
العربي تعقب معرض باريس للكتاب الذي كانت اسرائيل ضيف شرف فيه
هذه السنة، واكد منظمو المعرض ان الامر من باب الصدفة البحتة.
وقالت ايما هاوس المسؤولة عن تنظيم المعرض: "ان الهدف الحقيقي
هو بيع حقوق ترجمة الكتاب العرب الى الانجليزية ولغات اخرى".
وبالرغم من النجاح الذي حققته بعض الاعمال المترجمة الى الانجليزية
مثل رواية "عمارة يعقوبيان" للكاتب المصري علاء الاسواني
التي ترجمت الى 21 لغة منها الانكليزية، فان قلة قليلة من الكتاب
العرب ينجحون في شق طريقهم الى دور النشر البريطانية.
وتأمل دار بنغوين المرموقة من خلال اصدارها ترجمة لرواية "بنات
الرياض" للسعودية الشابة رجاء الصانع في يونيو المقبل اقناع
قرائها بالاطلاع على هذا الادب من خلال الرواية التي تكشف النقاب
عن الحياة اليومية للشابات السعوديات والتي لقيت رواجا كبيرا
في السعودية. غير ان هذه المهمة تبقى شاقة في وقت لا تتجاوز
الترجمات بكافة لغاتها 4% من مجموع الاصدارات الادبية في بريطانيا.
ونظم معرض لندن للكتاب عشرين ندوة ودعا كتابا معروفين ودور النشر
العربية الكبرى لاطلاع العاملين في مجال النشر في الغرب على
هذا الادب. واوضحت ساره ايوانز مديرة البريتيش كاونسل (المجلس
البريطاني) لمنطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا "يقول لنا
الناشرون البريطانيون ان الادب العربي يبقى تحديا بالنسبة لهم
لا سيما وانهم يواجهون صعوبات في التعرف الى الاعمال الادبية
المثيرة للاهتمام وفي الدخول الى شبكات التوزيع وينقصهم الموظفون
الضروريون لقراءة الاعمال بالعربية". وبالرغم من ذلك فقد
سجلت مسؤولة المنظمة الثقافية البريطانية التي تعمل على تشجيع
التقارب مع العالم العربي "منذ سنتين او ثلاث سنوات اهتماما
متزايدا" بهذا الادب.
وتشارك دولا عربية اضافة الى السلطنة مثل لبنان والسعودية في
المعرض للتعريف بكتابها. واكدت مارغريت اوبانك مديرة دار بانيبال
للنشر التي تصدر اعمالا مترجمة لكتاب عرب معاصرين "ان السوق
تحمل امكانات كبيرة جدا" للكتاب العرب. وقالت: "استيقظ
الناس بعد 11 سبتمبر 2001 وقالوا لانفسهم: لقد تجاهلنا هذا القسم
من العالم". واضافت: "استغرق الامر سنوات، لكن الناس
يدركون اليوم ان ثمة ادب هناك" في العالم العربي. غير ان
الترجمة تبقى حاجزا كبيرا في وجه التواصل بين الثقافتين الغربية
والعربية وذكر تقرير لبرنامج الامم المتحدة الانمائي عام 2003
ان حوالي خمسين كتابا عربيا فقط تترجم سنويا الى لغات اخرى.
كما يعاني العالم العربي من نقص هائل في ترجمة الاعمال الادبية
الغربية واشار التقرير الى ان عدد الاعمال المترجمة سنويا الى
اللغة الاسبانية وحدها (حوالي عشرة الاف) فاق عدد كل الاعمال
الغربية المترجمة الى العربية خلال مجمل الالفية الماضية. ويأمل
صموئيل شمعون الذي صدرت روايته "عراقي في باريس" بالفرنسية
اخيرا عن دار آكت سود، ان يتعرف اليه البريطانيون من خلال نجاح
روايته في فرنسا. وقال الكاتب العراقي "الكل يسألني من
يملك حقوق كتابي، المس اهتماما حقيقيا".
أعلى
(الكمنجاتي) يروي قصة لاجئ فلسطيني استبدل الحجارة بالكمنجة
رام الله (الضفة الغربية) ـ ا. ف. ب: تمتزج
الموسيقى والغناء مع العرض السينمائي والرواية في العمل الفني
(الكمنجاتي)، لتروي قصة تحول لاجىء فلسطيني من راشق للحجارة
في طفولته الى شاب يحكي قصة تهجير شعبه بالموسيقى. ووقف مئات
المشاهدين الذين غصت بهم قاعة قصر الثقافة في رام الله مساء
الثلاثاء الماضي، يصفقون بحرارة للفرقة الفنية التي ادت العمل
بشكل مشترك (نرويجي وفلسطيني وايطالي). ونص العمل الفني الذي
كتبته الصحافية الاسرائيلية عميرة هس، يجسد الرواية الفلسطينية
منذ النكبة في العام 1948، في وقت يحيي فيه الفلسطينيون ذكراها
الستين. ويقول المخرج الايطالي جويدو باربيري لوكالة فرانس برس:
ان عملية المزج هذه بين الموسيقى والغناء والعرض السينمائي والرواية،
خصوصا وانها من ثقافات مختلفة، هو اروع ما في هذا العمل. ويتمحور
العمل الفني، الذي رواه ممثلان فلسطينيان والممثلة الاردنية
نادرة عمران، على قصة الشاب رمزي ابو رضوان (28 عاما)، واصله
من قرية النعاني قرب مدينة الرملة التي احتلتها اسرائيل في العام
1948، حينما كان طفلا في التاسعة من عمره واصيب في اليد بشظية
رصاصة اطلقها جندي اسرائيلي باتجاهه. ووزعت خلال العرض ملصقات
كبرى لصورة رمزي ابو رضوان وهو يحمل الحجارة حين كان في التاسعة
في مخيم الامعري في الضفة الغربية، التقطها له احد المصورين،
والى جانبها صورة رمزي وهو شاب يحمل الكمنجة. ويروي الممثل الفلسطيني
صالح بكري امام الحضور: لو ان رمزي ولد في القرية التي حظروا
على جده العودة اليها، لو ان رمزي ولد في الرملة او في يافا
او حيفا، لو ان هذه المدن، وجميع القرى المجاورة لها لم تفرغ
من سكانها الطبيعيين فأي رمزي سيكون الان؟ هل يكون مثل اي حفيد
دأب على زيارة جده وجدته في القرية؟. وكانت السعادة واضحة على
وجه رمزي عقب انتهاء العرض الفني، وقال لوكالة فرانس برس: شعوري
حقيقة لا يوصف. وحول ما اذا كان يعتقد ان من خلال الموسيقى سيوصل
رسالته وهموم الشعب الفلسطيني اكثر من القاء الحجارة، قال ابو
رضوان: باعتقادي اني استطيع الحديث عن معاناة الشعب الفلسطيني
للغرب بالموسيقى اكثر من اي طريقة سياسية اخرى. وتخللت العمل
الفني مشاهد لفلسطينيين نازحين ولاجئين في عامي 1948 و1967،
ومنها لقاء مع جد رمزي (ابو حسين) الذي تحدث عن يوم هجرته. وتعرض
الشاشة، الصحافية الاسرائيلية عميرة هس وهي في قرية رمزي الاصلية
(النعاني). وتقول هس: كثير من الاجداد الفلسطينيين صلوا لرؤية
قريتهم هذه التي هجروا منها، ومنهم من مات قبل ان يراها. وجاء
في نص هس: "زرت المنطقة قبل فترة وجيزة، وبالذات الحيز
الذي كان ينبغي ان يولد فيه رمزي، القرية التي كان جده يعتاش
من ارضها". واضافت: "خلال زيارتي تكلمت الاشجار والارض
معي بالعبرية، لغتي الام، غير ان رمزي لم يكن معي هناك كي تكلمه
الارض نفسها بالعربية وتحكي له عن جده الذي كان يعتاش منها".
وتابعت: "لذلك لن ينسى الفلسطينيون قراهم لان مصادرة الاراضي
الفلسطينية لا زالت متواصلة حتى اليوم". وكان رمزي درس
الموسيقى في فرنسا، وانشأ علاقات وطيدة مع موسيقيين من مختلف
انحاء اوروبا، وعاد في العام 2000 الى مخيم الامعري في الضفة
الغربية وافتتح مدرسة موسيقى لاطفال المخيم. واثناء رواية الممثلين
والعرض السينمائي، تتبادل فرقة الكمنجاتي التي قادها رمزي ابو
رضوان وفرقة نروجية العزف الموسيقى تارة والاغاني تارة اخرى.
ويقول المخرج الايطالي باربيري، وهو واحد من ثلاثة عملوا على
اخراج هذا العمل، ان الرواية قد ينظر اليها نقاد اسرائيليون
على انها تروي جانبا واحدا للصراع الفلسطيني الاسرائيلي. ويضيف:
"قد يكون هذا صحيحا، لكن العمل روى حقيقة واقعة تتمثل بالاحتلال
وتأثيراته على الفلسطينيين، فمثلا هدم البيوت والمنازل والجدار
هي حقيقة لا تحريف فيها". لكن المخرج الايطالي الاخر اوسكار
بيتزو له رأي اخر، ويقول لوكالة فرانس برس "نحن قمنا برواية
قصة شاب فلسطيني عاش طفلا وهو يرشق الحجارة ثم تعلم الموسيقى
وعاد وافتتح مدرسة للموسيقى، والعمل بكامله ليس سياسيا".
وكتبت ادارة مؤسسة روما للموسيقى، التي اشرفت على انتاج هذا
العمل الفني، في كتيب وزع على الحضور بان قصة رمزي "مثل
جذع زيتونة متغصن، حياة رمزي ابو رضوان نمت تتتبع الالتواءات
والعقد، لكنها نمت من دون توقف من الجذور الى السماء".
وتابعت المؤسسة "في البداية حياة الشوارع في مخيم الامعري،
بعدها رمي الحجارة على دبابات الجيش، ومن ثم اكتشاف الموسيقى
ودراسة الكمان في فرنسا حتى الرجوع الى فلسطين وتأسيس الكمنجاتي".
وسبق ان عرض هذا العمل الفني مرة اولى في روما اواخر العام الماضي
لمدة ثلاثة ايام.
أعلى
الحبّ الضّائع
أنتظر بفارغ الصبر لحظة هي أجمل اللحظات
في حياتي، وهي أن تقع عيني على عين حبّي ويرنّ في مسمعي صدى
العشق. فكم أتمنى أن تحين فرصة اللقاء، لقاء يمتزج فيه الحبّ
والخوف من لا حبّ!
بينما أنا منغرس في التّأمّل أبني قصور الأماني، وأتكلّف الأمل،
فإذا بهاتفي يرنّ، فتساءلت: يا تُرى من عسى أن يكون مخاطبي في
هذه اللّحظة السّعيدة؟! يا للعجب، رقمها على الشّاشة! حلم أم
واقع؟! لا أكاد أصدّق. دقّ قلبي دقّات متتالية، دقّة حبّ تتلوها
دقّة خوف، ولكن، لا بدّ من الشّجاعة!
ـ ألو يا جميلتي!
ـ ألو يا حبّي، ستغيب مُدرّستي اليوم!
ـ طيّب، إذا كان الأمر كذلك فهل يمكن أن نلتقي الآن، أم لديك
برنامج آخر؟!
ـ ربّما أنت مشغول، لأنّك تعمل!؟
ـ لن يشغلني عنكِ شيء سألغي كل ارتباطاتي، واعتذر لمسؤولي مختلقا
أسبابا مقنعة، لأجدك على مدخل رأس الحمراء بشاطئ القرم في العاشرة،
ما رأيك؟
ـ مكان رائع حقا لا سيّما أنّ الشمس جاثية خلف ركام السّحاب.
وبعد برهة من الوقت التقينا على مدخل الحمراء بشاطئ القرم الفسيح
قرب أشجار القرم الجميلة القوام، بمحاذاة رمال البحر الذهبية
التي تزينها أصداف المحار العذراء، فجلستْ قبالة شاطئ الخليج
تستمتع بصوت البحر والشمس من خلف السحاب ترسم وتنسج خيوطها على
مده تارة وتارة أخرى على جزره، فتنبئ بمساء ساحر ينتثر على أقصى
البحر قبيل غروبها حيث تكتمل لوحة الغروب بجثوها بين منكبيه
تتكئ على راحتيه.
كنت أعشق البحر كثيرا وأتردّد إليه باستمرار، ولكن رغم وجودي
الآن بين أحضان البحر، لا أبدي له أيّ اهتمام، إذ مجيء حبّي
في هذا الموعد أحدث تيارات بحر الحبّ المتلاطم في قاع قلبي.
عيونها صافية كصفاء السماء، وخصلات شعرها تموج كموج البحر لتشرد
بي إلى عالم آخر غير الذي أنا فيه، بدأت أحاورها حتى تهاوت من
حديثها الذي أصبح نغما تشدو به لينسجم حديثنا ويصبح شدوا رائعا
بلحن ممتزج بشوق الأنين، فصار حديثنا فطنا، قليلا ومتقطعا بروعة
ضحكاتها وخلجات رحيقها وسكنات خصلات شعرها المائج..
هكذا بقينا والوقت يمضي كنملة سوداء في ليلة ظلماء تخطو خطوات
خفيفة، وتتحرّك السّاعة مهدّدة بعقارب خطيرة تغدو ثم تروح كأوراق
في مهبّ الرّياح بين جدران الحديقة العموميّة. داهمنا الغروب
البطيء، والحياة رائعة والارض تفرش بساط السعادة لنا، والحوار
متواصل، يا له من حوار! لا نقاش فيه ولا جدال.
ـ أعدك أن نظلّ معا ولا يفرق بيننا سوى الموت فأنتَ سر دفين
في قلبي وحب جاثم أحاصره طيلة الأيام الخوالي، أعدك بأنّني حين
أنهي دراستي وأشرع في وظيفتي أسلمك مفاتيح قلبي النابض فيك.
ـ كم سيسعدني ذلك وكم أتوق إلى حياة يملؤها الحب وتغمرها أنوثتك
العذبة التي تشعرني بأنني كائن مستقل مستلق تحت شمس دافئة لا
وهج ولا غبار فالحياة جميلة بك وأنتِ أبد الدّهر مؤنسة حياتي.
نسينا أنّ الوقت ليس ملكنا في لحظة سكن فيها كل شيء وبقيت أحاديث
العشاق يسري صداها فقرّرنا العودة على مضض تاركين المكان لمن
سيخلف من العاشقين السّمر. وكان البحر منغمسا في سبات عميق،
والشمس تختفتي رويدا رويدا والليل بدأ يحيك خيوطه تدريجيّا.
لقد قضينا وقتا ليس باليسير، والآن حان وقت الرحيل، لنُعدّ العدّة
لغدّ واعد، مشغلها فيه المدرسة، أمّا أنا فالعمل بالغدوّ والآصال
ينتظرني. افترقنا وقلبانا ينبضان بدقّات مماثلة، ويدعوان إلى
لقاء قريب لا شجار فيه ولا عدوان.
عدت إلى البيت وأنا أحدّث نفسي أحاديث العشق والغرام، ولي عزيمة
تحرّك الجبال. وحوّلتْ الأماني حياتي رمزا في العشق والغرام
فرأيت نفسي ومحبوبتي مثل كثيّر وعزّه أو قل ربما قيس وليلى أو
عنتر وعبله فإذا بي من غير إرادة أنشد وأترنم قول قيس هائما:
أمرّ على الديار ديار........ أقبّل ذا الجدار وذا الجــدار
وما حبّ الديار شغفن قلبي ولكن حبّ من سكن الديار
أمّا هي فبعد إنهاء الدّراسة والالتحاق بكلية الطبّ تخرجت بامتياز
فبدأت وظيفتها طبيبة. ذاع صيتها في المستشفى وخارجه ونسيت أنّ
البحر مروّع كما هو رائع في بعض الليالي التي يشتدّ بها العشق
القاطر صبابة والمترنم بحديث الوله إبّان أيّام الصبا العليلة
حيث القلب يهيم حبا ووداعة وأنسا ووناسة.
لم أكن أعرف أنّ كلّ ما يتمنّاه المرء لا يدركه إلاّ بعد أن
أخذ اليأس يدبّ في قلبي وأحدّث نفسي بأحاديث قالها قلبي وسمعتها
أذني، وهي أنّ حلمي قد أصبح عصفورة تغرّد فوق أغصان الأشجار
ولا تحطّ تحت جذورها أبدا، أصبحتْ تنظر إلى الأفق نظرة التعالي
وبأنها صعبة المنال وليس لأي أحد كان أن يقطفها.
لم أدر إن كان حلمي حلم نوم أو يقظة إلاّ بعد أن سمعت ما أراقني
وحوّل أفراحي أتراحا. نسيتْ الماضي البريء ومواعيدها ووعودها،
نسيتْ البحر والنزهات الورديّة، ولم تتذكّر تلك المشاهد التّي
طالما عانقت فيها شمسُ الغروبِ البحرَ، فقالت: إنّ علاقتنا أصبحت
ضربا من المحال، وإنّ علينا فورا التوقف عن رؤية بعضنا البعض،
إذ ثمّة من تقدّم لخطبتها، وتخاف أن يكتشف ماضيها البعيد!!
ومن تلك اللّحظة أصبحت الشمس في كبد السماء ترسل أشعتها بلا
هوادة ولا رحمة لأسير مكبّل اليدين، شارد الذهن ليس له سوى البحرالذي
أصبح شغله الشاغل بل أنيس وحشته لا ينتظر منه سوى وقت غروبه
ليقف على اطلاله الذي بات في غياهب النسيان!
خلفان بن محمد المبسلي
Khalfan05@yahoo.com
أعلى
صـوت
العزف على الأوتار المرتخية
ـ 1 ـ
*بعضا من أشيائنا، وأحلامنا المشتركة..
بهذا الإهداء البسيط، السهل، الممتنع.. قدم لي كتابه )العزف
على الأوتار المرتخية). مثل هذه الأوتار، هل يصدر عنها صوتا
أو نغما شجيا يهز أوتار القلوب؟!
الكتاب مجموعة قصصية، أبدعها الكاتب المصري السكندري (رجب سعد
السيد) منذ سنوات، وشارك بها في فعاليات نادي القصة بقصر ثقافة
الحرية. أصدرتها مديرية الثقافة بالاسكندرية. عرفته منذ أن كان
يشارك في (ندوة الاثنين) بإحدى القصص، وهو ما زال طالبا في كلية
العلوم بالاسكندرية، وكنت أعرف أنه يكتب القصة من منتصف الستينات.
وعندما تخرج في أوائل السبعينيات، بدأ في نشر أعماله الإبداعية
في مجلة الآداب البيروتية، مجلة أكتوبر، الكاتب، القصة، الزهور،
العمال، أمواج، الكلمة، البيان الإمارتية، مجلة العربي الكويتية.
شاهدته، يمشي الهوينا على محطة ترام باكوس، رجب، نعم هو.. ما
زال طويلا رفيعا كما هو، لم يتغير فيه شيء، في مظهره الخارجي
وربما الداخلي، وحقيبته الجلدية التي دوما يمسكها في يده، الزمن
غير في ملامحه قليلا، لكنه كعادته دوما يمشي بخطوات وئيدة، غارقا
في افكاره، رافعا رأسه عاليا، ينظر للأمام.. كأنما يتشوف الأيام
القادمات من وراء الغيب. مازال كما هو، يمشي في صمت مطبق كأنما
يفكر.. يكتب إحدى قصصه التي كتبها وقرأها لنا بنادي الأدباء،
وأعجبت بها، عنوانها لم يفارقني، (بلاغ عن مقتل البهجة) أتذكر
بعضا من أحداثها.. ربطني به هذا الفن القصصي الجميل.. هذا اللقاء
الأسبوعي في ندوة الاثنين، كلما شاهدني نطق باسمي مجردا وهو
يمد يده يصافحتي مبسما، ابتسامة صافية، رائقة، عذبة، ندية..
كأنما تخرج من حبة القلب. احترمت صمته، احترمت تأملاته، احترمت
هدوءه ووحدته، وتشوفاته وعالمه الخاص.
ـ 2 ـ
الناقد السكندري (عبدالله هاشم) قدم المجموعة في دراسة جميلة
يقول فيها: رجب سعد السيد يمارس الكتابة من خلال وعي كامل ومدرك
لاساسيات الصنعة الفنية وللقضايا التي يعيشها الوطن، اجتماعية
وسياسية وحضارية. نشرت هذه القصص في الصحف والمجلات المصرية
والعربية. أهم قضية تناولها في مجموعته القصصية هذه هي وضع المثقف
بعد النكسة. قال المؤلف ـ في استطلاع للرأي ـ داهمتني النكسة
بشكل شخصي.. وأثرت في رؤيتي الفنية.
كما تناقش قصة العزف على الأوتار المرتخية ـ والتي أخذت المجموعة
اسمها ـ الوضع الثقافي والفني وعلاقة القاص بأبطاله وما جرى
لهذه الشخصيات من تخاذل وإحباط وهذه النماذج التقطها المؤلف
ذاته من الواقع، ومما يؤيد هذا الاستنتاج ما يقال لبطل القصة
ـ الذي هو المؤلف نفسه ـ يقول على لسان إحدى الشخصيات: ليس كلامي
سوى استنتاج عام. وعلى كل حال، فإن أبطال قصصك لم يكونوا سوى
أولئك المهزومين. أنت تعزف، إذا جاز التعبير، على أوتار مرتخية!!
إن القصة عند رجب سعد، هي معاناة مثقف مصري شاب أمام الأحداث
التي مرت بالوطن ـ كما يذهب إلى ذلك الناقد الفني عبدالله هاشم
ـ إنه يعيش الأحداث بكيانه، ولا تستطيع أن تفصل بين المؤلف والقصة،
إنه ينطلق من الخاص إلى العام، وهي سمة الفن الجيد، معاناة قصاص
جيد، إن الخاص يتحول للعام. ولأنها مكتوبة بصدق ومعايشة حقيقية
من المؤلف. إن المؤلف يسجل كتاباته من خلال شخصياته، ومواقفه
وأحداثه بدقة في تفاصيلها التي تقترب في بعض القصص من التسجيلية،
ونراه يدمج هذه التسجيلية الوصفية بطرق من الاستبطان الداخلي
بألفاظ شاعرية من حين لآخر حتى تقطع هذه الرتابة حدتها.
ويمتاز أسلوب المؤلف بانسياب تلقائي في الأفكار والمشاعر، وشاعرية
درامية تنمي الحدث وتقويه، ليست جمل جميلة للابهار، إنما تضيف
إليه، وهي ميزة هذه المجموعة والجديد الذي قدمته.
وبرغم السوداوية الموجودة في بعض القصص إلا أنها شهادة لعصر
كان الانسان يحيا فيه والسواد يجلل الوطن، كان قمة هذا الدمار
هي النكسة التي قتلت ما كان يرجوه الانسان للوطن من آمال عظام،
ولا بد للفن أن يكون هو المسجل والشاهد.
ـ 3 ـ
في ختام هذه الدراسة الجميلة يشير الناقد إلى أن الكاتب كان
صادقا مع واقعه ورؤاه، ولأنه يحيى مأساة وطنه حتى النخاع، كان
لا بد من طرح هذا التساؤل في قصصه. وإذا كان المؤلف قد عزف على
أوتار شخصياته المرتخية، فأرجو في المجموعة القادمة أن يكون
العزف على الاوتار المشدودة التي صهرتها تجربة الصمود والتحدي.
حفلت المجموعة بالعديد من القصص الجيدة منها: صورة من قريب لوجه
حبيبتي، الفشل، الرياح تملأ الأشرعة الرمادية، سياحة في غابة
الأشجار المتحجرة، دعوة إلى حفل رقص جماعي، فانتازيا الفئران
الجبلية، عن إزالة السواتر.
هذه بعض من أشيائنا وأحلامنا المشتركة، هذه بعض من الفن القصصي
الجميل الذي نحبه معا ونمارسه منذ سنوات خلت ومضت.
عبدالسـتار خليف
من أسرة تحرير ( الوطن )
أعلى