وكيل الإعلام يشارك في حفل افتتاح مهرجان الخليج للإذاعة والتليفزيون
شارك سعادة الشيخ عبدالله بن شوين الحوسني
وكيل وزارة الاعلام في حفل افتتاح مهرجان الخليج العاشر للانتاج
الاذاعي والتليفزيوني المقام في مملكة البحرين الشقيقة، وتأتي
مشاركة سعادته في حفل افتتاح المهرجان في اطار مشاركة اعلامية
مميزة للسلطنة في المهرجان، سواء من خلال المسابقة الرئيسية
للاذاعة والتليفزيون او للاعلاميين الذين سيتم تكريمهم في حفل
الافتتاح بالاضافة إلى جناح خاص للاذاعة والتليفزيون في المعرض
المصاحب للمهرجان.
وقد كان سعادته قد غادر السلطنة متوجها الى مملكة البحرين يوم
امس الثلاثاء ويرافقه ناصر بن سليمان السيباني مدير عام الاذاعة.
أعلى
يستمر حتى الثامن والعشرين من الشهر الجاري
افتتاح المعرض الثنائي المشترك للفنانين التشكيليين مال الله الزدجالي
وعلي الهنائي
كتب - فيصل العلوي: أقيم مساء أمس ضمن
الفعاليات الثقافية والفنية التي تنظمها وزارة التراث والثقافة
متمثلة في مرسم الشباب المعرض الثنائي المشترك للفنانين التشكيليين
مال الله الزدجالي وعلي الهنائي تحت رعاية سعادة الدكتور حماد
بن حمد الغافري المستشار بوزارة الخدمة المدنية بحضور متميز
من المهتمين والفنانين وعامة الجمهور. احتضن المعرض أكثر من
30 عملا فنيا تنوعت بين النحت والتصوير الزيتي وتطرقت في مواضيعها
المختلفة إلى الإيماءات وتشكيل الرموز المختلفة في ذات العمل
والتي تجسد بشكل أو بآخر إسقاط على الواقع وما يتضمنه من صراعات
ودمار بواجهة النقيض بالهدوء والأمن والسلام، كما عبرت بعض اللوحات
التشكيلية عن حالة الروح العمانية في البيئة وما تحتويه من مفردات
ترسخ هويته وتقدم بعدا آخر للتعبير في حالة الفنان عبر لوحته
التشكيلية التي تقدمها اللوحة بتفاصيلها الدقيقة. ويأتي تنظيم
وزارة التراث والثقافة لهذا المعرض مساهمة منهم للرقي والاهتمام
بالمبدع العماني في هذا المجال ولما تتميز به المفردة التشكيلية
التي أصبحت نافذة تطل أمام العالم بانتماء الإبداع فقط، وسيكون
المعرض مفتوحا على فترتين صباحية ومسائية حتى 28 من الشهر الجاري
بمقر النادي الثقافي بالقرم.
أعلى
اليوم .. انطلاق معرض التراث السوداني
ضمن فعاليات أسبوع السودان الثقافي الذي
انطلق في الثامن عشر من ابريل الجاري وتنظمه السفارة السودانية
بالسلطنة بالتعاون مع الجالية السودانية، تدشن اللجنة المنظمة
للأسبوع مساء اليوم السوق الخيري والمعرض التراثي بالنادي الاجتماعي
للجالية السودانية بالقرم، وذلك تحت رعاية ناشئة بنت حارب الخروصي
نائبة رئيسة جمعية المرأة العمانية.
تحتوي الفعالية على الكثير من النماذج والمجسمات من التراث السوداني
بالاضافة الى أركان متخصصة في المأكولات الشعبية السودانية وبعض
الصناعات الحرفية السودانية التي تعكس جانبا من أوجه الحياة
الريفية بالسودان بما فيها من عموميات ثقافية تشير الى تنوع
البنية الاجتماعية في السودان وموروثاتها المختلفة.
كما يشتمل البرنامج على عرض مجموعة متنوعة من الصور الفوتوغرافية
التي تستعرض لمحات من التراث السوداني كما أنها تسلط الضوء على
العديد من المشروعات التنموية القومية العملاقة في السودان بالاضافة
الى صور عن نماذج من الرقصات الشعبية المتنوعة لمختلف قبائل
السودان ومناطقه المختلفة.
كما يقدم البرنامج أيضا ما يطلق عليه (طبق الخير) وهو وجبات
سودانية شعبية متنوعة أعدتها مجموعة من النساء من أفراد الجالية
السودانية فهي أيضا تعكس تنوع عادات وتقاليد إعداد الأطعمة والمأكولات
السودانية التي تتنوع بتنوع التركيبة السكانية للسودان على امتداد
مساحته الجغرافية الشاسعة المتعددة الأعراق.
وفي تعليق لها حول هذا الموضوع تقول الدكتورة زينب أبو شوك رئيسة
لجنة السوق الخيري والمعرض التراثي إحدى اللجان المنبثقة عن
اللجنة المنظمة لأسبوع السودان : (مثل هذا النوع من المناسبات
يخلق جوا من التعاون والتضامن بين أفراد الجالية السودانية بمختلف
مشاربها ومستوياتها الثقافية، فضلا عن أنها تشكل جسرا من المزيد
من التواصل الثقافي بين الشعبين الشقيقين في السلطنة والسودان
خصوصا وان فعاليات المعرض تسلط الضوء على البنيات الثقافية والاجتماعية
في السودان).
أعلى
ردهات
نَاصر غيَّر عَاطفتهُ القديمـَة !
بقَدرِ ما يخيفنيْ المَوتُ .. بقدْرِ ما أحبّ الحَديثَ عَنه
..
غيرَ أنّني أكرَهُ الحديثَ عَن المَوتى .. أكرَهُ الوشَايَة
بهمْ .. بأسرَارهِمْ .. بمَا اختزَنتهُ الذّاكرَة منْ أنفَاسهِمْ
وهمْ أحيَاء ..
قبلَ عَام .. مَارستُ هذهِ الوشَايَة معَ ذَاكَ الرّجل الذِيْ
غَادرنيْ تَاركاً عكّازتَهُ وإزَارهُ الأبيَض وَقلعَة نزوَى
.. وهَا أنذَا أمَارسُ هذهِ الوشَايَة اللذِيذَة ربّما معَ رجلٍ
آخَر .. رجلٍ حمَلَ اسمَ ذاتِ الرّجل الذيْ رثَيتهُ قبلَ عَام
وكِلاهمَا مَاتَ بذَاتِ المَرض .. أهيَ الصّدفَة تفرضُ شرُوطهَا
فيْ طرِيقَةِ احتفَائيْ بالمَوتى ؟يَاهْ .. كمْ هيَ تعيسَة حفلَةُ
المَوتِ هذهِ !
مَعرفتيْ بنَاصر .. بدَأتْ فيْ عَامي الثّانيْ منَ الكتَابَة
فيْ هذَا العَمُود .. منذُ قرّر نَاصر أنْ يقرَأ ليْ كلّ أسبُوع
.. أصبَحتْ رسَائلهُ طقساً أربعَائيّاً لا ينفصلُ عنْ عَمُوديْ
..
كلّ أربعَاء وفيْ التّاسعَة صَباحاً بالضّبط كَان نَاصر يبعَثُ
تعليقهُ علَى مقَاليْ .. كلّ مقال وطوَالَ عَامٍ ونصفٍ هيَ مدّة
ما تَابعهُ من مقَالاتيْ كَان نَاصر حَاضراً فيْ بريديْ..
كَانَ رجلاً منْ صِنفِ المثقّفين المجهُولين .. حيثُ لمْ يكُنْ
يفوِّتُ أيّ فعاليَّةٍ ثقافيَّةٍ إلا ويحضرهَا .. يقتعدُ مكاناً
قصياً وبصمتٍ يتَابعُ منْ حولَهُ !
حينَ كانَ يحضرُ فعاليَّاتِ النّادي الثّقافيّ كَانَ يختَارُ
المقعدَ الأخيرَ الملاصقَ للجدَار الأيسرِ من القَاعة وكَانَ
يبرّر اختيَارهُ ذلكَ الكرسيّ تحديداً بالقولِ .. أحبّ الكرَاسي
والجدرَان .. وأودّ أنْ أجمَعَ بينهمَا دائماً .. ليتسنّى ليَ
الحديثُ إلَى كليهمَا ..
للوجُوهِ قصصهَا .. وربَّمَا أكُونُ منْ أولئكَ النّاس الذِينَ
يقرؤُونَ قصَص الوجُوه ولذلكَ عرفتُ نَاصر .. رغمَ أنّهُ لمْ
يقتربْ منّي يوماً فيْ أيّ فعاليّةٍ حضَرتهَا إلا أنّني عرفتهُ
شكلاً ! إنّها هوَايَتيْ فيْ قرَاءَة وجُوهِ الأحيَاء.. وكتَابَتهمْ
موتَى !
حضَر جلسَتينِ منْ الجلسَاتِ الأدبيَّة التيْ أدَرتُهَا فيْ
دَار الخَليل للأدَبِ وكَانَ كعَادتهِ صَامتاً .. بعيداً ..
ومنصتاً فيْ ذاتِ الوَقت ..
أمّا كيفَ عرفتُ نَاصر عَنْ كثَب .. فكَانَ حينَ بدَأ يتغيَّبُ
فيْ الرّد علَى مقالاتيْ وحينهَا كنتُ أرسلُ أسْألهُ عنْ صحّتهِ
وإنْ كانَ فوَّتَ جريدَة ذَاك الأسبوع لأبَاشر بإرسالِ المقالِ
لهُ ! .. حينَ بدَأ نَاصر يكثرُ غيَابهُ وكَانَ فيْ كلّ مرَّةٍ
يقُولُ بأنّه فيْ رحلَةِ سَفرٍ كنتُ أعرفُ أنَّهُ لم يكن دقيقا
في كلامه، وكنتُ أعرفُ أنّهُ مرِيض .. مريضٌ جداً ..
إنّنا حينَ نكتُبُ فإنّنا نعبّئ الفرَاغاتِ التيْ نتركهَا فيْ
أسطُرِ جُملنَا بالكثِير منْ أسرَارِ نفسيّاتنَا وكنتُ أقرَأ
فيْ تحيَّةِ نَاصر ليْ فيْ كلّ مقالِ أربعَاءِ بأنّه مريض ..
مريضٌ أكثَر ممّا أتخيَّل ..
(أخت العزيزة عائشه السيفي صباحك طيب ) كَانتْ هذهِ تحيَّتهُ
فيْ كلّ رسالَة أرسلهَا ليْ وكنتُ أستمتعُ برؤيتيْ لتكرَارهِ
الخطَأ ذَاتهُ .. ربَّمَا لأنّني كنتُ أقرَأ فيهَا الكثِير منْ
أسرَارهِ!
لقدْ قرّرتُ فيْ لحظَةٍ مَا بأنْ أبدَأ أنَا .. وكَانَ أنْ أرسَلتُ
لهُ أسْألهُ .. أخ نَاصر .. أعلَمُ أنّكَ مريض .. رجَاءً اصدقنيْ
.. وكنتُ أعلَمُ إجَابتهُ .. أعلَمهَا جيّداً .. لقدْ قرَأتُ
إجَابتهُ قبلَ أنْ يردّ .. عرَفتُ أنّهُ يُحتضَر وأنّه مصَابٌ
بسرطَانِ الدّم .. فيْ تلكَ الرّسالَةِ فتحَ نَاصر ليْ قلبهُ
.. أخبرنيْ عَنْ كلّ شيء .. عَنْ زَوجتهِ التيْ عرَفَ بإصَابتهِ
بالسّرطَان أثنَاء خطبَتهمَا والتيْ أصرَّتْ علَى الزّواج بهِ
رغمَ معرفتهَا بانتشَار السّرطان فيهِ .. وعَنْ أنَّهُ حينَ
قرَأ رثَائيّتي لجدّي قبلَ عَامٍ قرَأ فيها رثَائيْ لهُ .. قالَ
لي بأنّ مَا يميّزك عَن الآخَرين هوَ قدرتكِ على استنطَاقِ المَوتى
ولذَا كنتِ تستنطقيننيْ كلّ أربعَاء .. إنّني أحتَفلُ بموتيْ
حيَّاً ..
حينَ طرَحتُ قصِيدَةً بعنوَانِ (نَاصر) ذَاتَ أربعَاءٍ فيْ جريدَة
الشّبيبَة .. بعثَ ليْ يقُول .. أشكركِ .. أنتِ تكرميننيْ بحفلَةٍ
لا أستحقهَا .. قلتُ لهُ: لكنَّكَ لستَ المقصُودَ فيْ القصيدَة..قالَ
ليْ أعلَم .. صدّقينيْ .. أنتِ تدخلينَ فيْ سلسلَة طويلَة منَ
(النّواصر) الذِي لا يمُوتُ الآخَر إلا ويجرّ ورَاءهُ عشرَةً
آخرين !
تعرَّفتُ إلى زَوجتهِ .. كَانتْ فتَاةً لطيفَةً للغَايَة ومتمَاسكَة
جداً .. وكنتُ أقُولُ لهَا .. أنتِ قوَّة خَارقَة منَ الحبّ
.. كنتُ أتحدَّثُ إلَيهَا بينَ حينٍ وآخَر لأطمئنَ عليهِ ..
فيْ المرَّةِ الأولَى التيْ رَأيتهَا تبكيْ وهيَ تخبرنيْ بأنّها
حَامل.. لمْ أتمَالك نفسيْ .. خَالطنيْ شعُورٌ بالأسَى وآخر
بالسّعَادَة وتسَاءلتُ أيعقَلُ أنّ ترَاجيديَا القَدر ستمنعُ
نَاصر منْ رؤيةِ طفلهِ؟.. قلتُ لهَا سَأزُوركِ فيْ المستشفَى
حيثُ اعتَادت المكُوث بجوَارِ زَوجهَا .. اتّفقتُ معهَا ذَاتَ
يَوم .. والتقَينَا فيْ البَاحَة الأمَاميَّة لمستشفَى جَامعَة
السّلطَان قَابُوس .. حينَ دخلتُ عليهِ مسلّمَةً ابتسَم وقال
.. رغمَ أنّكمَا تعرفَان بعضكمَا أكثَر منّي الآن لكِنْ لابدّ
منْ تعريفٍ سخيفٍ بروتوكوليّ .. عَائشَة .. أعرّفكِ علَى زوجتيْ
وحبيبتيْ .. ضحكتُ وقلتُ لهُ .. أنتَ أوّل عمَانيّ أسمعهُ يعرِّفُ
زوجتهُ بهذَا التّعريفِ جَامعاً صفتينِ ( زوجَتيْ وحبيبتيْ )
.. قالَ ليْ : إنّ أجمَل ما يقدِّمهُ رجلٌ محتَضر هوَ أنْ يفيْ
لزوجتهِ وقوفهَا معهُ حيّاً !
أمّا لقَائيَ الثّانيْ بهِ فكَان فيْ ذَلكَ اليَوم الذِيْ أقيم
فيهِ الاجتمَاع التّأسيسي للجمعيَّة العمَانيَّة للكتَّاب والأدبَاء
.. حضَر برفقَة زَوجتهِ .. سلّمتُ عليهمَا وقلتُ هلْ قدّمتما
استمَارَة عضويَّة؟ فأجَاب ضَاحكاً: المشكلَة أنّهم لا يقبلُون
استمَارات المَوتى .. كمَا أنّ ترشيحَات المَوتى غير معتمدَة
فيْ السّجلات الرّسميّة وإلا لمْ أكُنْ لأكتفيَ بالعضويَّة بلْ
أرشّح نفسيْ رَئيساً لكُمْ يا معشَر الكتَّاب ! فكَّر قليلاً
ثمّ أكمَل : ألا تُوجَد جمعيَّة للكتَّاب المحَالين للمعَاش
.. أعنيْ للدَّار الآخرَة ؟قلتُ لهُ : أنتَ تبَالغ .. لكنْ عمُوماً
سننظرُ فيْ اقترَاحكَ مستقبلاً !
فيْ كثيرٍ منَ الأحيَانِ وحينَ كنتُ أنهيْ محَاضراتيْ وأعُودُ
مخترقَةً مستشفَى الجَامعَة لأعبَر للجهَة الأخرَى كنتُ أصَادفهُ
فيْ البَاحَة معَ زَوجتهِ.. كَانَ يمعنُ النّظرَ كثيراً فيْ
الأطفَال الذِينَ يلعبُونَ هنَالكَ ! كَانَ لا يخرجُ إلا بمصرّ
وحدثَ أنْ صَادفتهُ مرَّةً دُونهُ .. بدَا رَأسهُ لامعاً بعدَ
سقُوطِ شعرهِ .. قلتُ لزَوجتهِ مَازحَةً .. سمعتُ أنّ الصُلعَ
يتمتعُونَ بذكَاءٍ أعلَى منْ أولئكَ أصحَاب الشّعر الكثيف ..
ضحكَ قائلاً: هلْ تعرفينَ أنّها تحبّ الصّلع وأنّها طالمَا رجتنيْ
بأنْ أحلقَ شعريْ كاملاً؟ هَا أنذَا أحقّق رغبتهَا .. لكنْ بشكلٍ
إجبَاريّ دونَ أنْ تكونْ ليْ يدٌ فيْ الأمر ! ..
كَانَ يلحُ عليّ دائماً بأنْ أكتبَ عَنهُ مقالاً بعدَ موتهِ
.. قالَ ليْ .. ضمّينيْ إلَى قَائمَة نَاصر وخلُود وبدريَّة
ومليكَة وعلاّل وَنيكُولا زيَادَة .. اجعلينيْ فيْ منتصفِ قَائمَة
المَوتى واكتبيْ تحتَ اسميْ مَا قَالهُ إسحاق الخنجريّ ( غيّرتُ
عَاطفتيْ القديمَة ، لمْ يعدْ قلبيْ يحنّ إلَى هتَافاتِ النخيل
) .. قلتُ لهُ .. لعلّي أكُونُ أنَا فيْ المنتصفِ ولعلَّك ترثينيْ
يوماً إذْ أمُوتُ قبلَ موتكَ !
حينَ نشرتُ مقالَ ( بدريَّة حفظتْ جدوَل الضّرب ) اتّصلتْ بيْ
زوجتهُ وهيَ ترجونيْ المجيء لأنّ نَاصر متأزمٌ نفسيّاً منذ قرَأ
المقَال ..ذهبتُ لزيَارتهمَا .. قالَ ليْ .. للمَوتِ إشَاراته
.. وهَا أنَا أتلقَّى إشَارتهُ الأخيرَة .. حينَ كانَ يقُولُ
ذلكَ شعرتُ بكلّ كلمَةٍ تخرجُ منهُ تخزنيْ .. لا أدريْ .. شعرتُ
فعلاً باقترَابِ المَوت .. كَان قريباً جداً أكثَر ممّا أتخيَّل
..
سَأعترفُ لكُمْ أنّي كتبتُ هذَا المقَال قبلَ موته .. وأنّ الرّجل
الذِيْ كتبتُ فيهِ هذَا المقَال قرَأ مقاليْ هذَا حيَّاً ..
وسَأعترفُ أنّي أخضعتهُ لتعديلاتٍ بسيطَة ألزمتنيْ إيَّاهَا
المدَّة التيْ مضَتْ منذُ كتبتهُ ..
أذكرُ أنّهُ نبّهنيْ إلَى أخطَاءٍ تشكيليَّة فيْ المقَال وعلّق
ممازحاً زوجتهُ .. (شَايفَة كيفْ أنَا محظُوظ؟ رجلٌ يقرَأ مقَالاً
فيْ رثَائهِ ميتاً وهوَ حيّ ؟ ) سَألهَا .. ترَى أيّ عنوَانٍ
أنسَب ليْ؟ ثمَّ علَّق .. (نَاصر .. قتلَ السرطَان قبل أنْ يقتله
) ثمّ أكمَل ( وبمَا أننيْ ممّن ينطقُونَ القَافَ كافاً فاكتبيه
"كَتل السرطَان كبلَ أن يكتلهُ") ضحكتُ كثيراً ..
ليسَ لمَا قالهُ بلْ لقدرِ دهشتيْ منْ شجَاعتهِ فيْ الحديثِ
عنْ موتهِ دونَ خَوف !
وكَانَ أنْ قتَلَ السّرطَان نَاصر .. لمْ أعرفْ بموتهِ إلا بعدَ
3 أسَابيع منْ وفَاتهِ حيثُ أرسلتُ رسَالةً هَاتفيّةً لزوجتهِ
أطمئنُ فيهَا عليهِ وكَانَ أنْ أخبرتنيْ برحيلهِ .. لمْ أبكِ
.. ربَّمَا لأنّهُ هيّأنيْ علَى موتهِ .. بلْ إنّنيْ كنتُ أشعرُ
وهوَ حيٌ أنّني فيْ رحلَةٍ معَ رجلٍ ميتٍ .. إنّها قصَّة المَوتِ
التيْ نسجهَا قبلَ أنْ يمُوت ..
لقدْ صدقَ تنبّؤه .. هَا أنذَا أرثيهِ بعدَ عامٍ علَى رثَائيْ
لناصر .. جدّي الذِيْ قتلهُ السّرطَان ..
قالَ ليْ .. خصّصيْ أربعَاءً منْ كلّ إبريل للاحتفَاءِ بأحدِ
المَوتى .. أقيميْ حفلَةً لهُم ! واجعلينيْ فيْ المنتصَف !
قبلَ أسبُوعينِ خرَجَ طفلهُ إلَى النّور .. وكنتُ أوّل منْ تلقَّيتُ
صورتهُ هاتفيّاً بعدَ ولادتهِ كمَا وعدتنيْ زوجتهُ .. وفيْ المقَابل
كَانتْ زوجتهُ ثَانيْ من قرَأ المقَالَ بعدهُ ..
أفتقدُ ذَاكَ الرّجل الذِيْ كَانَ يجلسُ فيْ أقصَى اليسَار فيْ
النّاديْ الثّقافيّ وأفتقدهُ كذلكَ وأنَا أعبرُ مستشفَى الجَامعَة
كلّ يوم .. وأفتقدُ رسَالَة التّاسعَة صباحاً كلّ أربعَاء فيْ
بريدي الإلكترونيّ!
لكنّنيْ سأعوّض ذَلكَ الفقدَ بالكثيرِ منَ الوشَايَة .. الوشَايَة
بالمَوتى كلّ إبريل .. حيثُ سيكُونُ نَاصر فيْ منتصفِ قَائمتهِم
.. وسأكتُب أسفَل اسمهِ ( غيّرتُ عَاطفتيْ القديمَةَ لمْ يعدْ
قلبيْ يحنّ إلَى هتَافاتِ النّخيل ! )
عَائشـَة السّيفي
ufuq4ever@yahoo.com
أعلى
صوت
ناصية الولاء
الهوية والقومية للفرد هي انتماء ليس بالهين
امتثاله ، ولا من المحال بلوغه ومرامه ، وخير ما يمثلها هو من
يعمل تحت ظلال مبادئها ويستتر بكرامتها ويذود عن مخالفتها أو
إحطاط قيمة من بنودها ، وتكون له دستورا ونهجا في تعاملاته وسلوكياته
بين الأفراد والجماعات والعوالم.
يقول المصطفى - عليه الصلاة والسلام - " أحب العرب لثلاث
:لأني عربي ، والقرآن عربي ، وكلام أهل الجنة عربي " ...
بحق إنه لأجل مصطفى لصوقا بقوميته وكيانه من أي أحد ، وكيف لا
وهو القدوة العظمى وأعظم البشرية رفعة وعلوا فلم يتعال بما ناله
من منزلة وشرف ، وهو خير الداني والقاصي ،خير فاعل وخير دال
وخير موجه لما فيه راحة وسعادة البشرية قاطبة.
إن انتماء العربي لعروبته يحتم عليه أن لا ينفصم عن قضاياها
ولا ينشغل بالمتاهات الأخرى بعيدا عن تطلعاتها، إذ عليه أن يسخر
فكره لخدمتها ، وجهده لرفعت شأنها ، وقلمه لذود أعدائها ، ونصرة
أتباعها ، وأن يجعل نبضه حساسا بمرامي عزتها ، تواقا متوهجا
لكل غاية تسعدها ، وترفعها من الحضيض إلى المجد والعليا.
في ظل هذا التداخل والتلاحم الكبير بين مختلف الأمم والشعوب
حتى غدا العالم قرية منكشفة جوانبها شرقا وغربا ومع حاجات البعض
للبعض وكثرة التنقلات والتغرب ،والتشرق بين الأفراد لمختلف الدواعي
والأغراض فإن لكل انتماء ومرجعية يرجع لها ، وثقافة تمنهج مسيرة
حياته فالانتماء الوطني حالة لا شعورية يتم تغذيتها بالتربية
، ولابد أن تكون لدى كل إنسان ، حتى من الممكن أن تكون لدى كل
كائن حي يشعر بارتباطه بالوطن الذي ولد فيه وترعرع ، وفيما بين
المواطنين لا يجوز تجريد أحد من حالة الانتماء هذه ، لأنه ليس
لأحد الادعاء بها دون سواه ، وليس من حقه أن يجردها عن الأخر
أيا كان هذا الأخر، إلا إذا قام هذا الآخر بما يتنافى مع هذه
الحالة ، كما في العملاء والجواسيس والخونة ، الذين لا انتماء
لهم ، عندما يقفون في خندق الأعداء على حساب الوطن تحت أي مبرر
كان في ضوء القاعدة التي تقول أن الجاسوس أو الخائن لا وطن له
، كما انه ليس من العدل في عملية فرضها على طرف أو أطراف هم
في واقع الأمر يملكون هوية وطنية تتعرض للإلحاق أو الإلغاء.
الانتماء حالة أرحب وأوسع من المواطنة ، لأنه قد يكون هناك انتماء
قومي وآخر ديني وثالث إنساني ، ولكن لا يمكن أن تتم هذه الحالة
الأرحب والأوسع بدون أن تنطلق من حالة الدائرة الأولى ذات الصلة
بالحالة التعاقدية مع الأرض التي ولدت ونشأت وترعرعت عليها ،
حيث يقول القوميون لا يمكن أن تكون قوميا جيدا إلا إذا كنت وطنيا
جيدا ، كذلك لا يمكن أن تكون مسلما صالحا إلا إذا أحببت الخير
لجارك كما تحبه لنفسك ، وقس على ذلك الانتماء الإنساني ، ولهذا
فان الذين لا يفهمون الانتماء إلا لبقعة الأرض التي يقفون عليها
ليتصيدوا الآخرين من اجل التشكيك بانتماءاتهم ، هم من السذاجة
التي يرثى لهم فيها .
إبراهيم الحسني
كاتب عماني
أعلى