|

|
مبتدأ
|
|
|
|
|
ثــرثــرة
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
للصورة بعدان
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
أفق
|
|
|
|
مبتدأ
تسول
ليس ثمة من ثقافة تنبذ الكسل والتواكل، وتحظ
على العمل والمثابرة مثل ثقافتنا الإسلامية، التي تعلي من قيم العمل
الخلاق، وتجعل كل حراك الإنسان جزءا من منظومة شعائرية تعبدية يكسب
بها الإنسان رضا ربه سبحانه وتعالى. وبناء على ذلك جاء الذم صريحا
في نصوص الإسلام للتسول ومد اليد للآخرين الذين ربما يعطونك أو ربما
يمنعوك العطاء فترجع خائبا حسيرا. من ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام:
(لئن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره، خير من أن يسأل أحداً، فيعطيه أو
يمنعه). وروي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: (قلت يا رسول اللّه
قد بلغ بي الجهد ما ترى. وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق
بثلثي مالي؟ فقال: "لا". قلت: فالشطر؟ قال: "لا".
قلت: فالثلث؟ قال: "الثلث والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء
خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس").
أول ما نستنتجه بديهيا من هذه التوجيهات النبوية أن على الإنسان أن
يبحث عن الوسائل والأسباب القدرات الكامنة لديه كي يستغلها على نحو
خلاق وفاعل من أجل أن يسهم بدوره الخاص في بناء الحياة، ويحفظ كرامته
حيا وكرامة أبنائه ميتا. وحين أتأمل حال الكثير من الذين باتوا يمتهنون
حرفة التسول لدينا أجد أنهم يمتلكون الكثير من البدائل والإمكانات
الكامنة لديهم، التي فيما لو أحسنوا استغلالها لتمكنوا من تقديم الكثير
إلى أوطانهم ومجتمعاتهم على نحو حضاري جميل.
في الهند يستوقفك مشهد مُهَرّجَيْنِ لطيفين يقفان بمحاذاة إشارة المرور،
حتى إذا أضاء اللون الأحمر وتوقفت بك السيارة بجوارهما بدأ أحدهما
بالتطبيل فيما يبدأ الآخر بالرقص وممارسة الحركات البهلوانية الجذابة،
وقبيل إضاءة اللون الأخضر، يقفان قبالة باب السيارة مبتسمين كي تقدم
لهما ما تمد به يدك دون أن ينبسا بكلمة.
في الكثير من مدن الغرب يستوقفك العازف المتجول الذي يفق في المجمعات
التجارية الكبرى واضعا قبعته على الأرض وهو يعزف أعذب المقطوعات الموسيقية
التي تدخل النشوة والمتعة في قلوب العابرين، الذين لا يترددون في وضع
بعض القروش في قبعة العازف. إضافة إلى العازف المتجول يلفت انتباهك
الرسام الماهر الذي يأخذ لك سكيتشا لطيفا بينما أنت تتأمل في وجوه
المارة في السوق أو الحديقة. وكذلك الرسام الذي يبيعك أجمل لوحاته
على ورق بسيط في ميادين المدن وساحاتها، مضفيا على المكان سحرا خاصا
بألوانه وبراويزه الآسرة.
وكم أتذكر الآن مشهد الرجل الذي يجلس على كرسي بسيط بجوار أحد السلالم
الصغيرة على رصيف بحيرة زيورخ بسويسرا. كان يرتدي زيا تنكريا مطرزا
بالفرو الأصفر وبه الكثير من الإكسسوارات، وهو في صمت وسكون حتى تخاله
في بادئ الأمر تمثالا، وما أن تقدم له بعض النقود حتى يبدأ في ممارسة
بعض الحركات اللطيفة، والأغرب من ذلك أنه حين تقدم له بعض النساء النقود
يفتح جيبا في صدر زيه التنكري بموازاة القلب من الإنسان ويستخرج قلبا
من البلاستيك ثم يرفعه عاليا في إشارة إلى الوله والنشوة، ثم يرجعه
في محله ويغلق عليه.
هذه الأمثلة التي ذكرتها تدخل كلها في إطار الممارسة الجميلة والأنيقة
للفن، وتجلب للإنسان رزقه على نحو حضاري. إذ أنك حين تقدم لهذا الفنان
مبلغا من المال فإنك تعطيه ذلك نظير متعة فنية ودهشة جمالية قدمها
لك، وليس نظير تسول فج وكسول. فذلك الفنان استغل قدراته ومهاراته،
وقدم لزائر بلده صورة جميلة، وترك في ذهن الآخرين صورة لا تنمحي أبدا.
خلافا لذلك الذي جاء يتسول يوما في المسجد في زي شخص متدين، وأخذ يتلو
الآيات والأحاديث الباعثة على التبرع، حتى ذكر حديثا قال: رواه الإمام
احمد الشافعي!
أعتقد أن بإمكان الكثير من الناس من ذوي والمواهب الفنية والإبداعية
أن يتأملوا في استغلال هذه القدرات الربانية في ذواتهم، حتى نرى في
أسواقنا العازف والتشكيلي والمغني والمصور وغيرهم من المبدعين الذين
بمقدورهم أن يجعلوا تجوالنا فضاء من الجمال والإبداع والبهجة.
حسن المطروشي
shaddad99@hotmail.com
أعلى
قصتان
قصيرتان
نوافذ لا تفضي لغيمة
متعب، ليس بي قدرة على الحراك،
كأن هذا الحادث اللعين جاء لينهي كل ما تبقى من أمل بالحياة!!
ماذا يعني أن تعيش بلا ساقين تحملانك إليها؟
كان قرار الأطباء صائبا في بترهما لوقف النزيف،
لم يكن بمقدوري حينها أن ابدي رأيا وأنا في غيبوبة تامة !!.
كرسي لعين ونظرات إشفاق
هذا ما ينقص شاعرا صعلوكا مثلي ليتمنى نهاية سريعة،
قمت فزعا وأنا أهم بإلقاء نفسي من النافذة
لولا الحاجز الحديدي لكنت في عداد الموتى،
كل النوافذ في بلدنا لا تأخذ أحدا لأبعد من مكانه،
كلها مغلقة كما تقول حبيبتي في المدارس والبيوت..
لم أفق بعد!
عناقيد
وددتُ ألا أفيق،
تسلقت امرأة البارحة،
عناقيدها نبيذ،
أغصانها خضراء مائلة للحمرة،
مذ ذاك وأنا منتشٍ،
ولا أحب التفكير بأي شيء سواها،
اليوم وجدت المرأة ذاتها
تغسل ثيابي، وتصافحها الشمس!
هي أيضا تبدلت عناقيدها!
أصبحت جذورا تغوص عميقا في الأرض!
نادتني: تعال بنيّ!
وأنا أصيح بها: أمي؟!
تلاشت الصورة إلا عناقيدها..!
* كاتب سعودي
حسين الجفال*
Abcd02000@hotmail.com
أعلى
ثــرثــرة
قرية الذي لم يصدقوه
تعالت ضحكاتهم، وبدأت تكبر في الفضاء كدوّامات
. ازدادت نوبة الضحك حتى وقع بعضهم على الأرض ، فيما أمسك البعض الآخر
بطنه والدموع تملأ وجهه من شدة الضحك.
"أنا لا أكذب .. أصوات قلوبكم تزعجني في الليل لدرجة أنها تقضّ
منامي". صرخت فيهم من جديد.
فقال حكيمهم: هل تقصد شخيرنا يا بنيّ؟.
"بل أصوات قلوبكم ما أقصده.. تثير ضجة في الليل بدقاتها المرعبة
والمتسارعة.. وكأنها طبول تعلن الحرب".
بعد أن ضقت ذرعاً بأصوات قلوبهم المزعجة، والتي تحرمني النوم طوال
الليل، واستهزاءاتهم المتتالية حين اشتكي من ذلك، قررت ألا أنام في
منزلي ، وأهجرهم للنوم في الوادي.
ليلة نومي في الوادي ، والتي سأسميها مجازاً (ليلة نوم)، لم أنم. لقد
قامت معركة طاحنة بين الضفادع وأسماك الصد. استمرت حتى ساعات الفجر
الأولى. حين شقّ ضوء الصباح أسمال الليل، كانت نتيجة المعركة قد اتضحت
جلية، يدعمها أكوام أسماك الصد النافقة في بطن الغيل وعلى ضفتيه.
وحين أخبرتهم عن المعركة الليلية ، قهقهوا ، حتى نتف أحدهم لحيته وشاربه
وحاجبيه وشعر رأسه من الضحك، وتمرغ في الأرض كثيراً حتى اختلط مخاطه
ودموعه بالتراب.
لم أستطع النوم بعد تلك الحادثة في الوادي، فقررت النوم في مزارع القرية
، بين الاشجار. وهناك بين الأشجار ، وبعد أن ابتلع الجبل البعيد الشمس.
كانت معركة جديدة تدور، قوامها أعداد غفيرة من أعواد الغشمر والقت
ضد جحافل من الجراد والعقارب. وقبل أن يبزغ الفجر كان الجراد والعقارب
يجوس في أعوادٍ ممددةٍ على الأرض تلفظ أنفاسها الاخيرة.
وحين أخبرتهم ، رمقني أخبثهم بنظرة سخرية ، وقال: ماذا تعشيت البارحة؟.
بعدها قررت أن آخذ فراشي وغطائي وأنام في مقبرة القرية. فلا ضجيج للأموات،
ولا صراعات دامية.. في تلك الليلة استيقظت على خربشات أظافر تحفر القبور
من الداخل، وهمهمات غضب عارمة تطلب الخروج.
حين أخبرتهم، قال أسذجهم هازئا: بعد أن أخرج كرة مطاطية من أنفه ودعكها
في الأرض: "فُـتحت لك أبواب العالم الآخر". تناول أحدهم
حجراً ورماني به فأصاب عيني مباشرة ، فسال خيط غليظ من الدم على وجنتي
متجها نحو فمي مباشرة، حين حاولت تذوقه، كان حجر آخر يدق قمة رأسي،
تبعته حجارة كثيرة ضربت مناطق جسمي كاملة.. حين سقطت سحبوني بين الأزقة
، وكلٌ يدهسني بقدمه من جهة. وقذفوا بي عند رأس القرية.
عند المساء كان جسمي متورماً بشدة وروائح كريهة تفوح منه.. وعلى مسافة
ليست بالبعيدة كانت جحافل من الضفادع والجراد والعقارب تتهيأ لغزو
القرية بقيادة فيلق من الموتى.
سالم الرحبي
al_rahby@hotmail.com*
أعلى
حمارنا
كان الفجر يلتهم ظلمة البارحة ببطء ، ويتنفسها
ضوءاً خفيفاً يهسهس للعصافير بموعد الصحو . حين مرت نسمة باردة على
وجهي كنت أنحني تحت جونية السماد الرابضة على ظهري، تتخالف رجلاي تحت
ثقلها، امشي بها مترنحاً بين النخيل. والدي كان يمسك بخطام حماره في
الوادي ينتظرني. رميت الجونية على الأرض ، ثم تعاونا على حملها وأركباناها
ظهر الحمار.
قال أبي وهو يرتب من وضع الجواني : "يكفي ثلاثاً، الحمار لا يتحمل
ثقلاً زائداً". "ولكن الطريق طويل، ولا تزال سبع جوانٍ اخرى،
كما انك تدلل حمارك أزيد من اللازم". قلت له.
أمسك الخطام وقاده خلفه. كعادته لا يناقش كثيراً ولا يحب الثرثرة ،
كلمات قليلة يوصل فيها ما يريد ومن ثم يصمت، ليفعل ما يريد. مشيت خلفه
دون أن أفكر الدخول في نقاش أعرف نتائجه مسبقاً.
سنواته التي قضاها بين أركان هذه القرية يمخرها بقدميه الحافيتين مع
هذا الحمار، كانت كفيلة بأن يعرف كل شبر فيها، بكل ما يحويه هذا الشبر
من دقائق.
كان أحدهم قد اشترى عشر جوان من السماد، وكان علينا حملها اليه. لا
أدري لماذا أحس باحترام وتقدير تجاه حمارنا يختلف عن باقي احترامي
لحمير القرية الاخرى. صبور وهادئ الطباع ولا ينهق إلا نادراً، وإذا
نهق فعلى استحياء. نستخدمه كثيراً. ورغم حبي واحترامي له، إلا ان تدليل
والدي له يزعجني أحيانا، ورغم ذلك أجد مبرراً في انه الوسيلة الوحيدة
التي نكسب منها رزقنا.
الضفادع كانت تنقّ بصوت متواصل. "علينا ان ننهي عملنا سريعاً
. ستمطر . الضفادع تستجدي السماء". قال والدي ذلك وعينه لا تزال
على الأرض تتخير موضع قدمه.
رفعت رأسي عالياً ، لم تكن سوى سحابة وحيدة بعيدة ، تطل على استحياء.
تنتظر شمس الصباح كي تلتهمها.
يقال ان أحدهم أحضر كائنا غريباً في قرية بعيدة اسمه (موتر) يحمل أضعاف
ما يحمله الحمار، والغريب أنه لا يأكل أبداً. حينها دافعنا أنا ووالدي
عن أن هذا الكلام ليس سوى كذبة، فلا يوجد كائن يدعى بهذا الاسم. وإذا
وجد فإنه لا يستطيع تأدية العمل الذي يؤديه حمارنا. كما انه كيف لكائن
ان يستمر دون أن يأكل!!!!، ورحنا نسرد مناقبه.
ليس من السهل على والدي ان يتحدث كثيراً، ولكنه تحدث مطولاً تلك الليلة
وراح يحكي جميع المواقف التي واجهته مع حماره ، وكيف انهما تغلبا عليها.
اجتزنا (البويرد) ومشينا بمحاذاة (حصاة المندوس)* الرابضة على صدر
(جبل السودية). "لماذا لا نذهب الى تلك القرية كي نشاهد الـ(موتر)،
علنا نستطيع شراء هذا الكائن من صاحبه". قلت لوالدي ذلك بطريقة
تحمل من الحذر الكثير. "لا تكن طماعاً، وإلا فإن مصيرك في قلب
هذه الحصاة". أجاب وهو يشير اليها بيده.
حين وصلنا ، أنزلنا الحمولة، وعدنا مرة اخرى.. قرب الظهيرة كنا قد
أنجزنا المهمة كاملة.
بعد القيلولة عدنا للعمل. هذه المرة نملأ ثوج الحمار بالطين ونحمله
الى أعلى القرية حيث يبني أحدهم منزلاً جديداً.
قبيل الغروب كانت السحابة الصباحية قد تناسلت سحباً سوداء وبات ماؤها
يستأذنها النزول. وعند المغرب اخترق المطر مشيمة الغيوم فانسكبت قطراته
بغزارة. كنا قد احتمينا ببيتنا الطيني فيما ربطنا الحمار أسفل الغافة
المجاورة للوادي.
المطر الغزير لم يمنحنا نوماً هانئاً لذا صحونا سريعاً على قرع الباب،
حين فتحنا وجدنا جارنا مبتلاً من المطر ، سحب أبي من يده وقال له اتبعني
بسرعة، السيارة التي كذّبت وجودها دهست حمارك.
حين وصلنا وجدنا الحمار متكوما على الأرض وقد لفظ أنفاسه الأخيرة..
فيما اتكأ صاحب السيارة عليها وهو ينفث دخان غليونه في وجه المطر.
** (حصاة المندوس) هي حجر على شكل صندوق في جبل بولاية بدبد يقال انه
يفتح كل عشر سنوات مرة واحدة ويحوي في داخله ذهباً وجواهر، ولكن إذا
صادف ووجدته مفتوحاً ، فخذ منه مرة واحدة ولا تعد ، لأنك إذا عدت سيطبق
عليك حتى الموت.
أعلى
آكل مثلهم.. أتحاشى مثلهم
لم يكن من السهل تجاهله، كان المتغير الوحيد
في المكان، وهو يقعي في سكون غير مألوف ، وبكآبة واضحة، لم أعهدها
منه.
"أرباب ما في باراتا.. إسم: بوروتاااا، بوروتاااا.. ليش كله نفر
عماني كلام باراتا؟".. انتزعني صراخ النادل الآسيوي من شرودي
، بعد ان كنت قد طلبت أكلتي وسرحتُ متمعناً في قط المطعم.. المطعم
الذي ينزوي في ركن مظلم وبعيد من السوق. من الخارج تزينه مصابيح خضراء
ووردية وباحة تتناثر فيها الطاولات البلاستيكية البيضاء كفم تساقطت
بعض أسنانه.. من الداخل لوحات لآيات قرآنية وأدعية مأثورة ، وصور لأشخاص
ذوي لحى بيضاء، لا أعرفهم.. انزواؤه لا يجذب سوى الآسيويين. يتجمعون
بشكل كبير هنا.. رؤوس مدهونة بالزيت ومرتبة بعناية فائقة تفضحها الأصابع
الخشنة المحفورة بأخاديد محشوة بالسواد تشي بحجم الجهد المبذول في
النهار.
صراخ النادل كان له ما يبرره، وهو نطقي الخاطئ لصنف ذائع الصيت من
أصناف خبزهم التي جلبوها لنا من بلادهم. وعدم التفاتي اليه خلال الحديث.
وأعتقد بأن الثاني هو ما أثار حفيظته أكثر.
أجبته وعيني لا تزال على القط: "تمام، بوروتا.. ما في زعلان.
جيب واحد تاوه دجاج مع بوروتا". أصواتهم تتعالى ، جدال وضحكات
وروائح تبغ رخيصة مع رائحة الزيت المنبعثة من رؤوسهم.. موسقى آسيوية
لا تخطئها حتى أذن الذباب ـ والذي قد يأتي لسماعها أكثر من سعيه لمشاكسة
الزبائن ـ ودخان التاوه المتطاير من القدور يخنق كل فكرة لارتياد المعطم..
باستثنائهم ، لا يحبون السهر إلا في هذا المطعم.
دلف اثنان منهم إلى الباحة الخارجية متعانقين ويضحكان كأنهما لم يضحكا
من قبل في حياتهم.. بالأمس تعاركا عراكاً احتاج إلى أياد كثيرة كي
تفك أيديهما من رقاب بعض.. ياللغربة كيف تصنع العجائب!.
كل شيء يتحرك بجنون كالعادة، باستثناء القط الذي أقعى جانباً، لم يقترب
من الطاولات ولم يغرغر طلباً للطعام كعادته، كما أن صاحبته ليست موجودة
بجانبه. ربما تأخرت اليوم لأمر ما.. سألت النادل عن القطة. فأجاب بأنها
لم تأت اليوم ولا يعرف سبباً لتأخرها.. أخبرني بأنه جاء لوحده وظل
يموء دون انقطاع متحركاً من زاوية لأخرى قافزاً فوق حواجز الباحة الخارجية
وراكضاً بين برميل القمامة ورصيف الشارع.. كأنه يبحث عن شيء ما.
صرخة مدوية أوقفت كلامه.. تصافقت الأيدي انتصاراً بكسب جولة من لعبة
(الكيرم) تبادلوا الضحكات فيما بينهم وبدأت جولة جديدة.
"بعد أن أعياه البحث والمواء ، جلس مكانه ولم يتحرك". أكمل
النادل حديثه.
كان الطباخ في المطبخ الخارجي المسيج بالزجاج متعرقاً بشدة وهو يصارع
قدور التاوه.. معظمهم لا يطلب غيرها.. يأتون لأجلها فقط.. هناك نوعان
، نوع باللحم وآخر بالدجاج، والباقي كمية من البهار والفلفل تكفي لتآكل
جدار اسمنتي بأكمله وليس جدار المعدة فقط.. ورغم هذا لا يطلبون سواها..
حتى أنا لا أطلب سواها!.
أحدهم يشير لصاحبه بحركة من أصبعه يصعب كتابتها.. ليس بسبب محاذير
رقابية وانما لصعوبة ترجمتها في أحرف.. جرّب أن تكتب أنفاسك.. هل تستطيع؟.
هكذا هي الحركة التي قام بها.. حركة يبدو انهما اعتادا عليها كإشارة
سرية بينهما أثناء لعب (الكيرم).
القط لا يزال رابضا رغم محاولات البعض باستفزازه.. أحد الداخلين خاطبه
بلهجة ساخرة، ثم ركله بقدمه ركلة موجعة.. ماء (بصوت خفيض) ثم تحرك
خطوتين وأقعى ثانية.. في حركة تذكرني بعجوز ماركيز صاحب الأجنحة الضخمة
جدا.
بعد ان أحرق أحدهم طرف ذنبه بولاعة قفز الى الأعلى بقوة ، تحرك خطوتين
أخريين وأقعى مرة اخرى.. "نعم يبدو ان عجوز ماركيز بيننا اليوم".
قلت في نفسي.
جاء النادل بالتاوه التي طلبتها ، أشرت للقط بأن يأخذ منها ، وضعت
قطعة كبيرة على الأرض ، ولكنه لم يقترب.. يبدو أنه حزين لغيابها..
لا يبدو ، بل الأكيد انه كذلك.
صرخة اخرى اطلقها المتحلقون حول طاولة (الكيرم) ، ولكنها لم تكن صرخة
فوز هذه المرة، لقد تعارك اثنان منهما.. في كل ليلة لا بد من عراك
يزين السهرة. تراكض الجميع نحو الطاولة بدأوا يفكون أيدي المتعاركين
عن خناق بعضهما.
ساد الهرج المكان ، إلا ان القط لم يحرك ساكناً، كان واجما وسارحاً
بنظره الى البعيد . مرة استضافت احدى الحدائق العامة مجموعة من الحيوانات
البرية ، عليك أن تدفع لكي تشاهدها. ذهبت وأحد الاصدقاء الى هناك،
وعندما وصلنا الى قفص الأسد حاولنا استفزازه فلم ينهض.. ألصق صديقي
فمه في أذني وهمس يبدو انه (.....).
حين أنهيت طبقي كان القط لا يزال في سكونه. لم أر في حياتي قطين يتقاسمان
الطعام مثلهما.. كانت تقعي بجانبه ويقوم هو بالمهمة ، يدور حول الطاولات
المليئة بالطعام والتي يكون أصحابها قد طلبوا العشاء لتوهم.. يغرغر
باستجداء ويمسح بفروهِ على أقدامهم.. لا يتوقف عن فعل ذلك حتى يُرمى
اليه بشيء ما.. وما أن يُرمى حتى يركض نحوها متقاسماً الغنيمة.
حين ركبت سيارتي كنت قد نقدت المحاسب، بعد أن حاولت أنا الآخر استفزاز
القط دون فائدة.
على مقربة من المطعم كان قائدو المركبات يتحاشون أشلاء قط مدهوس في
وسط الشارع، وكنت أتحاشى ذلك مثلهم.
أعلى
ثـأر
صحونا جميعاً على صرخة مدوية مزقت هدوء الليل،
تراكضنا نحو مصدر الصرخة، كلٌ تسلّح بما قدّر له.. بعضهم حمل تفقه
في يده وعلّق محزم الرصاص على كتفه، وركض.. بعضهم استل سيفه وبعضهم
ركض بخنجره أو عصاه، وبعضهم الآخر ركض متخففاً من كل شيء حتى نعاله.
مثلي!.
حين وصلنا ، اكتشفنا أن شيخ القبيلة لقي مصرعه بطعنة غادرة من خنجر.
لم يكن هناك داع للتفكير في حل اللغز، فلقد رمينا التهمة مباشرة على
القبيلة المجاورة التي تربطنا بها عداوة قديمة جداً، لا يذكر تاريخ
بدايتها حتى كبار السن.
كان قد خرج من بيته عند منتصف الليل ، ليغتسل من الفلج، فبادره القاتل
الذي كمن له في الظلام ، قبل أن يصل الفلج ، فطعنه في مقتل.
حملناه.. وتجمعنا. بعضهم قال: لماذا خرج الى الفلج في هذا الوقت المتأخر؟.
اسألوا أهل بيته، فلا يجوز ان نغسله غسل الميت العادي إن كان جنباً.
فاعترض البعض أن غسل الميت يشمل الجنب وغيره. إلا ان البعض عارض ذلك
بشدة، وقال: هذا شهيد قبيلتنا ولا يحتاج الى غسل. فهو طاهر، جنباً
كان أو غيره، سندفنه هكذا.
تجمعنا في سبلة القرية بعد أن كنا قد دفنا الشيخ ، وقررنا الاجتماع
هناك. كان خَـلَفه الذي تم اختياره بسرعة كبيرة يشحذ الهمم ويغذي مسامعنا
باستنهاضة، في أن نسارع إلى رد الثأر قبل أن يبرد دم القتيل. بعدها
استقر الأمر على ثلاثة أنفار يؤدون المهمة، وكنت أنا أحدهم.
فكتبتُ هذه الأسطر قبل أن أخرج للثأر. على أمل إكمالها بعد العودة.
* ملاحظة: وجدت هذه الأسطر في بيت طيني قديم ومهجور وفي قرية منسية.
ولكن من وجدها يجزم بأن القصة مكتملة في الأساس، إلا ان جزءها الأخير
اختفى بفعل فاعل، لوضوح تمزيق الجزء الأسفل منها.
أعلى
ثنائية الظلام والنور في شعر الصقلاوي (2 ـ
2)
الانسحاب إلى فترات العصور الذهبية للأمة يشي
بدلالة الفـقـد والاغتراب في الفترة الحاضرة
ظهرت المرأة في الخطاب الشعري عند الصقلاوي معادلا للنور، أي أنها
شكـّلت أحد طرفي الثنائية
إن قضية الشهيد في تجربة الصقلاوي ظاهرة تستحق
الوقوف والتملي، ولا ينسى الشاعر أن يوظف التراث في هذه القضية، واستثمار
المعروف التراثي في الشعر الحديث ظاهرة إبداعية مشهورة، يصبّ فيها
الشاعر تجاربه وقضاياه، على الرغم من محدوديتها عند الصقلاوي، إلا
أنها تشكل منعطفا مهما في الكشف الشعري، وهذا ما نلاحظه في "حكايا
الماء" ، يقول :
ناديت َ في أمـية َ ، وفي صلاح الدين
صحت َ .. عـلّ يرجعُ الصدى
فلم تـجدْ إلا طوائـفا تـزاحـمت ْ
تـبوسُ كـفّ منْ يهدي الرّدى
.................
وفي جـدار كـلِّ مـُقـلـة ٍ زرعـْت َ
نـجمـة ً ، ووردة ً ، ومـوعدا
إن استحضار الرموز التاريخية "أمية، صلاح
الدين" في الخطاب الشعري يقدم دلالة على القيادة الفاعلة، وحين
يعاود النظر في الواقع الحقيقي تتبدّى له ضخامة المفارقة التي انساقت
إليها الأمة، فلم تبق في الأمة إلا صورة تبـعية مهزومة. إن الانسحاب
إلى فترات العصور الذهبية للأمة يشي بدلالة الفـقـد والاغتراب في الفترة
الحاضرة، فتلك الرموز التاريخية في الماضي، والتي تشي بدلالة التمسك
والثبات والاستقلالية، يقابلها رموز الطوائف، والتي تشي بدلالة الانهيار
والتغير والتبعية، مما يعني باختصار بروز ثنائية الحياة والموت، الحياة
المتمثلة في العزة والاستقلال، والموت المتمثل في الذلّ والاحتلال،
على الرغم من أن النور ما زال يحدو الأمة في الخلاص، ما دام أن الشهيد
يروي أرض الأمة بدمائه.
وفي قصيدة "إلى عبدالرحمن الداخل" يبرز هذا الانسحاب إلى
الماضي؛ لتـأزّم الحاضر، يقول :
يا راحلا من عمقنا لعمقنا
هـلا سألت َ اليوم عن أخبارنا
وعن شموخ الشمس في جباهنا
مشرّدون في بيوتنـا
محاصرون في انتظار فجرنا
...................
ويسرقون الكـُحْل من عيوننا
ويسملون النور في قلوبنا
فهل يسيل الضوءُ من أهدابنا؟
ولعل ألفاظ (الشمس، فجرنا، النور) والتي تبرز في المقاطع السابقة في
صورة غياب بسبب فعل الآخر تؤكد على الرغبة العارمة في حضورها، ليأتي
التساؤل أخيرا عن موعد النور المعادل للخلاص، ولعل هذه الرغبة تؤكد
فقد الثـقة في الواقع الحاضر المأزوم. ويوظف الصقلاوي في قصيدة أخرى
الرموز الدينية التاريخية، يقول في "أنين":
هل يمكن خالد أن يأتي، أو عمر يرمي
صاروخا ناسف
هل يمكن تشرق أقمار في ليل محبـّتنا
أترى يهمي غيث ٌ واكفْ
وفي قضية الشهيد نجد أن محاولة الشاعر رصد صور الشهادة والتضحيات التي
يقدمها الشهيد إنما هي في الواقع رصد طقوس جنائزية للعبور، العبور
الذي تحتاجه الأمة لاجتياز واقعها ولا يكون ذلك إلا بالدم المقدس الذي
يـُشعل الانتفاضة، فيبزغ النور الذي يــُخلق من موت الشهيد، يقول الصقلاوي
في قصيدة "نقش على تابوت الشهيد":
وأشـعله قـناديـلا ً
على صفحات أرماس ِ
لـيـبعث أحـرفـا ً
توارتْ خلف أكـداس ِ
وفي رحلة الشهيد الأبدية تـُضيء الدنيا بالنور للأجيال القادمة؛ ذلك
أن الشهيد لا يمارس طقس العبور إلا للآخرين، للوطن والأمة، لينعم الآخر
بالسلام، يقول الصقلاوي في قصيدة "مكابرون ":
وحين أعصبُ الجفون َ، أحبس الكلامْ
أستوطنُ الغيابَ ، أرتدي الفِصامْ
أفتحُ للصباح باب غرفتي ،
شـبـّاكها.. وزوجتي
تـنـْسج من خيوطه معاطفا لصبيتي
أوقـدُ من أصابعي مدائـن َ الوئـامْ
وأطعـمُ الأيـّامَ صـبْرَ والديّ ، تـوْقَ إخوتي
وأشـجبُ الظلامْ
أطـلُّ في عين النهار مثـقـلا بلا شفاه ْ
ولـعلـّي لا أخفي مدى إعجابي بالقصيدة السابقة التي تنحرف بالقارئ
إلى مسارات من التكشـّف الشعري في ضوء الواقع المعاصر. إن "حبس
الكلام" و"استيطان الغياب" و "وارتداء الفصام"
أفعالٌ تشكـّل على المستوى المعرفي عناصر شـَلـَل وجمود، فضلا عن أنها
تتصف بالقبح، لكنها على المستوى الواقعي المعاصر تشـكـّل عناصر انعتاق
وخلاص، تتصف بالجمال. وثــَمّة َ قضية ٌ مهمة ترتبط بثنائية الظلام
والنور وهي قضية الأنثى، إذ إن الأنثى لا تظهر في الخطاب الشعري عند
الصقلاوي جنسا أنثويا حقيقيا، وإنما تظهر رمزا، وهو أكثر ديمومة واستغراقا
للتشكلات التي يبحث عنها الشاعر في أعماقه الشعرية بما يتناسب وقضيته.
وتتنوع تلك التشكلات وتطفو على السطح في صور عدّة، لكنها تتجمع في
الداخل ليمارس عليها الشاعر طقس العبور النفسي، وهذه الممارسة هي بمثابة
مصالحة مع الذات، إذ إن المصالحة مع الذات رغبة ملحّة في الوقت الراهن؛
خشية َ الثبات، أي الجمود تحت وطأة الواقع المأزوم، ومن هنا ظهرت المرأة
في الخطاب الشعري عند الصقلاوي معادلا للنور، أي أنها شكـّلت أحد طرفي
الثنائية، ومن هنا أيضا كان استحواذ المرأة في الخطاب الشعري بشكل
لافت وانسحابه إليها هربـًا من الواقع. لقد مارس الشعر في تاريخه الطويل
هذا الطقس النفسي بانسحابه تجاه المرأة، إذ يجعلنا نقرر أن الشعر مرتبط
ٌ في أوجّ حالاته بها، بل إن هويته التاريخية والحضارية لا يمكن أن
نتصورها خالية ً من الأنثى، سواءً أكانت الأنثى حقيقة ً أم رمزا.
وتأمل معي في أبيات قصيدة "لماذا نحب" حتى نكتشف أيّ سرٍّ
للأنثى حتى تصبح مصدرا للنور عند الصقلاوي، يقول :
لماذا نفتش بين َ
الخمائل تحت الشجر
عن امرأة ٍ قد عشقـنا
الوصول إليها كثيرًا
بها الطهر ينثر نورا
بها النور والظلّ والفن ُّ
يرسم حبـّا كبيرا
...........
وتحملنا لهفة الشوق
والأمنيات إليها
.........
نـنـشد الشمس من مقلتيها
إن رؤية الشاعر في المرأة مصدرا للنور والإشراق، هي محاولة للمصالحة
مع الذات التي تشعر باختلال الواقع النفسي، وتساؤله الاستغرابي يؤكد
دلالة الاغتراب والفـقـد الجماعي، إن البحث عن النور يأتي من خلال
المرأة مصدر الخصب والأمان. فالمرأة تحوّل الظلام إلى نور وتقلب مفاهيم
الواقع المأزوم، يقول في قصيدة "لو كنت معي":
لو كنت معي يا فتنة من زمن ٍ
لتحول كل الأصفر أخضر
ولصارت خارطة الأيام لها معنى أكبرْ
ولأضحى الشوك بقلبي زهرا فوّاحًـا
والليل بدا حلما عبقـًا
والصبح غدا أنـضرْ
وحين يعتـم الواقع يهرب الشاعر بذاته إلى المرأة، رمز الأمان والمصالحة
مع الذات، إن المرأة تمـثـّل المرسى الجميل الذي يضع فيه الشاعر بضائعه
المحمـّلة بالحزن والآلام والمآسي، يقول:
أجيئك ِ من دخان الحزن ِ
منـتـفـضا على الحـد ِّ
لأفتحَ بالضياء مدائن َ
الإظلام ِ والطـرْد ِ
لأنـك ِ دفـقـة ُ الأنهار ِ
نحوَ مراشف ِ الصبح ِ
.....
لعلّ مدامعَ الأيام
تبسمُ من سنا جرحي
لأنك ِ فرقدُ التاريخ ِ
يلمعُ في دجى الزمن ِ
وفجرُ طهارة ٍ ينداحُ
فوق تكاثف الزمن ِ
أجيئك ِ زاحفـًا فوق َ
اللــّظى ، والقهر ِ ، والمـِحن ِ
لأنشرَ طاقة َ التوحيد ِ
رغـمَ تراكم ِ الفتن ِ
يفتح الشاعر طاقة الذاكرة ويستحضر أمجاد أمته في الفتح والطهارة والتوحيد.
إن ( الضياء، دفقة الأنهار، الصبح، تبسّم، الفرقد، يلمع، الفجر)، هي
ألفاظ استدعائية في النص تشي ببارقة أمل في الانتفاضة على (دخان الحزن،
الحدّ، الإظلام، الطّرد، مدامع الأيام ،دجى الزمن، العفن، اللظى، القهر،
المحن) على الرغم من تكثيف ألفاظ الظلام، مما يعني جثوم الواقع المرير
على صدره، حتى تغدو الأنثى مساحة صالحة لرسم آمال الذات وتطلعاتها،
ينسحب إليها الشاعر لحظة الاغتراب والفقد الذاتي .
إن الشاعر يعاني، وهذه المعاناة تكمن في الصدام القائم بين ما هو ذاتي
وما هو واقعي. الواقع الذي يعكس خنوع الأمة وضعفها، وذاته التي ترفض
كل ذلك وتتطلع للحرية والخلاص. ولذا حين نجد خطابه الشعري مع المرأة
يشكـّل مساحة للمصالحة النفسية، فهذا يعني أن المرأة ارتفعت عنده نموذجا
من نماذج الجمال المجرد، فالمسألة مسألة روحية بحتة وليست مسألة حسية.
فالذات موقفها من الواقع موقف نفور، والواقع يولـّد في الذات الشعور
بالاغتراب، أما الجمال المجرّد (المرأة) فالذات تسعى وتميل إليه، والجمال
يولـّد في الذات النشوة والشعور بالأمان.
المرأة ....... الشاعر ..................الواقع
انسجام نفور
ونجد في قصيدته "كبرياء" هذه الثنائية الملحّـة التي تخيـّم
عليها، حتى في مخاطبة الأنثى، ومحاولة إخفاء الواقع المرير. تــُظهر
تلك الثنائية أن الخطاب ليس موجّها لأنثى حقيقية وإنما لأمـّة تتطلع
للقاء النور والحرية، يقول :
ما أنت ِ إلا دفـقـة
الألـق ِ العزيز ِ إذا عتبت ِ
.........
وبراءة الصبح ِ النضير ِ
تشعُّ في زمن ٍ مُـشـِت ِّ
زمنٌ به يتضوّرُ
الإنسان ُ من قهر ٍ ومقـْت ِ
على أن الليل يظلّ القيد الأبدي الذي يرغب الشاعر في كسره، فتتحول
الأنثى إلى وطنه الجميل الذي ينسحب إليه في زحمة الأزمات، يقول في
قصيدة "حبّـك ِ موسم النعمى"
وطـُلـّي في سدى عمري
صباحا يجتلي مـِحـَني
.........
فأنت ِ العـُودُ والمنفى
وأنت ِ الطـُّهرُ يا وطني
فـحبـُّـك موسمُ النـّعمى
وبُـعـْدُك ِ موسمُ الحـَزَن ِ
لكن ّ هذا لا ينفي الواقع الذاتي المرير بل يؤكده؛ لأن الواقع ما زالت
تـُنغـصّـه حالات القهر والمحن، وما زال الليل في شعر الصقلاوي هو
المعادل الموضوعي لهذا الواقع المرير، وتظلّ الذات تعاني أوجاعه ومآسيه،
ولو نظرت َ إلى المقطع الآتي في قصيدته "بـقـايـا":
حياتي جحيم، وصبحي ظلام
وليلي طويل، وكـلـّي أنيـن
ستدرك أن تلك التقسيمات الغنائية المليئة بالأحزان والشجون، ما هي
إلا استحواذ حالة القهر والحزن على الذات الشاعرة، من خلال مقاطع المـدّ
في (جحيـم، ظـلام، طويـل، أنيـن). لقد وظـّف الصقلاوي ثنائية الظلام
والنور بدلالاتها توظيفا أبـان قلق الذات وتقـلـّـباتها وهواجسها؛
ليرصد الواقع النفسي تجـاه أمـّته وقضاياها .
د. حمود الدغيشي*
أعلى
للصورة بعدان
جمعية المسرحيين العمانيين...
كان في اجتماع أعضاء جمعية المسرحيين العمانيين
ـ قيد التأسيس والإعلان ـ لمناقشة اللائحة التنظيمية للجمعية بحضور
المهتمين وعلى رأسهم الدكتور عبد الكريم جواد والفنان عبد الغفور أحمد
والفنانان طالب محمد ومحسن بن علي البلوشي، وكلهم من جيل الرواد، له
إجابيته الكبيرة. لا يمكننا أن نُخفي دهشتنا عن أسباب تأخر تأسيس جمعية
المسرحيين إلى اليوم، وأول نشاط فني في عمان كان للمسرح؟ من الغرابة
حقا أن يخرج الفنانون من مدرسة المسرح ويُعلنوا انضمامهم لجمعيات أخرى
كالسينما والصحافة قبل جمعية المسرحيين! سأفترض أن الإداريين هم أدرى
من الفنانين وعندهم الجواب الأكيد. لقد حاول المسرحيون من الشباب وهم
أعضاء الإدارة المؤقتة، لن أذكرهم حتى لا أنسى أحدهم، أن يبعثوا روحا
جديدة في مداولة الكلام عن المسرح بعيدا عن الموسمية الضاغطة في استهلاكيتها،
فنحن في أشد الحاجة للكلام اليومي عن المسرح وعن المنصّة وعن النصّ
المسرحي، وعن الممثل وعن المخرج وعن السينوغرافيا، لتعويض ما أفسده
العطّار والدهر معا!
يبدو أنّه سيكون على الجمعية مسؤولية كبيرة، وهذا شأن كل الآمال العظيمة،
أن تبدأ كبيرة ولا تذوي أبدا. فعدد المسرحيين المنتشرين في أنحاء السلطنة
لا يمكن التقليل منه، كما أن الفرق المتحققة وغيرها، أمر سيؤخذ بالحسبان
الكلام عنه بعد ترتيب شؤون البيت الداخلي للجمعية، وحتى ذلك الحين،
موعد إعلان تدشين جمعية المسرحيين العمانيين، على النشاط المسرحي أن
لا يتوقف، أن يُعاد تقديم بعض العروض المسرحية الجيدة، وأن تنظم الفعاليات
الثقافية المعنية بالمسرح، وأن يلتقي المسرحيون بعيدا عن الشللية،
وأن يتم خلق فعاليات أو مناسبات على مدار السنة، لأن الكلام عن الجمعية
قبل التدشين الرسمي لها، هو من نوع السباحة في بحر ميت! أيها المسرحيون
دمتم بمحبة وعافية...
... وعرضان مسرحيان
وعلى هامش المسرح ثانية، احتفلت الجمعية العمانية
للكتّاب والأدباء بيوم المسرح العالمي وقدم في المدخل الرئيسي لساحة
الجمعية العمانية للفنون التشكيلية عرضان مسرحيان. اشترك في تقديم
العرض الأول الذي كان بعنوان (اللوحة) وقدمته فرقة (الفن الحديث) الفنانون
جلال اللواتي، قاسم الريامي، ووضع المؤثر الموسيقى للعرض مصطفى العلوي.
بينما اشترك في تقديم العرض الثاني (نخوة بدو) من فرقة (الرستاق المسرحية
الأهلية) الفنانون محمد المعمري، خالد الضوياني، وعازف العود خليفان
حبيب.
لا بد أن نسجل قبل كل شيء شكرنا وتقديرنا لما قدمه الشباب السالف ذكرهم،
في سرعة استجابتهم للمشاركة والتزامهم الأدبي لتقديم فعاليتهم، بعد
سلسلة من الاعتذارات وبعض الخيبات الكبيرة التي صاحبتنا كفريق عمل
حتى تقام هذه الفعالية وتخرج إلى الضياء.
وسؤالي الشخصي جدا الذي أفرضه على نفسي: هل نجحت الفعالية؟ وسؤالي
غير الشخصي الذي فرضه الفنانون المشاركون في الفعالية على أنفسهم:
هل ما قُدم وشاهده الجمهور هو فن البانتومايم؟
حسنا من أين أبدأ؟! سأدعيِّ أن الفعالية قد نجحت في شيء واضح، هو خروجها
بالعرض المسرحي للشارع وللساحات. هذا لا يعني أن الفشل كان نصيبنا!
لقد ضاق بنا الخناق من شكل المنصة الثابتة، ووظيفتها التي يَصر المخرجون
المسرحيون على احترامها وتقديسها وهي أبعد ما تكون عن الاحترام والتقديس!
ينطلق فهمي للمنصة من كونها فضاء يُنتج علامات بين الدال والمدلول،
فالمنصة عليها أن تكون عارية وتبقى كذلك منذ مبتدأ العرض حتى منتهاه،
أقول منذ مبتدأ العرض وليس النص. وقد لا يوافقني الكثيرون في هذا الطرح،
وهذا شأنهم الذي أقدره وأحترمه، لكنني لا أقدسه.
كان لفعالية فن البانتومايم أن تسعى لتحقيق هذا الطموح الفاجر حتى
التطرّف، وهو أن يخرج الممثل بجسده ومخزونه الثقافي ووعيه القصي بالانتشاء
إلى جمهور الشارع. كان تجريب التجربة مطلوبا ومشروعا بالنسبة للمسرحيين.
ليتنا استطعنا أن نقدم الفعالية في الشوارع كلها، وفي المقاهي وفي
ساحات المساجد والكنائس والمؤسسات! ولا أظن أن الطموح كان سيقف عند
ذلك هذا الحدّ من الفضاء في المطلق! علينا الانتباه؛ المطلق لا حدود
له.!!
كنا نأمل أن نقدم عروضا كثيرة، فالشباب كان الحماس يجرفهم نحو المسرح
بلا هوادة، وكانت لأسئلتهم قبيل الفعالية عن العروض، وتخوفهم من تقديم
عروض تنتمي للفن الصامت لا التعبير الجسدي الحركي شاغلهم الأكبر. وهم
من خوفهم محقون، لأن التفريق بين الفن الصامت والتعبير الحركي كالفرق
بين الغضب واللامعقول، وهذه استعارة أعجبتني من قراءة عن المسرحيِّ
"هارلود بنتر" بعنوان (بنتر واللامعقول). يذهب (جون ويليت)
في ترجمته لـ(محاورات مسنكاوفت) عام 1965م إلى أن التفريق بين الغضب
واللامعقول، كالتفريق بين (بريخت وإيونيسكو) حين لخصه (كينيث تاينن)
بقوله: "عندما يقول إيونيسكو إن الشقاوة دائمة يقول بريخت إن
بعض الشقاوة يمكن علاجها، وبعد أن يتم علاجها عند ذلك يوجد متسع للنظر
نحو أنواع الشقاء الشاملة" .
لا شك أنكم بدأتم تضجون من كثرة الأسماء والمقتبسات مثلي. حسنا لننتقل
إلى فعالية مسرحنا. يبدو التفريق بين الفن الصامت والتعبير الجسدي
ليس بعيدا بقدر العمق الذهني الذي يفصلهما. لست معنية هنا بتقديم تعريفات
فنية، بل أتحرك ضمن الإحساس فقط. ففي الفن الصامت يعتمد الممثل على
لغة الصمت والإشارة، وكذا التعبير بواسطة الجسد، والعمق الفاصل بينهما
يكمن في لغة التكثيف فحسب؛ فكيف يُكثف الممثل مقولة الوجود بعقمه والحب
بحالاته في وقت قصير جدا من الزمن وفي حركة تعبيرية مبالغ فيها؟ علينا
أن ننتبه أن الحركة التعبيرية هنا لا تخلو من مبالغة وتسلية في الوقت
نفسه؟ هل قرأ أحدا منكم مسرحية الكراسي؟ لا أشك في ذلك أبدا. إنها
من أجمل المسرحيات التي كتبها (يوجين إيونيسكو) عام 1952م لتلخيص أزمة
الوضع البشري في أسلوب يبعث على منتهى العبثية والضحك ضمن إثارة سؤال
كهذا: من يستطيع تلخيص الحياة في جملة؟ أو سؤال أكثر عبثية: أيها القارئ
هل تؤمن بالجنة؟
جدلا لا يُمكنني القول إن مسرحية (الكراسي) هي من نوع الفن الصامت
أو التعبير الجسدي. إنها تنتمي لفن اللامعقول. لكن ما يجعلها قريبة
من الفن الصامت هو قرب الشخصيات في حوارها إلى لغة الصمت الداخلي الذي
نُحسه بعد نطق الكلام. الكلمات على أهميتها في النص تعادل الهمهمات
في الفن الصامت والتعبير الجسدي، وإذا أمعنا النظر وأطلنا التأمل نستنتج
أيضا أن الكلمات والهمهمات غير مهمة في لحظة تجلي التعبير بواسطة الجسد،
والمهم هو المحاكاة والإشارات فحسب. حين يتداخل السؤالان الشخصي وغير
الشخصي لتقديم قراءة يطمحان لها، من الأهمية أن نُسرع فعليا إلى المزيد
من اللقاءات والندوات، لنقف على ما هو لنا وما ينبغي علينا فعله، لكي
لا نستمر في لعن الظلام.. ودمتم سالمين مرة ثانية.
آمنة الربيع
أعلى
الدول التي لها فنانون وتعيش بدون فن
الفن بأنواعه يغير الواقع، لكن التغيير لا يحدث
مباشرة، بل يتطلب مرحلة زمنية طويلة تختمر فيها الأفكار
في مجتمعنا العربي نجد تأثير الفن لا يتجاوز النخب المثقفة والمهتمة
بمتابعة التطورات الفنية
الدول المتخلفة هي التي لها فنانوها وتعيش بدون
فن، فالفنون ليست للمتعة فقط أو لإنتاج صور، بل لأداء وظائف متعددة
في الحياة تهدف إلي التواصل بين البشر، ويحمل من بين إنتاجاته التشكيلية
رسائل فنية وجمالية ووظيفية، ويوضع من خلالها رؤى مستقبلية للحياة
وحلولاً مبتكرة وإبداعية للمشكلات المختلفة، باعتبارها اللغة العالمية
الوحيدة التي يمكن أن تتحاور من خلالها مختلف الشعوب والثقافات إذ
يسهم في رسم ملامح من واقعها وحياتها بطريقه تصور تجاربها وثقافتها
وتبرز في الوقت ذاته قدراتها الفنية والإبداعية التي تتجسد من خلال
أنامل محترفيها وفنانيها. وأصبحت الميزة النسبية لأي دولة في العصر
الحديث هي الفنون التشكيلية، والتراكم والرصيد المعرفي كأحد نواتج
الفكر الإنساني والبشري، والذي يعتبر الفن أحد مصادره. حيث سأل الفيلسوف
"كانت" كيف تحكم على مدى تقدم شعب ما؟ فأجاب لا يمكن للفن
أن ينهض بشعب ما لم يكن الشعب قد اخذ بيد نهضته، أي انه يجب أن يتوفر
شرط أن يكون لدى الشعب نفسه الرغبة في أن ينهض، وهنا يتقدم الفن ليساعد
هذه النهضة.
ولا شك أن الفن بأنواعه يغير الواقع ، لكن التغيير لا يحدث مباشرة،
بل يتطلب مرحلة زمنية طويلة تختمر فيها الأفكار، وتنضج التغيرات، فالفن
كان ومازال يهذب الإنسان، ويغني شخصيته، ويطور إحساسه الإنساني، وهو
حالة مشاركة إنسانية وحضارية، حيث إن البشر متشابهون مهما اختلفت بيئتهم،
وهذا ما يجعلنا نتذوق الفن في كل عصوره وبلدانه، فنحن نقرأ بلزاك وفلوبير
وشكسبير وآرثر ميلر وفوكنر الخ، ونستمتع بالأعمال الفنية لليوناردو
دافنشي، وبيكاسو، ونسمع موسيقا بيتهوفن وكورساكوف وديبوسي ونتذوقها
رغم أن هذه الأعمال تعبر عن بيئات تختلف عنا لكنها تلامس جوهر الإنسان،
وهي تهذب نفوسنا وطباعنا، وتفتح لنا آفاقا جديدة، وهنا يبرز دور الفن
العظيم في التعبير عن الإنسان ومشاعره العميقة، وفتح آفاق جديدة أمامه
وتطوير سلوكه كي ينتقل من مرحلة الهمجية إلى الحضارة، وهكذا يتغير
المجتمع إلى الأفضل .
وفي معظم المجتمعات القديمة الكبري كان الإنسان تعرف هويته من خلال
الأشكال الفنية التعبيرية التي تدل عليه كما في نماذج ملابسه وطرزها
و زخرفة الجسم وتزيينه وعادات الرقص. وفي المجتمعات الصغيرة كانت الفنون
تعبر عن حياتها أو ثقافتها. ومعظم الدول المتقدمة لديها قناعة بأن
الحياة المعاصرة والمتحضرة لا يمكن أن تبقى أو تستمر دون وجود فئة
من المبدعين. ومن أجل ذلك تحرص كل الحرص إلى استغلال الطاقات الكامنة
لدى أبنائها وخاصة في مجال الفن.
والإنسان بطبيعته فضولي يحب الاكتشاف، فالمعرفة والفن يتيحان له اكتشاف
عوالم أخرى تختلف عن عالمه المحدود وتغنيه، وحين يكون مبدعاً في مجال
ما يبتكر عوالم أخرى من خلال الأداة الفنية التي يعبر بها، فالشاعر
يخلق عوالم شعرية جديدة وصوراً جديدة من خلال اللغة التي تمكنه من
إعادة اكتشاف العالم برؤيا الفنان والتعبير عن هذه الرؤيا، والرسام
يعبر عن عوالم جديدة من خلال فرشاته وألوانه، والموسيقي يخلق أجواء
مختلفة من خلال السلم الموسيقي، والروائي يعيد بناء الواقع بطريقته
الخاصة، وضمن وشائج جديدة، تنهل من الواقع، وتعبر عنه بالطريقة الفنية
التي يختارها الكاتب، والكاتب الدرامي يبتكر شخصيات مختلفة تعبر بحوارياتها،
ومشاهدها الدرامية عن صراع الإنسان مع الإنسان ومع الواقع، هذه المشاهد
تظهر في السينما أوفي المسرح لتتفاعل مع المشاهدين الذين يتمثلونها
ويتأثرون بها.
وحين يكون الإنسان متذوقاً للفن يشعر أن الفن يجعله يندمج مع الواقع،
ويتعرف على تجارب الآخرين، ويتمثلها، ويتخيل نفسه أحد أبطال رواية
أو مسرحية، أو فيلم، وهذا يجعله يحس بأن لحياته معنى، وأنه يعيش حيوات
كثيرة تضفي على عالمه المعنى، أو يستمتع بمراقبة شخصيات أخرى وتحليلها
وتركيبها حتى لو لم يتمثلها، ويرضي إحساسه الجمالي برؤية اللوحات الفنية
والتماثيل، ويريح أعصابه، ويشعر بحالة من النشوة الروحية بسماع الموسيقا،
أو يستمتع بإيقاع اللغة، أو الصور الفنية الجديدة في الشعر، وهكذا
..
تختلف الآراء حول دور الفن في تغيير الواقع، وفي التطور الاجتماعي،
فبينما نجد البعض يعطونه دورا أساسيا وهاما، يقلل البعض من قيمته،
ويجعلونه محصوراً بنخبة معينة هي التي تهتم بالفن وتتابعه. إن الفن
يعبر عن الواقع ويعكسه، ولا يمكنه أن يكون حياديا، حتى لو تبع نظرية
الفن للفن، فهذا بحد ذاته موقف واضح. قد يكون الفن تبريرياً يحافظ
على القيم الموجودة والمتوارثة حتى لو كانت خاطئة، أوغيرعادلة، أو
يطرح الواقع كما هو دون أي رؤيا للتغيير، أوقد يطمح للتغيير، وخلق
وعي جديد، وثقافة جديدة. فقد يقوم الفن بدور وتأثير اكثر مما تعطيه
آلاف المحاضرات أو الدروس، قد تؤثر على شعب لوحه كاريكاتيريه اكثر
من إعطائه آلاف الدروس والمحاضرات.
فالفن يوضح العلاقات الاجتماعية المتشابكة، ويطمح من خلال تصويره لمتناقضات
المجتمع إلى التغلب عليها للبحث عن مجتمع أفضل، وأي عمل إبداعي حصيلة
تأثر وتأثير، ينطلق من الواقع ليؤثر في الواقع، وينشأ من التجاذب والتنابذ
بين المبدع وبيئته، ويتطلب ثقافة كبيرة من المبدع ووعيا عميقا كي يستطيع
التقاط جوهر ما يدور حوله لتشكيل رؤيته الإبداعية، ويحقق الكشف والسبق
في ارتياد عوالم مجهولة، وفي استشراف المستقبل، وفهم أعماق الإنسان،
والقوانين المعقدة التي تؤثر في المجتمعات وتغيرها.
وفي مجتمعنا العربي نجد تأثير الفن لا يتجاوز النخب المثقفة والمهتمة
بمتابعة التطورات الفنية، فرغم تراجع الأمية لا نزال نعاني من الأمية
الثقافية، فمعظم المتعلمين يكتفون بما تلقوه من تعليم رسمي، ولا يتابعون
الفن بأشكاله ولا يطورون ثقافتهم، ومعظم الناس يتابعون الأغاني والأفلام
والمسلسلات التلفزيونية، وقسم كبير منها يفتقر إلى الفن الحقيقي مما
يؤثر بشكل سلبي على ذوق الناس، ويجعلهم يعيشون حياة استهلاكية تافهة
تفتقر إلى مقومات الحضارة والتطور، وبذلك فإن ثقافة أي مجتمع من هذا
النوع وتوجهاته نحو (الثقافات الاستهلاكية) يجعلنا نعيش في عالمنا
العربي تدهوراً بصرياً وثقافياً وجمالياً على كل المستويات، وهنا تبرز
ضرورة الارتقاء بالفنون المرئية كي تأخذ دورها الحقيقي في تطوير المجتمع
والإنسان العربي، حتى لا نستمر بدون فن، كما لابد أن نحاول أن نصنع
متلقي مثقف، وأن نساهم في تطوير ثقافة المتلقي ووعيه الجمالي. القذارة
في الشارع، والأسواق ، والشواطئ وفي الملبس، والبيت من علامات غياب
الوعي الجمالي، وليس الصحي والحضاري فقط .
د. فخرية اليحيائي *
* فنانة وناقدة تشكيلية عمانية
أعلى
أيام في عاصمة الثلج.. والقوة (1-4)
موسكو..
إغراء المتخيّل وفتنة المختلف
تتفنن المدن في إغوائي، كل واحدة هي أنثى
الأشجار الحزينة تنفض عنها الثلج لتنتظر الربيع بحلم الأخضرار
الرأسمالية تسير بوجوهها المتلونة فوق ما تبقى من شيوعية لينين
تأتينا المدن على غير موعد..
هل يحتاج العشق دوما إلى مواعيد؟!
هكذا أغرتني المدن بعشقها، وكأنها الأنثى المستحيلة، تكون المدينة
حاضرة كأنها الأنثى، تكون الأنثى متوهجة لتبدو مدينة من الأحلام..
كأن في كل زاوية من شراييني تسكن مدينة، تتفنن المدن في إغوائي، كل
واحدة هي أنثى، وعلينا أن نحدد موقفنا مسبقا فيما إذا أردنا الوقوع
في الغرام أم نتعفف، لكن ليست كل النساء نستطيع معهن ممارسة غض النظر،
كما أن هناك مدنا لا يمكنك إلا التورط في محبتها، سواء أكان قلبك على
موعد مع فاتنته، أم أن المدن تنتظر القلوب لتسكنها، وعلى المسافر أن
يتأكد من بوصلة قلبه قبل أن تتأكد موظفة المطار من صلاحية تأشيرة إقامته.
لا أدري ما الذي جعل موسكو إحدى المدن التي أدرجتها على خارطة أحلامي،
وهي النائية عني بجغرافيتها وبأفكارها..
ولا أدرى أي حلم هذا الذي ساقني إليها على غير موعد، ألم أقل أن المدن
لا تحتاج إلى مواعيد، كما هو حال العشق دوما، يكون بالسمع أحيانا،
فالأذن تعشق - كما قال شاعرنا القديم - قبل العين أحيانا، هكذا حزمت
حقيبتي نحو موسكو، أحسست أنها عاشقة تنتظر.. هكذا يخيل لي كلما أقول
مدينة أراها لأول مرة.. وأنها أنثى يثقل كاهلها البرد.. هكذا أدعي
حينما يتوهج حنيني لضفة أخرى أيمم نحوها شطر الفؤاد..
وضعت كل ملابسي الثقيلة في حقيبة السفر، لممتها على عجلة من أمري،
وهي التي حسبتني في غنى عنها، تخيلت أنني سأندس فيها حالما ستحاصرني
المدينة ببردها.. حين يكون الدفء بيننا نكون أكثر اقترابا من بعضنا..
حينما أقول موسكو أشعر بالبرد، رغم أن مسقط كانت ترفع ترمومتر درجة
الحرارة مقتربا من الثلاثين درجة مئوية.. كأنه الثلج يتساقط ندفا بيضاء
فوق أخيلتي، البياض الذي أغرتنا بلعبته الشاشة، صغيرة كانت أم كبيرة.
المدينة ترتدي قبعتها العسكرية
كانت موسكو حاضرة بثلوجها رغم حرائق السياسة..
أراه من مكمن ما داخلي الميدان الأحمر وقد زعقت فوق أحجاره أقدام العساكر
تتابعهم عروش وممالك حول العالم تخشى من غضبة الدب إن كشّر عن أنيابه.
.. بريجنيف يخطب في الجموع الحاضرة تحت البرد القارس، يطلق رصاص كلماته،
فتتلقف الدنيا صداها لتصيغ منها تحليلاتها وتوقعاتها.
..العواصف الثلجية التي تهبّ على فقراء تشيخوف وقد أنهكهم الجوع وموت
الأحلام على الأرصفة المتجلّدة في ليل كأن لا آخر له.. وفي عطر الكلمات
يضوي من قصائد بوشكين.
.. نابليون وقد قتل جنوده البرد والجوع، فضاع من يده حلم بناء امبراطورية
يخلدها التاريخ.. ويخلده، هكذا تيبست مفاصل الحلم الهتلري، وغرزت أنياب
الدبابات في البياض المتجمد، هكذا يغدو الثلج حارسا أمينا للمدينة،
يمنع عنها الغزاة والحالمين، ويتيح لها فرصة أن تحلم بغزو الحالمين
من حولها، فالحياة إما حلم تسعى رصاصة لتغتاله، أو أنه رصاصة تجبن
أن تغتال حلما..
أشياء لا تحصى تتداعى على الجالس فوق مقعد طائرة يتخيّل، يواتيه الواقع
بعد أن رسمه "ماكيتات" أولى طوال عقود حياته الماضية.
موسكو، يعرفها ولا يعرفها..
رآها في صور السياسة أكثر مما ينبغي.. وفي صور الإيديولوجيات المتصارعة،
سقط الصرح العظيم الذي كان يهز العالم، تناثر كتمثال زجاجي بالغ الضخامة،
فرح من فرح، وبكى من بكى، حين رأى العالم كفة الميزان تتهاوى، هكذا،
كأن ما حدث جزء من دراما هزلية ساخرة، لم يكن سقوط دولة وتفتتها، بل
هناك أفكار وقيم وتنظيرات ونتائج وعشرات المفردات التي كان على العالم
متابعتها ليفهم ما حدث.. ليستوعب، يجدد تحالفاته، يعيد ترتيب أفكاره،
وينظر للكفة الباقية من الميزان.. وقد بقيت وحدها برمزية سريالية عصية
على الفهم.
رآها تلك المدينة في حزام التاريخ.. يمر القياصرة أمام عينيه بغتة،
ويرفع لينين قبعته، ويتمختر ستالين خيلاء، ويمضي جورباتشوف رافعا علم
الجلاسنوست والبيروستريكا، وفي يد يلتسين نخب روسيا جديدة كوارثة شرعية
لأمجاد الامبراطورية السوفيتية.. وعلى يد بوتين بدأ الحلم أن تكون
دولة جديدة تحمل اسم روسيا.
رآها القوة الكفيلة ببقاء كفة الميزان دون خلل، حين تصاب عاصمة نصف
العالم بالزكام يعطس نصف الكرة الأرضية، تراكض القطبان نحو القمر،
فيما انشغلت شعوب الأرض بالحفاظ على مكانها في كفة الميزان الذي تحسب
عليه..
رآها في سباق الأسلحة المثير، حين يتسرب خبر من موسكو يغادر النوم
ربابنة العالم، ويصاب ساكنو البيت الأبيض بصداع القلق، يرتدي نصف العالم
سترة النجاة، ويرتدي نصفه الآخر خوذة الحرب.
رآها في قصص التاريخ القريب، حين تريد براج أن تتشاقى بعيدا عن القبعة
الحمراء يِأتيها الرد حارقا، وعشرات الآلاف تدوسهم وتطحنهم الدبابات
السوفيتية التي لا تقبل سوى الطاعة، لا شيء سواها، إما طاعتي وطعامي،
وإما عصياني وناري.
رآها في ألف مشهد ومشهد، جميعها تهب على الذاكرة كالريح الباردة التي
يخشاها إن وضع قدميه في مطار موسكو، واستقبلته المدينة بذات الغربة
الساكنة فيه..
أشجار حزينة تنفض عنها الثلج
.. وحين أنزلت الطائرة أقدامها الدائرية كانت المدينة تلوّح بأيد باردة
من خلف الأفق الممتد بلا نهاية، الغابات القريبة من المطار تقف بأشجار
شبه عارية فوق سطح أبيض، بدا للمسافر أنها أفرشة من الملح الأبيض نثرت
بيد متمهلة، أيكون الثلج هكذا؟ تلك هي فتنة المختلف، فتنة التخيّل..
وروعة الاكتشاف، ما تراه العين للمرة الأولى.. ما يحسه القلب في اللقاء
الأولى!
المضيفة تقول إن درجة الحرارة اثنتان، تتبادل العجوزان القريبتان من
مقعدي إشارة من أصابعهما المتغضنة بذات الرقم، شعرت بدفء، قلت في نفسي
أن ذلك أفضل من كلمة تحت الصفر، وقد شاهدت الثلج يفترش الأرض في الربيع.
موظفة المطار تبحث في جواز سفري عن شيء ما لم تخبرني عنه، كانت تتحدث
مع نفسها بكلمات لا تفهم من وراء الزجاج الحاجز، تثيرها التأشيرة التي
لم يلصق طرفها الأخير جيدا، وعلي، مسؤول العلاقات بالسفارة العمانية
بموسكو ينتظر على مقربة يشير على المسافر أن يصبر عليها، وددت القول
إن لا مفر من الصبر، هالة القوة أكاد ألمحها حتى في نساء هذه العاصمة
القوية، عاصمة بوتين والذراع الملوّحة بالقوّة ضد القطب الواحد وبقية
الأفلاك في المجرّة الأوروبية، تترصدني منظومة الصواريخ العابرة للقارات..
وللقلوب.
صافحت بوجهي فضاء المدينة..
للمرة الأولى أقابلها وجها لوجه..
أكرر، كل مدينة هي أنثى أقابلها للمرة الأولى، على جبيني ذات القلق،
والرغبة في حجز الزمن بين العين والعين كي لا يمر.. شوارع وشوارع،
عبرناها وانحرفنا عنها، سيارات في جدّتها دالّة على مستوى المكان،
لا يوجد زحام خانق في ذلك المساء، ربما يكون في أوقات أخرى لم أهتد
إليها بعد، إشارات مرور تتلوّن في ليل موسكو، نهرها الجميل يسير عازفا
لحنه الأثير تحت أضواء المدينة وصخب شوارعها، يمضي الماء غير عابئ
بتغيّر مسارات التاريخ من حوله، يعبر في ساقيته الضخمة، ولا يهمه من
يسير على ضفتيه، أو أن يعبر تحت جسر أو فوق نفق، يقال أنه يغير لونه
إلى الأبيض في الشتاء، يجمّد نحو 30 سم من قشرته العليا مفسحا لمياهه
أن تمر دون أعين البشر.
بناية رائعة أسأل عنها فتأتيني الإجابة أنها ضمن خمسة أبنية فخمة أمر
بها ستالين مستفيدا من الأسرى الألمان، وفي ظنه لماذا يطعمهم وبإمكانه
الاستفادة من وجودهم؟!
يتحدّث علي عن الأسعار، الفرق بين الشيوعية والرأسمالية هي الأسعار،
أصبحت كمجنون يركض دون وعي، علي القادم إلى بلاد الروس منذ 21 سنة
لا يزال في حديثه بقايا لهجته البدوية الساكنة فيه من بلاده سوريا،
وفي لهجته أيضا ملامح من اللسان العماني لوجوده موظفا في السفارة العمانية
نحو 12 عاما.
يلوح الميدان الأحمر بجمال لا تلغيه قسوة المتخيّل العابرة لعقود من
القوة الجبارة، استكان بهدوء أخّاذ تحت ليل المدينة وربيعها البارد،
من وراء زجاج السيارة كان البرد يحاول أن يتسلل، يقول للعابر أنا هنا،
فاستعد لتقبلي ضيفا ثقيلا على جسدك أيها القادم من صحراءك الساخنة.
في المدينة عدد كبير من الصروح الثقافية التي حاصرتني برغبة السؤال
عنها، مكتبات المدينة بدأت رحلة الحرية..
فتحت كل أبواب المعرفة دون خشية من "بلبلة الأفكار" كما
كانت النظرة الشيوعية إلى الكتابات القادمة من خارج المكان، الرأسمالية
تسير بتوحش فوق شوارعها، لم تعد الحواجز ، على اختلافها، باقية في
عصر جعل من ثورة الاتصالات نقاط التقاء بكل الدنيا، 66 مليون مشترك
في شبكات الهاتف النقال، اللافتات لم تعد غائبة عن مشهد الشارع اليومي،
ليس عناك اختلاف بينها وأي مدينة أوروبية، هي موسكو، حارسة الثورة
البلشفية، نسيت لينين وثورته، وغضت الطرف عن أمجاد ستالين، أكثر من
ثلاثة عقود تحت حكمه لكن المدينة لم تحتفظ من الذاكرات القديمة إلا
ما يؤكد رسوخ حجارتها، وقدرتها على العناد مع أن اهتزازات التسعينيات
كانت كافية لتجعل من روسيا بلدا قابلا للتفكك أكثر فأكثر، بلد ورث
الكبرياء والعناد، أبقته روسيا في مزاجها الصلب.
1 - من الطائرة .. وفوق أرمينيا كانت الثلوج
تغطي شموخ الجبال
3- الميدان الأحمر كما بدا من فوق جسر على نهر موسكو
16- ابتسامة روسية تتفاءل باقتصاد السوق.
25- شاعرهم العظيم يقف بتمثاله ليبقى الذاكرة الأجمل في قلب المدينة.
35- الثلج يجلس وحيدا على كراسي حديقة للأطفال.
7- مسقط.. بين مدن الكرة الأرضية في مجسم كبير قريبا من الميدان الأحمر.
8- الكرة الأرضية كما تبدو كاملة من بعيد
36- إطلالة من فوق نهر موسكو
محمد بن سيف الرحبي
alrahby@gmail.com
أعلى
للمدى عصافير سجينة
فليسقط زاد غربتكم
من فوق الأخيلة،
وليأتِ زمانكم نهرا مهيب السمات
سأشهد أن بعضا مني فيكم،
وأن الغريب أخذ السماء،
أخذ الغمام،
أخذ انفعاله لما هطل،
نمد أجسادنا لأثواب جريحة
نزخرفها على حد المقصلة
لعل الجهات تزهر حلما،
وهل نرثي فينا إلا التخاذل؟
هل نبكي إلا دهرا مثقلا بالخراب؟
سيعود الليل كالعرجون القديم حينا
وعلى جبين الدهر تنزف مهجتان
هنا..
سنترك الذين انشقوا عن ماء وتراب
قربانا لسدرة المنتهى
سنغرسهم في ضلوع الغياب سرا
ربما نبصر أذرعهم النابتة كالسرطان،
وعلى شرفاتنا الثكلى نقول للذاهبين:
اشتاقت خيول الحرب للأوطان
بيني وبينكم
سقوط آخر يشبه نزف الريح
يشبه وجه القصيد
بيني وبينكم
آفاق تخبو كشمس أتعبها الرحيل
يندلق حزنكم غيمة متلألئة
مخملية التكوين،
يتكور الحزن كتفاحة الخطيئة،
كسرٍّ ينبت على أجنحة النهار فيفيض،
لي بعضكم،
وللمدى عصافير سجينة
لي وجع السماء إذا انهمر
وأنتم من فوق الحقيقة تسقطون
أوراقكم بياض الدهشة
وقلمكم نبوءة الأولياء الصالحين
في زمانكم أجوب قرى الصمت جهرا،
وأعلن انهزامكم..
انقسامكم...
انفصامكم...
وأترك المسالك ندوبا
تسير نحو الاتساع
نحو الانمحاء...
نسرين البوسعيدي*
* شاعرة عمانية
أعلى
تــراثــيــات
لا حبسني عنه حابس
كان عباس بن ناصح، الشاعر الأندلسي، لا يَقْدم
من المشرق قادمٌ إلا سأله عمَّن نَجَمَ هناك في الشعر، حتى أتاه رجل
من التجار فأعلمه بظهور أبي نواس، وأنشده من شعره قصيدتين؛ إحداهما
قوله: جَرَيْتُ مع الصِّبا طَلـْقَ الجُمُوحِ والثانية: أما ترى الشمس
حَلـَّت الحَمَلا فقال عباس: هذا أشعرُ الجن والإنس، واللّه لا
حبسني عنه حابس، فتجهَّز إلى المشرق، فلما حلَّ بغداد نزل منزِلة المسافرين،
ثم سأل عن منزل أبي نواس، فأُرشـِد إليه، فإذا بقصر على بابه الخـُدَّام،دخل
مع الداخلين، ووجد أبا نواس جالسًا في مقعد نبيل، وحولَه أكثرُ متأدّبي
بغداد، يجري بينهم التمثل والكلام في المعاني، فسلّم عباس وجلس حيث
انتهى به المجلس، وهو في هيئة السفر، فلما كاد المجلس ينقضي، قال له
أبو نواس: مَن الرجل؟ قال: باغي أدب، قال: أهلاً وسهلاً،من أين تكون؟
قال: من المغرب الأقصى، وانتسب له إلى قرطبة، فقال له: أَتَرْوي من
شعر أبي المخشيّ شيئًا؟ قال: نعم،قال: فأنشِدني، فأنشده شعره في العمى،
فقال أبو نواس: هذا الذي طَلَبَتْه الشعراء فَأَضَلَّتْه، أنشـِدني
لأبي الأجرب، فأنشده، ثم قال: أنشدني لبكْر الكنانيّ، فأنشده، ثم قال
أبو نواس: شاعر البلد اليوم عباسُ بن ناصح؟ قال عباس: نعم، قال: فأنشِدني
له، فأنشده: فَأَدْتُ القَريض ومَنْ ذا فَأَدْ،فقال أبو نواس: أنت
عباس؟ قال: نعم، فنهض أبو نواس إليه فاعتنقه إلى نفسه، وانحرف له عن
مجلسه، فقال له مَن حضَر المجلس: من أين عرفَته أصلحك اللّه؟ قال أبو
نواس: إني تأمّلته عند إنشاده لغيره، فرأيته لا يُبالي ما حدث في الشعر
من استحسان أو استقباح،فلما أنشدني لنفسه استَبَنْتُ عليه وَجْمَةً،
فقلت:إنه صاحبُ الشِّعر!.
ــــــــــــــــــــ
سعة (لا أدري)
قال ابن سليمان كان لإبراهيم بن طهمان جراية
من بيت المال فسئل عن مسألة في مجلس الخليفة فقال لا أدري فقالوا له
تأخذ في كل شهر كذا وكذا ولا تحسن مسألة فقال إنما آخذ على ما أحسن
ولو أخذت على ما لا أحسن لفني بيت المال ولا يفنى ما لا أحسن فأعجب
الخليفة جوابه وأمر له بجائزة فاخرة وزاد في جرايته.
ــــــــــــــــــــ
كن من شئت إلا..
قال عبدالله بن عمران أبي فروة: كان عبد الله
بن الحجاج الثعلبي من أشراف قيس، وكان مع ابن الزبير، فلما قتل، دخل
عبدالله بصفة أعرابي على عبدالملك بن مروان ليلاً وهو يتعشى مع الناس،
فجلس وأكل معهم، ثم وثب فقال:
منع القرار فجئت نحوك هارباً
جيشٌ يجرّ ومقنبٌ يتلمّع
فقال: أي الأخابيث أنت ؟، فقال:
ارحم أصيبية هديت كأنّهم
حجلٌ تدرّج بالسريّة جوّع
فقال: أجاع الله بطونهم، فأنت أجعتهم، فقال:
مالٌ لهم مما يضنّ جمعته
يوم القليب فحيز عنهم أجمع
فقال: كسب سوء خبيث، فقال:
ولقد وطئت بني سعيد وطأة
وابن الزبير فعرشه متضعضع
وأرى الذين رجوا تراث محمّد
أفلت نجومهم ونجمك يسطع
فقال: الحمد لله على ذلك، فقال:
أدنو لترحمني وتقبل توبتي
وأراك تدفعني فأين المدفع ؟
فقال: إلى النار، فقال:
ضاقت ثياب الملبسين فأولني
عرفاً وألبسني فثوبك أوسع
قال: فرمى إليه بمطرف خز كان عليه.
فقال عبدالله: أمنت والله.
فقال له عبدالملك: كن من شئت إلا عبد الله بن الحجاج.
فقال: أنا - والله - هو، وقد أمنتني، أكلت طعامك، ولبست ثيابك، فأي
خوف علي.
فقال: ما هداك إلا جدك، وأمضى له الأمان
ــــــــــــــــــــ
مبادئ
عثر رجلٌ على امرأته وهي على فاحشةٍ فطلّقها،
فاجتمع أهلها إليه وقالوا: عرّفنا ما رأيت من زوجتك، فما رأيت فيها؟
قال: سبحان الله، امرأةٌ كان زمامها بيدي وكنت بعلاً لها لم أبح بما
كان منها، فلمّا بانت منّي، وصارت غريبةً أفضحها؟! لا يكون ذلك أبداً.
ــــــــــــــــــــ
قطعنا مسيرنا بالتمني
ابن أبي زريق قال: شبب عبدالرحمن بن حسان برملة
بنت معاوية فقال:
رمل هل تذكرين يوم غـزال
إذ قطعنا مسيرنا بالتمـنـي
إذ تقولين عمرك الله هل شي
ء وإن جل سوف يسليك عني
أم هل اطمعت منكم بابن حسا
ن كما قد أراك أطمعت مني
قال: قبلغ ذلك يزيد بن معاوية فغضب، فدخل على معاوية فقال: يا امير
المؤمنين، ألا ترى إلى هذا العلج من اهل يثرب، يتهكم بأعراضنا ويشبب
بنسائنا? قال: ومن هو? قال عبدالرحمن بن حسان، وأنشده ماقال، فقال:
يا يزيد ليست العقوبة من أحد أقبح منها من ذوي القدرة، ولكن امهل حتى
يقدم وفد الأنصار ثم ذكرني. قال: فلما قدموا أذكره به، فلما دخلوا
عليه قال: ياعبدالرحمن، ألم يبلغني أنك تشبب برملة بنت أمير المؤمنين?
قال: بلى، ولوعلمت أن احد أشرف به شعري أشرف منها لذكرته. قال: وأين
أنت عن أختها هند? قال: وإن لها لأختا? قال: نعم. قال: إنما أراد معاوية
أن يشبب بهما جميعا فيكذب نفسه. قال: فلم يرض يزيد ما كان من معاوية
في ذلك: أن يشبب بهما جميعا، فأرسل إلى كعب بن جعيل فقال: اهج الأنصار.
فقال: أفرق من أمير المؤمنين ؛ ولكن أدلك على الشاعر الكافر الماهر.
قال: ومن هو? قال: الأخطل. قال: فدعا به فقال: اهج الأنصار. قال: أفرق
من أمير المؤمنين! فقال: لاتخف شيئا؛ أنا لك بذلك. قال: فهجاهم ومما
قال:
وإذا نسبت ابن الفريعة خلتـه
كالجحش بين حمارة وحمار
خلوا المكارم لستم من اهلهـا
وخذوا مساحيكم بني النجـار
إن الفوارس يعلمون ظهوركم
أولاد كل مـقـبـح أكـار
ذهبت قريش بالمكارم والعـلا
واللؤم تحت عمائم النصـار
فبلغ ذلك النعمان بن بشير فدخل على معاوية فحسر عن رأسه عمامته، وقال:
ياأمير المؤمنين: أترى لؤما? قال: لابل أرى كرما وخيرا، ماذاك? قال:
زعم الخطل ان اللؤم تحت عمائمنا. قال: أوفعل? قال: نعم. قال:لك لسانه.
وكتب فيه أن يؤتى به. فلما أتي به سأل الرسول ليدخل إلى يزيد أولا،
فأدخله عليه، فقال: هذا الذي كنت أخاف. قال: لاتخف شيئا. ودخل على
معاوية فقال: علام أرسل إلي هذا الرجل وهو يرمي من وراء جمرتنا? قال:
هجا الأنصار. قال: ومن زعم ذلك? قال النعمان بن بشير. قال: لاتقبل
قوله عليه وهو يدعي لنفسه، ولكن تدعوه بالبينة، فإن ثبت شيئا أخذته
به له. فدعاه بالبينة فلم يأت بها، فخلى سبيله، فقال الأخطل قصيدته
التي أولها:
وإني غداة استعبرت أم مالك
لراض من السلطان أن يتهددا
ولولا يزيد ابنم الملوك وسعيه
تجللت حدبارا من الشر أنكدا
ــــــــــــــــــــ
حد الضجر
أراد رجل أن يتزوج في قوم، فجاء بخطيب، فاستفتح
خطبة النكاح بحمد الله، فأطال، ثم ذكر خلق السماوات والأرض، ثم ذكر
القرون الماضية حتى ضجر من حضر، ثم التفت إلى الخاطب، فقال: ما اسمك
أعزك الله: قال: قد والله نسيت اسمي من طول خطبتك، وهي طالق، وإن تزوجتها،
فضحك القوم، وقعدوا في مجلس آخر.
ــــــــــــــــــــ
عليها من عيونهم غطاء
قال ابن المعتز: كان عوف بن محلم سخيا على الطعام
جداً، صاحب شراب ولهو وخلاعة، وكان له إخوان يتمتع بهم ومعهم، ويعاشرهم
ويفضل عليهم، وكان الشعراء الأصاغر يقصدونه ويمدحونه، فيعطيهم ويصلهم،
ويتوسلون به إلى طاهر فيشفع لهم ويخرج جوائزهم..وقدم مرة شاعر على
عبد الله يقال له روح من البصرة، فامتدح عبد الله بقصيدة، ومدح عوفاً
بأبيات، وقد أنزله عنده وأحسن إليه، فلما سمع عوف أبياته وجدها ضعيفة
جداً، قال أنشدني ما قلت في الأمير- واستدل بما سمع على ضعف نمط الرجل-
فأنشده. فقال: لا توصلها إليه، فإن الأمير بصير بالشعر، وهو يقول منه
الجيد القوي، ومثل هذا الشعر لا يقع منه موقعاً ينفعك، ولكني أقول
فيه مدحه، فانتحلها والقه بها. فأبى، وظن أنه يقول ذلك حسداً، وكان
الرجل رقيعاً لا يفطن لعيب نفسه، فقال له: فشأنك إذن وما تريد. فأنشد
روح قصيدته عبد الله، فقال له: بمثل هذا الشعر يلقى الأمراء والملوك?
أيقبل مثل هذا حر? وردها عليه، فصار إلى عوف وشكا إليه، فقال له: ألم
أنصحك? ألم أقل لك: إنه لا يقبل مثل هذا الشعر? فلما دخل عوف على عبد
الله قال: ويحك يا أبا ملحم، أما سمعت شعر هذا القادم علينا فينا?
قال عوف: بلى، أعز الله الأمير، قد سمعته ونصحت له فلم يقبل.وفي ذلك
يقول عوف: أنشدني روح مديحاً له فقلت: شعر? قال لي: فايش
فخلت لما أن بدا منشدا
كأنني في قبة الخيش
فقلت: زدني وتغنمته
والثلج في الصيف من العيش
ومما يستحسن لعوف ويختار له من شعره:
وكنت إذا صخبت ديار قوم
صحبتهم ونيتي الوفاء
فأحسن حين يحسن محسنوهم
وأجتنب الإساءة إن أساءوا
وأبصر ما يريبهم بعين
عليها من عيونهم غطاء
ــــــــــــــــــــ
فذاك العظم حيٌّ وهو ميت
دخل عبيداللّه بن زياد بن ظبيان التيميّ على
أبيه وهو يجود بنفسه فقال له: ألا أوصي بك الأمير? فقال عبيداللّه:
إذا لم يكن للحيّ إلاّ وصيّة الميت فالحيّ هو الميت.
وأنشد:
إذا ما الحي عاش بعظم ميتٍ
فذاك العظم حيٌّ وهو ميت
ــــــــــــــــــــ
كالشمس من خلال سحاب
يروى أن بنتاً لعبد الملك بن مروان حجت، فكتب
الحجاج إلى عمر بن أبي ربيعة يتوعده إن ذكرها في شعره بكل مكروه؛ وكانت
تحب أن يقول فيها شيئاً وتتعرض لذلك، فلم يفعل خوفاً من الحجاج. فلما
قضت حجها خرجت فمر بها رجلٌ فقالت له: من "أين" أنت? قال:
من أهل مكة؛ قالت: عليك وعلى أهل بلدك! قال: ولم ذاك? قالت: حججت فدخلت
مكة ومعي من الجواري ما لم تر الأعين مثلهن، فلم يستطع الفاسق ابن
أبي ربيعة أن يزودنا من شعره أبياتاً نلهو بها في الطريق في سفرنا!
قال: فإني لا أراه إلا قد فعل؛ قالت: فأتنا بشيء إن كان قاله ولك بكل
بيتٍ عشرة دنانير؛ فمضى إليه فأخبره؛ فقال: لقد فعلت، ولكن أحب أن
تكتم علي؛ قال: أفعل؛ فأنشده:
راع الفؤاد تفرق الأحـبـاب
يوم الرحيل فهاج لي أطرابي
وهي طويلة.. وأنشده:
هاج قلبي تذكر الأحبـاب
واعترتني نوائب الأطراب
وهي طويلة أيضاً ومنها:
اقتليني قتلاً سريعـاً مـريحـاً
لا تكوني علي سـوط عـذاب
شف عنها محـقـق جـنـدي
فهي كالشمس من خلال سحاب
قال: فعاد إليها الرجل فأنشدها هاتين القصيدتين فدفعت إليه ما وعدته
به.
ــــــــــــــــــــ
إن لي نفسا تواقة
قال دكين الراجز: أتيت عمر بن عبدالعزيز بعد
ما استخلف أستنجز منه وعدا كان وعدنيه وهو وإلى المدينة، فقال لي:
يا دكين ان لي نفساً توّاقة، لم تزل تتوق إلى الأمارة، فلما نلتهم
تاقت إلى الخلافة، فلما نلتهم تاقت إلى الجنة. وما رزأت من أموال المسلمين
شيئاً، وما عندي إلا ألفا درهم، فاختر أيّهما شئت. وهو يضحك. فقلت:
يا أمير المؤمنين، قليلك خير من كثير غيرك، ويقال قليلك خير من كبير
غيرك، فاختر لي أنت. فدفع إليّ ألفا وقال: خذهم بارك اللّه لك فيهم.
فابتعت بهم إبلاً وسقتهم إلى البادية، فرمى اللّه في أذنابهم بالبركة
بدعوته حتى رزقني اللّه ما ترون.
ــــــــــــــــــــ
صعلكة
وقال أبو النّشناش، من اللصوص:
إذا المرء لم يسرح سواماً ولم يرح
سواماً ولم تعطف عليه أقاربه
فللموت خيرٌ للفتى مـن حياتـه
فقيراً ومن مولًى تدبّ عقاربه
وسائلةٍ بالغـيب عـنّي وسـائلٍ
ومن يسأل الصّعلوك أين مذاهبه؟
وطامسة الأعلام ماثلة الـصّـوى
سرت بأبي النشناش فيهم ركائبه
فلم أر مثل الفقر ضاجعه الفتى
ولا كسواد الليل أخفق صاحـبـه
وقال آخر:
وأنّي لأستحي مـن الـلّـه أن أرى
أطوف بأرض ليس فـيه بعير
وأن أسأل المرء الـلـئيم بعيره
وبعران ربّي في البـلاد كثير
فللّيل إن واراني الـليل حـكـمةٌ
وللشمس إن غابت عـلـيّ تـدور
عوى الذّئب فاستأنست للذئب إذ عوى
وصوّت إنسـانٌ فـكـدت أطير
رأى اللّه إنّي للأنـيس لـشـانـئٌ
وتبغضهم لي مـقـلةٌ وضمير
ــــــــــــــــــــ
عليها من عيونهم غطاء
قال ابن المعتز:كان عوف بن محلم سخيا على الطعام
جداً، صاحب شراب ولهو وخلاعة، وكان له إخوان يتمتع بهم ومعهم، ويعاشرهم
ويفضل عليهم، وكان الشعراء الأصاغر يقصدونه ويمدحونه، فيعطيهم ويصلهم،
ويتوسلون به إلى طاهر فيشفع لهم ويخرج جوائزهم..وقدم مرة شاعر على
عبد الله يقال له روح من البصرة، فامتدح عبد الله بقصيدة، ومدح عوفاً
بأبيات، وقد أنزله عنده وأحسن إليه، فلما سمع عوف أبياته وجدها ضعيفة
جداً، قال أنشدني ما قلت في الأمير- واستدل بما سمع على ضعف نمط الرجل-
فأنشده. فقال: لا توصلها إليه، فإن الأمير بصير بالشعر، وهو يقول منه
الجيد القوي، ومثل هذا الشعر لا يقع منه موقعاً ينفعك، ولكني أقول
فيه مدحه، فانتحلها والقه بها. فأبى، وظن أنه يقول ذلك حسداً، وكان
الرجل رقيعاً لا يفطن لعيب نفسه، فقال له: فشأنك إذن وما تريد. فأنشد
روح قصيدته عبد الله، فقال له: بمثل هذا الشعر يلقى الأمراء والملوك?
أيقبل مثل هذا حر? وردها عليه، فصار إلى عوف وشكا إليه، فقال له: ألم
أنصحك? ألم أقل لك: إنه لا يقبل مثل هذا الشعر? فلما دخل عوف على عبد
الله قال: ويحك يا أبا ملحم، أما سمعت شعر هذا القادم علينا فينا?
قال عوف: بلى، أعز الله الأمير، قد سمعته ونصحت له فلم يقبل.وفي ذلك
يقول عوف: أنشدني روح مديحاً له فقلت: شعر? قال لي: فايش
فخلت لما أن بدا منشدا
كأنني في قبة الخيش
فقلت: زدني وتغنمته
والثلج في الصيف من العيش
ومما يستحسن لعوف ويختار له من شعره:
وكنت إذا صحبت ديار قوم
صحبتهم ونيتي الوفاء
فأحسن حين يحسن محسنوهم
وأجتنب الإساءة إن أساءوا
وأبصر ما يريبهم بعين
عليها من عيونهم غطاء
ــــــــــــــــــــ
فضيحة عاشق
كان فتىً من أهل الكوفة عاشقاً لجاريةٍ، وكان
أهلها قد أحسّوا به فتوعّدوه ورصدوه، فلم يقدر على الوصول إليها فواعدها
في ليلةٍ مظلمةٍ أن تسير إليه. وأتى فتسوّر عليها حائطاً. فعلم به
أهلها فأخذوه وأتوا به خالد بن عبد الله القسري وقالوا له: إنّه لصٌّ
تسوّر علينا من الحائط. فسأله خالد عن ذلك فكره أن يجحد السّرقة فيفضح
الجّارية، فقال: أسارقٌ أنت? قال:نعم، أصلح الله الأمير. فأمر بقطع
يمينه. وكان للجارية ابن عمٍّ من أهل الفضل قد اطّلع على بعض شأنه
فأخذ رقعةً وكتب فيها هذه الأبيات:
أخالدٌ قد، واللـه، أوطـئت عـشـوةً
وما العاشق المظلوم فينا بـسـارق
أقرّبمـا لـم يجـن عـمـداً لأنّـه
رأى القطع خيراً من فضيحة عاشق
ولولا الذي قد خفت من قطع كفّـه
لألفيت في أمر الهوى غير ناطـق
إذا مدّت الغابات في السّبق للعـلـى
فأنت ابن عبد الـلـه أوّل سـابـق
ثمّ حذف الرّقعة فوقعت في حجر خالد فقرأها ثمّ أمر بالفتى إلى السّجن،
وصرف القوم. فلمّا خلا مجلسه دعا به فسأله عن قصّته فعرّفه، فبعث إلى
أبي الجّارية فقال: قد عرفت قصّة هذا الفتى فما يمنعك من تزويجه? قال:
خوف العار. قال: لا عار عليك في ذلك، والعار أن لا تزوّجه فتكشف أمره!
. فسأله أن يزوّجه ففعل، فدفع إليه عن الفتى خمسة آلاف درهمٍ، وأمره
بتعجيل إهدائها إليه.
أعلى
الادب الشعبي
بوح ..
توابع إخفاقات التصويت !
في كل ختام لبرنامج تقدمه القنوات الفضائية تحت
أي مسمى كان تتجدد الاحتجاجات لجمهور الخاسر وتنهال كل مكاييل الثناء
للشاعر الفائز ، ويأتي احد إداريي البرنامج سواء من لجنة التحكيم او
القائمين عليه يوضح ملابسات نتائج التصويت ويصدق من شاء ويتحفظ آخرين
، ويُثار التوعد بعدم المشاركة ومقاطعة البرنامج العام المقبل او الدورة
المقبلة ، ويمر الوقت .. وينسى كل أولئك ما حدث وتبدأ دورة جديدة يشارك
فيها جميع تلك الأطراف السابقة وكأن شي لم يكن !!.
هذا السيناريو يتكرر في كل دورة تقيمها القنوات الفضائية التي تعتمد
على التصويت سواء في المجال الغنائي او الشعري ، وبصراحة وهذه حقيقة
يجب ان تُقال بأن الشعراء والجمهور العماني بشكل أو بآخر أصبح يدرك
هذه اللعبة الا بعض المستفيدين من ذلك سواء مشاركين - بقلتهم - وبعض
أصدقائهم ، وهم في النهاية الخاسرين ، لأن ما يؤهل المشارك لا يتحدد
الا في آخر 5 دقائق تصويت ويقوم (الداعم) - مؤسسات او أفراد - بطلب
تحديد الفارق بين المشاركين وتقديم العرض المادي المناسب لتأهل متسابقهم
وبالتالي لو يصوت كل الشعب لمشارك واحد خلال أسابيع فلن يكون الحصاد
الا للمصوّت في آخر 5 دقائق.
لذا أصبحت المسابقات بشتى أنواعها والتي ينتصر التصويت لتتويج فائز
بطرف من السلطنة أصبح في حكم المؤكد هو ( الخاسر ) ، وربما يعيب القائمين
على بعض تلك البرامج الاعتقاد بعدم تكاتف الجمهور العماني مع ( المشارك
) ولكن في الواقع يجب نؤكد على حرصنا بإن الإبداع هو من ينتصر له الجمهور
العماني وإن لم يكن كذلك فلن يسرف مبالغ مالية طائلة من اجل فوز شخص
بلقب لا يسمن ولا يغني من جوع ! ، فكما قال احد الشعراء السعوديين
الذين خرجوا مؤخرا من مسابقة شعرية ( بأن أهلي وقبيلتي صرفوا للتصويت
اكثر من مليون ريال سعودي وخرجت وانا لا املك شيئا .. !! ) ، تخيلّوا
ان يُضخ مبلغ كهذا لخدمة ساحة ثقافية او نخصصه بشكل ادق للشعر الشعبي
، تخيلّوا ان يقدم هذا المبلغ للشاعر كدعم مادي بعيدا عن التصويت ،
تخيلوا ان تقام مسابقة شعرية تنحاز للإبداع بتحكيم من مختلف فئات الإبداع
ويفوز حتى 50 شاعر او أكثر وتقسّم الجوائز من المبالغ المتاحة !! .
وقبل كل شي .. نضع علامات استفهام كثيرة امام بعض الأسماء من الشعراء
المشاركين من السلطنة ، ففي حين تشارك بعض الأسماء المعروفة في مسابقات
ما وتحقق لنفسها ما تُريد ، تقابلنا المسابقات الأخرى بأسماء شعرية
غير متحققة في الساحة ولا ضير من ذلك حينما يكون الحكم هو تجربة الشاعر
اما ان يتم الحكم بقصيدة دون سواها فأعتقد انه إجحاف في حق الساحة
خاصة وان من يختار اولئك الشعراء هم اسماء شعرية لهم كلمتهم وتجربتهم
، وهذه المسابقة بالذات اظهرت اسماء شعرية لها تجارب بسيطة جدا لم
تطور نفسها حتى الآن ، وفي نفس الوقت تثير انتبهاك القصيدة التي يشارك
فيها الشاعر بما تحمله من اخطاء في الوزن وفي القوافي في إشارة لا
تؤكد الا شي واحد هو قناعة المشارك بأنه وصل للقمة وانه لا يجب ان
يستعين في مشاركته بمن سبقوه في التجربة ! ، وهذه مشكلة شخصيا تابعتها
في كل المشاركين من السلطنة في مثل تلك المسابقات وفي النهاية يخرج
الشاعر ويقدم لنفسه صورة النجم ويحلّق هنا وهناك من اجل نجومية اعتقد
انها لن تدوم طويلا ولن يوثقها الدهر - لا شك - لأن هذا الأخير لا
يوثق الإ للتجربة الحقيقية في كل شي سواء الفن في طربه او الشعر في
إبداعه مهما طال الزمن أوقصر ، ومهما خفت الإعلام عن اسم معين وشع
في أسم آخر .. فالشاعر البيتوتي المنعكف على نصه ولا يُرى الا بصورته
التقليدية في الصحف أمام إبداع لا يُقرأ إلا بالعمق والهدوء ، هو نفس
الشاعر الذي يُشار إليه حينما تفاضل بينه وبين الشاعر النجم في زمن
( الشيلي بيلي ) من الشعر .
أمنية بأن يقف الجميع أمام قصيدته وان يركز في تطويرها بالعقل وما
وصلت له التجربة العمانية في القصيدة ، واعتقد ان مسابقات السلطنة
تكفي لساحتنا على اقل تقدير انها تحفظ ماء وجهنا كشعراء ولا تلطمنا
في النهاية بالنتائج العكسية وخيرها كبير حتى بمائة وخمسين ريال عن
( مليون ) لكي تكسبه يجب ان تخسر اضعافه ! .. هي دعوة لإعادة النظر
، وكل الشكر للجمهور على وقفته وتفهمه في ان التصويت لا يخدم الإبداع
وبمقابل ذلك نقدم شكرنا لجمهور السلطنة ولا نطالب بأكثر من التصفيق
للإبداع ولا ندعو لتبذير الأموال للسراب .. فكل التوفيق للجميع في
خدمة وطننا الحبيب .
ومضة ..
يا كثرهم ! .. كلما تمنيتهــــم درب ..
القاهم أشواك وبصورة حمامــــه
تعبت .. راسي انحنى لكل من هب ..
ودّب ، لأجل اني أنال ابتســـامه !!
ما ريتني شيخٍ وكنْ مــــــا إلي رب
انا إبن أبويه لو صغير العمامـــه
* فيصل العلوي *
*fai79@hotmail.com
ــــــــــــــــــــ
السابقون فاللاحقون
قد يكون تشبيه الحركة الشعرية بالبناء الهرمي
قريبا من الصحة .. فالشعر وتطوره البنائي من حيث الألفاظ والصور والتراكيب
الشعرية في تطور مستمر . فالسابقون رسّخوا الأسس وتوسعوا توسعا أفقيا
في الشعر . فكانوا يملكون أساسيات الشعر ومقوماته من وزن وقافية وبلاغة
. ومع مرور الزمن ومع أن الرقعة الشعرية في توسع دائم إلا أن الشعراء
أصبحوا يتزاحمون على تلك الرقعة وفي نفس المسافة المتاحة لهم ومن هنا
بدأ التوسع العمودي للشعر لشعراء يمتلكون تلك الأساسيات والمقومات
ولكنهم طوروا الصور والتراكيب الشعرية .
وتكفّل هذا التوسع العمودي بالإرتقاء بالذائقة الشعرية لدى الشعراء
أنفسهم أولا وأنتقل منهم لمتلقي الشعر ثانيا ـ رغم المحاولات المستمرة
واليائسة للحد من هذا التوسع ـ مع إستمرارية التوسع الأفقي والذي يتواجد
بصورة مكثفة من حيث إزدياد عدد الشعراء . وما ينطبق على الشعر العربي
الفصيح ينطبق على الشعر العامي / الشعبي / النبطي جملة وتفصيلا .
لكننا نجد اليوم الكثيرين من الشعراء الشعبيين يقدحون في الشعراء القدامى
وينظرون في أشياء بأشياء لم ينزل الله بها من سلطان . فلماذا لا نعترف
بهم وبشاعريتهم في أزمانهم ؟ فلولا أن مهدوا لنا السبل للإرتقاء في
الهرم الشعري المذكور آنفا لما وصلنا لما نحن فيه الآن من شعر وشاعرية
وتألق .
التسارع المعرفي والعلمي لا يتوقف أبدا والشعر كذلك .. فإن زعمنا بأنا
نحن من يقف على قمة الهرم ! ونكن ما نكن للسابقين من غلٍّ ونظرة إحتقار
.. سيأتي من هم بعدنا ويقفون على أكتافنا ويطئونا بأقدامهم ( فكما
تدين تدان ) .. وعندها سنقف مكتوفي الأيدي أمام تلك القامات الشعرية
التي لن نستطيع مجابهتها أو الوقوف أمام تياراتها بعقولنا المتحجرة
وبأنانا الزائفة وبأعين لا ترى أكثر متر أمامها .. فويل لنا ساعتها
منهم ومن التاريخ الذي لن يرحمنا .
لنعطي كل ذي حق حقه ولا نبخس السابقين ولا اللاحقين حقوقهم من الشعر.
لندعهم يكتبون ما يشاؤون حتى يدعونا نكتب ما نشاء .. فلربما كان السابقون
هم أصدق منا شعرا وشعورا .. ولنترك مجالا للاحقين بنا للسمو والتحليق
في الفضاء الشعري وللتألق والإبداع بالتوجيه السليم ونقل الخبرات الشعرية
والأدبية حتى يرقى هرمنا الشعري .
راشد بن سعيد الشامسي *
*rs11rs11@yahoo.com
ــــــــــــــــــــ
استراحة ..
الرمّاسية
يسمى هذا الفن بالرزيف والوهابية ويعتبر الرماسية
الاسم الشائع في محافظة مسندم ويؤدي هذا الفن في الأفراح والمناسبات
كالأعياد وغيرها من المناسبات ، ووفت أدائه هو العصر والبعض يؤدونه
في المساء أو في الصباح ، ويختلف هذا الفن من منطقة لأخرى تبعاً للكنة
اللسان وسرعة الأداء فقط ويؤدى هذا الفن بأن يصطف صفين من الرجال مع
صف من قارعي الطبول لا يقلون عن الثلاثة أو الأربعة ولا يوجد عدد محدد
كحد أقصى ويواجه قارعي الطبول تارة الصف الأيمن وتارة الصف الأيسر
ويمكن تبادل الطبول فيه ، ولا يشترك بهذا الفن العنصر النسائي ويكون
المؤدي حاملا عصا يتقن تحريكها بطريقة فنية واليد الأخرى على رفيقه
الذي بجانبه ويحرك العصا المتكئ عليها بحركات معينة توحي للمشاهد بمدى
الاندماج وتمكن الشوق لدى المؤدي ويتم تحريك العصا إلى الأمام مع إدارتها
ويرددون أبياتاً شعرية بحيث يردد الصف الأول بيتا شعرياً ويرد عليه
الصف الثاني بالبيت الذي يليه ، وعند البعض فأن الرجال المصطفين في
الصف يحملون العصي ولكن يضعونها على أكتافهم وتكون أيديهم متشابكة
مع بعضها البعض ، لا يحدد عدد محدد للمؤدين لهذا الفن وإنما على حسب
الحضور وأن كان يجب على أن لا يقلوا عن العشرين أي أن يكون في كل صف
عشرة أفراد ، ومن الأمثلة على الأبيات التي يرددونها :
- يـــوم صفـوة البدوان
يـــوم خـــانوا بالوعيده
صبح وعصر نرجيها
ورؤوس الجبال نحميها
- قابوس يا ولد السلاطين
تحيي الرسوم الأولية
ــــــــــــــــــــ
وهج ..
أبِيكْ
أبِيكْ .. وكَّل شَّي فِيني يَبِيكْ بكِّل شَي
ٍ فِيك
أبِيكْ أكبَر مِن أحْلام الفَتَاه ومِن فَتَى الأحْلام
أبِيك ( الْدُونْ جُوَان ) اللِّي يِغَامِر بين ذِيكْ وذِيكْ
ويِرجَع تَالِي الليلَه يِقَبِّلنِي عِذِر .. وينَام !
أبِيك تْحِبِّنِي واقرَا بِعِينك : لو يِبِيض الدِيك !
بَلاش إتْحِبِّنِي الليله .. يجوز تْحِبِّنِي قِدَّام
أبِيك بْأجمَل أخطائِك .. ولو غَيَّرتَهَا مَابِيك !
عِشقتِك طِفْل .. خَلَّك طِفْل .. لاتِكبَر مَع الأيَّام
أحمد الشحي
ــــــــــــــــــــ
حنطة
مرت على سـورالبساتيـن تختـال
واهتزت أغصان الحروف بـ سببـها..
حنطة جياع ٍتاخذ المـا من الــلال
وتـوزع الحســرة على من حسـبــها..
لقمـــة رمق وتسدّ أوجرعة زْلال
لكن بـــها ذاب الزلال وشـــربـــــــها
كنْها مساء العيد في وجه الاطفال
ياشـــين كف العيــــد إن ماخضبــــها
مهـــرة مهابة مابهــاسرج خيّــال
لومالجمـــها الغــنْــج واثقـــل كعبــها
يارمشها والشوف من مـيلها مال
لمّــا عطت حلوى النظر من هدبـــهـا
نظرة ولاشي غيرها يعني خْـبال
ياكــــم قــــرم ٍتجــــذبــه ماجــذبـــها
ياكـنّــها الهــيبة على وجه رجّال
صان الوقارولحيــــــتــه ماشــذبـــها
وياكنـّها الغــيمة على راس جمّال
ناش الرثام ونـــــوق صبــره حلبــها
من مثْــلهامرّت بي ْسنين وامال
وآنــــا أدوّر من تبــرْها ذهـــــبــــها
سحنة بداوة صـافـية لجلها سال..
اغلى الحبر وازكى المشاعرسكبــها
من يوم مرت والاحاسيس تختال
حنطة لــ جوع القـــاف ربي وهبــها
ناصر الغيلاني
ــــــــــــــــــــ
ذاكرة أوراق
و مـرّيـتـي عـلـى بـالـي الـمسا يا (ذاكرة أوراق)
وطـيـفـك فـزّع أسراب الحكي و أطـلـق جموح الفـم
تـسـربـلـنـي الـقصيد ال كــان قبل الأمس طفلٍ عـاق
و وجـه الـغـرفـة الـمـعـتـم وربـــــك ثـار فـيـه الــدم
و عــانـقـت الـحـروف الـثـايـرة لـقـيـا طـويــل فراق
وقضّـيتــه مـنــام سراج ... صـحّـيـتــه بعـزّ الـحـلــم
يـــــا أنتي يــــا مواعيد الجفاف و مـاحــل الأشواق
يـــــــا أنـتـي يـــــا مسـافـات اليبـاس و شارعٍ للعتم
و مـرّيـتي بقــايــا مــن بقـايــا لـبـعـضـهـا تـشـتـــاق
بقـايـا مـوســمٍ مــا جـاد لـي غـيـر اكـتـظـاظ الـهــم
و فزّزتــي عـصـافـيـر السـكـون و خـاطـرٍ قــد راق
نفضتي كل عذقٍ (عاقدٍ ) يــا ذي الحظوظ العسـم
و أنا الواقف على حـدّ الـغـيـاب و شـعـرة الإشــراق
أدوّر فــي وجـــوه الــراجـعيـن بـشــارةٍ مـــن علــم
وقفت..و مــا وقـف هــذا الـمـسـا مـن ثرثرة عشّــاق
عطيت..و مــا عـطـاني ذا الـزمـان اللـي يبيع الـوهـم
وقصقص ها المــدى ريش الـعناق ولـهفة المشـتاق
نضب بـير الرجا في رجـعتك..بس ما نضب من عزم
صـحى قلب الطريـق بـخطوتي أو يـا عـسى مــا فاق
سقـطت وما سـقط مـن رعشـتي غير احـتـرام الـكُـم
و طحتي يــــا تفـاصيلي الصغيرة مـن ذرى الأحـداق
نزعتي كل ذكـرى من عروقي ... من بيـاض العـظـم
و مرّيتي... ورحتي... مثل ما انتي (ذاكرة أوراق)
و عــوّد كــل سـربٍ طـار ... و ألجمتـه جموح الفـم
سعيد الشحي
ــــــــــــــــــــ
للفكر موج
للفكر موجٍ روضه طيف قلبك
وللشعر قلبٍ هيضه ليل فرقاك
وتساقطت عندي نجومٍ ف قربك
وحْنونوت كل المشاعر تبا رضاك
ثم افترشت البختري وسط حبك
و تطاولت احلام شعري ف عيناك
اسوق لك كل الاماني ف دربك
واحمل على كتفي الضما يرتجي ماك
اموج بك وانا مزاجي تشربك
وأغوص جوف الليل اذكر مزاياك
اشرق احساسي لجل عين غربك
و خطى قصيدي ما فتا يتبع خطاك
تحتارك الافكار والزين اربك
كل القوافي و نتثر لول مسراك
للفكر موج ٍروضه طيف قلبك
وللشعر قلبٍ هيضه ليل فرقاك
علي الراسبي
ــــــــــــــــــــ
آنه
هاك عيني بس لا تطلبني آنه
هاك صفري يندهك أول عدد
هاك كتفي لي نزف كتفك هوانه
أنقل حمولك ولو صارت بلد
أييه صاحب لسه قدرك في مكانه
إيه شمسي إيه ظلي والجسد
إيه صاحب لجل أشحن بيك خانه
لا لأوراقي لضعفي والحصد
جيبي لو أضحك (سوايه) ذي خيانه
جيبي ما اضحك (سواي) ولا سعد
جيبي لو جاوز حدوده وباح شانه
أتمرجح بين حر وبين برد
مبدئي في القرش فارض عنفوانه
ما يغير مبدئي جزر ٍ ومد
الحديد الصلب منزوع الليانه
والحبال المستويه من مسد
قول راهب جُل وقته إستكانه
قول عكس الريح مُبحر والرشِد
قول قارون إندثر ويا حصانه
في أذاني صمغ في عيني رمد
هاك عيني قالها عايش زمانه
قص عرف وقص خيط وقص يد
قال عيني هاك لاتطلبني آنه
قال صفري أول وآخر عدد
غابش بن عبيد البوسعيدي
أعلى
خـــوف
غرابان فوق آخر نخلة من القرية عند الغروب، كرسيان
وحيدان فارغان فوق تلة مرتفعة عند المغيب ينتظران جسدي عاشقين، عامل
أسيوي مدهوس بسيارة. جثته في منتصف الشارع، وسط بحيرة من الدم. قطيع
من البشر تشّكل حول الجثة مُكوّنا دائرة مغلقة، وبجانبهم دراجة الجثة،
وعبوات خضراء فارغة متناثرة بطريقة عشوائية. شاعر يدفن انكساراته في
قصيدة.
كل هذه الصور المبعثرة في الذاكرة لم تلفت انتباهي، عينا الرجل هما
اللتان أرعبتاني حد الموت. الآن ارتعب فوق سريري وتحت سقف الكون. ما
الذي دهاني كي أذهب إلى هذا الشارع، أيَّ كارثة أوقفتني عند تلك الإشارات؟....
أوقفتُ سيارتي انتظارا للون الأخضر ما الذي أدار رقبتي إلى الجهة اليسرى؟
وأيّ لعنة أدارت رقبته المكتنزة إلى وجهي؟ كان يكفيني قيد السيارة
حول جثتي. عينا الرجل زادتا الجثة خوفا كونيا.
أغلق ستارة الغرفة . أدار مفتاح الغرفة، تأكد أنه أغلقهما بإحكام تام.
لماذا هذه النظرات لي أنا؟
ماذا فعلت به حتى يعاقبني بهذه النظرات المُذلة ؟ صدقني أيها الرجل
أنا مواطن صالح ومسالم جداً . خمس عشرة سنة أخدم في وظيفتي بكل احترام
بدون مشاكل في العمل؛ ولا في أسرتي؛ ولا في الشارع؛ ولا في المقهى.
صدقني أيها الرجل أكثر من عشر سنوات أقود سيارتي بدون مخالفة مرورية
واحدة. لماذا هذه النظرات المُذلة لي؟ ماذا فعلت بكم ؟
_لا....لا...أكيد أنا أهذي الآن. ذلك الرجل ربما يكون طيبا جداً. هو
لم ينظر إليّ أنا. ربما كان ينظر إلى المرأة التي تقف على يميني .
لعنة الله عليك أيتها المرأة . بسببك أنتِ أصابني هذا الرعب.
قلت لكم أنني أُهذي. ليس بسبب ذلك الرجل ولا الإشارات المرورية ولا
المرأة الواقفة بسيارتها على يميني . لهذا الرعب حكاية أخرى ربما.
(2)
كل ما هنالك أنني لم أستطع النوم بسبب صورته
التي شاهدتها في شاشة صغيرة تُسمى ( تلفاز). صدقني أيها العالم لم
أستطع النوم. حاصرتني كل صور الخوف والهلع، حتى لو لم تصدقني أيها
العالم التعيس، فلتذهب إلى الجحيم. بالرغم أنني لا أعرفه ولم أره في
حياتي ولا مرة والحمد الله. ربما يكون رئيسهم. وبالرغم أنني مواطن
مسالم جدا . لم أدخل في حياتي مركز شرطة إلا ثلاث مرات فقط لإتمام
أوراق رسمية. لم أكن أجلس أكثر من نصف ساعة، وأخرج مسرعاً. بالرغم
أنني كنت أشتم وجوههم المتجهمة. إلا أنني لم أتكلم بصوت مسموع أبدا.
أذا كنتُ لم أستطع ؛ ولم أعرف؛ ولم أر ؛ولم أدخل ؛ولم أكن؛ ولم أتكلم
. فلماذا هذا الرعب؟
( كان يتكلم عن شيء ما. يرتدي ملابسه العسكرية الأنيقة جدا. خلفه ستارة
ملونة ربما كانت سوداء وبجانبها صورة في إطار مُذهب أو هكذا يبدو لي.
هذا ليس مهما بالنسبة لي أبدا إنما الخوف والقلق اللذان اشتعلا في
كياني بعد ذلك) وكما ذكرتُ سابقا لم أدخل مركزاً للشرطة وما علاقتي
أنا بالشرطة. فأنا إنسان مسالم جداً.
(3)
سامحك الله يا أمي هكذا همس لنفسه، كلما تمردت على الماء البارد جدا
الذي يرعبني كلما لمس جسدي تقولين لي ( تو يجيوا الشرطة يشلوك ). كلما
حاولت اللعب مع بنات جارنا الأعمى تقولين لي ( تو يجيوا الشرطة يشلوك).
كلما اقتربت من بيت سالم الضاوي ( الشيوعي القادم من القاهرة بأكداس
كبيرة من الكتب ). تقولين لي ( تو يجيوا الشرطة يشلوك). وكلما تأخرت
عن النوم قليلا تقولين لي ( توا يجيوا الشرطة يشلوك) اندس بجسدي الصغير
في السرير. وفي الظلام أتخيل هذه الشرطة كائنا أسطوريا من عالم آخر
له أسنان مثل السيوف اللامعة له عدة رؤوس. في ذات اللحظة أتذكر كلام
معلم القرآن عندما يصف لنا أهوال جهنم فيزداد رعبي أكثر.
الشيء الأكثر رهبة كانت أمي ترفع أصبع السبابة إلى السماء وتقول (
تو يجيوا من هناك بطائرة). وبما أنني لم أشاهد طائرة في حياتي وربما
حتى أمي لم تشاهدها. لذا كنت في طفولتي حمارا لم أرفع رأسي إلى الأعلى
يوماً، حتى لا تشاهدني الشرطة. وفوق ذلك كان يختلط في عقلي شيء خطير
جدا صرت لا أٌفرق بين الله والشرطة. أمي تقول أن الشرطة في السماء
ومعلم القرآن يقول أن الله في السماء . صرت لا أعرف من أخاف الله أم
الشرطة. ومن هو في السماء الله أم الشرطة؟
رجع لذاته الخائفة ( صورة أمه. الرجل الذي يتكلم في التلفاز، والرجل
الذي بجانبه عند الإشارات). هو الآن فوق سريره . متأكد أنه أغلق الباب
وكذلك أنه لم يفعل شيئا . فلماذا يخاف؟
حمود الراشدي
Hsh24@maktoob.com
* قاص عماني
أعلى
أفق
الغموض في الشعر
يرى القاضي الجرجاني أنه "ليس في الأرض
بيت من أبيات المعاني لقديم أو محدث إلاّ ومعناه غامض مستتر".
ويرى ابراهيم بن هلال الصابي أن "أفخر الشعر ما غمض فلم يعطك
غرضه إلاّ بعد مماطلة منه". ويرى حازم القرطاجي أن القارئ "بعد
أن تغيب عنه أسرار الكلام وبدائعه نجده يصرف النقص إلى الشعر بدعوة
أنه مبهم والنقص في الحقيقة راجع إليه وموجود فيه". ويرى ريتشاردز
أن الغموض في الشعر قد يعود أما إلى عجز القارئ عن استيعاب الدلالة
أو عجز الشاعر عن التوصيل الذي يؤدي إلى الإبهام. ويرى رومان ياكبسون
أن الغموض أحد خصائص النص الحديث، وأنه "الصفة الداخلية"
و"الوشيجة التي لا يمكن أن تمحى من كل رسالة تتمحور حول ذاتها".
ويرى جون كوهين "أن الغموض في القصيدة أساسي بالنسبة إليها ولكنه
ليس مجانياً، أنه الثمن الذي تدفعه مقابل إيضاح من نوع آخر"..
والخ، والخ، والخ، مفتتحاً لقراءات عدة تأخذ مستوياتها المتعددة والمختلفة
تبعاً لإختلاف تأويل المتلقي، فيكون للنص ـ تبعاً لذلك ـ عدة مستويات
في القراءة. وهذه المستويات تقترب أحياناً من النص وتبتعد عنه في أحيان
أخرى، حيث تكون هذه المسافة بينهما عادةً مسكونة بالغموض والضباب بحيث
لا يمكن رؤية مشهد النص كاملاً لكننا يمكن أن نتأمله. وهذا التأمل
يقودنا إلى متعة إضافية يوفرها لنا الحدس والتأويل والمخيلة.
غير أن بعض النصوص تسقط في بئر الظلام والتعمية الكاملة فلا نرى منها
شيئاً وبالتالي فأنها لا يمكن أن تفتح لنا مجالأ للتأويل أو فسحة للتأمل
أو مساحةً للمعرفة أو وقتاً للمتعة.
ومن خلال هذا يجب التفريق بين هذين النوعين من الغموض: أي الغموض بوصفه
خطاباً ـ مغايراً للسائد المباشر ـ بما يملكه من طاقة ايحائية تزيد
النص دلالة ولذة، وبين الغموض المقفل الذي يعتمد على العلاقات الغرائبية
المفتعلة بين الألفاظ المعجمية والتي لا يمكن أن تمنحنا سوى شكل معقد
من الألغاز التي يستعصي فك رموزها اللغوية والبلاغية المفبركة أصلاً.
فالغموض المبدع يتيح لنا أن نرى من خلال غلالته الشفيفة شيئاً من العالم
الذي يدهش ويومض خلف تلك الغلالة بصورة أكثر جذباً وجاذبيةً وهو بعكس
التعمية التي لا يمكن أن نرى من خلال حجابها الكونكريتي شيئاً سوى
الظلام الدامس والعدم الذي لا يفضي إلى شيء. هذا من جهة الرؤية أما
من جهة الأسلوب فأن العمى الكامل يقترب من المباشرة الكاملة التي هي
أشبه بكاشفات الضوء التي تسلط عليك ضوءاً باهراً فلا يمكن أن ترى شيئاً
ايضاً، وهكذا تلتقي المباشرة والاستسهال مع الغموض والتعقيد. فالأول
يقدم لك الصورة الشعرية بشكل فج وساذج ومباشر لا إيحاء فيها ولا مخيلة
وبالتي فهو لا يقدم لك شيئاً، بينما لا يقدم لك الثاني شيئاً على الإطلاق.
وهذا التخبط الذي يأتي من خلال قصور الرؤية الشعرية وضعف الأدوات ونقص
الثقافة والادعاء وارتباك الوعي، يقود النص ويقودنا معه إلى التعمية
والتضليل، فيأخذ الغموض شكلاً آخر وتتعقد الصورة ويتنافر المشبه والمشبه
به، ويبتعد الدال عن المدلول أكثر مما تسمح به أنساق النص وذهنية المتلقي
ومخيلته، بالإضافة إلى كسر العلاقات اللغوية والاسلوبية والبلاغية
كسراً اعتباطياً.
إنَّ الغموض الفني، عكس هذا، فهو يحتاج إلى فهم كامل للعلاقات بين
عناصر الصورة الشعرية والتناسق اللغوي والتشكيل السردي والمرجع وعلم
الدلالة والانزياح وتوتر الفجوات والتعاشق بين المخيلة والصورة والتأويل
حيث يعطي النص أكثر من مدلول ويأخذ أكثر من شكل وإحالة، فيخرج عن المألوف
المعروف وهذا الخروج يباعده عن دائرة المتلقي السهل ويقربه من دائرة
المتلقي المبدع ـ الكاتب الآخر، بما يملك من مرجعية وتجربة ودربة ومخيلة
تجعله يعيش لذة ومتعة في قراءة النص. وبالتالي فهو يقربه من فهم الشاعر
الحديث ونصوصه.
حيث يشكل باطنه مصهراً كبيراً لكل هذه المدلولات التي يقوم بصهرها
وإعادة صياغتها من جديد أو يفكك تركيباتها ويعيد تشكيلها وفق رؤيته
الجديدة، لتأتي محتشدة بمجازاتها وغرائبيتها واستعاراتها وإحالاتها
للنصوص الغائبة بالإضافة إلى استحضار الأساطير ودلالاتها وانزياحات
اللفظ عن معناه انزياحاً فنياً خلاقاً.
وفي هذا الصهر أو التشكيل تتجلى قدرة الشاعر المبدع وقارئه المبدع
- على حدٍّ سواء - على إعادة تركيب الصورة واللغة والعالم كما يريانه.
بينما يتخبط الآخرون في مجاهل ودهاليز الغموض الأعمى، دون أن يتمكنوا
من معرفة أول الطريق أو آخره. وهذا التخبط هو الذي ملأ مكتباتنا اليوم
بهذه الأكداس المكدسة العمياء التي يسمونها جزافاً شعراً وهي عبارة
عن ضرب في هواء الكلام. وبالإضافة إلى عدم جدواه فهو يشكل سياجاً معرقلاً
وعازلاً ومعوقاً أمام الذائقة للوصول إلى النصوص المبدعة. حيث يشكو
جلُّ الشعراء - هذه الأيام - من خطورة القطيعة بين القارئ والشعر.
إننا إذاً رموز - كما يقول أوسون - نسكن رموزاً.
عدنان الصائغ *
* * *
شاعر عراقي مقيم في لندن
adnan2000iraq@hotmail.com
www.adnan.just.nu
أعلى
عن ( دمدم ) ومشروعاتنا المسرحية في يوم المسرح
العالمي
هذه المسرحية جاءت لتؤكد لنا بأننا لسنا في حاجة
لأن نستورد أعمال المهرجين
ما بال مشروع مسارح الشباب قد اختفى أو توارى إلى الخلف بعد كان واحدا
من المشاريع الفنية الجميلة؟
قد يكون الكلام متأخرا الآن ، فيوم المسرح العالمي
قد مر عليه وقت ، لكن من المناسب دائما فتح الحديث عن الشجن المسرحي
في هذه البلاد التي بها من الخير الكثير ولكنه لا يوجه بشكل صحيح ..
في البداية مرت احتفالية يوم المسرح العالمي مرورا سريعا ، ولم ينتبه
أحد إلا ثلة قليلة قررت أن تحاول الاحتفاء بهذه المناسبة بإمكانياتها
القليلة أيضا .. هذه الثلة كانت تريد احتفالية مميزة ، يتم من خلالها
إقامة عرض مسرحي بل عرضين يمثلان توجهين مختلفين متوازيين ، وإقامة
ندوة وإلقاء كلمة المسرح العالمي في يومه ، وتجميع أكبر قدر من المسرحيين
في جلسة حوار تناقش نتاجات مسرحية والإشكاليات التي مرت بها من أجل
التاريخ فقط ..
لكن تلك الثلة القليلة المتمثلة في إصرار ثلاث فرق مسرحية هي مسرح
مسقط الحر ومسرح الشرق والأهلي المسرحية ، على إقامة فعالية كبيرة
ومميزة وتخلد في الذاكرة ، واجهت الصعوبات العديدة ، وليس أقلها عدم
وجود دعم رسمي متمثل في الجهات الثقافية المعنية ، حتى من الجانب المعنوي
المتمثل في الحضور والمشاركة ..
كانت الأحلام كبيرة ومشرعة تجاه أن يتوفر دعم مؤسساتي مميز ، في أن
يكون هناك حضور للمؤسسات الخاصة وفي رجال الأعمال الذين يتسابقون اليوم
في شراء العقارات من أراض وبيوت وعمارات ، ولكن ليست هناك فكرة تقول
بأن الثقافة والفنون يمكن أن ندعمها ولو بريال واحد ..
لكن ما دام الأمر لا يعني المؤسسة الرسمية فما بال هؤلاء ؟
غير أنه من الإنصاف القول بفضل أولئك الذين دفعوا من جيوبهم وهم ليسوا
تجارا كبارا ولا من أصحاب المال الوفير وضخوا في جسد هذه الأحلام الجميلة
مبالغ تكفيهم أن يقيموا عرضا أو عرضين ، ولم يطالبوا بأن توضع أسماؤهم
أو أسماء أعمالهم كداعمين للحركة المسرحية والفنية مكتفين بذلك الحب
الكبير الذي يضخونه بلا حساب تجاه هؤلاء الحالمين ..
الحالمون ظلوا مدة طويلة في انتظار أن يتم الإفراج عن نصهم المسرحي
من الجهة الرقابية ، ثم مدة أطول في أن تقول لهم جهة الاختصاص سأدعمكم
من أجل هذا المشروع ، بل سأكون مشاركا فيه لأن الاحتفاء بيوم المسرح
هو مثله مثل الاحتفاء بيوم الشعر ، والذي لا ينبغي أن يقتصر على الدعم
المادي بل المساهمة في التنظيم والاحتفاء ، ففعليا يفترض أن تكون تلك
الجهة هي من يقوم بهذا الدور وليس الفرق الفقيرة المعوزة للدعم الدائم
التي إن تكاتفت ثلاث أو عشر منها فإن إمكانياتها تظل يسيرة جدا في
ظل غلاء يواجه كل شيء في هذا العالم..
غير أن ذلك لم يكن ، ربما لأن القائمين على الأمر لم ينتبهوا هذا العام
إلى وجود فعالية تسمى بيوم المسرح العالمي ، وقد يلتفتون إليها في
وقت لاحق فيقيمون احتفالية مميزة تتمثل في دعم الفرق لتعرض ما جد لديها
من أعمال فنية ، ولتساهم معها في التخطيط لإقامة ندوة تسلط إضاءات
حول تجارب لم يتسن لكاميرا الفيديو أن توثقها إلا قليلا ، ولا أن يوثق
نصها في إصدار يمكن للأجيال المقبلة أن تقول بأن لدينا في بلادنا حراكا
مسرحيا..
المهم في الأمر أن العمل الذي كان يتلمسه طريقه للضوء مهما بدا محرجا
ظهر للوجود ، فكانت ندوة التجارب المسرحية التي جاءها فقط ما يقل عن
عشرة أفراد يمكن لي القول بأنهم من الفرق الثلاث التي نظمت الحدث ،
فيما الدعوات وجهت لكثير من الذين يسمون أنفسهم مسرحيين ، ولم يأتوا
فبعضهم مسافر وبعضهم مشغول ربما بعقاره وبيع أرضه ، واستثماره ، وربما
كان عليلا أو مازال على رأس عمله ..
كان الكلام الذي قاله عبد الغفور أحمد وسميرة عن مسرحية الخوف كلاما
جميلا لا لأنه استعادة لذكريات عمل مسرحي فحسب بل لأنه كان يقول بأننا
مازالنا نعاني المشكلات ذاتها في الحركة المسرحية العمانية ، حيث لا
خشبة حقيقية يمكن لها أن تظل أعمالنا ، ولا دعم ، ولا تفرغ ، ولا أي
مساندة ..
ما يزيد عن عشرة أعوام والمشكلة هي المشكلة ، بل الآن أصبحت أكبر فالمسرح
الوحيد الموجود في العاصمة مسقط أغلق لتصدعه ، ولأن المشروع برمته
لم يكن مجهزا بشكل يجعله قادرا على أن يظل عشرين عاما وليس عشرة أعوام
..
وهكذا تأخر مهرجان المسرح العماني الثالث لعدم وجود مكان يمكن من خلاله
عرض المسرحيات التي ستشارك، ولا ندري إن كان سيتأخر أكثر ، ففعليا
وزارة التراث والثقافة لا تملك مسرحا واحدا فقط لتعرض عليه عروضها
أو لتقيم عليه فعالياتها المختلفة ، وهذا أمر يدعو للأسف والحزن ،
إذ لماذا الجهة التي تعمل على الثقافة لا تملك المقومات التي تكفل
لها فعليا أن تقيم فعاليات كمهرجان المسرح إلا من خلال مسارح لا تملكها؟
ربما لأن العمل الثقافي والإبداعي في بلادنا بلا قيمة ، ولا يحتاج
كل هذا الصداع كان مثل هذا التوجه ، ولا يهم ما إذا ما كانت المناطق
كصحار وصور ونزوى لا تملك مراكز ثقافية مهيأة لاحتضان فعاليات ثقافية
مميزة ما دامت مسقط العاصمة بقضها وقضيضها لا تملك هذا الشيء .. ومشروعها
الحلم بات مجرد لوحة نمر عليها ذهابا وإيابا تخبرنا بأن تلك المساحة
من الأرض مخصصة لبناء مجمع عمان الثقافي منذ عام 2000 ، وربما تكون
تغيرت مرة واحدة فقط !!
المسألة برمتها ليست ذنب وزارة التراث والثقافة التي هي الجهة المختصة
بكل المشاريع الثقافية ، بل بتفكيرنا نحن العمانيين ككل ، فغالب مشاريعنا
لا يقوم على منهجية واضحة ، ولا على استراتيجيات تتكفل فيما بعد أن
تؤتي ثمارا يانعة ، بل هي محاولات فردية ، ومشاريع خاصة ، وطموحات
تتغير بين الفينة والأخرى ، ولذلك لا يظهر مشروع واحد يصل حدا من الكمال
..
ما بال مشروع مسارح الشباب قد اختفى أو توارى إلى الخلف بعد كان واحدا
من المشاريع الفنية الجميلة التي يعول عليها أن تخرج لنا من الموهوبين
في المناطق بالتحديد كثيرا ؟
وهذا ليس واحدا ، بل هناك غيره كثير ..
غير أنه لابد من الحلم ، لابد من التفاؤل بالغد ، فسعد الله ونوس في
رسالته لمسرحيي العالم في يوم المسرح العالمي وهو على فراش المرض والموت
، كتب يقول : إننا محكومون بالأمل وما يحدث اليوم ليس هو نهاية التاريخ
..
هكذا ينبغي لنا أن نتفاءل بأن واقعا ثقافيا جيدا قد يأتي في الغد ،
وبأن رؤى ثقافية تتجسد في استراتيجيات تجد طريقها للظهور في الغد القريب
..
هذا ما قالته مسرحية دمدم، ليس من حيث مضمونها ، بل من حيث إقامتها
، التي أكدت أن المسرح العماني بألف خير، ما دام يحوي مثل هذه الطاقات
الخلاقة، كمحمد السيابي ومالك المسلماني وعبد الغفور أحمد وحسين العلوي
ومحسن علي .
هذه المسرحية جاءت لتؤكد لنا بأننا لسنا في حاجة لأن نستورد أعمال
المهرجين من الخارجين ، إذ لدينا طاقات الضحك الجميل المعتمد على حكاية
جميلة ومضامين سامية لا تعطلها النكت السمجة على الجمهور الذي يتابع
كما هو الحال في مهرجان مسقط من كل عام عندما تأتي أعمال لا ترقى إلى
مسمى مسرح ، وكل ميزتها أنها تحوي في داخلها أسماء صنعتها النكت السمجة
الغبية وباتت هي التي تدور حولها الأفلاك ..
أيضا أكدت هذه المسرحية قدرة الفرق المسرحية العمانية على أن تتعاضد
سويا من أجل أن تقدم شيئا جماليا مميزا ليس بذلك الصعب وليس بذلك المبتذل
.. فحتى الضحك له أصوله وقواعده وليس إلقاء نكات خارج السرب ..
كانت المسرحية عموما وجبة جميلة وطرحا عاليا لهموم الإنسان العادي
الذي يبحث من خلال هكذا عروض عن فسحة أمل ..
قد لا تطرح المسرحية حلولا سحرية ، ولكنها تحاول أن تساند الإنسان
في شقائه اليومي ، فتسري عن نفسه ، وهذا دور مهم أيضا ، فالمسرح في
أحد مفاهيمه القديمة هو التطهير ..
لذلك نحن بحاجة لمسرح كهذا كما نحن بحاجة لمسرح راق يطرح جماليات الخشبة
المسرحية وجماليات الأداء العبقري ، وهذا يمكن أن يتولاه مسرح كمسرح
الشباب أو المسرح الجامعي ..
وكما نحن نحتاج مثل هذا المسرح ، فنحن اليوم في أشد الحاجة للجمعية
التي نتأمل من خلالها أن تقوم بدور جميل ، ومنظم للحراك المسرحي في
بلادنا ، دور مساند لما تقوم به جهات الاختصاص ..
وإذا كان لهذه الجمعية من ظهور قريبا فإنه لابد من شكر واجب تجاه الفرسان
الذين سعوا طوال عام بأكمله من أجل الترتيب لها ، وليسوا هم مجلس الإدارة
المؤقت فقط بل حتى الذين آثروا أن يكونوا في الظل مكتفين بدورهم في
الترتيبات ، وأقصد بهم محمد بن هلال السيابي ومالك المسلماني اللذان
مازالا يحلمان بمسرح جميل مع رفاقهم الآخرين ..
هلال البادي*
أعلى
|