
اقول لكم
فئران .. أرز .. نفط
الفئران التهمت محصول الأرز في ولاية ميزورام
الهندية، والجوع أصبح سيد الموقف هناك، والظاهرة تمتد إلى معظم بلدان
جنوب شرق آسيا التي تعتمد في غذائها على الأرز، بعد أن اشتعلت أسعار
الحاصلات الزراعية، وواصلت قيمة برميل النفط التدحرج إلى أعلى، وبان
كي مون يشد شعر رأسه في غانا مع ممثلي 193 دولة بحثا عن حل لارتفاع
أسعار المواد الغذائية والطاقة، ولو حلق هؤلاء رؤوسهم بالموس مثل
الرهبان البوذيين فلن يجدوا حلا، ببساطة لأنه لا يجوز بحث أي مشكلة
بمعزل عن سياقها العام، ولو استطاعوا إدانة فئران عالمنا السمينة
التي تأكل الأرز وتشرب النفط وتلعق الدم، فوقتها قد يجد الأطفال
عصيدة الأرز.
عندما تلتئم شظايا الموزاييك تشكل لوحة بانورامية المعنى، وموزاييك
عالمنا يشمل تأتأة جورج بوش والجثث مجهولة الهوية في العراق، وفحيح
كوندوليزا رايس ووجبة الدم اليومية في غزة، وبصر ديك تشيني وبصيرته
الكليلة ورعاية زراعة الأفيون الأفغاني بدلا من القمح والحنطة ونقيق
ذكر الضفدع المسمى إيهود أولمرت وطيور الموت السوداء التي تحلق في
سماوات الأرض المباركة و.. والمؤتمرون في غانا لا يستطيعون مواجهة
الحمار، فاكتفوا بالتعامل مع برذعته، بانفاق ميزانية الأمم المتحدة
في تذاكر الدرجة الأولى بالطائرات والاقامة بفنادق النجوم الخمس
ثم اصدار بيان ختامي وهم يرتشفون كؤوس مياه فيش .. في صحة الجوعى!
إنهم (فئران حقل القمح) كما يسميهم أمل دنقل في قصيدة جميلة له،
وهم جزء من المشكلة لأنهم يرتضون اللعب بقواعد غير عادلة، والأمر
يتطلب إقامة ميزان العدالة المائل في عالم أضحى أكثر رعبا وجوعا،
حتى لا تتورم فئران العولمة وتصبح في حجم الحملان، وتلتهم الأرز
والقمح والذرة والشعير والشوفان وتهضم ذلك كله ببراميل النفط، وعندما
لا تبقي ولا تذر تتوحش وتقتل بعضها بعضا لتقتات.. كما يقول الكاتب
التركي الساخر عزيز نيسين في قصة جميلة له!
شوقي حافظ
أعلى

3 ابعاد
المسلمون والفاتيكان
عندما زار البابا بنديكس السادس عشر الولايات
المتحدة قبل ايام اراد ان يمد يده الى المسلمين فيها ويبدأ حوارا
معهم، فوجه لهم الدعوة لحضور اجتماعه مع زعماء الجاليات الدينية
الأخرى في واشنطن. لكن بعض المسلمين حضر الاجتماع وبعضهم الآخر رفض
الحضور. واعرب الذين حضروا والذين لم يحضروا عن شكوك في صدق نوايا
بابا الفاتيكان نحوهم. ما زال كثير من المسلمين يتذكرون الكلمة التي
ألقاها البابا، الألماني المولد، في جامعة ريجينبرغ في المانيا في
سبتمبر 2006 ، وفيها نقل عن امبراطور بيزنطي مسيحي قوله إن النبي
محمدا "جاء بأشياء ليست الا شرا وغير إنسانية، مثل دعوته الى
نشر الدين الإسلامي بالسيف". كثير من المسلمين يعتقدون ان بابا
الفاتيكان اختار هذه المقولة من القرون الوسطى لأنها تمثل وجهة نظره
الشخصية، وإن اراد ان يتخفى وراء الامبراطور البيزنطي. وأدت هذه
الكلمة الى احتجاجات في العالم الإسلامي اتسم بعضها بالعنف، كما
ان راهبة ايطالية قتلت في الصومال ردا على كلمة البابا. ورغم ان
البابا اعرب عن الأسف لما احدثته كلمته من إهانة وقال إنه يكن احتراما
عميقا للإسلام، فإنه لم يعتذر عنها. بعض المسلمين في الولايات المتحدة
يقولون إن البابا لم يعتذر بما فيه الكفاية. والبعض الآخر يعتقد
ان شخصية دينية في مكانة البابا كان ينبغي ان يدرك الضرر الذي سوف
ينجم عن مثل ما قال. والبعض يتساءل عن السبب الذي دفع زعيما دينيا
عالميا مثل بابا الفاتيكان في القرن الواحد والعشرين الى العودة
الى قول بيزنطي من القرون الوسطى.
لكن هذه لم تكن الإهانة الوحيدة التي صدرت عن البابا بنديكس السادس
عشر من وجهة نظر مسلمي اميركا. يقول بعضهم إن البابا تحدى المسلمين
عندما قام بنفسه بتعميد مجدي علام الصحفي الإيطالي، المصري الأصل،
الذي تخلى عن الإسلام واعتنق الكاثوليكية. وبثت مراسم التعميد على
التليفزيونات والفضائيات الدولية. يقول الإمام شمسي علي ، مدير المركز
الثقافي الإسلامي في نيويورك، إن المشكلة ليست في اعتناق مسلم ديانة
اخرى، بقدر ما هي احتفال البابا بهذا الاعتناق على شاشات التليفزيون
الدولي. من بين المسلمين الذين رفضوا حضور الاجتماع مع البابا، سلام
المراياتي رئيس المجلس الإسلامي للشئون العامة، الذي قال إن حضوره
كان سيعني مشاركته في مراسم شكلية واستعراضية خلت من اي مناقشة صادقة
للقضايا التي تواجه العلاقات الإسلامية الكاثوليكية اليوم. أما نهاد
عوض، مدير مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية، والذي حضر الاجتماع
ورحب بزيارة البابا، فقد قال إن البابا لم ينخرط في حوار مع الحاضرين،
بل ألقى كلمة من جانبه وانصرف.
كثير من المسلمين ما زالوا يتذكرون كيف ان البابا الراحل يوحنا بولس
الثاني جعل من الحوار بين الأديان اولوية ركز عليها، وكان اول بابا
دخل مسجدا اثناء زيارته لدمشق في مايو 2001. ولكن ملاحظات المسلمين
عن البابا بنديكس السادس عشر، تجد صدى لدى خبراء في العلاقات الإسلامية
الكاثوليكية، بعضهم من الكاثوليك. يتفق بعض هؤلاء على أن البابا
الراهن لا يعطي الحوار بين الأديان الأهمية اللازمة، في هذا الوقت
الذي يتسم بالتوترات. والدليل الذي يسوقه هؤلاء هو ان البابا، بمجرد
اعتلائه البابوية في الفاتيكان، أزال كبير الأساقفة مايكل فيتزجيرالد
من منصبه كرئيس للمجلس البابوي للحوار بين الأديان، ونقله الى القاهرة
كسفير للفاتيكان. كبير الاساقفة هذا يتحدث العربية بطلاقة وهو خبير
متخصص في الدين الإسلامي. يقول البروفسور دان ماديجان استاذ الدراسات
الدينية في روما إنه لو كان الاسقف فيتزجيرالد في منصبه في الفاتيكان،
وليس في القاهرة، لكان قد نصح البابا بإزالة الفقرة المهينة للمسلمين
التي وردت في كلمته في جامعة ريجينبرغ. ويضيف البروفسور ماديجان،
الذي يعمل ايضا مستشارا للجنة العلاقات مع المسلمين التابعة للمجلس
البابوي للحوار بين الأديان، إن البابا بنديكس السادس عشر ليس جادا
بشأن الحوار بين الأديان، والدليل على هذا أن الفاتيكان هذه الايام،
نادرا ما يلجأ اليه، أو الى لجنته، في استشارة بشأن الحوار مع المسلمين.
ويقول القس توماس ريز، استاذ الدراسات الدينية في جامعة جورجتاون،
إن البابا بنديكس السادس عشر لا يحبذ الحوار لأنه يريد ان يتحاشى
النسبية والمقارنات. إنه يخشى ان يسيئ المسيحيون الكاثوليك تفسير
الحوار بين الأديان بما يعني ان كافة الأديان متماثلة. أي ان البابا
مشغول بالفعل بترسيخ فكرة تفوق الكاثوليكية على الأديان السماوية
الأخرى. هناك دليل آخر على هذا الانشغال. وهو ان الفاتيكان يتابع
عدد الكاثوليك في العالم مقارنة بعدد المسلمين. قبل اسابيع اعلن
الفاتيكان أن الاحصاءات تظهر ان عدد المسلمين في العالم تفوق ابتداء
من العام 2006 على عدد الكاثوليك.
بكم؟
بنسبة ثلاثة أعشار الواحد في المائة. يالها من كارثة على الكاثوليك
من جانب المسلمين المفرطين في التناسل، على حد وصف مسئول بابوي.
لكن هناك أملا في علاقات افضل بين الفاتيكان والمسلمين. فقط عارض
الفاتيكان غزو العراق منذ البداية، وحث البابا العالم على حماية
المسلمين من اعمال القتل في دارفور، وأعرب البابا عن إعجابه بتفاني
المسلمين في دينهم. وفي نوفمبر الماضي، التقى البابا في الفاتيكان
العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، وهو اول لقاء بين
خادم الحرمين الشريفين وخادم البابوية الكاثوليكية. وفي الشهر الماضي
اتفق الفاتيكان مع زعماء مسلمين على إرساء محفل اسلامي- كاثوليكي
للحوار.
لكن الطريق لا يزال طويلا وصعبا.
عاطف عبد الجواد
أعلى

باختصار
من أجل أجيال لم تولد بعد
نعشق التاريخ لانه يقدم لنا مادة المستقبل
.. فمنه نكتشف أسرار الماضي ، وعليها تبنى حقائق الحاضر ، هو ولاّدة
العبر ومن نتائجه مقاييس لعلم كبير نختاره احيانا ويختارنا بعض الاحيان.
فلا علم الا بالتاريخ كما يقول شتى المفكرين وعلماء تلك المادة الحيوية
التي تقبع في جلودنا وتجعلنا أسرى لها ، بل تجعل الاوطان مهدا لسيرورتها
ومرتعا خصبا لنموها.
لعلنا اليوم ندفع ثمن قيام دولة اسرائيل ، لكننا قبلها كنا مختبرا
للدولتين فرنسا وبريطانيا اللتين درستا جيدا أحوال العرب وافكارهم
واحتياجاتهم وآراءهم المستقبلية وحالتهم الاجتماعية وقواهم الذاتية
وقدرتهم على الاستمرار .... لعلهم اكتشفوا ان العربي لايحب اخاه
العربي وان مصالحه الذاتية سبّاقة على العمل من اجل الجماعة. ولهذا
السبب هم يحاربون العرب بأفكارهم وسجلهم ، فبعد خروج بريطانيا وفرنسا
ضعيفتين وهالكتين من الحرب الثانية تم اعطاء الولايات المتحدة نبذة
شاملة عن احوال العرب بكل التفاصيل التي يرجوها المنتصر الاكبر من
تلك الحرب الضروس.
قامت اسرائيل بالدور المرسوم لها في شتى المجالات ، بمنع قيام وحدات
عربية ومنع قيام قوة عربية وإبقاء الوضع العربي على انقسامه وترهله
بل وتشجيعه على التمسك بالقطرية لانها ملاذ تفكير قاصر . ولم تتمكن
اسرائيل لولا الرعاية الاميركية لها بل والاوروبية ايضا ، حتى قيل
انهم جميعا على العرب. واليوم نشهد النتائج ، فالذين تدخلوا في الحياة
العربية مازالوا على تدخلهم ، والذين وقفوا الى جانب اسرائيل زادوا
من تورطهم في ايذاء العرب ، ومن تمنع من العرب على تبديل جلده سحقته
القوة فصار عبرة للآخرين.
نظرة بسيطة على الانتخابات الاميركية نجد الود الفاضح اتجاه اسرائيل
من جميع المرشحين للانتخابات الرئاسية بإغداق الوعود والتقرب الزائد
الى حد قول المرشحة هيلاري كلينتون انها ستمحو ايران اذا ماقامت
بضرب اسرائيل ، بل ان كل مؤتمر شرق اوسطي او عربي او حتى اسلامي
لايخلو من وجود اميركي او غربي يمثل الرقابة الصارمة على المؤتمرين
وعلى نتائج المؤتمر ، آخرها مؤتمر دول جوار العراق الذي لعبت فيه
وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس دورا رائدا.
علمنا التاريخ ان " من يهن يسهل الهوان عليه " ذلك البيت
الشعري الذي قيل منذ مئات السنين ظل عبرة لمن اعتبر ، ومع اننا نتفاخر
به وقد تداولته اجيال واجيال ، فقد ظل مجرد كلام في الهواء ، كأنه
قيل لمجتمع آخر وبلسان مختلف. لقد قفزت شتى شؤون وشجون الاميركي
والاوروبي الى الحياة العربية بكل تفاصيلها السياسية والاجتماعية
والمالية والاقتصادية وغيره ، هم يتداولون في امورنا ويضعون لنا
المخارج ويصفون لنا الحالة التي تجعلنا اسرى لها. ومع اننا نعرف
حجم مصالحهم ومدى سعيهم لوضع تلك المصالح في خدمة اهدافهم الكبرى
، مازلنا نتفاعل مع هذا الجو وكأنه مصلحة لنا في الابقاء اليه. مايفعله
العرب اليوم مادة للتاريخ سوف تقال غدا وبعده ، الا اذا قررنا حتى
تزوير هذا التاريخ بالكلمة المناسبة من اجل اجيال لم تولد بعد !
زهير ماجد
أعلى

اصداف
ابتسامة مشوشة في بروكسل
لا أعرف ردود أفعال حكومات وأحزاب حلف شمال
الاطلسي، حول ماطلبه نوري المالكي في بروكسل، لتدريب وتسليح للقوات
الامنية العراقية من قبل هذه الدول، الا ان المفروغ منه، ان الكثيرين
سرعان ما ارتسمت على وجوههم ابتسامة حزينة مشوشة، وذلك للاسباب التالية:
اولا: ان القوات الحكومية العراقية ، امضت خمس سنوات تحت قبعة اقوى
واخطر جيش في العالم، وهو الجيش الاميركي ، الذي استطاع هزيمة الاتحاد
السوفيتي بلا حرب ، وهذا الجيش قدم مختلف انواع الدعم والتدريب والتثقيف
والتسليح للقوات الامنية الحكومية، وابتدأت تلك البرامج من معسكرات
التدريب والتثقيف في داخل العراق، الى معسكرات الاعداد والتدريب
في عدد من الدول العربية، وتعرف سفارات تلك الدول حجم ونوعية التدريب
الذي حصلت عليه هذه القوات، كما ان الجميع يعرفون ان الشرطة والجيش
والاجهزة الامنية الاخرى في العراق، تمتلك احدث وافضل الاسلحة والمعدات
والتجهيزات، وهذا يؤكد انها ليست بحاجة الى اي شيء من هذا القبيل.
ثانيا: ان هذه الدول تدرك تماما، مثلما يدرك الجميع، ان معضلة الاجهزة
الامنية في العراق، لاعلاقة لها بالتدريب والتسليح ولا بالاعداد
البشرية، بل ان المشكلة أعمق وأخطر من ذلك، ويلمس الجميع صورة هذه
الاجهزة، التي تقف على بحور من الخوف والقلق واليأس والارتباك، فهي
اجهزة خائفة، لانها تتبنى مهمة حماية قوات الاحتلال الاميركي، مايضعها
في مرمى القوى الوطنية الرافضة والمعادية للاحتلال، وتعيش حالة من
القلق، لانهم يشاهدون بأم اعينهم حال قوات الاحتلال، التي يستقوون
بها على العراقيين، ويعرفون انها قوات مهزومة راحلة، وسرعان مايحاولون
معرفة مصيرهم حال هروب او خروج قوات الاحتلال، اما اليأس فناجم من
شدة الخوف والقلق وعدم وجود ارضية مستقبلية واضحة، وخلاصة ذلك يفضي
الى حالة من الارتباك، فتجدهم مرة يتمسكون بالاحتلال وخطاياه، وثانية
يحاولون الركض وراء اي سمة او ملمح وطني.
ثالثا: ان هذه الدول والاحزاب، تفرق بين الانشاء السياسي، الذي يحاول
رسم صورة مناقضة للواقع، والخطاب الواقعي، الذي يقف على ارضية صلبة،
تمتلك مرتكزات اقناع الاخرين، وخطاب يأتي من مسؤول لايستطيع ان يغادر
مكاتب المنطقة الخضراء شديدة التحصين، وتحميه قوات اجنبية يلتهمها
اليأس والخوف، لايمكن اعتماده ضمن برامج الدول وأجنداتها.
لذلك، فإن خلاصة الصورة، التي تأرجحت في بروكسل أمام انظار الكثيرين،
ليست بأكثر من علب كارتونية مهلهلة تذروها الرياح، ويعرفها القاصي
والداني، ويدرك ماتحمله من تهرؤ وارتباك، وانها ليست باكثر من انشاء
سياسي يذهب بصاحبه يمينا وشمالا.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidy@yahoo.com
أعلى

حضارات الابتكار و حضارات الركود
ربما كان "الابتكار" أحد أهم أسباب
ومقومات تفوق الحضارات، إذ أن الأفكار المبتكرة، مترجمة إلى برامج
وأدوات وأجهزة وطرائق حياة، كانت دائماً متلازمة مع الحضارات النامية
الواعدة. وعلى نحو معاكس، تسود الحضارة الراكدة أو المتراجعة حالة
غياب الابتكار، الأمر الذي يبرر محاولة أبنائها الالتزام بالموروث
حد العبادة المتعامية! لذا نجد حضارات تتقدم، وأخرى تركد وثالثة
تتراجع. وهكذا يكون المعيار متاحاً بأيدي المؤرخين الحقيقيين: ما
درجة الابتكار وأعداد المبتكرات التي تقدمها حضارة معينة، وما درجة
وطبيعة استقبال العقول الابتكارية العبقرية القادرة على توليد المبتكرات.
إن الحضارة المتطورة تستقبل الابتكار بحفاوة وتكريم، بينما ترتجع
الحضارات الآسنة إلى المحافظة، فهي تقاوم الجديد المبتكر وتضطهد
العقول المبتكرة وربما تنفيها إلى عوالم الجمود والتحجر. لقد اعتُمد
هذا المعيار في تقييم وتقويم الحضارات القديمة والحديثة، إذ ينظر
إلى الحضارة السومرية بوصفها حضارة متقدمة بسبب ما ابتكره الإنسان
الرافديني آنذاك من أفكار جديدة لم تكن متاحة لحضارات معاصرة لها
ولكنها كانت حضارات جمود وتخلف. لقد فكر العقل السومري القديم بزيادة
كميات الغلال من خلال اكتشاف الزراعة وتحويل نفسه من مخلوق جامع
للقوت إلى مخلوق منتج له، الأمر الذي أطلق سلسلة أخرى من المبتكرات
ابتداءً من الأدوات الحادة للحراثة والحصاد وانتهاءً بتحريك الأواني
الكبيرة بواسطة العجلات.
ربما كان هذا وراء سك وإضافة فعل جديد إلى اللغة الإنكليزية، فعل
مشتق من الاسم "فكرة" Idea. الفعل بحد ذاته ابتكار لأنه
إضافة جديدة للقاموس الإنكليزي ، ولأنه كذلك يعني صناعة أو إنتاج
الأفكار "ideate". الطريف هنا هو أحد الإعلانات التجارية
التي تقدم عدداً من الشبان والشابات وهم مضطجعون أرضاً وقد سدوا
عيونهم في هدوء تام ، لأنهم في حالة إنتاج أفكار جديدة "ideating".
وهذه حال قد تكون مثيرة للتندر لدينا: فكم واحد منا يترك لنفسه فسحة
من الزمن للتفكير بالجديد؟ لنلاحظ جداول حياتنا اليومية: كذا ساعة
عمل، كذا ساعة نوم وراحة، كذا ساعة استجمام وجلوس أمام التلفاز،
وكذا ساعة تمارين رياضية، إن وجدت. ولكن من منا يفكر بتخصيص وقت
معين لإنتاج الأفكار أو للتأمل ، على الرغم من أن التأمل بحد ذاته
ولذاته هو نشاط عقلي مهم نحتاج إليه لنرفع الغشاوة أو الغيمية التي
تغلف أذهاننا والتي تفرضها متطلبات الحياة والهموم اليومية على أبصارنا
وبصائرنا. نصف ساعة تأمل قد تكفي لتريك أين أنت؟ وهل أن ما تفعله
صحيح، وهل ينبغي أن تستمر كما أنت أم أنك يجب أن تضفي شيئاً جديداً
على حياتك، وما الذي يمكن أن تخرج به من مبتكر لحياتك العملية أو
لمجتمعك أو للآخرين من الذين يحيطون بك أو يعتمدون عليك؟ هذه أسئلة
غالباً ما نتعامى عنها، بالرغم من أن حضارتنا العربية الإسلامية
كانت مملوءة بالأذهان التأملية العملاقة القادرة على بلوغ خلاصات
مبتكرة من خلال التأمل ، الأمر الذي يبرر ظهور ظواهر من نوع "الصومعة"
حيث يختلي العقل المفكر بنفسه، أو"المعتكف" حيث يكرس الطالب
نفسه، لوحده، للتأمل وللتعامل مع المكتوب والمطبوع من مبتكرات عقول
الآخرين، القدماء والمحدثين. وقد بزّ الإمام الغزالي مجايليه في
ميله إلى الانفراد بنفسه وتوليد الأفكار العملاقة. ولم نزل نقرأ
الإمام الغزالي ونرتجع إليه كنبع غزير للأفكار.
إننا إذا ما حاولنا أن نعدد الأدوات والآلات البسيطة التي ابتكرتها
عقول من الأمم الأخرى وقد جاءتنا مستوردة، سنلاحظ أن هناك العديد
منها كان يمكن أن نبتكره في مجتمعاتنا العطشى للمبتكر: فلماذا نستورد
المبتكرات البسيطة، من فرشة الأسنان الهزازة إلكترونياً إلى الأفران
الإلكترونية ولا نتوقع أن يبتكرها عقل محلي، على الرغم من بساطتها؟
هذه علامات الركود والاستكانة التي ينبغي أن ترصد بحذر والتي نعاني
منها حيث لا تمنحها مناهجنا الدراسية لتلاميذنا، من مراحل رياض الأطفال
والتمهيدي إلى مراحل الدراسات العليا. ليس هناك مايكفي من تدريب
على التفكير الحر المولد للمبتكرات. إن مناهجنا الدراسية، في أغلب
الحالات، مؤسسة على آليات الحفظ وإعادة إنتاج المعلومات في الامتحانات.
لذا فإن أذكى العقول لدينا هي تلك التي تتمتع بذاكرة قوية، استرجاع
للمعلومات المطلع عليها. هذه الآلية لا تنمي خلايا الدماغ القادرة
على ابتكار الجديد من الأفكار، فالطالب يذهب إلى قاعة الامتحان لاجترار
ما حفظه خلال اليوم السابق، وربما الليلة السابقة؛ أما إذا لم يتمكن
من استرداد هذه المعلومات المطلوبة كإجابات على الأسئلة، فله الله!
فدراستنا هي مذاكرة وحفظ واستذكار، ولا مجال للاجتهاد ولترييض العقل
برياضات إنتاج الجديد والأصيل من الأفكار. أما إذا ما تجرأ أحد من
تلاميذنا وحاول أن يقدم شيئاً جديداً فإننا نقابله بالتهكم وبالتصفير
وربما بالتندر حد إعلانه التوبة من الفكرة الجديدة أو من محاولة
التفكير بطريقة إبداعية.
وما دمنا نناقش قدرات الحضارات المتنوعة على الابتكار وتقديم الجديد
والشجاع من الأفكار، فإن للمرء أن يلاحظ أن الإعلام يمثل أحد أهم
البيئات أو الأواني المشجعة على الأفكار الجديدة، ابتداءً من سك
وتركيب الكلمات الجديدة وتثوير اللغة إلى تقديم أفكار مفيدة ومهمة
للمجتمع. هذا، بكل دقة، ما تحقق قبل بضعة أسابيع في نيويورك حيث
تم ابتكار اسم جديد يضاف إلى قاموس اللغة الإنكليزية، وهو: Newseum،
وهي لفظة مركبة من news بمعنى الأخبار، والنصف الثاني من كلمة museum
بمعنى المتحف. وهكذا جاء العقل الإعلامي هناك بفكرة متحف الإعلام
أو المتحف الإعلامي. هذا متحف طريف ومهم، ليس لطلبة أقسام الإعلام
فقط، باعتباره يؤرخ للأدوات التي استخدمت في العمل الصحفي من بداياتها
حتى اللحظة، ولكنه مهم كذلك بالنسبة للجميع لأنه يؤرخ للأحداث التاريخية
التي رصدها الإعلام والتي حظيت باهتمامه: من صور وأخبار وتعليقات
ومقالات وأجهزة واتصالات. هذا نوع مهم من الأرشفة الثقافية التي
يتوجب أن تتوافر في بلداننا العربية. ولكن، مع هذا، يبقى المبتكر
(إذا ما حاولنا محاكاته) مستورد. والسؤال الأهم هو: لماذا لم نبتكر
مثل هذه الفكرة "هنا"، ولماذا ننظر إليها كفكرة أصيلة
جديدة تستحق المحاكاة "هناك"؟
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي
أعلى
إعلان الحقيقة والسراب حول العراق وفيتنام
لم يكن هناك أي تقصير في المشورة الاستراتيجية
التي قدمت للرئيس بوش عن حرب العراق الاسبوع الماضي بما في ذلك تكرار
معنى العبارة التي لم تقال حرفيا من قبل " أعلن الإنتصار وعد
الى الوطن".
وتلك هي نفسها العبارة التي قالها السيناتور الراحل جورج ايكين الجمهوري
والذي خدم في مجلس الشيوخ لمدة 34 عاما خلال الفترة التي تولى فيها
الجمهوريون من الشمال الشرقي للولايات المتحدة الحكم. وكانت تلك
أيضا حقبة المجاملات والكياسة الدولية.
في ذلك الوقت كانت فيتنام تمثل أزمة موجعة في واشنطن اكثر مما تمثله
العراق اليوم وعلى الرغم من ذلك فعندما قدم ايكين خياره الاستراتيجي
للرئيس ليندون جونسون ـ الذي رفضه مضطرا ـ كانت حرب فيتنام مستمرة
لفترة تماثل الحرب الحالية. ويبدو ان بوش يشترك مع جونسون في الإستخفاف
بالحديث عن " إنهاء الحرب" وخلال الأسبوع الماضي أكد الرئيس
ـ الذي بدا واضحا أنه على ثقة أن الحرب اليوم لها ما يبررها كما
كان الامر عند بدايتها ـ أن قرار إنهاء الحرب لم يعد بيده وإنما
آل الى من سيخلفه.
كما أوضح الرئيس انه سيمنح الجنرال ديفيد بيتريوس كل الوقت الذي
يحتاجه لاتخاذ قرار إعادة القوات الأميركية الى الوطن. وبذلك يكون
بوش قد أكد أن مستوى القوات سيظل كما هو عليه حتى انتخابات نوفمبر.
وإذا كان القارئ يعتقد أن هذا يعني أن الجيش الأميركي سيكون قادرا
على السيطرة على العنف فقد يحمل ذلك معنى أن الحرب اقل من أن تمثل
قضية. وبكلام بوش فلن يكون هناك إعلان للإنتصار تعقبه عودة الى الوطن.
وعلى الرغم من أن ايكين لم يستخدم على الإطلاق مثل تلك اللغة الدقيقة
إلا أن مشاعره كانت واضحة في خطابه الذي ألقاه أمام مجلس الشيوخ
في 19 اكتوبر 1966 كما أن أوجه التشابه بين الموقف الذي كان يصفه
والموقف الحالي في العراق يكاد يصل الى حد التطابق.
فقد أشار ايكين الى انه في فبراير 1965 عندما كانت اعداد الجنود
الأميركيين في جنوب فيتنام أقل من 20 ألفا كان احتمال الحاق الهزيمة
بالأميركيين قائما بالفعل وكانت الزيادة الكبيرة في أعداد القوات
تعني ضمانا أن أي هزيمة مستقبلية لن يكون سببها القتال الميداني.
وقال ايكين : يبدو أن العدو قد استبعد فكرة الدخول في اشتباكات بالصورة
التقليدية أمام التفوق الأميركي ومن ثم فقد لجأ الى حرب المضايقات
والمفاجأة وأساليب حرب العصابات. والاصابات التي لحقت بصفوف الجيش
الاميركي كانت حتمية. فكلما زادت أعداد القوات الأميركية المقاتلة
كلما زادت معها أعداد الخسائر في صفوفها جراء تلك الاساليب.
فهل يبدو كلامه مألوفا اليوم؟
ولأن القوات الأميركية لم تكن تتعرض لتهديدات خطيرة واحتمال الهزيمة
فقد جاء تحذير ايكين أن هناك احتمالات لتدخل الصين ( هناك ايران
اليوم) إلى جانب تآكل مصداقية القوة الأميركية من خلال إنهاك وإرهاق
النشاط السياسي. وكان رأيه ان المزيد من القوات يعني تقلص فرصة الحل
السياسي.
كما أكد على أنه كلما زاد حجم الالتزام العسكري الاميركي في جنوب
فيتنام كلما تقلص احتمال قدرة أي حكومة هناك على تأكيد سلطتها سواء
على أرض الوطن او في الخارج.
وأكد أيضا على أن التزام الولايات المتحدة من الواضح انه يخنق أية
فرصة حقيقية لتقرير المصير في جنوب فيتنام لسبب بسيط وهو أن الدفاع
الموجود في هذه البلد يعتمد برمته على التواجد العسكري للولايات
المتحدة.
والتشابه مع الموقف في العراق اليوم لا يحتاج الى دليل.
ثم وضع ايكين صياغة لإستراتيجية النصر :
تستطيع الولايات المتحدة أن تعلن من جانب واحد أن مسرح الحرب في
فيتنام قد انتهى وأننا قد كسبنا المعركة حيث أن قواتنا المسلحة تسيطر
على معظم ميدان المعركة وليس هناك عدو يمكنه ان يبسط سلطته على جنوب
فيتنام.
ثم أوضح ان مثل هذا الإعلان للنصر العسكري من جانب واحد من شأنه
أن يستدعي الحرب السياسية لتصبح الموضوع السائد في جنوب فيتنام.
كما ان اي دولة لن تنازع الولايات المتحدة بشكل جوهري في اعلانها
النصر في النزاع العسكري.
وعلى الرغم من أن ايكين لم يقل حرفيا أن " نعلن الإنتصار ونعود
الى الوطن" او أن نعلن الإنتصار. إلا أنه قدم للرئيس الأميركي
آنذاك طريقة للخروج من الحرب التي قد تتطور لتصبح أكثر مأساوية وكلفة
مع تضاؤل فرص الإنتصار مع مرور الوقت.
وكان ايكين أكثر واقعية ودقة في اقتراحه الذي قدمه حتى تضع الحرب
أوزارها على الرغم من ان جونسون لم يأخذ بنصيحته. كما أن ايكين كان
يريد اعلان الانتصار ولكنه لم يدعُ الى انسحاب سريع وكامل بل الى
إعادة نشر القوات بطريقة استراتيجية يمكن أن تجبر الشمال والجنوب
على التوصل الى حل سياسي. وحتى لو لم يقل ايكين ما نفكر به الآن
تحديدا إلا أنه لم يكن مخطئا.
ميشيل تاكيت
رئيس مكتب شيكاغو تربيون في واشنطن
خدمة ام سي تي خاص بـ(الوطن)
أعلى
فرصة يجب ألا نضيّعها
يجب أن تكون الخلافات الحادة التي طفت على
السطح بين صربيا وعدد من حكومات الاتحاد الاوروبي على مستقبل كوسوفو
مدعاة للاسف لكل الاطراف المعنية. فلم يكن هذا اختيار صربيا وسوف
يظل موقفنا هو ان اعلان الاستقلال وقرارات الاعتراف به هو عمل غير
قانوني.
في نفس الوقت يتعين علينا ان نستمر في التواصل مع بعضنا البعض لصالح
استقرار المنطقة على المدى القصير والبعيد. ولعمل ذلك يتعين علينا
العمل معا من اجل منع ان يصبح الخلاف دائما وصعبا اصلاحه. ويمكن
لمزيد من الاخطاء في هذه اللحظة المتوترة ان تأخذ سنوات او حتى عقود
لتصحيح ذلك. وثمة واجب على مستوى القيادة في كل منا وهو العمل على
منع ذلك من الحدوث وايجاد مخرج بروح من الاحترام والحساسية المشتركة.
على الرغم من انخراطنا في معركة دبلوماسية من اجل الحفاظ على سيادتنا
ووحدتنا الاقليمية، سوف تستمر صربيا في العمل بوصفها قوة بناء من
اجل السلام في البلقان الغربي. ولا ينبغي عمل اي شيء لزعزعة استقرار
المنطقة او اضافة مزيد من التوترات على التي تلك التي احدثها بالفعل
قرار الاستقلال الاحادي من قبل كوسوفو.
ولهذه الغاية نعتقد انه من الاهمية بمكان ان تبقى الامم المتحدة
منخرطة بشكل فعال فيما يتعلق بقرار مجلس الامن الدولي رقم 1244.
وبالاضافة الى التعاون على صعيد القضايا الامنية والانسانية، يتعين
علينا البدء في وضع الاسس لحل طويل الاجل مقبول للطرفين. وانا على
قناعة ان افضل مكان للمضي في ذلك هو في اطار الاتحاد الاوروبي. فقد
حقق الاندماج الاوروبي اسهاما ملحوظا في سلام ورخاء القارة ولو على
الاقل في حل الصراعات القديمة وتوحيد الاوروبيين خلف خبرة مشتركة
قائمة على القيم المشتركة.
ندرك من واقع الخبرة ان الاندماج يمكن ان يحقق تحريكا ايجابيا لصالح
اتفاق ومصالحة حتى في الاماكن التي كانت في يوم ما يبدو ذلك مستحيلا
فيها. وكلما زاد بروز اليأس في الوضع كلما زادت اهمية ان يتم ابقاء
الحوار والتعاون مفتوحا. وسوف يكون اتفاق مستقبلي اسهل انجازا لو
تحركت كل صربيا-بما في ذلك كوسوفو-بانسجام صوب الغاية المشتركة لعضوية
الاتحاد الاوروبي. مع اخذ ذلك في الاعتبار يكون من المهم تأكيد مستقبل
صربيا الاوروبي بشكل كبير حتى يصبح الاتحاد الاوروبي تركيز جديد
للوحدة في البلقان الغربية وليس مصدرا كبيرا للانقسام.
العنصر الاكثر اهمية في ذلك يوفره اتفاق الاستقرار والانضمام الذي
طرحته صربيا والاتحاد الاوروبي العام الماضي والذي ينتظر التوقيع
النهائي. وعندما يتم تبنيه والتصديق عليه فان هذا الاتفاق سوف يضفي
الطابع الرسمي على وضع قبول صربيا ويضعنا في الطريق المباشر الى
العضوية الكاملة.
من الاهمية بمكان الا يتم عرقلة التقدم صوب هذا الهدف عن طريق مطالب
متشددة تجعل التقدم والاتفاق اقل احتمالا. ثمة اشخاص على الجانبين
يريدون السماح للعواطف بان يكون لها الغلبة على القرار السليم فيما
يتعلق بهذه القضية. وينبغي عدم السماح لهؤلاء بتحديد بنود النقاش.
لن يكون هناك اي مستقبل ناجح لصربيا في عزلها عن بقية اوروبا. كما
يمكن الا يكون هناك استقرار وأمن لبقية البلقان الغربي بدون تعاون
صربيا الديمقراطية. ان علينا ان نثمن اعتمادنا المتبادل ونعمل على
مساعدة بعضنا البعض. ومطلب صربيا الوحيد هو ان يتم معاملتها على
نفس الاساس مثلها مثل المتطلعين للاتحاد الاوروبي وليس استبعادها
بطريقة تقوم على التمييز. فلم يتجنب الاتحاد الاوروبي قبرص بسبب
خلافاتها الطويلة مع تركيا. بل انه استغل الفرص التي خلقتها عملية
الانضمام لفتح افق جديدة امام التقدم والاتفاق بين البلدين. وقد
حسن ذلك العلاقات في المنطقة.
ويتعين عمل شيء مشابه فيما يتعلق بالمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.
فنحن نريد الوفاء بالتزاماتنا كاملة، غير اننا لا يمكننا قبول المعايير
المزدوجة-لا سيما على ضوء التبرئة المخزية لراموش هاراديناج الالباني
الكوسوفي الذي نعتبره مجرم حرب.
السابقة واضحة: وهي ان اتفاق استقرار وانضمام كرواتيا الذي تم التوقيع
عليه حيال كل المدانين في محكمة لاهاي داخل البلد قد تم تسليمهم.
واسفرت تلك الاشارة من الاتحاد الاوروبي عن نتيجة في صالح كل الاطراف.
وعندما يتعلق الامر بصربيا، فان جماعات المصالح الوحيدة المستفيدة
من اتخاذ مقاربة مختلفة الان يمكن ان تكون هي تلك الجماعات التي
ترغب في وقف اندماجنا الاوروبي ووقف كل التعاون مع المحكمة. وهذا
ليس في مصلحة اي من صربيا او الاتحاد الاوروبي.
وصلت السياسة الصربية الى نقطة تحول حاسمة، حيث سوف تكون الانتخابات
البرلمانية القريبة هي الاهم منذ اكتوبر 2000، لأنها سوف تحدد مسارنا
في السنوات القادمة. والاختيار الان اوضح عن اي وقت مضى وهو اما
بلد ملتزمة بعضوية الاتحاد الاوروبي كاملة او بلد ينسحب ويلجأ الى
العزلة السياسية والاقتصادية.
الشك الوحيد هو فيما اذا كان ذلك معروض بشكل فعلي ام لا. وهذا هو
السبب في ان الوقت قد حان من اجل ان توقع صربيا والاتحاد الاوروبي
على اتفاق استقرار وانضمام. فمثل هذا البيان الواضح لصالح مستقبل
صربيا الاوروبي يمكن ان يقطع شوطا طويلا في بناء الثقة وضمان الامن
والتقدم للمنطقة برمتها. وتلك هي الفرصة التي علينا الا نضيعها.
فوك جريميتش
وزير الشئون الخارجية في جمهورية صربيا الاتحادية. خدمة ام سي تي
خاص بـ(الوطن).
أعلى
العلاقات الروسية- اليابانية.. إلى أين؟
العلاقات بين روسيا واليابان تتطور على الرغم
من النزاع الاقليمي المستمر وغياب معاهدة سلام. ومع ذلك فان البلدين
لن تتجها الى تنحية القضايا السياسية جانبا، وان كانتا مستعدتين
للبحث عن تسوية على الرغم ان مواقفهما لم تتقارب كثيرا.
في محادثاتهما في موسكو في 14 ابريل الجاري ناقش وزير الخارجية الروسي
سيرجي لافروف ونظيره الياباني ماساهيكو كوميورا كثيرا من القضايا.
وفي المؤتمر الصحفي المشترك كرسا اهتماما اكبر مما كان يتوقعه الصحفيون
لمعاهدة السلام والجزر التي تدعي اليابان ملكيتها في شمال هوكايدو.
واعلن الجانبان عن استعدادهما للاستمرار في البحث عن اتفاق مقبول
للطرفين على اساس الاتفاقات السابقة.
وكان الاعلان السوفيتي-الياباني عام 1956 قد وضع نهاية لحالة الحرب
بين البلدين وتم التصديق عليه من برلمان البلدين. مع ذلك فان معاهدة
السلام لم يتم التوقيع عليها بسبب الاراضي المتنازع عليها وهي جزر
كيوناشير وشيكوتان وايتوروب وهابوماي ارشيبيلاجو.
تعتقد روسيا ان هذا الاعلان يرتكز على نتائج الحرب العالمية الثانية،
التي لا يمكن تغييرها. مع ذلك فالاعلان ينص ايضا انه بعد التوصل
الى معاهدة سلام، تكون موسكو مستعدة لتسليم شيكوتان وهابوماي لليابان.
ومما يزيد الامر تعقيدا هو ان اليابان لا تطالب بجزيرتين بل بأربع
جزر وهذا الموقف يتناقض مع الاعلان.
يشير المحللون ان روسيا مستعدة للتوقيع على معاهدة سلام مع اليابان
اذا وافقت طوكيو على ان الجزر المتنازع عليها او على الاقل اثنتين
منهم تخص روسيا. وبعد زيارة جزر الكوريل الجنوبية في 2007، اقترح
لافروف عملية تنمية مشتركة للجزر غير ان اليابان لم تستجب. وابلغ
مصدر في الحكومة اليابانية وكالة ريا نوفوستي ان طوكيو قلقة من انها
اذا قبلت هذا المقترح، فان ذلك قد يتم تفسيره على انه اعتراف ضمني
بأن الجزر هي أراض روسية وليست اراضي يابانية.
في نفس الوقت، وافق الطرفان على تشجيع التبادل الحر للزيارات بين
السكان اليابانيين السابقين للجزر والسكان الحاليين. وينطبق ذلك
على افراد اسرهم ايضا. ولا تعترض اليابان على هذه الممارسة لانها
بدون تأشيرات لمواطنيها.
على الرغم من كل الخلافات في مواقف الجانبين بشأن الجزر، فانهما
سوف يستمران في البحث عن حلول على هامش قمة مجموعة الثماني في هوكايدو
في يوليو المقبل أو قبل القمة اذا زار رئيس الوزراء الياباني ياسو
فوكودا موسكو. وثمة اتفاق على الزيارة من حيث المبدأ ولكن ليس كذلك
الحال بشأن توقيتها.
من المتوقع وصول فوكودا الى روسيا في شهر ابريل غير ان خطة زيارته
يجب ان يوافق عليها الدايت (البرلمان) الياباني. ومن المهم للجانبين
ترسيخ التقدم الذي تحقق في السنوات القليلة الاخيرة عند نقل السلطة
الى الرئيس المنتخب دميتري ميدفيديف.
على الرغم ان لافروف ابلغ نيهون كيزاي عشية زيارة كوميورا لموسكو
ان روسيا لن تغير من موقفها، يأمل اليابانيون في ان تساعد زيارة
موسكو رئيس الوزراء على ترسيخ اتصالات شخصية جيدة مع مديفيديف. وخلال
الزيارة الحالية دعا كوميورا رسميا ميدفيديف الى المشاركة في قمة
مجموعة الثماني في هوكايدو في الفترة من 7 إلى 9 يوليو المقبل.
تعتبر روسيا واليابان انه من المهم خلق افضل الاجواء الممكنة من
اجل التوصل الى معاهدة سلام عن طريق تطوير التعاون في القضايا الدولية
والمجالات الاخرى. وفي المؤتمر الصحفي اعلن كوميورا ان اليابان مستعدة
للاخذ بعين الاعتبار لمخاوف روسيا بشأن تطوير منظومة الدفاع الصاروخية
اليابانية-الاميركية في شمال شرق اسيا. وأكد ان هذا المشروع المشترك
ليس موجها ضد روسيا. وموسكو قلقة من ان تطوير هذه المنظومة سوف يدفع
الى سباق تسلح ويقوض الاستقرار الاستراتيجي في العالم. وتعتقد ان
التعاون العسكري الياباني-الاميركي ينبغي ان يتم في اطار مشروع جماعي
لتعزيز الامن الاقليمي.
ثمة مشكلة اخرى في العلاقات الثنائية وهي مصير اسرى الحرب اليابانيين
السابقين الذين قضوا في سيبيريا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث
كانت القوات السوفيتية قد اسرت حوالي 600الف اسير ياباني في منشوريا
وكوريا الشمالية وجنوب سخالين وجزر الكوريل. وتشير الحكومة اليابانية
إلى ان 60 الفا منهم قضوا في سيبيريا. ومصير 12 الفا اخرين لم يتم
توضيحه، وتأمل اليابان في ان تحصل على قوائم الموتى الباقية من روسيا.
وفي هذه المرة سلم لافروف كوميورا قائمة تضم 134 اسما الامر الذي
وصفه الوزير الياباني بانه"إشارة على اهتمام جاد من قبل روسيا
بحل القضية."
تحضر روسيا واليابان عدة وثائق للتوقيع عليها في قمة مجموعة الثمانية
المقبلة. وابلغ مصدر في الحكومة اليابانية ان هذه الوثائق تتضمن
اتفاقات على التعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية وفي
تسهيل اجراءات التأشيرات والجمارك وفي المساعدة المتبادلة في التحقيق
في الجرائم.
خلال جولته في روسيا زار كوميورا سان بطرسبورج التي باتت محور النشاط
التجاري الياباني في روسيا والتقى وزير الصناعة والطاقة فيكتور خريستينكو-
وكلاهما رئيسان للجنة التجارة والاقتصاد بين الحكومتين.
في العام الماضي، تجاوز حجم التجارة بين البلدين 20 بليون دولار
وهو ما يزيد خمسة اضعاف على ما كان عليه الحال في 2002، في حين وصل
الاستثمار التراكمي لليابان في روسيا 3 بلايين دولار. وتعمل 302
شركة يابانية في روسيا.
اليابان مهتمة بالتعاون مع روسيا في مجال صناعة النفط والغاز وفي
تحديث سكة حديد عبر سيبيريا. ومن المتوقع ان يتم تدشين رحلات مباشرة
بين سان بطرسبورج وناريتا(مطار دولي قرب طوكيو) في نهاية هذا الشهر.
يحفز التطور السريع للعلاقات الثنائية على حوار سريع-ويجب ان يكون
للشريكين الاقتصاديين الاقوياء اقل ما يمكن من الخلافات. وعلى الرغم
من اختلاف وجهات النظر حول الجزر الاربع، الا ان موسكو وطوكيو تفضلان
الاستمرار في نقاش هادئ حتى تصلا في النهاية الى حل مقبول للطرفين
فيما يتعلق بمشكلة الاراضي المتنازع عليها والتوقيع على معاهدة سلام.
ايفان كاخارشينكو
معلق مختص بالشئون الخارجية في وكالة الانباء الروسية. خدمة ام سي
تي خاص بـ(الوطن).
أعلى
العدو رقم 3 في العراق
لماذا تختلف حرب العراق عن الحروب الاميركية
الاخرى؟ في كل واحدة من حروبنا الاخرى، كان الجنود الاميركيون يحاربون
نفس الأعداء من البداية الى النهاية. فقد حاربنا البريطانيين في
الثورة وحرب عام 1812 والمكسيك في الحرب المكسيكية وهكذا. وفي الحرب
الكورية فقط اضطررنا الى خوض قتال مع جيش بلد اخر(وهو جيش الصين)
بعد اندلاع الحرب ولولا ان دوجلاس ماك ارثر لم يندفع الى الحدود
الصينية، ما كنا حاربنا سوى كوريا الشمالية. في عدد من الحروب، كان
أعداؤنا يتلقون معونة من بلدان اخرى(فيتنام من الاتحاد السوفيتي
على سبيل المثال)، غير ان القتال الرئيسي كان ينصب فقط على عدونا
الاصلي.
ليس الحال كذلك في العراق، حيث اننا نقاتل الان عدونا الثالث المختلف.
في المرحلة الاولى من الحرب، كنا نحارب نظام صدام حسين وبعد سقوطه،
كانت القوات الموالية لصدام والقوات السنية الاخرى التي شنت حرب
عصابات ضدنا. وفي المرحلة الثانية، حاربنا جماعة لم تكن موجودة عند
بداية الغزو وهي تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين. وحسب اقرار جيشنا
فان القاعدة في بلاد الرافدين لم تكن مسئولة سوى عن شطر صغير من
العنف هناك، غير انها كانت الجماعة الاكثر عداوة لجنودنا ولكثير
من السكان المدنيين. وفي ذلك كنا نحصل على مساعدة كبيرة من قبل القوات
السنية الذين كانوا خصومنا الاساسيين في المرحلة الاولى من الحرب
غير انها لفظت القاعدة. وعندما حملت المقاومة السنية الاسلحة في
وجه القاعدة، فاننا أعدنا تصنيف السنة بوصفهم اصدقاء وسلحناهم على
الرغم انهم لا يزالون معارضين للحكومة الوطنية التي يهيمن عليها
الشيعة التي نزعم انها حليفنا الاساسي.
الان وفقا لشهادة الجنرال ديفيد بتريوس والسفير ريان كروكر امام
الكونجرس ، فان أعداءنا الاساسيين في العراق هم القوات الشيعية المدعومة
من ايران المجاورة. تنحصر القاعدة في بلاد الرافدين الى حد كبير
في المنطقة المحيطة بالموصل واغلب الهجمات على القوات الاميركية
وعلى سلطة الحكومة العراقية كما يقولون تأتي من ميليشيات شيعية مدعومة
من ايران وكثير منها متحالف مع مقتدى الصدر الذي امضى الاشهر الاخيرة
في ايران. ومرة اخرى تدعم ايران الحكومة التي يسيطر عليها الشيعة
والتي يترأسها نوري المالكي -وهذا هو السبب في ان ايران هي التي
توسطت في التوصل الى اتفاق وقف اطلاق نار بين قوات المالكي والميليشيات
الشيعية بعد هجوم المالكي على الميليشيات في البصرة.
تأتي الدعامة الاساسية لحكومة المالكي بشكل اساسي من فصائل شيعية
مناهضة للصدر وأبرزها عائلة الحكيم وتنظيمها المجلس الاعلى للثورة
الاسلامية في العراق الذي كان يتخذ من ايران مقرا له خلال اغلب فترة
حكم صدام حسين وفي الواقع فقد تم تأسيس هذا المجلس بشكل فعلي من
قبل الحوزة الدينية الحاكمة في ايران. وهذا هو احد الاسباب فان حكومة
المالكي وافقت على الاستقبال الشعبي للرئيس الايراني محمود احمدي
نجاد عندما زار بغداد الشهر الماضي في الوقت الذي كان الرئيس بوش
لا يزال يتسلل في الدخول والخروج من بغداد مثل اللص في جنح الظلام.
الغطاء الموالي لايران في الحكومة الحالية وتقريبا في اي حكومة يهيمن
عليها الشيعة هو السبب في انه ليس لاي دولة سنية في الشرق الاوسط
علاقات دبلوماسية مع بغداد.
أي ان سياستنا الحالية في العراق هي الدفاع عن تلك الجماعات الشيعية
المتحالفة مع المالكي على الرغم، من تقاربه مع ايران، ضد تلك الجماعات
الشيعية، القريبة ايضا من ايران، والمتحالفة سواء مع الصدر أو باي
حال ضد المالكي. وبما ان تركيزنا الحالي على العدو رقم 3 لا يعني
ان العدو رقم1، عناصر المقاومة السنية، لن تدخل الميدان ثانية ضد
المالكي وقواته- في هذه المرة فقط، سيكون لديهم الاسلحة التي اعطيناها
لهم من اجل قتال القاعدة في بلاد الرافدين.
أي ان حربنا في العراق تختلف عن كل حروبنا السابقة لاننا نحتل بلد
في حرب معه وتحمل الجماعات السلاح في وجهنا لاننا ندافع عن حكومة
غير راضين عنها وهي الحكومة التي يمكن ان تشكل في حد ذاتها تهديدا
استراتيجيا لمصالحنا. في هذه البلد، فاننا نقوم بتجميع الاعداء بشكل
واضح من خلال وجودنا المستمر.
لو كان قلقنا وهمنا الرئيسي، كما نؤكد ذلك الان، هو انتشار النفوذ
الايراني، فان ما نريده هو حكومة يقودها السنة والتي يمكن ان تحصل
على او تحتفظ بالسلطة في عراق ذات اغلبية شيعية عن طريق القوة. وعندئذ
نكون بحاجة الى صدام حسين اخر على ان يكون في هذه المرة اقل عداوة
للولايات المتحدة. غير ان ذلك يمكن ان يكون الحل الذي لا يمكن ان
نؤيده لان ذلك سيكون بمثابة استهزاء او تحكم بمغامرتنا الفاشلة برمتها
في العراق.
وتلك هي الحرب التي يريد جون ماكين ان يشنها ريثما يحالفنا النصر.
وان كان الذي لا يريد ان يعمله اي احد-بما في ذلك ماكين وبتريوس
وكروكر وبوش- هو تحديد اي شكل يمكن ان يكون عليه مثل ذلك النصر.
هارولد ميرسون
محرر في صحيفة المنظور الاميركي ولوس انجلوس الاسبوعية. خدمة لوس
انجلوس تايمز-واشنطن بوست خاص بـ(الوطن).
أعلى
الأولمبياد قوة على طريق التغيير
تسببت أعمال الإحتجاجات الواسعة التي واكبت
سير الشعلة الأولمبية في سان فرانسيسكو وباريس ولندن في إرباك الإحتفالات
التقليدية. وهذ الشهر حكم بالسجن ثلاثة أعوام ونصف السنة على أحد
النشطاء الصينيين لإتهامه بالتحريض على الفتنة ضد الحزب الشيوعي.
وتواصل الحكومة المركزية اتخاذ الإجراءات المشددة لقمع الإضطرابات
في التبت. والشيء الذي كانت الصين تعول عليه أن يكون ميدالية انتصار
لها سرعان ما تحول الى أرقام جديدة في سجل انتهاكات حقوق الإنسان.
ويبدو الأمر كما لو أن الأولمبياد لم تحدث تغييرا كبيرا في الصين
وأن بكين لا تبذل الكثير من أجل احداث التغيير بالألعاب الأولمبية.
بيد أن الحكومة الصينية شيء والشعب الصيني الذي يبلغ تعداده 1.3
مليار نسمة شيء آخر. ومن الضروري ألا يتم الخلط بين الصين والحكومة
الصينية. وهذه الألعاب الأولمبية قد أثارت كوامن هائلة من القومية
الصينية داخل الصين وخارجها. وعلينا ألا ننكر القومية الصينية كجزء
لا يتجزأ من الآلة الشيوعية. فالقومية شكلت مشاركة مدنية وقاربت
بين مجموعات عادة ما تقسمها خطوط العمر والطبقة والجغرافيا. ومثل
تلك المشاركة والانخراط أدى الى وعي أكبر بحقوق ومسؤوليات المواطنة.
وبعيدا عن إضفاء الشرعية على نظام استبدادي نجد أن الألعاب الاولمبية
تعزز ذلك النوع من النزعة القومية التي من شأنها ان تساعد الصينيين
على كسب مجتمع مدني وهو ما قد يكون الترياق الأمثل.
والألعاب الاولمبية اصبحت بالفعل نقطة التقاء وتجمع لملايين الصينيين
المتشوقين الى أن تأخذ بلادهم مكانتها على الساحة الدولية. والتاريخ
الصيني الذي شهد اضطرابات خلال القرن العشرين يوضح السبب أن استضافة
الالعاب الاولمبية أمر يضرب على وتر حساس للغاية للفخر الوطني :
ففي حدث فريد من نوعه سيشهد ملايين الصينيين انتقالا من المجاعة
والعزلة التي عرفها كثيرون منهم في الخمسينيات الى الإعتراف والتكامل
العالمي في 2008. ومن شتى أرجاء الصين ومن خارج حدودها يتدفق الصينيون
الى بكين لمشاهدة الحدث التاريخي الذي ابتعث القومية الصينية وألبسها
حلة جديدة ستغير معها الصين.
فالقومية في الصين لا تعني بالضرورة الاستسلام الأعمى للإتجاهات
القمعية للحكومة. فثمة بعدا مدنيا آخذا في التزايد بالنسبة للصينيين.
وكما يذكر زو زيوكين الأستاذ بجامعة شنغهاي فالصينيون اليوم أصبحوا
أكثر وعيا بحقوقهم المدنية عما كانوا عليه قبل عشر سنوات ويشمل ذلك
الحق في الحصول على المعلومات والحق في التشكيك في سلطة الحكومة
والحق في الحماية من البطش.
وظهرت حالات كثيرة لمواطنين عاديين يطالبون فيها بوضعهم وحقوقهم
كمواطنين ويتقاضون من اجل الحصول على تلك الحقوق. وفي كثير من الأحيان
فإن تلك الدعاوى القضائية تكون ضد مطوري أراضي ومسؤولين محليين أساءوا
معاملة هؤلاء المدنيين. وفي عام 2007 كان زو لايفنج أول مزارع يكسب
قضية ضد الحكومة المحلية التي قامت بهدم منزله الريفي بدون موافقته.
وعلى الرغم من أن نسبة النجاح في القضايا المرفوعة ضد الحكومة لا
تزال منخفضة للغاية إلا أن أعداد الأشخاص الذين باتوا يدركون أن
هذا الحق موجود آخذ في التزايد. كما أصبح الناس في القرى مهتمين
بالتصويت في الانتخابات ويستخدمون برامج تحقيق شعبية وإصدارات لكشف
أخطاء المسؤولين المحليين. وبالتأكيد فتلك هي النقاط المضيئة لنظام
قمعي في العموم إلا أنه ومع توهج تلك النقاط نشاهد تغيرا في الفهم
لما تعنيه كلمة " صيني "
ومن البوادر الطيبة على طريق مستقبل سيادة القانون وحقوق الإنسان
في الصين ان الهوية الوطنية أصبحت تحدد من قبل الجماعات المدنية
والمجتمعات الفعلية أكثر منه عن طريق الحكومة بمفردها ، ولم تعد
كلمة " صيني" مرادفا للمعنى الذي روجت له الدعاية الحكومية.
وعلاوة على ذلك فقد أصبح الناس أقل اعتمادا على الحكومة لتلبية احتياجاتهم
الأساسية حيث انتشرت الجمعيات الخيرية والنوادي والإتحادات بجميع
أنواعها على نطاق واسع.
تقول ليلي تساي أستاذة العلوم السياسية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا
انه في القرى المتشابهة في حجمها الصغير حيث الثروة والموقع هما
العاملان الحاسمان في تحديد مدى توفر الخدمات العامة ـ مثل الطرق
الممهدة والمياه الصالحة للشرب والمدارس العاملة ـ توجد مثل تلك
المنظمات التي تقوم بوضع أرضية مشتركة وتشجع على نمو المجتمع المدني
والجمعيات المحلية. ومن ثم فالقومية على وجه التحديد ربما تكون هي
الشيء الذي تحتاجه الصين بالفعل.
والاميركيون ينظرون الى القومية الصينية من زاوية " مخاطرها"
ـ على سبيل المثال انها تغذي اتجاهات القمع في التبت. ولكن بالنسبة
لنا فهناك ذلك الجانب البناء من اجل احداث التغيير في الصين فعلينا
أن نعرف مزايا القومية الصينية. فالصين لن تُدفع الى التغيير. والمرة
الأخيرة التي واجهت فيها الصين ضغوطا دولية انهارت السلالة التي
ظلت في الحكم 300 عام واندفعت الدولة الى حرب اهلية. وإذا كان الهدف
هو احداث تغيير حقيقي وليس فقط الادانة الأخلاقية فالحل هو النظر
بإعتبار الى القوى الداخلية في الصين.
فتزايد المشاركة المدنية في الوقت الحالي ربما يكون في يوم من الأيام
وسيلة فعالة للتحقق من وجود الدولة التسلطية. والاولمبياد توفر حافزا
للصينيين للإلتفاف حول هوية جماعية. وسيكون للصين مكانتها تحت الشمس
وما بعد ذلك سيكون الحصاد.
سو مينج
باحث حاصل على درجة علمية في الدراسات الصينية المعاصرة من اكسفورد
وهو دارس في كلية الحقوق بجامعة ييل
خدمة لوس انجلوس تايمز وواشنطن بوست خاص بالوطن
أعلى
الانتخابات الأميركية قد توفر طريقا متقدما مع إيران
عندما يتعلق الأمر بإيران والعراق، ستكون لدى
الرئيس الأميركي القادم نافذة صغيرة لوضع سياستنا على طريق جديد.
لقد حذفت دول الشرق الأوسط من فكرها إدارة بوش. وحكام إيران قرروا
بوضوح أن يلتزموا بوقتهم وينتظروا رؤية من الذي سيشغل المكتب البيضاوي
بالبيت الأبيض. هناك حافز ضئيل في تقديم تنازلات حول العراق، ناهيك
عن المسألة النووية، إلى بطة عرجاء أميركية مازالت تأمل في تغيير
النظام الإيراني.
سيكون لدى الفائز في انتخابات نوفمبر الأميركية فرصة ضئيلة ولكن
حقيقية لجعل العلاقات الأميركية-الإيرانية على مسار جديد - وهو مفتاح
للتقدم في العراق. وهذا إذا كان الفائز ديمقراطيا ( فمن وجهة نظر
إيران، فإن السيناتور جون ماكين يبدو مصمما على مواصلة مسار بوش
الفاشل في المواجهة التي لا تنتهي).
ويعتقد كثير من الخبراء بالشأن الإيراني أن إيران يمكن أن تقدم إشارة
إلى رئيس ديمقراطي أميركي جديد. ولكن طهران ستحاول أيضا أن تستغل
أي ضعف محسوس في الزعيم الأميركي القادم. وسيتعين على الديمقراطي
المنتصر أن يتولى الحكم مستعدا استعدادا كاملا للصراع مع خصم أحبط
أميركا لمدة 30 سنة.
ولذا فإنني كنتُ تواقة إلى سؤال السيناتور باراك أوباما عن أفكاره
حول التعامل مع إيران عندما تحدث إلى هيئتي التحرير في صحيفتي "
فيلاديلفيا إنكويرر " و " فيلاديلفيا دايلي نيوز ".
فقد دعا أوباما إلى تحديد جدول زمني لمدة 16 شهرا لسحب القوات الأميركية
من العراق و" تعزيز دبلوماسي " في شرق أوسط يشمل إيران.
وأوباما محق في الدعوة إلى تعزيز دبلوماسي. ولكني أعتقد أن استراتيجيته
ستحتاج إلى إعادة تفكير إذا حصل على إيماءة من الديمقراطيين.
ويستلزم الجانب الذكي في استراتيجيته التحدث إلى إيران بدون شروط
مسبقة. وأوباما على حق في القول إن جزءا جوهريا من استراتيجية خاصة
بالعراق هو " الدبلوماسية.. ليس فقط بين الفصائل في العراق..
ولكن أيضا بين القوى في المنطقة، بما فيها المملكة العربية السعودية
وكذلك سوريا وإيران". وإذا ما تم استبعاد الأخيرتين ( أي سوريا
وإيران) - كما قال - فإنهما ستستمران في التسبب في المشاكل والمتاعب
والأوجاع. وإذا كنتم لديكم رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي
يدعو الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى نقاشات ويعامله كحليف،
فإنه من الصعب تحديد كيف سنقوم بهيكلة سياسة تكون إيران مستبعدة
فيها تماما".
وفي هذا الصدد يُعد أوباما محقا.
ولكن مع من سنتفاوض؟ يقول السيناتور أوباما إنه سيتحدث مع قادة إيران.
على أن دعوة تُوجه إلى أحمدي نجاد من شأنها أن تكافئ الفصيل الأكثر
تشددا في طهران وتعطي الرئيس الإيراني مبررا للزعم بأن الأميركيين
يخضعون لرؤيته غير المقبولة. كما يمكن أن يدعمه ويقويه ذلك أيضا
في الانتخابات الرئاسية الإيرانية في عام 2009.
فهل أوباما مدرك لهذا الخطر؟
يقول أوباما " قلتُ باستمرار إننا يجب أن نجري محادثات مع إيران
بدون شروط مسبقة ولكن ليس بدون استعداد".. وفي أي وقت نشرع
فيه في محادثات، سنمضي بطريقة خطوة بخطوة مع لقاء دبلوماسيين ذوي
مستوى أقل وربما مناقشات لموضوعات غير مثيرة للجدل, وهو ما يؤدي
مع الوقت إلى نقاشات أكبر وأكثر جوهرية.
" وهكذا فأنا لن التقي مع إيران بدون أجندة، وفي تلك الأجندة
سيكون هناك الهجمات اللفظية والخطابية البغيضة والمستمرة على إسرائيل
وتمويل " حماس " و " حزب الله " وتطوير الأسلحة
النووية والاستقرار في العراق "
" تلك ستكون أجندتنا.. هم قد يكون لهم أجندة أخرى".
لقد أشار أوباما بحق إلى أن تكتيكات إدارة بوش " تعطي مبررا
لإيران لكي ترسم صورة لنفسها على أنها تتعرض لبلطجة من إدارة أميركية
قاصدة تغيير النظام الإيراني" وتعطي روسيا والصين مبررا لتقفا
على الهامش. إن المحادثات بدون شروط مسبقة ستختبر استعداد إيران
للتصرف تصرفا راشدا معقولا على المسرح العالمي.
وماذا عن التحدث إلى أحمدي نجاد؟
كان رد أوباما هو " إنني سأضم أحمدي نجاد إلى الحد الذي هو
فيه جزء من حكومة إيرانية، ولكن لن أقيد اجتماعاتي معه. أنا لا أعرف
أين سيكون بعد عام أو عام ونصف العام من الآن". ( يمكن أن يخسر
أحمدي نجاد في الانتخابات في عام 2009 ).
وقال أوباما إنه سيسعى أيضا إلى لقاء " المفاوضين الإيرانيين
الذين يمكن أن يكون لديهم سلطة أقوى من أحمدي نجاد، بمن فيهم المرجعيات
الدينية الذين هم السلطة القصوى النهائية". وأنا افترض أن السيناتور
أوباما كان يعني أقوى زعيم إيراني، وهو آية الله علي خامئني.
وسؤالي هو : لماذا إذاً إثارة مسألة أحمدي نجاد؟ فالمحادثات مع إيران
يمكن أن تُستهل عبر قنوات خلفية أو عبر مبعوثين أميركيين كبار ذوي
خبرة في التعامل مع طهران. إن قمةً للقيادة يجب أن تُترك للإعلان
عن حدوث تقدم كبير، وهو مازال بعيدا بسنوات في حدوثه على الأفضل.
هناك نقطة واحدة أعتقد فيها أن كلام أوباما خارج عن السياق.. إن
أي جدول زمني لانسحاب القوات الأميركية يجب أن يُستخدم كورقة تفاوض
مع إيران. وإعطاء جدول زمني مجانا، قبل أن تبدأ حتى المحادثات، يضعف
بشكل سيّئ الموقف الأميركي. ويشجع اللاعبين العراقيين والإقليميين
على بدء التسلح لحقبة ما بعد الولايات المتحدة.
إن أوباما على المسار الصحيح. ولكن لكي يعمل ويجدي ما يقول به من
تعزيز دبلوماسي، فإنه يحتاج إلى أقوى أوراق ممكنة في اليد.
ترودي روبين
كاتبة عمود وعضو هيئة تحرير صحيفة " فيلاديلفيا إنكويرر"
الأميركية
خدمة " إم سي تي " - خاص بـ" الوطن "
أعلى