|
فتاوى وأحكام
سؤال :
موضوع السرعة هل هناك سرعة معينة يقف عندها الإنسان ولا يتعداها أم
أن الأمر موكول للاجتهاد الشخصي والأمر يعتمد على المهارات والطاقات
؟
الجواب :
قائد السيارة هو مؤتمن على نفسه ، ومؤتمن على الركاب الذين معه ، ومؤتمن
على من يقودون السيارات في الطرق ، ومؤتمن على الركاب الذين عند غيره
، ومؤتمن على المارة في الطريق ، فهو مسئول عن الجميع ، عليه أن يتقي
الله سبحانه وتعالى في ذلك ، وأن يطيع الله فيما أمره به ، الله سبحانه
وتعالى جعل للنفس الإنسانية قيمة ، ليس الإنسان أن يعتدي على حياته
بنفسه ، وليس له أن يعتدي على حياة الآخرين ، الله سبحانه وتعالى قال
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ
بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا
تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَمَنْ
يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ
ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً) (النساء:29-30) ، والله سبحانه وتعالى
يقول ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً أخر وَلا يَقْتُلُونَ
النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ
وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاما * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلا مَنْ تَابَ
وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ
سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) (الفرقان:68-70)
، ويقول الله سبحانه وتعالى ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً
فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ
وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) (النساء:93) ، وهذا
الذي ينطلق انطلاقاً من غير حدود إنما هو قاتل قتل عمد ، لأنه بانطلاقته
هذه يعلم ما ورائها من شر ، فهو ناحر منتحر ، عليه إثم قتله لنفسه
، وعليه إثم قتله للآخرين ، فإن مات فهو منتحر ، والمنتحر إلى النار
والعياذ بالله ، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم : من قتل
نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها
أبدا ، ومن تناول سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحاسه في نار جهنم خالداً
مخلداً فيها أبدا ، ومن رمى نفسه من شاهق فقتل نفسه فهو يتردى في نار
جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا .
هذا جزاء من قتل نفسه ، وأما قتله لغيره فكذلك الجزاء نص عليه القرآن
الكريم كما ذكرنا .
فالإنسان أن يتقي الله تعالى في نفسه ، وأن يتقي الله في الآخرين ،
هو مسئول ، ليس له أن يسرع سرعة تؤدي به إلى أن لا يستطيع السيطرة
على السيارة والتحكم فيها عندما يحدث أمر ، لأنه قد يعترضه إنسان فجأة
، قد يخرج من الشارع إنسان ، قد تخرج سيارة إلى الشارع ، قد يصادف
حيواناً في الشارع ، قد يصادق أي شيء من هذا النوع ، فمن أسرع سرعة
تخرج به عن حدود الاعتدال فعليه وزر ما جنت هذه السرعة ، وعليه ضمان
ذلك ، يتحمل تبعة ذلك كله .
على أن الإنسان يؤمر أيضاً أن يكون في قيادته للسيارة قادراً على تصريفها
تصريفاً سليماً ، ليس له أن يتقدم الآخرين في المكان الذي لا يُسمح
بالتقدم فيه ، أو كذلك حتى في المكان الذي يُسمح إن كان يرى في الاتجاه
الأخر سيارة مقبلة ليس له أن يتقدم ، عليه أن يأخذ احتياطاته جميعاً
قبل أن يحاول تجاوز من يسير أمامه . وفي الأماكن التي فيها منعطفات
ليس له أن يتقدم ولو لم ير سيارة تأتي من الاتجاه الأخر لأن المنعطفات
هي مظنة وجود السيارات آتية من الاتجاه الأخر من حيث لا يراها .
كذلك بالنسبة إلى التجاوز إن كان يرى سيارة آتية من الاتجاه الآخر
لا تحدثه نفسه بأنه يمكنه أن يسبق ويمكنه أن يخرج من مظنة الخطر ،
لا ، عليه أن يقدر أسوأ الاحتمالات حفاظاً على سلامته ، وحفاظاً على
سلامة الركاب الذين معه ، وحفاظاً على سلامة الركاب في السيارات الأخرى
، وحفاظاً على المارة في الطريق .
السؤال :
ما الحكم في من قاد سيارته وهو لا يحمل رخصة قيادة ووقع في حادث ،
ومن أجل تلافي موضوع الغرامات والمخالفات أوكل المهمة إلى شخص يدّعي
أنه هو القائد ؟
الجواب :
هذا من التزوير ، والزور نفسه حرام ، وشهادة الزور محرمة ، وقول الزور
محرم ، فعندما عدّد النبي صلى الله عليه وسلّم الكبائر قال في تعدادها
: ألا وشهادة الزور ، ألا وقول الزور . فما زال يرددها حتى قال الراوي
وددنا لو سكت . فالزور نفسه محرم ، ثم مع هذا أيضاً بجانب كونه محرماً
هناك تحايل ، والتحايل على النظام غير جائز ، ولو سُمِح للناس أن يفعلوا
ذلك لضاعت الحقوق وأهدرت وذهب القانون وذهب النظام وعاد الناس كل يحتال
بما يستطيع أن يحتال به ، لا يبقى حق ، ولا يبقى أمان ، ولا يبقى استقرار
مع الناس ، فعلى الناس أن يتقوا الله وأن يحرصوا على كلمة الصدق وأن
لا يحتالوا . في هذا تشجيع للآخرين بأن يرتكبوا المخالفات وأن يقعوا
في المحظورات ، وبما أن هذا الإنسان لا يحمل رخصة قيادة لماذا يقود
السيارة ؟ لا يجوز له أن يقود السيارة ، وعليه أن يلتزم النظام ، وعليه
بأن يحرص بأن يكون القائد للسيارة غيره ، والآخر الذي يتحمل هذه المسئولية
لأجل التخفيف عن هذا وتخفيف الغرامة ودرء المسئولية عنه أيضاً هو قائل
زور فعليه أن يتقي الله تعالى في ما يقول .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
بيان أصول الإسلام وعوامل الوحدة في العقيدة الإسلامية
الحلقة الأخيرة
ـ التسامح نتائجه يقربّ البعيد ويوحّد المتفرق ويزرع المودة بدلا من
البغضاء والأخوّة بدلا من الشقاق
ـ الرجوع إلى المصادر الأصيلة عند كلّ مذهب توضع أقوال الجميع على
محكّ واحد في القبول وعدمه
إعداد فهد بن علي السعدي
أنعم الله على المسلمين بنعمة الإسلام ، ووحّد بينهم بكلمة الدين ،
وأمرهم بالوحدة والائتلاف ، ونهاهم عن الفرقة والاختلاف ،
فقد أراد الله تعالى لهذه الأمة أن تكون أمة واحدة ، فجعل أصول دينها
قائمة على ذلك ، فكلّ ما فيه يدعو إلى الوحدة ، وينهى عن الفرقة .
وإنه لمن المؤسف حقّا أن يتناسى بعض أتباع المذاهب اتفاقهم في أصول
الدين والكثير من جزئياته ، واتجهوا عوضا عن ذلك إلى تضخيم بعض الخلافات
الجزئية إلى حدّ الحكم على الآخر بالخروج عن الملة .
وبيانا لاتفاق الأمة في هذه الأصول ، وحرصا على إيجاد السبل التي تجمعها
كان هذا البحث المختصر في ضوء المذهب الإباضي .. لذا نواصل ماتبقى
من هذا البيان...
سادسا : عدم ربط الخلافات القبلية وغيرها بالخلاف في العقيدة
إذ الكلّ مسلمون ، وهم إخوة ، لا فضل لأحدهم على الآخر إلا بمقدار
تقواه عند ربّ العالمين ، قال تعالى : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ
اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) سورة الحجرات .
هذا .. ولقد استغلّ أعداء الإسلام الخلاف في العقيدة لتفريق شمل المسلمين
، وتشتيت كلمتهم ، وهم أكثر ما يخافون من أن يتحد المسلمون في عقيدتهم
؛ لأنها حينئذ ستشكّل خطرا عليهم ، يقول آرنولد: "إن الوحدة الإسلامية
نائمة ، لكن يجب أن نضع في حسابنا أن النائم قد يستيقظ".
ولقد تنبه علماؤنا لخطر ربط الخلافات بينهم بالخلاف في العقيدة ، فحذّروا
من عاقبة الخلاف ، وأشاروا إلى أنه ينبغي التخلي عن ( نحن وأنتم )
، والتمسك بأخوّة الإسلام العامة ، ومن بين هؤلاء الشيخ أبو اليقظان
i ، يقول : " ... فهل آن لكم أيها السادة أن تقلعوا من نحن وأنتم
، وإلى متى وأنتم عاكفون على نحن وأنتم ، وأيّ فائدة جنيتموها منها
غير الضعف والهوان وتعطيل المصالح الكثيرة ، وإطلاق العنان للمفاسد
والشرور ، وإخلاء الجوّ للسفهاء والعابثين بحرم الوطن والملة والدين
... لقد ثبت أنه لا يصلح آخر الإسلام إلا بما صلح به أوله ، فالدواء
الوحيد لتلك الأمراض الوبيلة هو طرح ( نحن وأنتم ) جانبا ، والتمسك
بأخوة الإسلام العامة ، والعمل بقوله تعالى : ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ
اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ
عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم
بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ
فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) آل عمران .
وعندما وقع الخلاف بين المسلمين في إحدى المؤتمرات وقف أبو إسحاق أطفيش
يذكرهم بأنهم مسلمون إخوة ، تجمع بينهم رابطة الإسلام ، فلا يجوز لهم
الاختلاف ، حيث إن العدوّ يتربص بهم الدوائر ، يقول أبو إسحاق : "إن
المؤتمر جاء ليجمع كلمة الأمة الإسلامية ويعمل لقضية الأمة لا ليفرق
وحدتها، ويكفينا أننا جئنا لقضية هي الوقوف أمام عدو واحد يسعى لتمزيق
هذه الأمة ، بل الأدهى أن اليهود يطمعون فينا معشر المسلمين حيث ظنوا
أنهم أمام أمة متفككة متشتتة، لو تدبر المسلمون قوله تعالى (إِنَّمَا
?لْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) ، وهذه الآية تخاطب أمة الإجابة الباغي والمبغي
عليه ، وسمتها مؤمنين وإخوة إشعارا بـأن الإسلام وحدة وأخوة كالأخوة
الأشقاء ...".
التعرف على الآخر من خلال اللقاءات العلمية
سابعا : اللقاءات العلمية
إذ بمثل هذه اللقاءات يتعرف الواحد على ما عند
الآخر ، ويصل إلى المصدر الأصيل لكلّ مذهب بدل الاعتماد على الوشايات
المكذوبة والأغاليط الملتوية ، فتلتقي الأيدي على طاولة واحدة ، هي
طاولة الحوار الهادف الملتزم ، مع تأكيد النية الخالصة للوصول إلى
الحقّ ، وإلى هذا يشير الإمام القطب بقوله : "... وأما المنازعة
في بيان الحق فمأمور بها مع الإخلاص، وعلامته الفرح بظهور الحق ولو
على لسان خصمه "ـ.
ولقد عاش المسلمون بمختلف مذاهبهم في ظل الدولة الرستمية دون أن تهضم
حقوقهم ؛ حتى أطلق على العاصمة الرستمية " عراق المغرب "
أو " العراق الصغير " تشبيها لها ببلاد العراق الحافلة بمختلف
المذاهب الفكرية والفقهية والكلامية ، وكانت تاهرت العاصمة ميدانا
رحبا للحوار والنقاش ، فلم يضايقوا أحدا ، ولا طردوا مخالفا .
وفي ضوء هذه اللقاءات العلمية يعرف الواحد ما عند الآخر ، ولماذا يتمسك
به ؟ ومن ثمّ تنحلّ الكثير من العقد التي كانت بينهم قبل اللقاء ،
ويعلمون أنهم جميعا مسلمون إخوة ، ويفصّل ذلك الشيخ علي يحيى معمر
قائلا : " وأنا على يقين -في نفسي- أن المذهبية في الأمة الإسلامية
لا تتحطم بالقوة ولا تتحطم بالحجة ، ولا تتحطم بالقانون ؛ فإن هذه
الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب وقوة رد الفعل ، وإنما تتحطم
المذهبية بالمعرفة والتعرف والاعتراف ، فبالمعرفة يعرف كل واحد ما
يتمسك به الآخرون ولماذا يتمسكون به ، وبالتعارف يشتركون في السلوك
والأداء الجماعي للعبادات ، وبالاعتراف يتقبل كل واحد منهم مسلك الآخر
برضى ، ويعطيه مثل الحق الذي يعطيه لنفسه (اجتهد فأصاب أو اجتهد فأخطأ)
" .
الرجوع إلى المصادر الأصلية
ثامنا : الأمانة العلمية
وأقصد بالأمانة العلمية هنا الرجوع إلى مصادر كلّ مذهب لمعرفة ما يقولون
به ، أما الاعتماد على كتّاب المقالات بالنسبة إلى المذاهب فليس من
العدل في شيء ، ولكَم ظلمت مذاهب عديدة من أمثال هؤلاء الكتّاب الذين
لم يتحرّوا الأمانة في كتبهم هذه .
وبعد الرجوع إلى المصادر الأصيلة عند كلّ مذهب توضع أقوال الجميع على
محكّ واحد في القبول وعدمه ، ألا وهو الاحتكام إلى كتاب الله تعالى
وسنة نبيه محمد ( ، فلا يزيغ بأحد الهوى ، ولا ينزعه تعصب أعمى ، بل
الحقّ رائده وغايته .
وإنه لمن المؤسف حقّا أن يتجه البعض إلى تتبع الزلات وتضخيمها أكثر
من تحرّيه الحقّ والحقيقة ، يقول أبو إسحاق إبراهيم أطفيش: "...
وأراك تطالع تلك الكتب لا لتظفر بالحقيقة واللب وإنما لالتماس منفذ
إلى الطعن..." .
الألقاب تؤجج الخلاف
تاسعا : ترك الألقاب المذهبية ما أمكن
لأن مثل هذه الألقاب يؤجج الخلاف بين المسلمين
مع أن الكلّ يؤمن بأصول واحدة في التوحيد ، وقد عاش الصحابة والتابعون
وهم لا يعرفون شيئا عن هذه الألقاب ، فالمسلم عندهم واحد ، وهو الذي
يشهد الشهادتين فحسب ما لم يأتِ بشيء ينقضها ، وما التسميات إلا أمور
عارضة ، فلمَ تضخّم هذه الألقاب ليصبح كل مذهب منها دينا لا يجوز الحيدة
عنه ؟!
وإذا كان لا بدّ من التسمية فلينظر إلى هذه المذاهب على أنها مدارس
إسلامية ، تستفيد الواحدة منها من الأخرى ، فهي ليست فرقا وأحزابا
يكيد بعضها لبعض ؛ إذ إن أصولهم الإسلامية واحدة ، فلا داعي للتعصب
الأعمى المقيت ، الذي يودي بصاحبه وبكثير من الناس ، ولا داعي للتراشق
بالكلمات النابية ، أو العبارات الجارحة ، يقول سماحة الشيخ الخليلي
معبرا عن نظرة مذهبه إلى المذاهب الأخرى : " فنظرة المذهب للمسلمين
جميعا أنهم إخوة ما داموا ينطقون بالشهادتين اللهم إلا إذا نقضوا هذا
الاعتقاد بما يجب على المسلمين منابذة من اعتقده ".
وأورد هنا كلاما لأحد المصلحين الكبار في عمان في العصر الحديث ، ألا
وهو الإمام السالمي، يقول جوابا عن سؤال وجهه إليه الزعيم المجاهد
سليمان باشا الباروني حول الجامعة الإسلامية : " والساعي في الجمع
مصلح لا محالة ، وأقرب الطرق له أن يدعو الناس إلى ترك الألقاب المذهبية،
ويحثهم على التسمي بالإسلام؛ فإن الدين عند الله الإسلام، فإن أجاب
الناس إلى هذه الخصلة العظيمة ذهبت عنهم العصبية المذهبية، فيبقى المرء
يلتمس الحق لنفسه، ويكون الحق أولاً عند آحاد من الرجال، ثم يظهر شيئا
فشيئا فيصير الناس إخوانا. ومن ضل فإنما يضل على نفسه ".
ويقول الإمام محمد بن عبدالله الخليلي في رسالة وجهها إلى أخيه الملك
سعود بن عبدالعزيز آل سعود : ".. ومن الأمر بالمعروف السعي في
توحيد كلمة المسلمين ، وفي إماتة الانتساب للمذاهب " .
التسامح
عاشرا : إشاعة مبدأ التسامح بين المذاهب الإسلامية
لأن المسلمين إخوة ، والمسلم له حقوقه التي ينبغي أن تصان ، فلا يسفك
دمه ، ولا ينهب ماله ، ولا ينتهك عرضه ، وذلك تأكيد لقوله ـ صلى الله
عليه وسلم: " المسلم أخو المسلم ، لا يخونه ولا يكذبه ، ولا يخذله
، كل المسلم على المسلم حرام : عرضه وماله ودمه ، التقوى ها هنا ،
بحسب امرئ من الشرّ أن يحقر أخاه المسلم ".
فحرمة المسلم على المسلم واسعة ، فالتعرض له بالسبّ والشتم ، أو الهمز
أو اللمز اعتداء صارخ على عرضه ، وهكذا لا يحلّ الاعتداء على دمه وماله
بأي وجه كان من غير حق .
ولقد وعى أئمتنا هذا الدرس وعيا تامّا ، واستطاعوا أن يوفقوا بين المبدأ
والتطبيق ، فكانوا يعاقبون أتباعهم إذا ما استحلوا شيئا بسيطا من أموال
محاربيهم من أهل القبلة في أوقات حرجة كالحرب ، فليس للعواطف مجال
هنا ، إذ الحق لا بدّ أن يرجع إلى صاحبه ، ولو أدّى ذلك لانفصال المعاقبين
عنه .
هذا .. وإن مظاهر التسامح عديدة ، وإن من أهمها احترام الطرف الآخر
، وطي صفحة الخلاف ، وإبراز المتفق عليه دون المختلف فيه ، والتزام
الحوار الهادف الملتزم ، وكلّ مظهر يناقضها هو تعصّب مقيت ، وتحكيم
للهوى ، وإلى هذا المعنى يشير أبو إسحاق أطفيش بقوله : "... وبعد
فإني لم أزل أرى كثيراً من المسلمين على طريقة الغلو والطعن فيمن يخالفهم
مذهباً ويبالغون في النقد بلهجة شديدة وتحامل عجيب " ، وقوله
: "... وإن بدا لأحد أن ينتقد على أخيه أو يستوضحه فليكن بالتي
هي أحسن فإن الجفاء والتنطع والغلو لا تجلب إلا الفتنة ولا يزيد النفوس
إلا تباعداً ولا العدو إلا تمكناً من الغوارب وامتطاء المتون "
، ويقول الإمام القطب مؤكدا مبدأ التسامح بين المذاهب : " ولزم
أهل كل مذهب احترام الآخرين لجمع كلمـة التوحيد " ـ .
إن نتائج التسامح ـ بلا شكّ ـ طيبة الأثر ، تقربّ البعيد ، وتوحّد
المتفرق ، وتزرع المودة بدلا من البغضاء ، والأخوّة بدلا من الشقاق
، يقول الشيخ علي يحيى معمر مبينا ذلك : " وفي ظل الأخوة والسماح
تغيب التحديات وتجد القلوب نفسها تحاول أن تصحح عقيدتها وعملها بالأصل
الثابت في الكتاب والسنة غير خائفة أن يقال عنها تركت مذهبا أو اعتنقت
مذهبا. ولن نصل إلى هذه الدرجة حتى يعترف اليوم أتباع جابر وأبي حنيفة
ومالك والشافعي وزيد وجعفر وغيرهم ممن يقلدهم الناس أن أئمتهم أيضا
يقفون في صعيد واحد لا مزية لأحدهم على الآخرين إلا بمقدار ما قدم
من عمل خالص لله " ـ .
هذه بعض الأسباب التي تؤدي إلى وحدة الأمة في عقيدتها وعباداتها ومعاملاتها
، وهي ممكنة الحصول عندما يضع كلّ مسلم في باله أن الله تعالى أراد
لهذه الأمة أن تكون أمة واحدة ، وأن تكون أصولها واحدةً لا خلاف فيها
، بل كلّ ما في الإسلام يوحّد ولا يفرّق ، ويقرّب ولا يبعّد ، "
فالإسلام ديننا ومحمد نبينا والكعبة قبلتنا والقرآن إمامنا...".
وإني لأرجو من المسلمين جميعا أن يتمثلوا قوله سبحانه وتعالى : ( إِنَّ
هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ)
الانبياء ، وقوله تعالى : ( وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً
وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ) المؤمنون ، وأن يكونوا كما أمرهم
الله تعالى في قوله عزّ من قائل : ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ
جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ
إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم
بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ
فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى
الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ
تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ
وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) .
التوصيات :
1. أن يتبنّى موضوع الوحدة بين المسلمين ساسة هذه الأمة وصنّاع قرارها
؛ لأن هؤلاء يملكون ما لا يملكه غيرهم ؛ من تذليل العقبات ، وتوفير
المؤنة لهذا الغرض .
2. إعادة عرض العقيدة كما جاءت في كتاب الله تعالى وسنة نبيه ( ، وبحيث
يمكنها أن تربط المسلم بربه وخالقه ، وتجعله عنصرا فاعلا في هذه الحياة
، ويبتعد فيها عن فلسفة المتكلمين .
3. إعداد معجم مفصّل للمصطلحات العقدية عند جميع المذاهب ، يقوم بإعدادها
أناس متخصّصون من كلّ مذهب ، لأن كثيرا من الاختلافات بين المذاهب
إنما يرجع إلى عدم استيعاب كلّ مذهب لمصطلحات المذهب الآخر .
4. بثّ فقه الخلاف العقدي والوحدة الإسلامية في المجامع والمؤسسات
العلمية ؛ لأنها تضمّ نخبة الأمة ، التي بيدها الدفّة ، فإذا ما استوعب
هؤلاء فقه الخلاف عملوا على إيجاد الآلية التي يمكنها أن تنزل الوحدة
الإسلامية على أرض الواقع .
هذا ما أردت بيانه اختصارا في هذا البحث المقدّم إلى هذه المؤسسة العتيقة
، وإني لأسأل الله تعالى أن يجمعن وإياكم على الخير ..
أعلى
سلسلة مواقف تربوية
الحلقة الحادية عشرة
اعرض في كل حلقة موقفاً تربوياً أوضح فيه كيف يربى الطفل تربية غير
مباشرة فالتربية حسب المواقف او اللحظة الحاضرة يكون تأثرها أبلغ وأعمق
في نفس الطفل وانتهاز الفرص لتعليمه الدين والأخلاق والتكامل من خلال
ما يمر معه في الحياة اليومية.
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه
فإلى موقف هذا الاسبوع
(أنس وصلاة الجماعة)
رجع أنس من صلاة الجماعة عصرا يتميز غيظا وقرر أن لا يصلي في مسجد
هذا الحي وسيعود إلى الحي البعيد الذي انتقلنا منه وأخبرني أن اطفال
هذا الحي يجمعون بعضهم ويحاولون منعه من الدخول الى المسجد اذا وجدوه
وحده حتى انهم علموا إخوانهم الصغار ان يضايقوه اذا بدأ الصلاة فهذا
يمر من امامه عامدا متعمدا وهذا يلكزه في بطنه ويهرب وهذا يدفعه الى
الامام في الصلاة ليقع وكل هذا لأنه جديد على الحي.
انس بدهشة: اذا كانوا لا يعرفون فائدة صلاة الجماعة فلماذا يأتون الى
المسجد اليست (تفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة) كما قال عليه
السلام.
أم أنس: ولماذا لم تتعرف عليهم حتى لا يضايقوك؟
أنس وهو يبدي دهشته: وهل أنا سأبدأ أم هي سيبدؤون؟ فهم كثيرون وانا
واحد وانا ضيف على الحي وهم يسكنون من زمان!!
أم أنس: أخبرني ما فائدة صلاة الجماعة؟ عدا أنها تفضل صلاة الفرد بسبع
وعشرين درجة.
أنس: وسيلة لتعارف المسلمين مع بعضهم ومشاركة بعضهم في حل مشاكلهم
وأفراحهم واحزانهم وعسرهم ويسرهم ومرضهم ومصائبهم واول شيء معرفة امور
دينهم في المسجد فيصبح المسلمون في الحي الواحد كالأخوة وكذلك في الشارع
وهكذا يصبح المسلمون في المجتمع كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً.
أم أنس: وهل حققت التعارف أنت عن طريق السلام صحيح أن من حقك عليهم
ان يتعرفوا عليك ولكن كما قال صلى الله عليه وسلم:(خيرهما الذي يبدأ
بالسلام) ابدأ بالسلام والابتسام وسيرحبون بك وتنتهي المضايقات اسمع
كلامي فلن تندم.
بدأ الإقتناع على وجه انس واضحا وبعد صلاة المغرب عاد وعلامات السرور
باديه عليه واسرع إلي قائلا:
معك حق يا أمي لقد سلمت عليهم وجر السلام الكلام والتعارف واصبحنا
اصدقاء طلبوا مني أن ازورهم الآن عرفت فضل صلاة الجماعة وفضل السلام
والابتسام فهل اعجبك هذا؟
أم أنس: كليّ إعجاب بك يا حبيبي ولا تنس ان من يطيع والدته يكسب رضاها
ورضا ربه ولا تنس ان السلام مفتاح حب الناس وتقديرهم وودهم وقبل ذلك
ثواب عند الله.
فاطمة بنت حمود الطوقية
أعلى
الناس مسافرون
العبد من حين استقرت قدماه في هذه الدار فهو
مسافر فيها إلى ربه عزّ وجل ومدة سفره عمره الذي قدره الله عزّ وجل
له ومراحل السفر الأيام والليالي ومن رحمة الله عزّ وجلّ بالعباد أنه
ذكرنا بالموت والبعث والنشور كل ليلة فكل مرحلة من مراحل العمر تنتهي
بانتهاء يوم فالعبد تقبض روحه كل يوم ثم تردّ إليه مرة ثانية كما قال
الله تعالى : (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت فى منامها
فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ) الزمر (42)
وكان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أراد النوم وضع كفه تحت خده
الأيمن ثم قال ( باسمك اللهم ربي وضعت جنبي وبك أرفعه فإن أمسكت نفسي
فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين ).
فنحن نذكر الموت والبعث كل ليلة لعل العبد يحدث في كل مرحلة توبة نصوحا
فيتذكر ما جنت يداه في يومه فيحدث لذلك توبة فإن مات من ليلته مات
على توبة وإن مد الله فى أجله ورزق مهلة جديدة ينوي أن يتزود فيها
من طاعة الله عزّ وجل فكل يوم يعيشه المؤمن غنيمة لأن المؤمن لا يزداد
من الدنيا إلا خيرا ثم هو ينوي كذلك الإقلاع عن الذنوب في الدنيا والتوبة
إلى علام الغيوب وغفار الذنوب فالعاقل يجتهد فى كل مرحلة من مراحل
العمر أن يكون سالما من المعاصي والذنوب رابحا غانما من طاعة الواحد
المعبود سبحانه.
ثم الناس فى قطع هذه المراحل قسمان قسم قطعوها مسافرين إلى دار الشقاء
وقسم قطعوها مسافرين إلى الله وإلى داره دار السلام أما القسم الأول
فهم الذين يقطعون مراحل السفر بمساخط الرب جل وعلا فهم يقتربون من
دارهم كل يوم ويقطعون فى كل مرحلة مسافة وإذا تكاسلوا عن المعاصى أرسل
الله إليهم الشياطين تدفعهم إليها دفعا ألم يقل الله تعالى ( ألم تر
أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزّا ) مريم (83 )أي تغريهم
بالمعاصي فيتبعون المعصية بالمعصية فلا يحدثون توبة إلى الله عز وجل
بل يستمرون على المعاصي حتى الموت نعوذ بالله من حالهم .
أما القسم الثاني هم الذين قطعوا مراحل السفر مسافرين إلى الله جلّ
وعلا والدار الآخرة وهم الذين تحدثت عنهم الآية الكريمة (32 ) من سورة
فاطر ( فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله
ذلك هو الفضل الكبير ) فالظالم لنفسه مقتصر في الزاد غير آخذ منه ما
يبلغه المنزل ومع ذلك فهو متزود بما يتأذى به فى طريقه فهو إذا استقبل
مرحلة من مراحل عمره استقبلها وقد سبقت حظوظه وشهواته إلى قلبه ثم
يتذكر حق الله تعالى عليه فيؤدي شيئا من حق الله ثم يعود إلى حظوظه
وشهواته مع حفظ التوحيد ، أما المقتصد فقد اقتصر من الزاد على ما يبلغه
المنزل دون زيادة أو نقصان ولكنه لم يتزود بما يضره فهو سالم غانم
ولكن فاتته المتاجرة الرابحة وأنواع المكاسب الفاخرة هو يؤدي وظائف
مراحل عمره يستقبل يومه بالطهارة الكاملة وصلاة الصبح ثم ينصرف إلى
مباحاته فإذا جاء وقت الفريضة الأخرى أداها فإذا دخل شهر رمضان صامه
وكذلك الزكاة الواجبة والحج وكذلك المعاملة مع الخلق يقوم فيها بالقسط
لا يظلمهم ولا يترك حقه لهم أما السابق بالخيرات فهو كرجل عَلِمَ أن
أمامه من المكاسب من عشرة إلى سبعمائة ضعف أو أكثر وله خبرة بالطريق
والتجارة الرابحة فهذا هو حال السابق بالخيرات بإذن الله فالسابق بالخيرات
هو الذي حسن إسلامه ويقول صلى الله عليه وسلم ( من حسن إسلام المرء
تركه ما لا يعنيه ) أي ترك ما لا يعنيه من قول أو فعل واقتصر على ما
يعنيه من الأقوال والأفعال أي ما ينفعه فى الدنيا والآخرة وقال الحسن
: من علامة إعراض الله تعالى عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه
وقال معروف : كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من الله تعالى فما ينبغي
على العبد المسلم ألا أن يكون مشغولا بما ينتفع به فى الآخرة وألا
ينشغل بالدنيا وتحصيل شهواتها وزينتها فحسب فإن الدنيا لا تساوي عند
الله جناح بعوضة ولو كانت تساوي ما سقى الكافر منها جرعة ماء فلينشغل
العبد المسلم بالدعوة إلى الله عز وجل فهي أشرف المهن والوظائف لأنها
وظيفة الأنبياء ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني
) يوسف (108 )
هذا والله تعالى ورسوله والمؤمنون أعلى والله تعالى أعلم
أنس فرج محمد فرج
أعلى
خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ
الحلقة الثالثة
الشيخ الدكتور مبارك بن مسلم الشعبني
.. يجدر القول بأن علماء المسلمين لم يألوا
جهدا على مر الأزمان، في تنقية الشوائب التي علقت بما يسمى بسنة النبي
محمد صلى الله عليه وسلم، من خلال علوم الحديث المختلفة، وقد صب بعضهم
جل اهتمامه من أجل ذلك، ولكن يُرى أن محاولة التوفيق بين المتناقضات
والتعارض البيِّن- خاصة في العقيدة والغيبيات- إنما هو من باب المحاولة
في إيجاد تبرير مقنع، ففصلوا وأصّلوا مشكورين، ولكن لا يزال السؤال
قائما: قد يكون التناقض- أو ما يرى أنه تناقض- في الفقهيات؛ من حيث
مراعاة الزمان والمكان، ولكن العقيدة أنى لها التغيير والتغير، فلماذا
التكلف في محاولة إيجاد تبرير تقريبي متكلَّف؟ أليس من الأَولى مجها،
وجعلها كما جعلها آخرون من ذوي الإنصاف في الدراسات الحديثية، جعلها
من الإسرائيليات الدخيلة على التفاسير وعلى علوم الحديث الشريف، غير
المتصادم مع صراحة القرآن الكريم؟.
إن القرآن الكريم وحده ومن خلال معنى اسمه؛
قرآنا في المعرفة، قرآنا في الحقيقة، قرآنا في الفكر، قرآنا في منهج
حياة الدارين، أي هو مصدر وأساس لكل ذلك، لأمة شاءها أن تكون أمة ما
يسمى أمة التفجر المعرفي، المشتقة من القراءة أصل العلم، المشتق من
الأمر الذي أمر به هذه الأمة في بداية ما جاء إليها: (اقْرَأْ بِاسْمِ
رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خلقَ الإنسانَ من علقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ
الأَكْرَمُ) سورة العلق1- 3.
إن في الدعوة إلى القرآن الكريم دعوة بحق إلى
الله سبحانه وتعالى، والقائم بذلك قائم بعمل هارون - عليه السلام-
مع قومه بعد غياب موسى -عليه السلام- عنهم، إذ عبدوا غير الله سبحانه
وأطاعوه- العجل-، وساروا على طريق ما دعا إليه السامري، فالناس قد
افتتنت أيما افتتان بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مما وجدوه
مدونا مما نُسب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من كلام غير القرآن
الكريم، وليته اقتصر على ما لم يناقض القرآن بل أخذوا حتى بما يناقضه،
في أمور العقيدة والفقه، ولعل مثل تلك الدراسات تدق شيئا مما ينبغي
التنبه له، فهي قائلة للناس بشأن ما استُبدل بالقرآن مما سمي بالحديث
أو السنة، وتحديدا المصادمة منها للقرآن الكريم : (يَا قَوْمِ إِنَّمَا
فُتِنتُم بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا
أَمْرِي) سورة طه90، والداعي إلى القرآن الكريم دعوة إلى التوحيد من
أن المشرع واحد وهو الله سبحانه، وهو بذلك يدعو إلى النجاة، فهو قائم
مقام مؤمن آل فرعون في زمن موسى عليه السلام، يقول سبحانه على لسانه:
(وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي
إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ
بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ
الْغَفَّارِ )(42) سورة غافر 41، 42.
كما أن في الدعوة إلى القرآن الكريم دعوة إلى عدم التفريق بين الله
سبحانه والرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك بأن يقال أن الرسول
يتأتى له الإتيان بما يناقض أمر ربه، إذ تلك صفة قد ذم الله أصحابها
ممن أرادوا ذلك، وذلك في قوله: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ
وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ
وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن
يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً) النساء150.
إنه ليس من معنى في إرداف طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم على طاعة
الله سبحانه في كثير من الآيات إلا لتبيان رفعة الله لنبيه في ذكره
إياه مقرونا به سبحانه، كنعمة امتن الله بها عليه، وتبيان أن الرسول
هو أول متقيد بالأمر الإلهي، فأمر الله ورسوله واحد؛ الله مشرع والرسول
منفذ متبع، وإلا فكيف يتأتى طاعة طرفين؛ الله والرسول، إن لم يكن الأمر
واحدا...
ولنا تواصل في الحلقة القادمة ...
أعلى
ركن الطفل المسلم
عفو النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل مكة
ناصر عبد الفتاح
تحرك موكب النبي صلى الله عليه وسلم صوب مكة يسبقه الحنين إلى ثرى
مكة والطواف حول الكعبة وتشتاق الجباه إلى السجود في المسجد الحرام
.. انطلق الموكب ورمال الصحراء تهتز فرحا لرؤية النبي صلى الله عليه
وسلم والطيور تصفق بأجنحتها ابتهاجا بموكبه المبارك .. انطلق الموكب
البالغ عشرة آلاف مسلم والفرح يغمر الوجوه والسكينة تغشي الأفئدة ..
لقد خرقت قريش المعاهدة التي وقعتها مع المسلمين وصدر الأمر الإلهي
بفتح مكة ..أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يفاجئ أهل مكة فدعا ربه
قائلا :
" اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها "
انطلق الموكب وشريط الذكريات يمر أمام المسلمين .. كم لاقوا من التعذيب
حتى يتركوا دينهم الحق وكم لاقى النبي صلى الله عليه وسلم من المحن
والإيذاء منذ اللحظة الأولى التي أمره الله فيها بدعوة قومه حين جمعهم
وقال لهم : (أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم،
أكنتم مصدقي ؟ قالوا ما جربنا عليك كذبا! قال: فإني نذير لكم بين يدي
عذاب شديد) فصاح أبو لهب: تباً لك سائر اليوم! ألهذا جمعتنا ؟!
وحرض أبو لهب المشركين على إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه
فقاطعوهم وأخرجوهم إلى الصحراء والجبال وكتبوا وثيقة تقضي بعدم التعامل
مع أهل النبي صلى الله عليه وسلم بالبيع أو الشراء وعدم التزوج منهم
حتى يسلموا إليهم النبي فيقتلوه.علق المشركون هذه الوثيقة على جدار
الكعبة واستمرت هذه المقاطعة ثلاث سنوات وكان المشركون يمنعون التجار
من بيع الطعام للنبي صلى الله عليه وسلم وأهله حتى كاد أن يهلك الناس
لولا أن أرسل الله تعالى القوارض فأكلت معظم الصحيفة ولم تترك فيها
سوى عبارة " باسمك اللهم " وعلى الفور نقض بعض القرشيين
الصحيفة وانتهت المقاطعة ورفع الحصار.
لكن الإيذاء لم ينته فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء
الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكبه صلى الله عليه وسلم
ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه
ودفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أتقتلون رجلاً أن يقول
ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟
وبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة، وجمع من
قريش في مجالسهم إذ قام واحد منهم ووضع أمعاء شاة فوق ظهر النبي صلى
الله عليه وسلم وهو ساجد فجاءت ابنته فاطمة رضي الله عنها وألقت عنه
أمعاء الشاة.
لم يكف المشركون عن إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم وعقدوا مؤامرة
للقضاء عليه واتفقوا أن تشارك كل قبيلة في تنفيذ هذا الأمر بأن ترسل
شابا قويا إلى مكة فيضربون النبي صلى الله عليه وسلم بسيوفهم ضربة
رجل واحد حتى لا تستطيع قبيلته أن تقتص له.
ونجى الله تعالى نبيه من أيدي المشركين فهاجر إلى المدينة المنورة
وعاش بين قوم مؤمنين يحبونه.
لم يهدأ المشركون فامتدت أيديهم بالإيذاء للسيدة زينب بنت رسول الله
صلى الله عليه وسلم والتي خرجت مهاجرة وكانت حاملا فأخافها هبار بن
الأسود بسيفه وأسقطها على الأرض فنزفت وأصابها المرض.
وصب المشركون غضبهم وتعذيبهم على المؤمنين فكانوا يلبسونهم دروعا من
حديد ثم يلقونهم في الصحراء تحت أشعة الشمس المحرقة طوال النهار حتى
تلتهب جلودهم وكان بلال بن رباح يعذب في الشمس فوق الرمال الساخنة
وكان المشركون يضعون حجرا ضخما فوقه فيظل يردد :
أحد .. أحد .. أحد.
فر المسلمون بدينهم إلى المدينة المنورة فلم يتركهم المشركون وأعدوا
الجيوش للقضاء عليهم واشتبكوا معهم في ثلاثة حروب قتلوا فيها العشرات
من المسلمين ومنهم أسد الله حمزة بن عبدالمطلب بتحريض من هند بنت عتبة
زوجة أبي سفيان.
ترى ماذا سيفعل النبي صلى الله عليه وسلم بهؤلاء المشركين حين يمكنه
الله منهم ؟!
تقدم الموكب صوب مكة وفي الطريق لقيه أبو سفيان بن حرب مستسلما فعفا
النبي صلى الله عليه وسلم عنه فأسلم.
قال العباس بن عبد المطلب: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر
فاجعل له شيئاً. قال: (نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن
أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن).
ودخل الموكب مكة ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمهاجرون
والأنصار بين يديه وخلفه وحوله، حتى دخل المسجد، فأقبل إلى الحجر الأسود،
فاستلمه، ثم طاف بالبيت، وفي يده قوس، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما،
فجعل يطعنها بالقوس فتتساقط على وجوهها وهو يتلو: (( جَاء الْحَقُّ
وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ))
ثم دخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة وصلى فيها ثم خرج فرأى المشركين
يقفون في ذل وانكسار وقد نكسوا رؤوسهم ينتظرون مصيرهم .. أهو القتل
؟ أم الجلد ؟ إنهم يستحقون كل ذلك .. ألم يقتلوا المؤمنين ؟ ألم يجلدوهم
؟ لكن القرار في يد خير البشر.
وقف النبي صلى الله عليه وسلم وقال :
(لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب
وحده ... "
" يا معشر قريش إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء،
الناس من آدم، وآدم من تراب : (( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر
وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن
الله عليم خبير))
ثم قال: " يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ "
قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: " فإني أقول
لكم كما قال يوسف لإخوته: (( لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ )) اذهبوا
فأنتم الطلقاء).
لم يصدق أهل مكة ما سمعوه .. أيمكن أن يصل العفو إلى هذا الحد ؟! أيعفو
محمد عنهم بعد أن آذوه وعذبوا أصحابه وقتلوا أتباعه ؟! إن هذا الدين
عظيم ..ودخل أهل مكة في دين الله أفواجا مسلمين تائبين.
ثم نزل عقب غزوة حنين قول الله تعالى :(( إذا جاء نصر الله والفتح
ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه
كان توابا )) صدق الله العظيم.
أعلى
التقرب إلى الله عز
وجل
عندما يتعلق العبد بربه سبحانه وتعالى ويرى مكانته
في قلبه , عليه أن يلزم الطاعة في كل أمور حياته , أو بمعنى آخر :
أن يجعل كل حياته ملكاُ لله , ولا يقتصر هذا على العبد نفسه , بل عليه
أن يبدأ أيضاً بمن يعول , بدءا من الزوجة ثم الأولاد , ثم كل من يحب
من إخوانه وأصدقائه . وكما نعلم أن الله تعالى هو أقرب إلينا منا ,
وهو أوضح من كل موجود نلمسه , ونشمه ونسمعه ونراه .
فما بال العبد يعيش بعيداً عن هذه الحقيقة تائهاً ضالاً , إذاً فالتيه
الذي نعيش في غياهبه وظلماته , يعتبر تيها صناعيا موهوما , إذ ليس
هناك أي وجود حقيقي لأي شيء مهما عظُم حتى يشغلنا عن الله عز وجل ,
وهناك بعض العباد يغترون بأعمالهم مع قلتها , ومع هذا ينسون أنفسهم,ولهذا
الغرور وجهان , الأول : رضاك عن نفسك والافتتان بما تأتيه من عبادة
ونسك , والوجه الثاني : الاستعلاء على الآخرين بفضله , بل وتعييرهم
بما معهم من قصور ومساوئ , وهذا نوع من الغرور يُضيًعُ صاحبه . وعندما
تسلم النفس من ذاتيتها وأنانيتها فلن تُذل بطاعة أبداً بل ستظل راكعة
لله تعالى , الذي وفقها وهداها وزكاها ,
والنفس المؤمنة تفرح بتوفيق الله تعالى لها , بأن يسر لها أمر عمل
الصالحات . واعلم يا صاحب النفس التقية , أنك إن عيًرت الآخرين بضعفهم
, فهذا يكشف عن أن النفس قد ضلت طريقها إلى الله تعالى , بل وقبل ذلك
يتبين لنا عن أنها لا تستحق شرف السير على طريق الحق المستقيم , ويقول
ابن القيم رحمه الله تعالى كلاماً طيباً في هذا المقام , ما أجمله
يقول ( تعييرك أخاك بذنبه , أكبر إثماً من ذنبه , ففي تعييرك هذا ,
تبدو صولة الطاعة وتزكية النفس والمناداة عليها بالبراءة من الذنب
, ولعل انكسار الذي عيرته بذنبه , ووقوفه بين يدي ربه ناكس الرأس خاشع
الطرف , منكسر القلب أنفع له من صولة طاعتك ومنًك بها علي الله .
ألا ما أقرب هذا العاصي من رحمة الله تعالى , وما أقرب ذلك المُدل
من مقت الله فذنبُ تُذَلُ به لديه .. أحب من طاعة تُدِلُ بها عليه
. ولأن تبيت نائماً وتصبح نادماً خيرُ من أن تبيت قائماً وتصبح معجباً
فإن المعجب لا يصعد له عمل . انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى
.أخي الكريم : إن من أفضل ما يتقرب به العبد لربه عز وجل أن يعمل العمل
الصالح ويجعله ابتغاء وجه الله تعالى , ولا يتعاظم على أحد من المسلمين
مقتديا في ذلك بخير خلق الله أجمعين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
. ومع العمل الصالح , لابد من البعد عن المعصية لأن المعصية تورث الذل
والانكسار . فغرور العبادة آفة يتوقاها أهل الله , ويحذرون منها .
ثم إن الحسنة من آثارها العظيم أنها تشجع على عمل الحسنة الأخرى ,
قال عروة بن الزبير رضي الله عنهما : إذا رأيت الرجل يعمل الحسنة فاعلم
أن لها عنده أخوات , وإذا رأيت الرجل يعمل السيئة فاعلم أن لها عنده
أخوات . وما أجمل أن يتقرب العبد من ربه وهو في عافيته , لأن العافية
من أعظم النعم التي يعطيها الله لعبده , فمن وفقه الله لكي يعمل العمل
الصالح وهو في العافية فليحمد الله تعالى على توفيقه له في هذا الوقت
. وكان من دعاء الصالحين ( اللهم استرنا بالعافية ) فعافية الله تعالى
هي التي تصنع الفارق الشاهق بين الطائع والعاصي .. بين المعافى بالهدى
, المستور بالعافية , وبين المبتلي بالذنب المحروم من العافية ورحم
الله سلفنا الصالح , كانوا لا يأمنون مكر النفس واغترارها بالطاعة
, ومن هؤلاء الربيع بن خيثم وهو من التابعين رحمهم الله تعالى جميعاً
ورضي عنهم وكان الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إذا
رآه قال له ( بشر المخبتين ) ثم يقول له ( لو رآك رسول الله لأحبك
) ومع هذه المنزلة الكبيرة في الورع والتقوى , كان إذا طلب منه أحد
أصحابه أن يعظهم كان جوابه لهم ( ما أنا عن نفسي براضٍ حتى أتحول عن
ذمها إلى ذم الناس , وما أريد أن أكون من قوم خافوا الله في ذنوب الناس
وأمنوا عذابه في ذنوبهم ) ألا ما أعمقه من تفكير ويا ليتنا نقف مع
هذه الكلمات وقفة تأمل واعتبار . فهذا التابعي يرى من نفسه أنه مقصر
ويجب عليه قبل أن ينصح الناس ويخوفهم من ذنوبهم , عليه أن يخاف الله
أولاً ثم ينصح الناس بعد ذلك ,أخي الكريم : ما أحوجنا جميعاً إلى التقرب
إلى الله تعالى ونصيحتنا للجميع أن : نتقي الله في السر والعلن , وأن
لا نغتر بأعمالنا الصالحة , بل علينا أن نشكر الله تعالى على توفيقه
لنا لهذا العمل , وبدل أن نُعاير الآخرين ونتطاول عليهم , بدل ذلك
ليتنا ننشغل بعيوبنا عن عيوب الناس , فطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب
الآخرين , قول إبراهيم النخعي ( ما أحسب أحداً تفرغ لعيوب الناس إلا
من غفلة غفلها عن نفسه ) فهذا الغرور الذي يخدع أصحابه عن أنفسهم ويقنعهم
بأنهم انتهوا إلى خير ما يرجون , ولم يعد في الإمكان أبدع مما كان
, يعود فيلوي أبصارهم شطر الآخرين حتى يسول لهم غرورهم أنهم فريق الإنقاذ
لأولئك الغرقى . فندعوا الله العلي القدير أن يوفقنا لطاعته والقرب
منه وهو على كل شيء قدير , اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه يا رب العالمين
, اللهم آمين , والحمد لله رب العالمين ...
إبراهيم السيد العربي
أعلى
صلة الأرحام
إعداد : مبارك بن عبدالله العامري
دعم الإسلام هناءة الأسرة ، فأحكم وثاقها بمن تربطها بهم قربى ، وشد
أزرها بمـا أوجب من تراحم الأخوة والأخوات ، وبني العمومة والعمات
ومن يليهم ، فليس أرضى لله تعالى من صلة الرحم التي أمر أن توصل ،
وبر الأهل ،.
ورعاية أولي الأرحام ، والتوسعة عليهم ، بما لا يشق إسداؤه إليهم ،
هو عصام هذه الأسرة من التفكك ، وزمامها من الانحلال والزوال
فيما ينـبغي ألاَ تغفل عن صورة الرحم الفـذة في قول المعصوم صلوات
الله عليه وسلامه : أن الله تعالى خلق الخلق ، حتى إذا فرغ منهم قامت
الرحم ، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال : نعم أما ترضين
أن أصل من وصلك ، وأقطع من قطعك ؟ قالت : بلى قل فذلك لك ..
لقد شق الله سبحانه للرحم اسما من اسميه الرحمن والرحيم ، ومن رحمته
التي وسعت البر والفاجر في هذه الحياة ، وجعلها خالصة للمؤمنين يوم
يلقونه ، ليعظم حقهـا على العقلاء الذين يفهمون أن الحياة لا يمكن
أن تصفو بغير تراحم الأقرباء، وتعاون الأحياء وذلك وحي الحياة ، وحديث
الواقع قبل أن يكون وحي السمـاء وحديث النبوة ووصايا الآباء للأبناء
0
إن صلة الأرحام من أعظم القربات لله وأجلها، قال تعالى): وَاتَّقُواْ
اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ)النساء:1 والمسلم في
هذه الدنيا يجدّ في السير إلى رحاب جنة عرضها السموات والأرض ومما
يعينه في ذلك السير تلمس ثمار القيام بصلة الأرحام ومنها:
1ـ امتثال أمر الله ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بصلة الرحم حيث
أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قرنها بعبادة الله تعالى دلالة
على عظم شأنها كما في حديث عمرو بن عبسة لما سأل رسول الله بأي شيء
أرسلك الله قال: : بكسر الأوثان وصلة الرحم وأن يوحد الله لا يشرك
به شيء0 رواه مسلم.
2 ـ طلب القرب والإحسان والأفضال من الله تبارك وتعالى كما في الحديث
الذي رواه البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال
رسول الله : إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت:
هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال: نعم ! أما ترضين أن أصل من وصلك،
وأقطع من قطعك قالت: بلى قال: فذلك لك... } الحديث.
3ـ طمعاً في دخول الجنة، كما في الحديث الذي رواه ابن ماجة والترمذي
والدارمي، عن عبدالله بن سلام قال: لما قدم النبي المدينة انجفل الناس
قبلةُ، وقيل: قد قدم رسول الله ، قد قدم رسول الله ، قد قدم رسول الله
- ثلاثاً - فجئت في الناس لأنظر، فلما تبينت وجهه، عرفت أن وجهه ليس
بوجه كذاب، فكأن أول شيء سمعته تكلم به أن قال: يا أيها الناس أفشوا
السلام وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام،
تدخلوا الجنة بسلام.
4 ـ كسب الرزق والبركة في الذرية والذكر الحسن، كما في الحديث الذي
رواه البخاري ومسلم، عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول الله
يقول: من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه.
5 ـ دفع العقوبة المترتبة على قطيعة الرحم، كما في قوله تعالى (فَهَلْ
عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا
أَرْحَامَكُمْ ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ
وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ )محمد:23،22 وكما في الحديث الذي رواه البخاري
ومسلم، عن محمد بن جبير بن مطعم قال: إن جبير بن مطعم أخبره أنه سمع
النبي يقول (لا يدخل الجنة قاطع رحم ، وكذلك في الحديث الذي رواه الترمذي
وأبو داود وابن ماجة وأحمد، عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه قال: قال
رسول الله : ما من ذنب أجدر أن يُعجل الله بصاحبه العقوبة في الدنيا
مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم.
آداب وضوابط صلة الرحم:
1 ـ أن تستصحب الإخلاص لله تعالى في كل عمل تقوم به، وأن تلزم الالتجاء
إلى الله سبحانه ودعائه بأن يوفقك وأن يفتح على يديك، وأن تنطلق مع
محبوبات الله أني استقلت ركائبها، مع الاجتهاد في دفع كل ما يعارض
هذا الأصل العظيم الذي هو أنفع الأصول وأصلحها للقلب وأعظمها فوائد
ونتائج، مع اجتهادك فيه تلجأ إلى الله تعالى في إعانتك عليه وتيسيره
لك2 ـ التدثر بالصفح والعفو والمسامحة لكل من أخطأ عليك، ومقابلة ذلك
بالإحسان. (وَلاَ تَستوِى الحَسَنَةُ وَلاَ السّيِئَةُ ادفَع بِالّتي
هِىَ أَحسَنُ فَإذَا الّذى بَينكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأنّهُ وَلِىّ
حَمِيمٌ)فصلت: 43. ـ-3 أن تستشعر دائماً أن أقاربك وأرحامك أولى الناس
بك، وأحقهم بعطفك وخيرك (وَأُولُُوا الأرحَامِ بَعضُهُم أََولَى بِبعضٍ
فىِ كِتَابِ اللّهِ إنّ اللّهَ بِكُلِ شَىءٍ عَلِيمُ ) الأنفال:75.
روى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة والدارمي عن سلمان بن عامر الضبي
قال: قال رسول الله : الصدقة علّى المِسكيِنِ صدقة وهي على ذي القَرابَةِ
اثنتان صِلة وصدّقة 0. 4 ـ أن تدرك أن صلة الرحم من أخص صفات المؤمنين
بل إنها من أبرز صفات سيد المرسلين كما قالت خديجة رضي الله عنها لرسول
الله مطمئنة له ومهدية من روعه: ( كلا لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل
الرحم ) رواه البخاري ومسلم وروى البخاري عن أبي هُريرة عن النبي قال:
مَن كَان يؤمِن بالله وَاليومِ الآخِرِ فَليصل رَحِمَهُ وَمَن كانّ
يؤمِنُ بِالله وَاليَومِ الآخِرِ فَليقُل خَيراً أو ليصمت. 5 ـ أن
تكون قدوة حسنة في جميع أعمالك وتصرفاتك وأخلاقياتك مع جميع أقاربك
ومع غيرهم، مع البعد التام عن الانتصار للنفس؛ وأن لا يكون في سلوكك
ثغرات تفقدك ثقتهم، وانظر إلى سيد الرسل صلوات الله وسلامه عليه لم
ينتقم لنفسه قط. 6ـ أن يروا منك الإيجابية في التعاون معهم، ومسارعتك
في قضاء حوائجهم والوقوف في صفهم في الحق، وبذل جاهك وشفاعتك لهم،
ومحاولة إيجاد البدائل فيما لم توافقهم عليه من أعمال أو تصرفات. 7ـ
العفو والتجاوز عن حقوقك الذاتية تجاههم؛ بل تحاول أن تتناسها تماماً،
ومن ذلك المكافأة في الصلة فالواصل ليس بالمكافي. روى البخاري عن عبدالله
بن عمرو عن النبي قال: ليس الواصل بالمكافي ولكن الواصل الذي إذا قطعت
رحمهُ وصلها. وروى مسلم عن أبي هريرة أن رجلاً قال: يا رسول الله إن
لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأحلم عنهم ويجهلون
عليّ، فقال: لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله
ظهير عليهم ما دمت على ذلك.8 -طول النفس، وسعة البال معهم، فالطريق
طويل، والصبر جميل، وتدرع بالفأل الحسن، وافتح لنفسك باب الأمل فقد
لبث نوح عليه السلام ألف سنة إلا خمسين عاماً وهو يدعو قومه. وقال
رسول الله صلى عليه وسلم عن كفار قريش بعد ما لاقاه منهم: إني أرجوا
أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله. 9 ـ إبعاد عنصر اليأس من صلاحهم،
فإنه متى تطرّق إليك الشك من صلاحهم فقد حكمت على نفسك بالفشل في بداية
الطريق. 10 ـ عدم تعليق الفشل وعدم النجاح عليهم فإنك متى عمدت إلى
هذا فقدت عنصر التقويم والتعديل والتطوير لنفسك ولم تحاول أن تراجع
خطواتك وطريقتك في التعامل معهم، فهذا نبي الله نوح عليه السلام، قام
باستخدام جميع الوسائل في نصح قومه، ولم يقتصر على أسلوب بعينه، ويعلن
انحراف قومه وفشلهم، بل قال لربه جل وعلا): رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ
قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً
، وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ
فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا
اسْتِكْبَاراً ، ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً ، ثُمَّ إِنِّي
أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً ، فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا
رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ،يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم
مِّدْرَاراً ، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ
جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً ، مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ
لِلَّهِ وَقَاراً ، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً ) نوح:5-14. - 11ـ
أهمية جعل أهداف لصلة الرحم يمكن مراقبتها وقياسها حتى تعلم مدى نجاحك
فيها أو تقصيرك، وأسباب الضعف والخلل. 12 ـ الاستعانه بالله جل وعلا
على دعوتهم إلى الله وتوجيههم مع لزوم الدعاء لهم في ظهر الغيب في
كل حال وفي أوقات الإجابة والأزمنة والبقاع الفاضلة. 13ـ الاهتمام
البالغ - وقبل كل شيء - بكسب محبتهم في جميع الطرق التي ترضى الله
عز وجل. 14ـ إلتزام الأسلوب الحسن والكلام الطيب، والابتسامة، والبشاشة
عند لقياهم والدعاء لهم. فالكلمة الطيبة صدقة، وتبسمك في وجهه صدقه،
وطلاقة الوجه صدقة. 15 ـ زيارتهم، والسؤال عن حالهم، والاتصال الهاتفي
بهم، ومن الأشياء المعينة على ذلك تخصيص يوم معين لمقالتيهم؛ مثلاً:
يوم الجمعة. 16 ـ صحبتهم في بعض الرحلات للعمرة، أو الحج، أو النزهة،
مع تحمل ما لا يلائمك من عادات وصفات؛ فهم أولى بذلك من غيرهم. 17
ـ مشاركتهم في أفراحهم، ومناسباتهم0 18 ـ ملاطفة الأطفال وملاعبتهم؛
وهذا خُلق نبوي رفيع، وهو أدعى وأيسر طريق في كسب محبة أهلهم. 19 ـ
الاحتساب في ذلك كله، والإخلاص فيه لله تعالى، دون انتظار الشكر والثناء
من أحد منهم، بل إن من الإعداد النفسي كما قال ابن حزم: أن تنظر مقابلة
إحسانك عليهم، إساءتهم وتعديهم وظلمهم لك، فإنك في ذلك تحقق هدفين:
أن يكون عطاؤك وصلتك لله تعالى، أن لا تصاب بالإحباط والقلق عند عدم
المكافئة بالحسنى. 20 ـ الاهتمام بالمناسبات التي يحث عليها ديننا
الإسلامي وإحيائها مثل: الأعياد ، وقدوم مولود جديد والزواج والوفاة
وهكذا.
أعلى
وقل اعملوا
شركة الأعمال
أيها القراء الأكارم:
1- مفهوم شركة الأعمال:
هو أن يشترك اثنان أو أكثر لا مال لهما فيما يكتسبانه بجهدهما البدني
والفكري وما رزقهما الله فهو بينهما على حسب ما يتفقان, كأن يتفق صانعان
أو أكثر على تقبل الأعمال من الغير وكأن يشترك كاتبان في عمل فكري
كتأليف كتاب.
تعرف هذه الشركة بشركة (الحمالين) وسائر المحترفة كالخياطين والنجارين
والدلالين.. وتعتبر شركة التنقيب عن النفط وشركة التفريغ والشحن ونحوهما
من شركات الأعمال.
وتسمى شركة الأعمال بشركة (الأبدان) لأن المشتركين فيها يعملون بأبدانهم,
وبشركة (الصنائع) لأن رأس المال فيها هو الصنعة, وبشركة (التقبل) لأن
ما يتقبله كل واحد من الشركاء يلزم الآخر أو لأن من صورها أن أحدهما
يتقبل والآخر يعمل.
2- مشروعيتها:
شركة الأعمال مشروعة وجائزة عند جمهور الفقهاء في الجملة وإن كانوا
قد اختلفوا في بعض أنواعها وأحكامها لأن الناس تعاملوا بها في جميع
الأمصار من غير إنكار ولأنها تشتمل على الوكالة والوكالة جائزة والمشتمل
على الجائز جائز, ولأن شركة المال شرعت لتنمية المال أما شركة الأعمال
فشرعت لتحصيل أصل المال والحاجة لتحصيل أصل المال أولى من الحاجة لتنميته,
فما شرع لتحصيل الأصل أولى مما شرع لتحصيل الوصف.
ويشهد لمشروعيتها أيضا ما قاله ابن مسعود رضي الله عنه: (اشتركت أنا
وعمار وسعد يوم بدر, فأصاب سعد أسيرين, ولم أصب أنا وعمار شيئا, فلم
ينكر النبي صلى الله عليه وسلم علينا).
قال الشوكاني: (الحديث حجة في شركة الأبدان, وتملك المباحات).
3- شروطها:
وضع بعض العلماء شروطا لشركات العقود: منها ما هو عام لكل أنواع شركات
العقود ومنها ما هو خاص.
أما الشروط التي تخص شركة الأعمال فهي أن شركة الأعمال إذا كانت مفاوضة
فإنه يشترط فيها شرائط المفاوضة من أهلية الكفالة والتساوي في الأجر
ومراعاة لفظ المفاوضة.
إذا كانت عنانا فلا يشترط فيها شيء من المفاوضة وإنما يشترط فيها أهلية
الوكالة فقط.
قال بعضهم: ما تجوز به الوكالة تجوز به الشركة وما لا تجوز به الوكالة
لا تجوز به الشركة وعلى هذا لا تجوز الشركة بالأعمال في المباحات كالصيد
والحطب والحشيش.
3- أحكامها:
أ- إذا كانت شركة الأعمال مفاوضة فيلزم كل شريك بما يلزم صاحبه بسبب
هذه الشركة ويطالب به حتى لو أقر أحد الشريكين بالدين كثمن صابون أو
أجر أجير على نفسه وعلى شريكه فيجوز للمقر له أن يطالب بالدين أي شريك
بسبب كفالته.
ومثال المفاوضة في الأعمال: أن يشترك صانعان في أن يتقبل كل منهما
الأعمال وأن يضمنا جميعا العمل على التساوي وأن يتساويا في الربح والخسارة
وأن يكون كل واحد منهما كفيلا عن صاحبه فيما يلزمه بسبب هذه الشركة.
ب- وإذا كانت شركة الأعمال عنانا فما يتقبله كل شريك من العمل يلزمه
ويلزم شريكه العمل معه فيه. وهي تشبه شركة المفاوضة بالنسبة لضمان
العمل استحسانا ووجه الاستحسان: أن هذه الشركة تقتضي وجوب العمل على
كل واحد من الشريكين وإذا كانت كذلك كانت مقتضية وجوب ضمان العمل أي
ضمان ما يتقبله صاحبه فلصاحب العمل أن يطالب بالعمل أيهما شاء لوجوبه
على كل واحد منهما.
ج- الربح والخسارة: أما اقتسام الربح في هذه الشركة فيكون بحسب الضمان
لا بالعمل حقيقة فلو عمل أحد الشريكين دون الآخر فإنه أي : الآخر يستحق
الربح وإن لم يعمل لأنه يستحق ذلك الربح بضمان العمل لا بالعمل فعلا
لأن العمل قد يكون من نفس الشريك وقد يكون من غيره كالخياط إذا استعان
برجل على الخياطة فإنه يستحق الأجر وإن لم يعمل لوجود ضمان العمل ويكفي
اشتراط العمل عليهما.
ويجوز في هذه الشركة شرط التفاضل في الأجر إذا شرط التفاضل في ضمان
العمل بأن شرطا لأحدهما ثلثي الأجر وللآخر الثلث وشرطا العمل عليهما
أيضا سواء عمل الذي شرط له الزيادة في الأجر أم لم يعمل لأن استحقاق
الأجرة في هذه الشركة بالضمان لا بالعمل.
أما اقتسام الخسارة فهو أيضا على قدر الضمان حتى إنه لو شرط الشريكان
أن ما يتقبلانه من أعمال ثلثه على أحدهما وثلثه على الآخر والخسارة
بينهما نصفان كان هذا الشرط العائد للخسارة باطلا والشركة جائزة على
ما شرطا على كل واحد منهما بحسب ضمان العمل لأن الربح إذا انقسم على
قدر الضمان كانت الخسارة كذلك.
ولو جنت يد أحدهما فالضمان عليهما جميعا لأن ضمان الجناية مبني على
ضمان العمل وقد ضمناه جميعا.
إعداد/علي بن عوض الشيباني.
أعلى
|