الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
أشــرعــة

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 

 





فتاوى وأحكام



*من اشترى سيارة ولم يحول ملكيتها إليه وباعها قبل تحويل الملكية هل عليه شيء؟

**إذا كان اشتراها شراءً صحيحاً وأمسكها وقبضها وتمت الصفقة فيما بينهما فلا حرج أن يحول الملكية باسم الشخص الآخر.

*في قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الأرض وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ )(الحج: من الآية18)، فكيف نوفق بين هذه الآية التي تنص على كثير من الساجدين وبين نصوص أخرى تنص على ان الأكثر غير ساجد وأنه جاهل وغافل؟


**كلمة كثير لا تعني أن المقصود بها الأكثر، ولكن تعني أن هنالك جماً غفيراً يتصفون بهذه الصفة، ولا ريب أن الساجدين في الأرض والحمد لله هم أكثر من الملايين، الساجدون من جنس البشر هم أكثر من الملايين، هم أعداد كثيرة، لا يستطيع أحد أن يقول أن هذا العدد عدد قليل، وإن كان الأكثرون غافلين عن ذلك، غير متجاوبين مع نظام الكون الذي يسبح بحمد الله ويسجد لجلال الله، فغفلة الأكثرين لا تعني أن العدد الذي يقوم بالواجب أو الذي يتفاعل مع سنن الفطرة يسجد لله سبحانه وتعالى ولا يقال بأن هذا العدد قليل، هو عدد كثير، هو كثير بالنظر إليه، نعم إذا ما قيس بالجماهير الغافلة كان ذلك مدعاة لتقليل هذا العدد في مقابل هذه الجموع الغافلة، ولكن هم في حقيقتهم كثير لو جئنا إلى عددهم بالذات.
ومن ناحية أخرى فإن هؤلاء قد تعتبر كثرتهم من حيث استقامتهم (إن الكرام كثير في البلاد وإن قلوا)، فالكرام كثير وإن كانوا قليلين، فالعبرة بالكيف لا بالكم، ولو كان الأكثرون باطلين فإن هؤلاء يرجحون بأولئك الغافلين مهما كانت كثرتهم، لأن النظر إلى كيفية حالة هؤلاء، فهؤلاء معدودون كثرة بسبب رجحان كفتهم وظهور أمرهم وانسجامهم مع سنن الله سبحانه وتعالى التي طبع عليها هذا الوجود.


*هل يمكن القبول جزئياً بنظرية دارون التي تنص على تطور المخلوقات إذ يرى البعض أن الله تعالى خلق آدم بلون وصفات محددة بينما شعوب العالم حالياً يتمتعون بألوان وصفات مختلفة تبعاً للبيئات الجغرافية التي يعيشون فيها حتى يستطيعوا التكيف مع الظروف المناخية، فمثلاً يمتلك سكان المناطق الجبلية المرتفعة رئتين هوائيتين كبيرتين بسبب قلة الأوكسجين فيها؟


**هذه نظرية ساقطة في الاعتبار أتى عليها الزمن ودكدكها فصارت دكاً دكا، لا قيمة لها أبدا، حتى أنني نمى إليّ قبل نحو شهرين من الآن أو أكثر من شهرين أنه في الولايات المتحدة الأميركية مُنع من تدريسها في المدارس، حُذفت من مناهج التعليم نهائياً فأصبحت في خبر كان، ليست هي من الصحة في شيء، ونظرية دارون لم تُبْن قط على أسس علمية، وإنما هي نظرية أريد بها مجرد المغالبة في تفسير ظاهرة الكون وخلق المخلوقات، هذا هو المراد، وليست قائمة على أساس من العلم، حتى أنني وجدت في بعض ما نُقل عن الداروينيين أنفسهم إنهم يقولون بأن احتمال صحتها لا يتجاوز الواحد في المليار. هذا قبل مدة مضت، ليس هذا الكلام الآن بل قبل عقود من السنين قالوا لا تحتمل شيئاً من الصحة إلا بقدر الواحد في المليار.
فإذن هي نظرية لا داعي إلى ذكرها، ولا داعي إلى تحليلها ولا داعي إلى أي شيء من هذا القبيل، هي نظرية أتى عليها الزمن. كانت ردة في وقت من الأوقات وقد أصبحت الآن في خبر كان، ميتة قد قبرت، فلماذا ننبش قبرها ونحاول أن نثيرها من جديد.
على الناس أن يتبعوا ما دل عليه القرآن وكفى، حسبهم ما دل عليه القرآن وما دلت عليه السنة في تفسير الظواهر الكونية.

يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة

أعلى






السورة الفيل دلالات ومضامين


ـ السورة أعلت مكانة العرب بين الأمم وتحديدا قريش
ـ السورة تحمل بيان عزة البيت الحرام
ـ البيت الحرام رمز ومشعر من مشاعر الدين المهمة

ـ خلّد الله سبحانه حادثة الفيل كونها تحمل مكرمة حماية البيت تمهيدا لمكرمة أكبر ألا وهي بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم
ـ اليقين على قدرة الله سبحانه في الذب عن حرماته
ـ الأحداث تزيد يقين المرء وتقوي إيمانه بشرط أن يربط القدرات بالله سبحانه وحكمته في خلقه


إعداد: الشيخ الدكتور مبارك بن مسلم الشعبني


بسم الله الرحمن الرحيم
(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)) سورة الفيل(1 -5).

المعنى العام للسورة

في هذه السورة الكريمة يخبر ويؤكد الله سبحانه وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم خبر حادثة الفيل التي شهدها قومه قبل ولادته، والمتمثلة في إهلاك الله سبحانه أصحاب الفيل الذين جاءوا لهدم الكعبة، وقد ردهم الله سبحانه بقدرته العلية، بأن سلط عليهم ما أخبر الله به في كتابه، من طير أبابيل ترمي هلاكا وعذابا من أرادوا بالبيت سوءا، فشتت شملهم بأن قتلوا وردوا على أعقابهم وما يريدون من كيد خاسئين.

من الدلالات والمضامين في تلكم السورة الكريمة

لقد تضمنت هذه السورة الكريمة العديد من الدلالات والرسائل التي أراد الله بثها للناس، منذ أن نزلت إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ومن ذلك الآتي:
1ـ السورة تحمل بيان عزة البيت الحرام؛ وذلك بأن لا يد عليه في حمايته وصونه من قبل أهل الشرك والأوثان، فهم ليسوا من قاموا بالدفاع عنه وحفظه، وإنما الحافظ له هو الله سبحانه وتعالى وحده، فلا يمكن أن يأتي وثني يوما ما ويتبجح ممتنا على البيت العتيق. فالسيَر تحكي أنهم أسلموا البيت العتيق لربه، وكل من كانت من قبله مقاومة مسلحة إنما منيت بالخسارة أمام الجيش الغازي، فجاءت السورة تؤكد تدخل الله المباشر في حمايته، وتدحض أي يد تتقول بالافتراء.
2ـ السورة حملت مضمون عظمة البيت وعلو مكانته؛ فهو في المعية الإلهية، ولذلك كل من يوفق في زيارته يعد متشرفا بزيارة بيت عظيم شأنه، سينال إن كان مخلصا من تلكم المعية معية بإذن الله. فهو مشعر من مشاعر الله سبحانه التي ثبتت قداستها عند الله، ومن هنا يعد القائم عليه صونا وحماية وزيارة قائما بأمر عظيم، نالها من عظمة فعله ذلك، في استجابته لنداء الله العظيم في ذلك أولا وقبل كل شيء.
3ـ السورة فيها تهديد لكل من تسول له نفسه المساس بالبيت الحرام؛ وذلك كون البيت الحرام من الدين، أي أنه رمز ومشعر من مشاعر الدين المهمة، فكما أن الله سبحانه قد خذل ودمر حتى أهل الكتاب- إبرهة وجنده-، وقد كانوا أهل ديانة معتبرة في ذلكم الوقت، إلا أن الله سبحانه فعل بهم ما قد فعله، فكيف يكون حال من يأتي من بعدهم من أهل الشر، فالسورة تهدد كل من تسول نفسه الكيد ليس بالبيت الحرام. فالبيت الحرم آمن ومن يذهب إليه يكون آمنا، فمن الطبيعي أن يكون ذات البيت آمنا، بأمن الله له وصونه وحفظه، وفي ذلك إجابة لدعاء إبراهيم عليه السلام له، إذ قال الله على لسانه: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا ..(126)). سورة البقرة الآية (126). بل يخبرنا الله سبحانه أن البيت ذاته موصوفا بالبيت الحرام من قبل، يقول سبحانه: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)) سورة إبراهيم الآية (37). فهو أول بيت كما أخبر الله سبحانه وتعالى عنه: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)) سورة آل عمران الآيتان (96، 97). فالسورة بقدر ما تحمل من تهديد، تحمل تحديا يجعله الله باقيا إلى أن يرث الأرض ومن عليها. فالفيل الذي يعد قوة عظمى في الهدم في ذلك الوقت لم يفعل شيئا إذ هو خلق من خلق الله الذي نواصيه بيده سبحانه، كما قال في كتابه: (... مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)) سورة هود الآية (56).
4ـ السورة فيها تأكيد على تحقق وعد الله سبحانه في حفظه وحمايته رموز ومقدسات الدين الثابتة؛ فسبحانه وتعالى كما حفظ بيته الحرام كونه آمنا، كذلك سبحانه حمى كل من وعد بحمايته من أمور الدين، ومن ذلك؛ حفظ وحماية الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم كما وعد في قوله: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)) سورة المائدة الآية 67. فلم يتمكن أحد من النيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتل، بالرغم من تمكنهم منه في كثي من المواقف، ولكنه وعد الله الصادق له بالحماية، مادام قد قام بالشرط وهو تبليغ دين الله سبحانه، وكذلك حفظ كتابه الكريم عندما قال في قوله جل شأنه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)) سورة الحجر الآية (9).
5ـ السورة تبرز قدرة الله سبحانه التي لا ينبغي أن يماري فيها أحد من الخلق؛ فبغض النظر عن نوعية العذاب الذي أرسله الله إلى جيش إبرهة وماهيته وكنهه، ولكن المهم ثمة قوة عاتية تدخلت في إقصائه وما يريد من شر، وكذلك الحال في كل شأن، في رسالة من الله سبحانه في أهمة تعظيم الله سبحانه، واليقين في ذلك يقينا لا يساورة شك البتة، فها هو ذا رب العزة لم يشأ أن يجعل ذلكم الأمر من الحدث شأنا تاريخيا وانقضى بل سطره في كتاب يتلى، ليعظم المرء المسلم ربه في حمايته له عقيدته وحرماته الدينية حتى قبل أن يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم. شاء الله أن يخبر بقدرته تلك ردعا لمن تسول له نفسه من الكفار في التفكير بالنيل من الرسول وهو بين ظهرانيهم، بأن قدرته قاهرة إذا ما أراد الله سبحانه قهرهم بها، ولكنه اللطف الرباني على عباده علهم يرجعون، أو يحدث الله القرآن الذي يتنزل فيهم أمرا. فشاء الله سبحانه أن يكون الحدث بين ظهراني المشركين ليروها بأعينهم بارزة لتضاف كشاهد عيان على ما يخبرهم الله عنه هنا وهناك مما يفعله بعباده المنكرين، فكما كان يلفت انتباههم إلى ما يرونه في رحلتهم في الشام يلفت نظرهم إلى ما كان بينهم من حدث- وتحديدا دمار قوم لوط-، يقول سبحانه: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138)) سورة الصافات (137، 138).
6ـ السورة أعطت مكانة للعرب كلهم في ذلكم الوقت بين الأمم - وتحديدا عرب قريش، أهل النبي محمد صلى الله عليه وسلم-؛ فقد كانت الحادثة الخارقة التي تناقلها الناس فيما بينهم في ذلكم الوقت، لها أثرها في جعل أهل مكة يكسبون تقدير واحترام الناس أينما رحلوا، ولذلك فلهم شأنهم خلال رحلتي الشتاء الصيف عند من يذهبون إليهم، ومن يمرون عليهم من القبائل في طريقهم. ولذلك جاءت سورة قريش بعد سورة الفيل مباشرة، لتحمل دلالة كتلك- كما يقول سيد قطب في تفسيره-. وقد أعطى الله للبلد كلها- مكة المكرمة- مكانة عالية بأن وصفها مقسما بها في قوله: (...وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3)) سورة التين الآية (3)، وكذلك في قوله سبحانه: (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2)) سورة البلد (1، 2).
7ـ خلد الله سبحانه حادثة الفيل كونها أيضا تحمل مكرمة - حماية البيت- تمهيدا لمكرمة أكبر، ألا وهي مكرمة بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومكرمة نزول القرآن الكريم بعد ذلك، فقد أخبرت السير أن حادثة الفيل كانت في العام الذي ولد فيه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ولكأن الله سبحانه هيأ المنزل بحدث جليل إكراما للنازل الضيف الجليل، محمد صلى الله عليه وسلم. فجلالة الحدث كان إيذانا بجلالة ما سيحدث.
8ـ السورة فيها درس بأهمية أخذ العبر والدروس فيما يحدث هنا وهناك من أحداث؛ فهي- أي الأحداث- لا محالة تزيد يقين المرء، وتقوي إيمانه، بشرط أن يربط القدرات بالله سبحانه وحكمته في خلقه، بحيث يعتقد أن في كلٍ حكمة، تعلم تلكم الحكمة أو لم تعلم، ومن أهم تلكم الحكم بيان وإظهار قدرة الله سبحانه، والتي باستقرارها في النفس يخاف المرء ربه ويرجوه. فخطاب الله لرسوله،- وهو خطاب لكل من يقرأ القرآن الكريم- في قوله (ألم تر)، والتي جاءت بمعنى ألم تعلم، وهو سؤال تقريري لا استفهامي، فيها لفت نظر للتأمل، وأخذ الفائدة مما حدث، وقد يحدث في أي مكان، وفي أي وقت.
9ـ السورة الكريمة فيها مزيد بشارة للرسول صلى الله عليه وسلم في أنه مربىً بعين الله؛ وما عليه إلا أن يقوم بالواجب الذي عليه من تبليغ الدين، والحفظ مكفول له من الله، ولذلك جاءت اللفظة (.. رَبُّكَ..)، في إشارة أن من يربِّك قادر على حمايتك كما حما بيته من قبل، ومن يكيد لك كيدا سوف يرد كيده عليه، وقد كان الأمر كما قال سبحانه لنبيه في قابل الأيام والسنين، إذ رد الله كيدهم كلما هموا بأمر ضده والدعوة، يقول سبحانه في قواعد عامة بذلك، وكسنة ماضية من الله مع رسوله وحمايته ونصره: (ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18)) سورة الأنفال الآية (18)، وقوله سبحانه: (أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42)) سورة الطور الآية(42)، وفي قوله سبحانه: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16)) سورة الطارق، الآيتان (15، 16).
10ـ في السورة ما يمكن قوله أيضا تحدٍ وإعجاز رباني من الله سبحانه في نبيه؛ فالله سبحانه كما قد تحداهم في الاتيان بشيء من القرآن، هذه السورة تتحداهم بفعل ما يضر النبي ضررا دائما، وتحديدا القتل، أو الحد من الدعوة إلى الله، ولذلك لم يعدّ الله سبحانه ما ضروه به خلال مسيرته معهم أن يكون أذى وأذى فقط، أي ضرر عابر لا يلبث أن يزول، يقول سبحانه في ضرر الكافرين بالرسول وصحبه: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى.. (111)) سورة آل عمران الآية (111). فالبرغم من تكالب قوى الكفر عليه في مكة وما جاورها من المشركين، وفي المدينة من اليهود وغيرهم إلا أنهم لم ينالوا ما أرادوه، وكل ذلك بقدرته سبحانه ومعيته له سبحانه، وكل ذلك يستخلص من وصف الله نفسه لنبيه في لفظة (.. رَبُّكَ ..) دونما سواها من الصفات، فهي من ديمومة التربية واستمراريتها له سبحانه، ومن ربوبيته وملكه له الدائم، وحق من يعلن أن ربه الله سبحانه أن يحفظه ويرعاه ويربه الربوبية التي أخبر بها. خاصة وأن لا مرب للرسول صلى الله عليه إلّاه سبحانه وتعالى. فقد كان يتيما منذ صغره صلى الله عليه وسلم. وكان الله له كما أخبره في قوله: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48)) سورة الطور الآية(48). وقوله ممتنا عليه ومذكرا إياه بنعمه عليه: (.. أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى(8)) سورة الضحى (6-8)، وقوله سبحانه: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)) سورة الشرح (1-4).

11ـ اليقين على قدرة الله سبحانه في الذب عن حرماته، لا يعفي المؤمن به أخذه بأسباب ما شاء أن تكون أسبابا في الحماية والدفاع كعبادة لله في أخذها أيضا؛ وفي ذلك فتح لمجال التشرف في الدفاع عن حياض الإسلام، فالبرغم من تكفل الله بحماية نبيه كما أسلفنا أعلاه ألا أنه كان لا ينفك يأخذ بأسباب الأمن والسلامة، بل وتشرف الصحابة في التحلق حوله دفاعا عنه وصونا له من أي مكروه حتى لأنهم جعلوا أنفسهم دروعا وتروسا، كذلك وبالرغم من تكفل الله بحفظ كتابه ألا أن الباب مفتوح لكل من يريد التشرف في أن يكون سببا في الحفظ، كحفظه وطباعته وتعليمه وتفسيره وغيره من وسائل التشرف في حفظ كتاب الله سبحانه، وكذلك الحال في الدفاع عن البيت الحرام لا يعني تركه لمن يريد أن يعبث به سوءا، ويقول المؤمن أن الأمر بيد الله سبحانه، وإن للبيت ربا سيحميه، فقد شاء الله أن يفتح - إن صح التعبير- باب التشرف بحمايته لمن يريد حمايته، ولذلك شرع الذب والحماية عن مقدسات الإسلام، لأن الله سبحانه قد تعبد المؤمن بعمل ذلك، وهو سبحانه عليه العون والسداد والتوفيق والنصر بشرط أن يبدأ المرء متوكلا على الله لا متواكلا، ومن هنا يفهم السبب في عدم إقصاء الله سبحانه كيد من هدم الكعبة في القرون الأولى للإسلام- كما يقول الشيخ الشعراوي-، فقد هدمت وأعيد بناؤها من جديد، دون أن يأتي طير أبابيل أو تتدخل قدرة الله مباشرة في حمايته، والسبب هو أن التدخل قد حدث عندما لم يشرع الذب عن حرمات الله، ولم يكن هناك من أسلم وجهه لله التسليم المطلق بحيث يستميت في سبيل الله من أجل الدفاع عن المقدسات والمشاعر ورموزها، أما وأن الله قد أوكل أناسا عاهدوا الله بالقيام بما يأمر، مستمدين عونهم منه سبحانه فإن النتيجة تكون وفق العمل. هذا إن كان هدمها قد كان بينة الكيد للإسلام- كما هي نية إبرهة وجنده-، أما وإن كان هدمها بنية أخرى إصلاحية فهذا أمر آخر لا محالة.


أعلى






(النيرات المنيرات)


* فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها*
*وفاتها رضي الله عنها*

توفيت فاطمة رضي الله عنها بعد رسول الله بستة أشهر وهذا هو الغالب في الرواية وكان لها من العمر تسع وعشرون سنة في الثالث من رمضان عام 11 هـ وقد ذكرت بعض المصادر أنها لم تغسل بينما ذكرت بعض المصادر الأخرى أن علي بن أبي طالب قد غسلها. فقد روي عن سلمى قالت مرضت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عندنا فلما كان اليوم الذي توفيت فيه وخرج علي قالت لي: يا أمة اسكبي لي غسلا فسكبت لها فاغتسلت كأحسن ما كانت تغتسل ثم قالت: ائتينى ثيابي الجدد فأتيتها بها فلبستها ثم قالت: اجعلي فراشي وسط البيت فجعلته فاضطجعت عليه واستقبلت القبلة ثم قالت لي: يا أمة أني مقبوضة الساعة وقد اغتسلت فلا يكشفن أحد لي كنفا قالت فماتت فجاء علي فأخبرته فقال: لا والله لا يكشف لها أحد كنفا فاحتملها فدفنها بغسلها ذلك بينما ذكر في رواية أخرى أن علي بن أبي طالب واسماء بنت عميس قد غسلاها وقد جعل لها النعش صنعته لها أسماء بنت عميس وكانت قد تعلمته في الحبشة حينما هاجرت إليها مع المهاجرين إلى الحبشة ودفنت ليلا في دار عقيل وصلى عليها علي بن أبي طالب وأبو بكر الصديق رضي الله عنهما هذا ولم يتزوج عليها علي أحدا في حياتها رضي الله عنها وأرضاها وتعتبر السيدة فاطمة رضي الله عنها الأم التي ينتسب إليها أشراف أهل البيت سواء من سلالة الحسن أوالحسين أو سلالة بناتها ويعتبر نسلها من الحسن والحسين هم الأكثر شرفا لانتسابهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمهما فاطمة رضي الله عنها وأيضا من أبيهما علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أما من لم ينتسب إلى فاطمة فهو الأقل شرفا لذلك كان أبناء علي بن أبي طالب من غير فاطمة أقل درجة انتسابهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك سموا (الأطراف) لأن الشرف لديهم من طرف واحد وهو علي بن أبي طالب من غير فاطمة رضي الله عنها أما أبناؤه من فاطمة فسموا (الأشراف) لذلك كان مفهوم الشرف في الإسلام يرجع إلى بيت النبوة وقد اندرج تحته ثلاثة مفاهيم مفهوم عام وهو لجميع أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومفهوم خاص بذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه اولاد بناته كلهم ومفهوم خاص جدا ينحصر في ابناء الحسن والحسين رضي الله عنهما اللهم صلى وسلم وبارك على آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم و صحبه أجمعين.

إعداد: أم الزبرجد الشيبانية.


أعلى




التوحيد2ـ2

توحيد الربوبية

معنى توحيد الربوبية:
الرب: اسم الله تعالى. ولا يقال الرب في غير الله إلا بالإضافة مثل: رب البيت.
ويعبر عن هذا المعنى بالتوحيد الاعتقادي. ومعناه الاعتقاد بان الله تعالى خالق الكون ورب كل شئ ومليكه.
قال تعالى: "وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ"
وقال أيضا:" أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ"

مدلولات هذا التوحيد وأدلته:
ذكر القران الكريم هذا من التوحيد في عدة مقامات. والمتتبع لكتاب لله العزيز لا تعوزه الأدلة على ذلك نذكر منها:
الخلق: فالله تعالى هو خالق الأشياء من عدم, قائمة بأمره. وجدت بقولة للمكونات ((كن))
قال الله تعالى: "أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ"
- تدبير الأمور: فهو تعالى يقضي الأمور ويقدرها وحده ويمضيها بلا شريك.
قال الله تعالى: "ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ"
الأحياء والإماتة: فهو الخالق من العدم وهو الذي قضى على الأشياء بالموت والفناء.
قال الله تعالى: "وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ"
الرزق فهو تعالى موجد الرزق للعباد والدواب وكل مخلوق في الوجود.
قال الله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ"

-البعث: وهو الذي يعيد الخلق ويخرجهم بعد موتهم وليفصل تعالى بينهم بالحساب والحق.
قال اله تعالى : "وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُور"
ولكي يكون المؤمن موحدا بحق فلا بد أن يعتقد بيقين أن الله رب كل شيء ولارب غيره.
وربوبية الله تعالى على خلقه تعني تفرد الله سبحانه وتعالى بخلقهم وملكهم وتدبير شؤونهم. والاقرار بأنه سبحانه وحده خالق الخلق, ومالكهم ومحييهم ومميتهم ونافعهم وضارهم ومجيب دعاءهم والقادر عليهم ومعطيهم ومانعهم.
فلا بد أن يفهم أن هذا الخلق لم يكن عبثا أو يذهبة سدى.
وبناء على هذا يدرك انه لا بد من شريعة ربانية تنظم حياتة:
- الاجتماعية
- والسياسية
- والاقتصادية
- والأخلاقية والثقافية والتربوية
وهذه الجوانب مدلولات للحاكمية.
وتوحيد الربوبية يتمثل في الاعتقاد:
أن المشرع الحق هو الله وحده لاشريك له.
قال الله تعالى: "شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ"
إن الحياة لا تسقيم إلا إذا استمد الراعي سلطته من الله تعالى. فلا يخطر بباله آنذاك أن يجور أو يظلم.
قال الله تعالى: "وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ"
إن طاعة الرعية للراعي والعمل بأحكامه إنما هو طاعة لله.
قال اله تعالى: "فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً"
بهذه الطاعة يسود الأمن في الأرض وتكون العلاقة بين الطرفين علاقة تكامل ومحبة وإخاء مما يخولهم إقامة المجتمع المتماسك بأفراد أقوياء متعاونين على البر والتقوى, فيكون لهم التمكين في الأرض والفوز في الآخرة.
كما أن المدرك لمعاني الربوبية يعتقد جازما أن قانون العلاقات المادية والاخلاقية بين سائر المخلوقات لم يوكل إلى نظريات البشر التي تتأرجح بين الصواب والخطأ, والنفع والضر. بل تنزل به الوحي على الأنبياء و المرسلين: تعاليم سامية وقيم عالية وتشريعات ثابتة لأنها من لدن عليم خبير.
قال الله تعالى:"قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ً"
وقال أيضا: "وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ"
وبمثل هذا التطور يدرك المسلم أن سعادته تتمثل في التمسك بشريعة الله: إيمانا بالخلق والأمر له تعالى وحده وعملا بأحكامه وأوامره وانتهاء عن نواهيه, بنفس طيعة راضية لأنه خاضع لمن يملك الأمر في السماء والأرض وله الحكم.
قال اله تعالى: "فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*وَلَهُ الْكِبْرِيَاء فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ"


أم أحمد الحارثية

أعلى


 


المسلم الحق

سيف بن عبدالله الناعبي
قد يظن الإنسان انه وصل إلى ما وصل إليه من الرقي بعقله، ولكن ما هي مقاييس العقل؟ وهل كان العقل يمضي قدماً في الطريق المستقيم؟ لا يضل ولا يشقى؟ كلا ثم كلا!!. ألا ترى الأمم البدائية أو المنعزلة؟ تقيم الدهور في عزلتها، وهي ما هي عليه في أفكارها وعاداتها وتقاليدها؟ ونظرها إلى الأشياء، وإدراكها للمعاني دون أن تتطور؟ ودون أن تثبت فيها نابتة من عقله، أو إثارة من علم؟ إلا إذا جاءها ذلك من خارجها، كأن يتصل بها قوم آخرون، أو يرحل عنها بعض أبنائها ثم يعود إليها، أو نحو ذلك، ويومئذ تبدأ في تفكير جديد وتنظر إلى ما هي فيه، فتعرضه على العقل وتناقشه، وتختلف فيه خلافاً شديداً وينتهي أمرها بأن تأخذ منه، وتدع وتعدل فيه وتقوم، فربما تطورت وتطور التفكير العقلي فيها، وتطورت أساليب حياتها على نحو جديد، وما ذلك إلا لأن اللقاح فعل فعله وأثر آثاره، وإن لم يدرك الإنسان في أثناء هذا التفاعل انه حاصل واقع، ماض في سبيله، موف على غايته!.
هكذا تقاس الحالة البشرية عامة، لو لم تمد بهداية السماء، إنها تكون في غيابة الجهل، ولو أنها تتحرر من هذا الجهل شيئاً بعد شيء، عن طريق الصدفة، أو التفكير العقلي، وربما انقضى عمر الإنسان على هذه الأرض دون أن يصل إلى الغاية التي أرادها الله له؟.
ما من شك في أن الهداية الإلهية قد عجلت بتهذيب الإنسان وتطهيره، وإن المبادئ التي اشتملت عليها الشرائع عامة، كانت بمثابة بذور غرست فانبتت، وما زالت تنبت وتؤثر في الغذاء الفكري للإنسان تأثيراً عميقاً، سواء أحسن الإنسان بذلك أم لم يحسن.
ولنتأمل الآية الكريمة: (هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا * إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيرا * إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا). فهي تشير إلى الحقب المتطاولة التي مرت بالإنسان وهو في طور الخمول، وغمرة الجهالة، حتى جاز أن توصف بهذا الوصف البليغ، فينفي عنه انه شيء في هذا الوجود يستحق الذكر!. والإنسان هو عماد هذه الأرض، وهو خليفة الله فيها، وهو أكرم مَن فيها على الله، فإذا وصف من هذا شأنه، بأنه لم يكن شيئاً مذكوراً، فلابد أن يكون هذا الوصف تعبيراً عن حالة من الخمول، والضعف والتفاهة. ثم تذكر الآية بعد ذلك خلق الإنسان وأصله، والغاية من هذا الخلق، وما ركب فيه من استعداد فطري له أدوات ظاهرة من الحواس كالسمع والبصر، وتردف الآية ذلك بنعمة الله عليه في الهداية إلى السبيل والإرشاد إلى الحق وإلى الطريق المستقيم، وبذر بذور المعرفة والعلم في محيطه، ينتفع بها مَن ينتفع، ويزوّر عنها مَن يزوّر، ليهلك مَن هلك عن بينة، ويحيا مَن حيي عن بينة: (إما شاكراً وإما كفوراً) ذلك بأنه لا يوصف بالشكر، ولا بالكفران إلا من علم.
من هنا يجب أن يعترف الإنسان، وأن يكون خاشعاً في هذا الاعتراف بالهداية الإلهية كما هو خاضع خاشع في اعترافه بالخلق والتكوين ويجب أن لا يغره عقله، ولا تسول له علومه ومعارفه أمراً، مهما بلغ منها، فيتردد بالاعتراف بأنه محدود، وبأنه موضع فضل إلهي، وفيض رباني، بهما قوامه. وبهما عقله وبهما سموه عن كل ما خلق الله في هذا الوجود ولولاهما ما كان، ولولاهما ما صار شيئاً مذكورا!!. ومن هنا رأينا الأمم الحديثة يعتنق كل منها فكرة، ويجعلها مذهباً له في الحياة، وكل هذه أوضاع إنسانية متأثرة بما يتأثر به الإنسان عادة.
إن للإنسانية في معترك هذه الحياة أهداف ثلاثة، هي: الحق، والخير، والجمال، وكل واحدة منها ضروري ما دمنا نريد السعادة وننشد الكمال. الذي يكون الإنسان إنساناً، ولقد مضى على الإنسان قرون كان فيها فريسة الجهل، يعبد الشمس والقمر والنجوم، بل يعبد الأحجار والأشجار والحيوان، ولا يتمتع بلذة المعرفة، وإدراك الحقائق، ولا تتصل روحه، ولا يسمو عقله إلى خالق هذا الكون العجيب، ولا تفكيره إلا إلى ما بين يديه كأنه واحد من هذه الحيوانات التي تعج بها الأرض لا يمتاز عنها كثيراً.
وكان الإنسان محروماً من إدراكه الجمال، والتمتع بلذاته، فالقانون قانون القوة، كما هو الشأن بين وحوش الغاب، وليس للأخلاق موازين ولا للفضائل مقاييس، ولا للشرف قيمة.
وما لهذا خلق الإنسان، ولا بهذا استحق خلافة الله في الأرض، ولا لهذا استحق بنو آدم على سائر ما خلق الله، فلم يكن بد من (هداية السماء) تكفله وتهذبه، وتقرب له السبيل، وترسم له الصراط المستقيم، وتخرجه من الظلمات إلى النور، وبذلك كانت الرسالات الإلهية التي تطورت وتركزت وكملت وانتهت إلى رسالة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام.
ترى ماذا كان يتطور إليه الإنسان لو لم يمد بهداية السماء! لا شك انه سيعرض بعض صور الواقع الصحيح، وبعض نواحي الخير، ويدرك بعض أسرار الجمال، ولكن إلى أي حد؟ وبعد كم من القرون والدهور؟
فالهداية الإلهية أو التدين هو الشعور بالخشوع والتعلق نحو الله (المعبود)، ويرافق هذا الشعور مجموعة من الأفعال الفردية والاجتماعية، وان هذا الشعور يستولي على النفس ظاهرها وباطنها، وعليه فالاستقرار النفسي للكثيرين من البشر يستوجب أن يكونوا متدينين.
والتدين أمر فطري عند الإنسان كما تقدم، وان الدراسات العديدة في علم النفس دلت دلالة واضحة وبرهنت على أن الاستعداد للتدين موجود فطرياً في كل فرد من الأفراد. والحاجة إلى الدين من الأمور الطبيعية لضمان السعادة البشرية واستقرارها، وتعيين اتجاه للحياة.
ومما لا شك فيه أن الناس قد يختلفون في درجة الاستعداد للتدين فمنهم مَن له المزيد منه عن غيره. ففكرة التطور في المعتقدات من الأمور المسلم بها فعلاً. وان عبادة الله الواحد الأحد معناها تحرر البشرية من كل عبودية مادية، أو فردية. فلا يعبد الإنسان مخلوقاً مثله، ولا ما أوجده بنفسه، بل يعبد الله الواحد له وحده لا شريك له في ملكه، ولا شك أن هذا هو من أسمى وأرقى مراتب ودرجات النشوء والارتقاء في العبادة عند الإنسان. فالدين من الناحية الإيجابية يوجه المتدين الصادق نحو عمل الخير والمحبة والرحمة والأخوة الإنسانية. وأما من الناحية السلبية فهو يمنع الفرد من ارتكاب المعاصي والجرائم. فالذي يخاف الله، أو الذي يحب الله، ويؤمن به وباليوم الآخر، لا يعمل الشرور ويجتنب الآثام.. الخ. فالدافع الديني الصادق هو منبع فياض للفضيلة وعمل الخير.
والدين هو منبع الفضيلة بمعناها السامي، أي بدافع حب الخير والحق والجمال والمحبة والرحمة، وان عمل الخير لا شك انه وجد قبل الأديان ولكنه كان بدافع الغريزة. غريزة حب البقاء.
فالإنسان المتحضر في يومنا هذا لا يقل احتياجاً إلى الدين عن الإنسان القديم، بالرغم من تقدم العلوم المادية، والمخترعات، واختراق الفضاء. فالإنسان اليوم إنما يشعر في قلق روحي واجتماعي لا حد له، قد يؤدي به إلى الانتحار الاجتماعي ما لم يتزود بالإيمان وما يرافقه من حب الخير والحق والحرية والجمال.. الخ. ولهذا أخذ العلماء والفلاسفة في عصرنا هذا يؤكدون على حاجة البشر اليوم إلى دين يتدين به. فالتجدد والعصرية لا تستوجبان ترك الفضيلة أو ترك العبادة.
فالذين تركوا الدين وراء ظهورهم وصاروا يؤلهون المادة واعتمدوا على الإرهاب، ألم يرجعوا بالبشرية والإنسانية إلى العهود الفرعونية؟ فإن أساس الدين: الصدق والأخلاق. ولنعلم أن الإيمان لا يمكن أن يفرض على الإنسان فرضاً، بل إنما الإيمان منحة من الله وهداية منه تعالى. فمن لم يهتد بهدى الله فلا فائدة ترتجي من سوقه إلى الإيمان.
فالمؤمن بالله في هذا العصر والذي يشعر الفرد فيه بأنه في عالم مملوء بالتقلبات، والمصاعب، والمصائب لا يمكنه أن يشعر بطمأنينة نفسية، أو استقرار باطني ما لم يكن مؤمناً بالله حقاً. فالفرد المتدين لا يشعر بغربة ولا وحشة في هذا الكون، بل يشعر بأنه من أهل هذا البيت. وهو إنما وجد ليساهم في تنفيذ إرادة الله العظمى وحكمته العليا. والمؤمن يكون سعيداً، شجاعاً، مقداماً، مهما اعتراه من مصائب، ومصاعب. فالمؤمن مملوء بالطمأنينة والاستقرار بخلاف الملحد الذي يعلن الإفلاس الروحي أمام النكبات. وذلك لأن الملحد لا يعرف للحياة قيمة ولا معنى خارج وجوده.
وعليه نلاحظ نفس الحالات العصبية في هذا الزمان بين مَن تضعف فيهم الروح الدينية، الأمر الذي قد يؤدي إلى الجريمة والانتحار!. الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله * ألا بذكر الله تطمئن القلوب * الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب".


أعلى


 



الوفاء متى سنتحلى به؟

عبدالرحيم محمد جاد الرب
القارئ الكريم:ـ الوفاء من شيم النفوس الشريفة، والأخلاق الكريمة، والخلال الحميدة، يعظم صاحبه في العيون، وتصدق فيه خطرات الظنون، بالوفاء يتحلى المؤمنون، فهو عنوان كمال الإيمان، وثمرة البر والإحسان، وأساس التعامل بين الناس، ومقياس الحياة في الأمم، وقد أمر الله به في كتابه الكريم فقال: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها) النحل آية [91] قال تعالى: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) الإسراء آية [34]. لا شك أن الوفاء بالعهد عنوان الاستقامة، وهو قاعدة الثقة التي تقوم عليها حياة الفرد وبناء الجماعة، فالوفاء ضمان لبقائها، وعامل أساسي لوجودها، وبدون هذا الوفاء فلا استقامة ولا ثقة، ومن أشد الآيات التي وردت في القرآن قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) الصف الآيتان [3،2] ولقد توارث العرب الوفاء بالعهد جيلا بعد جيل، حتى قيل عنهم، شغفوا برعي الأمانة والوفاء بالعهود، فلا يغدرون بذمة، ولا ينتهكون لمسلم حرمة، قال أحدهم: الوعد وجه، والإنجاز محاسنه، والوعد سحابة، والإنجاز مطره، وقال آخر: وعد الكريم نقد وتعجيل، ووعد اللئيم مطل وتعليل، والعذر الجميل خير من المطل الطويل، وقد عظم الله الوفاء بالعهد، والالتزام الكامل بالوعد، بل وعد الموفين أجرا عظيما، وثوابا جزيلا، قال تعالى: ((إنما يتذكر أولوا الألباب الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق) الرعد [20،19] كما الحق الناقضين له، الذين يخونون عهودهم بشر الدواب، قال تعالى: (إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون * الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون) الأنفال [56،55]. وقد جعل الإسلام الوفاء بالعهد دِينا إلهيا، وقانونا ربانيا وإنسانيا، وخلقا أصيلا من أخلاق المؤمنين، مهما فوت عليهم من مكاسب مادية، ومهما سبب لهم من خسائر جوهرية، فإن الإسلام دين حق وهداية، لا دين انتهازية وجباية، قال تعالى: ((وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون) الأنعام [152].
القارئ الكريم: إن الوفاء بالعهد وعدم إخلافه له أهميته الكبرى، ومكانته العُظمى، عند الله وعند المنصفين من الناس؟ ذلك لأن الإنسان إذا قطع على نفسه عهدا، فقد قطع لغيره عنده حقا، فيرتب غيره لنفسه على ذلك حقوقا وأمورا لها أهميتها، فإذا لم تتحقق هذه الأمور ارتبكت حياته، واختل ميزانه، وأصابه الأذى، وهكذا يشيع الضرر والضرار في كل مجتمع لا يحافظ أفراده على العهد ولا يصدقون القول ولا يرعون الأمانة. وذلك أمر يُدركه كل ذي عقل وحكمة يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {لا ضرر ولا ضرار} والقرآن الكريم يُذكرنا برسل الله عليهم الصلاة والسلام أن الوفاء صفة كريمة من صفاتهم، وخلق عظيم من أخلاقهم ، فهذا إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام أعطى العهد لأبيه قائلا: (يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) الصافات[102] ووفى بعهده فوصفه ربه بصدق الوعد (إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا) مريم [54]. وأما أبوه فقد أعطاه الله شهادة فخر واعتزاز فقال: (وإبراهيم الذي وفى) النجم[37] وقد كان الوفاء بالعهد خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، واشتهر بهذا بين أهل مكة حتى قبل الرسالة فسموه {الأمين}، والتزم الصحابة بهذا الخلق القويم، وكذلك المسلمون السابقون، ومن أمثلة ذلك حينما كان سهيل بن عمرو يفاوض رسول الله صلى الله عليه سلم على صلح الحديبية. جاء ابنه أبو جندل فارا بدينه من المشركين، فأخذه أبوه بتلابيبه ـ ولم يكن العهد قد كُتب ـ وقال: يا محمد، لقد لجت القضية بيني وبينك، وهذا أول من قاضيتك عليه، فقال له صدقت، فصاح أبو جندل، وأبوه يضربه أمام الناس بعود من الشوك في يده، يا معشر المسلمين، أأرجِعُ إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ ورغم أن المسلمين أصابهم من ذلك هم وكرب إلا أن النبي صلى الله عليه سلم رده على المشركين وفقا للشروط التي اتفق عليها وإن لم يوقعها، هذا هو الوفاء بالعهد، والالتزام بالوعد، فهو سمة من سمات المرسلين، وصفة من صفات عباد الله الصالحين، هو أساس كرامتهم في الدنيا وسعادتهم في الآخرة. ولم يتخل الإسلام عن مسلك الوفاء بالعهد لا في سلم ولا في غير سلم، وكان واقعا حيا ملموسا، وسلوكا عمليا في حياة المسلمين، وفي علاقاتهم بغيرهم، وبلغ الإسلام في ذلك ما لم تبلغه البشرية إلا في ظل الإسلام وحده، وقد نفى النبي صلوات الله وسلامه عليه الإيمان عمن لا يفي بالوعد فقال: (لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له) وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما {أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر} مُتفق عليه..
القارئ الكريم: إن المسلم إذا أبرم عقدا يجب أن يحترمه، وإذا أعطى عهدا يجب أن يلتزمه، ولقد وصى الإسلام باحترام العقود التي تسجل فيها الالتزامات المالية، والأمور الدنيوية، وأمر بإنفاذ الشروط التي تتضمنها متى كانت متفقة مع حدود الشريعة الغراء، وأصول الدين السمحاء، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: {المسلمون عند شروطهم} البخاري.. إن الرجل قد يحل عقداً أبرمه، ينتظر ربحاً أوفر من عقد آخر، جريا وراء مصلحة أحظى لديه، والدين يكره أن تُداس الفضائل، وتَحُل محلها الرذائل، في سوق المنفعة العاجلة، ويكره أن تنطوي دخائل الناس على النيات المغشوشة، ويوجب الشرف على الفرد والجماعة حتى تُصان العقود، على الفقر والغنى، ولذلك يقول الله سبحانه ـ بعد الأمر الجازم باحترام العهود ـ: (ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله، ولكم عذاب عظيم، ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إن ما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون) النحل [94 ،95]. وقد منح الإسلام كذلك عقد الزواج مزيداً من الرعاية، وأحاطه بسياج منيع من العناية: (إن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج) الترغيب والترهيب.. ومن ثم فليس يجوز لرجل بنى بامرأة، أن يغتال درهما من حقها، أو يأخذ شيئا من متاعها، أو يستخف بالرباط الذي جمعه بها. وفي الحديث: أيما رجل تزوج امرأة ـ على ما قل من المهر أو كثر ـ ليس في نفسه أن يؤدي إليها حقها، خدعها، فمات ولم يؤد إليها حقها، لقي الله يوم القيامة وهو زان) رواه الطبراني.. إن الوفاء شامل لجميع التكاليف الشرعية، والالتزامات الاجتماعية والأخلاقية، حكي لنا التاريخ مُصوراً لنا هذا المشهد الرائع، لأحد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ألا وهو عبدالله بن عمر رضي الله عنه، وهو على فراش الموت عندما أوشكت شمس الحياة أن تغيب، قال: (إنه خطب ابنتي رجل من قريش، وقد كان مني إليه شبه الوعد، فوالله لا ألقى الله بثلث النفاق. أشهدكم أني قد زوجته ابنتي فأنجزوا وعدي} وهو بذلك يُشير إلى قول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: (آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذ اؤتمن خان..).
القارئ الكريم
ومن الشئون التي اهتم بها الإسلام، وأكد على رعايتها، وفاء الديون لأربابها، فالعناية بسداد الديون لأصحابها من أأكد الحقوق عند الله تعالى. وقد قطع الدين قطعا عنيفا وساوس الطمع التي تنتاب المدين وتُغريه بالمطال، أو إرجاء القضاء، وأول ما شرعه الإسلام في هذا، أن حرم الاستدانة إلا للحاجة القاهرة، أو الضرورة المُلحة، فمن الورطات المخوفة، والأمور المخزية، أن يقترض المرء أشياء يمكن الاستغناء عنها ويسايرون غيرهم من أصحاب الأموال في الترف والنعيم، فيشترون الكماليات، وما ليس ضروريا في المواسم والأعياد، ويركبهم الدين، فلا يوفون بالوعد، فيعجزون عن السداد، ويكون ذلك كارثة عليهم وعلى ذويهم، وأما إذا دعته الحاجة للاقتراض فإن الإسلام لا يمانع، طالما دفعه إلى الاستدانة دافع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يدعو اللهُ بصاحب الدين يَومَ القيامة حتى يُوقَف بين يديه. فيُقال: يا ابن آدم، فيم أخذت هذا الدين؟ وفيم ضيعت حقوق الناس؟ فيقول: يارب إنك تعلم أني أخذته فلم آكل، ولم أشرب، ولم ألبس، ولم أضيع، ولكن أتى على إما حرق ، وإما سَرَقٌ، وإما وضيعة! فيقول الله: صدق عبدي، أنا أحق مَن قضى عنك، فيدعو الله بشيء فيضَعُهُ في كفة ميزانه فَيرجح حسناتهُ على سيئاته، فيدخل الجنة بفضل رحمته} رواه أحمد. ويظهر من هذا أن الله يعذر من يضطر إلى الدين لأزمات شداد، ومن يعجز عن القضاء لمصائب جائحة. أما الذي تمر بنفسه شهوة طارئة. ويَضعُف عن إجابتها من ماله، فيسارع إلى الاقتراض من غيره، غير ناظر إلى عقباه، ولا مهتم بطريقة الخلاص من دينه، فهو ـ كما وصفته الآثار سارق جريء. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها، أتلفه الله} البخاري

القارئ الكريم
إن الوفاء بالعهد يحتاج إلى عنصرين، وشيئين في الحياة مهمين، لا غنى للإنسان عنهما، ولا تصلح الحياة إلا بهما، إذا اكتملا في النفس، سهل عليها أن تُنجز ما التزمت به، فإن الله أخذ على آدم أبي البشر، عهدا مؤكداً ألا يقرب الشجرة المحرمة، لكن آدم ما لبث أن نسي وضعف ((ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما)) طه [115]. فضعف الذاكرة، وقلة العزيمة، عائقان كبيران عن الوفاء بالواجب، والإنسان لتَجدد الحوادث أمامه، وترادف الهموم المختلفة عليه، يفعل الزمان فعله العجيب في نفسه، فتخبو المعالم واضحة، ويُمسي ما كان بارزاً في نفسه لا يكاد يبين، ولهذا افتقر الإنسان، إلى مُذكر دائم يغالب أمواج النسيان، ويمسك أمام عينيه ما يوشك أن يذهل عنه، وما أكثر آي القرآن التي تواردت لتصون هذا الذكر (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم، ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون)) الأعراف [3] ويقول تعالى: (وهذا صراط ربك مستقيما، قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون) الأنعام [126]. والذكر المطرد اليقظ، ضرورة لازمة للوفاء، فمن أين لناسي العهد أن يفي به؟ لذلك خُتمت آية العهد بعنصر التذكير، (وبعهد الله أوفوا، ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون) الأنعام [152]. فإذا ذكر المرء الموثِق المأخوذ عليه. يجب أن ينضم إليه عزم يزيل الأهواء الجامحة، ويهون الصعاب العارضة، عزم يمضي في سبل الوفاء مهما تجشم من مشاق، وغرم من تضحيات.

القارئ الكريم
إن الإنسان إذا حرص على انجاز وعوده، والوفاء بكل مواثيقه وعهوده، ارتفع مقداره عند الله وعند الناس، أما عند الله فما أعده له من الثواب العظيم، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، لأنه تخلق بهذا الخلق القويم، وسار على النهج المستقيم، وأما عند الناس فستلهج ألسنتهم بالثناء عليه، والله سبحانه جعل ألسنة الصالحين من عباده شهودا تشهد عليه، بصدقه ووفائه في الدنيا ولآخرة، وقد حكي لنا التاريخ كيف حافظ رجال على شرف الكلمة، وبذلوا دونها أولادهم، وكيف حافظت أمم على ما أعطت من مواثيق وبذلت دونها النفس والنفيس.. وقد ذهب ما يحرص عليه الضعفاء من حياة، وبقي الخلود للشرف والوفاء، أما الخُلف أو الغدر فإنه يوقع صاحبه في الكذب والنفاق. ويذيق الموعود مرارة الانتظار, ويضيع عليه وقته ومصالحه, ويزرع العداوة والبغضاء، ولهذا وجب على الإنسان أن يُفكر قبل أن يَعد؛ حتى إذا وعد وقال: نعم فكأنه أعطى وثيقة وجب عليه أن ينفذ ما بها. أنت لا تدري عندما تَعد إنسانا بما رتبه على وعدك له من المصالح، وعلق عليك من الآمال، فإذا أنت أخلفت وعده، فقد هدمت آماله وأمانيه وحملته على عدم الثقة بك، وبذرت بذور العداوة بينك وبينه، فالخلف في الوعد ليس من أخلاق المؤمنين الصادقين، ولقد ذم القرآن الكريم رجلا كان قد عاهد الله تعالى، فأخلف وعده، ونكث عهده، فنزل قول الله تعالى: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين * فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون * فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون) التوبة [77] اللهم ارزقنا خلق الوفاء....


أعلى


 



العليم الحكيم

كلنا يقول بأن الله العليم ومن أسماء الله أنه عليم ومن صفات الله أنه عليم خبير بصير ولكن أكثرنا قد لا يعي مفهوم هذه الصفات والأسماء وبقليل من التفكر والنظر في هذا الكون ندرك ونعلم هذه الحقيقة بعين الحقيقة التي لا تكتفي بترديد ما تسمع والقول بما يقوله الآخرون.
فالمتأمل في أجنة الحيوانات يرى أن عيون الحيوانات تخلق وهي في أرحام أمهاتها حيث الظلام الدامس مع أننا ندرك أن العيون بحاجة للضوء لترى فلا تبصر إلا في الضوء من هنا ندرك أن الذي خلق تلك العيون في تلك الأجنة يعلم أن تلك الأجنة ستخرج إلى عالم النور والضوء، وهكذا يشهد خلق الأجنحة للطيور في داخل البيض دليل على أن الخالق عالم بأنها ستطير في الهواء وهكذا خالق الخياشيم للأسماك والرئتين للإنسان عالم بالموقع الذي سنشغله من هذا الكون الفسيح فجعل لكل ما يتمكن به من التكيف في الوسط الذي يعيش فيه.
وهكذا كل مخلوق نرى خلقه وهو جنين قد أعدّ بما يناسب ظروف الحياة التي سيعيش فيها حتى أجنة الشجار وهي البذور أو الحبوب يهيئها المولى العليم القدير بجزء يكون الأوراق والأغصان وجزء آخر يغوص في التربة لامتصاص الماء والأملاح ولا يكون ذلك إلا مِن صُنْعِ مَنْ يعلم أن النبات سيحتاج إلى التراب والضوء والماء والهواء فسبحان الخالق.
كل ما في هذا الكون يشهد بأن الخالق لهذا الكون لا شك عليم بما يخلق سبحانه هو القائل: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) وعلمه سبحانه محيط بكل شيء لم يسبقه جهل ولا يدخل عليه سهو أو نسيان أو غفلة قال تعالى: (لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما) فالماء العذب إن كان راكدا تعفن وفسد ولكن العليم بذلك جعل البحار مالحة وجعل موجها متحرك، وكل ذكر من أي صنف من نبات أو حيوان خلق له الله ما يكافئه من الإناث لتقوم الحياة وتستمر (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون).
وإذا تأملت في صور المخلوقات وجدت أن كل جنس يحكمه الخالق سبحانه على مثال واحد.
ففينا العينان في الوجه والأنف بينهما واليدان في الجانبين والقدمان من أسفل ولا تجد أن عينا نبتت لإنسان في ركبته أو يدا ظهرت في رأسه وهذا يشهد أنه من صنع الحكيم الذي أحكم خلق الإنسان وكذلك كل جنس من الحيوان أو النبات قد أحكمه ربه على صورة ومثال واحد.
فمن أحكم هذه الصورة إلا القائل (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم) وسبحان من جعلنا نستنشق من الهواء الأكسجين ونخرجه ثاني أكسيد الكربون ولكن هذا الغاز لا ينقص والاخر لا يزيد لأن خالق هذه الصفة فينا نحن البشر هو ذاته خالق النبات وخالق صفة نقيضة في النبات وهي تحول ثاني أكسيد الكربون إلى أكسجين بحيث تبقى نسبة الهواء عند قدر معلوم لا تزيد ولا تنقص ألا يشهد ذلك أنه من صنع العليم والحكيم؟!
وإذا نظرت إلى أنفك وجدته قد أحكم ليتناسب والمهمة المنوطة عليه فسبحان من شق فينا ثقبين تحت العينين يدخل منهما الهواء الذي نحيا به وسبحان من جعل النصف الأعلى من الأنف عظما حتى لا تضغط على هذا الغطاء الرياح وغيرها فيسد الثقبين فيمتنع التنفس وقد ذكر العلماء والأطباء الكثير عن هيكل الأنف وتشكيله وموضعه وغير ذلك ولكل حركة في الأنف حكمة بالغة ومنفعة عظيمة سبحان القائل (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم).

سالم بن ناصر الرواحي

أعلى


 

مظاهر قدرة الله في كونه

(نظرات إيمانية في سورة النبأ المكية)

تتعدد مظاهر القدرة الإلهية في الكون، وهي ـ من غير شك ـ دليل واضح على قيومية الله في كونه، ورعايته لخلقه ، حيث بسط لهم خيره، وانزل اليهم فضله، ووضع لكل ذي عينين ، وبصيرة ما يوجب عبادته، وهدى الناس الى طريقه، بحيث لم يعد لعاص سبب لعصيانه، ولا لجهول طريق يرتكن اليه في جهله، وفي سورة النبأ شيء غير قليل من ذلك ، حيث يقول الله ـ جل جلاله ـ (ألم نجعل الارض مهادا والجبال أوتادا وخلقناكم ازواجا وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا، وجعلنا النهار معاشا وبنينا فوقكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا وهاجا وانزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج به حبا ونباتا وجنات الفافا).
عشرة مظاهره يعرضها القرآن الكريم لبيان مناحي القدرة الربانية التي يتوجب معها افتراش الجبهة لله، والمسارعة في طاعته والسير وفق هداه، فهو القادر على التفضل بكل هذه النعم التي اولها (جعل الارض مهادا) اي ممهدة مستقرة لا اعوجاج فيها ولا أمت، يسير الراجل فيها والراكب لكل انواع الركوبات فيجدها مذللة ممهدة، من يقدر على بسط الارض ومدها وتعبيدها للخق الا الخالق، فإذا وجد الانسان المخلوق هذه الارض على اتساعها قد مهدت وفرشت وعبدت ألا يتذكر صاحب هذه النعمة بشكر سجود، ألا يتفكر فيمن تفضل بكل ذلك فيحمده ويسجد طويلا لجلاله، وهل تعايش احدهم مع هذه الفكرة ام قتلته الغفلة والغفلة لون من ألوان المعصية لانها تؤخر الشكر او تنسي الانسان الحمد، ومن ثم لزم التفكر في هذه النعمة حتى تسلمنا الى شكر المنعم فتبقى النعم وتزيد، ولا ترفع او تغيض فنعيش، في شقوة وعذاب ويلازمنا الذل والصغار ونستحق العتاب والعقاب، وتأتي القدرة الإلهية التالية بجعل (الجبال أوتادا) تثبت الارض لئلا تميد بنا وتضطرب بمن فيها وما فيها، والوتد في الشيء مثبت له، وثبت علميا ان ما على الارض من طول للجبل موجود ضعفه في الارض فهو كالوتد للخيمة، وهذا لا يقدر عليه الا الله ـ جل جلاله ـ فمن يملك خلق الجبال ابتداء الا الله ومن يملك غرزها في جنبات الارض حتى لا تتموج ولا يستقر من فوقها، انه الله المقتدر، ونحن لا نملك ازاء هذه النعمة الكبرى الا ان نشكر ربنا على جزيل عطائه وواسع نعمائه.
اما قوله ـ تعالى ـ (وخلقناكم أزواجا) فهي آية من كبريات الآتي في هذا الكون حيث خلق لنا ازواجا لنسكن إليها وجمع بين اثنين كانا غير متعارفين ثم صارا نفسا واحداً ونفسا واحدة يحب كل منهما الاخر، ويسعى لاسعاده جاعلا حياته رهنا لهنائه ووقفا لمودته، ومن آياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) ان إلفنا للحياة الزوجية انسانا شكر ربنا ـ جل في علاه ـ اما الذين حرموا نعمة الزواج، او لم يدخلوا هذه الحياة الهانئة فهم اجدر الناس على شكرها والوقوف على اهميتها ، فإذا سألت شابا او فتاة بلغا سن الزواج ولم يستطيعا تحمل تكاليفه ولم يتمكنا من باءته وجدت بكاء ونحيبا واستدرارا لرحمة الله ان ينعم عليهما بنعمة الزواج والسكن حتى ينطلقا في حياتهم يعمرون الدنيا ويطورون الحياة ويضيفون الجديد، اما قبل الزواج فهم متوترون مضطربون حياتهم مملوءة بالمتاعب والمشاق حتى تتحقق لهم السعادة المثلى بنعمة الزواج، ومن هنا توجب على كل من دخل هذه الحياة الراقية وشعر بما فيها من هناء وصفاء ان يعجل بالشكر ويلهج لسانه بالحمد لرب السماء والارض صاحب الفضل من قبل ومن بعد.
وتتوالى مظاهر القدرة الإلهية في قضية النوم تلك الموتة الصغرى (وجعلنا نومكم سباتا)، جعلناه قاطعا لمشقتكم وسعيكم الدائب وراء حياة كريمة، من السبات وهو القطع، والمرء مع نعمة النوم العجيبة يندهش لهذا الجسد كيف يعمل كل شيء فيه عمله في اليقظة مع غياب الوعي والحضور، فالقلب يعمل والنفس في الصدر يتردد والدماء في العروق تضخ والخلايا في الجسد تعمل لا تتوقف لحظة ، ونبضات الفؤاد تمضي كل ذلك يؤدي مهمته مع راحة كاملة للجسد لاستئناف العمل من الغد، انها قدرة الهية عجيبة لا يملك المرء ازاء التفكر فيها الا ان يسلم بالولاء الكامل لصاحبها، ويطلق لسانه في شكر النعم ـ عز في علاه ـ وجل في ارضه وسماه، النوم نعمة كبيرة لا يقدرها الا من حرمها سواء أكان مريضا ام قلقا متعبا او مهموما حزينا او مشغول البال كليم الفؤاد او ارمد العين او مقروح القدم وغيرهم ممن يحرمون النوم لبعض ساعات وجعلنا الليل لباسا ، اي كاللباس الساتر تغشاكم ظلمته ويشملكم سواده، وهناك علماء الطب الذين قالوا: ان هناك خلايا لا تعمل الا في الظلام وتؤدي مهمتها في سواد الليل، ولابد من راحة للعين، فإذا ظلت في نور متواصل ربما اصيبت بامراض خطيرة، وثمة خلايا لابد لها من راحة لتستأنف وظيفتها فإذا لم تجد راحة فشلت وضاع معها الانسان فدخول الليل نعمة على الكون ومنة على الانسان الذي جعله الله سيد هذا الكون، من يملك في هذه الحياة إسدال ستار الليل على هذا الكون الا الله الواحد الأحد؟ من في يده ان يبعد الشمس ليأتي بالقمر والليل، إنه مظهر حقيقي من مظاهر الاقتدار الإلهي وطلاقة الألوهية اشهد أن لا إله الا الله الواحد الاحد القوي القادر القدير المقتدر، جل الله في علاه مالنا رب سواه، الحمد لله على هداه وكامل نعماه وكثير عطاياه.
ومن دلائل عظمته وقيوميته (جعل النهار معاشا) سببا للعيش والسعي ، وطريقا للارتزاق وتحصيل القوت، فلو تصورنا الليل مستمرا الى يوم القيامة لتعثر البشر في مسيرتهم الدنيوية، وتخبط الناس في طرقهم، واصطدمت الآلات بالآلات ولما استطاع احدنا مواصلة مشوار الحياة، وكذلك لو تصورنا ان الشمس كامنة في مكانها لا تريم وان النور منها مشع على الدوام كيف كان حالنا وكيف يؤول مصيرنا قال الله ـ تعالى ـ مذكرا بهذه النعم فيها الخلق الى شكره جل جلاله ـ (قل أرأيتم ان جعل الله عليكم الليل سرمدا الى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون ، قل أرأيتم ان جعل الله عليكم النهار سرمدا الى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون..).
نعم ، انها نعمة من ملايين النعم التي لا تعد ولا تحصى نسيها الناس او تناسوها (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)، ان طلوع النهار دليل على قيومية الواحد القهار، ورعاية الرب الكريم الغفار لعباده بالليل والنهار فهل من رجل حماد شكار لربه ذكار؟!.
ثم يمتن الله على عباده بنعمة المطر التي لا يشك احد في انها له ـ وحده جل جلاله ـ ولا يملك اي ملك او سلطان او عظيم ان ينزل قطرة ماء من السماء لكن الله ـ سبحانه ـ يقول (وبنينا فوقكم سبعا شدادا) انها السموات السبع ذات الخلق الكامل والنهار التام والبهجة البهجية والصنعة العجيبة (أأنتم اشد خلقا ام السماء بناها رفع سمكها فسواها واغطش ليلها واخرج ضحاها..) نعم مبثوثة في كون الله تقتضي الشكر، وتتطلب الحمد والخروج عن الإلف القاتل للشكر والعادة المستحكمة التي تفسد العبادة، هذه السبع الشداد لا أعمدة لها تمسكها ولا جوانب ترفعها الا يدل ذلك على شموخ العظمة وتمام الحكمة وكمال القيومية (بغير عمد ترونها) لو تصورنا ان سماء من هذه السموات العظام وقعت على اهل الارض لسوتهم وما ابقت منهم احدا (إن الله يمسك السموات ان تقع على الارض الا بإذنه) (إن الله يمسك السموات والارض ان تزولا ولئن زالتا ان امسكهما من احد من بعده..) التفكير فريضة وتعطيل التفكير مأثمة كبيرة وذنب في حق الله كبير، من منا اعطى لنفسه بعض دقائق يتعايش مع النعم ومع سلب تلك النعم؟ حقا ان إلف الشيء ينسي معه نعمة الشكر، وفي رأيي ان الغفلة عن الشكر معصية، وان الف النعمة سبيل الى سلبها وضياعها اما جعل السراج الوهاج وهو الشمس المتوهج ـ ذات الأشعة المتعددة والفوائد الكثيرة فهي خير دليل على هذه القدرة وتلك القيومية، وهي ـ بلا جدال ـ دليل دامغ على ان الله هو القادر المقتدر يفعل ما يريد ويحكم ما يشاء لا معقب لحكمه وهو الكبير المتعال، والشمس في الفلك دوارة ، تعطي خيرها لعباد الله، وانظروا الى تلك المناطق من العالم التي تغيب عنها الشمس اشهرا كيف هم ، وكيف حيواتهم تجدوا اننا بحق مقصرون في شكر الله وغير مسارعين في حمده، وكلمة وهاج صيغة مبالغة من الوهج وهو اشتداد لهيبها واتساع حجم حرارتها حتى ترسلها الىكل بقعة في ارض الله، فتتوازن الحياة على هذا الكوكب السيار ويتحقق الهناء ويحصل العيش الكريم.
(وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا)، لنخرج به حبا ونباتا وجنات الفافا)، ان السحب تحمل بالمطر بإذن الله ثم تعتصر لتنزل ماءها الثجاج حيث امرها رب العباد فعشقت تكليفه وامطرت حيث اراد ربها ، وهذا الماء الذي ينزل بحساب دقيق وفي مكان محدد سلفا لا يقدر على انزاله احد مهما اوتي من قوة وامتلك من ارادة، هذا الماء الثجاج النازل بقوة شديدة نزل لينفع جميع الكائنات فيخرج به الحب الذي يحتاج في تفكر خروجه من الارض الى ساعات وساعات لنرى كيف تشق هذه الحبة الصغيرة الضعيفة تلك الارض الصلبة الجافة لتخرج شجرة يانعة مثمرة تخرج مائة حبة، فهي دليل على كرم ربها وسعة عطائه لها ومن ثم سعة عطائه لسائر خلقه، ثم يخرج النبات على اختلاف انواعه وتعدد ألوانه وتباين اشكاله، فهذا اخضر، وذاك ابيض وثالث اصفر ورابع يجمع بين تلك الألوان الزاهية، ثم تلك البساتين الغناء والحدائق ذات الرونق والبهاء، كل ذلك من جراء امر الله للمطر بان ينزل حتى تزدهي الارض وتختال في ثوبها الاخضر الجميل، انها مظاهر القدرة ودلائل العظمة وعلامات الكمال والتمام، لابد من عودة الى فريضة التفكير ونعمة التأمل لهذا الكون وما فيها من نعم ومنن وفيوضات وهبات حتى لا يقتلنا الإلف، وتبعدنا العادة عن طعم العبادة وعبادة الله الواحد الاحد الفرد الصمد قال ـ تعالى ـ (ان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الالباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والارض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار).
ان نعم الله في كونه دليل رعايته وعنوان عنايته، ومظهر من مظاهر قدرته التي تتطلب من العباد العودة الى رب العباد قبل الحساب يوم التناد، نسأل الله ـ تعالى ـ ان يبصرنا بجوانب عظمته ومظاهر قدرته وان يأخذ بأيدينا الى دلائل قيوميته ـ جل الله في علاه ـ وتعالى في عطائه ونعماه ، وصلى الله وسلم وبارك على رسوله ومصطفاه والحمد لله في الاولى والآخرة.
د. جمال عبدالعزيز احمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة


أعلى


 


* (وقل اعملوا)*

*مزايا التخصص ومساوئه*
أيها القراء الأعزاء:
نقصد بالتخصص تقسيم العمل الفني الذي يعني تكليف العامل بجزء من العمل في وحدة إنتاجية ما يؤديه بالتعاون مع العمال الآخرين لإتمام العملية الانتاجية للسلعة.
وللتخصص مزايا كثيرة أهمها:
1- أن التخصص يجعل العمال أكثر مهارة وإتقانا للعمل لأنه يقوم بجزء يسير من عملية صناعية مبسطة.
2- يرفع التخصص من كفاءة العامل الانتاجية فيؤدي الى مردود إنتاجي أكبر في وقت أقصر.
3- يمكن التخصص العمال من استخدام الآلات والأساليب الحديثة المتطورة في الانتاج.
4- يمكن التخصص العمال من أداء الأعمال التي تتفق وميولهم ورغباتهم.
وإلى جانب هذه المحاسن هناك بعض المساوئ والمضار أهمها:
1- مشكلة البحث عن عمل في حالة نقص الطلب على المهن التي يتعاطاها العمال إذ من الصعب على العامل في هذه الحالة التحول من المهنة الأساسية التي برع فيها الى مهنة أخرى. وقد ذكر ابن خلدون أهمية إجادة المهنة التي تعلمها العامل, وقضى وقتا طويلا حتى استحكمت فيه وصعوبة تعلم مهنة أخرى... فقال: (إن من أجاد مهنة وبرع فيها ورسمت فيها نفسه فلا يستطيع أن يجيد من بعدها مهنة أخرى إلا إذا لم تستحكم الأولى بعد ولم ترسخ لأن الملكات صفات للنفس وألوان فلا تزدحم... ومن كان على الفطرة كان أسهل لقبول الملكات وأحسن استعدادا لحصولها).
ويمكن علاج هذا الأمر بإقامة مراكز تدريبية مهنية.
2- التخصص يؤدي الى السآمة والملل في العمل بسبب التكرار المستمر للعمل نفسه... وهذا يمكن علاجه بتخفيض ساعات العمل وإعطاء العمال الحوافز وتوفير الفرص لممارسة الهوايات الشخصية.
على أنه مهما قيل عن مضمار التخصص - المبالغ فيها
أحيانا - إلا أنها تتضاءل أمام عظم الفائدة التي جنتها البشرية من هذه الظاهرة الفريدة.
*العقود المنظمة للإنتاج بالعمل*
لا يخفى على المطلع على حركة النشاط الاقتصادي أن بين جميع الوحدات الاقتصادية الانتاجية صلة وثيقة وارتباطا قويا من جهة وأن أهم مقومات نجاحها وقيامها أصلا هو تأمين التمويل اللازم لها سواء فيما يتعلق برأس المال الثابت أو برأس المال العامل (المنتج) من جهة ثانية وأن تأمين سوق فعالة لتصريف منتجاتها هو الآخر أهم مقومات نجاحها وقيامها من جهة ثانية.
هذا ويمكن للعقود - بعامة - وعقد الاستصناع وشركة الأعمال - بخاصة - أن تسهم بشكل كبير في توفير تلك الضمانات وتحقيقها للأطراف المتعددة.
وتتزايد الأهمية الاقتصادية لتلك العقود إذا أخذنا في الحسبان مشروعية عدم كون الطرف الثاني (الصانع في عقد الاستصناع) هو المشرف بالفعل على عملية الصنع بل يمكن أن يعهد ذلك الى غيره مما يعني إسهام تلك العقود في تقوية الروابط بين الوحدات الانتاجية حيث يمكن أن تتولد فيما يمكن أن نطلق عليه العلاقات الاقتصادية المتعددة الأطراف.
وسنتناول بالدراسة في الفقرات التالية عقدي الاستصناع وشركة الأعمال لأنهما يعدان من أهم العقود المنظمة للعمل,ولأهميتها الاقتصادية في إنتاج السلع والخدمات.

إعداد/علي بن عوض الشيباني.

 

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير



 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept