الأمـم المتحدة والعــــــراق..
متى تلعب المنظمة الدولية دورها الحقيقي في العراق؟
إعداد: محمد نجيب السعد*
يشكل العراق اليوم تحديا كبيرا لإدارة الرئيس
بوش وسيتعين على خليفته جمهوريا كان أم ديمقراطيا ان يتعامل مع هذه
القضية. ان زيادة اعداد القوات الأميركية في العراق مؤخرا حققت بعض
التفاؤل الحذر، ولو بشكل مؤقت. وفي الاستجواب الاخير للجنرال بترايوس
قائد القوات الاميركية في العراق وريان كروكر السفير الاميركي في
بغداد والذي جرى في سبتمبر الماضي اشار الرجلان الى بعض الامل في
تحسين الاوضاع في العراق. تحدث بترايوس في استجوابه عن الحاجة لوجود
بعد سياسي لأي حل للازمة العراقية. القتال سيتواصل لفرض الامن وستتواصل
الجهود للوصول الى حل سياسي نهائي. يبدو ان هناك درسا اساسيا ضاع
في العــراق ولم يعثر عليه حتى الآن وهو ان العنف المسلح، مثله مثل
الحروب, ينتهي دائما بالحلول السياسية. لم ينجح الاميركيون في استغلال
انتصاراتهم العسكرية للوصول الى الحلول السياسية، وربما يقع العيب
على الدبلوماسية الاميركية. مثلا وفرت حرب الخليج الثانية باقة من
الفرص لتحقيق التسوية السياسية. ومنها دور ووجود اوسع للامم المتحدة
علاوة على منطقة واسعة منزوعة السلاح جنوب العراق على غرار المنطقة
الكردية في شماله بالاضافة الى تواصل الوجود الاممي في العراق لمواصلة
الضغط على نظام صدام حسين. جرى الحديث عن تلك الامور الا انها استبعدت
منذ البداية لأن الولايات المتحدة افترضت ان تنفيذ ذلك سيحتاج الى
قوات كبيرة، خاصة القوات الارضية ولمدة طويلة. الا ان بعض الدول
كانت مستعدة لتوفير هذه القوات وكان على الولايات المتحدة توفير
الغطاء الجوي فقط، وهو ما كانت تفعله طوال الوقت, منذ العام 1991
وحتى الساعة.
يمكن تحقيق التسوية السياسية, أية تسوية سياسية, عبر ثلاثة طرق,
في كل واحد منها العديد من الصعوبات والمشكلات لكنها جميعا تحقق
بعض الانفراج بعيدا عن ساحات المعارك .أحسن الحلول سيصمد في حين
سيتهاوى أسوؤها سريعا لتندلع المعارك في جديد لتظهر بعدها بوادر
الحل النهائي. ولا يوجد سحر في الامر. يجب الاعتماد على المفاوضات
التي ستحتاج الى استراتيجية تستجيب على الاقل لبعض شروط الاطراف
المتحاربة. وتعمل على اجلاس اغلب تلك الاطراف وراء مائدة التفاوض
وان تضمن الخروج بتسوية ترضي الجميع. الطريق الاول للتسوية السياسية
يفترض وجود منتصر واحد يضع شروطه للحل مع قدرته على نشر قوات كافية
لضمان ان تلعب الاطراف كافة ادوارها المحددة. عادة تتفق الاطراف
على جميع القضايا مثار الجدل، خاصة شكل الحكم، مما يجعل هذه التسوية
مفيدة وقوية الا انها نادرة الحدوث، مثال على ذلك ما حدث في المانيا
واليابان وايطاليا بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية. اما اذا
شعرت الاطراف بعدم القناعة لأن شروطها او مطالبها لم تلب فهذا يعني
العودة الى القتال من جديد ثم الحديث عن تسوية جديدة او الانتقال
الى البديل الثاني او الثالث. الطريق الثاني يتمثل في تفاوض الاطراف
المحاربة فيما بينها حول علاقتها المستقبلية وحل القضايا التي سببت
القتال ،إلا ان تلك الاطراف تكون ضعيفة عادة والاتصالات فيما بينها
معدومة او قليلة كما انها ليست على استعداد للجلوس مع خصومها (لذلك
يعتبر هذا الخيار ضعيفا ايضا). مثال على ذلك الصراعات الصغيرة التي
اندلعت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في أميركا
اللاتينية وكذلك الحروب الاميركية ضد المكسيك واسبانيا. واخيرا وعندما
تفشل الاطراف المتحاربة في التوصل الى تسوية مرضية فيما بينها يمكن
للمجتمع الدولي التدخل. ولقد استطاعت الامم المتحدة وبعض المنظمات
الدولية واتحادات الدول واحيانا بعض الدول المنفردة ان تلعب دورا
حاسما في المساعدة على حل النزاعات المسلحة والخلافات السياسية مثلا
مساعدة الدول المتنازعة على الدخول في مفاوضات. على سبيل المثال
لعبت الامم المتحدة دورا هاما في تسوية النزاعات في تيمور الشرقية
والسلفادور وكمبوديا.
ماذا عن العراق؟؟
ان سحب القوات الاميركية من العراق لن يضع
حلا الا لقضية العداء للوجود الاميركي، اما القضايا الاخرى, مثلا
الصراعات القبلية والطائفية والاثنية والصراع على عوائد النفط وغيرها
ستبقى عالقة. عندها يتوجب إما أن تضع الفصائل المتنازعة حلا للقضايا
العالقة من خلال التسوية السياسية (وهو امر مستبعد اذا اخذنا بنظر
الاعتبار ما يجري حاليا) او أن يتدخل المجتمع الدولي لوضع ذلك الحل.
ان فقدان هذه الفرصة يعني المزيد من القتال وربما انتشار اوسع للصراع
وبالتالي تدهور الاوضاع في منطقة حيوية للمصالح الاميركية (خاصة
النفطية) وللعالم بأسره. ان العراق لا يعاني وحده مشكلات داخلية
تتعلق بنمط الحكم والفدرالية ويتوجب عليه حلها سريعا لكن المنطقة
بأسرها تعاني أيضا بسبب الاوضاع المتردية في العراق. هنالك مشكلة
العلاقة بين السنة والشيعة والتي تهدد بالاتساع وكذلك العلاقات الكردية
التركية والايرانية العربية والأخطار التي يمكن أن تطول تجارة المنطقة
واقتصادها, علاوة على تأثير القضية العراقية على انتاج النفط وتصديره
وربما تأثيرها أيضا على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وعلى جهود تسوية
البرنامج الايراني النووي. واخيرا هناك عواقب وخيمة ستطول بعض الدول
خارج المنطقة ومنها الدول دائمة العضوية في مجلس الامن. ان امدادات
النفط ستتعرض للمخاطر مما سيزيد من اسعار النفط التي تجاوزت المئة
دولار للبرميل الواحد مع بداية العام 2008. وبعض تلك الدول تخشى
من تنامي القوة الايرانية وربما امتلاك بعض الجماعات الاسلامية المتشددة
لاسلحة الدمار الشامل التي صنعت في المنطقة او استوردت من خارجها.
يبدو ان الولايات المتحدة حاولت في السابق التوصل الى تسوية سياسية
الا ان درجة مصداقية هذه المحاولة غير معروفة او محددة. كما يبدو
ان هذه التسوية غير مرحب بها حاليا من قبل الاميركيين او ربما على
الاقل انها غير مفعلة. ربما لأن الأميركيين يعتقدون أن الحرب في
العراق لم تصل الى مراحل متقدمة أو أن الفصائل العراقية غير راغبة
الآن في الجلوس على مائدة التفاوض من اجل وضع تسوية نهائية وحاسمة.
كما ان الاميركيين والعراقيين ليسوا قادرين او حتى مستعدين لتحقيق
ذلك. كما ان فرص النجاح تبدو قليلة بالمقارنة مع حسابات المصالح
في عدم حسم الامور اليوم. ويبدو ايضا ان اطرافا اخرى (في المنطقة
وخارجها) ليس لديها الاهتمام او القدرة او الالتزام وحتى القوة لانهاء
الازمة. في مثل هذا الموقف الصعب والمعقد هل يوجد دور للامم المتحدة؟
ان الحاجة للتسوية ملحة جدا بينما تتضاءل امام هذه الحاجة البدائل
المتاحة امام الامم المتحدة لوضع نهاية للازمة في العراق. إن الدور
الاول للامم المتحدة وهو دور ضروري لكنه ليس كافيا ويتمثل في دورها
التقليدي في تقديم المساعدة في بعض الفعاليات مثلا تنظيم الانتخابات
ومراقبتها وتقديم المساعدات الانسانية. الا ان هذا الدور صغير جدا
امام الوضع المأساوي الذي يعيشه العراق ولا يمكن ان يحقق تسوية مقبولة
او نهائية. وربما يبدو دور حفظ السلام اصعب الا انه وارد جدا طالما
أن هذا الدور (حفظ السلام) يشكل دائما جانبا من التسوية. كما ان
التسوية تحتاج الى قيادة قوية ومعلومات جيدة عن المنطقة وعن الفصائل
المهمة فيها بالاضافة الى القدرة على التعامل مع هذه الفصائل جميعا.
هذه الامور لا نتوقعها عادة لدى الامم المتحدة الا ان فشل الآخرين
جعلنا نلتفت للامم المتحدة. ان اية محاولة مستقبلية (سواء بوجود
الامم المتحدة او بعيدا عنها) للوصول الى تسوية سياسية يجب ان تتضمن
ثلاث حلقات سياسية الاولى تتمثل بالعراقيين. ان الصراع لن ينتهي
الا اذا فهمت الاغلبية من الاحزاب العراقية ان استمرارها سيكون محفوفا
بالاخطار ما لم يجر الاتفاق على حلول وسط لفرض السلام. ان اية تسوية
يجب ان تضمن للجميع الحاجات الاساسية في الحكم والمشاركة في اتخاذ
القرار وتوزيع عوائد النفط وغيرها كما يجب ان تتضمن التسوية وضع
حد للوجود الاميركي في العراق والتخلي عن فكرة الابقاء على قواعد
فيه بعد مغادرة القوات الاميركية كما يجب ان يتعهد المجتمع الدولي
ومن خلال لجنة خاصة تتولى متابعة هذا الامر يتعهد بعدم منح التأييد
اوالدعم لأي طرف ينقض الاتفاق والا فإن الدول الدائمة العضوية في
مجلس الامن تتولى من خلال التدخل لدى الاطراف العراقية وضع صيغة
للعلاقات المستقبلية بين تلك الاطراف.
الحلقة السياسية الثانية تتمثل بدول الجوار خاصة ايران والسعودية
وسوريا وتركيا حيث ان لهذه الدول مصالح في العراق وهي تحاول جاهدة
الحفاظ على تلك المصالح من خلال دعم اطرافها في العراق في محاولة
لكسب المواجهات. إن هذه التدخلات تعقد الوضع ومع عدم وجود تسوية
سياسية, فإن تلك الاطراف يمكن ان تحول الصراع الداخلي الى ازمة دولية
تهدد المنطقة وربما العالم بأسره. ويمكن للكويت والاردن ان يلعبا
دورا إيجايبا في تحقيق التسوية اذا شاركتا الآخرين في هذا الجهد
وان استبعادهما قد يدفعهما الى التفكير في المصالح الخاصة الضيقة
لكليهما فقط. إن اي تسوية للقضية العراقية تتطلب مشاركة دول الجوار
في وضع ترتيبات اقليمية تساعد في إنهاء الصراعات بين الأطراف العراقية.
يجب على دول الجوار ان تتفق على معاهدات لمنع الاعتداء وان تضع اطارا
لحل المشكلات الحدودية بينهما واية قضايا معلقة اخرى. ويجب بعد ذلك
وضع اتفاقات اقتصادية وتجارية ورفع وتيرة التعاون الامني على غرار
ما يجري حاليا بين مجلس التعاون الخليجي. ومع الوقت قد تتبلور منظمة
اقليمية تساعد على مراقبة تجارة السلاح وعلى تعزيز الثقة وربما على
توفير الضمانات من الدول النووية في المنطقة على عدم تهديد او ابتزاز
الدول غير النووية.
والحلقة الثالثة تتمثل بالمجتمع الدولي او على الاقل بعض الاطراف
الفاعلة مثلا الدول دائمة العضوية في مجلس الامن (الصين وفرنسا وروسيا
وبريطانيا والولايات المتحدة) بالاضافة الى المانيا واليابان والهند.
لهذه الدول دور كبير تلعبه في تحقيق نتائج طيبة ودعم تلك النتائج
علاوة على مساعدة المفاوض الوسيط الاممي. على تلك الدول المشاركة
دون ان تنتظر دعوة من الولايات المتحدة، التي عادة تطلب ارسال قوات
او تبرعات ثمنا للمشاركة. ويعود جانب من اهمية دور هذه الدول الى
البعد النفسي حيث تستطيع هذه الدول ومع مرور الوقت ان تمحو من ذاكرة
العراقيين اهوال الاحتلال الاميركي, مثلا وضع جدول زمني للانسحاب
مع تعهد بعدم بناء قواعد دائمة هناك. كما تستطيع تلك الدول وضع اطار
لمشاركة الاطراف الاقليمية وهو دور لن يستطيع الوسيط الاممي فعله
لوحده او حتى لدولة او مجموعه من الدول. وأخيرا تستطيع هذه الدول
تقديم الدعم لبعض النتائج او التسويات وبالأتفاق مع الاطراف العراقية
والاقليمية والعمل مع الآخرين لتنفيذ تلك النتئج. ان الوسيط المفاوض
الاممي يجب ان يجري اختياره بعناية على اساس الخبرة والقدرة على
العمل مع القضية العراقية بالاضافة الى معرفته بالمنطقة وباللغة
العربية والاطراف المتورطة بالقضية (الخارجية والداخلية) وعليه ان
يبادر فور مباشرته العمل الاتصال والتواصل مع الفصائل العراقية لتحديد
مواقع تلك الفصائل وبناء سور من الثقة. يجب ان يكون الوسيط الاممي
مقبولا من قبل الجميع خاصة الاطراف المهمة ويختاره الامين العام
ويحظى بدعمه الكامل بالاضافة الى دعم مجلس الامن. يجب ان لا تختار
الولايات المتحدة هذا الوسيط او تتدخل في اختياره بالرغم من انه
لن يستطيع العمل دون ان تكون واشنطن موافقة عليه. وعلى الوسيط الدولي
ان يعمل على تطوير الحلول الموجودة للقضايا الاساسية التي تباعد
بين العراقيين وان يعمل على تطوير الاطار الاقليمي لحل تلك القضايا.
كما ان على الوسيط الاممي ان يبني علاقات جيدة مع اللاعبين الدوليين.
ويلعب مجلس الامن دورا هاما للوصول الى تسوية هامة في العراق. يجب
على المجلس منح الوسيط الدولي تفويضا صريحا وواسعا لإنجاز مهمته
ويجب ان يصبح المجلس جهة لتحقيق الاتفاقيات وانجازها بدلا من ان
يصبح جهة تفرض القوانين على الفصائل المتحاربة. ومع مرور الوقت يستطيع
المجلس توفير الدعم الدولي لتلك الاتفاقيات من خلال قراراته التي
قد تكون ملزمة للمجتمع الدولي بالاضافة الى مساندة الدول الاعضاء
فيه. كما ان التسوية النهائية حتى بعد إقرارها ستحتاج بالتأكيد لدعم
مجلس الامن, خاصة اذا فكرنا بأهمية القضية والعلاقة الطويلة بين
العراق والأمم المتحدة.
الا ان الدور الاممي لا يخلو من السلبيات. اولا لا يبدو ان الجميع
مستعد او بالدرجة نفسها من الاستعداد على التحرك. يجب التحري عن
مدى استعداد جميع الفصائل للجلوس على مائدة المفاوضات وهو الدور
الذي يجب ان يجتهد المفاوض الدولي في أدائه. كما ان الوسيط الدولي
يجب ان يقنع الجميع بأن الوقت قد حان كي يتوصلوا الى التسوية المطلوبة.
ثانيا يمكن ان تتعرض الامم المتحدة الى بعض المخاطر نتيجة لعبها
هذا الدور, حيث ان نجاحها سيعتمد في المقام الاول على دعم الاطراف
الاقليمية والدولية. وأن أي تلكأ من تلك الأطراف سيؤثر على مصداقية
المنظمة الدولية وفعاليتها في حسم النزاعات الدولية. وهو ما حصل
فعلا في مناسبات عديدة منها قضية الحرب على العراق. لا يبدو المستقبل
مشرقا مع الامم المتحده الا ان وجودها ونجاحها يعني المزيد من الامل
في مناطق اخرى من العالم.
بالرغم من النجاح المحدود الذي حققته الولايات المتحدة في العراق
بعد زيادة قواتها هناك, ما زالت هناك بعض الخيارات المتاحة في انهاء
الصراعات في العراق ومنع انتشاره في المنطقة. ان دورا فاعلا للأمم
المتحدة بوجود وسيط اممي ناجح ودعم اقليمي ودولي يتطلب تغييرا جذريا
في اسلوب النظر الى القضية. اولا من الولايات المتحدة والقيادة العراقية
والامم المتحدة واللاعبين الاقليميين والدوليين وهذا يعني ان الدور
السياسي في الوصول الى تسوية سياسية في العراق وفي المنطقة يتطلب
اشراك اطراف اخرى غير الولايات المتحدة ودول الجوار والدول دائمة
العضوية في مجلس الامن مع الاهتمام بالجانب العسكري الضروري في توفير
التسوية. من اليسير اقناع روسيا والصين بأن يلعبا دورا في هذه التسوية
بدلا من التفرج على الآخرين طالما ان اي فشل في العراق سيؤثر عليهما
خاصة بالنسبة للصين التي تعتمد على نفط المنطقة كثيرا وان الفوضى
في المنطقة سيؤثر على اسعار النفط وسيضر باقتصادها بشكل مباشر ومؤثر.
كما ان تمزق العراق سيوفر للقاعدة وللمتطرفين فرصة لنشر الفوضى في
المنطقة والعالم وروسيا لا تريد ان تعود الفوضى الى الشيشان من جديد.
ان وضع تسوية للقضية العراقية سيصب في صالح الحرب التي تشنها الولايات
المتحدة ضد الارهاب واذا ما تطور الموقف سلبيا في العراق فإنه سيطول
الجميع بشكل او بآخر. ويجب العمل باجتهاد للوصول الى حلول توفيقية
بين الفصائل العراقية ويبدو ان الوضع الحالي مناسب لذلك. كما أن
الامم المتحدة وبسبب وضعها الاعتباري حيث انها تمثل جميع دول العالم
يمكنها من العمل على دعم هذه الحلول وفي غياب هذا الدعم من دول العالم
فإن المنظمة الدولية ستقف عاجزة. و حان الوقت الذي تلعب فيه الولايات
المتحدة دورا أساسيا في مساعدة الامم المتحدة للوصول الى ذلك.
*باحث ومترجم عراقي
قضايا(2)
الاستعدادات الأميركية للحرب على إيران..
هل تفشلها استقالات القادة والمسؤولين؟
أسامه نور الدين*
في وقت تحتاج فيه الإدارة الأميركية إلى تكاتف
الجهود، من أجل تمضية الفترة المتبقية لها في البيت الأبيض دون سقطات
تضعف من قدرتها على تمضية ما في جعبتها من مخططات ومؤامرات تنتظر
التنفيذ قبيل رحيل بوش الابن وعصبة المحافظين الجدد عن البيت الأبيض،
جاءت استقالة الأميرال ويليام فالون قائد العمليات العسكرية الأميركية
في الشرق الأوسط وآسيا الوسطي، بعد تقارير وصفته مرارا بأنه يعارض
سياسة الرئيس الأميركي جورج بوش بشأن إيران، لتثير كثيرا من الشكوك
حول سياسة بوش تجاه إيران في الفترة القادمة، إذ تشير الاستقالة
وما تبعها من تعليقات إلى رغبة أميركية حقيقية في توجيه ضربة خاطفة
للمنشآت النووية الإيرانية، قبل رحيل الرئيس بوش نهاية العام الجاري.
أسباب واهية
حتى لا يحرج الإدارة الأميركية بسبب قرار استقالته
المفاجئ أشار الأميرال فالون إلى أن الدافع وراء الاستقالة مقال
نشرته مجلة "اسكواير" وأشارت فيه إلى أنه يدفع بوش لتجنب
الحرب مع إيران.
إلا أن ذلك السبب غير مقنع على الإطلاق، فحسب الخبراء والمحللين،
هذا الأمر يتكرر كثيراً في الصحف الأميركية، ولا يتطلب من المسؤول
أو القائد سوى تكذيب الخبر، إذا ما كان يمثل خروجا عن المفروض، أما
أن يؤدي ذلك لاستقالة شخص فإن الأمر نادراً ما يحدث، خاصة وأن ما
جاء في المقال لا يستدعي تقديم الاستقالة.
كما أنه وبالرغم من محاولات فالون التأكيد على عدم وجود خلافات بينه
وبين بوش بخصوص ذلك الأمر، إلا أن تصريحاته تشير لعكس ذلك، فإذ لم
تكن هناك خلافات ما الذي يدفع شخص في وزن فالون لأن يترك مهام منصبه
لمجرد مقال نشر في مجلة؟
وقف المخططات
إن الواقع يشير إلى أن فالون قد أصبح عقبة
في طريق المخططات الأميركية الخاصة بتوجيه ضربة خاطفة للمنشآت النووية
الإيرانية، وذلك بسبب آرائه المنتقدة لذلك المسلك، ورغبته في الاستمرار
في إجراء حوار فعال مع إيران من أجل التوصل إلى صيغة توافقيه فيما
يتعلق ببرنامجها النووي، الأمر الذي لم يعجب الإدارة الأميركية،
التي ارتأت أن فالون يتدخل في السياسة، وهذا أمر محظور عليه، الأمر
الذي يستوجب إبعاده عن قيادة المنطقة المركزية، واستبداله بآخر لا
يقف عقبة أمام مخططات المحافظين الجدد.
وما يؤكد ذلك مسارعة وزير الدفاع الأميركي لنفي التقارير التي ذكرت
أن رحيل فالون يجعل الحرب مع إيران اكثر احتمالا، حيث قال "إن
فالون اتخذ هذا القرار بنفسه وهو قرار صائب" وأن سياسة بوش
تعتمد استخدام الدبلوماسية لحل الخلافات بينها وبين إيران، ولا سيما
بشأن البرنامج النووي لطهران، لكنها لا تستبعد إمكانية اتخاذ عمل
عسكري، والسؤال هنا هو لماذا اتخذ فالون القرار الصائب، هل لأنه
في حال بقائه سيصطدم بالإدارة الأميركية، أم لأنه سيضع جيتس نفسه
في موقف لا يحسد عليه؟
أوهام وتوجسات
ومما يعمق من الشكوك المثارة حول استقالة فالون
وارتباط ذلك بنية الإدارة الأميركية توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية
الإيرانية، تلك الزيارة المفاجئة التي يقوم بها نائب الرئيس الأميركي
ديك تشيني للمنطقة، والتقاؤه بالعديد من الزعماء العرب، وهي زيارة
مشابهة لما كان يقوم به تشيني قبيل الحرب الأميركية على العراق عام
2003.
فحسب ما نشره معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى تأتي زيارة تشيني
للمنطقة بعد إقالة قائد القيادة الوسطى الأميركية ويليام فالون والتي
كانت بحسب مصادر أميركية بمثابة المقدمة التي أفسحت المجال لنائب
الرئيس الأميركي لكي يقوم بجولته هذه لأن تشيني يدرك وبحسب نفس المصادر
ومن ورائه المحافظون الجدد وإسرائيل، لن يستطيع تحقيق النجاح المطلوب
وبالذات ضد إيران طالما أن الأدميرال وليام فالون يتولى منصب قائد
القيادة الوسطى الأميركية.
وبالإضافة إلى ذلك هناك العديد من المخاوف التي تبرر نية أميركا
توجيه ضربة عسكرية لإيران، منها وجود المدمرة كول أمام السواحل السورية,
والتأزم الشديد في مسألة الرئاسة اللبنانية, والفشل الاسرائيلي في
اجتياح غزة, والإلحاح المستمر على استمرار المفاوضات العبثية بين
عباس وأولمرت, بالإضافة إلى التوجيه الأميركي للقادة العرب بالتروي
في قرار الحضور لقمة دمشق.
مؤامرة إسرائيلية
لا يخفى على أحد أن لإسرائيل دورا كبيرا في
كل ما يحدث في المنطقة من أزمات، خاصة فيما يتعلق بالتحركات الأميركية
تجاه الملف النووي الإيراني، إذ تصر إسرائيل مثلما هو واضح من تصريحات
قياداتها في الفترة الأخيرة، أن النووي الإيراني هو أكثر ما يقلق
مضاجعها في الفترة الراهنة، خاصة وأن إيران تبدي ممانعة قوية في
مواجهة التهديدات الأميركية لها، والتي فشلت على ما يبدو إلى الآن
في أن تؤتي ثمارها، وذلك بالرغم من الحصار الخانق الذي تفرضه على
الأراضي الإيرانية منذ فترة طويلة، الأمر الذي يضع إسرائيل في حرج
شديد، خاصة وأن كل يوم يمر يقرب إيران من امتلاك التكنولوجيا النووية،
وفي حال حدوث ذلك لن يكون بمقدور إسرائيل أن تفعل شيئاً حيال ذلك.
وبالطبع يمثل امتلاك إيران لتكنولوجيا نووية تهديدا كبيرا لأمن إسرائيل،
إذ من شأن ذلك أن يحدث في المنطقة توازن قوى ما بين إسرائيل من جهة
وإيران من جهة أخرى، وهذا أمر لم يحدث منذ فترة طويلة، إذ تحرص إسرائيل
على أن تبقى القوة الوحيدة الكبرى في المنطقة، وذلك بسبب امتلاكها
للسلاح النووي، وإن لم تعلن عن ذلك صراحة.
ولأن إسرائيل لا تملك بمفردها مواجهة إيران، فإن الحل الوحيد أمامها
هو دفع الإدارة الأميركية الموالية لها للقيام بهذا الأمر نيابة
عنها، وبما أن الرئيس الأميركي بوش أوشك على ترك منصبه، ولا يعرف
على وجه الدقة الكيفية التي سيتعامل بها خليفته مع ذلك الملف، فإن
على بوش القيام بذلك قبيل مغادرته البيت الأبيض.
إلا أنه ورغم المؤامرات الاسرائيلية في هذا الصدد، فإن نجاح بوش
وإدارته في تحقيق هذا الأمر قد لا يبدو سهلاً للغاية، إذ تقف في
ذلك العديد من العقبات أهمها الخوف على المصالح الأميركية والغربية
في منطقة الخليج، إذ من شأن توجيه ضربة لإيران أن يضر بتلك المصالح
ضرراً بالغاً، أضف إلى ذلك الرفض الروسي والصيني للقيام بذلك الأمر،
لما له من تهديد كبير على أمن واستقرار المنطقة، كما أن أميركا لا
تزال تعاني من تداعيات حربها على العراق، إلى غير ذلك من الأمور،
ولكن يبقي في النهاية الباب مفتوحاً على جميع السيناريوهات.
* وكالة الأنباء العربية ـ القاهرة
أعلى