الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 


مبتدأ
للصورة بعدان
دمدم
شهادة
لماذا أنتِ بالذات أيتها القصة ؟!*
تلصّص على دفتر رجل
نائم على كرسيّ في حديقة (2)
قصة قصيرة
أفق






مبتدأ
غموض

لا أستغرب الآن أن سألَتْني يوما ربة المنزل البريطانية التي كنت أقيم في بيتها أثناء فترة دراستي في المملكة المتحدة، عن وضع المرأة العربية، متسائلة هل صحيح أن المرأة في العالم العربي لا تستحم سوى مرة واحدة في العام؟!
ولا أستغرب أيضا أن سألتني يوما الفتاة الإنجليزية التي كانت تجلس بجواري في الحافلة أثناء عودتي من الكلية في بريطانيا أيضا، عن سرعة حيوان الجمل، حين قلت لها إنني أعمل في مسقط التي تبعد قرابة مائتين وخمسين كيلو مترا عن قريتي، وإنني أذهب إلى قريتي كل أسبوع. فما كان من هذه الفتاة إلا أن أبدت دهشتها عن سرعة الجمل الذي يقطع كل هذه المسافة أسبوعيا. وقد بذلتُ الكثير من المحاولات حتى أثبت لها أن لدينا شوارع أسفلتية وسيارات حديثة أكثر رفاهية من سيارات الـ(ميني) ذات الثلاث عجلات، الرائجة في بريطانيا تلك الفترة.
أقول لا أستغرب الآن ذلك الجهل بالعرب من قبل أناس تفصلنا بينهم قارات من الأرض. ما أستغربه هو ما ألمسه من جهل أبناء جلدتنا وإخواننا العرب بنا نحن العمانيين، حتى الخليجيين الذين تربطنا بهم كل هذه الروابط من التاريخ والجغرافيا والدين واللغة والجوار والعادات والتقاليد المشتركة، نكتشف أنهم لا يعرفون عنا سوى القليل والمشوه أحيانا.
في مهرجان شعري في إحدى الدول الخليجية كان الحديث معي بعد الأمسية يدور حول انتشار السحر والشعوذة في السلطنة، بل حتى السائق الذي أخذني إلى المطار في رحلة العودة كان يسألني عن السحر!
في مهرجان شعري آخر في إحدى الدول العربية تقدم أحد الأكاديميين العرب الذين خدموا في السلطنة لفترة طويلة، يسألني على الطريقة العمانية قائلا: "شي أخبار؟ شي علوم"؟. فاستغرب أحد الشعراء الخليجيين المشاركين وسألني قائلا: "هل تسألون أنتم في عمان أيضا عن الأخبار والعلوم؟ أظن أن ذلك في... فقط. (وذكر دولة خليجية أخرى!).
في سوسيرا وخلال مهرجان المتنبي للشعر العالمي قال لي أحد المثقفين العراقيين: (عمان بالنسبة لنا بلد غامض). وهذ المقولة ذكرتني بعبارة الشاعر والصحفي يوسف أبو لوز حين طرح علي سؤالا عن السلطنة ضمن حوار صحفي إذ وصف عمان بأنها بلد الأساطير الغامض.
أما الشاعر أمجد ناصر فقد تحدث لي عن هذه القضية بمرارة شديدة، قائلا إن حضارة هذا البلد تعد من أهم حضارات الشرق، وإن السلطنة تأتي الثانية بعد مصر في مستوى ما كتبه عنها الرحالة الغربيون، حيث اطلع هو على كم هائل من هذه الكتابات الهامة التي تتحدث عن عمان وحضارتها العظيمة وتاريخها الضارب في أعماق الزمن، إلا أن هذه الحضارة لا يتم التعريف بها وفق ما ينبغي، ولذلك يجهلها الكثير من الناس، حتى على مستوى المثقفين والأدباء.
أدرك أنني أسهبت في ذكر القصص والشواهد، ولكن هذه القصص على كثرتها تبقى قليلة جدا بين ما نسمعه ونواجهه كلما خرجنا من بلدنا ورأينا أنفسنا في مرآة الآخرين. إنها مجرد أمثلة مما يوجع النفس ويؤلم القلب حين ترى صورة بلدك العظيم غائمة في أعين الآخرين، في حين ترى دولا ليس لها أي عمق تاريخي أو حضاري وقد باتت تروج لتراثها وتسوق لتاريخها الزاهر، وتصم الآذان بحضورها الإعلامي الكبير.
إننا أمام مسؤولية حضارية تجاه هذا البلد وتاريخه وحضارته وعاداته وتقاليده وفنونه وثقافته. ولا أشك مطلقا بأن هذا الكلام يعيه الجميع، إلا أن الموضوع يتجاوز الوعي والدراية بالشيء، إلى فعل أكثر إنجازا وعطاء على أرض الواقع. إن حضورنا الإعلامي لا يوازي متغيرات الراهن، لذا بات لزاما علينا مراجعة الكثير من رؤانا في هذا المسعى حتى يسمعنا ويرانا الآخرون.

حسن المطروشي


أعلى




الرعشة

رعشاتك الأولى .....
تؤجل غبطة المعنى/ وتسمو بالكلام عن الكلامْ !
لا وجعُ الممرِ يشي بموعدنا
ولا اللفتاتُ شاردةُ الحنينِ
ولا انتهى النبضُ المبعثر في جهاتك

نسأل الحادي :
إذا انتهكَ الرحيلُ رصيفنا الممتدَّ
في لهو الملامحِ/
فالغيابُ رسولُ آلامٍ
أبعثرها
وأسألُ مرةً أخرى .....
عن اللحن الشقي بكَعْبِكِ العالي/يَشد مذاهبَ النسيانِ في وجلٍ
ويربطُ لذة الحناء في خيط اشتهائك
يا ابنة الولَهِ الذي آوى الغرام بلا غرامْ

هاتي يديكِ/فخطوةٌ تكفي لـ محو العارِ عنِ جسدٍ
نؤنسنُ فيه روحينا
ونغسل ذمة الأشواقِ عن خوفٍ/توانى !
فاتحدنا في مرايا الودِّ
وانفضحتْ شفاهكِ إذْ تُخبئُ ومضةَ الكلماتِ في لثغ الطفولةِ
هاهنا/ طيشُ الليالي باتساعك/
كل آهاتي تصيرُ سلالمَ الحُمى
لأصعدَ "رعشة أخرى"
وأفنى :
كلما انتثرتْ خطايَ على مدارجكِ الطويلةِ/
فادخلي طورَ التلاشي
إنَّ أذرعة المكانِ استسلمتْ للدفء
لا حلمُ البراءة كذبة ٌ/كيلا نَهيم ببعضنا
خطأ الليالي أن تكونَ حزينة !
فبأي نخبٍ ننتشي :
لنطير أبعدَ من نبيذٍ غارقٍ فينا
لم يعُدْ في الليلِ إلا نحنُ/نسقيه الخطايا
وهو يُغوينا نسيمَ الصبحِ
.... إنْ تِعبَ الظلامُ مِنَ الظلامْ

محمد الفوز*
* شاعر سعودي

أعلى





يحاور بعدسته وميض الروح وأسرار العتمات
الدكتور عبد المنعم الحسني لـ ( أشرعة ): الفن الحقيقي يبقى شامخاً في وجه تضاريس الحياة والتواءاتها
قليلة هي الصور التي تغمرنا بالدهشة وسط هذا الكم الهائل من الركام المعرفي
في القتامة والظلمة مساحات شاسعة للحراك بعيداً نحو أفق الحياة الأرحب
ما إن ينتهي العمل باللوحة أو الصورة تنفصم العلاقة فيموت الصانع وتبقى الصورة

حوار: حسن المطروشي
فنان مبدع يرصد عبر فضاء عدسته تناقضات الحياة وتجليات الوجود .. يطرح أسئلة الروح من خلال حوارياته بين الظل والضوء .. بين السكون والحركة .. بين الحضور والتماهي .. بين الثنائيات المتضادة والمتنافرة .. يستنطق مدلولاتها مسافرا بين البدايات والنهايات السحيقة .. يعري بفنه الوجه القبيح للحياة، ويشكل بصورته البديعة عالما من الجمال، ينتصر فيه لقيم الخير، ويعلي فيه رايات المحبة .. إنه المصور الفوتوغرافي والأكاديمي الدكتور عبد المنعم الحسني .. مبدع له حضوره البارز في المشهد الثقافي العماني، وله العديد من المشاركات المحلية والخارجية. ينشر كتاباته حول الفن والتصوير الضوئي في المجلات والملاحق الثقافية المتخصصة داخل السلطنة وخارجها.
حول رؤاه في التصوير الضوئي والإبداع والحياة والثقافة بوجه عام كان لـ ( أشرعة ) هذا الإبحار مع الدكتور عبد المنعم الحسني....

صراخ الصورة


* أنت فنان ( مصور ) .. كيف تتعامل مع أعباء هذه اللفظة ودلالاتها وحمولاتها فنيا وثقافيا وتراثيا؟

** لست فناناً ولا أحب أن أدعي ذلك، وإنما أمشي في طريق الفن. ذلك أن دلالة لفظة (فنان) تحملّني عبئاً ثقيلاً؛ وتلزمني فعلاً أثقل أمام ذاتي ومجتمعي. لعلي أهرب منها خوفاً من تبعاتها وحمولاتها الفنية والثقافية والتراثية، لكني دائماً أهرب منها إليها.. مسؤولاً ومساءلاً عنها.. من يحمل عبء هذه الكلمة عليه أن يتحمل حمولتها الثقيلة. فالفنان (مصوراً ضوئيا كان أم رساما أم نحاتاً أو كل من يشتغل بالفنون البصرية بشكل عام) يعني أن يكون واعيا بالفن وعياً ذاتيا ومجتمعيا. هاجسه اليومي الإبداع وتقديم المختلف في عالمه الذي لا يشغله سواه.. شديد الحساسية لقضاياه الإنسانية وقضايا مجتمعه. أتمنى أن أصبح يوما ما فنانا بهذه الدلالات.. فمازلت طفلاً وسأبقى في طريق الفن. أما من الناحية التراثية وربما البعد الديني في مدلولات الكلمة فلا أظن أنه يضيرها في شيء؛ ذلك أن الإنسان هو من يحمّل الكلمة مدلولاتها وكلمة فنان لدى كل الحضارات الإنسانية المتقدمة على مدار التاريخ ـ ومن بينها الحضارة الإسلامية ـ كانت ولا تزال الأكثر رقياً واحتراماً. فالفنانون هم رسل مجتمعاتهم وأبناء النور الذين يحملون قناديل الإبداع والتجديد في شتى مجالات الحياة المختلفة.

* عالم اليوم هو عالم الصورة بشتى أشكالها .. ألا ترى أن الصور تمارس غوايتها لتخلق لنا عالما براقا خادعا، لتغطي الوجه الزائف القبيح للحياة؟

** وسط ضجيج الصور المتناثرة .. لتشكل مشاهد أكثر تشتتا.. ركام من الأوراق وحبر يظل ينزف وينزف وينزف حد النهايات.. رعب من صراخ الصورة.. وخوف من عدسة المجهول.. تيارات وتيارات فكرية وسياسية واقتصادية وثقافية تترنح من مشرق إلى مغرب لتشكل فضاءات العالم القادم.. إعلام يتراقص على جثث الحالمين في فراديس الضياع.. وسط هذا الكم الهائل من الركام المعرفي تصبح قليلة هي الصور التي تغمرنا بالدهشة.. وتأسرنا بالمحبة.. وسط كل ذلك الركام تتلبسنا أقنعة زائفة كل يوم.. قد تمارس الصورة غوايتها.. لتقدم العالم وجهاً براقاً خادعاً.. وفي الوقت ذاته قد تحمل وجهاٍ زائفاً قبيحا للحياة.. لكنه في الحالتين يبقى زائفاً.. هل نطلق عليه فناً؟! أشك في ذلك.. فالفن في أبسط معانيه هو أن تتعرى المَشاهد من الأقنعة الزائفة لتقدّمها في حقيقتها.. أو كما يعتقد الفنان في مرحلة ما وفي لحظة زمنية ومكانية معينة أنها حقيقة.. وربما ليست هي كما يظن، لكن على الأقل كما يتمنى.. لتناسب المكان والزمان.. تتغلغل في ذاتنا شخصيات بأوجه عديدة.. وبين المأساة والملهاة.. بين الحزن والفرح.. بين الغضب والسعادة.. مسافات تذكرنا بألم الوجود.. ومأساة الواقع.. الفن القادر على قهر الموت لا يزيف واقعاً ولكنه يعري حقيقة..

الظلمة الجارفة

* في أعمالك ثمة حضور بارز للألوان القاتمة .. ما سر هذا الاحتفاء بالقتامة و العتمات؟

** من العتمة تبدأ الحياة.. وفي القتامة والظلمة مساحات شاسعة للحراك بعيداً نحو أفق الحياة الأرحب.. أو الاتجاه نحو الموت.. في العتمة حضور قوي للرؤية.. تتسلى أحداقنا بالغوص فيها لتبحث عن أمل أو ألم.. في العتمة حب وانغماس في اللذة.. وفي العتمة عنف وانحباس للدهشة.. هذا كله يعتمد على الرسالة المصورة و الإيحائية التي يمكن أن يستنتجها المتلقي عبر هذه العتمات.. ألا ترى معي بعد كل ذلك أننا جديرون بالاحتفاء بما لدينا من قتامة؟!..

* تلتقط النظرات و ترصد تأملاتها، لكأنما النظرة لديك مفتاح سحري لمعارج الروح .. أهي كذلك، أم أنك تستنطق النظرات لتعترف بما لا تعترف به الكلمات المجردة ؟

** في النظرة بوح.. وفي البوح سر من أسرار الروح.. قد تنطق النظرات.. قد تصمت.. قد تصرخ.. قد تبكي.. قد تتذمر.. قد لا تقول شيئا أبداً.. لكنها توحي بالمتلقي بالقول عنها شيئا.. فالنظرة مفاتيح للدخول في عالم المتلقي.. تتجاذب أطراف الحديث معه.. يختفي المصور هنا.. قد يموت المؤلف بعد صنع اللوحة.. لكن النظرة تبقى تقص حكايتها للمتلقي.


* تتبدى لديك ظلال كأنما هي شخوص واهنة متعبة حزينة .. من أين تأتي كل هذه الكائنات الدائخة ألما و حزنا ؟

** من رحم الحياة تأتي كل الشخوص الواهنة المتعبة.. ربما أثقلها حنين أو أتعبها يقين.. تأتي واهنة في طريقها نحو الموت.. أو دائخة نحو انشطار الحياة.. لكن الصورة ـ حسب محمود درويش ـ (عطشى إلى معنى).. خاصة عندما تكون (الحروف قلقة جائعة إلى صورة).

* تسكن الصورة وتسكنك .. كيف يعيش الفنان هذا التوحد و الانشطار في آن واحد ؟

** أن تأسرك الصورة فتظل حبيس جدرانها يعني أن تكون هاجسك الأوحد وطفلك الذي لا يقوى على الكلام والتعبير عن نفسه.. ما إن ينتهي العمل باللوحة أو الصورة تنفصم العلاقة فيموت الصانع وتبقى الصورة قادرة على البقاء والخلود.. هنا يبدأ الانشطار وهو إعلان لبداية توحد جديد لصورة قادمة..


مغامرات الفن العظيم

* يقال بأن الفن هو انتصار للحياة .. يمارسه الإنسان لتحقيق الخلود بعد أن فشلت محاولته في إيجاد عشبة الخلود الأبدي .. كيف ينظر الفنان لهذه الحقيقة؟

** الفن هو انتصار غير مصطنع للحياة والحب والحرية.. يعيش فيه المبدع حكاية عشق أبدية.. ومغامرات لا تنتهي.. الفن العظيم هو وحده القادر على قهر الموت.. بالحياة.. فمن منا لا يتذكر لوحة الموناليزا لدافنشي أو أسطورة الجورنيكا لبيكاسو أو تصاميم دالي أو منحوتة دايفيد لمايكل انجلو أو صورة القناع لمان ري.. فالفن الحقيقي يبقى شامخاً في وجه تضاريس الحياة والتواءاتها.

* يهدف الفن لمخاطبة الروح و الارتقاء بالمثل و القيم العليا .. هل ترى أنه ثمة متسع لنداء الفن في ظل هيمنة المادة وطغيان قيم الاستهلاك والفن الهابط؟

** في القلب ثمة متسع للروح في أي زمان ومكان.. والفن الصادق يعبر أرواحنا بعنف.. يؤثر فينا ويتأثر بنا.. فرغم كل هذه الظلمة المادية الجارفة والهوة التي تتسع كل ساعة لصالح القيم الاستهلاكية والفن الهابط تبقى الفنون البصرية الراقية والتي تخاطب الروح فتعصف بها ألما وألقا.. حباً وحرماناً.. قائمة وقادرة على المواجهة..


* مثلما هو معروف في الشعر والتشكيل والسينما وغيرها أن العمل الفني والإبداعي لا يقدم معناه على نحو مباشر، وإنما يترك للقارئ والمتأمل الغوص في تفاصيله لاكتشاف مضامينه الرؤيوية العميقة .. إلى أي مدى يمكن للصورة الفوتوغرافية أن تغامر في هذا الاتجاه؟

** الصورة الضوئية الفنية ليست حالة متفردة في ذاتها.. إنما هي فن بصري من الفنون التشكيلية.. غامرت في اتجاهات مختلفة.. عبرت وعبّرت عن قضايا ورؤى عميقة بأساليب فنية مختلفة .. تركت في مدارسها الحديثة كالسريالية الفوتوغرافية أو التجريدية أو حتى التكعيبية الفوتوغرافية للمتلقي الفرصة للتأمل والغوص في تفاصيل الصورة لاكتشاف مضامينها العميقة.

* في عالم الكتابة هناك ما يعرف بتقارب الأجناس الأدبية أو هدم الحواجز بين هذه الأجناس .. فهل يمكن أن يحدث ذلك بين الصورة الفوتوغرافية واللوحة التشكيلية في ظل ما تشهده الصورة من انقلاب نحو الأفق المفتوح؟

** تتجه الفنون إلى التكامل بشكل غير مسبوق خاصة الفنون المعاصرة أو الحديثة منها.. فالصورة تكمل النص والنص يكمل مشهداً لفن الفيديو واللوحة تكمل مقاطع رسومات.. أو تتقاطع بالصوت لتحدث تأثيرات أعمق. ولو تجولنا في المعارض الفنية الحديثة في العالم نجد هذا التكامل غير المسبوق يسيطر وبقوة على دور العرض بدءاً من نيويورك وباريس ولندن وانتهاءً بالقاهرة والشارقة. وفي تجربة مجموعة الدائرة للفن الحديث والمعاصر في السلطنة دليل حي على هذا التكامل ليس بين الفنون البصرية وحسب وإنما على صعيد الأجناس الأدبية والفنية المختلفة. فهناك اللوحة التشكيلية والصورة الضوئية وفن الفيديو والأعمال التركيبية والأعمال الفراغية يرافقها الفنون الموسيقية والنصوص الأدبية و العروض المسرحية في إطار من التآلف والتكامل.


أعلى






للصورة بعدان
دمدم

عُرض قبل أسبوع على منصة كلية التقنية العليا بالخوير العرض المسرحي "دمدم" واشترك في تقديمه الفرق المسرحية الثلاث: الأهلي للفنون المسرحية، مسرح مسقط الحر، ومسرح الشرق، وأشرف على العرض في تماميته الإدارية الكاتب المسرحي (حمود الجابري). اقتبست فكرة المسرحية من ليالي ألف ليلة وليلة. وأخرج العرض الفنان (حسين سالم العلوي). ويبدو العرض شكلا ومضمونا منتمٍ لِما عُرف نقديا بمسرحة التراث وتجريبه. وهناك ما يُحسب لصالح العرض، كما أن هناك ما يؤخذ عليه.
بداية لا بد من الإشادة إلى أن المخرج استوحى فكرة العرض من التراث ليسجل موقفا سياسيا من العصر. فالعرض كان يُسلط ضوئه على العلاقة الجدلية ما بين الحاكم والمحكوم، وهي علاقة توصف بالتذبذب والتشظي والجوع عرفها المسرح في الوطن العربي. ويجيء العرض في وقت يمر فيه الإنسان العربي بأشد المواقف حاجة للتحليل والتفكيك لما بين هذين المكونين البنيويين من جدل واتساع في الهوة بينهما، وهذا ما يعيه الأدب الملتزم بقضايا مصيرية. وفي ضمن هذه الإشادة يمكن الاتكاء على بعض الجمل الحوارية على لسان بعض الشخصيات، مثل: "إن الوظيفة تقتل الفنان يا مولاي، والشعب الجائع يصفق يا مولاي" وهما مقولتان جريئتان وخطيرتان، أعتقد ما كانتا لتقالا في المسرح عندنا قبل هذا الوقت!
وإذا انتقلنا إلى اللغة واستعمالها، فيحسب لهذه المسرحية مزاوجتها ما بين الفصحى واللهجة العمانية الدارجة، بل والسفسافة! فكانت جميع الشخصيات دون استثناء تزاوج بينها بخفة ورشاقة واضحتين، وبقصدية مدروسة من فريق العمل الذي تجانس معا كخطوة تسعى لتكريس تقليد جديد في المسرح، يعتمد على تبادل الخبرات التمثيلية والفنية بين الفرق، وهذا يجعلنا نعول في قادم الأيام على انتظار المزيد من تبادل الخبرات بين الفرق المسرحية الأخرى، الأمر الذي قد يوحي إلى انتشار فكرة تولد فرقة للمسرح القومي، وليس ذلك ببعيد طالما بدأنا نوقد شموع إنارة قلوبنا الداخلية. ويُمكن أن يُحسب للعرض كذلك استفادته الجميلة من بعض جيل الرواد، فعلى صعيدي الشخصيِّ سُررت جدا برؤيتي للفنان (عبد الغفور أحمد) يَعتلي المنصة برشاقة وبحضور أضفى على العرض لفتته الجميلة وهذا الأمر بات يؤكد على ضرورة توقف القطيعة ما بين الأجيال، ويُلح من ناحية أخرى على إيجاد النصوص والأدوار التي يمكنها إنعاش المسرح في عمان، حتى يتنفس برئتين متعافيتين لا برئة واحدة. وبهذه المناسبة يمكن الإشادة بأسماء كل الممثلين المخضرمين والجدد، والفنيين: (محسن علي البلوشي، محمد هلال السيابي، علي عوض، مالك المسلماني، صالح أحمد المقيمي، يوسف الريسي، إيمان الحجري، سليمان المقيمي، والفنان ذو الموهبة العالية محمد النعيمي، وأعتقد أن الاشتغال على هذا الممثل الذي قدم دور (جوهر) سيقدم للمسرح في عمان طاقة من نوع القنبلة الموقوتة، ويمكنه أن ينافس كبار المسرحيين الكوميديين في المسرح العربي، لما يتميز به أداؤه من تلقائية، وما يختزنه داخله من عناصر حادة يتقاطع فيها الهزل بالجَد في وقت واحد، والحصول على هذه الطاقة الإيجابية واستخراجها من داخله لن تتحقق إلا بنصِّ مسرحي جيد، وبمخرج ذكي ومشاكس.
يثير العرض المسرحي "دمدم" جملة من الأسئلة، لا أستطيع إثارتها كلها، وسأكتفي بفكرتين؛ ستلحظون أن الفكرة الأولى ستعود بنا إلى النصّ، لذا سأبدأ بالفكرة الثانية.
للمخرج كل الحق إيجاد الشكل الإخراجي للعرض المسرحي الذي يناسبه ويعبئ دماغه، وقد لا يصل المخرج إلى الشكل المناسب إلاّ بعد تفحص وتأمل في جزئيتين: تفحص وتأمل مسيرة تجربته الإخراجية الشخصية من ناحية، وتفحص وتأمل مسيرة الإخراج المسرحي في عمان. -صناعة الموقف الكوميدي أو كوميديا الموقف. شخصيَّا كنت أود أن يُرفق بـ"البروشور" نبذة قصيرة عن أهم أعمال المخرج، حتى يمكنني التحرك بالتحليل إلى مدى أوسع، لذا سيقتصر الكلام على الجزئية الثانية للشكل الإخراجي في مسيرة المسرح في عمان. يبدو تصميم المنصَّة الثابتة أحد أهم الأشكال الإخراجية السهلة والممتنعة التي يلجأ إليها أشكال الإخراج في عمان، وهذا النوع من الشكل الإخراجي يشبه شكل السارد التقليدي في الأدب. حسنا! استطاع المخرج أن يلتفت على المنصّة وأن يتحايل عليها، لكنه وقع في جملة الأخطاء الإخراجية التي يقع فيها المخرج وهو يقدم عرضه على منصة غير جاهزة تماما للإخراج الدرامي، وهنا لا يمكن التسامح مع هذا التساهل، مهما كانت إمكانيات المنصّة ضعيفة! إن التفات المخرج بدا واضحا في عدم ثبوتية الديكور، فكان الانتقال بين المشاهد يعتمد على تغيير شكل المنصّة، وهذا بدوره يطيل من زمن العرض من ناحية، كما ويقلل من فرص تثوير مخيلة المتفرج، فمنصّة العرض المسرحي هي فضاء واسع منفتح على إنتاج العلامات المسرحية، يفتح هذه العلامات عناصر معروفة أهمها مساقط الضوء من كل فراغات الفضاء.
لقد بدا لي أن صناعة الموقف الكوميدي بالحركة تضافر لتوليده أداء ممثلين فقط هما (مالك المسلماني ومحمد النعيمي) في شخصيتي "دمدم وجوهر" في حين أرتكز توليده لفظيا على شخصية (علي عوض) "صاحب المقهى"، في حين أُتصف أداء بقية الشخصيات بالتمثيل العادي، مع ما يُحسب لبعضها بالحضور والخفة. إن إشكال المنصّة الثابتة الديكور إشكال خطير؛ لكونه أحد الأشكال السريعة للوقوع في العيوب الفنية، ويعزز هذا الطرح عدم استغلال المقهى على الإطلاق؛ فمن المعروف أن المقهى قد لعب تاريخيا حركة ونضالا لا يُستهان بهما في الحوار مع السلطة الحاكمة، المقهى هو نبض الشارع، وأحلامه وأستبعد تماما التفكير في أن ظهور المقهى على ذلك الشكل الإخراجي قد جاء مقصودا بصفة تنتج الرمز في العمل، لاتصاف فكرة النص بالواقعية، ولاتصاف الإخراج بمشاكسة غير موفقة كثيرا بالتحايل. وهنا أجدني مضطرة العودة بعجالة إلى الفكرة الأولى المتبقية للمقالة. كنت قد أشرت إلى أن إحدى أهم مشكلات النص المسرحي في عمان هي تعامله مع التاريخ؛ و"دمدم" يؤكد على هذه المشكلة ولا ينفيها. مهما اتفقنا على نجاح هذا العرض إلاّ أن للنص هفواته الخطيرة، وأخطر هذه الهفوات هي المراوحة بين لاتاريخانية التاريخ والواقع، مهما بدا الواقع ظاهرا في النصّ، فمن اللافت للانتباه أن جميع الشخصيات قد اشتركت كلها في اللعبة مع السلطة، الكل كان يخدم المؤسسة، الاستثناء الوحيد هو صاحب المقهى، والأقل منه صاحب التفاحة في آخر مشهد للمسرحية. ماذا أراد المخرج أن يؤكد من هذه التوليفة؟! سأستبعد أيضا أي طموح مشاكس، لغياب الصراع الجدلي في العرض بين السلطتين الحاكمة والمحكومة، وهذا الصراع كان يمكن أن يكشف عنه التركيز على المقهى الذي يمثل سلطة الجماهير المتبقية والمغيبة، وتجرأ المخرج ومُعد الفكرة على شخصية "دمدم" نفسها، الذي حالفه الحظ ليصل إلى سدة الحكم وهي إشارة لافتة للانتباه يمكن تصعيدها، لكنها تظل على نحو من الأنحاء غير مخالفة لأشكال العيارين والشطار المتنفذين في السلطة.
آمنة الربيع

أعلى



شهادة
لماذا أنتِ بالذات أيتها القصة ؟!*

دخلتُ الجامعة وأنا مشروع شاعر صغير يكتب بعض قصائد الحب المصطنعة
ما يحصل للمرء في حياته من أحداث ومواقف ما هي إلا المادة الخام الأولى للكتابة

( 1 )

أعترف أن أصابعي ظلت جامدة كثيراً أمام لوحة المفاتيح قبل أن أبدأ بهذه الكتابة التي طُلِبتْ مني عن كتابتي القصصية .. ليس فقط لأن ركوب السيارة وسياقتها أسهل بكثير من معرفة مِمَّ وكيف يُصنَعُ محركها ، بل أيضا لأنني أكتشف الآن أنني عاجز عن الإجابة عن سؤال جوهري : لماذا سيارة القصة بالذات هي التي ظل محركها يعمل لديَّ طوال ثلاث عشرة سنة ، وأنا الذي كنتُ أقودها في معظم الأحيان على غير هدى ، وغير مسلح سوى بالشك والارتياب في اللا طريق الذي أسلكه .. في حين تعطلتْ سيارات أخرى كنتُ أحاول قيادتها من قبل بشك أقل ويقين أكثر: كالشعر والمسرح على سبيل المثال .. على أن ثلاث عشرة سنة - وبعيداً عن التواضع أو ادعائه - ليست كافية من وجهة نظري لتشكيل تجربة ، ولذا فاني أفضّل أن أسمي هذه الورقة شهادة عن الكتابة لا عن التجربة ، فما زالت التجربة تتشكّل ، وقد يُقَيَّض لها أن تصل إلى بر الأمان يوماً ، وقد لا يقيض .
وإذن .. لماذا أنتِ بالذات أيتها القصة ؟
سأمضي في هذه الكتابة سعياً للإجابة عن هذا السؤال ، ولكني لا أعد بأنها ستجيب عن الأسئلة بقدر ما ستطرح أسئلة أخرى .. ليس فقط لأن من الصعب على الكاتب أن ينظر إلى نفسه في المرآة بحيادية ، بل وأيضا لأن فكرة الكاتب عن نصوصه ليست بالضرورة فكرة صائبة أو دقيقة ، وشهادتُه عن كتابته تكون عادة عن دوافع هذه الكتابة وهواجسها أكثر مما تكون عن الكتابة ذاتها .

( 2 )

عندما أتأمل الآن أجد أن خليفة بن مبارك وابنتَه أم سيف هما مَنْ غرسا في لاوعيي حب القصة .. لَكَم سحرتني حكايات هذا الرجل وتلك المرأة ، ليس فقط بعوالمها الفنتازية والغريبة ، بل أيضا بطريقتهما في الحكي وتقمصهما لأبطال الحكايات .. كم أحببتُ ذلك الرجل وأنا أسمع حكاياته عن الوعول التي يلهث هو ورفقته وراءها في الصحراء فيصيدونها ويأكلونها ، وأحياناً يكتشفون أن الوعل ليس وعلاً بل ساحرا كبيرا .. وكم كتمتُ أنفاسي ترقباً وأنا أسمع حكاية أم سيف عن جدتها التي ماتت بسبب انتقام جني رمتْ - خطأً - بقايا جمر مشتعل في وجه طفله وهي تظن أنها ترميها في الخلاء ! .. خليفة بن مبارك هذا ليس سوى جدي ، وأم سيف ليست سوى أمي .. أما جدي لأبي فلم يورثني إلا الاسم بعد أن مات قبيل ولادتي فقرر أبي أن يُبقِيَ اسمَه في هذا العالم بواسطتي ، وبدون استشارتي .. وقد سجلتُ احتجاجي على ذلك في قصتي : "على من أضاعُوا أسماءهم فلنُعْلِن البكاء" ..
على أن عوامل أخرى في تصوري - بالإضافة إلى جدي وأمي - ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في اقترابي من هذا العالم الجميل : عالم القصة .. منها كوني نشأتُ ولداً خجولاً وضعيفاً لا يُجيد التعبير عن نفسه إلا بالورق ، ولا يستطيع الانتقام من أستاذه الذي يضربه في المدرسة وأقرانه التلاميذ الذين يعايرونه بهذا الضرب سوى بكتابة رسائل مطولة لهذا الأستاذ وأولئك التلاميذ فيها ما فيها من الشتائم المقذعة ، ومن التهديد بما سيحصل لهم غداً وبعد غد جراء فعلتهم الشنيعة .. تلك الرسائل التي لن يقرأها أبداً إلا كاتبها ، الذي عندما يكبر قليلا ويصل إلى سن المراهقة في منتصف ثمانينيات القرن العشرين سيتعرف على روايات نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس ويوسف السباعي ، وسيغيب في عوالمها المدهشة متخيلاً أنه يتلصص على حيوات حقيقية لا مختلقة .. أتذكر في هذا الصدد روايتين لا يمكن أن أنساهما ما حييت ، حتى وان كنتُ نسيتُ كثيراً من تفاصيل الحكاية التي ترويانها : "العمر لحظة" ليوسف السباعي ، و"الحب تحت المطر" لنجيب محفوظ .. فهاتان الروايتان هما بداية تعرفي على أن هناك بشراً قادرون على نسج حياة أفضل من الحياة التي نعيشها ، حياة مليئة بالأمل والألم والأبطال الذين يناضلون من أجل قضية جديرة بالاحترام .

( 3 )

دخلتُ قسم الفنون المسرحية بالجامعة وأنا مشروع شاعر صغير يكتب بعض قصائد الحب العمودية المصطنعة التي كانت تعجب بعض الأصدقاء وزملاء الدراسة ، إضافة إلى بعض القصائد النبطية المصطنعة أيضا والتي لن تُعجب إلا خالي زاهر ، الذي كان بدوره ينظم قصائد لا تقل عنها اصطناعا .. على الضفة الأخرى كان أستاذي هاني مطاوع رئيس قسم الفنون المسرحية يُعِدُّني لأصبح كاتبا مسرحيا من خلال تكليفي بإعادة كتابة بعض النصوص المسرحية الغربية برؤية عُمانية ، الأمر الذي سيسفر لاحقاً عن كتابة مسرحيتي الكوميدية اليتيمة "شكرا حاول مرة أخرى" والتي تنبأتُ من خلال عنوانها على ما يبدو بمصيري ككاتب مسرحي .
في خضم هذا كله كانت القصة تلوح من بعيد ، من خلال متابعتي للقصص الفائزة في مسابقات الجامعة المختلفة أو مسابقات المنتدى الأدبي ، وكان أكثر اسمين يتكرران من الأسماء الفائزة بهذه المسابقات هما : سالم آل تويِّه ويحيى سلام المنذري .. كان هذان الاسمان يمثلان لي آنذاك وأنا في بداية تعرفي بجنس أدبي اسمه القصة القصيرة علامة الجودة للقصة .. وكم كانت سعادتي كبيرة بالتعرف على سالم آل تويه وهو في سنته الأخيرة بالجامعة عن طريق صديقنا المشترك عبدالله خميس .. أذكر أنني سألتُه بسذاجة في لقائنا الأول أو الثاني ( لا أذكر ) : لماذا دائما قصصك حزينة ؟! ، وأذكر أنه اكتفى بالابتسام ولم يجب ، ولعله كان يسخر مني في سره ، وها أنا أكتشف اليوم أن معظم القصص العُمانية حزينة ، ونادراً ما نقرأ قصة لا تدور في فلك الفقد والخسران المبين .
في سنتي الجامعية الأخيرة ( 1995 ) كتبتُ أول قصة كردة فعل على تجربة حب فاشلة من طرف واحد .. كان البطل الذي اسمه سليمان ينتظر في مقعد الدراسة فتاته ليصارحها بحبه ، وعندما تأتي ويفعل إذا بها تصدمه برفضها هذا الحب .. وانتهت القصة .. كان عنوانها "شيء ما مزق قلب السنجاب" ، ولم يكن هذا السنجاب سوى بطل القصة وكاتبها .. وعندما عرضتُها على بعض الأصدقاء شجعوني على نشرها في الجريدة ، وهذا ما حصل بالفعل .. غير أن القصة الثانية هي الأهم من وجهة نظري .. فهي التي دشّنتني قاصاً أمام الناس ، والأهم من ذلك : أمام نفسي .. كنتُ قد تخرجتُ من الجامعة وبدأتُ رحلة البحث المضنية عن عمل متخذاً من غرفة صديقي جابر الحراصي في الجامعة سكناً وملاذا .. وأقول : "المضنية" لأنني لم أعثر على هذا العمل إلا بعد مضي ما يقرب من سنتين من البحث .. في تلك الفترة كتبتُ قصتي : "كم أحسدك يا جابر" والتي يمكن أن ألخص فكرتها في شاب - اسمه سليمان أيضا - يحاول بلا جدوى العثور على وظيفة .. لم أهدف بهذا النص لأن أكتب قصة بقدر ما كنتُ أهدف إلى التنفيس عن كم هائل من الإحباط .. وحدث أن شاركتُ بهذه القصة في مسابقة المنتدى الأدبي لذلك العام ، وكانت مفاجأة مذهلة لي أن تفوز بجائزة .. لحظتَها توقفتُ أمام نفسي وقلتُ : يا سليمان ، أنتَ قاص ! .. لحسن الحظ لم يكن وعيي آنذاك يساعدني على التفكير : عن أي جائزة تتحدث ؟ ، ومن المشاركون في المسابقة ؟ ، وهل فازت قصتي لأنها تستحق أم لقلة القصص المشاركة ؟ ، وهل يشارك القاصون المتحققون أصلا في هذه المسابقة أم أنها فقط للمبتدئين أمثالي ؟ .. قلتُ خلال حوار صحفي إن تلك الجائزة ، كانت الأهم في حياتي .. ورغم أنني فزتُ بعدها بحوالي اثنتي عشرة جائزة محلية وعربية ، إلا أنني أكرر أن تلك الجائزة هي الأكثر أهمية حتى من جائزة يوسف إدريس .. فقد كنتُ كاتباً مبتدئاً لا يعرف أي طريق يسلك ، فجاءت هذه الجائزة لترفع معنوياتي وترشدني إلى طريق لم أكن قبلها قد فكرتُ جديا في سلكها .


( 4 )

قلتُ إن بطل قصتيَّ الأوليَيْن كان اسمه سليمان ، وأن أحداثهما مستقاة من حياة الكاتب .. وهذه هي المشكلة التي ستلاحقني كظلي بعد ذلك .. فكما قلتُ لم يكن اختياري للقصة اختياراً أدبيا ، بل هو محض اختيار شخصي .. كانت القصة بالنسبة لي - ورددتُ هذا الكلام في أكثر من مناسبة - طريقةً لحفظ التوازن وترميم النفس وتعويض الخسارات .. لم يكن هدفي أن أكتب قصةً فنية ، بل أن أُعيد صنع حياة لم أعشها .. أن أبني العوالم وأهدمها ثم أتنفس الصعداء قائلا : ها قد كنتُ .. كان عليّ إذن أن أتحمّل التبعات النقدية لاختياري هذا .. وكان يلزمني أن أجمع عدداً من القصص بين دفتي كتاب لأدرك أنني لم أكن أكتب سوى ذاتي .. وان أردتُ أن أنكر فان اسمي سيطل من بين السطور ليفضحني .. ولكن هل كتابة الذات تهمة لأحاول التنصل منها ؟! .. عندما قرأتُ ذلك الكتاب - وأعني به "ربما لأنه رجل مهزوم" - بعد سنوات من الابتعاد عنه أحببتُ وجود اسمي في بعض القصص ، وكرهته في أخرى ، وتحديداً كرهتُه في تلك القصص التي قررتُ أنها لم تنضج فنيا وأنني تسرعتُ بنشرها في كتاب .. على أن الفأس قد وقع في رأس القاص وانتهى الأمر ، فتهمة الإغراق في الذاتية ستتلبسني كجنية منذ صدور ذلك الكتاب ، ودليل الإثبات هو اسمي.. لذا - ونكايةً بهذا الاسم - فقد قررتُ تنحيته جانبا منذ ذلك الوقتُ وانْ ظللتُ أكتب ذاتي .. ولم يكن مستغربا أن تخلو أية قصة من قصص "الأشياء أقرب مما تبدو في المرآة" من اسمي صراحةً كبطل لأحداثها رغم أن عوالم كثير منها تشبه إلى حد بعيد عوالم "الرجل المهزوم" .. وعندما أتأمل الآن بشيء من العُمق أقول لنفسي إن تلك كانتْ مرحلة لا بد منها لأكون كاتب قصة.. ولو عاد الزمن للوراء فلا أظنني إلا سأسلك نفس الدرب .. الآن أظن أنني عرفتُ أن الفرق بين القصة والسيرة الذاتية يكمن في مدى الوفاء للواقع .. الأخيرة تسجل الأحداث بحذافيرها كما حدثت في الواقع ، أما القصة فقد تتناول الأحداث نفسها ولكن كما حدثت في داخل الكاتب .. ثمة مسافة بين داخل الكاتب وواقعه يردمها بحصيلة خبراته الشخصية من تجارب وقراءات ومعارف ولغة ، الخ .. ولذا فان الحكاية ما إن تنكتب كقصة حتى تستقل بنفسها عن الأصل الواقعي الذي قد تكون أُخِذتْ عنه .. طُرِح عليَّ مرةً سؤال : لو حُكِيَتْ لك تفاصيل قصة مدهشة متكاملة العناصر وطُلِب منك أن تكتبها.. أتستطيع ؟ .. فكانت إجابتي : لا ، لسبب بسيط هو أنني لم أنكوِ بنارها .. ولا أعني بهذا الانكواء أن تكون حدثتْ لي شخصياً أو لأحد ممن يهمني أمرهم ، بل أن أجد فيها تلك الجرثومة العجيبة التي تظل تهرشني وهي تقول بإصرار : أُكتب .. هذه الجرثومة هي التي تعنيني ، وهي التي نويتُ أن أظل مخلصاً لها .. الصدق هو الشرط الأول والذي لا يتأتى بدون الإحساس بالقصة.. قد تكون لدي حكاية مكتملة العناصر ولا ينقصني سوى الإحساس بها.. فإذا ما كتبتُها دون هذا الإحساس ستخرج باردة وبلا روح .. في المقابل قد أكتب عن حدث جد عادي (كغسل المرء وجهه في الصباح) فأستطيع بواسطة هذا الإحساس أن أقبض بتلابيب القارئ منذ الحرف الأول وحتى الأخير .. الآن أنا أدرك أنْ لا كتابة بلا ذات .. وأنه لا يمكن الفصل بين الكاتب وكتابته إلا إذا كان ممكنا فصل هذا الكاتب عن الهواء الذي يتنفسه ، أو الخطوات التي يمشيها ، أو الطعام الذي يأكله ، أو السرير الذي ينام عليه ، أو الشمس التي تطل من شباكه .. وأُدرك أيضا أن ما يحصل للمرء في حياته من أحداث ومواقف ما هي إلا المادة الخام الأولى للكتابة ، والتي سيتعين عليها أن تمر في "فلاتر" كثيرة قبل أن تتحول إلى عمل أدبي ، قصةً كان أم غيرها .

( 5 )

حدثنا تي اس اليوت عن البيت الأول الذي يأتي من السماء ثم على الشاعر أن يشتغل بنفسه على باقي القصيدة ، إن أراد أن يُصبح شاعراً حقيقيا .. وإذا كان اليوت يتحدث هنا عن القصيدة فأنا أرى أن كلامه هذا ينطبق على كل الفنون الإبداعية بما فيها القصة .. ثمة من يظن أن القصة والرواية تختلفان عن القصيدة بالمخطط ، أي أن هناك تصوراً مسبقا في ذهن القاص أو الروائي بالأحداث والأبطال والمواقف قبل الشروع في الكتابة .. أنا أرى أن هذا الأمر ليس صحيحا بالضرورة .. كثيرون من القاصين والروائيين يدخلون إلى القصة أو الرواية استجابةً لنداء غامض ، دغدغة ما في دواخلهم تدفعهم للكتابة دون أن يكونوا عارفين مسبقاً بالشكل الذي ستأخذه القصة أو الرواية ولا المصائر التي ستنتهي إليها الشخوص .. متعة الكتابة من وجهة نظري هي هذه الحياة الجديدة التي ابتكرها الكاتب دون أن يدري ، هي النظر إلى هذه الشخوص وهي تعيش حياتها في القصة بعد أن استقلّتْ عن صانعها / المؤلف وتخلصت من ربقته .. فيما يخصني حدث غير مرة أن بدأتُ كتابة القصة استجابة لتلك الدغدغة ثم إذا بي أصل إلى قصة مكتملة لم أخطط لها .. ويحدث أن أجلس لكتابة قصة وضعتُ تصوراً ما عنها في ذهني قبل الشروع في الكتابة فإذا بي أكتب قصة أخرى مختلفة تماما ولم تكن في الحسبان !

( 6 )

اللغة .. وما أدراك ما اللغة ! .. لم أشعر بالحيرة والارتياب حيال اللغة كما أشعر به هذه الأيام .. كانت اللغة خلال السنوات العشر الأولى لكتابتي القصصية هي الشغل الشاغل .. كنتُ أتوق إلى لغة لا تشبه اللغة ، كما كتبتُ في احدى القصص .. تتأخر القصة شهوراً لأني أبحث عن عبارات تمتح من الشعر ، عبارات تذهل القارئ وتجعله يُعيد العبارة التي يقرأها مرارا ليستمتع بجمالها ، تماما كما كنتُ أفعل حين أقرأ لأمين صالح أو محمد القرمطي.. ثم حدث أن قرأتُ قصصا يخرج الشعر من روحها لا من لغتها ، جاء ذلك متزامنا مع تذمر شديد من التهويمات اللغوية غير المفهومة التي تضج بها القصص العُمانية .. قلتُ لنفسي : القصة ليست لغة ، بل حكاية مدهشة .. ثم قلتُ : سأجرب لغة أخرى في مجموعة أخرى بطلها واحد ، أسميتُه "عبدالفتاح المنغلق" .. اللغة هنا أستطيع أن أصفها بالسهلة ، لا تتوسل الشعر ولا تنشد سوى التعبير بدقة ووضوح عن المعنى .. وبينا أنا منغمس في هذه اللغة الجديدة إذا بهاتف من القاهرة يخبرني أن مجموعتي التي انتهتْ علاقتي بها منذ سنتين تفوز بجائزة يوسف إدريس، وإذا بأحد أسباب الفوز هو لغتي القديمة التي بدأتُ بالتمرد عليها، أو كما قال نص بيان لجنة التحكيم : "اكتشاف ما هو شعري فيما هو عادي مطروق .. وتتحدث الموجودات جميعاً في أغلب قصص المجموعة، البشر والكائنات والأشياء، بلغة الشعر .. القدرة على إعادة اكتشاف بعض التعبيرات الشائعة، وتجاوز ما فيها من نمطية وتقليدية" .. لكأن هذا الأمر لفتني إلى شيء في كتابتي لم أكن ملتفتاً اليه من قبل، وقد دفعني بالفعل إلى إعادة النظر في لغتي القديمة .. وبين لغتَيَّ الحالية والسابقة أقف الآن كالمُنبتِّ الذي لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى .. وحتى لحظة كتابة هذه السطور لم أصل إلى جواب شاف على سؤال ممض: أي لغة أريد؟

( 7 )

مرة أخرى أعيد طرح التساؤل الذي بدأتُ به هذا الشهادة : لماذا أنتِ بالذات أيتها القصة ؟ .. ولا أجد إجابة سوى صدى كافكا : " ماذا يمكن أن يجذبني إلى هذه الأرض المهجورة سوى الرغبة في أن أمكث هنا ؟! " .. غير أن كافكا أوصى صديقه بأن يحرق كتبه بعد وفاتـــه .. أما أنا ..............


صحم 18 / 2 / 2008
لوحة تشكيلية للفنانة طاهرة فداء

*أُلقيتْ هذه الشهادة ضمن فعاليات سوق صحار الأدبي السادس الذي نظّمتْه جامعة صحار في الفترة 16-20 فبراير 2008

سليمان المعمري**
** قاص عماني

أعلى




ثنائية الظلام والنور في شعر الصقلاوي (1 ـ 2)
ظل الليل في التاريخ الشعري المسؤول عن الهموم والأحزان بما يحمله من ظلام وسوداوية
كثيرا ما يتحسس الشاعر خيوط النور؛ مؤملا الذات في انبلاج صبحٍ للواقع

لعل النص الشعري المبدع يمتلك من الخواص والمزايا التي تمكـّن قارئيه من تعدد رؤاهم؛ ذلك أن هذا النص يتلون بأشكال متعددة، وبألفاظ قد تظهر متنافرة لكنها تشكّــلّ داخل النص الواحد علاقات متشابكة، ومساحات دلالية تكـّون عالما واحدا وقضية واحدة. مهما تعددت مناهج الدخول إلى هذا النص أو ذاك. وقد تنتقل فيه قضية أو تجربة خاصة إلى قضية إنسانية عامة بما تمتلكه من لغة تتعدد دلالاتها ورؤاها الشعرية. إن قراءة الذات الشاعرة من خلال نصوصها المبدعة تتطلب وقفة تأمل وقبلها درجة من الحساسية تستحوذ على القارئ بالدرجة نفسها التي استحوذت على الشاعر إبّـان خلقها، ومن ثم تتطلب البحث عن القضية النفسية من خلال اللغة الشعرية التي تتحكم في ترجمة قضيته. فلقد برز الليل شكلا من أشكال القهر ـ في أغلب حالاته ـ في الشعر العربي، فمنذ العصر الجاهلي والليل يشكل صخرة صلدة تجثم على صدور الشعراء محاولين تجاوزها، ويبرز ـ أي الليل ـ في شعرهم صورة نفسية قاتمة، فصوروه بتشبيهات عدة، كما هي الحال عند امرئ القيس في قوله:
وليل كموج البحر أرخى سدوله
عليّ بأنواع الهموم ليبتلي

وظل الليل في التاريخ الشعري المسؤول عن الهموم والأحزان، والعدوّ اللدود الذي يحاول الشاعر قهره، بما يحمله الليل من ظلام وسوداوية يرتـدّ بالكآبة على ذات الشاعر، ومن هنا ظهر بالمقابل الصباح أو النور، المعادل الموضوعي للأمل والأفراح عند الشاعر. وفي تطلع الذات للنور يكمن الصراع الدرامي النفسي الذي تعانيه الذات الشاعرة، والليل بصفته زمنا موضوعيا ومظهرا مجردا، لا يمكن أن نحمـّله مسؤولية الصراع والواقع المرير، لكن الذات هي التي تحوّله من زمن موضوعي مجرد إلى زمن ذاتي، أي زمن نفسي، يتمظهر من خلالها في أشكال القهر والمعاناة الداخلية. أي أن الذات الشاعرة أو الإنسانية بشكل عام هي مركز التحول. والليل ـ في أغلب حالاته، كما أشرنا ـ ظل في ذاكرة الشعراء يحمل الصورة السوداوية نفسها التي كان يحملها من قبل برموزه المتعددة، وتحول من كونه ظاهرة طبيعية إلى كونه زمانا لتجارب حياتية تجسدت فيها رؤى الشعراء ومواقفهم ومشاعرهم.
ولعل تجربة الصقلاوي الشعرية من التجارب التي تستحق الوقوف والتملّـي في ظاهرة الظلام والنور، إذ تظهر هذه الثنائية عنده بشكل ملفت، تتفجر من خلالها دلالات الفقد والاغتراب ودلالات الأمل والأمان، ولعلنا نلمح في قصيدة "ترجيع" عنصر الظلام المتمثل في الليل بشكل صريح، بينما يختفي العنصر المقابل "النور" خلف دلالات السياق مشكلا عجزا ذاتيا:
ألا يا ليلُ فلترحلْ ولا تبقى كمشلول
تقيدني بلا ذنب وتقذفني لمجهولِِ
وتتركني إلى النيران تنهشني إلى التنّين والغولِِ

ألا فارحلْ
ألا فارحلْْ
ودع معشوقتي السمرا تـقبـّلني بثغـر جد معسول ِ
كفى الأيام ما فعلت بغـرّيد على الأحلام مجبولِِ
أنا يا ليلُ مشتاق إلى صدر يلملمني ويغمرني بتحنانِِ
إلى عين تبسّـمها يُـنسي القلب آلامي وحرماني
إن النداء الموجه إلى الليل لا يشي بامتلاك الذات الشاعرة القوة لسحق الليل بقدر ما يشي بانهيار العزيمة والصمود، وعدم القدرة على المواجهة، ولعل تكرار الشاعر لطلب الرحيل يؤكد هذا الانهيار، بل إن توجهه بالخطاب لليل والإفصاح عن اشتياقه لملجأ آمن يزيد من هذا التوكيد الانهياري.
بينما نجد في "حكايا الماء" صورة الصبح والضياء، المعادل الحلمي الجميل الذي يرغب الشاعر في تحقيقه:
يرسم الصبح على الوديان أحلام الرجاءِِ
يحضن الأطيار والنخل ونـُدمان الضياءِ
ينشر الوعد نهارا فوق أهداب المساءِ
يتجلـّى في ليالي الغرباءِ
على الرغم من التصريح بــ "الصبح" المنتج الرمزي للآمال والنور، إلا أننا نلحظ في الوقت نفسه تلك الطاقة التي تحتاجها الذات لتجاوز الواقع، إنها تحتاج لطاقة مكثفة لأن الواقع مكثف، فهو مركب من "ليالي" المعادلة للغياب والتِّـيه و"الغرباء" المعادلة للـفـقـد والتشرد؛ لذا فإن الطاقة المكثفة التي استدعتها الذات حملت ألفاظا نورانية متوهجة "الصبح، الضياء، نهارا، نجم".
لعل أكثر ما يقضّ هجعة الشاعر في واقعه الشعري هو البحث عن النور المعادل للخلاص، إذ يتجسد هذا في تساؤلاته المتكررة، يقول في قصيدة "إلى عبد الرحمن الداخل" "محاصرون":
وهل يـُماط الليلُ عن أجفاننا؟
وتُشعل النجوم من أحلامنا
تُرى.. متى... يصير في إمكاننا!؟
..........................................
ويقول في قصيدة "لا تلمني":
أين دنياي وحبي ونجومي الزاهرات؟
أين قيثارة بدري... أين همس النسمات؟
أين زهري، وربيعي، وشموسي المشرقات؟
ضاع حبي، تاه قلبي، في بحار مظلمات .
على أننا يجب ألا نهمل علامات الترقيم والفواصل التي تُخفي الزفرات النفسية للذات الشاعرة، إذ تُعـدُّ عنصرا مهما في الكشف الشعري، وعملا مقصودا للإيقاع النفسي. وكثيرا ما يتحسس الشاعر خيوط النور؛ مؤملا الذات في انبلاج صبحٍ للواقع، ولعل في قصيدة "رفرفات النور" ما يدل على ذلك التحسس من خلال النداء المجرد من الفعل الواقعي، على أننا لا نجد لفظة الظلام، وإنما نلاحظ دلالاتها المتسربة في جو القصيدة، فالحديث عن النور لا بد وأن يسبقه حديث عن الظلام، ولو بشكل غير صريح، والشعور بالنور لا يتأتّى للمرء إلا بعد انزياح الظلام :
يا رفرفات النورْ
وأغنيات النورْ
في معزف الأزمانْ
لقاؤك الإصباحْ
وفرحة الأفراحْ
والورد والريحانْ
ويشتـدّ التضاد الثنائي بين الظلام والنور، ويبرز على السطح أكثر من ذي قبل، في مواقفه تجاه قضايا الأمة العربية، لا سيما في القضية الأم وهي القضية الفلسطينية، ففي قصيدة "حيـّا ستبقى" "إلى شهيد" تكثيف مركّز لثنائية الظلام والنور، المعادلتين للاحتلال والانتفاضة. إن لفظة "الشهيد" تحمل في دلالتها معنيين متضادين من الناحية الشكلية، هما الموت والحياة، فالموت ظلامٌ يشكـّل غيابا، لكنه في الوقت نفسه، نورٌ يشكـّل حضورا لا يمكن الوصول إليه إلا من خلال الأول ـ أي الغياب ـ، وما أكثر من يرغب في الغياب لحضور الآخر، وهو ببساطة الرغبة في التضحية من أجل الوطن:
تجلـّيتَ وهْجا يشقّ الظلاما
وبردا ليـُطفي اللـّظى والأواما
لأنـك عشقُ النجوم تسامى
تــُزاحم فيه الكرامُ الكراما
وأيُّ وطنٍ هذا الذي ظل عقودا من الزمن يجترّ جراح الشعر، سوى فلسطين؟ وأيُّ وطن هذا الذي يبحث عن الخلاص وعن مواكب النور سوى القدس؟ :
تـلفـّـتـت ِ القدسُ دمعـا من النار
يشوي الزمان، ويخبـو رَغاما
تفتــّش عن موكبِ الفجرِ كيما
يـُنفــّض عن منكـبـيها الرّكاما
إن الشاعر يكيل بالتهـم على الأمة ويصفها بالخنوع والاستسلام؛ لأنها لا ترغب في النور، بل إنها تتقي النور المعادل للخلاص :
لكِ الله يا أمـة ًً تـتـقي
الصحو مسرى، وتحترب الالتحاما
تـمجـّد في جالـديـها سياطـا
وتحمد في طاعنيها سهـامـا
وإذا بالصبح الذي حلم به الشاعر يصبح ظلاما داكنا :
حـلمنـا بصبح جـديـد ِ الشمـوس ِ
فلما أفـقـنا وجـدنا القـتامـا
ولكن الشهيد دائما ما يبعث الصباح، ويشق ظلام الليل بشهادته؛ كي يصنع من الموت حياة ومن الغياب حضورا، فـيتوجه الصقلاوي بخطابه إلى الشهيد' رمز النور والخلاص :
وأدركـت َ أن الممات َ حياة ٌ
تــُطرّزها مكرمات النشامى
ويرصد الشاعر في قصيدة "ألأنـك حـرٌّ تـُعدم" خنوع الأمة واستسلامها، من خلال خلطها بالمفهومات الإنسانية (مفهوم الظلام والنور)، يقول:
مـَن ْ أفتى أن النور ظلامٌ
أو أن الصحوَ ضبابٌ
أو أن الليلَ نهار
على أن الشهيد يحطم تلك المفاهيم الباطلة حين تـُطبق على الأمة قسرا، ليأتي الموت، المعادل النوراني، ثمنا إيجابيا للحرية، يقول في القصيدة نفسها:
حجبوا اللمعان عن النجمات، فنوّرتـا
ولأنك حرٌّ.. قد دفنوا أصوات ضمائرهم
حـقا عرفوك، وما اعترفوا إلا بخناجرهم
غـطـّوا بالظلمة كلّ بصائرهم
حكموا: لا بـدّ ستــُعدم
فسمـَوْت َ سنىً
ونقشت َ بوهجـك: أن العزم حيـاة ٌ، ...
وفي قصيدة "باسل" نلحظ الاشتعال في بدايتها، وهي القصيدة الثالثة في الانتفاضة، يقول:
سـيلي على وهج التأجج، أشعلي
صـمت َ الزمان الأخرس المتعـطـّل ِ
ولعل هذه القصيدة من بين القصائد التي فجـّر الصقلاوي أبياتها جميعا ثورة، ونورا يمزّق ظلام الليالي، يقول مخاطبا أم الشهيد "باسل" :
لا تفجعي، أو تصرخي، وتولولي
دم ُ "باسلٍ" فجر ُ الكرامة ِ ينجلي
وسـنـًا يـُمزّق كدسَ ليلٍ معْول ِ
وحياة ُ شعب ٍ في الهوان ِ مُـكبّـل ِ
............................
تاريخ أمتـه الذي لـم يـُقـتلِ
أزلٌ تسمـّر في صخور الكرملِ
وضحىً ، يـُرفرف في عيون "المجدلِ"
رغـم العواصف والظلام المـُسـْدل ِ
وفي قصيدة "صرخة طفل" يجعل الشاعر من الإحساس بالجوع مشعل ثورة، وكثيرا ما يصادفنا في قضية الشهيد عنصر النور وهو يحمل شعاع الثورة والخلاص من الاحتلال، يقول :
أنا طفل فلسطيني
أنا اليـُتـم الذي استفـحلْ
أنا الجوع الذي يـُشعلْ
أنا النورُ الذي يـُسملْ
إن تكرار الضمير "أنـا" الطفولي في المقاطع السابقة، توكيد على المعاناة المتأصلة في الذات الشاعرة التي لا تبحث عن الخلاص على المستوى الفردي، بقدر ما تبحث عنه على المستوى الجماعي. إن البحث عن النور يتكشف لنا أيضا من خلال المعاناة، معاناة الأم المفجوعة في القصيدة نفسها، يقول :
ووالدتي يـُمزّق صوتــُها المكدودُ قـيْدَ الرّعبِ
والقضبانَ، والأسلاكَ، والحـُجـُبا
يـمـدّ الجـسرَ والسـّببـا
يــُعـرّي اللـيل والكـذبـا
ويبقـى التـساؤل أخيرا، عـلــّـه يحمل أمـلا في الأمة، يقول :
وهـل جـفني يـفـك إسـارَه أنـوارُ مسـتقـبلْ؟
وليس المقطع السابق هو وحده الذي يحمل هذا التساؤل عن موعدٍ للنور والخلاص، بل نلحظ أن قصيدة "تـوجـّس" كـلها تحمل هذا الهاجس الذي يـقضّ هجعة الذات الشاعرة، ليأتي التأكيد على سيطرة هذه الثنائية في معظم أعمال الصقلاوي إذا لم يكن في جميعها، يقول :
متى الظلماءُ في الأحداق ِ
يهـزم جيشـَها القمرُ
فـتـنـندحرُ
متى الأشواكُ في الطرقات تنتحرُ
وترقص حولها النسماتُ ،
والأشـذاءُ ، والأضواءُ
والأظلالُ ، والوترُ
متى تتلألأ النجـمات ُ
في الأفق الذي قد شابـه الكـدرُ
وتـنـْتـثـرُ
ويشرق في خلايا الوالـهِ الحـَبـَرُ
فـيـنـْبـهـرُ
ومن شـطٍ بـظـلّ الأمـسِ ودّعـنـي ،
إلى شـط ٍّ بـصبـح الغيب يـنـتظـرُ
ولعلّ قناعة الشاعر بالحرية والخلاص لا تـتـأتــّى إلا من خلال الشهيد، فيصور جباه الشهداء بالمنائر التي تـبدّد ظلام الخنوع والاحتلال وتشعل نورالحرية والاستقلال، يقول في قصيدة "انتفاضة الصمت" :
جـباههم منائرُ الإبـاءْ
لأنـهم
يـُسطـّرون بالحجارة
وبالـهراوة
وبالـزّجاجة
مـلاحم الشهادة
ويـُشعلون في الـذّرى صـُبح الـكـرامة

د. حمود الدغيشي*
* أكاديمي عماني


أعلى



كونشيرتو بحر العرب

بَحْرُ العَرَبْ
بحرٌ
وآلهةٌ
ومعجزةٌ
وَرَبْ

بحرُ العرب
وَجَعُ الربابنة القُدامى في دمي
وطريقُ من عَبَروا المُحيطَ
إلى نهايات التَّعَب

بحر العرب
أَبَدٌ من الأمواج يَحْمِلُ
حتفَنا لليابسة،
أو رِزْقَنا،
أو شِعْرَنا المجهولَ نكتبُهُ مُعَوِّذَةً
لِتَدخلَ في سُباتِ البحر
آلهةُ الغَضَب
بَحْرُ العَرَب
من أي موسيقى سأبدأُ فيكَ
أغنيةَ العَتَب؟
أولم تكن أنتَ البدايةَ؟
كيفَ أصبحتَ النهايةَ فجأةً؟
ورفضتَ في لغةِ العواصف
كُلَّ شكلٍ يَدَّعيكَ
على الخرائط والكُتُب؟!

بحرُ العرب
يا أيها المسجونُ في شكل الإناء
هل القيامةُ قادمة؟
وهل الطبيعةُ ناقمة؟
في فعلها فينا وفي عُشَّاقها

ظَهَرَ الفسادُ/
وأنتَ مَنْ حَمَلَ العبادَ
إلى البلادِ النائمة/

مِنْ رُبع قرنٍ لم أُجدِّفْ فيك
كي تصطادني
واصطدتُ فيكَ قصيدةً،
هي ما تراءى من أشعَّةِ شمسنا خَلْفَ السُحُب

بَحْرُ العَرَب
في الأفقِ رسَّامٌ يَخُطُّ
مصائرَ الأحلام
باللّون المُفضَّل دائماً
(الأزرقِ الأبدي)
لونٌ له كُلُّ المصائر طائعةْ:
الحُبُّ/
والحربُ/
الحياةُ/
الموتُ/
والحُلْمُ الأخيرُ إلى مَقامٍ في التُّرَب

بحرُ العرب
بحرُ القبائلِ كُلِّها
من أوَّلِ الموجِ المُهاجرِ
في الزمان وفي المكان
إلى ظلالٍ قد يُسَمَّونَ العَرَب!

بَحْرُ العرب
كم قَسَّمَ التاريخُ فينا
حِصَّةَ الأشياء
ناقصةً وزائدةً وكاملةَ العَطَب/

لكَ أنتَ ما للبحرِ من أهوالهِ،
ولنا عبورٌ لانهائيٌ إلى المجهول/
نايُ الموج يُغرينا
ويُغرينا الأُفق..
أبداً نراه
ولا نرى المجهولَ فيه
كأننا لم نرتحلْ
إلّا لنبحثَ في غموض يديه
عن أصل النَّسَب

بَحْرُ العَرَب
حَرَثَتْ خيولُ الشِّعر حقلَ سمائِكَ الفضيَّ
فانبثقَ الأَدَب/
لغةً تُحيلُ اللازوردَ قصيدةً
وحكايةً
وبهاءَ أُغنيةٍ على شَفَةِ الطَّرَب

بحر العرب
من فيض فيضكَ أيُّها المُبْتَلُّ بالكلمات
أسرجتُ الكلامَ وقُدْتُهُ
صوبَ الجهات البِكْرِ
حيثُ وجدْتُني بالقرب منكَ
وقربِ آلهتي القديمة/
أَشتقُّ من حُلُمي حروفَ الأبجدية،

أرسمُ المدنَ/القصائدَ
في كتاب الأرض/
أبتكرُ الإلـ?هةَ في الزبـد/

وأعودُ من كُلِّ البحار
إليك يا بحـرَ العـرب


لوح تشكيلية للفنانة مريم الزدجالي

محمد السناني*
* شاعر عماني

أعلى




جولة في محل تأجير أفلام فيديو
نصائح للعثور على فيلمك المفضل بأسرع الطرق

بيع وتأجير أفلام الفيديو صناعة جديدة ظهرت منذ نحو 30 عاما فقط، وذلك بعد ظهور شرائط الـ VHS التي تم اختراعها عام 1976 في اليابان، وكان أول فيلم يتم إنتاجه على شريط VHS فيلم "المعلِّم الصغير"، وهو من إنتاج كوريا الجنوبية.
حققت شرائط الـ VHS إقبالا شعبيا كبيرا حول العالم لأنها مكنت الناس ـ ولأول مرة ـ من اقتناء الأفلام التي يرغبون فيها، أو على الأقل استئجارها وإعادة مشاهدتها وقت ما يحلو لهم ولأكبر عدد من المرات يرغبون في مشاهدتها، وذلك بأسعار في متناول الجميع.
وقبل 13 عاما جاءت اسطوانات ال"دي في دي" الرقمية DVD (تم اختراع ال"دي في دي" عام 1995م) لتزاحم شرائط الـ VHS، بحيث أصبح ال" دي في دي" هو الوسيط التقني المفضل للجميع، وتراجع شريط الـ VHS بما يوحي أنه قد ينقرض حول العالم خلال أقل من خمس سنوات.
تتنوع محلات بيع وتأجير أفلام الفيديو من حيث كون بعضها يؤجر الأفلام فقط، وبعضها الآخر يؤجر ويبيع. كما تتنوع في محتوياتها. فهناك محلات مختصة بأحدث الأفلام فقط، ومحلات أخرى لديها وفرة جيدة من القديم إلى جوار الحديث. كما توجد محلات تطغى عليها أفلام هوليوود، ومحلات فيها باقة مختارة من نتاجات السينما حول العالم.
كذلك توجد محلات متخصصة بألوان سينمائية محددة وإن كان عددها محدودا حول العالم. فهناك محلات فقط لأفلام الرعب وما شابهها من ألوان السينما كالغموض والخيال العلمي وبقية فئات أفلام "الكلْط"، ومحلات أخرى مختصة بأفلام الأبيض والأسود فقط القديمة منها والجديدة.
***
أشهر محلات بيع وتأجير أفلام الفيديو حول العالم هي سلسلة محلات "بلوك بَسْتَرز" Block Busters الأميركية والتي اكتسحت كل أوروبا وكندا واليابان وأستراليا ودول أخرى حول العالم، وهي المفضلة لملايين من الناس. تتصف محلات "بلوك بَسْتَرز" بحسن تنظيمها ووفرة معروضاتها واحتوائها على عدد مقبول من الأفلام الأوروبية الرائجة إلى جوار وفرة صاخبة من آخر نتاجات هوليوود، وقد استشرت هذه المحلات بنفس أسلوب استشراء مطاعم الوجبات الأمريكية السريعة، وهي تشبهها في مسألة سرعة توفير الوجبة السينمائية السريعة للمشاهد المستعجل.
على أية حال فإن محلات بيع وتأجير أفلام الفيديو الكبرى حول العالم تتشابه كثيرا في عدة جوانب مع اختلافات طفيفة في المحتوى المعروض للبيع أو الإيجار. أبرز أوجه التشابه بين هذه المحلات هو أسلوب عرضها للأفلام. إذ يتم تصنيف الأفلام وفقا للنوع السينمائي Film Genre . والمقصود باللون السينمائي هو نوع المناخ العام للفيلم من حيث كونه فيلم رعب أو أكشن أو دراما أو حربي أو تاريخي أو فيلمَ كَـلْط أو ما إلى ذلك. ويصنَّف اللون السينمائي أيضا وفقا للجمهور الذي يخاطبه الفيلم. فهناك فيلم الأطفال وفيلم البالغين والفيلم العائلي الذي يصلح محتواه ليشاهده معا كافة أفراد العائلة كبارا وصغارا. وهناك الأفلام الأجنبية وذلك كتصنيف مختلف عن الأفلام الأميركية المكتسحة لمعظم أسواق العالم. لكن هذا التصنيف متغير من بلد إلى آخر. ففي حين تعد الأفلام الألمانية أجنبية في فرنسا أو روسيا مثلا، فإنها تعتبر أفلاما محلية في بلادها، والعكس أيضا صحيح. وفي بلادنا العربية يوجد إلى جوار هذه التصنيفات ركن خاص للأفلام العربية مجمّعة معا مهما اختلف لونها السينمائي، أي سواء أكانت أفلام كوميديا أم دراما أم تاريخية فإنها توضع إلى جوار بعضها كتصنيف جديد قائم على مسألة اللغة والانتماء الجغرافي. بطبيعة الحال لن يجد المرء ركنا خاصا للأفلام العربية خارج الوطن العربي، لكن يمكن العثور على بعض الأفلام العربية في ركن الأفلام الأجنبية بمحلات الفيديو الكبرى في الدول الغربية، وستكون هذه الأفلام العربية القليلة المتاحة موضوعة إلى جوار الأفلام الأجنبية الأخرى الناطقة بلغة غير لغة البلد التي يقع فيها محل الفيديو ذاك. أما في بلدان الخليج العربي فهناك ركن آخر مستقل خاص بالأفلام الهندية، وهو ركن يشهد عادة إقبالا جيدا من مواطني هذه الدول وكذلك من العمالة الآسيوية التي تعيش في هذه البلدان.
***
إلى جوار اعتماد محلات بيع وتأجير أفلام الفيديو المعاصرة الكبرى على تصنيف أفلامها وفقا للون السينمائي، يوجد في هذه المحلات ثلاثة أقسام أخرى تجدر الإشارة إليها. أول هذه الأركان هو ركنُ "جديدُ الأفلام". هذا الركن يحوي أحدث الأفلام التي نزلت في السوق، ويكون في مكان لافت للنظر للزائر عند دخوله المحل، لأن الناس تبحث غالبا عن الجديد. وتعتبر أسعار استئجار الأفلام الجديدة أغلى بكثير من أسعار استئجار الأفلام القديمة. ويتم تأجيرها أحيانا لليلة واحدة فقط وأحيانا لثلاث ليالٍ، أما الافلام القديمة فيتم تأجيرها لأسبوع كامل غالبا إلا إذا كان المحل يملك نسخا محدودة نادرة منها وعليها إقبال شديد، فبعض الأفلام القديمة تظل مرغوبة أبدا.
الركن الثاني هو ركن الأفلام المعروضة للبيع، فهذا الركن خاص بالأفلام المخصصة للبيع وليس للإيجار، وغالبا ما تكون أفلاما حديثة يتلهف الناس لنيل قصب سبق اقتنائها قبل غيرهم. كما يبيع هذا القسم أفلاما قديمة أحيانا في موسم التنزيلات بهدف تصفية المخزون غالبا. أما الركن الثالث فهو ركن المسلسلات التليفزيونية، حيث يجد الجمهور مسلسلاتهم المفضلة مجمّعة في عدد محدود من أسطوانات ال"دي في دي" ليلتذذوا بإعادة مشاهدتها مجددا.
إذا كان تصنيف الأفلام وترتيبها في محلات بيع وتأجير أفلام الفيديو وفقا للنوع السينمائي كالكوميديا والأكشن والرعب وغيره هو أكثر أشكال تصنيف الأفلام شيوعا حول العالم، فإنه ليس الشكل الوحيد. إذ توجد محلات تصنف أفلامها وفقا للحقبة التاريخية. فهناك ركن لأفلام الخمسينيات من القرن العشرين، وركن آخر لأفلام الستينيات، وركن لأفلام السبعينيات، وهكذا. وهناك محلات أخرى تصنِف أفلامَها وفقا للمخرج السينمائي أو الممثل الرئيسي، وهذه المحلات هي المحلات التي يديرها المهووسون بالسينما وعشاقها المجانين وليس رجال أعمال أو مستثمرين اعتياديين، وبطبيعة الحال فإن عدد هذه المحلات محدود جدا، لكنها أفضل الأماكن للحصول على الأفلام النادرة. في هذا النوع من المحلات ستجد أفلام تشارلي شابلن في ركن خاص، وأفلام ستانلي كوبريك في ركن آخر، وفي ركن ثالث ستجد أفلام جون وين أسطورة أفلام الغرب الأميركي. وعادة ما يتم ترتيب أسماء الشخصيات وفقا للحروف الأبجدية للمخرجين أو الممثلين.
***
والآن، كيف يمكن لك أن تحصل على الفيلم الذي تريده بأفضل الطرق، وكيف تعرف أي لون سينمائي هو الأقرب إلى ذائقتك ومزاجك؟
أسرع الطرق للحصول على الفيلم المنشود هي بطبيعة الحال سؤال البائع الذي سينقر على جهاز الحاسب الآلي أمامه ويوافيك بالإجابة فيما إذا كان الفيلم متاحا في السوق أم لا، مستأجَرا أم متوافرا داخل المحل. أما إذا لم تكن متأكدا ماذا تريد بالضبط فحدد هدفك من غاية مشاهدة فيلمٍ سينمائي ما وفقا لمزاجك. فإذا كنت من هواة أفلام الرعب وتشعر أن مزاجك هذا المساء جيد لبعض الفزع فتوجه إليها، وإذا أردت التغيير فاطرق باب لون سينمائي غير مألوف لديك مثل الأفلام التاريخية أو أفلام الأبيض والأسود، فلعل ضربة حظ عشوائية توقعك على كنز سينمائي كنت غافلا عنه.
حاول أن تكون متجددا، لذا لا تركز في كل مرة على نفس الركن في المحل، وحتى لو وجدت نفسك في ذات الركن، فلا تبحث في ذات الرف المواجه لك مباشرة. لا تستحي أن تقعي على الأرضية لتقرأ عناوين الأفلام الموجودة بالرفين السفليين، فإن فيهما حتما ما لم يسبق لك مشاهدته.
بإمكانك أيضا أن تطلب من البائع أن يحجز لك فيلما غير متوافر حاليا، وهناك محلات فيديو ستتصل بك حين يتوافر لديها الفيلم الذي تبحث عنه. أما ما يخطئ فيه الكثيرون فهو كيفية البحث عن أفلام الأطفال غير الكرتونية. إذ معلوم أن أفلام الأطفال تجئ غالبا على نوعين: أفلام التحريك المختلفة أو الأنيميشن، ومنها أفلام الكرتون وغيرها، أي الأفلام ذات ممثلين غير بشر. وكذلك هناك الأفلام ذات الممثلين البشر والحيوانات الناطقة أو بالأحرى المنطّقة رقميا. قد تكون أفلام الأنيميشن مناسبة لطفلك الصغير، لكن عليك أن تقرأ غلافها لتعرف إلى أية سن هي موجهة. فليس كل فيلم كرتون موجه للأطفال، هذا فضلا عن أن الطفولة ذاتها لها درجات كالطفولة الباكرة والمتوسطة والمتأخرة. أما الأفلام الموجهة للأطفال والكبار معا، أي عموم أفراد العائلة، فلا توضع في نفس زاوية أفلام الأنيميشن حيث يبحثُ عنها خطأ بعض الآباء، لكنها توجد في ركن يدعى أفلام العائلة. إياك أن تتصور خطأ أن مصطلح أفلام العائلة يعني أفلاما موجهة للكبار مختصة بالقضايا والمشاكل العائلية، ليس الأمر كذلك. فهي أفلام ذات قصص درامية فيها مغازي أخلاقية وتربوية تصلح مشاهدتها لكافة أفراد العائلة، ويجد كل منهم شيئا يخصه فيها. وهكذا فإن في السينما نصيب لكل فرد.

عبدالله خميس*
* كاتب عماني

أعلى




في الخط العربي

الخط العربي على مر العصور الإسلامية يعتبر أول الفنون لالتصاقه الوثيق بالثقافة
الخط لا يشكل أداة تجسيد اللغة الحاملة للخصائص الحضارية للأمة فقط، بل يحمل هذا الخطُّ أقدس رسالة خُصِّ بها العرب


اهتم المؤرخون بحياة الخطاطين أكثر من غيرهم، وكان الملوك يقرّبونهم ولا يستغنون عنهم


الكتابة ركن أساسي في البناء اللغوي، كما إنها نشاط قائم على المهارة الحركية، لا تتأتى إلا بالممارسة والتدرج والتحلي بالصبر، والأناة، والمثابرة القويمة. وتنطوي تحت الكتابة في اللغة مهارات ثلاث: التعبير، والإملاء، ثم الخط الذي ترتبط مهارته بالمهارات اللغوية الأخرى أيما ارتباط، إذا هو ركيزة متممة لعملية القراءة، ولمهارة الإملاء وضبط الحروف وتشكيلها، إضافة إلى أنه أداة التعبير الكتابية، والتواصل البشري.
قال ابن خلدون في مقدمته عن الخط: ( إنه صناعة شريفة يتميز بها الإنسان عن غيره، وبها تتأدى الأغراض؛ لأنها المرتبة الثانية من الدلالة اللغوية). وقد عـرَّفه بقوله: هو رسوم وأشكال حرفية تدل على الكلمات المسموعة الدالة على ما في النفس الإنسانية من معانٍ ومشاعر.
وليس هناك تشريفٌ أرفع لعلم الخطِّ من إضافة الله سبحانه تعليم الخطِّ لنفسه وامتنانه بذلك على عباده. قال صاحب كتاب ( زاد المسافر ): الخط لليد لسان، وللخَلَد ترجمان، فرداءته زمانة الأدب، وجودته تبلغ شرائف الرتب، وفيه المرافق العظام التي منّ الله بها على عباده، فقال جل ثناؤه:( وربك الأكرم، الذي علَّم بالقلم، علَّم الإنسان ما لم يعلم ).
والخطُّ العربي لا يشكل فقط أداة تجسيد اللغة الحاملة للخصائص الحضارية والتاريخية والثقافية للأمة العربية بل يحمل هذا الخطُّ أقدس رسالة خُصِّ بها العرب إلى جميع بني البشر في كل زمان ومكان، وهي القرآن الكريم وبهذا المعنى أضحى الخطُّ العربي يتمتع بميزة مقدَّسة لم تتوفر لغيره من الخطوط لكل اللغات المتعارف عليها في العالم اليوم على تفرده بجملة من الخصائص ليكون وعاء العربية الحاضن إيقاع آيات الوحي المتردد معه صدى إيقاع الكلمات المكتوبة ليحتل الخطُّ العربي في جوٍّ من الصمت مكانة الكلام الشافي ويصل بالنص النهائي إلى ذروة الكمال والجمال الفني للمعاني والصور القرآنية. ويزيد من جمال هذا الفن الرائع شكل الخط العربي القابل أكثر من أي خطٍّ آخر لجمال الحرف وأناقته. ولهذا الغرض اجتهد العرب وجهدوا ليمنحوا الحروف العربية المكانة الأعلى والمنزلة الأرفع التي منحها القرآن الكريم للغتهم السامية.
وقد بزغت على مر العصور الإسلامية كوكبة من الخطاطين، وأصحاب الأقلام المبدعة الرفيعة الذين أبحروا بهذا الفن العريق، وضحوا في سبيله الغالي والنفيس، فقعدوا له القواعد وطوروها ، وهذبوا له أدواته وحلوها وسطروا صحائف وحلى غاية في الإبداع والتفنن، ونقوش وزخارف آية في الهندسة والتحضر، ومن الأوائل أشهرهم ابن مقلة ( ت 328 هـ ) الخطاط الوزير، وأخوه أبي عبدالله الحسن فهما اللذان تمَّت على أيديهما هندسة خطِّ النسخ والجليل وفروعه على الأشكال التي نعرفها الآن، وهما اللذان قدَّرا مقاييس الحروف وأبعادها وضبطاها ضبطاً جيداً وأنشآ لعلم الخطِّ القواعد المعروفة. ولقد وصلت أنواع الخطِّ في عصره إلى عشرين نوعاً اختصرها إلى ستة أنواعٍ رئيسيةٍ .. ولقد كتب ابن مقلة المصحف مرتين وله رسالتان في الخطِّ الأولى هي ( ميزان الخطِّ ) وهي موجودةٌ في مكتبة العطارين في تونس والأخرى ( رسالة في علم الخطِّ والقلم ) وهي موجودةٌ في دار الكتب المصرية. ثُمَّ ظهر صاحب الخطِّ الجميل علي بن هلال المعروف بابن البواب ( ت 413 هـ )، ولم يُوجد في المتقدمين من كتبٍ مثلَه ولا قاربَه فهو هذب طريقة ابن مقلة وكساها حلاوة وبهجة وكتب 64 مصحفا. ثم ظهر ياقوت الحموي ( ت 626هـ )، وظهر بعده ياقوت المستعصي ( ت 698 هـ ) وهو الذي سار ذكره في الآفاق وعجز الكتّاب والخطاطون عن مداناة رتبته. والخطاط البوصيري ( ت 695 هـ ) صاحب البردة، وقد تعلم على يده أكثر من ألف طالب.
ومن أشهر الخطاطين المتأخرين: الشيخ حمد الله الأماسي، وجلال الدين، ودرويش علي، والحافظ عثمان، وعبد الله زهدي، وهو الذي خطَّ بالقلم الجليل جدران المسجد النبوي الشريف، ومحمد مؤنس أفندي، وعلى يديه وعلى يدي تلميذه محمد جعفر بك تخرَّج جميع خطاطي مصر فيما بعد.
ومن أشهر الخطاطين في الحقبة الأخيرة: الشيخ عبد العزيز الرفاعي وسامي أفندي، وأحمد كامل، وهاشم محمد البغدادي، وحامد الآمدي، ومحمد عارف، وبدوي الديراني، وحسنى البابا.
وكذلك هناك خطاطون معاصرون: الخطاط محمد أوزجاي ( تركي، ولد 1961م ) كتب ما يقارب الخمسين حلية نبوية شريفة حازت على إعجاب محبي الخطِّ العربي أينما جال بها. و الخطاط إسماعيل حقي ( استنبول، ولد 1289 هـ )، الخطاط جلال أمين صالح ( الأردن، ولد 1946 م )، الخطاط محمد عبد القادر ( مصر، 1917 م )، وخطاطون أخرون على الصعيد العربي والنطاق الإسلامي.
المصحف الشريف له مكانة مقدسـة في نفوس المسلمين لما يتضمنه من كلام الله تعالى.. لهذا فقد لقي رعاية بالغة منهم عبر التاريخ من ناحية الشكل والخط والتزيين، فضلاً عن المواد المستخدمة في ذلك من صحف وعسب وورق ولخاف (بعض أنواع الحجارة ) وغير ذلك من مواد الكتابة وفنـون التجليد.
ورحلة الخط العربي في أرقى مستوياتها عكسها وأشعها المصحف الشريف عبر العصور من خلال تنافس وتباري الخطاطين في كتابته ونسخه وإجادة خطه وهي تخلد ذكراهم وتقربهـم إلى الله تعالى ، ولله در القائل :

وما من كاتب إلا سيفنى
ويبقى الدهر ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء
يسرك في القيامة أن تراه

وأقلام الخط العربي الرئيسية في هذه العصر ستة : النسخ، والثلث، والرقعة، والديواني، والكوفي، والفارسي، ومن هذه الخطوط الستة، خطوط فرعية مرتبطة وتـأخذ من بصمات الخطوط الرئيسية مثل خط الإجازة ( التوقيع ) فهو مزيج بين خطي النسخ والثلث، وخط الطغراء وقد نشأ من تزاوج الديواني والإجازة ، وخط الديواني الجلي، وخط التاج الذي يمتاز بإشارة مثل اللام ألف المقلوبة توضع فوق رؤوس الحروف. وكذلك توالدت حديثا خطوط مستجدة تواكب العصر: الرقعي المصري، وهو خط يرتكز على قواعد خط الرقعة مع بعض التجاوزات، وخط النسخ المصري ( خط الحاسوب )، والخط الحر، وهذا الأخير لا يلتزم فيه بأية قاعدة معينة، هو يعتمد على الذوق الجمالي الفني والنتسيق، ويجيده الموهوبون، ولا يستخدم إلا في الإعلانات.
وهكذا فإن الخط العربي على مر العصور الإسلامية يعتبر أول الفنون في المجتمع الإسلامي لالتصاقه الوثيق بالثقافة ( الدين واللغة ) ولسمو معانيه ودقة مراميه. وكانت رتبة الرسام والمهندس دونه بكثير، وكان الخطاط يكتب أولا ويملأ المساحة التي تناسب الكتابة لأنها هي المقصود الأول، ثم يأتي المزخرف فيرسم حول الكتابة الزخارف والتشكيلات المناسبة . ومن الأدلة على أنّ الخطاط كان أعلى الفنانين مرتبة في المجتمع الإسلامي؛ أنه هو الفنان الوحيد الذي يوقّع على عمله وكان غيره نادراً ما يوقع، وأنّ المؤرخين اهتموا بحياة الخطاطين أكثر من غيرهم، بل إنّ الملوك كانوا يقرّبون الخطاطين ولا يستغنون عنهم ساعة واحدة.
وهذا الفن لم يتقوقع في أيدي العرب والمسلمنن وإنما رحل بعيدا بسحره ليلامسه الشغف الغربي وانبهارهم بهذا الفن، وإذا أردنا أن نعرف حقيقة الخط العربي وعظمته في أعين الغربيين فلنستمع إلي بيكاسو زعيم الرسم الحديث إذ يقول: "إن أقصى ما وصلتُ إليه في فن الرسم وجدتُ الخط العربي قد سبقني إليه منذ أمد بعيد "، وكان حريا كذلك من فرنسا أن تطلب من الحكومة السورية إقامة معرض للخط العربي في صالة العرض الكبرى في باريس عام 1976. وقد رأى الجميع كيف كان إعجاب ودهشة الزوار باللوحات المعروضة وكيف ينظرون إليها بعيون مسحورة لجمال تلك اللوحات، وقد طلبتْ أربع دول أوروبية إقامة ذلك المعرض في بلادها. ذلك أنهم وجدوا في الخط العربي ما توصلوا إليه أخيراً من أنّ الفن كل الفن يكمن في الفن التشكيلي التجريدي وأنّ الفن التطبيقي الواقعي مبتذل، وما يرسمه الفنان منه في سنة تصوِّره المصوِّرة في لحظة.
ومع هذه الومضة السريعة التي بسطنها على الخط العربي إجمالا ستكون لنا بإذن لله محطات قادمة نسلط الضوء فيها على الفنانين الغرب وأقوالهم في الخط العربي، ومحطة في الإبداعية الخطية، وغيرها من المقالات في هذا الصدد. ودمتم بنفحات العربية تتنفسون .


إبراهيم بن سعيد الحسني

مخطوط القرآن الكريم لابن البواب
مخطوط نادر للقرآن الكريم بخط جعفري
مخطوط ينسب لابن مقلة


أعلى




تـــراث

لا أقوله في شر
قال الأصمعي: كان نصيبٌ يكنى أبا الحجناء، فهجاه شاعرٌ من أهل الحجاز فقال:

رأيت أبا الحجناء في الناس حائراً
ولون أبي الحجناء لون البهـائم
تراه على ما لاحه مـن سـواده
وإن كان مظلوماً له وجه ظالـم
فقيل لنصيب: ألا تجيبه! فقال: لا، ولو كانت هاجياً لأحدٍ لأجبته ولكن الله أوصلني بهذا الشعر إلى خيرٍ، فجعلت على نفسي ألا أقوله في شر، وما وصفني إلا بالسواد وقد صدق. أفلا أنشدكم ما وصفت به نفسي? قالوا بلى. فأنشدهم قوله:
ليس السواد بناقصـي مـادام لـي
هذا اللسـان إلـى فـؤادٍ ثـابـت
من كان ترفعه منـابـت أصـلـه
فبيوت أشعاري جعلن منـابـتـي
كم بين أسـود نـاطـقٍ بـبـيانـه
ماضي الجنان وبين أبيض صامت
إني ليحسدنـي الـرفـيع بـنـاؤه
من فضل ذاك وليس بي من شامت


ــــــــــــــــــــ

مكيدة

ذكر محمد بن عبد الملك الهمداني في تاريخه أنه بلغ إلى عضد الدولة خبر قوم من الأكراد يقطعون الطريق ويقيمون في جبال شاقة فلا يقدر عليهم، فاستدعى أحد التجار ودفع إليه بغلاً عليه صندوقان فيهما حلوى قد شيبت بالسم وأكثر طيبها وترك في الظروف الفاخرة وأعطاه دنانير وأمره أن يسير مع القافلة ويظهر أن هذه هدية لإحدى نساء أمراء الأطراف. ففعل التاجر ذلك وسار أمام القافلة، فنزل القوم وأخذوا الأمتعة والأموال وانفرد أحدهم بالبغل وصعد به مع جماعتهم إلى الجبل وبقي المسافرون عراة لما فتح الصندوقين وجد الحلوى يضوع طيبها ويدهش منظرها ويعجب ريحها، وعلم أنه لا يمكنه الاستبداد بها، فدعا أصحابه فرأوا ما لم يروه أبداً قبل ذلك فأمعنوا في الأكل عقيب مجاعة فانقلبوا فهلكوا عن آخرهم فبادر التجار إلى أخذ أموالهم وأمتعتهم وسلاحهم واستردوا المأخوذ عن آخره، فلم أسمع بأعجب من هذه المكيدة، محت أثر العاتين شوكة المفسدين.


ــــــــــــــــــــ


أذني لبعض الحي عاشقة

قال ابن المعتز:كان بشار يعد في الخطباء والبلغاء. ولا أعرف أحداً من أهل العلم والفهم دفع فضله ولا رغب عن شعره. وكان شعره أنقى من الراحة، وأصفى من الزجاجة وأسلس على اللسان من الماء العذب. ومما يستحسن من شعره- وإن كان كله حسناً- قوله:
أمن تجنّي حبيب راح غضبانا
أصبحت في سكرات الموت سكرانا
لا تعرف النوم، من شوق إلى شجن
كأنما لا ترى للناس أشجانا
أود من لم ينلني من مودته
إلا سلاماً يردّ القلب حيرانا
يا قوم أذني لبعض الحيّ عاشقة
والأذن تعشق قبل العين أحيانا
وهذا معنى بديع لم يسبقه إليه أحد.


ــــــــــــــــــــ

اعتذار

الحسن بن وهب
ما أحسن العفو من القـادر
لا سيّما عن غير ذي ناصر
إن كان لي ذنبٌ ولا ذنب لي
فما له غيرك من غـافـر
أعوذ بالودّ الـذي بـينـنـا
أن يفسـد الأول بـالآخـر

ــــــــــــــــــــ


كم أملت

عن أبي الحسن علي بن منصور الحلبي قال: كنت أحضر مجلس سيف الدولة فحضرته وقد انصرف من غزو عدو له ظفر به، فدخل الشعراء ليهنئوه فدخل رجل وأنشد: الطويل: وكانوا كفأرٍ وسوسوا خلف حائطٍ وكنت كسنورٍ عليهم تسـلـقـا
فأمر سيف الدولة بإخراجه، فقام على الباب يبكي، فأخبر سيف الدولة ببكائه فأمر برده فقال: ما لك تبكي? فقال: قصدت مولانا بكل ما أقدر عليه فلما خاب أملي وقابلني بالهوان ذلت نفسي فبكيت، فقال له سيف الدولة: ويلك من يكون له مثل هذا النثر يكون له ذلك النظم! فكم أملت? قال: خمس مائة درهم فأمر له بألف درهم.

ــــــــــــــــــــ

لما كبرت

ابن حمديس الصقلي
لما كبرت أتـتـنـي كـل داهـيةٍ
وكل ما كان منـي زائد نـقـصـا
أصافح الأرض إن رمت الجلوس بها
وإن مشيت ففي كفي اليمين عصـا

ــــــــــــــــــــ


من هذه؟

دخل عمرو بن العاص على معاوية وعنده ابنته عائشة، فقال: من هذه يا أمير المؤمنين? فقال: هذه تفّاحة القلب. فقال: انبذها عنك. قال: ولم? قال: لأنهن يلدن الأعداء ويقرّبن البعداء، ويورثن الضغائن. فقال: لا تقل ذاك يا عمرو، فو اللّه ما مرّض المرضى ولا ندب الموتى ولا أعان على الأحزان مثلهن، وإنك لواجدٌ خالاً قد نفعه بنو أخته فقال له عمرو: ما أعلمك إلا حّببتهنّ إليّ.

ــــــــــــــــــــ


جارية الأنصاري

وصفت لعبد الملك بن مروان جارية لرجل من الأنصار ذات أدب وجمال، فساومه في ابتياعها، فامتنع وامتنعت، وقالت: لا أحتاجُ للخلافة ولا أرغبُ في الخليفة، والذي أنا في ملكه أحبُّ إليّ من الأرض ومَنْ فيها. فبلغ ذلك عبد الملك فأغراه بها؛ فأَضعف الثمن لصاحبها وأَخذها قَسْراً، فما أعجب بشيء إعجابه بها، فلمّا وصلت إليه، وصارت في يديه، أمرها بلزوم مجْلِسه، والقيامِ على رأسه؛ فبينما هي عنده، ومعه ابْنَاهُ الوليد وسليمان، قد أَخلاهما للمذاكرة، فأقبل عليهما فقال: أيُّ بيت قالته العرب أمدح؟ فقال الوليد: قول جرير فيك:
وأَندَى العالمينَ بُطُونَ راحِ؟ أَلسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايا
وقال سليمان: بل قول الأخطل:
شُمْسُ العَداوةِ حتى يُستقادَ لهـمْ
وأَعظمُ الناسِ أحلاماً إذا قَدَرُوا
فقالت الجارية: بل أمدح بيت قالته العرب قول حسان بن ثابت:
يُغْشَوْنَ حتى ما تَهِرَّ كلابُهُمْ
لا يَسْألون عن السَّوادِ المُقْبِلِ
فأطرق، ثم قال: أي بيت قالته العرب أرق؟ فقال الوليد: قولُ جرير:
إنّ العيونَ التي في طَرْفِها حَوَرٌ
قَتلْنَنَا ثم لم يُحْـيينَ قَـتْـلاَنـا
فقال سليمان: بل قولُ عمر بن أبي ربيعة:
حَبَذَا رَجْعُها يَدَيْهَـا إلـيهـا
من يَدَيْ دِرْعها تَحُلُّ الإزَارا
فقالت الجارية: بل بيت يقوله حسان:
لو يَدب الحولي من ولد الذ
رّ عليها لأنْدَبَتْها الكُلـومُ
فأطرق، ثم قال: أي بيت قالته العرب أشجع؟ فقال الوليد: قول عنترة:
إذْ يَتَّقونَ بيَ الأَسِنَةَ لـم أَخِـمْ
عنها، ولو أنِّي تَضَايَقَ مَقْدَمي
فقال سليمان:
وأنا المنيَّةُ في المواطن كلِّها
فالموتُ مني سابق الآجالِ
فقالت الجارية: بل بيت يقوله كعب بن مالك:
نَصِلُ السيوف إذا قَصُرْنَ بِخَطْوِنا
قُدُماً ونلحقها إذا لم تـلـحـقِ
فقال عبد الملك: أحسنْت، وما نرى شيئاً في الإحسان إليك أبْلَغ من رَدِّك إلى أهلك. فأجمل كسْوَتها، وأحسن صِلَتَها، وردها إلى أهلها.


ــــــــــــــــــــ

يا رب عارضة..

قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي حدثني أبو المشيع قال خرج كثير يلتمس عزة ومعه شنينة فيها ماء فأخذه العطش فتناول الشنينة فإذا هي عظم، ما فيها شيء من الماء فرفعت له نار فأمها فإذا بقربها مظلة بفنائها عجوز فقالت من أنت قال أنا كثير قالت قد كنت أتمنى ملاقاتك فالحمد لله الذي أرانيك قال وما الذي تلتمسينه مني قالت ألست القائل:
إذا ما أتينا خله كي نزيلـهـا
أبينا وقلنا الحـاجـبـية أول
سنوليك عرفاً إن أردت وصالنا
ونحن لتلك الحاجبية أوصـل
قال بلى قالت أفلا قلت كما قال جميل:
يا رب عارضة علينا وصلهـا
بالجد تخلطه بقول الـهـازل
فأجبتها في القول بعد تـأمـل
حبي بثينة عن وصالك شاغلي
لو كان في قلبي كقدر قـلامة
فضلاً لغيرك ما أتتك رسائلي
قلت دعي هذا واسقيني قالت والله لا أسقيك شيئاً قلت ويحك إن العطش قد أضر بي قالت ثكلت بثينة إن طعمت عندي قطرة ماء فكان جهده أن ركض راحلته ومضى يطلب الماء فما بلغه حتى أضحى النهار وكاد يقتله العطش.


ــــــــــــــــــــ


غاية البر

روي عن المأمون أنه قال: لم أر أحداً أبرّ من الفضل بن يحيى بأبيه، بلغ من برّه به أن يحيى كان لا يتؤضّأ إلا بماء مسخّن وهما في السجن، فمنعهما السجّان من إدخال الحطب في ليلة باردة، فقام الفضل حين أخذ يحيى مضجعه إلى قمقم كان يسخّن فيه الماء، فملأه ثم أدناه من نار المصباح، فلم يزل قائماً وهو في يده حتى أصبح.


ــــــــــــــــــــ

أبكي في الصلاة لذكرها!

جميل بثينة
أرى كل معشوقين غيري وغيرها
يلذان في الدنيا ويغـتـبـطـان
وأمشي وتمشي في البلاد كأنـنـا
أسيران للأعداء مـرتـهـنـان
أصلي فأبكي في الصلاة لذكرها
لي الويل مما يكتب المـلـكـان
ضمنت لها أن لا أهيم بغـيرهـا
وقد وثقت مني بغير ضـمـان
ألا يا عباد اللّه قوموا لتسمـعـوا
خصومة معشوقين يختصـمـان
وفي كل عام يستـجـدان مـرة
عتاباً وهجراً ثم يصطـلـحـان
يعيشان في الدنيا غريبين أينـمـا
أقاما وفي الأعـوام يلـتـقـيان

أعلى




الادب الشعبي


بوح
وقفات ..

1

أفرزت الفعاليات المشتركة والعمل بين المؤسسة والشاعر الكثير من النتائج الإيجابية المتميزة والتي جنت الساحة الشعرية ثمارها مؤخرا وهذا كله بالتأكيد لم يتأتى الا بالتوأمة وتبادل الآراء وتقديم السبل الأمثل لأرضاء كافة شرائح الشعراء ومختلف توجهاتهم ، وهذا ما ولّد الأريحية في التعامل وإبتعاد كل ما يشوش العلاقات بين الشعراء ، وإذ نثمن جهود المؤسسات التي تسعى إلى ذلك نتقدم بالشكر لكل الشعراء الذين اصبحوا متفهمين لوضع الساحة الشعرية وما تتطلبه عمليا ، وعلى مستوى العلاقات بين الشعراء انفسهم ، فكل التوفيق للجميع .

2

وقعت عيني صدفة على تقرير كتبه أحد الشعراء حول مشاركته في فعالية معينة ، وما يثير الإستغراب ليست الكتابة بحد ذاتها إنما ما جاء في ذلك التقرير من تهميش للشعراء المشاركين بل وتقزيمهم وتقديم كل مكاييل المدح في شخص الشاعر نفسه وهو الكاتب ايضا ، وهنا يجب علينا كشعراء ان ندرك بأن من يحكم على القصيدة في هذه الحالة هو الجمهور والمتخصصين سواء من الإعلام او الشعراء الأكاديميين ، وهم انفسم القادرين على توصيف الشاعر خلال مجريات أمسيته وفعاليته ، وارى شخصيا ان من غير المنطق ان يقوم أي شاعر بالكتابة عن نفسه بذاك الحجم من المديح والثناء - حتى ان استحق ذلك - ، ولا يجب ان يكون تقزيم الأشخاص والتقليل من أهميتهم بمختلف طوائفهم ايضا هي عادة في ذات الشاعر او الإنسان بشكل عام .. فالإبداع كما اسلفنا هو من يفرض نفسه وهو من يجعل الجميع يتحدث عنه بعيدا عن أي مصادر إخبارية مزيّفه او مبالغه .

3

زخرت مؤخرا كافة المؤسسات الثقافية بالكثير من الفعاليات المختلفة وبعضها ما يعني الشعر في يومه العالمي والأخرى في المسرح وفيه يومه العالمي أيضا ، إضافة إلى الفعاليات الثقافية المختلفة التي أدرجتها بعض المؤسسات في أجندتها الموسمية ، وهذا كله - برغم اختلاف نوعية الجمهور - اثر بشكل سلبي في تواجدهم في الكثير من الفعاليات بسبب التضارب في مواعيد إقامة هذه الفعاليات ، فموعد السابعة والنصف مساء في اليوم الواحد كان مسرحا لثلاث أو أربع فعاليات ثقافية أقيمت خلال الأسبوعين الماضيين تقريبا وبأماكن مختلفة ، ومن هنا نطالب من المؤسسات بضرورة وأهمية التنسيق فيما بينها بغية التوصل لجدولة مناسبة تبتعد عن التضارب في مواعيدها من أجل إتاحة الفرصة للجمهور للحضور لكافة الفعاليات التي تقام على الساحة .

4

فرغ مؤخرا شعراء السلطنة المشاركين في البرامج الفضائية الشعرية بشكل كامل حيث خرج الشاعر الوحيد الباقي بقرار لعبة ( التصويت ) ، وهنا بعد كل ما قدمته تلك البرامج سواء المادة التي ربحها البعض وخسر أضعافها آخرين ، والشهرة وغيرها من المقومات التي لا تخدم ( القصيدة ) بشكل مباشر .. يجب على الشاعر ان يقف امام نفسه في قصيدته ويحاول بشكل أو بآخر تطويرها نحو ما يستحق ان يُشاد به ، فاالوصول للمراحل المتقدمة برغم كسور بعض ابيات القصيدة او اخطاء القوافي والصياغة والتركيبة الشعرية من المؤكد انها لم تلزم الجمهور لترجيع كفة الإبداع بقدر ما كان الأنتماء للوطن هو الهاجس او ربما الفراغ في الكثير من الأحيان ، لذا يجب على كل شاعر التمعن في قصيدة بعيدا عن (حسبة التصويت) والشهرة وغيره ، وننتظر كل جديد ومميز من الإبداعات الشعرية في كافة الوسائل المتاحة للنشر ، وكل التوفيق للجميع .


ومضة ..

مديت كفي ظنتي كثر هالربـــــــع ..
القى كفوف اللي ملوني من إحـــــراج
صاروا كثير الناس في لحظة الجمع
وأضداد هم في ساعةٍ صرت محـتاج !
انا هنا ابحث من اللحظة الدمـــــــــع
للموت / او للهجرة .. إن ما به إزعاج


- فيصل العلوي *
*


ــــــــــــــــــــ


كيف أصبح شاعراً .. ؟!


- جمال الشقصي *
بين الجانب التقني للكتابة وجانبها الذاتي الفطري علاقة وطيدة، وأعني هنا كتابة الشعر، بل الشعر النبطي على وجه التحديد هو المعني بالأمر. على المستوى الشخصي.. أجزم أنني أمارس كتابة الشعر منذ أكثر من 15 عشر عاماً، ويعيبني على حد تعبير أقرب الناس والشعراء تهمة التخفي، أو ابتعادي عن هالة الضوء الإعلامي، وعدم اكتراثي بضرورة التواجد قريباً من الواجهات، أو التزامي النشر من خلال المطبوعات المختلفة إن لم أحصل على فرصة التواجد خلف شاشة البرامج الفضائية، وعذري لهؤلاء أنني لا أزال حتى الآن مجرد كاتب نصوصٍ عابر، هكذا يليق بي التعريف بنفسي في حضرة الشعر، وإن تفضل الجمهور والأصدقاء ـ مشكورون ـ على أن يوسمونني بشاعر.
كثيرة هي الأسماء، رجالية كانت أو نسائية.. تلك التي جاءت بحثاً عني في مرحلة ما؛ لتعرض بداياتها في كتابة الشعر بغية أن تحصل مني على وجهة نظر أو رأي، لا أن تنال وساماً أو تحظى بشهادة تقديرٍ، لأنني وحتى اللحظة لا أحمل رصيداً سوى الذائقة وانطباعي الخاص نحو أي قصيدة أو تجربة أو بدايةٍ شعرية على الرغم من قِدم العلاقة بيني وبين الشعر النبطي.. وساحته.
كل تلك الأسماء كانت تبحث عن إجابة صريحة للسؤال التالي.. كيف أصبح شاعراً؟.. ولا أخفيكم سرّاً أنني قد ذهلت من البدايات المتجاوزة وماطر المشاعر والشعر عند البعض، فيما توقفت شاعرية البعض الآخر ـ وهم الكم الأكثر ـ عند مستوى الأناقة الشكلية في الهندام والأساور.. واتكاء هذه الفئة على لمعة أطقم أكمامها بكل امتياز!.. بت أثق في أن الملامح الداخلية للشاعر الحقيقي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من تجاعيده الخارجية، تستدل إلى شاعريته بسرعة من خلال بعض عاداته وتصرفاته حين تستدير بكما طاولة حوار أو نقاشٍ.. قبل أن ينطق هذا الإنسان بالشعر حتى.
الإجابة على سؤالٍ كهذا غاية في المستحيل، بل إن طرحه يعد أمراً غاية في التأخر المعرفي، ولا اخفيكم سراً أن أجمل الشعر اليوم، هو المنبعث عن حالة انفعالٍ وألم، حالة يصل فيها الشاعر لحظة الكتابة إلى مرحلة أقرب إلى الموت، ولكم أن تتناولوا أغلب التجارب الشعرية المعروفة التي نعاصر وقتها اليوم كمثالٍ يؤكد رأيي وقناعتي، شريطة أن تكون أنت كقارئ من ذوي الذائقة الرفيعة، التي تلبس جراح الأمة ومعاناتها بشتاً شامخاً.. وإن ثقبت أطرافه رصاصة النكسة العربية، أو السكتة النبطية!

شاعر:

الكوكب اللي تقول الناس يا صغره
من كثر ما هو بعيد وشوفهم قاصر
أصابعه وان حسبتوا.. كلها عشره
واصابعه وان حسبتوا .. ما لها آخر
كلما انجرح شع نزفه واشتعل فكره
وكلما بكى.. كل دمعه تولد بشاعر!

- بدر بن عبدالمحسن
* سكرتير مجلة شاعر المليون .

ــــــــــــــــــــ

غربة عيد ميلادي

* القصيدة الفائزة بالمركز الأول في مسابقة المنتدى الأدبي 2007 م

- الإهداء إلى الرابع عشر من فبراير :

رتبني الحزن في درجه و دولابه
و أهداني الصمت و استرخى على سهادي
ما يخنق الجرح حزني لو على ترابه
كل ليلة يكبر جفا و يبعثر ضمادي
الجفن صاحي مابين أبهم و سبابة
ما سال إلا الظما سجني و جلادي
ظميان حلمي و فبراير على أبوابه
كل المواجع تناديني بميلادي
من يطفي الشمع لامن سيّل لعابه
و يلمّ هذا الورق و يردد إنشادي
من ياخذ الحب من عيده و يحيابه
و يضمّ يدّي و يضوي قسوة أعيادي
ما ضيق الليل لامن شقق ثيابه
إلا أنتظاري معَ هالشمع و عنادي
تعبت أهدي جفون الشمع و اعصابه
في كلّ ميعاد لين يفضّ ميعادي
كل عام نفس الجفا يقبل بمخلابه
و أجمع شتاتي و أقول بحسرتي عادي
كل عام طفلي يتيم بقسوة العابه
كم صار ينبض بذاك الحبّ و ينادي
كل عام و أنا حضوري يخنق غيابه
و أكفّنه للمسا و اذريه برمادي
كل عام و الجرح هذا يمر متشابه
كل عام و أنا أنطوي بافواه حسادي
يا سيّد الجرح شفت الزهر وش صابه
من يوم فرقاك لا جوري و لا كادي
ما مرّ جفني بدافي حلم و اهنى به
إلا غيابك يمر ينغّص رقادي
ما عطر العيد إلا لمة أحبابه
و انا أضمه و يرسم درب لبعادي
مشواري اللي تعود يغلق كتابه
ما هو بكل عام صار بدربي متمادي
أتوسد ذراع حزني بصمت و أغفى به
متى الأماني تسيل بعيد ميلادي

عبدالعزيز السعدي

ــــــــــــــــــــ


انسكاب الجرح

ينساب جرح الليل لك شمعة النور
العيب ما في الليل .. العيب راعيه
الوقت نادى للأسى ضيف .. ديجور
الهم وافـــي كنّه العلم شاريه
ما يجرح النجمة تفاهات وقصور
ما يكسر الخافق لو تكون مغليه
اجيك رغم الجرح ولا جيت معذور
لاني أحبك صدق والحب أبغيه
يا بنت أهديك الوفاء حب وشعور
في حبك الأوفى ابد ما عرفت تيه!
يكبر بي الحلم الدفا أبني جسور
والفعل الأعمى ما أفكر أجاريه
عذال تشهد ماخذه الزيف والزور
مثل الكلام الظلم ينساب طاريه
أرجوك خليهم تفاصيل منشور
يمكن يلاقوا ناصح الوقت وش فيه؟!!
ماهمني هرج الملامة كذا البور ..
يسكن عيون القحط والماي ناسيه
أجيك رغم الهم لو أقطع بحور
لو الأسى فيني أضمه .. أنفيه
لانك على نبض المعاليق دستور
وانتي وطن روحي وأنا ميتٍ فيه
يابنت شرقا الأرض (فينيق) ياصور
روحي فداكْ من غير لا أيه أو ليه
الشعر طفلٍ لاغدى فيك بلــّور
الشعر يزهى بك وإنتي تحليه
الحرف ميثاق التوحد ومغرور
لو هوْ سكن عرشك ثواني وتغشيه
ينساب ضيق الجرح لك طلة النور
الهم ما في الجرح .. الهم راعيه

سالم السيفي

ــــــــــــــــــــ

اللحــــن الأخـيـــر ... !!!

بعـــد مـــا لحــف الليــــل السكـــيــك وفـــوق بيتـــه مـــــر
عــــلىْ جـــــدار الألــــم (داكـــــا) عصــاه.. ونكـّــس جبينه
يشخبـــط فـي التـــراب أحـــلااام عـمره.. لين صاح الفقر:
متــى يرســم غــنـاهْ اللـي أنخلقــت في راحـــــة يدينــه ؟؟!
توشحــت الســــواد اللــي سكــن فــي دلتــك والتمــر !!
لأن (فــــوالــة) العاجـــــز.. تشـــــابه عـــتمة ســنينــه!
وتــدري ليــش سقفــك فــي عــواصــف هالمطــر يقطـر ؟!
لمح هـــالجوع ينهش في الحنـــايــا .. وخــانته عـــينـه
وهـــذي الريـــــح مـــا مــرت عـــبث بالنــافـــذة تصــفـَر
ولكنـــــه أنـيييــــن الحــــــزن للبيـــت ومســــــاكــيـنـه
هنـــــا جــــف الكــــــــلام // وصــار يتلفـــت ولا ينظــر
نســـى عـــينه تـــــدور عـــنه فــي غـــربة عـــناوينـه !!
وقـــاااام وطـــاحت الدنـيـا عـــــلى ظهــر ٍ حنـــاه العمر
يكـــح الخـــوف فــي وجــه السنيــن .. وحـــلم تشـرينه
يشـــوف ابنه يعض شفــــــاااه في نـــومــه .. ومتــكــدر
ويا طــــول المســــاااافة بين فـمــّه .. ولقمــة يمـيـنه !
تعشـــى بالأمــــاني تنطبـــخ لــه فــي )صفــــاري( الصبر
عـــلى نــــــــار الـوهم .. في سفــرة الجـــوع وطـــواحينه
وبنتــــه تمســـــــك الخبـــــــــز بيديها ... ليـــن يتكسّـــر
تنـــــــــــــاااااام ... وتترك (الـــــذرّة) تغني من حوالينه
وطـــاحـــــت من عيــــــــون الأم دمعهْ أسخن امن الجمر
عــــــلى خــــــــد الزمـــــان اللي دفن في قسوته .. لينه
تقـــــول من الأسى : يا حظنا العااااااري... نريد الستر
نخـــــــــــاااااف الجوع يسلـــخ هالجلـــود بحد سكــينه
سقــينـــا الحلـــــم بدمـــــوع السنييييين ومــــا رضى يثمر
سؤال ٍ شــــــااااخ في عـــين الأمــــاني .. حلمنا وينه ؟؟؟!
مـــــــا دام الفقـــــــــر كـــفـّـنا ... وأصبـــح بيـتـنا كالقـــبر
يا دنيا اسألي الموت أش بقى ما بيننا ... وبينـــــه ؟؟!!!

سلطان العلوي

ــــــــــــــــــــ

انكـ/ـــسار

تحت ظل هذي الظروف المشمئزه
والفكر مذهوول وبالفلب انكـ/ـسار
وانت تنغزني بدقيقه الف نغزه
ما كفاك تحط اعصابي ع نار ؟؟
جيت أجمع ماتناااثر خ ر ز ه .. خ ر ز ه
وأصنع بها لباقي أيامي " سوار "
الوجع .. لاغيّرت دنياك قفزه
واظلمت بك أمنياتك والديار
من أنا ؟؟ إلا بوسط الماي .. وزه
كيف تجبر طهرها ع الإنتحار ؟
غرتك الأوضاع / والمنصب / ورزه
ينقصك اسلوب وانواع الحوار
لو تعرف امتى تحط ع الألف همزه
كان بيدك تصنعه ذاك القرار
مل خنجر صدك بصدري تغرزه
ياقساوة قلبك الصلب / الجدار
شوف في بعدك يقيني أستفزه
ومنهو يقوى فينا صبر الإحتضار ؟
مايموّت السعف إلا مجزه
وفي غيابك ماتن أغصاني كثاار
سيدي .. للقلب أحداث تهزه
وان رضى بالذل هي بصمات عار
قلبي (بيبي) .. وكان نايم في منزه
مايفرق بين ليله والنهار
لين صار يعد همه كل حزه ..
ما مداه ينط مع باقي الصغار
بس .. يكفي .. بالوجع ترجع تكنزه
مابقاله ع المرار .. اصطبار
سيدي وان باقي لسه لي معزه
انسى ( اني كنت ) .. واللي صار صار

أفراح الصالحي


أعلى



تلصّص على دفتر رجل
نائم على كرسيّ في حديقة (2)

النباتُ أكثرُ خبرة في التعامل ِ مع الروح والمادة، أكثر ضلاعة في سرِّ البقاء، في التلاشي الحميم

الكلبُ الوحيد

أتى مـُسرعاً نحوي، بعد أن حاصره قطيع من الكلاب الصغيرة المتوحشة. جاء إليّ بسرعة من أراد القول دون كلام:"إني أعقِدُ ميثاقاً معك، بامتنانك الإنسانيّ وبمحبتي الكلبيّة. ها نحن أنا وأنت، أمام الطوفان، فاقبلْ صُحبتي، املاً حضورك الهاذي في حُضوري النابح".
هكذا وقف إلى جواري، رمحاً من لهب. البحرُ فلسفة، والصداقة قصائد. بينما يقشعرّ روحُ الغابة، في ضربة برق مـُفاجئة... كي نتبادل الحراسة كأخوين أنجبتهما قوة اللطافة، في المكان المعبأ بالمكائد..

الزواج الثاني

في المرّة الأولى، كان الخنجر الرومانسيّ غائراً في قلبي، فاقتلعْتُهُ؛ مُـدْرِكاً أنني طائرُ اليمِّ الذي يثملُ في وجه الحبيبة.
في الثانية: كنتُ أزيحُ مِقـْصـَلَ الوِحدة، عن عنقي المـُفرِطِ في الحنانِ الخائن. كنتُ أنزِعُ شوكة اليـُتـْم من خاصرة الأبواب الموصدة. كنتُ أقرأ على المنفى قلمَ الرِّحلةِ الأولى..
وفي المرّتينِ كلتاهما: كنتُ أرَقـِّعُ ثوبَ الأبد، بـِلحن الذئبِ الأعرج. كنتُ أكرع العطش بالكأس المسمومة التي يرفعها الشعراء.


ترنـّح

عند منتصف الليل، كنا نسمعُ عـُـواءً غريباً، ينفذ إلى آذاننا بسهولة؛ من خلال البيوت السعفية التي لم ترتكب بعد خطيئة الإسمنت المسلـّـح. كنا نسمعُ صيحاتٍ تختلط وتتمازج، فيها عـُـريٌ فاحش، وفيها خلاعة منبوذة لا عهد للطفل الذي كنته بها. أصواتٌ كانتْ تلتمعُ في مـُخيـّـلتي وأنا صغير، تشبه أعمدة برق تذوبُ إلى جوارنا، أو كأنها صيحاتُ قطاع طرق أو قراصنة قادمين من البحر. مذعوراً سألتُ أبي عن هذه الأصوات؟. أجابني بابتسامة مُطـَـمْئـِنة: إنه جارُنا (ب) مع الشيخ (هـ) يتعاطيان "المـرنحة". ولأنني لا أعرفُ ما هي هذه "المرنحة"، أضاف: بأنها نبتة برية، تشبه أوراقها "لسان الكلب"، والإكثار منها قد يؤدي إلى الجنون، كما حصل للمرحوم (ش).
بعد ليلتين أو ثلاث من تلك الليلة، اصطحبني أبي معه إلى المسجد لصلاة الفجر، عبرنا فيها عتمة قدسية جليلة، في صباح باكر متجلّ، حيثُ اجتزنا مسافة ذهبية مغسولة ببهاءٍ وكرامةٍ وعـُري شفيف. وعندما أمـّـنا الإمامُ للصلاة، كنتُ أنا في الصفّ الثاني، ولمحتُ ان جارنا (ب) يقف قـُـبالتي في الصفّ الأوّل. تسللتْ رِعدة مخاتلة إلى صدري، وأنا أراه عن كثب. وطوال الركعتين اللتين صليناهـُما، كان (ب) يقف على مـِشْطـَيْ قدميه، حتى لكأنه يكاد أن يقع على رأسه، لولا مجالدته ومـُغالبته للتوازن. خرجنا إلى خارج المسجد، وكالعادة، يتجمع البعض هناك، للحديثِ والثرثرةِ الصباحيةِ المعتادةِ، قبل أن يبدأ نفير الفطور، والقهوة، والخبز، والشاي. عندها سألوا (ب)، عن السرِّ الذي جعله يتكئ على مقدمة قدميه، بالطريقة التي فعلها في صلاته. أجابهم متباهياً وبكلّ حسم: "أنتم تـُـصلون فقط، أما أنا فقد كنتُ أصلـّـي وأحجّ في نفس الوقت. كنتُ أصلـِّـي معكم، وكذلك أطوفُ سبع مرّاتٍ حول الكعبة". بعد أن سمعتُ ما قاله (ب) وأنا على مبعدة، أورقت شجيرة "المرنحة" في جوفي، ومضيتُ مشدوهاً ومترنحاً من هولِ الأسطورة، من سـِحْرِ الشـِّعر..

لصوصية

بعد تلك الليلة، التي اقتحم فيها بيتنا أحدُ اللصوص، وبعد أن فرّ من قبضتي في جـُنح الظلام، بدأنا نخافُ حتى من الحبل، لا من الحية فحسب. أغلقنا النوافذ بإحكام، وضاعفنا الأقفال بالمزاليج. استمرّ الحال على ذلك فترة من الزمن، حتى تلاشى هذا الخوف وهذا الاستنفار رويداً رويدا. بعد يومين أو ثلاثة من تلك الحادثة، جاءنا أحد المعارف برفقة زوجته. أمضت الزوجتان الليل في التحادث سوياً في إحدى الغرف. أما أنا و(ت) فقد كنا في صالة الجلوس التي يفصلها باب عن داخل المنزل. فجأة، سمعتُ وإياه- والليل يقارب الانتصاف- وقع خطى أقدام غريبة في فناء البيت. ركضتُ إلى المرأتين، وأخبرتهما أن يغلقا الباب بالمفتاح، حتى يتسنى استكشاف ما يدور. وبدورنا -أنا و(ت)- أغلقنا باب الصالة، وبدأنا في التلصص على ما يجري في الخارج من خلال النوافذ المطلة على الفناء. كان ضوء خافت ينسرب بشكل مبهج إلى الصالة من خلال أضواء المصابيح الخارجية، وكنت خلفه تماماً، أترقب وإياه خطى الأقدام الغريبة، أو المشية الحذرة التي ستكون إلى الجوار. كنتُ وراء (ت)، وأنفاسي تقتربُ من ظهره. كنا نرتاب في أن ما نظنه لصاً، قد لا يعدو أنْ يكون غير مجرد قطّ يتمشى، أو ربما بضع وريقات سقطت من الشجرة الهائلة المزروعة في وسط الحوش. في تلك اللحظة استمرأنا الترقب، واشتهينا خرافة الظلام والقطة والورقة، ومالتْ الأشواق في أثير المتعرّق، وتسرّبَ الكنز، لـِـلـِصَّين يتقافزان في الظلام..

النعجة المحتضرة

تقفُ النعجة في زاويةٍ من زوايا الحظيرة، تحاولُ أن تتوازن، وأن تقول لنفسـِها: أنا أقوى من هذه الحالة. تغلــِقُ عينيها، فتـُـحسّ أنّ روحـَـها لا تـُـسعـِـفها، وأنّ الجسدَ يتآكلُ باضطراد. عندها ترفع ساقها الأيمن، وتحكّ أرضية الحظيرة، وتكشط الترابَ قليلاً ثمّ تقعُ بكامل ثقلها على الأرض. تعتني أميّ بوليدها، وتلقمه رضّاعة ذات فم ٍ صغير، أمـّـا الأمّ فظلت فريسة الألم والمرض المفاجئ. قال أبي: ألا يوجدُ شيخٌ يقرأ عليها بعض آياتٍ من القرآن؟. لمْ أردّ. قال لي: ألا يمكنك أن تفعلَ ذلك؟. قلتُ له: أخافُ أن تموتَ النعجة ما إن أبدأ.
كنتُ أمرّ دائماً بتلك النعجة، وأقول لها: هلوووو. فترفع وجهها الغنـِج، وتحدق إليَّ بعينين عذبتين. حتى أنني ظننتُ أكثر من مرّة أنها امرأة مسحورة. وعندما ذهبتُ فيما بعد إلى المدينة في إحدى الأماسي، ودخلتُ المقهى، وجدتُ نفسي أستغرقُ في وصفِ تلك النعجة، واختلطتْ روايتي بالدموع، والضحك. واستسخفتُ نفسي في داخلي؛ لأنني لم أجد غير نعجة أتحدث عنها مع رفاق السهرة، ثمّ لماذا دمعتْ عينيّ؟، يا للغرابة!. لكنّ أحدهم، وعدني أن يأتي لقريتنا خصيصاً ليشمّ ذكرى تلك النعجة المسحورة.
الآنَ، لم تعـُدْ تصغي النعجة إليّ، وليس لها أثر، ولم تعد تصلها الـ : هلووووو. أمّي كانت تسخر من النعجة، قائلة لها: أيتها الحمقاء، ما شاء الله جئتِ بولدٍ واحد، ومع ذلك هذه حالتك؟؟!!. الدجاجة مع كتاكيتها يتحلقن حولها، دون أن تكترثَ بشيء. هل تتنفس الدجاجة وأبناؤها أنفاس الموت من جارتهم، هل تتقوى الدجاجة وصيصانها بأنفاس النعجةِ الخافتة؟، هل يـُـثبتنَ أنهنّ أكثرُ قوة من هذا الجسد الكبير للنعجة؟. ربما تفكـِّـرُ النملة بذلك أيضاً وهي تتلهى مع زميلاتها من النمل فوق خرطوم فيل ميـّت. من الواضح أنّ النعجة تموت. جلبتُ كاميرا والتقطتُ صورة. الصورة ُستبقى بعض الوقتِ أيضاً معي بعد موتِ النعجة. قد تتلاشى وتنمحي الصورة قبل أن أموتَ أنا، وقد تبقى بعض الوقتِ بعد موتي، فيمزقها طفلٌ ما بأسنانه، أو يمرّ عليها زمنٌ فتندثر. لكن ما دمتُ حياً أتخيـّلُ أنه ستتناوشني ذكرى نعجةِ الهلوووو، والمرأةِ المسحورة، والشجى العذب في عينيها.
قالوا لي أن أتصلَ بأخي، ليأتي بالبيك أب، ويذهب بالنعجةِ إلى قارعةٍ ما، لتتولى البلدية رميها في المردم. أدخلُ الغرفة متظاهراً بدخولي إلى الحمـّام، ولكني أرى من النافذة كيف يسحبُ أخي تلك النعجة، ثم يرفعها من قدميها، كما يفعلون بالغزلان في سيخ الشيّ، ثمّ يطرحها في السيـّـارة. أعتقدُ أنـّـها ذهبتْ بسلام ٍ أكبر، مادامتْ لم تـُـذبح وتشوَ وتـُـقلَ وتسلق في قدور النهمين المتعطشين للحوم الحيوانات. أقول لنفسي: لماذا لا يموتُ الخسّ ويموت العصفور؟. النباتُ أكثرُ خبرة في التعامل ِ مع الروح والمادة، أكثر ضلاعة في سرِّ البقاء، في التلاشي الحميم. وحتى حين تذهبُ الشجرةُ إلى مثواها الأخير، ترحلُ كأنما تودِّعُ ذاتــَـها هي، قبل أنْ يودّعها الآخرون، هذا إذا اكترثتْ بوداع أحدٍ لها. تراودني خواطرُ شتى عن النعجة: فقد تكونُ تخلــّـصتْ من السـِّحر، وذهبت لتكون امرأة، وقد تكونُ ذهبتْ لتصعدَ من على جبل شاهق إلى ابتسامة أخرى، أو ترمي عينيها في روح الجميلة. وماذا بعد؟، ألم يخطر ببالي أيضاً، أنها تبعتْ الشيخ اليونانيّ (بان)، وأنها ذهبتْ تـُـعربــِـدُ في قصفه ومرحـه وثمله. ألمْ أتخيــَّـل أيضاً أنّـها قدّمتْ ذاتــَـها قرباناً وأضحية على بوابةِ الموت كي تكتفي الأنهار بحسناواتها والصحارى بقديساتها والبحارُ بحورياتها.

صالح العامري
* كاتب عماني


أعلى



قصة قصيرة
صباحات النافذة التي لم تكن هناك

صباح:
اعتدتُ كل فجر حين أستيقظ، أن أراها من خلال نافذة غرفتها تجفّف شعرها، وظهرها عار كأن نهارا شينشقّ منه، لا أدري إن كانت تعلم بوجودي أم لا، فلم تبد في يوم حركة فزع أو خجل، بكل أريحية كانت تتنقل في أرجاء غرفتها دون ساتر لمحاسنها. ولكنّي اليوم استيقظت متأخرا عمّا اعتدت، وحين أزحت الستارة لم تكن النافذة هناك، لا أقول أنها اقتلعت وردم فجوها، بل لا وجود لأي أثر لها، كأنها ما كانت في يوم.
نزلت إلى الشارع أسفل البنايتين، وددت أن أدخل البناية ولكنها كانت بلا أبواب، قلت في نفسي لعل الباب في الجهة الأخرى، صادفت "سعّود الدبي" بائع الخضار، كان يفترش حصيرا يعرض عليها أنواعا من الخضار، اقتربت منه، ثمّ انحنيت متظاهرا بتفقد الخضار، كلما لامست نوعا صرخ عليّ -كأنني أبعده مسافة حارتين- بسعرها، اقتربت منه، وأنا أمدّ له قيمة الذي وقعت يديّ عليه، سألته: قل لي يا سعّود، أين النافذة التي كانت هناك. وأشرت إلى مكان النافذة المواجهة لغرفتي، ضحك سعّود، رد بصراخه المعتاد: أمجنون أنت، أية نافذة هذه التي تتحدث عنها، هذا حصن مرمّم، ولا نافذة له ولا باب.
تركت سعّود قبل أن يعلم الشارع كلّه بسؤالي، وذهبت إلى "راجو"، هندي لديه كشك به سجائر وبعض الكماليات، سألته مباشرة: راجو، أين ذهبت النافذة التي كانت هناك، وأشرت كالسابق، لكنّ راجو لم يستلطف السؤال، ردّ بنبرة ضيق وبحروف مكسّرة: وش في مسخرة، يريد سجارا جيب فلوس.
ما الذي يحدث، أيعقل أن لا يكون قد أبصرها غيري، انتبهت لـ " عزيزة المجنونة"، امرأة مضت السنون عليها وخلّفتها مجرد تجاعيد وهزال، اقتربت منها: خالتي، كيف أنت اليوم؟. لم تجبني، بل أشارت عليّ بكفّها أن أمضي في سبيلي، مددت لها بنصف ريال وسألتها: خالتي، ماذا فعلوا بالنافذة التي كانت هناك؟. انتزعت المبلغ وظلّت عينها متسمّرة للموضع الذي أشرت. ناديتها ولم تجبني ظلّت هكذا دون حراك. تركتها والحيرة كادت أن تودي بي. ماذا أفعل؟ ومن أسأل؟.
عرفت أن لا جدوى من سؤال أحد عن النافذة التي كانت، كأنها ما كانت أبدا.
صباح:
حينما استيقظت، كان الوقت فجرا، لم أهرع للنافذة. لكنّ اهتزاز ضوء جذبني، كانت تجفّف شعرها، ظهرها عار، وضعت الفوطة على رأسها بعد أن اعتصرت خصلاتها بشده، ووضعت فوطة أخرى على جسدها، ثمّ أخذت ترقص، كانت هزّات جسدها متناسقة، على ما يبدو ثمة موسيقى ترقص عليها.
كيف عادت النافذة، أكنت أحلم.. لا لم أكن أحلم، هذه حبّات الجزر التي اشتريتها من سعّود، وهذا! أووه هذا النصف ريال، يبدو أني انتزعته من يد المسكينة دون أن أعي ذلك. عدت للنافذة، لم أتبين الفتاة، ظهرت بعدها وهي ترتدي فستانا يخيّل لي ذو لون بنفسجي، عاري الذراعين يكشف مساحة من صدرها، كانت تدور.. ترقص وتدور، كأنها ترقص على سيمفونية ما.. أسدلت الستارة، ثم أطفأت الضوء. حين دلفت للشارع بعد الشروق، قصدت سعّود وأنا أشير له للنافذه: أهذا هو الحصن الذي لا باب له؟! لم يأبه، اكتفى بهزّ رأسه ونادى على خضاره، أما عزيزة المجنونة وجدتها تغني: "يا بو زلافو يو عين... عذبتني يو الحبيب" وحين تنبهت لوجودي جذبت ثوبي من الأسفل: أين مالي؟ ولكني أشرت لها للنافذة، زادت من قوة جذبها للثوب وقالت بغضب: فلوسي لديك ليس هناك، هاتها. رميت لها بالنصف ريال وذهبت.
صباح :
نهضت، وما كانت هناك من نافذة في غرفتي، الضوء الذي ينير هذه المغارة يسقط من الأعلى، كدت أختنق، أخذت أضرب على جدران الغرفة البئيسة باحثا عن مخرج، تحرك جسد لم أنتبه له قبلا، وكان سعّود! دعك عينيه ثم صرخ - كالعادة- : لمَ كلّ هذا الضجيج، أتعبتنا بنوافذك وفتاتك الراقصة. ثمّ عاد لاستلقائه، التفتُّ وكان راجو، يمسك بأعواد وهو يضم كفّيه كأنه يصلّي، اتكأت على الجدار وأنا أحاول تجميع ما تبعثر من خيوط وفتلها.
صباح أخير:
ابتسَمت لعينيّ لحظة انفتاحهما، كانت تمسح على جبيني برفق. نهضت عنّي ثمّ أكملت وضع زينتها، ومسح عطر أنثوي صارخ على عنقها. اقتربت منّي وخبّأت رأسي في صدرها الممتلئ. لم أدع الوقت يقضم تفاحة لحظتي، لثمت ثغرها، قلت لها: صباحات كثيرة ربما تفرّقني عنك، دعينا نترك جدراننا هذا اليوم. نظرت إليّ باستغراب، قدتها من يديها وهمست: اليوم سنستحم بضوء القمر أو بحلكة الليل، ولكننا لن نبيت هنا. خرجت إلى الشارع، لا سعّود ولا راجو ولا عزيزة المجنونة، كان الوقت سحرا، قدتها كفّارين من ألم ما، كنت أهمس داخلي: هذا قدري، لن أعود للجدران، ولن... لن أغفو بعد الآن.

نبهان الحنشي

أعلى


 


أفق
وظيفة النص

ما هو المطلوب من الفنان أو الأديب؟
أنْ يكون جاداً متعمقاً ومتعالياً ليعبر عن أفكار النخبة المثقفة في المجتمع. هذا ما يقوله البعض، من أصحاب نظرية الفن النخبوي. أنْ يكون سهلاً وواضحاً ومفهوماً وفي متناول الجميع ليعبر عن هموم الشرائح الشعبية الواسعة في المجتمع. هذا ما يقوله البعض، من أصحاب نظرية الفن للجماهير. أنْ يكون مخلصاً لفنه، باحثاً عن اللذة والفن والجمال، بعيداً عن السياسة والصراع الايديولوجي. هذا ما يقوله أصحاب نظرية الفن للفن. أنْ يحمل مشعل التنوير الثوري، ليبدد ظلام الامبريالية والدكتاتورية. هذا ما يقوله البعض، من أصحاب نظرية الفن الثوري. أنْ يكون فردياً خالصاً يحمل ذات الفنان المتوحد مع أفكاره وأدواته الفنية بعيداً عن الآخر. هذا ما يقوله البعض، من أصحاب نظرية الفن الذاتي. أنْ يكون عاماً وشاملاً يحمل تجربة الآخرين وهمومهم وأفكارهم. هذا ما يقوله أصحاب نظرية الفن العام. أنْ يكون منفعلاً مع لحظة الحدث الآنية ومجسداً لها، بعيداً عن السياقات التاريخية. أنْ يكون مشغولاً بالأحداث التاريخية العظيمة، غير ملتفت أو منفعل بالاحداث العابرة. أنْ يكون خارج وطنه ليكتب بحرية أوسع وبنظرة شاملة ومحيطة. أنْ يكون داخل وطنه ليكون قريباً من هموم الشارع ونبض الناس. أنْ يكون متجذراً بالماضي، نابعاً من التراث. أنْ يكون متمرداً على التراث، ثائراً مجدداً وكاسراً لقيود الماضي. أنْ يكون آمناً مستقراً مطمئناً، ليبدع. أنْ يكون قلقاً فزعاً مهدداً مفلساً، ليبدع. أنْ يكون، وأنْ يكون، وأنْ يكون، الخ والخ....
وهي جميعها مطالب ووظائف وتوصيفات صحيحة، من وجهة نظر المنطق الأدبي الصحيح، ومن وجهة نظر أصحابها، مدعومة بالحجج والبراهين المنطقية التي كبرت واتسعت على مدار السنوات والحوارات والدراسات. وتحتار أيهما ترجح؟ و"على أي جانبيك تميلُ"..؟.
وتسمع بيكاسو يقول لك: "ماذا ترون في الفنان! أتظنونه أحمقاً لا يملك سوى عينين إذا كان رساماً؟ وأذنين إذا كان موسيقياً، وقلب خافق إذا كان شاعراً؟! هذا هو الخطأ بعينه، فالفنان فنان، ولكنه في الوقت نفسه رجل سياسي، تحزنه الأحداث المؤلمة، وتفرحه مسرات الناس في كل مكان. واللوحات الفنية لا يرسمها الفنان لتزيّن بها الغرف والقاعات، ولكنها أسلحة قتال يوجهها إلى كل ما في الحياة من فساد وانحلال". فتعجب من منطقه الصحيح وتقول: إن الفن لا يكون إلاّ سياسياً. وتسمع تولستوي يقول: "مهمة الأديب أن يحدث الناس عن الناس". فتقول: إن الفن لا يكون إلاّ اجتماعياً. وتسمع هونورا روندل يقول: "من الضروري أن يحدد الفنانون موقفهم من الصراع الايديولوجي طالما أنَّ الفن مرتبط به حتمياً". فتقول: إنَّ الابداع لا يكون إلاّ ايديولوجياً. وتسمع المفكر الفرنسي مونتان يقول: "إنني المادة الوحيدة لأدبي". فتقول: إن الإبداع لا يكون إلاّ ذاتياً. وتسمع يفتوشنكو يقول: "الشعر عندي بوح أمام الجميع وليس أمام حلقة ضيقة من المتخصصين". فتقول: إن الابداع لا يكون إلاّ عاماً. وتسمع المرزوقي يقول: "أحسن الشعر أكذبه". فتقول إن الابداع لا يكون إلاّ إيهاماً. وتسمع بول سوداي يقول: "الأدب هو الشعور بالانسانية". فتقول: إن الابداع لا يكون إلاّ انسانياً صالحاً. وتسمع اندريه بريتون مطالباً بـ "تدوين الفكر في غياب كل أنواع السيطرة التي يمارسها العقل بمعزل عن كل الاعتبارات الاخلاقية والجمالية". فتقول: إن الابداع لا يكون إلاّ هذياناً أو انفلاتاً. وتسمع زكريا تامر يقول: "الكاتب الناجح هو الكاتب المحرّض". فتقول: إن الابداع لا يكون إلاّ محرضاً. وتسمع جان كوكتو يقول لك: "الكاتب يشبه ذلك الحيوان البري الذي كلما طارده الصيادون كتب أفضل". فتقول: إن الفنان لا يبدع إلاّ حين يكون مهدداً. وتسمع غوته يقول لك: "الذي لا يعرف أن يتعلم دروس الثلاثة آلاف سنة الاخيرة يبقى في العتمة". فتقول: إن الفن المبدع هو الموسوعي، المتصل بالماضي. وتسمع أوجين أونسكو يقول لك: "كل أدب جديد هو عدائي. العدائية تمتزج بالأصالة وهي تقلق ما اعتاد عليه الناس من أفكار". فتقول: إن الفن المبدع هو الجديد المنفصل عن الماضي. وتسمع ريلكه يقول: "كل ما هو هام يبدو عسيراً". فتقول: إن الابداع لا يكون إلاّ عسيراً. وتسمع الكاتب الالماني غنتر غراس يقول: "إن استعمال الرمز في الكتابة شيء تافه وأنا أمقته، ففي كتاباتي لا أعني إلا ظاهر ما أقول". فتقول: إن الابداع هو المباشرة. وتسمع كولردج يقول: "الشعر من غير المجاز يصبح كتلة جامدة ذلك لأن الصورة المجازية جزء ضروري من الطاقة التي تمد الشعر والحياة". فتقول: إنَّ الابداع هو المجاز. وتسمع بلينسكي يقول: "إنَّ الفن هو التمعن المباشر في الحقيقة". فتقول: إن الابداع هو الحقيقة. وتسمع بورخس يقول: "إننا بحاجة الى الخيال كي نواجه تلك الفظاظات التي تفرضها علينا الاشياء". فتقول: إن الابداع هو الخيال. وتسمع نيتشه يقول: "ليس هناك فنان يستطيع أنْ يحتمل الواقع لأنَّ من طبيعة الفنان أنْ يضيق ذرعاً بالعالم". فتقول: إنَّ الابداع هو التمرد. وتسمع أبا تمام يقول: "قلم البليغ بدون حظ مغزل". فتقول: إنَّ الابداع هو حظ. وتسمع الروائي الانجليزي لورانس يقول: "إنَّ الكتابة عملية تعرية". فتقول: إنَّ الابداع هو التعري. وتسمع آلان بوسكيه يقول: "كل مبدع يخرب". فتقول: إنَّ الابداع هو تخريب ما سبق. وتسمع ماركيز يقول لك: "إنَّ واجب الكاتب الثوري أنْ يكتب جيداً ذلك هو إلتزامه". فتقول: إنَّ الابداع هو الالتزام بالابداع. وتسمع مارسيل بروست يقول: "إنَّ المتعة التي يتيحها لنا الفنان أنه يجعلنا نرى عالماً اضافياً". فتقول: إنَّ الابداع هو الرؤية المضافة.
والآن!! أيهما أكثر قرباً من وظيفة الفن والأدب من كل ما مر بك وما لم يمر؟.. وأيهما أكثر توصيفاً وتحديداً لمهمة الفنان والأديب في هذا العصر الملتهب، وفي كل عصوره السابقة. تلك المهمة التي هي ـ باختصار ـ كل هذا الحشد من الوظائف والتوصيفات وغيرهما الكثير، الكثير. فالفن يجمع في داخله كل الأضداد والوظائف وحركات الأكوان والتاريخ والمعارف والسير والثورات والجمال والإبهار والحق والانسانية والتمرد والهدم والبناء والحلم والهذيان والخ... مما يجعل كل نقاش حول توصيفه ووظيفته صحيحاً من جهة، لكنه من جهة أخرى ضرباً من السفسطة التي لا تنتهي ما دام الفن مستمراً ومتغيراً ومتجدداً باستمرار حركة الحياة وتجددها وتناقضاتها وزحامها.

عدنان الصائغ
شاعر عراقي مقيم في لندن

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept