
سوالف مواطن
حرية إعلامية.. ولكن
يتقدم الخطاب الإعلامي خطوة من قضايا الناس
فيكتب له النجاح أكثر، ويقال إنه إعلام حقيقي يقترب من هموم المواطنين
وقضاياهم، فكلما تكلمت وسائل الإعلام (على اختلاف مسمياتها) سكت
صوت الفساد قليلا، بمعنى أن العلاقة عكسية بين الصوت الإعلامي وصوت
الفساد، فكأن الأول حين يفتح فمه بحرية هو سوط يخرس صوت المفسدين
في الأرض، وما اكثرهم فوق هذه البسيطة.
منذ عقود يوجد لدينا برنامج اسمه البث المباشر، كاد وخلال السنوات
الماضية أن يكون الطير المغرد خارج السرب حين يقارن بما تنشره الصحف،
حين يستمع المواطن لذلك البرنامج يشعر أن هامش الحرية كبير، وحين
يقرأ صحف بلاده لا يجد إلا أخبار صانعي الأحداث وعدد ضحايا الحوادث
(من السير وحتى التفجير).
سرنا قليلا باتجاه الحرية التي نتمنى، تلبست الأعمدة حالة من الحماسة
للكتابة عن موضوعات شائكة، صفق الناس لكتابها واعتبروهم شجعانا،
رغم أن الشجاعة تحسب لمن سمح بذلك، الرقابة وقد تخلت عن حيلها التقليدية،
الصحف حيث أصرت على رفع سقف الحرية أمام الكلمة، تلك الحماسة أغرت
بعض الصحفيين وكتّاب الأعمدة بالدخول بهمجية في عدد من القضايا المهمة،
العنوان مغر للقراءة، والفكرة جيدة، لكن التناول يبدو فيه قلة النضج
للتعامل مع السقف المرتفع لحرية الرأي بحيث تحول الرأي ووجهة النظر
إلى أحكام قطعية تستخدم كلمة "يجب" و"على الحكومة
أن" وأصبح المقال رائعا حين يكتب عن مسؤول كبير أو وزير، ولو
تمت مناقشة المقال بحيادية لخلا من الأدلة والبراهين، وبقي حماسة
لفظية تضرب "خبط عشواء من تصبه تمته"، فما أسهل أن نقول
أن اقتصادنا منهار، لكن أين هي الحقائق والأرقام التي تحلل وتستنتج،
وما أسهل الواسطة تفشت في كل مكان، بينما الكاتب لا يتحرك لقضاء
أية حاجة له من حوائج الدنيا إلا باتصالات ترجو الواسطة من هنا وهناك،
وتتسلق على الطوابير المنتظرة أمام نوافذ المؤسسات الخدمية بالمحسوبية.
رغم كل شىء، ستجد تلك المساحة من الحرية حقها يوما ما، وستنضج تجربة
التعامل معها، تماما كما يحاول المسؤولون التأقلم مع برنامج "هذا
الصباح" الذي اربك بعضهم كون أنهم اعتادوا على الأسئلة الجاهزة
والمعلومة التي على موظفي العلاقات العامة البحث عنها، هي أسئلة
المواطن التي لا يغلفها صحفي (أو تجبره الظروف على ذلك).. وهي إجابات
المسؤول.. على الهواء مباشرة.
نقطة ضوء:
كلما فتحت الحرية نافذة جديدة أعود إلى قول جلالة السلطان المعظم
لندرك أي واجب على المسؤولين الحكوميين تخلى أغلبهم عنه، وأي حق
لنا لم نجتهد من أجله، يقول النطق السامي: "المواطنون من حقهم
أن يعرفوا ما تبذله الحكومة من جهود في سبيل رفع مستوى المعيشة وتطوير
الاقتصاد وتنمية الثروات الوطنية ورعاية المجتمع وضمان أمنه واستقراره
والمحافظة على قيمه ومنجزاته".
محمد بن سيف الرحبي
alrahby@gmail.com
أعلى

اقول لكم
صوت الموسيقى
من أي مكان في دهاليز المخ يصدر هذا الصوت
المبهم المغلف بأسى شفيف؟ من الصعب وصفه بدقة، لكنه يشبه عزف ناي
يقترن بصور ضبابية لساحل البحر وغابة كثيفة ووشوشات موج وشقشقة عصفور..
شيء يماثل حلم منام أو يقظة لكنه ليس حلما.. ساءل نفسه بقلق: لماذا
ترتبط هذه الصور بذلك الصوت؟ .. هل لأن كل شيء في الذاكرة يمتزج
بالموسيقى كما يقول الكاتب تنيسي ويليامز؟
ينهض من قعدته متثاقلا .. يحاول القيام بنشاط حركي قد يطفئ اندلاع
هذا الصوت الذي ينزف داخله.. يتدفق النزف بايقاع أعلى يطغى على صوت
وقع قدميه المتوتر على الأرض.. يعود إلى مقعده يمتص ببطء بقايا قهوته
وتجري عيناه على صفحات جريدة يومية.. صخب أحداث العالم المجنون تفشل
في التغطية على ذلك الصوت الداخلي الذي يسكنه الآن تماما، وبشجن
عميق يصل به إلى درجة الاكتئاب.
تنعصر خلايا المخ بحثا عن منابع النزف ويتكرر الفشل.. يدير موسيقى
فيلم (صيف 48) يتذكر تلك المرأة عندما داهمها الحزن فجأة وانهارت
كل أحلامها إثر تلقيها برقية تفيد مقتل زوجها الضابط في جبهة القتال..
جرت المرأة على رمال الشاطئ عارية القدمين كالمخبولة وفردت ذراعيها
على اتساعهما.. رفعت وجهها إلى السماء وأخذت ترقص على ايقاع موسيقى
تنبعث داخلها.. ترقص باليدين بالقلب بالقدمين كطير ذبيح، وعندما
تملكها الاجهاد والتعب استلقت على شاطئ البحر وصوت الموسيقى ما زال
ينزف داخلها ـ داخله!
شوقي حافظ
أعلى

كل يوم
المقاومة العراقية وخسائر جيش الاحتلال
تقول الاحصائيات الرسمية الاميركية ان عدد
قتلى الجيش الاميركي المحتل في العراق بلغ (4) آلاف جندي بينما تشير
معلومات اخرى مستقاة من مصادر قريبة من المقاومة الوطنية العراقية
ان اجمالي الخسائر الاميركية قد وصل الى (38) الف قتيل و(50) الف
جريح (صلاح المختار ـ أخبار الخليج البحرينية 7 ابريل 2008).
والفرق بين الرقمين هائل ويدعو للاستغراب، ولكننا بالطبع نرجح ان
يكون جيش الاحتلال الاميركي قد مني بخسائر كبيرة جدا قد تقع بين
الرقمين : الأدنى والأعلى.
ان مصادر المقاومة الوطنية العراقية لا تبالغ في ارقامها لكنها تحسب
الخسائر بطريقة مختلفة، فهناك قوات جيش الاحتلال الاميركي، وهناك
قوات مرتزقة جندتها شركة (بلاك ووتر) وغيرها من شركات الامن والحماية
الخاصة، وبلغت اعداد مجندي الشركة المذكورة وحدها (120) الفا من
المرتزقة حسب مصادر اميركية ، غير ان هؤلاء لا تعترف بهم السلطات
الاميركية لانهم ليسوا اميركيي الجنسية بل حصلوا على (البطاقة الخضراء)
ووعدوا بالجنسية بعد انتهاء الحرب على العراق، ولهذا لا تحسب خسائرهم
في الاحصاءات الرسمية.
لا نريد ان نجعل من ارقام قتلى وجرحى الاميركيين نقطة مركزية، فالأصل
ان تكون هناك مقاومة للاحتلال، وهم يتوقعون المزيد من الخسائر، على
الرغم من ان المحتلين ظنوا ابتداء ان الشعب العراقي سوف يستقبلهم
بباقات الورود، فلم يجدوا احدا غير بعض تابعيهم ومرتزقتهم في استقبالهم
اضافة الى اولئك الذين جاءوا معهم على ظهور الدبابات والمدرعات الاميركية
الغازية.
مسألة المقاومة وشرعيتها ليست موضع خلاف ، فهي حق طبيعي لكل شعب
تقع ارضه تحت الاحتلال الاجنبي ـ أيا كان ـ. لكن الاختلاف حول طبيعة
هذه المقاومة في العراق، ومدى فاعليتها وتشكيلاتها ومواقعها واساليبها
القتالية.
ولا شك ان المقاومة الوطنية العراقية ، كما يقول الاستاذ صلاح المختار،
تتعرض للتعتيم الاعلامي في الصحافة ووسائل الاعلام الاميركية والأوروبية
وهي التي تستأثر بمصادر الاخبار، في غياب دور الصحافة العراقية والعربية،
وتغاضي بعضها المتعمد عن نشر اخبار صحيحة وموضوعية عن المقاومة.
ووفقا لمصادر محايدة فان المقاومة الوطنية العراقية موجودة، وذات
تأثير فاعل وواضح، ولكن المصادر الاخبارية الاميركية والاوروبية
تتعمد تشويهها وتلحقها بالارهاب، وتماهي بينها وبين عمليات الميليشيات
الطائفية وتنظيمات القاعدة ضد المدنيين والابرياء مما يساهم في اشمئزاز
الناس منها، ويضعف حضورها الاعلامي.
وقد تكون نشاطات تنظيمات المقاومة ذات الانتماء العروبي (القومي)
والاسلامي والوطني العام، أوضح من خلال محاولتها النأي بنفسها عن
الفتنة الطائفية واستخدام المفخخات والعمليات الاستشهادية ضد قوات
الاحتلال والقوات الحليفة لها فقط.
وبياناتها المتاحة على بعض مواقع الانترنت تشير الى انها تخوض حربا
شرسة ضد الاحتلال من جهة وضد اتباعه وحلفائه من جهة اخرى، وضد الميليشيات
الطائفية والتنظيمات الارهابية المتصلة بالقاعدة من جهة ثانية.
هناك خلط متعمد للاوراق، بين المقاومة والارهاب، بين انصار الاحتلال
ومعارضيه ومقاوميه بشتى الوسائل، والمقاومة تواجه المشرع الاميركي
التقسيمي الطائفي، مثلما تنشط ضد العمليات الارهابية التي تثير الفتنة
وتستهدف المدنيين والتجمعات السكانية واغتيال الشخصيات الوطنية والعلماء
واساتذة الجامعات والمثقفين المستنيرين.
المقاومة الوطنية العراقية تستهدف التحرير وتعزيز السيادة واستعادة
الدولة العراقية، ولهذا فهي ترفض الاحتلال والتقسيم والمحاصصة الطائفية،
والديموقراطية الزائفة وتقاوم ذلك كله بالسلاح وبالعمل السياسي.
د. محمد ناجي عمايرة
أعلى

باختصار
قمم
يلتقي الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والاميركي
جورج بوش في قمة حائرة لكن عينهما على اوروبا ، وفيما يرفض الاول
المقاسات العسكرية الاميركية التي يسميها بوش دفاعية وليست هجومية
فإن الثاني يتحرق شوقا لنشر صواريخه في تشيكيا وبولندا الامر الذي
ترى فيه موسكو تهديدا لأمنها القومي فيما جارتها ايران تتحسب له
لأنه يعنيها بالدرجة الاولى. لكن مجرد لقاء الرئيسين اللذين يخرجان
من الرئاسة الاول الى رئاسة الوزارة والثاني إلى البيت ، فإن العالم
ينتظر هذا الكباش بين دولتين يصر بوش على نهاية الحرب الباردة فيما
لا يعطي بوتين اي أمل بذلك. ولا شك ايضا ان الفضاء العربي محورا
من المحاور لكنه يظل يتيما لأنهما قد يتفقان على نقاط ويتركان الاخرى
للمساءلة.
وفي شرم الشيخ سوف يجتمع العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالله
العزيز مع الرئيس المصري حسني مبارك ، ليس فقط لمراجعة نتائج القمة
التي حصلت بغيابهما معتمدين بذلك على التقارير ، وانما لبحث امور
لم تستطع القمة العربية في دمشق ان تجد لها حلا سريعا أو تباشر بإزالة
عقدها ، كمثل الازمة اللبنانية بالدرجة الاولى والتي سوف تعيش حركة
واضحة لكل من الرئيسين نبيه بري وفؤاد السنيورة في تحركهما بين العواصم
العربية ، في وقت يهدد فيه قائد الجيش العماد ميشال سليمان الانسحاب
من طرح اسمه كرئيس للجمهورية. ولا شك ان الوضع في فلسطين سيكون على
رأس جدول ذلك اللقاء ، اضافة إلى امور اخرى.
اما القمة التي عقدت في دمشق فلن يتوقف تطوافها بين الازمات والمشاكل
التي قاربتها طالما ان سوريا هي رئيسة القمة لسنة طويلة قد تكون
حافلة بالمفاجآت. بعض المحللين رأوا في المناورة التي تجريها اسرائيل
ردا على تلك القمة ، كما وجدوا فيها اشارة إلى حرب محتملة، في وقت
يشير فيه رئيس الحكومة اللبنانية السابق سليم الحص ان " اسرائيل
باتت في الشيخوخة " وهي تعبير صارخ عن عدم الاهتمام بالمناورة
الاسرائيلية التي لم تجد لها صدى في الفضاء اللبناني بل عدم اكتراث
شعبي ، ويحدث ذلك لأول مرة ان من الجانب الاسرائيلي الذي لم يقم
مثل هذه المناورة منذ قيام اسرائيل ، أو الجانب اللبناني الذي فارق
الخوف من تلك الصور الماثلة امام عينيه وعلى مرمى حجر من حدوده.
ومع ذلك لن يستوي العالم في مشروع تلك القمم التي لن تلغي شتى الصراعات
التي تعقد من اجلها ، بل كأن تلك القمم تحاذر الضغط كي لا يلتهب
الجرح ، فهي اذن تلامسها على أمل ان يتمكن الزمن والصبر من ايجاد
حل اما بالانفجار او بالتفجير. فلا حل دائم ان لم يكن هناك عدل وتنازل
ورفع الظلم والمشاركة .. ولا حل اذا لم يوقف الكبار استمرار التلاعب
بالصغار واعتبارهم وقودا لمصالحهم ولحجم الاستفادة من تلك الصراعات
التي كلما اقيمت لها قمم ، صارت لها هيكلية ثابتة تحتاج بعدها إلى
قمم من اجل ما سبقها من قمم.
زهير ماجد
أعلى

3 ابعاد
ابن عمي جورج بوش
النجاح في اميركا يقاس بالمكسب، اي بالربح.
وكل مناسبة وطنية في اميركا، هناك من يحولها إلى ربح مالي. في عيد
الاستقلال هناك من يتاجر ببيع العلم الأميركي للزبائن. حتى في المناسبات
الدينية هناك التجارة من اجل الربح المالي. اعياد الميلاد تحولت
إلى سوق سنوية تجارية. والانتخابات الرئاسية الأميركية ليست استثناء.
في الاسبوع الماضي، اعلنت جمعية نيو انجلند للسلالات التاريخية انها
تعقبت سلالات كافة مرشحي الرئاسة ووجدت انهم جميعا يرتبطون بصلات
قرابة تتفاوت في بعدها او قربها بشخصيات مشهورة.
باراك اوباما له صلة قرابة بكل من الرئيس بوش والممثل السينمائي
براد بيت. وهيلاري كلنتون لها صلة قرابة بكل من النجمة السينمائية
انجلينا جولي وزوجة ولي العهد البريطاني كاميلا باركر. اما المرشح
الجمهوري جون ماكين فله صلة قرابة بوليم قلب الأسد، الملك الاسكتلندي.
ومن قبل قالت جمعية السلالات إن باراك اوباما يرتبط بصلة قرابة ايضا
بنائب الرئيس رتشارد تشيني، وهي صلة سخر منها اوباما بسبب بعده السياسي
والإيديولوجي عن تشيني. وصلة القرابة التي تربط اوباما بالرئيس بوش
ونائبه تشيني هي بطبيعة الحال من ناحية الأم. فالسناتور اوباما،
ابوه من كينيا، اما امه فهي اميركية بيضاء.
كل صلات القرابة هذه بعيدة. اي ان بوش واوباما هما اولاد عم من الدرجة
الثامنة. ولكن الجمعية التي تعقبت السلالات ونشرت نتائجها حققت لنفسها
بهذه الدعاية مكسبا ماديا وشهرة واسعة. فقد تدفق عليها ملايين الناس
العاديين يطلبون تعقب سلالاتهم على امل في ان تكون لهم صلة هم ايضا
ببعض المشاهير. هذه انباء طيبة لجمعية عمرها 163 عاما لم يسمع بها
كثيرون من قبل. وادى اقبال الناس على معرفة اصلهم الى زيادة في عدد
اعضاء الجمعية من 23 الفا فقط الى عدة ملايين. كثير من هؤلاء الناس
يسعون الى معرفة ما إذا كانوا يرتبطون بصلة قرابة مع مرشح رئاسي
او رئيس او شخصية مشهورة. لكن الأغلبية العظمى تسعى ببساطة الى تعقب
اصول عائلاتها.
لكن علماء السلالات يقللون من اهمية تعقب السلالات ومن النتائج،
ويقولون إن الجنس البشري بأسره هو مجموعة من الأقارب. ويقول العلماء
إن معظمنا يرتبط بصلة قرابة احدنا بالآخر.
كيف؟
لو عاد الشخص العادي إلى الماضي اربعمائة عام لوجد ان له حوالي مائة
وثلاثين الفا من الأقارب.
هذه المعلومة جعلتني اتراجع عن الانضمام الى عضوية جمعية السلالات
التاريخية. يكفي الآن ان افترض ان واحدا من اقاربي المائة والثلاثين
الفا هو جورج بوش، وان باراك اوباما هو ابن عمي من الدرجة العاشرة،
وان هيلاري كلنتون هي ابن خالة امي من الدرجة الثلاثمائة. والأهم
من المكسب المالي هو اني ورثت صفات قلب الاسد من الملك الاسكتلندي
وليم عن طريق قرابتي بسلالة جون ماكين. اما الممثلة انجلينا جولي
فلا يمكنني ادعاء اي صلة قرابة بها ولو قبل 400 سنة. فليست في سلالتنا
مثل هذه الحلاوة.
عاطف عبد الجواد
أعلى

اصداف
الاستخدام المفرط للقوة
منذ أكثر من سنتين والاميركيون يخططون ويعملون
جاهدين ويبذلون قصارى جهدهم، ليصلوا إلى ما وصلوا إليه مؤخرا، والذي
يتثمل بدفع الاجهزة الحكومية العراقية من شرطة وجيش وقوات خاصة ،
لتقف في بداية القوة ، التي تشن الهجمات ضد المواطنين العراقيين
، وتدهم المناطق والأحياء السكنية، وتدمر البيوت وتقتل الناس وتعتقل
المئات في كل هجوم.
لقد تجلى ذلك بكل وضوح في الهجمات الاخيرة على مدينة البصرة والصدر
والمناطق الاخرى، فقد وقفت القوات الاميركية في الخط الثاني، بينما
دفعت بالشباب العراقيين من المنتسبين إلى الشرطة والجيش، إلى واجهة
القوات التي تهاجم العراقيين، وان يكون المشهد دقيقا، فهذا الجمع
من العسكر العراقي يقتلون الناس في بيوتهم وفي الشوارع، وعندما يرد
مسلحون او مدافعون عن انفسهم، فإن القتلى من العراقيين، الذين يرتدون
الزي العسكري، وينفذون الخطط التي رسمها القادة الاميركيون في المنطقة
الخضراء، ومهما سالت الدماء، فإن ذلك يزيد من غبطة وسرور الاميركيين
الذين يتابعون المشهد لخطة بلحظة، ويقولون في اجتماعاتهم ولقاءاتهم،
ان هذه الدماء العراقية قللت من دماء الجنود الاميركيين، الذين كانوا
في السابق يقومون بهذه المهمة في شن الهجمات ضد بيوت العراقيين،
فيسقطون قتلى وجرحى بنيران المسلحين.
لقد قالها الاميركيون مرارا، انهم يبذلون قصارى جهدهم لتدريب القوات
الامنية العراقية من شرطة وجيش وتربيتهم على اقتحام بيوت العراقيين
وفتح نيران رشاشاتهم على كل من يصادفهم، وتوجيه اقوى الاهانات والاذلال
لمن يتم اعتقاله، وزرع الرعب والهلع في قلوب الاطفال والنساء.
وللأسف الشديد فإن جحافل من اجهزة الشرطة والجيش تحقق هذه الاهداف،
وتنفذ ما يريده المحتل، ولا يتردد هؤلاء في اطاعة اوامر قادة الاحتلال،
ويصبحون اداة قتل واذلال وتدمير لبيوت العراقيين.
ان المشهد الذي تجلى بأوضح صورة، هو مشاركة الطائرات الاميركية والبريطانية
في دعم قوات الجيش والشرطة وشنها الهجمات العنيفة ضد المدن والاحياء
في البصرة وغيرها من مدن العراق، بهدف تأمين الحماية للقوات الامنية
العراقية، وتشجيعها على ارتكاب ابشع الجرائم بحق العراقيين، ومما
يؤسف له، ان يصل الحال بالبعض إلى هذه الدرجة من السوء، اذ يطلقون
الاهازيج ابتهاجا بعمليات القصف الجوي، الذي يقتل الابرياء ويهدم
البيوت.
ان هذا المخطط الاميركي يتحقق وادواته كل من يشارك في قتل العراقيين
الابرياء وبأية وسيلة وطريقة كانت.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي
wzbidy@yahoo.com
أعلى

المشكلة القادمة!!
إن القراءة المتأنية للأوضاع الاقتصادية التي
يعيشها الوطن العربي لابد أن تضعك أمام احتمال قوي بأن هنالك مشكلة
غذائية بدأت تتجمع مفاصلها، وأن كانت بنسب متباينة بين بلد عربي
وآخر، لكنها في كل الأحوال ستكون مشكلة العرب خلال السنوات العشر
المقبلة قياساً على مفردات أصبحت واقعاً، وبعضها الآخر مازال في
طور التجمع داخل منطقة الظل، ولن تبقى هكذا مع استمرار هبوط المؤشر
التنموي الزراعي الذي يخيم على أكثر من بلد عربي واحد.
إن الصورة القائمة الآن للواقع الغذائي تشير إلى أن أكثر من 65%
من حاجة العرب للغذاء يتم تغطيتها عبر مستوردات خارجية، وأن الكلفة
الإجمالية لتلك المستوردات قد زادت تبعاً للزيادات التي طرأت على
أسعار المواد الغذائية عالمياً، فدول مجلس التعاون الخليجي على سبيل
المثال، تدفع سنوياً (12) مليار دولار لتلبية حاجاتها الاقتصادية،
ولا نحتاج هنا إلى عمليات حسابية معقدة بشأن الكلفة التي يمكن أن
تدفعها مصر مثلاً من أجل المقارنة إذا أخذنا الوضع الغذائي فيها،
بل يكفي قياس نفوس الشعب المصري لكي تتوضح الصورة عن هذه الكلفة
المالية الكبيرة.
ولعل الصورة تبدو أكثر وضوحاً من حيث حجم الضغوط التي من المنتظر
أن تقع على البلدان العربية في تلبية احتياجاتها الغذائية باحتساب
الأرقام التي أوردها البنك الدولي عن المتغيرات التي حصلت في أسعار
المواد الغذائية عالمياً، فقد أفاد البنك أن أسعار المواد الغذائية
زادت عالمياً بنسبة 75% خلال الأعوام السبعة الأخيرة بواقع إجمالي،
بينما ارتفعت أسعار القمح بمعدل تصاعدي خلال السنوات نفسها إلى 200%،
وانسحب الارتفاع على أسعار مواد غذائية مثل الرز والذرة وفول الصويا،
أما الملامح المقابلة إلى هذه الصورة فهي التي ترتبط بمشكلة معدلات
الإنتاج الزراعي الغذائي، إذ لم تشهد الدول العربية مثلاً زيادات
مؤثرة في إنتاج القمح ألا في عدد قليل من البلدان العربية مثل سوريا،
والمملكة العربية السعودية، والسلطنة، والجزائر، والمغرب، لكن هذه
الزيادات لم تغط حاجات تلك البلدان بما يحقق الاكتفاء الذاتي المطلق،
مع العلم أن القمح ليس المحصول الزراعي الوحيد الذي يحتل السلة الغذائية
الملبية للحاجة الغذائية.
ولاشك أن أزمة الرغيف المدعوم في مصر وظهور علامات بارزة من المجاعات
في دارفور، وعلامات أخرى عند بعض التخوم السكانية في أقصى جنوب دول
شمال الأفريقي العربي، تصلح عناوين للحديث عن المشكلة، بل وتصلح
أيضاً أن تكون محركاً لأجراس الإنذار التي لابد أن تقرع بصورة أكثر
إيقاعاً خلال القمة الاقتصادية العربية المقرر انعقادها في دولة
الكويت مطلع العام المقبل.
وإذا كان الحديث يدور الآن عن أزمة في الأفق بشأن المياه والمتغيرات
المناخية وما يتبعها من ظواهر الزحف الصحراوي والجفاف فأن الأزمة
الغذائية ستكون في صميم تلك الأزمات، نظراً لأن شحة الغذاء لا يمكن
أن تحصل إلا بضغوط هذه العوامل مجتمعة أو منفردة، ناهيك أنك تستطيع
أن تتكيف مع تلك الأزمات بطريقة ما باستثناء أزمة الغذاء التي قد
لا نجد الفرصة الحقيقية في مواجهتها إذا تفاقمت واستمرت ضغوطها دون
التوصل إلى حلول جذرية لها.
والمشكلة الأخطر ليست في شحة المواد الغذائية فحسب بل باحتمال أن
لا تملك بعض الدول العربية الإمكانية المالية التي من شأنها أن تغطي
مستورداتها من الغذاء، الأمر الذي قد يدفعها للوقوع في دائرة القروض
بآجال قصيرة ومتوسطة، وهكذا تتوارث اقتصاداتها عدم القدرة على الإيفاء
بتسديد تلك القروض، وهكذا أيضاً تتكرر دورات الاحتكار والهيمنة الاقتصادية
في الوطن العربي، مع ملاحظة أن النزعة الاستهلاكية المفتوحة للمواد
الغذائية الرئيسية في أغلب البلدان العربية لم يطرأ عليها أي متغير
من حيث فكرة ترشيد استهلاك الغذاء، بينما عالجت دول أجنبية ذلك منذ
سنوات طويلة وعلى سبيل المثال ماجرى في روسيا التي أعادت تغيير حجم
ونوعية إعداد الرغيف بما يمنع حصول متبقيات له بعد الاطعام، في حين
مازالت سلة المخلفات من المواد الغذائية في البلدان العربية تصل
في بعض الأحيان إلى 10% من حجم الرغيف حسب بعض الدراسات الميدانية،
كما أن العديد من المناطق الريفية تحولت إلى مناطق مستهلكة للمواد
الغذائية وليس منتجة لها بمعنى أنها أخذت تسد حاجتها من السوق بينما
كانت سابقاً تسد هذه الحاجة مما تنتجه وتصدر المتبقي إلى الأسواق.
عادل سعد
كاتب عراقي
adelsaad62@yahoo.com
أعلى

ما بعد العولمة .. الهوية واللغة والحق العربي (1)
شهد العقد الأخير من القرن العشرين سباقاً
محموماً نحو العولمة بكافة مظاهرها الثقافية والاستهلاكية والعمرانية
وغيرها، وأخذ الأكثر تنقلاً بين البلدان يبحثون عن أسلوب الحياة
ذاته والطعام ذاته والفنادق ذاتها كي يشعروا بالألفة أثناء أسفارهم
وكأنهم لم يغادروا الموطن الذي انطلقوا منه. وراقت الفكرة للكثيرين:
أن تصل آخر أصقاع الأرض وتشعر أنك لم تغادر بلدتك الصغيرة. ولكن
وبعد فترة من الزمن وبعد أن أخذت هذه العولمة تعويم وتعميم أساليب
الدول الصناعية المتقدمة على الدول النامية، الأقل تطوراً، بدأت
بعض الدول النامية تستفيق من سهوتها وتدرك أخطار هذا الغزو الثقافي
والاقتصادي والاجتماعي على تراثها وهويتها الحضارية وعلى خصوصية
هوية شعوبها ، بما فيها لغتها وفنونها المعمارية والتشكيلية واليدوية
والغذائية وغيرها. ولذلك بدأنا نشهد اليوم حركات يقظة في أنحاء مختلفة
من العالم لإعادة الاعتبار لخصوصية "الهوية" والتخفيف
من الانبهار بالحداثة وأساليبها السهلة والمغرية، والتي قد لا تنسجم،
في نهاية المطاف، مع طبيعة ومناخ وحياة وتطلعات الشعوب المختلفة
المنتشرة في أصقاع الأرض، والتي تعيش مراحل متفاوتة من تطورها التاريخي.
بسبب الظروف التي أحاطت باستقلال العرب وتطوّرهم في القرن الماضي
فقد تفاوتت درجات انخراطهم بمسار العولمة هذا، ولكن بشكل وسطيّ وعام،
قد يكون العرب من أقلّ الشعوب انخراطاً حقيقياً وجوهريا بالمسار
المعولم، إلى حدّ الآن، ولهذا قد يكون الأسهل عليهم اليوم العودة
إلى خصوصيتهم، التي ما زالت قابلة للإنقاذ، وإلى مكوّنات هويتهم
التي تحتفظ بأسرار قوتهم وغنى حضارتهم التي وفرت زاداً ثميناً لنهوض
البشرية وارتقائها في مجالات عدة. وأهمّ ما بقي متجذراً في الثقافة
العربية هو الصبغة الروحانية الإيمانية للمسلمين والمسيحيين باعتبار
أن هذه المنطقة هي مهد الديانات السماوية الثلاث، ومبعث الوحي للإنسانية،
الأمر الذي يتناقض مع أخطر مفرزات العولمة، ألا وهي المادية الشرسة
للعالم الذي تتحكم فيه الشركات المتعددة الجنسيات، والتي لا تعرف
روحاً أو رحمة. إذاً الصراع اليوم على منطقتنا العربية، وبالإضافة
إلى دوافع الطمع بثروات وأرض وخيرات هذه الأمة، هو صراع أيضاً على
هويتها وعلى روحها وكرامتها وعزتها المشرقية، في محاولة سافرة لتغيير
هذه الهوية إلى هوية معولمة تستبدل كل الموروثات والمكنونات الحضارية
والتاريخية العظيمة والعريقة بمظاهر عيش اخترعتها شعوب حديثة العهد
بالحياة البشرية وذات قيم مختلفة تماماً، أساسها الغنى المادي والأنانية
المفرطة.
في هذا الإطار يصبح الجواب على هذه الهجمة، بالضرورة، متعدّد الجوانب
والأوجه والآفاق. فالتمسك باللغة وتحديثها لتواكب متطلبات العصر،
هو مقاومة نبيلة للغزو اللغوي والثقافي، والتمسك بالحِرَفِ والمهن
اليدوية العريقة هو مقاومة لصناعات بائسة رخيصة وقميئة تحاول أن
تحلّ محلّ ذوق وحرفة تطورا وتألقا خلال آلاف السنين. والتمسك بالأسلوب
الغذائي المناسب للطقس والمناخ والبيئة وما تنتجه الأرض هو مقاومة
نبيلة لمحاولة الشركات المتعددة الجنسيات أن تجعل العالم برمته تابعاً
لها في لقمة عيشه لتقطع هذه اللقمة متى تشاء، أو تستخدمها في الابتزاز
السياسي وحتى العسكري منه. والعمران والبناء على ما درج الأجداد
من بناء يأخذ بالحسبان عوامل الطقس والطبيعة والمواد المحلية المقاومة
لعوامل الطقس، هو أيضاً مقاومة لأسلوب عمراني معولم، تستورد أشكاله
ومواده بذريعة انخفاض التكلفة أو جمالية الحداثة، ولكنّه في الواقع،
يزيح من الساحة أشكالاً متوارثة من العمارة أنضجتها تجارب الأجداد
خلال آلاف السنين فوصلت إلينا روعة في الجمال والتحكم بعوامل الطقس
والبيئة وأثرهما على جسد الإنسان وطبيعة عيشه وتحركاته.
مع أن العرب هم أقلّ استقبالا لمظاهر العولمة في شؤون عدّة فقد كانوا،
ربما، من أوائل ضحايا العولمة حين يتعلق الأمر بلغتهم وثقافتهم.
فقد فهم البعض الانفتاح على العالم والانخراط فيه على أنه يعني التخليّ
عن لغتنا العربية واستخدام لغة الآخر، والتي أُطلق عليها لغة العلم
والتكنولوجيا، مع أن اللغة العربية كانت السباقة كلغة للعلم والاختراع،
فقد أبدع العرب في الرياضيات والفلك والعمارة والقانون بلغتهم العربية،
كما أبدعوا في الشعر والأدب والدين. وهذا لا يعني، بأي حال من الأحوال،
الانكفاء على لغتنا وعدم إتقان اللغات الأخرى، ولكن على ألا يكون
إتقان أية لغة على حساب إتقان اللغة العربية، بل أن يكون زاداً إضافياً
لاتساع الأفق وتعميق المعرفة والاختصاص. إذ إن ما يجري في بلداننا
العربية أمر مستغرب تماماً. إذ تجد أطفالاً من العرب، في مدن عربية،
ولأبوين عربيين، لا يتقنون العربية، ولا يقرؤون الشعر العربي، ولا
يتأسسون في الثقافة العربية الثرّة. وهذا أمر لا تجده في أي بلد
آخر، إذ إن أشدّ الشعوب إتقاناً للغات الغير يبدأون دائماً وأبداً
بإتقان لغتهم الأم أيما إتقان لينتقلوا منها إلى إتقان لغات أخرى.
إذا أضفنا إلى هذا الأمر ضعف عادة القراءة لدى العرب إجمالاً، فهم
من أقلّ الشعوب قراءة، نستطيع أن نرى خطورة ما يجري على مستقبل أجيالهم،
وخطر تفكك "العروة الوثقى" بين هذه الأجيال الصاعدة ولغتهم
وحضارتهم وتاريخهم، والتي هي المكونات الأساسية لهويتهم وانتمائهم.
في عصر يتسم بسرعة إنتاج وتوزيع المعلومة، ويتسم بإهمال العرب للغتهم
الأم، وندرة إنتاجهم الفكري، مع غزارة الإنتاج الموجّه إليهم، والذي
يستهدف قلوبهم وعقولهم وقناعاتهم، أصبح التوقف والتأمل في متطلبات
ما بعد العولمة بالنسبة للعرب، وما تمليه عليهم هذه المرحلة، إذا
ما أرادوا أن يكون لهم مكان تحت الشمس، وإذا ما حلموا باستعادة دور
فاعل لهم على المستوى الإقليمي والدولي أمرين ملحّين فعلاً. وإذا
أخذنا بعين الاعتبار مصدر المعلومة التي تغذيّ الفضائيات العربية،
ووسائل الإعلام العربية المقروءة والمسموعة والمرئية، وهو مصدر في
الغالب غير عربي، إذ لا توجد وكالة أنباء دولية واحدة تنشئ الخبر
من وجهة نظر العرب، وإذا ما أضفنا إلى ذلك تسابق الآخرين لإطلاق
فضائيات تابعة لهم بلغتنا العربية وترجمة مجلاتهم وجرائدهم ووسائل
إعلامهم للإنسان العربي، نخلص من كلّ هذا إلى واقع إغراق العرب بمواد
إعلامية وثقافية وإخبارية ذات منشأ وهدف غير عربيين، أي استلاب العرب
لغتهم وثقافتهم، وتحويلهم إلى شعب مستهلك حتى للإعلام الذي يلخّص
قضاياهم المصيرية والجوهرية. وعلى سبيل المثال لا الحصر، ما هو منشأ
كلّ ما نراه ونسمعه من أخبار عن فلسطين والعراق والسودان والصومال
ولبنان، ومن الذي يصيغ هذه الأخبار حتى عن مجريات الأحداث التي تتعرض
لها هذه البلدان؟ إن قراءة متأنية في اللغة التي تستخدم اليوم في
وسائل الإعلام العربية، وغير العربية، لوصف التحديات التي يواجهها
العرب، تُري، دون أدنى شك، أنّ انزياحاً سياسياً خطيراً يطرأ على
الحق العربي ومكانته في نفوس الآخرين نتيجة انزياح لغوي وإعلامي
يصممّه وينفذه المنقضّون على هذه الأمة، ويستقبله العرب ويستخدمونه
بانسلاب كامل، ليصبح بعد حين الصيغة الرسمية المتداولة عالمياً وليغدوَ
الأساس الذي ينطلق منه أعداؤنا لتوصيف كنه المعركة بيننا ومتطلبات
وشروط الحلّ. ولأنّ الآخرين أخذوا على عاتقهم صياغة المعلومة والخبر،
فقد تحكموا أيضاً بتوصيف حق العرب والنيل من هذا الحق بطريقة تزيح
عن كاهلهم معركة سياسية أو عسكرية، من خلال نشاط لغوي وثقافي وإعلامي
مدروس ومركّز يجهز على الحق العربي من حيث لا يدري العرب ويقطع شوطا
باستلاب العرب المعرفي والثقافي والحقوقي.
والأمثلة هنا أكثر من أن تحصى وهي بحاجة إلى مقال آخر لأقدّم للقارئ
العربي نماذج من هذا الانزياح اللغوي والإعلامي الخطير. ولأضرب مثلاً
واحداً اليوم.
ففي التسعينيات وأثناء مفاوضات السلام تضمّنت مرجعية مدريد للسلام
تفكيك المستوطنات الإسرائيلية على الأرض العربية. وبعد ذلك عوّمت
إسرائيل مصطلح إخلاء المستوطنات، وبعد فترة من ذلك أدرجت إسرائيل
في الإعلام مصطلح تجميد المستوطنات. ومنذ حوالي عامين بدأ الإعلام
الاسرائيلي يبث التمييز بين المستوطنات وبين "النقاط العشوائية"
ويقول إن المستوطنات غير قابلة للتفاوض ، والشيء الوحيد الذي يمكن
الحديث عنه هو "النقاط الاستيطانية"، والتي تتحول بدورها
طبعاً إلى مستوطنات. وفي آخر ما صدّرته إسرائيل في هذا الصدد: "إسرائيل
توافق على بناء مساكن جديدة في مستوطنة في الضفة الغربية"،
وفي خبر آخر "مجلس القدس يوافق على ستمائة منزل لليهود في المنطقة
العربية، وبعد أيام كان الأمين العام للأمم المتحدة ومسؤولون عرب
يرددون العبارة ذاتها بأن إسرائيل تبني مساكن جديدة لليهود ليزيلوا
كلمة الاستيطان من القاموس دون أن تتصدى لذلك مرجعية لغوية إعلامية
عربية تضع الأمور في نصابها الصحيح. وللحديث بقيّة..
د. بثينة شعبان
وزيرة المغتربين في سوريا
أعلى
اتركوا سعر صرف الدولار ينهار!
الأزمة المالية التي تعاني منها الولايات المتحدة
حالياً لا تعتبر أزمة إذا لم تكن ترغب في بيع منزلك، وإذا كنت لا
تمتلك منزلاً عليه رهون عقارية وإذا كنت تمتلك عملاً دائماً لن تخسره
قريباً. وهناك العديد من الفرضيات التي تحكم هذا الموضوع. لذا، دعونا
نفند كل فرضية على حدة:
يرغب عدد قليل جداً من الأميركيين في بيع منازلهم التي يعيشون فيها
خلال الوقت الراهن. والأشخاص الذين باعوا منازلهم في المضاربات العقارية
تعرضوا لخسائر كبيرة. وإجمالاً يمكن القول بأن هؤلاء الأشخاص ضاربوا
وخسروا. ويمتلك عدد قليل جداً من الأميركيين رهوناً عقارية. والأشخاص
الذين كان لديهم قروض ائتمانية يعانون من المشاكل التي تواجه القطاع
الائتماني. ويملك معظم الأشخاص وظائف من المستبعد أن يخسروها قريباً.
فلماذا تحدث كل هذه الجلبة؟ من الممكن أن تكون الإجابة هي انهيار
الأسواق المالية.
ولكن، ألا يتعين علينا أن ندع الشركات والمستثمرين الكبار يتعرضون
للخسارة، وعلى كل، فإن هؤلاء المستثمرين سوف يظلون كباراً. والإجابة
هي "لا"؛ لأن الأسواق الائتمانية الكبيرة تؤثر علينا جميعاً
مثلماً حدث خلال أزمة الكساد الكبير.
والسؤال هو: ماذا يجب أن نفعل؟
وتبدأ الإجابة على هذا السؤال بمعالجة قلب المشكلة وهي أزمة الرهون
العقارية. ويجب أن يتم تخفيض هذه الرهون إلى أقل من القيمة الحالية
للمسكن، بحيث يخسر المقترض إذا فكر في بيع منزله. وسوف يتعين على
الحكومة و"دافعي الضرائب" أن تدفع مبالغ إضافية للقضاء
على مشكلة الرهون العقارية. ويجب النظر إلى هذه المبالغ على أنها
إعانة مالية، وهي الإعانة المالية الوحيدة، التي يجب أن تقدم إلى
المقترضين.
وإذا تم إعفاء المقترضين من ديونهم العقارية، لن يكون هناك أزمة
في الأسواق المالية. وفي المستقبل، يمكن أن ننظم الأسواق لمنع تجدد
أزمة الرهون العقارية. ولكن دعونا من المستقبل. والآن، سوف ننتقل
إلى الأزمة الاقتصادية الحقيقية وهي ارتفاع أسعار النفط وقلة فرص
العمل المتاحة أمام المواطنين الأميركيين. وهناك حل بسيط لمشكلة
ارتفاع أسعار الوقود، ولكنه حل مؤلم. ومن أجل توضيح هذا الحل، دعونا
نقول بأن هناك الكثير من دول العالم التي تبيع برميل النفط بسعر
20 دولارا مثل النفط المستخرج من المياه والنفط الكندي. ولكن من
سينظر إلى برميل النفط الذي يصل سعره إلى 20 دولارا إذا كانت بعض
الدول الأخرى تبيع البرميل بسعر 5 دولارات. والإجابة هي "لا
أحد". وبشكل أساسي، يجب أن يضمن دافعو الضرائب الأميركيون للمنتجين
الفعليين أن سعر النفط لن يهبط في المستقبل تحت حاجز 20 دولارا للبرميل
وأن هذه الدول لن تخسر استثماراتها في مجال النفط. وهذا أمر سهل.
وتحتاج الولايات المتحدة إلى التأكيد على أنها سوف تشتري كل كميات
النفط التي تباع بسعر 20 دولارا للبرميل قبل شراء أي شيء من دول
الشرق الأوسط والدول الأعضاء في منظمة الأوبك. وهذا الإجراء سوف
يدفع سعر برميل النفط للانخفاض إلى أقل من 20 دولارا، ولكنه سيقلل
من إمكانية عودة السعر إلى 5 دولارات للبرميل إلى الأبد. وهذا أمر
مؤلم.
ومشكلة قلة فرص العمل المتاحة للمواطنين الأميركيين لها حل بسيط.
ولكن قبل ذلك، دعونا نشجع انخفاض سعر صرف الدولار الأميركي، وهي
الخطوة التي سيكون لها نتائج جيدة على الاقتصاد الأميركي بوجه عام.
ولنفترض مثلاً بأن سعر صرف الدولار انخفض بنسبة 50%، من سيهتم بهذا
الانخفاض؟
الإجابة هي هؤلاء الأشخاص الذين يخططون للسفر إلى الخارج من أجل
شراء بعض الأغراض، وسوف تزداد تكلفة هذه الرحلات. وبالنسبة للأشخاص
الذين يرغبون في زيارة الدول الإستوائية، هناك جزر فيرجين الأميركية.
أما بالنسبة للأشخاص الذي يرغبون في زيارة القطب الشمالي، ننصحهم
بزيارة ألاسكا. وبالنسبة للأشخاص الذي يرغبون في التزلج على الجليد،
ننصحهم بزيارة كلورادو. وإذا كانت الإجابات غاية في البساطة، فلماذا
لا ننفذ هذه الحلول؟
والإجابة هي لأن كل الحلول مؤلمة. وتحتاج الولايات المتحدة إلى أشخاص
على شاكلة هربرت هوفر وفرانكلين روزفلت. ويجب أن نفعل أي شيء، وليست
هناك مشكلة في اتخاذ إجراءات مؤلمة!
ومن حسن الحظ أنه سيكون لدينا رئيس وكونجرس جديد في شهر يناير القادم،
ولكن الفترة المتبقية طويلة جداً. ونحن نحتاج بشكل أساسي من الرئيس
بوش إلى إجراء تغييرات في طريقة تفكيره، ويجب أن يقترح بوش تخفيض
الرهون العقارية، ويجب أن يضمن أيضاً طرح تصورات منطقية للتغلب على
أزمة ارتفاع أسعار النفط، كما يجب أن يدعم انخفاض سعر صرف الدولار.
ومن سوء الحظ أنه من المستبعد تنفيذ أول مقترحين. وسوف يحدث الاقتراح
الثالث فقط بدون موافقة بوش. وطالما كان لدينا هذا القدر الكبير
من العجز الحالي في الميزان التجاري، سوف ينخفض الدولار. ويجب أن
ينخفض الدولار لعدة أسباب بسيطة منها: الحصول على العملات الصعبة
لدفع العجز في الميزان التجاري، ويجب أن نقترض أيضاً من الخارج.
وفي النهاية، تعب الأجانب من الاقتراض لأنهم سوف يخسرون أموالاً
على أرصدتهم بالدولار إذا استمر هبوط العملة الأميركية.
وفي نفس الوقت، سوف يحول المستثمرون الكبار أموالهم إلى عملات أجنبية
للاستفادة من هبوط سعر صرف الدولار. وعندما يحولون أموالهم مرة أخرى
إلى الدولار، فسوف يحصلون على دولارات أكبر. وبشكل أساسي، يمتلك
هؤلاء الأشخاص كمية غير محدودة من الأموال التي سينقلونها. ومع نقلهم
لهذه الأموال، سوف يزداد حجم العجز التالي الحالي. وسوف يزيد حجم
الضغط على الدولار بدلاً من انخفاضه.
ليستر ثورو
أستاذ الإدارة والاقتصاد والعميد الفخري لكلية إم آي تي صالون للإدارة.
خدمة جلوبال فيوبوينت خاص بـ (الوطن)
أعلى
كينج وكيرنر .. وأجندة أميركية غير منتهية
لدى أميركا الكثير لتفكر فيه وتتأمله خلال
الذكرى الأربعين للتقرير النهائي لـ " لجنة كيرنر "، واغتيال
القس مارتن لوثر كينج، ودورة أحداث الشغب التي أعقبت ذلك في واشنطن
وبالتيمور وشيكاغو وأكثر من 100 مدينة أخرى عبر أميركا. سمعنا خطبة
السيناتور باراك أوباما المستبصرة عن الجنس أو العنصر وردود الأفعال
التي أثارتها. واليوم، للأسف، ما زال حلم الدكتور كينج مؤجلا.
إن السيناتور السابق فريد هاريس وأنا ( كاتب هذا المقال ) العضوين
الباقيين على قيد الحياة من أعضاء " اللجنة الاستشارية القومية
لدراسة الاضطرابات المدنية التابعة للرئيس ليندون جونسون "
( وهذا هو الاسم الرسمي للجنة التي كان يرأسها حاكم إلينوي آنذاك
أوتو كيرنر). وخلصت لجنتنا إلى أن إحباط السود نما من سوء التمثيل
وسوء الاستيعاب في النظام السياسي، وفي الشرطة، وفي وسائل الإعلام
وفي كل جوانب الحياة الأخرى في الحياة الأميركية. قمنا بالحض على
استثمارات جديدة في الوظائف والمدارس والإسكان. وأعلنا أن الفقر
وعدم المساواة والعزل أو الفصل العنصري في "جيتو" عنصري
أنشأ بيئة مدمرة غير معلومة تماما لمعظم الأميركيين البيض. واعترفنا
بأن أميركا البيضاء قد أنشئت وحافظت على الجيتو وأن المجتمع الأبيض
تغاضى عنه. هذه كانت كلمات قوية، ولكننا اعتقدنا بأن الحقيقة تحتاج
إلى أن تُروى وتقال.
واعتقدتُ ( وأعتقد أن الآخرين كانوا يعتقدون أيضا ) أن الرئيس جونسون
كان يستحسن تحليلنا المضني ويدعم ويؤيد توصياتنا. ولكن الرئيس الذي
فعل الكثير جدا للحقوق المدنية كان ينأى بنفسه عن نتائجنا. لم يدعونا
إلى البيت الأبيض للإفراج عن التقرير، كما كان معتادا، كما لم يتبن
توصياته.
وبتأمل الأحداث الماضية واسترجاعها إلى الذاكرة، يمكنني أن أرى أن
تقريرنا كان قويا جدا بالنسبة له ليأخذ به. فقد أشار التقرير إلى
أن كل إنجازات جونسون الكبرى - تشريعه في مجال حقوق الإنسان وبرنامجه
لمكافحة الفقر "هيد ستارت" وتشريع الإسكان وسائر ما يتعلق
بـ" المجتمع العظيم " - كان مجرد بداية فقط. وطلبنا منه
- في سنة انتخابية - أن يوافق على فكرة أن أميركا البيضاء تحمل كثيرا
من المسئولية عن شغب وتمرد السود. وبرغم من أن الرسالة كانت صادقة
وحقة، إلا أنها كانت شائكة وصعبة جدا سياسيا في التعامل معها.
لقد أمكن لأعضاء لجنتنا أن يروا ويتصوروا بشق الأنفس الخطى الواسعة
التي صنعها الأميركيون من أصل إفريقي منذ الإفراج عن التقرير أو
يتخيلوا ويدركوا الأعداد المتزايدة والتقدم والتأثير الذي للأميركيين
من أصل لاتيني. فمع صعود مناضل ومكافح أميركي من أصل إفريقي للرئاسة،
قد يلهث المراقبون النزيهون الهادئون وراء مسألة ما مدى ما حققناه
في جيلين. إن الإنجازات التي حققها السود والأميركيون من أصل لاتيني
في مجالات التجارة والأعمال والتسلية والترفيه والفن والرياضة والسياسة
جديرة بالملاحظة وبارزة، ولكنها ليست استثناء.
غير أنه بالرغم من رؤية إنجاز الأميركيين من أصل إفريقي والأميركيين
من أصل لاتيني البارعين والتقدم الذي تحقق في العلاقات بين الأجناس
الذي تم تحقيقه في هذا البلد، من أجل فقراء أميركا - أولئك الذين
لا يعلمون ما هي الرعاية الصحية لأنها بالنسبة لهم غير موجودة، وأولئك
الذين يُعد السجن بالنسبة لهم أكثر احتمالا بكثير من المدرسة أو
الكلية، وأولئك الذين تم التخلي عنهم في أسوأ المراكز الحضرية المنحطة
المليئة بالجريمة بسبب هروب وانتقال سود الطبقة الوسطى والبيض والأميركان
من أصل لاتيني - فإن المستقبل يمكن أن يكون أسود كما كان بالنسبة
لنظرائهم في فترة الستينيات من القرن الماضي.
إن الظروف والأحوال الأساسية التي حددتها "لجنة كيرنر"
على أنها العوامل المساهمة الرئيسية في القلاقل المدنية منتشرة وسائدة
، إن لم تكن مؤذية ومضرة، اليوم كما كانت من 40 سنة مضت. ونقص الإسكان
الآمن الممكن تحمله وغياب الوظائف أو الأمل في المستقبل قيدت مزيدا
من مواطنينا في عالم مألوف على نحو مخيف تسبب لوقت ليس بالطويل جدا
مضى في اضطراب المدن.
وحتى نستأصل ونقضي على الظروف التي وضعت أجيالا في حرمان وبؤس ويأس،
نحن ملزمون بحصاد محصول مرير.
وسيتطلب تحقيق حلم الدكتور كينج تأمينا اقتصاديا وصحيا وتمكينا للعمال
وتدريبا في الوظائف واحتفاظا بها وتوفيرا واستحداثا لها وتعليما
عالي الجودة للفقراء من الأقلية وكذلك للعمال المهملين ذوي الياقات
الزرقاء والطبقة الوسطى القلقة.
لقد أطلقت مؤخرا " مؤسسة أيزنهاور " - والتي كنتُ أنا
أمينا لصندوقها لسنوات كثيرة - استراتيجية لهذه النهاية. إن حركة
جديدة من أجل ما يُسمى بـ" الاتفاق الاقتصادي النزيه"
قائمة على تحالف من هؤلاء المواطنين يمكن أن تصبح أساسا لإنشاء ما
سمته لجنة كيرنر " الإرادة الجديدة ". وإذا أمكن تغيير
الإرادة السياسية على المدى الطويل، فربما يمكننا البدء في مواجهة
حتى القضايا الأكثر صعوبة - مثل كيفية العودة إلى تكامل واندماج
بين الأجناس وكيفية التصدي لتحكم وسيطرة الشركات وجماعات الضغط والمصالح
على العملية السياسية وكيفية تدشين إصلاح مالي حقيقي وغير ذلك.
لقد قطعنا شوطا، ولكننا ما زال أمامنا المزيد من الأشواط لنقطعه.
ودعونا لا ننتظر قدوم ذكرى سنوية أخرى، سواء أكانت بعد عقد من الزمان
أم كانت حتى بعد سنة واحدة، لنفعل شيئا.
ادوارد بروك
جمهوري من ماساشوسيتس وأول أميركي من أصل إفريقي يُنتخب في مجلس
الشيوخ الأميركي. وقد مُنح وسام الحرية الرئاسي في عام 2004
خدمة " واشنطن بوست " - خاص بـ" الوطن "
أعلى
القاعدة ومأزق الفرادة الفلسطينية
أثارت التصريحات التي أطلقها قبل فترة قصيرة
الرئيس محمود عباس بشأن وجود تنظيم القاعدة في قطاع غزة، العديد
من التساؤلات حول المغزى الكامن وراء إطلاقها من جانب، وحول إمكانية
صحتها ودقتها من جانب آخر، بل وأثارت معها أيضاً موجات من الاحتجاج
التي قابلتها ليس فقط من قبل حركتي حماس والجهاد الإسلامي التي قالت
عنها بأنها تأتي في سياق سياسة التحريض التي يمارسها ضد حركة حماس
، ومحاولة للاستقواء بالمجتمع الدولي ضدها، بل جاءت الاحتجاجات أيضاً
من قبل بعض القوى والأحزاب الفلسطينية المقربة أو المحسوبة للسلطة
الوطنية الفلسطينية، التي اعتبرت التصريحات إياها، تشكل اسهاماً
ولو بشكل غير مباشر في توفير المسوغات للاحتلال في عدوانه على قطاع
غزة ، فالرئيس أبو مازن قال في حينها لوكالة الصحافة الفرنسية "أعتقد
أن القاعدة موجودة في الأراضي الفلسطينية وتحديدا في غزة ، والذي
جاء بالقاعدة حركة حماس والذي يساعدها على الدخول والخروج بالطرق
المعروفة هو حركة حماس.
ولكن أين الحقيقة من كل هذا وذاك ؟
في حقيقة الأمر، إن خصوصية الساحة الفلسطينية وفرادتها قد أفرز معطيات
غير شبيهة بالمعطيات التي وفرت التربة المناسبة لانتشار خيوط التنظيم
القاعدي في العديد من البلدان، حيث بات الإسلام الوسطي المعتدل جزءاً
من المعادلة السياسية والكفاحية الفلسطينية في إطارات العمل الوطني
الفلسطيني، وفي الشارع الشعبي عموماً.
ومع انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة عام 1965، وجدت حركة الإسلام
السياسي متسعاً لها في صفوف حركة فتح، خاصة إذا علمنا بأن غالبية
القيادات الفتحاوية ، اخوانية الجذور. ففي البداية شكلت حركة "فتح"
بيئة عمل لإسلاميين فلسطينيين لم تعبر حركة الإخوان المسلمين عن
طموحاتهم في الانخراط في العمل العسكري ، على هذا النحو التحق عبدالله
عزام بحركة فتح قبل عام 1970 وانشأ ما سمي في أغوار الأردن "معسكر
الشيوخ " الذي ضم عدداً من المشايخ الفلسطينيين الذين لم تفسح
لهم حركة الإخوان المسلمين إمكانية القيام بأي عمل عسكري ضد الاحتلال
داخل فلسطين أو من الخارج نحو الداخل. ولكن ما لبثت التجربة الاخوانية
بقيادة الشيخ عبد الله عزام أن انتكست في حركة فتح ، فانسحب قادتها
، ومنهم الشيخ عبد الله عزام الذي لعب دوراً كبيراً في وقت لاحق
، حيث كان الحالة الأبرز التي هيأت لانطلاق ظاهرة الأفغان العرب
أواسط ثمانينيات القرن الماضي ، فقد أسس "بيت الأنصار "
في مدينة بيشاور الباكستانية الذي يعتبر النواة الفعلية التي توالد
من رحمها " تنظيم القاعدة " وحتى الظاهرة الطالبانية،
ومن حينها ترك عبد الله عزام تأثيراً كبيراً وسط مجموعات ليست بالضيقة
من الشباب الفلسطينيين الذين انخرطوا في صفوف مجموعات "الأفغان
العرب" ومن ثم تحول غالبيتهم إلى صفوف طالبان والقاعدة ، بينما
تواتر ظهور أفراد منهم من العائدين إلى فلسطين أو إلى المخيمات الفلسطينية
في الأردن على وجه التحديد (أطلقوا على أنفسهم: العائدين من الجهاد
العالمي إلى الجهاد الوطني)على شكل تجمعات دعت نفسها بأسماء متعددة،
منها " كتائب التوحيد "، و" الجماعة السلفية "،
و" كتائب سيوف الحق الإسلامية "، التي نشطت في أعمال قالت
إنها تصب في خدمة الشريعة، وتهيء أسباب الجهاد.
وفي الواقع العملي المباشر انطلقت الدلالات عن محاولات يتيمة انتهت
في حينها في مهدها، عندما قام تنظيم القاعدة ببذل جهوده لزرع وجوده
في فلسطين عبر بعض البيانات المذيلة بتوقيع تنظيم القاعدة في فلسطين
، والتي تم توزيعها بشكل محدود في قطاع غزة منذ أعوام أربعة مضت
، وأثارت في حينها مجموعة من التساؤلات عن مدى الحديث الجدي عن وجود
تنظيم للقاعدة في فلسطين كما كانت وما زالت تروج المصادر الأمنية
الإسرائيلية. وفي هذا السياق، يمكن القول بأن محاولات القاعدة اليتيمة
للانتشار في الداخل الفلسطيني بدأت بوادرها مع ظهور مجموعات تناسلت
أو جاءت من رحم تنظيم القاعدة بعد عامين ونيف من انطلاقة الانتفاضة
الثانية ، وظهر الإعلان الأول عن تشكيل مجموعات للقاعدة في فلسطين
في قطاع غزة عبر بيان جماهيري تضمن النص التالي:" تم بحمد الله
تشكيل مجموعة الجيش الإسلامي التابع لتنظيم القاعدة في أرض الرباط
ضد الاحتلال الغاصب، تلبية لله ولكلام الشيخ المجاهد أسامة بن لادن
والشيخ أيمن الظواهري والشيخ المجاهد أبي مصعب الزرقاوي، سنستهدف
كل عدو للإسلام والمسلمين وسنضرب بيد من حديد كل الحملات الأميركية
والصهيونية ونفجّر بأجسادنا كل مواقعهم ونزلزل الأرض من تحت أقدامهم
وسنعرض على شاشات التلفاز صوراً لمجموعاتنا المقاتلة حتى يعرف أعداؤنا
أننا لا نتهاون وأننا جدّيون بأفعالنا "، فتم بذلك تأسيس مجموعة
عسكرية في المحاولة اليتيمة للقاعدة تأتمر بأمرها، وفي بيان التأسيس
المشار إليه أعلاه، والذي صدر في الثامن من مايو 2006، ولم يتم التعاطي
معه بجدية واهتمام. وظهر الإعلان الثاني عن وجود مجموعات من القاعدة
في فلسطين في الثاني من أغسطس 2007، من خلال عمليات عسكرية تحدث
عن قيام مجموعة من مقاتلي تنظيم القاعدة في فلسطين بقصف مستعمرتي
نافية دكاليم، وجاني طال اللتين كانتا مقامتين في قطاع غزة قبل تفكيك
مستعمرات القطاع والانسحاب الإسرائيلي منها، مع إعلانات وأفلام تبشر
ببدء نشاط تنظيم كتائب الجهاد في فلسطين " تنظيم قاعدة فلسطين
".
وفي حينها تلا ذلك بياناً أخر عن تنظيم القاعدة في فلسطين يتضمن
المسؤولية عن محاولة اغتيال رئيس المخابرات الفلسطينية طارق أبو
رجب شنيورة، ومن حينها، اختفى تنظيم القاعدة نهائياً في فلسطين إلى
أن تم الإعلان عن قيام جيش الإسلام أو كتائب التوحيد والجهاد ، الذي
اعتبره البعض في معلومات يعتريها الشك الكبير ، ذراعاً للقاعدة عبر
تبنّي خطف الصحفي البريطاني آلان جونستون، فقامت وسائل الإعلام وأجهزة
الأمن الإسرائيلية بالترويج الهادف والمدروس للمعلومات غير الدقيقة
المتعلقة بتضخيم وجود ما يسمى جيش الإسلام وإرجاعه للقاعدة ، وذلك
لأسباب استخدامية باتت مفهومة في محاولة تشويه الكفاح الفلسطيني
العادل وخلطه بالإرهاب ، وإثارة الفزع الأصولي وتكرار مقولة "
الإسلام فوبيا " أمام العالم بأسره، ليتبين بنهاية المطاف أن
تنظيم جيش الإسلام لم يكن سوى مجموعة مسلحة جرى حلها لاحقاً، بقيادة
شخص متنفذ من عائلة دغمش كان أساساً من كوادر حركة فتح ، وأن مجموعته
لاعلاقة لها البتة بأي موضوع ذي بعد سياسي أو أيديولوجي.
ونشرت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية في 14/5/2007 خبراً
فحواه أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ووزارة البنية التحتية ستشرعان
خلال الأشهر القادمة بتحصين منشآت الطاقة الإسرائيلية وزيادة وتنويع
مصادر الغاز والنفط وذلك في أعقاب تحذير استخباري عام حول نية تنظيم
القاعدة استهداف منشآت النفط والغاز في الشرق الأوسط بشكل عام وتلك
التي تؤثر على إسرائيل بشكل خاص الأمر الذي قد يلحق ضررا كارثيا
بالاقتصاد الإسرائيلي. وفي هذا السياق، يلحظ بأن ظاهرة انتشار تنظيم
القاعدة في فلسطين ما زالت متواضعة ومحدودة جداً جداً، في ظل الأجواء
الفلسطينية العامة في الضفة الغربية وقطاع غزة على حد سواء، التي
لا تساعد على نمو وانتشار الظواهر ذات التطرف الفلسطيني، فالفلسطينيون
ليسوا بحاجة لوصفات قادمة من الخارج ، والبيئة الفلسطينية في الداخل
لا تساعد على نمو اتجاهات التطرف، التي تصطدم مرة جديدة بخصوصية
الوضع الفلسطيني المثقل بالتجارب والآلام ، والمشبع بالتعددية، والطامح
نحو الديمقراطية الداخلية في سياق مشروعه الوطني المتواصل منذ عقود
طويلة من الزمن.
فطيف المقاومة والعمل الوطني بما فيه الإسلامي الجهادي في فلسطين
ممثلاً بحركتي حماس والجهاد الإسلامي أوسع وأرسخ وأبقى من تيارات
التطرف الأصولي التكفيري ، وأوسع من حصره بمجموعة متطرفة (موجودة/غير
موجودة) وافدة إليه من الخارج. فالإسلام السياسي ومعه الإسلام الجهادي
في فلسطين يمتلك من الحضور والفعالية والتجربة الواقعية والانغراس
في النسيج المجتمعي الفلسطيني ما يسد الطريق على قدوم أفكار تكفيرية
من خارج فلسطين ، ومن الصعب عليها أن تجد مجالاً للتعبير عن نفسها
في ظل انخراط ووجود حركتي حماس والجهاد الإسلامي في المقاومة العسكرية
وغير العسكرية المباشرة للاحتلال الإسرائيلي.
علي بدوان
كاتب فلسطيني
عضو اتحاد الكتاب العرب
أعلى