الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 


مبتدأ
العلم والفن






مبتدأ
خذلان

لم يكن المحارب القرطاجي الأسطوري الثائر ( حنبعل ) يرغب في أكثر من استعادة كرامة شعبه وهيبة وطنه قرطاج، جراء الإذلال الذي تمارسه الإمبراطورية الرومانية المتسيدة على المسرح العسكري والسياسي آنذاك. وقد تكبد المحارب الفذ حنبعل الكثير من المشاق والمصاعب، وتنكب الطرق الوعرة في سبيل ذلك رغم درايته بأنه يناطح أقسى الوحوش وأعتى الإمبراطوريات صولة وعنفوانا. لقد كانت مغامرة عنيفة وجريئة تلك التي قام بها في سبيل مهاجمة روما في عقر دارها، حيث سلك بجيشه، الذي استخدم فيه الفيلة، عبر سلسلة جبال الألب، وطاف ممراتها الوعرة والمتجمدة، وتحمل قساوة الطقس البارد جدا وقلة المؤونة والعتاد والأوبئة والجوع وطول الطريق، الذي لقي جراءه العديد من الجند حتفه وانتهى أمره في مجاهيل جبال الألب وغاباتها الموحشة.
لقد كانت روما في مأمن تام من جهة الجبال، فلم يدر في خلدها أن تهاجمها الأشباح القرطاجية غيلة من وراء ظهرها المنيع الذي لا يمكن تسلقه وعبور متاهاته واجتياز فخاخه ومقاتله، إلا أن القائد القرطاجي العظيم فاجأ روما ببراعته العسكرية وإرادته القوية المدفوعة برغبة التحرر من هيمنة الذل والقهر الروماني، فألحق بروما الهزائم التي أدمت خاصرتها وكسرت كبرياءها، فدوخت القادة وحيرت الساسة وأبكت الأمهات الرومانيات اللاتي لم يتعودن البكاء على قتلى الحروب.
المكافأة التي حصل عليها حنبعل بعد عودته إلى روما هي تنكر قومه له وخذلانهم له، فقد اعتبروا ما قام به تصرف فرديا، وكثرت حوله المؤامرات والدسائس، خوفا من انتقام روما، حتى اضطر في خاتمة المطاف إلى الهرب بحثا عن من يعاضده ويناصره ضد الطغيان الروماني. وتحت مطاردة الرومانيين وعملائهم ضاقت به الأرض بما رحبت، فأسند رأسه على متكئ صغير من الأرض وتجرع السم ثم مات وحيدا طريدا أعزل.
ذات الاختيار الذي اختاره قبله الفيلسوف اليوناني سقراط حين خذله قومه وخيروه بين الموت أو التخلي عن مبادئه، متهمينه بالخروج على الدين وتسميم أفكار النشء.
إن المتأمل في تواريخ الرسالات والثورات الكبرى يرى أن خذلان هذه الدعوات يأتي من أهلها الذين تستهدف تحريرهم وتنويرهم والارتقاء بهم، وتسعى إلى تغيير حياتهم إلى المراتب الأسمى، إلا أن هذه الشعوب والدول تتنكر لدعاتها وأبطالها وعظمائها، فتقف ضدهم وتعيق مسارهم بدلا من أن تكافئهم وتناصرهم في تحقيق أهدافهم النبيلة.
هذا الخذلان يعيشه المبدع اليوم في أغلب أنحاء الأرض، لاسيما الوطن العربي، حيث تضيع الحريات تحت سياط القمع والزيف الإعلامي والهشاشة في التعامل مع الكثير من القضايا المصيرية التي تؤرق بال المبدع والمفكر وتقض مضجعه... فمتى نخرج من ظلمات هذا النفق؟

حسن المطروشي


أعلى




قارئةُ الأمنيات

فرّتِ الأمنياتُ من مخالبِ القدر،
صلواتُ الحَرْثِ تشتتُ الغائبين،
والرسومُ القاطنةُ كهوفَ الغابرين تسكنُ جدرانَ الذاكرة،
لم نقتحمْ أسوارَ النهار،
وخانةُ الفراغِ أبصرتْ الموائد،
لم تضعْ الفنارَ في مهبِ الموج،
أكنستِ فناءَ الموتِ الخلفي؟!!
ـ قالتْ ـ..
أم نسيتِ أن تزرعي الوردةَ الذابلةَ في حلوقِ الصحراء؟!!
كنتُ أشربُ من جرّةِ الغروب،
قبل أن ترحلَ شمسُ السرابِ عن عصافيرِها المندسةِ بين غيمتين.
(هي)..
مَن يتزاحمُ في شَعرها الليل،
ومن يرسمها على قميصِ الغياب،
شرودُ البالِ لا يقبض على الساكنين،
شغلتْ الكبدَ بروحها،
أعيدي الفراتَ إلى ساكنيه،
أعيدي المياهَ إلى شطّها،
وكيف تعيدينها؟!!
(هي)..
لم تعد مياهُنا إلى مكامنها،
أسكنتها الريح،
ما عادت تنبسُ بيقين،
لا شفاه لها،
صوتها الغرائبيّ ذهب في الفلاةِ طريدَ الملوكِ،
لم تعد تنسابُ كما كانت ذات ليل،
العاشقون لم يعودوا يرتادون ضفاف الأنهار،
والأنهارُ لم تعد تحتضنُ العشاق.
ما الذي بقي؟!!
ـ قالتْ ـ
وأرسلت نظرتها المغلقةَ نحو البحيرة،
كم كنتُ أتمنى أن أفردَ ذراعيّ
كما طائرٍ أثينيّ سئم حبسه في زنزانة الأساطير،
هذا ما كنتُ أتمناه..
ولكن..
ما تزال الأساطيرُ تسكنُ قبابَ الأمنيات،
وما تزال الحدائقُ تشرب من ماءِ الأهوار،
وتبتسمْ.

بدرية الوهيبي*
* شاعرة عمانية

 

أعلى





أسئلة في الثقافة والقراءة

محمد المسروري: القراءة لدينا ليست ترفا وأمام جيل الشباب مغريات كثيرة
علي العوفي: مكتبات الجامعات مصدر جذب ثقافي فلابد أن تكون أبوابها مشرعة أمام الجميع
زكريا المحرمي: ضرورة مراجعة مناهج التفكير حتى لا نحارب طواحين الهواء
سليمان المعمري: الإذاعة في حد ذاتها كتاب لا يشترط مثقفا أو حتى متعلما لقراءته
بدر المسكري: تبني نمط حياة تربوي وتثقيفي ينشئ الأجيال على حب القراءة
يعقوب الخنبشي: القراءة تحتاج إلى نفس طويل وسط مغريات تقدم معلومة سهلة

استطلاع ـ إيهاب مباشر:هل نحن حقا (أمة اقرأ) ؟! وهل نحن من حرفنا هذه المقولة بأيدينا فأصبحنا (أمة اقرأ التي لا تقرأ) بشهادتنا قبل غيرنا ؟! ما الذي أوصلنا إلى هذه الحالة من التدني عن غيرنا من الأمم التي رممت حضارتنا وألبستها أثوابها ؟! هل أصابع الاتهام تشير إلى الجيل الحالي الذي هجر الكتاب إلى غير رجعة ؟! أم ينبغي ألا نحمله أشياء فوق طاقته، فالمغريات والانشغالات أمامه كثيرة ؟! وهل نلقي اللوم على الآباء الذين لم يفطنوا إلى أهمية إهداء أبنائهم كتبا في مناسباتهم الجميلة ؟! أم كل اللوم على الحكومات التي لم تنشئ الجيل الحالي على ثقافة القراءة بتكثيف تواجد المكتبات العامة ؟! أم أن المكتبات موجودة ولكن دورها ليس مفعلا وتنقصه أدوار كثيرة ينتظرها منها المجتمع ؟! وهل العيب في الكتاب الذي أعز نفسه عن قرائه ؟! أم العيب فينا نحن القارئين ؟! وهل منوط بوسائل الإعلام أن تكون لها اليد الطولى في هذا الموضوع، فتكون برامجها موجهة لمعالجة هذه القضية، أم أنها تزيدها تعقيدا ؟! وهل هناك من كتب يشار إليها بأصابع الاتهام لأنها تسهم بشكل أو آخر في العزوف عن القراءة ؟!، وهل العزوف عن القراءة يعني التراجع الفكري والثقافي العربي ؟!
كل هذه الأسئلة وغيرها وجهناها إلى ذوي الاختصاص من أصحاب الشأن الثقافي، ثلة من المثقفين على اختلاف مشاربهم واتجاهاتهم وقناعاتهم الثقافية .. فكانت (أسئلة في الثقافة والقراءة) .. ,,

الجيل الحالي والقراءة
لماذا كان يقرأ جيلكم .. وهل اختلف الفعل القرائي لدى جيل الشباب عن جيلكم .. ؟
بادئ ذي بدء .. توجهت بهذين السؤالين إلى الشيخ محمد بن حمد المسروري، نائب رئيس المنتدى الأدبي، فهو يمثل جيلا أثرى المشهد الثقافي العماني من خلال انفتاحه على ثقافة الآخر بكثير من الود الذي تعامل به مع كتب كافأتهم على ودهم بثراء لغوي وفكري، يقول الشيخ محمد المسروري: القراءة لدى جيلنا لم تكن ترفا، بل كانت حاجة، وحاجة ملحة، كنا نقرأ لنتعلم ونستفيد مما قرأناه، فتجد أحدنا يقرأ على سبيل المثال رواية كاملة خلال يوم واحد أو يومين وتجدنا نعيد القراءة والقراءة على ذلك الكتاب، وأنا لي أسلوبي في قراءتي، فأنا كلما قرأت صفحة أقوم بعمل ما نسميه ملخصا، وكنا في السبعينيات والنصف الأول من الثمانينيات وقد كان الوقت ممتدا وطويلا لدينا ولم تكن تلك المؤثرات الموجودة حاليا من سماوات مفتوحة على العديد من الفضائيات، وكذلك لم تكن شبكة الإنترنت، فإذا ما تابع أحدنا وقتها المذياع ـ الذي كان في ذاك الوقت يحتوي على محطة رئيسية فقط ـ فإنه سرعان ما ينتقل إلى القراءة التي كانت تملأ كل أوقاتنا ثقافة ومعرفة، وأنا شخصيا لم أخلد إلى النوم الآن إلا عندما أقوم بقراءة كتاب وقد هيأته لأنني لا أستطيع أن أقرأ أي شيء ولكن كل ما له قيمة، فعادة ما تكون قراءتي في النصوص الأدبية الجديدة، فهي إما أن تعمل على إفادتك في صقل موهبة أو على الأقل تكوين متعة تستمر في ذائقتك في القراءة، فالقراءة كانت من أجل القراءة والعلم من أجل العلم.
أما جيل الشباب، فنحن لا نستطيع أن نحملهم ما يثقل كواهلهم لأن أمامهم الكثير مما يشغلهم، حيث التعليم والوسائل الأخرى كالإنترنت التي بها الغث والثمين مثلما الكتب التي لا تسلم هي الأخرى وبها الغث والثمين، هناك من يحرص على تلقين أبنائه على كيفية الانتقاء وتمييز ما هو مفيد ومميز على سواه، وسائل الجذب كثيرة ومتعددة، كل يحاول أن يجذبك في اتجاهه، التليفزيون هذا الصندوق العجيب، في السابق لم نجد سوى قناة محلية واحدة فقط وكنا نحفظ برامجها عن ظهر قلب، هذا الزخم الكبير والهائل وهذا التزاحم في القنوات الفضائية الآن لم يترك الشباب للقراءة ومن ثم تحويل ما قرأ إلى أفكار نيرة تعينهم على فعل كل ما هو خير، فهذه المغريات الكثيرة تجعل الكثير من الشباب يبعدون عن الكتاب كرافد مهم من الروافد الثقافية. ومع ذلك هناك مجموعات من الشباب يقرأون ويركزون على الفائدة من قراءتهم، بدليل ما يشهده معرض مسقط الدولي للكتاب في جميع دوراته وكذلك معارض الكتب المجاورة، نجد طوابير الشباب العماني الذين ينهلون من العناوين المعروضة بهذه المعارض، الأدبية منها والثقافية والدينية والعلمية وكتب التكنولوجيا، فهؤلاء الشباب يحملون عناوين قيمة من هذه المعارض، فلا يزال للكتاب مكانه وأعتقد أنه سيبقى، فالفعل القرائي يبدأ مع الطفل ويصاحبه في طفولته وفي المدرسة ويستمر حتى تكون هناك علاقة حميمية بينهما، ولا نستطيع أن نعمم فكرة عدم القراءة على الجميع لكن هناك اشتغالات تشغل الشباب عن الفعل القرائي القراءة موجودة الآن لكن ليست القراءة التي كانت. المتعة القرائية موجودة لدى كل واحد فينا من خلال القراءة وغيرها، نحن نجد المتعة القرائية من خلال ما نقرأه بين السطور ومن خلال ما نقرأه في الصور وما خلفها، وهذا يولد لدينا حب القراءة والاستمتاع بها.
المسئولية هي بالتوازي على كل الأجيال، فلا نستطيع أن نظلم الجيل السابق لأنه كانت هناك أمية وقتها لأن حديثنا منصب عمن يقرأون، ولا نستطيع أن نظلم الجيل الحالي لأن المغريات كثيرة.
انطلاق فكري
ما مسببات القراءة التي نفتقدها في محيطنا العربي .. ؟ وما دور المكتبات العامة والمدرسية والجامعية في توسيع مساحة القراءة لدينا والحد من ظاهرة العزوف عن القراءة ..؟
سؤالان موجهان للدكتور علي بن سيف العوفي، بقسم علم المكتبات والمعلومات بجامعة السلطان قابوس، الذي أجاب عنهما وأفاض في شرح المسببات وطرق علاج ظاهرة العزوف عن القراءة، وقد تعامل مع هذه القضية بأريحية كاملة، معطيا الدليل على الدور الحقيقي للباحث وأستاذ الجامعة تجاه قضايا مجتمعه المصيرية، يقول الدكتور علي العوفي: هناك من يعتقد خطأ أن القراءة هواية، ولكن المطلع على ثقافات وسلوكيات الأمم القارئة والمنتجة يدحض هذا الاعتقاد وينكره، فالقراءة يجب أن تكون ظاهرة اجتماعية عامة وعادة وسلوكا يكتسبه المرء منذ صغره. لم تكن رؤيتي للقراءة غير المتخصصة في محلها إلا بعد ما قدر لي الوقوف شخصيا على جوانب مهمة من سلوكيات مجتمعات متقدمة قضيت فيها برحا من الزمن أو أخرى أتيتها مؤتمرا أو سائحا، ولا شك أن المجتمعات الغربية كافة تتشابه من حيث عادات القراءة لديها وأهميتها في تدوير وصناعة وإنتاج المعرفة. كنت عندما أستقل حافلة نقل أو قطارا أو طائرة، أجدني أبحلق في جموع الراكبين ممعنا النظر في النسبة الكبيرة من الراكبين الذين استقرت أعينهم على صفحات كتب أو مجلات يمسكونها بأيديهم باختلاف فئاتهم العمرية سواء كانو أطفالا أو شبابا أو شيوخا. هذه النظرة ظلت تتكرر بتواتر كبير مع طول ملاحظتي لواقع هذه الأمم فوجدتهم يقرأون أيضا في المقاهي والحدائق والمتنزهات وفي مواقع الانتظار للحصول على خدمات معينة، ومنهم من وصل شغفه بالقراءة إلى اصطحابه كتابه إلى دورات المياه. لم تكن عادات القراءة لدى هذه الشعوب تحصل هكذا تلقائيا، بل دفعتها عوامل الرغبة إلى التغيير المستمر والإدراك الشديد بأن القراءة هي الباعث الأول والمحرك الأساسي للتثقيف الذاتي والتنمية والتطوير المجتمعي وهي مفتاح السيطرة على القوة والمعرفة معا. لن أتحدث عن فوائد القراءة هنا، لأن ليس للقراءة ثمة أضرار كما أعتقد.
كنت أحلم بانعكاس لهذه العادات في وطننا العربي وأتخيل حدوثها. كانت ثمة تساؤلات وأفكار تفتعل في ذهني، ما الذي يمنعنا من جعل القراءة شبيهة بعادة الأكل والشراب لدينا؟ إننا نتوق شوقا إلى الأكل والشراب وفي المقابل لا نفعل ذلك مع القراءة، إننا أمة اقرأ التي لا تقرأ. يتقطع القلب أسى لحال شباب هذا الوطن عندما تراهم جماعات كثيرة يصعب حصرها تزدحم بهم أرصفة الشوارع كما يحدث الآن في منطقة الخوض لاستعراض متع سياراتهم وهواتفهم المتحركة ومستجداتها أو لعبهم الورق أو تقاتلهم مع بعضهم البعض لأتفه الأسباب أو استعراض قدراتهم القيادية بدراجاتهم أو سياراتهم في الشوارع العامة للقضاء على أرواحهم وأرواح الأبرياء، أو تجدهم يكنسون الأسواق والمراكز التجارية الكبيرة جيئة وذهابا بحثا عن لا شيء سوى اللهو وإزعاج راحة الآخرين. فهل هذا ما يفترض أن يفعله زهرة هذا البلد وساعده القوي مستقبلا ؟ لا شك أن القراءة ثم القراءة ثم القراءة هي الحل الأمثل في القضاء على هذه الظاهرة المقيتة أو المساعدة في التقليل منها، ولا يحصل ذلك إلا بتعاون المجتمع ومؤسساته المدنية الثقافية والتعليمية.
لا ريب أن للقراءة مسببات كثيرة نفتقدها في محيطنا العربي. من أهم هذه المسببات هو الدور الذي يلعبه الآباء في تشجيع أبنائهم على القراءة منذ نعومة أظافرهم وتمكينهم من الحصول على المصادر والموضوعات المناسبة للقراءة سواء كانت مجلات أو كتبا أو مواد إلكترونية كالقراءة من خلال الإنترنت (ظاهرة حديثة)، ولا يتأتى هذا الأمر إلا إذا كان الآباء أنفسهم يقرأون ويمتلكون الحس المدرك لأهمية القراءة، ولو نظرنا إلى إقليمنا العربي لوجدنا أن الأمية والجهل وعدم الإدراك لا زالت تسيطر على نسبة ليست قليلة من حجم السكان العربي بحسب إحصائيات الأمم المتحدة، فيصعب الأمر على أطفالنا وشبابنا أن يعطوا ما يفتقده آباؤهم، ورغم ذلك فان الجهل وعدم الإدراك لا ينبغي أن يكون عاملا ذا تأثير سلبي في ضعف انتشار ظاهرة القراءة، فالنسبة القليلة من المجتمع القارئ لديها القدرة الجامحة على بعث التغيير وإضاءة ظلام الجهل وحض الآخرين على القراءة المفيدة. رغم أن العامل الذي ذكرته أعلاه من العوامل المهمة التي تؤدي إلى ضعف القوة القرائية لدى الشعب العربي إلا أنني سأتحدث في هذا الموضع عن ضعف الجانب التعليمي والأكاديمي ودور المكتبات العامة والمدرسية والجامعية في توسيع مساحة القراءة في الوطن العربي وتشجيع الناشئة والكبار معا على وضع القراءة أولى اهتماماتهم، وسأخص بالذكر واقعنا المحلي في السلطنة، مع إشارة سريعة إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه الجامعات والمؤسسات الأكاديمية في الحد من ظاهرة العزوف عن القراءة .
تحتضن المدرسة الأطفال منذ سن السابعة بعد خروجهم من عشهم الصغير، وتكون المدرسة بمثابة الانطلاق الفكري لهؤلاء الأطفال وهناك تتشكل خصائصهم الاجتماعية والثقافية والأخلاقية في تنظيم حياتهم داخل وخارج المدرسة. المدرسة وهيئة التدريس إضافة إلى المكتبة المدرسية (مركز مصادر التعلم حديثا) هم جزء من هذا التنظيم، ومن واجباتهم توجيه الطالب نحو القراءة المفيدة وليس الاكتفاء بالاعتماد على الكتاب المدرسي، فمركز مصادر التعلم يحتوي على أنواع مختلفة من مصادر المعلومات منها التقليدية كالكتب والمجلات والمراجع والمصادر الحديثة كالوسائط المتعددة ومصادر المعلومات المحوسبة شاملا ذلك الإنترنت والتعلم على استخدامها بشكل موجه ومفيد. في الجانب الآخر، يعاون المجتمع ـ من خلال المكتبات العامة ـ المدرسة، في تحقيق أهدافها وتكملة بنائها، فلا بد وأن تتوافر مكتبات عامة (جامعات الشعب) حديثة ومتطورة في المدن لاحتضان طلاب المدارس خارج نطاق ساعات المدرسة وفي أيام الأجازات المدرسية والرسمية لصقل مواهبهم وتنمية مهاراتهم القرائية ومساعدتهم على إكمال واجباتهم والتزاماتهم المدرسية من خلال التنوع الذي تقدمه المكتبات العامة من مصادر معلومات، عوضا عن أن المكتبات العامة تكون بمثابة بيوت للعلم والمعرفة تجذب فئات المجتمع الأخرى كالمهنيين والعمال والموظفين وربات البيوت والباحثين عن العمل في استغلال أوقات فراغهم وتطويعها لتنمية خبراتهم ومعارفهم في موضوعات حيواتية شتى.
مساحة المعرفة
هنالك جانب آخر في قضية العزوف عن القراءة تلعبه الجامعات والمؤسسات الأكاديمية ما بعد الشهادة العامة. في حين أن الجامعات في الدول المتقدمة ممثلة بمكتباتها الأكاديمية الكبيرة تفتح أبوابها لطلابها كما لا تبقيها مغلقة للمقيمين والباحثين عن المعلومات والمعرفة من سكان المنطقة، نجد في المقابل أن هذه الخدمة غير متوافرة إطلاقا في جامعاتنا الحكومية في السلطنة أو الدول المحيطة. أمر يدعو للدهشة أن تصرف الجامعة مثلا أموالا طائلة لشراء الكتب ومصادر المعلومات الأخرى وتحصر استخدامها لطلاب الجامعة فقط علما بأنها لا شيء تخسره لو نشرت هذا الاستخدام أو مددته خارج الحرم الجامعي ليشمل كل طلاب العلم والمعرفة من مواطنين ومقيمين. الهدف من إقامة الجامعات في أي بلد يتمثل في مساعدة مواطنيه على تجاوز الصعوبات والمساعدة في تطوير البلد والرقي به حضاريا وتعليميا واقتصاديا، فعندما تمتد مساحة المعرفة إلى ما بعد طلبة الجامعات وطاقم هيئة التدريس فقط بحيث تشمل جميع الباحثين عن المعرفة، فان ذلك من شأنه أن يساعد على تحقيق ذلك الهدف بسرعة وبكفاءة أعلى. وإذا كانت قوانين النشر أو قوانين حق الاستخدام تحظر استخدام مصادر المعلومات غير التقليدية كالدوريات الإلكترونية مثلا، فإنها لا تستطيع حظر استخدام الكتب المطبوعة مثلا داخل المكتبة أو خارجها طالما أن الكتب التي تم شراؤها لغرض الإعارة تمتلك المكتبة حقوق استخدامها. لنفكر قليلا في النفع والضرر الذي يسببه منح غير طلاب الجامعات أحقية استخدام المكتبة، فان كانت المنفعة تغلب على الضرر من الاستخدام فالأولى أن يتاح للآخرين استخدام المكتبات الجامعية ولننظر دائما إلى القيمة المضافة لا إلى صياغة قرارات تمنع استخدام المكتبات الجامعية لغير الطلاب وأعضاء هيئة التدريس بالجامعات دون سبب مباشر. الجامعات على أية حال، يمكنها أن تلعب دورا مباشر في مساعدة المجتمع المحيط وتشجيعه على القراءة. من شأن مكتبات الجامعات أن تكون أجواؤها مريحة وممتلكاتها من مصادر المعلومات المتنوعة مصدر جذب قوي للقراء والباحثين عن المعرفة. فعندما يأتي أحد القراء إلى المكتبة الجامعية من المجتمع المحيط ويعجب بالخدمات المقدمة وبحجم المساحة المتوافرة للاستخدام الخارجي للمكتبة، فانه سينشر الفكرة تلقائيا إلى أصدقائه أو أقرانه أو أقاربه، الأمر الذي يساعد في توسيع دائرة استخدام المكتبات الجامعية كما يساعد على زيادة النسبة القارئة من أفراد المجتمع ولهذا ستتحول القراءة إلى عادة بين أفراد المجتمع وسيزيد انتشارها.
هناك جانب آخر يجب أن تلعبه الجامعات والمؤسسات الأكاديمية في وطننا العربي في تعزيز أهمية القراءة لدى أولياء الأمور وأبنائهم من خلال عقد الندوات والمحاضرات وتفعيل دورات تدريبية تتضمن برامج وأفكارا مختلفة منها مثلا برامج قراءة القصص والحكايات لأطفال ما قبل المدرسة، فالطفل الذي يتعود على القراءة في صغره ويشجع عليها، فانه بكل تأكيد سيتعود عليها وتكبر معه وتصير جزءا من حياته. هنا في السلطنة مثلا، يمكن لأقسام معينة في جامعة السلطان قابوس أو جامعات محلية أخرى تبني هذه الأفكار، فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن موضوع القراءة يشكل اهتمامات أقسام مثل قسم علم المكتبات والمعلومات التابع لكلية الآداب والعلوم الاجتماعية وأخرى تتبع مظلة كلية التربية كأقسام طفل ما قبل المدرسة وقسم تقنيات التعليم، فمن شأن هذه الأقسام أن تلعب دورا مهما في تبني مثل هذه الأنشطة والبرامج وتفعيلها بصورة مستدامة. تستطيع هذه الأقسام متمثلة في أطقم التدريس والطلبة المنتسبين لديها الإسهام بصورة فاعلة في عقد وتنظيم برامج متخصصة في المدن والأرياف والقرى ويكون الهدف الأساسي هو إقناع الآباء بأهمية القراءة لدى أطفالهم وتشجيعهم لها وشراء الكتب والمواد المناسبة للأطفال بما يتناسب وفئاتهم العمرية المختلفة.
في الأخير، يؤسفني القول إن أحد أهم أسباب العزوف عن القراءة في السلطنة هو ضعف اهتمام الجهات الحكومية المختصة بإنشاء وتفعيل دور المكتبات العامة التي بدأ وجودها يظهر في أوروبا منذ القرن السابع عشر، وهي الآن يتجاوز عددها 4000 مكتبة عامة في دولة مثل المملكة المتحدة، في حين تبقى شبه معدومة في دولة تحض بقوة على التطوير وبناء الإنسان كالسلطنة مثلا. المكتبات العامة في رأيي الخاص هي السبب القوي والمباشر جدا في جعل القراءة عادة لدى أبناء الوطن من أطفال وشباب وشيوخ ونساء، وهي مطلب أساسي جدا، فكما تقوم الدولة بتوفير التعليم الأساسي والرعاية الصحية دون مقابل للشعب، فكذلك عليها الالتزام بتوفير مكتبات عامة متطورة في كل ركن من أركان هذا الوطن المعطاء. وعليه فانه يطيب لي مناشدة الجهات المختصة في النظر في موضوع المكتبات العامة بعين الاعتبار والتقدير.
جراح ثقافية
هل تراجع معدل القراءة العربية يعني التراجع الفكري والثقافي العربي ..؟
سؤال ذو أهمية بالغة، فالقضية لدى البعض لم تكن مجرد اقتناء كتاب أو قراءته من عدمه، إنها قضية الثقافة عامة، فهي الهدف والمبتغى من وراء القراءة، فهل يوجد فعلا عزوف من العربي عن الكتاب ؟! وهل هذا العزوف أدى إلى تراجع في معدل قراءته ؟! وهل هذا التراجع في معدلات القراءة يعني التراجع الفكري والثقافي العربي ؟! يجيبنا عن هذه التساؤلات الدكتور زكريا المحرمي فيقول: لا أظن أن العرب يملكون اليوم الوقت الكافي لنبش جراحهم الثقافية، وجلد الذات لن يخرجنا من كهف التخلف والهزيمة الثقافية. إن من بين أهم مشكلاتنا الفكرية الانحباس في زنازين الأسئلة المغلقة، فالحديث عن تراجع يستلزم القطع بحصول تقدم مسبق تم التراجع عنه، وأنا أزعم أننا جميعا لا نستطيع البرهنة على هذه المقدمة التي تعطب التفكير وتسجننا في قلق الشعور بالهزيمة النفسية فكريا وثقافيا.
كما أني أزعم أن معدل القراءة في عالمنا العربي قياسا بما كان عليه قبل عام النسكة 1967م قد تضاعف أضعافا مضاعفة، وينعكس ذلك في عدد الجامعات والكليات ومعاهد التعليم العالي، وعدد الدوريات والمجلات والجرائد والكتب التي صدرت وما تزال. إن مقارنتنا بالآخر في هذه اللحظة ربما يكون ظالما لاعتبارات كثيرة ليس أقلها ضعف الموازين التقويمية للقراءة بين الطرفين، فلا يمكنني القبول مثلا بدراسة تزعم ضعف القراءة في العالم العربي مقارنة بأسبانيا فقط لأن معدل استهلاك ورق الطباعة في أسبانيا أكثر من الدول العربية، فعدد الناطقين بالأسبانية لا يقتصر على الأسبان وحدهم بل يشمل أيضاً جميع دول أميركا اللاتينية خلا البرازيل البرتغالية اللسان.
أزمتنا ليست في تراجع القراءة بقدر ما هي أزمة نوعية القراءة ومناهج التفكير التي توجهها، فالإخفاق الفكري العربي نابع فيما أتصور من أزمة منهج، أما كمّ القراءة فلا أظن أن هناك أمة تمارس القراءة أكثر من العرب الذين يقرأون القرآن بكرة وعشيا، ومع ذلك هم في مؤخرة الركب الحضاري بالرغم مما في القرآن الكريم من محفزات حضارية ومحرضات فكرية.
لست هنا في مقام تهوين مشكلة تراجع معدلات القراءة بيد أني أريد أن أوجه الأنظار إلى ما هو أعمق وأبعد، أريد من أصحاب الفكر والبصيرة أن يتفطنوا إلى ضرورة مراجعة مناهج التفكير والقراءة حتى لا نستمر في محاربة طواحين الهواء بينما تسحقنا جيوش التخلف الفكري، علينا جميعا أن نعيد تفعيل أدوات النقد والتدبر التي وجهنا إليها القرآن الكريم وأن نمارسها في جميع قراءاتنا، وأن نبث الوعي النقدي في خطاباتنا ومواعظنا ومناهجنا الدراسية. علينا أن نفكر خارج الصندوق الذي يريده لنا أعدؤنا حين أوهمونا بأسبقيتهم المعرفية وتطبعهم بالطباع الحضارية كالقراءة والبحث العلمي وغيرها، إننا نقرأ وكثيرون منا يمارسون البحث العلمي حين تتوافر لديهم الفرص، كل ما نريده هو الرقي بروح القراءة حتى تكون مثمرة، والارتقاء بواقعنا الاقتصادي حتى يكون مشجعا للبحث العلمي.
مذياع
هل البرامج الإذاعية والتليفزيونية تقرب الناس من القراءة أم تقصيهم عنها ..؟
وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة لها أهميتها القصوى في تثقيف الناس وإن تفاوتت درجة كل منها، ويأتي في مقدمتها (المذياع) الذي ارتبط به العامة في كثير من شئونهم الحياتية نظرا لسهولة حمله وقلة التكلفة، فكان الأقرب إلى تثقيفهم من أي وسيلة أخرى وهو بذلك كما نعرف لا يفرق بين مثقف وغيره ولكن ما يهمنا أكثر في هذه القضية هو ما مدى ما يسهم به المذياع في تحبيب الناس في القراءة وهو ما حاولنا التعرف عليه من خلال القاص والإذاعي والكاتب سليمان المعمري الذي قال: بالطبع تلعب وسائل الإعلام المسموعة والمرئية دورا كبيرا في تحبيب القراءة للناس، ليس فقط من خلال البرامج التي تهتم بعرض الكتب والحديث عنها، بل إن الأهمية الأكبر من وجهة نظري هي كون الإذاعة (وبدرجة أقل التليفزيون) في حد ذاتها كتاب لا يشترط مثقفا أو حتى متعلم لقراءته، إذ أن الكثير من المعارف يتعلمها الإنسان من الإذاعة والتليفزيون عبر برامجهما المختلفة ـ ولذا لم يعد مستغربا على سبيل المثال أن تشاهد عجوزا أميا طاعنا في السن يستطيع أن يحلل لك بدقة الأحداث السياسية ويسرد لك تاريخ شخصيات سمع عنها في الإذاعة أو شاهدها في التليفزيون ولم يقرأها في كتب.
ليست هذه بالطبع محاولة للنيل من أهمية الكتاب في القراءة، بل دعوة لتوسيع آفاق القراءة لتشمل منابع أخرى غير الكتاب. وأذكر أنني عندما كنت صغيرا ولم تكن وقتها هناك مكتبات في قريتي الصغيرة، تعرفت على ثقافات مختلفة عن طريق المذياع لدرجة أنه كان يلازمني في كل مكان أذهب إليه كظلي، وقد كنت آنذاك متابعا جيدا للمسلسلات التاريخية والبرامج الأدبية الشعرية منها بالتحديد، وكنت أجد متعة عندما أتعرف على معلومة جديدة عبر المذياع، بل إنني أظن أن المذياع هو الذي وجهني إلى الكتاب وليس العكس.
أدوار
كيف نصنع مجتمعا قارئا .. ؟ وهل الظروف مواتية لنكون شعبا قارئا ..؟
سؤالان موجهان إلى بدر بن محمد المسكري، أمين مكتبة جامع السلطان قابوس الأكبر، وقد رأيته مهتما بهذه القضية وغيرها من القضايا التي تهم مجتمعنا، وشغله الشاغل منذ أن عمل أمينا لمكتبة عامة أن يجد مجتمعنا قارئا عن بكرة أبيه، وقد آلى على نفسه نشر ثقافة المطالعة لدرجة أوصلته إلى أن يكون باحثا في علم المكتبات بالجامعة، كي يشبع نهمه بقضية اختطها له القدر، بحثا عن طريقة مثلى لنشر هذا الوعي بدور المكتبات العامة في حياتنا، وقد أجابنا عنهما إجابة مستفيضة قائلا: القراءة في حد ذاتها ثقافة، والقراءة المقصودة هي التي تميز بين المتعلمين، هي حب الاستطلاع وفضول نحو التثقيف، أي أن الأمية الخطيرة التي تهددنا في الوقت الحاضر والتي يغفل عنها الكثير هي الأمية الثقافية. يؤكد الدكتور ساجد العبدلي في محاضرة بعنوان (الطريق إلى مجتمع قارئ) نشرت في الموقع الإلكتروني لوزارة الثقافة السورية مؤخرا أن متوسط القراءة لكل فرد في العالم العربي يساوي ست دقائق في السنة! وأن عالمنا العربي يصدر 1650 كتابا سنويا، أما دول الغرب ولا سيما أميركا فإنها تصدر ما يقارب 85 ألف كتاب سنويا". ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل الظروف مواتية لنكون شعبا قارئا؟ ، تتفاوت الإحصائيات حول نسبة الأمية المطلقة في الوطن العربي بين 47% - 60% وهي نسبة خطيرة جدا تعكس تردي القراءة في الوطن العربي من جهة وعدم الجاهزية لإيجاد شعب قارئ من جهة أخرى. كما أن الإقبال على القراءة ضعيف جدا، هل هو لكثرة الملاهي والملاعب ؟! قطعا لا، لأن من يقرأون بمعدل 12 ألف دقيقة في السنة لديهم أضعاف ما لدينا من الملاهي والملاعب، ولكن السبب من وجهة نظري وهي وجهة نظر الكثير من اختصاصيي المعلومات في عالمنا العربي، هو أن النشء لم تغرس فيه صفة القراءة التي دعا إليها ديننا الإسلامي الحنيف منذ بدايته، للتحرر من الجهل وإنهاء عصر الأمية، بل ما نلاحظه أن الطالب تعوّد على ألا يقرأ إلا ما هو مفروض عليه!! فهو حبيس المقررات الدراسية.
لا بد أن تكون عادة القراءة إجبارية بطريقة غير مباشرة، لا بد أن تصاغ المناهج الدراسية بطريقة استفزازية نحو القراءة، بمعنى أن يقدم المنهج الأفكار الرئيسية فقط ويطلق العنان للطالب ليبحر بين المكتبات المنزلية والمدرسية والجامعية والعامة، ليجد نفسه أمام حصيلة معرفية اكتسبها بالبحث والقراءة، لا بد من تنشئة الأبناء على حب القراءة والبحث عن المعلومة وهناك الكثير من العادات المنتشرة وأذكر منها مسابقة إعداد صحيفة أو مطوية في المنزل فهي توجد المنافسة بين الأبناء للبحث عن المعلومات والموضوعات المختلفة.
ويرى الكاتب السعودي حسن آل حمادة في كتابة العلاج بالقراءة .. كيف نصنع مجتمعا قارئا ؟ أن هناك عددا من الأسباب جعلت مجتمعاتنا لا تقرأ وهي: البعد عن الثقافة الدينية التي تحث على القراءة. وقصور وضعف المناهج التعليمية في الحث على القراءة. وغياب مفهوم التثقيف الذاتي عند الكثيرين من الطلبة. ومنافسة وسائل الإعلام للكتاب. والارتفاع المطرد في أسعار الكتب والمطبوعات الثقافية.
والحقيقة هي وجهات نظر وربما هناك أسباب أخرى عديدة، ولكن من وجهة نظري مهما تكن الأسباب لا بد من اتخاذ خطوات إجرائية للحث على القراءة منها: الترويج الإعلامي لعادة القراءة، حيث من الملاحظ أن كثيرا من القراء عندما تسأله ماذا تقرأ ؟ يجيب الكتاب الفلاني، ولماذا أقبلت على قراءته بالذات ؟ يجيب بأني رأيت عنه إعلانا في إحدى الصحف أو قرأت له عرضا في إحدى المجلات، وهذا بصراحة شيء مفقود في إعلامنا العربي! وقد أشرت في إحدى المشاركات عبر ملحق "أشرعة" الثقافي اليومي، بأن للإذاعة العمانية تجربة رائعة في هذا المجال من خلال برنامج من المكتبة العمانية للمذيع بدر الشيباني، وهي تجربة نتمنى أن تأخذ مكانا أكبر في وسائل الإعلام المختلفة في السلطنة، لأن موضوع القراءة - من وجهة نظري - واجب وطني لا بد أن تتكاتف حوله جميع المؤسسات. وتأسيس المكتبات الثابتة والمتنقلة في التجمعات السكانية في المدن والريف على حد سواء، بحيث تنشأ وفقا لمواصفات عالمية ومزودة بأحدث وسائل التكنولوجيا وتضم أشكالا متنوعة من مصادر المعلومات التقليدية وغير التقليدية، على أن تمنح هذه المكتبات الثقة والصلاحية في ممارسة دورها الاجتماعي المتمثل في الرقي بالمستوى الثقافي ومكافحة الأمية، وإقامة البرامج الترفيهية، والاستفادة من التجارب الدولية لأنشطة المكتبات العامة على مستوى العالم. إن حالة العزوف القرائي منتشرة في الوطن العربي بشكل عام، لأسباب منها ثقافية وسياسية واقتصادية، وانشغال الناس بكثير من المشاغل اليومية التي تؤدي إلى تناقص ساعات الفراغ في حياتهم، هذا ما يلمسه صراحة أمين المكتبة العامة، حيث أصبح الرواد من فئة الطلبة والدارسين، ونادرا ما تجد من يرتاد المكتبة حبا في القراءة وبحثا عن المعلومة، والقراءة يجب أن تتجاوز مرحلة سد الفراغ، يجب أن تصبح عادة لها نصيب طوال اليوم، نحن بحاجة إلى إنتاج فكري يسهم في حل ما يعترض المجتمع من مشكلات. هناك من يجعل التقنية الحديثة وظهور الإنترنت سببا آخر أثر على القراءة وسبب عزوفا عن المطالعة وهجران للكتاب، فقد أظهر استطلاع أجرته صفحة عالم الكتاب بشبكة الأخبار العربية "محيط" حول مصدر المعرفة الأول أن 56.81% من القراء يعتبرون الإنترنت هي الوسيلة الأولى يليها التليفزيون بنسبة 25.25% واحتل الكتاب المركز الثالث بنسبة 11.96% وجاءت الصحف والمجلات في المرتبة الأخيرة بنسبة 5.98%. وأنا لي وجهة نظر في هذا، نعم لا نختلف أن الإنترنت من الوسائل التي تتمتع بالسرعة والحداثة في المعلومات، ولكن هل قراءة كتاب كامل من شاشة الحاسوب بالأمر الهين؟! وهل أصبحنا من الجاهزية بحيث نستطيع الولوج لعالم الإنترنت في أي مكان وأي وقت ؟ للكتاب مكانته وحميميته وهذا ما تؤكده القوة الشرائية لمعارض الكتب سنويا حول العالم، لنكن واقعيين مشكلة القراءة هي ذاتها سواء للكتاب المطبوع أو الكتاب الإلكتروني، لماذا لا نوظف الانترنت كوسيلة للترويج عن الكتاب، لماذا نطلق عليها منافسا وهي في الحقيقة مساند. وكوسيلة لتشجيع القراءة لا بد من زيادة الدعم العربي للكتاب وخصوصا في المعارض الدولية، لأن ما يفرض من شروط ورسوم على دور النشر يؤدي إلى رفع سعر الكتاب بشكل خرافي وهذا شيء ملموس من خلال أصحاب دور النشر المختلفة. كذلك تشجيع المسابقات وإقامة مهرجانات للقراءة، وهنا أذكر بعض التجارب في المملكة الأردنية حيث تقيم دائرة المكتبات العامة حملة سنوية لتشجيع القراءة المبكرة للأطفال بعنوان "أسرة تقرأ طفل يقرأ" ومن التجارب أيضا في الأردن فتح المكتبات المدرسية لخدمة المجتمع خلال الفترة المسائية وهو توجه سليم جدا حيث عادة ما تغطي المدارس مواقع جغرافية في الدولة وهي عادة ما يكون بها مكتبات، لماذا لا تتجاوز هذه المكتبات مجتمع الطلبة والمدرسين لتصل لعامة الناس!! خلاصة القول: لا بد من تبني نمط حياة تربوي وتثقيفي ينبع من سياسة ورؤية عامة، تكمن في تنشئة الأجيال منذ نعومة أظافرهم على حب الكتاب والتعلق به ورفع شعار الكتاب شريان الحياة بمعنى أن تصبح القراءة حاجة ضرورية لأي إنسان ولا يمكن الاستغناء عنها بأي حال من الأحوال. أخيرا شكري الجزيل لملحق "أشرعة" على ما يتناوله دائما من مواضيع هادفة ومتميزة تسهم بلا شك في رقي وتقدم هذا المجتمع.
كتابات وكتَّاب
كيف يصل المثقف إلى الكتاب دون غيره ..؟ وهل من كتابات معينة تساعد في انتشار ظاهرة العزوف عن القراءة ..؟

في بعض الأحيان يفتح القارئ كتابا، فيكون دافعا له للولوج إلى صفحاته كاملة، فيصل إلى مبتغاه ويكون سببا في حبه للقراءة، وأحيانا أخرى يكون عاملا أساسيا في صده والهجران، طرح حملناه إلى الروائي يعقوب الخنبشي الذي قال فيه: عبر رسالة الجوال رد علي صديق بعد أن سألته إن كانت هناك كتابات معينة ساعدت في انتشار ظاهرة العزوف عن القراءة أم لا ؟، فقال لي: لا أعتقد ذلك، فالقارئ مخير عندما يقع الكتاب بين يديه, بين المواصلة في قراءته أو اختيار أقرب خزانة لركنه على إحدى رفوفها, ورغم اقتناعي برده إلا أن عبارة (رولان بارت مازالت تنخر عباب أفكاري حين سئل عن أفضل المعايير التي على أساسها يصنف رواية أو نصا ما بأنه رائع أجاب: الرواية التي أحتسي معها كوب شاي دون أن تعكره ودون أن تشعرني بأني أرفع كوب الشاي مرارا أثناء قراءتها وهو فارغ). وقد أجزم بأن الكثير منا من صادف الحالتين وربما في كتاب أو مقال واحد وبعيدا عن هذا الطرح، فإننا نتفق جميعا على أن ظاهرة العزوف عن القراءة ظاهرة عالمية. أي أن العزوف عن القراءة مشكلة من أهم المشاكل التي يواجهها المجتمع في عالمنا العربي بصفة عامة، ولا عجب أن يكون ذلك أحد الأسباب الرئيسية في تأخر الأمة العربية. فعندما سئل موشي ديان عن حرب 1967 هل كانت مفاجأة للعرب ؟ قال لا، فلقد نشرنا كل ما يتعلق بتلك الحرب قبل وقوعها ولكن العرب أمة لا تقرأ، وربما يقودنا هذا القول إلى التفكر في البنية الفكرية لمجتمعنا لنجد أن نادرا ما يمارس الإنسان عملا ما منفردا إذا لم يكن ذلك في إطار ممارسة اجتماعية تشمل الأسرة والحي والقرية والمدينة وتوجه المجتمع بصفة عامة، فالقراءة هي تلك الكلمة الجميلة التي يستسيغها المثقفون والمبدعون ويعدونها غذاءهم الخاص، حيث بقي الكتاب بالنسبة لهم سيد المعرفة الذي يزودون به بنات أفكارهم، يستطيعون من خلاله فك الرموز المعنوية التي يزخر بها عالمنا المعاصر، مما يجعلهم يخرجون من عالم الكسل الذهني الذي أصاب بقية العامة إلى عالم تفردهم باحتوائهم للمعلومة والبحث عنها في أمهات الكتب والمراجع المختلفة، مما يدفعنا ذلك للتساؤل كيف وصل هؤلاء إلى ما وصلوا إليه دون الآخرين؟ أعتقد أن الإجابة عن هذا التساؤل ليس بالأمر الهين ويحتاج ذلك إلى دراسات متعمقة من قبل المختصين والمهتمين في هذا المجال، ولكني سأحاول وضع بعض النقاط التي جعلت الآخرين منصرفين عن عالم الكتاب في زمن مليء بمتطلبات الحياة اليومية وعدم إيجاد الوقت الكافي لخوض ذلك الغمار مما يجعلني أصل إلى الاعتقاد بأن ذلك يرجع إلى وجود عامل نفسي يجعلنا نردد كثيرا أننا لا نحب القراءة وعندما أمسك الكتاب أحس بالملل، فالقراءة تحتاج إلى نفس طويل وسط حشد كبير من المغريات والتي أهمها وسائل الإعلام الحديثة مختلفة الأغراض والأهداف مما يجعلها تقدم المعلومة دون أدنى جهد مما أضعف قيمة الكتاب باعتباره المصدر الأول للمعرفة. فالرواية التي تستغرق قراءتها يومين يمكن أن تشاهدها في التلفاز خلال ساعتين، فعدم وعي الأسرة وترك أطفالها أمام الشاشات المختلفة لفترات مطولة دون رقابة في اختيار البرامج وتخصيص الوقت مما يولد لدى الناشئة نفورهم من الكتاب وعدم ميلهم له إضافة إلى عدم وجود المكتبة المنزلية وإن وجدت لدى البعض فهي لا توضع في المكان المناسب وفي صالة الجلوس أو التجمع بل تزوى في إحدى الغرف الداخلية وغالبا ما تكون مغلقة خوفا على محتوياتها مما لا يولد ذلك لدى الأطفال حب الكتاب وعشقة عبر الأيام كما أن عدم الوعي باختيار الكتاب المناسب وتكوين مكتبة تبدأ بالتدرج وفق مرحلة سن الطفل ونموه وميوله.
إذن لكي نتغلب على وحشة وجفوة الكتاب يتطلب ذلك أن نبدأ بداية صحيحة يكون هدفنا الأول الطفل لنجني ثمار ذلك في المستقبل مما يعني ذلك أنه لابد وأن نستشعر جميعا مسؤولياتنا تجاههم بكل ما تحملة كلمة المسؤولية من معنى.

أعلى






أيام في عاصمة الثلج والقوة (4-4)
موسكو.. حياة تحت الأرض
من لم يزر مترو الأنفاق فقد جهل المدينة

محمد بن سيف الرحبي
مقدمة:
خضبت بمشاعري كف المدينة وقلت لها ضعي الوشم على قلبي، قالت لي: أنا لست أنثى، وكفاي تعبتا من الاحمرار، قلت لها: هذا وشم الفرح أيتها الجميلة، فكدّسي أفراحك فوق قلبي، كما يتكدّس ثلجك على شوارعك.
في آخر ليلة في عاصمة الثلج والقوة، موسكو، خرجت من جامعة روسيا للصداقة بين الشعوب بعد أن ألقيت محاضرة لعدد من الطلبة امتلأت بهم القاعة، تلك الفرصة التي منحني إياها بكرم بالغ سعادة الشيخ عبدالله بن زاهر الحوسني سفير السلطنة في روسيا، مدين له لأنه تنازل عن نصف الوقت المخصص للقائه بالطلبة العمانيين والعرب، وعدد من الطلبة الروس، وبحضور نائب عميد الجامعة، ترك لي فرصة أن أقف على منصة الجامعة لأتحدث عن موسكو، وعن كتابي بوح سلمى الصادر في طبعته الروسية، وقدّم لنائب عميد الجامعة ما قال أنه هدية للجامعة، كم كنت أشعر بالفرحة أن إنسانا يمكنه تقديم ابن بلده للآخرين، كانت الهدية هي جملة إصداراتي التي أهديتها له، فأعطاني فرصة أن يكون لي تواجد في واحدة من أعرق جامعات العالم.


150 مترا تحت الأرض

منحني السكرتير الأول بالسفارة الأخ مانع الكثيري معلومة مهمة جدا: أن من زار موسكو ولم يجرب مترو الأنفاق فيها فكأنه لم يزرها، ورغم ما في القول من مبالغة إلا أن متعة الاكتشاف لازمة، ربما لا يتصور سكان العاصمة حياتهم دون مترو الأنفاق هذا، هو متحف، رمز تاريخي، عنصر هام في صياغة الحياة اليومية لسكان موسكو وزوارها، وتكفي معرفة أن عدد مستخدميه يبلغون عشرة ملايين راكب يوميا، أي 300 مليون راكب في الشهر!!
كان لا بد من التعرف على وجه مهم من وجوه المدينة، حملت بعضا من رؤيتي للمكان أحاول بها تصور قدر من الجمال الذي ينتظرني، مترو أنفاق موسكو، المكان الذي يقال إنه متحف تحت الأرض، لكن ما اكتشفته بعيد عن تصورات المخيلة، في صبيحة يوم، وبرفقة مانع الكثيري وسعيد بيت سعيد (العماني الذي يدرس الدكتوراه في روسيا ويجيد لغة القوم وشبكة المترو) ارتدينا ما تصورنا أنه كاف لردع برد المدينة.
وقفت في طرف السلم الكهربائي فرأيته هابطا إلى ما يشبه الحفرة العميقة جدا، تصورت أن كلمة "بئر" في حياتنا تغدو مفردة صغيرة أمام هذا العمق، لا يمكن تصور أن يكون تحت كل هذه المسافة في باطن الأرض مئات البشر يتنقلون يوميا، وعشرات المحطات التي تعد كل واحدة منهن تحفة فنية، كلمة تحفة تبدو بسيطة (أيضا) في الوصف إزاء تلك الروعة العمرانية لكل محطة، لا تتشابه أي محطة مع الأخرى، المحطة تقف لوحدها لوحة راقية دالة على ملمح ما من التاريخ الروسي، قديمه وحديثه، كأن هذه المحطة لا يوجد سواها في خارطة شبكة المترو، عندما ترى غيرها تنسى الأولى وجمالها منشغلا بروعة الأخرى، الأعمدة والجدران والأسقف والرخام واللوحات والتماثيل والثريات المعلقة والأضواء، جميعها مشغولة بفن مبهر، تنسى أيضا أنك تحت عمق نحو 150 مترا تحت سطح الأرض حيث تسير المدينة وكأن لا شىء أسفلها.. كأنها لا تسير فوق متاحف قد لا تشغل العابرين كثيرا، لكنها كافية لإعطاء درس في فنون الجمال للسائر.. أول مرة.. لم يشغلني ما يشغل الآخرين، لهم اتجاهاتهم ولي اتجاه واحد، هو قراءة ما أمكن من تلك الروائع، مغادرة محطة والهبوط إلى أخرى، تاركا لآلاف العابرين مهمة السير نحو مقاصدهم، ولروحي متعة الرحيل باتجاه جماليات المكان.
الوجوه قد لا تحفل بتلك الجماليات، في حياتها ما هو أهم، رغيف الخبز والأجور وغلاء المعيشة، ما يفيد الفن إن كان البطن يشتكي الجوع.. لم أشاهد جائعا، لكن الحياة الباهظة التكاليف للمدينة والوجوه الجامدة المرهقة جعلتني أتصور أن كل هذا الجمال غدا متكررا وفاقدا لتأثيره الروحي على الذين يكادون لا ينظرون إليه.. أبدو وسط تلك الجموع الراكضة كائنا غريبا يقترب من الحيطان ليرى إبداعات الرخام عليها، وفي الأسقف ليكتشف أي فن هذا المرسوم في كل زوايا السقف الطويل للمحطة، كأن تلك الجموع كائنات متكاثرة تحت الأرض، وأن لا علاقة لها بمن هناك فوق السطح.
تشير المعلومات إلى أن مترو الأنفاق في موسكو تأسس في بدايات القرن العشرين، ففي عام 1901 وضع مهندس يدعى انطونوفيتس لبنة الخطط لبناء المترو لكن الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية أجلت المشروع حتى ثلاثينيات القرن الماضي حين جندت كل البلاد السوفيتية عبر نحو 500 مؤسسة وشركة وظهر أول نفق للمترو عام 1931 في حي يسمى روساكوفسكوي ليتواصل العمل ليل نهار حتى عام 1935 والذي شهد فتح 13 محطة أبوابها لأول خط للمترو قام بحمل الركاب، وشهدت فترة الخمسينيات ذروة العمل في المترو، ويبلغ طول خطوطه 260 كيلومترا تضم 540 سلما كهربائيا بطول 55 كيلومترا، ورغم أنه الرابع بالنسبة لأرقامه القياسية إلا أنه الأول في عدد الذين ينقلهم يوميا، وهو يعد الأرخص للسكان كوسيلة نقل آمنة ومضمونة.. وموفرة للوقت.

وفي أيام الحروب لعبت محطات المترو دورا حيويا في التاريخ الروسي، كان ستالين يعقد اجتماعاته في إحدى محطاته، وخلال الحرب العالمية الثانية، ومع نهاية عام 1941 تحولت محطاته إلى ملاجئ، وعرباته إلى مستشفيات متنقلة، وفي بعضها عمل الصنّاع ليل نهار على إنتاج أسلحة وذخائر ترسل إلى جبهات القتال، وبينها من كان مراكز للمؤسسات، سواء المدنية أو العسكرية، واحتضن بعضها اجتماعات قيادة العسكرية العليا لجيوش الاتحاد السوفييتي.
أمام قوة التاريخ وقسوته..
ومع متطلبات العصر وانفتاحه..
لا يكف مترو أنفاق موسكو عن التمدد لإيصال طول خطوطه الى 420 كيلومترا، والتي ستنقل نحو 4.5 مليار شخص سنويا.

داتشا لكل مواطن
الساعات الأخيرة في موسكو حافلة بالاكتشاف..
من غرفتي رأيت الثلج ينهمر ببياضه، ما أروع أن ترى الثلج بينما يقبع جسدك وراء زجاج يحتمي من برودة الطقس بدفء المكان.
حملتني السيارة مع حقائبي ميمّمة وجهها خروجا من موسكو باتجاه ضواحيها القريبة، والمقصد: داتشا، هكذا اتفقت مع صاحبها علي شعبان، المهاجر السوري الذي استوطن موسكو واختار شريكة حياته منها، لديه ولدان: حبيب وكريم، لكنهما لا يعرفان شيئا من لغة والدهما العربية، هوايتهما جمع الحشرات، كانت العائلة رفيقتنا إلى الداتشا.
سرنا نحو 50 كيلومترا تحت المطر والثلج، قبل أن نصل أغرتنا بحيرة بالتوقف عندها، سطحها الأبيض متألق بلونه الرائع، نحو مئات الأمتار كانت أشباح سوداء تجلس فوق سطح البحيرة المتجمد يصيدون الأسماك عبر ثقب في البياض وصولا إلى الماء الراقد تحت قشرته البيضاء السميكة، لم نغامر بالاقتراب منهما، خشيت فخا من الثلج، ما أسوأ أن ينصب البياض فخاخه الباردة، بما لا طاقة للتكهن بمدى السقوط.
الداتشا هي قطعة أرض مساحتها 800 متر في المتوسط، وزعت في عهد الاتحاد السوفيتي على المواطنين لزراعتها بما يحقق الاكتفاء الذاتي من الغذاء، حاليا أصبحت أشبه باستراحات تبدو فيها المساكن الصغيرة متباينة، ودالة على الثراء الذي يتمتع به صاحبها، أكواخ خشبية بائسة أو فيلا جميلة لا يلغي حجمها الصغير أناقتها.
اقتربنا من الغابة الواقفة بأشجارها العارية، حتى قاماتها كانت تحمل آثار البرد، بينما تكون الثلج فوق جذورها بسمك لا يدل على أن الفصل دال على الربيع، كانت الأسوار الخشبية تفصل الداتشات عن بعضها البعض، الحوش بياض، وفي الداخل كانت الفطائر اللذيذة مع الشاي الساخن بانتظارنا، اشتعلت المدفأة بما ألقي إلى حلقها من صحف لتتوقد بجمرها، في الجزء الأعلى من الكوخ كانت الأفرشة وأطقم الجلوس تنتظر إطلالة على المكان في خارجه، كل شىء من الخشب، جذوع الأشجار الضخمة تغطيها الأخشاب من الخارج والداخل، وتوضع قطع الاسفنج بين الجذوع وقطعة الخشب لعزل البرودة الخارجية عن الوصول إلى داخل المكان.
حط الثلج كثيرا فوق كتف المسافر..
من زجاج المطار لوّح للثلج، لوّح له البياض، وحتى الرؤية الأخيرة من خلال نافذة الطائرة أصرّ على أن يلوّح بيده للمدينة.. المتصالحة مع بردها وثلجها.


أعلى



العلم والفن
فن الزخرفة الإسلامية معانٍ روحية وهندسة معقدة

أعمال الفن الإسلامي التي تعود إلى القرن الخامس عشر الميلادي تكشف عن معادلات بنروس الهندسية التي لم تكتشف سوى عام 1974.
أليس من المدهش أن الفن الإسلامي الذي يعبر عن الحقيقة اللانهائية، يخفي أيضا النسبة الذهبية وهي نسبة لا نهائية.

عبر مؤرخ الفن دالو جونز، في كتاب Architecture of the Islamic World، عمارة العالم الإسلامي، عن الزخرفة الإسلامية بقوله: "يستخدم الفن الإسلامي الأشكال المركبة من تصاميم هندسية. وتخلق هذه التصاميم المعقدة الانطباع بتكرار لا نهاية له، يعتقد البعض انه يرمز إلى الحالة المطلقة لله: لانهائية بدون زمان أو مكان ".
تحكم قوانين رياضية التكرار الذي لا نهاية له، أو بعبارة أخرى، ملء السطح بأشكال لا تتداخل ولا تترك فراغات. ورياضيا هناك سبع عشرة مجموعة ينطبق عليها هذا الوصف، الانسجام الانتقالي، جميعها اكتشفت في زخرفة قصر الحمراء بغرناطة، أسبانيا ( انظر الصورة ). ويميل النقاد ومؤرخو الفن إلى القول بأنها أثرت في الرسام الهولندي أم. سي إيشر Escher الذي زار المكان عام 1922 وأمضى عدة أيام يدرس النقوش وينقلها على الورق. وأشهر لوحاته في هذا المجال هي اللوحات المسماة "تقسيم السطح "، وهي لوحات استمر في إنتاجها طوال 24 عاما ( انظر الصورة ).
ويعتقد مؤرخو الفن الغربيين أن النزعة إلى استخدام التجريد في الفن الإسلامي أصلها النهي الشرعي عن تصوير ذات الروح ، مظنة عبادة الصور. خاصة في المساجد والمباني الدينية و المساكن. بل يذهبون إلى القول أن هذا النهي هو الذي أدى إلى بلوغ فن الزخرفة التجريدية عند المسلمين ذروته .
ما يقوله هذا الفن بالنسبة للمتذوقين الغربيين هو أن الثابت مطلق لا يمكن تصوره وبالتالي تصويره. ولكن يمكن التعبير عنه تعبيرا مجردا غنيا بالجمال بدون نهاية.
لذلك يعتقد المهندس المعماري Garry Martin أن العمارة الحديثة في العالم العربي، بما في ذلك العمارة في الخليج، عمارة تغريبية إلى حد أنها تؤثر سلبا في إنسان المدينة، أي تشعره بالاغتراب. و يرى في مقال مشهور أنها لا تمت بصلة إلى حقيقة العمارة الإسلامية التي يصفها بقوله (ترجمة الكاتب): " عندما تفحص بنيان العمارة الإسلامية تنكشف لك علاقات هندسية معقدة و مراتب تسلسلية بين الشكل والزخرفة وغزارة في المعاني الرمزية ". ولعل من أسباب جاذبية الزخرفة الإسلامية هي اعتمادها على الخط المستقيم. فقد اكتشف علماء الأعصاب خلايا في الدماغ متخصصة في إدراك الخطوط المستقيمة فقط، يعتقدون الآن أنها أساس إدراك جميع الأشكال.على سبيل المثال، استخدم الرسامون المسلمون قاعدة بسيطة هي المربعات المتداخلة، خطوطا مستقيمة، لإنتاج، بتكرار لا نهاية له، النجمتين الخماسية
والثمانية ( انظر الشكل ).
بيد أن أعظم اكتشاف عن الزخرفة الإسلامية هو الاكتشاف الذي أعلنت عنه أوائل عام 2007 مجلة Science، العلم ، ثاني أوسع مجلتين علميتين انتشارا في العالم. وقد كتبت عنه حينها لبرنامج علمي كنت أعده لإذاعة سلطنة عمان. فقد اكتشف عالم الفيزياء بيتر لو Peter Lu، من جامعة هارفارد، أن أعمال الفن الإسلامي التي تعود إلى القرن الخامس عشر الميلادي تكشف عن معادلات بنروس الهندسية التي لم تكتشف سوى عام 1974.
تتألف تصاميم بنروس، نسبة إلى عالم الرياضيات البريطاني روجر بنروس التي اكتشفها عام 1974، من شكلين بسيطين، أدناه، سمى أحدهما الطائرة الورقية Kite والآخر رأس النبل Dart يغطيان، بتناسق خماسي، السطح كاملا (أي بدون ترك فراغات ) تغطية غير دورية، رغم أنها، في النظام الممتد، تبدو أنها دورية.
فتصاميم بنروس ذات تناسق دائري خماسي أي مثل تناسق النجمة الخماسية. فلو أدرت التصميم 72 درجة يبقى الشكل كهيئته قبل الاستدارة. والقول بأنه اكتشاف لأنه لم يتمكن احد من استخدام الأشكال ذات التناسق الخماسي لملء السطح بدون ترك فراغات. لذلك ذهب علماء الرياضيات إلى القول انه لا يمكن لأي شكل هندسي ذو نظام ممتد أن يظهر في الوقت نفسه تناسقا خماسيا بدون ترك فراغات. غير أن بنروس عام 1974 دحض هذا باكتشاف الشكلين عن طريق سلسلة من المعادلات الرياضية. ثم اكتشف عالمان رياضيان آخران بعد ذلك تناسقا مشابها.
ما اكتشفه بيتر لو Peter Lu أن زخرفة المسجد الأخضر في تركيا وزخرفة ضريح داربي إمام في أصفهان كلاهما تكشفان هندسة بنروس ( أنظر الصورتين )! أي أن الرسامين المسلمين اكتشفوا هذه الهندسة المعقدة قبل العصر الحديث بثمانمائة عام. بل انه اكتشف مخطوطة، في متحف قصر طوب قابي في استانبول، مليئة بأشكال بنروس يبدو أنها استخدمت لخط الشكل على الجدار قبل نقشه. و هذا يفسر برأيه خلو الزخرفة الإسلامية من أي خطأ رغم امتداد العمل، النظام بعيد المدى.
ولقد حقق الفنانون المسلمون هذا الفتح باستخدام آلتين بسيطتين فقط: المسطرة والفرجار.
ولتقدير هذه الانجازات الفنية الجميلة اصدر متحف متروبولتن نيويورك للفن مرشدا لأساتذة الفن والرياضيات لتعليم أساسيات الزخرفة الإسلامية للطلاب، دون المرحلة الجامعية، باستخدام المسطرة والفرجار. ويمكن تحميل المرشد مجانا من موقع المتحف على هذا الرابط :
www.metmuseum.org/explore/publications
ويقول المتحف على موقعه انه يمكن استخدام المرشد لخلق دروس مثيرة في الفن والثقافة
والرياضيات والهندسة. فالزخرفة الإسلامية متعلقة بهذا كله.
بقيت ملاحظتان قبل ختم هذه المقالة، الأولى عن النزعة في الفن الإسلامي لاستخدام اللون الأزرق والخطوط الزرقاء، والثانية عن حقيقة خفية في هذا الفن. أولا اللون الأزرق لون روحي. فقد كشفت الأبحاث العلمية أنه يعين على الاسترخاء ويبعث على السكينة. ويفسر هذا جزئيا سكوننا إلى زرقة البحر والسماء. بل حالة السكينة التي نحس بها في الزرقة الخافتة جدا لليلة الصافية، بدون نور القمر أو أضواء اصطناعية. في المقابل تسبب ألوان النار، الأحمر والبرتقالي والأصفر، العكس تماما: الإثارة. ومن هنا يمكن فهم الحكمة وراء النهي الشرعي عن استعمال اللونين الأحمر و الأصفر داخل المساجد.
ثانيا تخفي تصاميم بنروس وكذلك الزخرفة الإسلامية ما يسميه علماء الرياضيات "النسبة الذهبية" أو العدد Phi ورمزه ( ) وهي نسبة شائعة في الكون والكائنات. وتصير العلاقة بين كميتين نسبة ذهبية إذا كانت النسبة بين مجموع جميع الكميات ومجموع الكمية الأكبر نفس النسبة بين مجموع الكمية الأكبر ومجموع الكمية الأصغر. وهي تساوي تقريبا 1.618 . وقد اكتشفت هذه النسبة أو العلاقة في شكل المجرات وترتيب النظام الشمسي وتركيب الحامض النووي الوراثي ومقاسات الوجه البشري وأجسام الحيتان والأصداف الحلزونية وفصوص فاكهة الأناناس ونظام عروق أوراق الشجر وترتيب الفروع في جذع الشجرة، على سبيل المثال لا الحصر. وهي عدد غير عقلاني أي لا نهاية له. فقد حسبت إلى مليون خانة بدون الوصول إلى قيمة نهائية:
1.618033988749894848204586834365638117720309179805762862135448622705260.......
أليس من المدهش أن الفن الإسلامي الذي يراه النقاد الغربيون انه يعبر عن الحقيقة اللانهائية عن طريق زخرفة لا نهائية (دورية و غير دورية) يخفي أيضا النسبة الذهبية وهي نسبة لا نهائية !
لذا يقول يقول ماريو ليفيو في كتابه المدهش The Golden Ratio ، النسبة الذهبية: " من الإغريق إلي رياضي عصر النهضة إلي العلماء المعاصرين والفيزيائيين، مثل روجر بنروس، جميعهم افنوا ساعات لا حصر لها في دراسة هذه النسبة البسيطة وخصائصها. ولم يقتصر الافتنان على هؤلاء بل شمل علماء الأحياء والفنانين والموسيقيين والمؤرخين والمعماريين وعلماء النفس، بل أهل التأمل في الخفي كذلك، الذين تمعنوا فيها وتدارسوها".
بل أن زخرفة داربي إمام في أصفهان أشد دهشة. فهي تظهر التصاميم بمقياسين. فالتصاميم الكبيرة مجزأة إلى تصاميم اصغر. الأمر الذي يسمح بمليء أي سطح مهما عظم بهندسة بنروس عن طريق تكرار المقياسين .
* إعلامي عماني و عضو الرابطة الدولية للكتاب العلميين ISWA
زخرفة داربي إمام
التكرار اللانهائي .. قصر الحمراء
نظام بنروس الدوري
زخرفة المسجد الأخضر .. تركيا
لوحة إيشر .. تقسيم السطح
أثر الخط المستقيم .. تكرار النجمتين الخماسية والثمانية

اعلامي عماني وعضو الرابطة
الدولية للكتاب المعلمين iswa
محمد بن عبدالله العليان *

 

أعلى




الازدواج اللغوي .. النشأة والمخاطر

الازدواج اللغوي مفهوم جديد من مفاهيم علم اللغة الحديث, لم يكن له في الدراسات اللغوية القديمة تصور واضح أو تعريف محدد، وإن كان الازدواج اللغوي من حيث هو ظاهرة لغوية موجوداً منذ أن وجدت لغات أدبية مشتركة.
وهذا المفهوم اللغوي الجديد ثمرة من ثمار علم اللغة الحديث Linguistics الذي أدخل على الدرس اللغوي مفاهيم وموضوعات كثيرة عن اللغة وما يتصل بها. فنقل بذلك الدرس اللغوي إلى آفاق أرحب ومحاور شتى جديدة، لم يكن الدرس اللغوي القديم يعنى بها أو يعالجها بدقة وشمول وعمق كما يعالجها علم اللغة الحديث. والازدواج اللغوي الذي هو أحد هذه الموضوعات والقضايا اللغوية الجديدة يحظى اليوم بعناية كبيرة من قبل اللغويين المعاصرين، خاصة المشتغلين منهم بعلم اللغة الاجتماعي.
ويبدو أن العالم اللغوي الأميركي فيرجسون كان من أشهر من درس الازدواج اللغوي دراسة علمية مستقلة حيث نشر عام 1958 مقالا بعنوان (diglossia) أي الازدواج اللغوي. تحدث فيه عن وجود شكلين مختلفين للتعبير في اللغة الواحدة، شكل يستخدم في الكتابة، وشكل يستخدم في الخطاب العادي والاتصال اليومي. وقدم أمثلة على وجود ظاهرة الازدواج اللغوي في عدد من اللغات (1).
ومنذ ذلك الحين أصبح موضوع الازدواج اللغوي واحدا من مباحث علم اللغة الاجتماعي، وصار مفهوما لغويا شائعا عند اللغويين. يدور هذا المفهوم حول وجود ظاهرة لغوية تتمثل في أن للغة الواحدة شكلين مختلفين للتعبير أحدهما يستخدم في الكتابة وفي بعض المواقف الرسمية والجادة والآخر يستخدم في الخطاب العادي.
وعلى ضوء هذا، يمكن القول بأن الازدواج اللغوي هو استخدام المرء لغة في خطابه العادي وحياته اليومية تختلف عن اللغة التي يستخدمها في الكتابة، وهذا الاختلاف بين اللغتين يكون في الجوانب الصوتية والمعجمية والتركيبية والدلاليـة، على نحو ما هو حاصل في اللغة العربية، حيث تختلف فيها لغة الخطاب العادي والحياة اليومية بشكل واضح عن اللغة العربية الفصحى المستخدمة في الكتابة في جوانب صوتية ومعجمية وتركيبية ودلالية. فالمتحدث بالعربية يلزم نفسه بالمحافظة على قواعدها وأساليبها وتراكيبها عندما يمارس الكتابة بها أو الحديث بها في المواقف الجادة. ولكنه يتحرر من ذلك عندما يتكلم في خطابه العادي وشؤون الحياة اليومية، لأنه يستخدم لغة عامية محكية، لها نظامها الصوتي والمعجمي والدلالي والتركيبي الخاص. وهذا يعني بأن المتكلم بالعربية يجد نفسه أمام شكلين لغويين مختلفين، بل أمام شكل ثابت يلتزم به عند الكتابة وهو اللغة العربية الفصحى، وأمام ضروب مختلفة من أشكال التعبير يستخدمها في خطابه العادي وحياته اليومية وهي اللهجات العامية.
نشأة الازدواج اللغوي:
لم يكن هذا الواقع اللغوي المتمثل في وجود شكلين مختلفين من التعبير بجديد على الإنسان العربي، الذي يشير أكثر من دليل إلى أنه كان يعرف، إلى جانب العربية الفصحى، التي كان يستخدمها في أدبه، ضروباً أخرى من التعبير، هي ما يعرف باللهجات التي كان لكل قبيلة أو منطقة لهجة تعرف بها وتنسب إليها. وكانت هذه اللهجات تحمل من الخصائص الصوتية أو الدلالية أو التركيبية أو المعجمية ما يجعلها مختلفة عن اللغة الأدبية المشتركة التي تمثل أرقى نموذج لغوي عند الجميع.
وعندما نزل القرآن الكريم فإنه نزل باللغة الأدبية المشتركة ولم ينزل بلهجة هذه القبيلة أو تلك. لأنه جاء بلغة عكست أجمل وأسمى ما في لغات العرب من خصائص ومزايا، وتحاشى النزول باللهجات التي لا ترقى إلى مستوى اللغة الأدبية.
ولئن سلمنا جدلاً بأنه نزل بلغة قريش التي هي اللغة الأدبية المشتركة كما يرى كثيرون. فإن هذا القول من أقوى الأدلة على وجود أشكال أخرى من التعبير إلى جانب هذه اللغة؛ فلو لم تكن هناك لهجات ولغات أخرى غير هذه اللغة، ما كان هناك من حاجة إلى القول بهذا القول، وما كان ورد عن بعض كبار الصحابة تأكيد بأن نزول القرآن لم يكن بلغة هذيل أو غيرها من القبائل، وإنما كان بلغة قريش (2).
ومالنا ألا نعد قول النبي (صلى الله عليه وسلم) أنزل القرآن على سبعة أحرف دليلاً آخر يؤكد بأن هناك أشكالاً متعددة من التعبير في البيئة التي نزل فيها القرآن الكريم إلى جانب اللغة الأدبية النموذجية، وأن هذا الحديث يؤكد هذا المعنى مهما اختلف في تفسيره (3).
ومما لا ينبغي إغفاله في هذا السياق القراءات القرآنية بمستوياتها الضعيفة والشاذة والمشهورة، فهي تشير بكل وضوح إلى وجود أشكال من التعبير في العربية إلى جانب الفصحى التي تمثل الشكل الأفصح الذي ارتضاه جميع العرب أو أكثريتهم على أقل تقدير. ولو كانت الفصحى هي الشكل اللغوي الوحيد بين العرب ما كانت كتب القدامى من علماء العربية تتضمن كلمات وتعبيرات مثل: لغة شاذة، ولغة ضعيفة، ولغة عالية، ولغة متينة، ومثل: هؤلاء أهل فصاحة، وهؤلاء ليسوا بفصحاء، وغير ذلك من التعبيرات التي لا تدع مجالاً للشك بأن الازدواج اللغوي كان موجوداً في العربية منذ الجاهلية، ولم يكن وليد خروج العرب من جزيرتهم زمن الفتوحات الإسلامية، ولا بسبب دخول غير العرب في الإسلام واختلاطهم بالعرب في الأمصار الإسلامية (4).
ومن الأدلة على وجود أشكال متعددة من التعبير في العربية إلى جانب العربية النموذجية، وجود اللحن في بعض ما وصل إلينا من الشعر الجاهلي. فقد أخذ على بعض كبار الشعراء الجاهليين أنهم كانوا يخرجون أحياناً على اللغة النموذجية في بعض القضايا النحوية أو الصوتية أو المعجمية (5)
ومن جانب آخر فإن العرب كانوا في الجاهلية على صلة بالشعوب التي تجاورهم، بسبب التجارة والحروب وغير ذلك من مطالب الحياة. فاليمن كانت قريبة من بلاد الحبشة وما حروف هجاء الحبش إلا حروف المسند أو حروف أهل حمير بتغير طفيف. وأبنية بلاد الحبشة القديمة الموجودة في يكسوم مثل الأبنية الموجودة في جوار صنعاء ومأرب من بلاد اليمن(6).
والعرب الذين كانوا في شمال الجزيرة العربية لها يخالطون أهل الشام وفلسطين وسائر أهل تلك الديار. والعرب الذين كانت ديارهم على الخليج أو مجاورة لديار فارس من جهة العراق، كانوا يذهبون إلى بلاد الأعاجم ويستقبلونهم. وكان في الجاهلية علوج في عمان يعرفون باسم المزون، وعلوج في اليمن يعرفون باسم السامران. وفيها أيضاً قوم يعرفون بالأبناء وهم من العجم سكنوا اليمن في عهد سيف بن ذي يزن، وتوالدوا هناك، وتناسلوا، وامتزجوا باليمانيين ،كما امتزج بها السامران من قبل. وامتزج المزون في عمان بأهلها (7)
وقد كان لهذه الصلة والاتصالات التي تمت بين العرب وجيرانهم تأثيرات على اللغة العربية، لا يمكن إنكارها. ومن آثارها الألفاظ الأعجمية الموجودة في الشعر الجاهلي والقرآن الكريم التي صارت يوم نزوله جزءاً من نسيج العربية رغم أصولها الأجنبية.ولقد اعترف العرب بتأثير لغات الشعوب المجاورة لهم، ولذلك نظروا إلى لغات القبائل والمناطق المحاذية لهذه الشعوب على أنها غير فصيحة. ويوم جمعت اللغة الأدبية المشتركة، ووضعت القواعد في عصـر التدوين، كانوا يتجنبون أخذ اللغة من هذه القبائل بسبب تأثر لغاتها باللغات الأجنبية. وبناء على ما سبق يمكن القول بأن الازدواج اللغوي ظاهرة لغوية قديمة لازمت العربية منذ أقدم عصورها،على نحوها.

الهوامش:

1- فرجسون ،ص25
2- المفصل في تاريخ العرب،8/603
3- الصاحبي ، ص32
4 - المزهر،1/214
5- لغة الشعر ،ص108
6- حصاد الفكر العربي الحديث ،ص278.
7- المصدر السابق،ص280

د. محمد بن سالم المعشني


أعلى



تــــراث

أحسن من ولَّده!

قال الجاحظ في (البيان والتبيين): (وما علمت في العرب قبيلة لقيت من جميع ما هُجِيت به ما لقيت نميرٌ من بيت جرير، ويزعمون أنّ امرأةً مرّت بمجلسٍ من مجالس بني نُمير، فتأمَّلها ناسٌ منهم فقالت: يا بني نمير، لا قولَ اللَّه سمعتم، ولا قولَ الشاعر أطعتم قال اللَّه تعالى: "قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِم" وقال الشاعر: (فَغُضَّ الطَّرْفَ إنَّكَ مِن نُمير * فلا كَعْباً بَلغتَ ولا كِلابـا) وأخلِقْ بهذا الحديث أن يكون مولَّداً، ولقد أحسن من وَلَّده).

ـــــــــــــــ

إذا ما مات بعضك..

عزاءك أيها العين السكـوب
ودمعك إنها نـوب تـنـوب
وكنت كريمتي وسراج وجهي
وكانت لي بك الدنيا تطـيب
فإن أك قد ثكلتك في حياتـي
وفارقني بك الإلف الحبـيب
فكـل قـرينة لا بـد يومـاً
سيشعب إلفها عنها شعـوب
على الدنيا السلام فما لـشـيخ
ضرير العين في الدنيا نصيب
يموت المرء وهو يعـد حـياً
ويخلف ظنه الأمل الكـذوب
يمنيني الطبيب شفاء عـينـي
وما غير الإله لها طـبـيب
إذا ما مات بعضك فابك بعضاً
فإن البعض من بعض قريب
صالح بن عبد القدوس

ـــــــــــــــ

حليم ورأي حكيم

يروى أنه جرى بين شهرام المروزي وبين أبي مسلم الخراساني فقال له شهرام: يا لقيط، فصمت ابو مسلم وتنبه شهرام على هفوته، فاعتذر وخضع، فقال له أبو مسلم: لسان سبق ووهم أخطأ وبادرة غضب، والغضب من الشيطان، وأنا جرأتك بطول احتمالي لك، فإن كنت للذنب معتمداً كنت لك شركاً، وإن كنت مخطئاً فالعذر يسعك، وقد شمل عفوي الحالين! فقال له شهرام: أيها الأمير عفو مثلك لا يكون غروراً، قال له أبو مسلم: أجل، قال شهرام: فإن عظم ذنبي لا يدع قلبي يسكن! فقال أبو مسلم: سبحان الله العظيم، ومن أحسن إليك مع إساءتك لا يسيء إليك مع إحسانك!

ـــــــــــــــ

عجيب في الحالتين

روى أبو عبد الله المفجع قال: كان المبرد لعظم حفظه اللغة، واتساعه فيها، يتهم بالكذب، فتواضعنا على مسألة لا أصل لها، نسأله عنها لننظر كيف يجيب.
وكنا قبل ذلك، قد تمارينا في عروض بيت الشاعر: أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا
فقال بعضنا: هو من البحر الفلاني، وقال آخرون: هو من البحر الفلاني، فقطعناه، وتردد على أفواهنا من تقطيعه قبعض.
فقلت له: أنبئنا، أيدك الله، ما القبعض عند العرب ? فقال المبرد: القطن، يصدق ذلك قول أعرابي: كأن سنامها حشي القبعضا
قال: فقلت لأصحابي: هو ذا ترون الجواب والشاهد، إن كان صحيحاً فهو عجيب، وإن كان اختلق الجواب، وعمل الشاهد في الحال، فهو أعجب.

ـــــــــــــــ


لو لم يكن لهم إلا ذكرك..

روى القاضي التنوخي في (نشوار المحاضرة) عن أبي محمد يحيى بن محمد الأزدي، قال: بلغني أن ابن الزيات لما حصل في التنور قال له بعض خدمه: لهذا وشبهه كنا نشير عليك بفعل الإحسان، وتقليد رقاب الرجال بالأمتنان، واتخاذ الصنائع في حال القدرة لتجازي بها الآن عند الحاجة.فقال: لو كنت فعلت هذا، ما حصلت منه على طائل، لما في نفوس الناس من ضعف الإخاء، وكثرة الغدر، وقلة الوفاء، وتراني كنت أفعل أكثر من أفعال البرامكة? ما نفعهم لما حصلوا في مثل حالي من إسلام الزمان وجور السلطان? فقال له الخادم: لو لم ينفعهم إلا ذكرك لهم في مثل هذه الحال التي أنت فيها لكان ذلك أكبر نفع.

ـــــــــــــــ

أخذ نصيبه ونصيبي

أورد الصفدي في (نكت الهميان):قال بعضهم لبشار بن برد: ما أذهب الله كريمتي مؤمن إلا عوضه الله خيراً منهما. فبم عوضك? قال: بعدم رؤية الثقلاء مثلك.
وقال بعضهم: يقال إن أهل هيت يكون أكثرهم عوراً. فرأيت رجلاً منهم صحيح العينين. فقلت له: إن هذا لغريب! فقال يا سيدي إن لي أخاً أعمى قد أخذ نصيبه ونصيبي.وسمع محمد بن مكرم رجلاً يقول: من ذهب بصره، قلت حيلته. فقال له: ما أغفلك عن أبي العيناء? وقال المتوكل يوماً: لولا ذهاب بصر أبي العيناء لنادمته? فبلغه ذلك. فقال: قولوا له إن أعفيتني من قراءة نقوش الخواتيم ورؤية الأهلة صلحت لغير ذلك. فبلغ المتوكل ذلك فضحك ونادمه.

ـــــــــــــــ

قد عييت

قال الخطيب البغدادي: تعلّم الكسائي النحو على كِبَر ، وسببه أنه جاء إلى قوم وقد أعيا ، فقال : قد عييت ، فقالوا له : تجالسنا و أنت تلحن ! قال : وكيف لحنت ؟ قالوا : إن كنت أردتَ من انقطاع الحيلة فقلْ : عييت، وإن أردت من التعب فقل : أعييت ؛ فأنِف من هذه الكلمة ، وقام من فَوْره ، و سأل عَمَّن يُعَلِّمُ النحو ، فأرشد إلى معاذ الهراء ، فلزمه حتى أنفد ما عنده ، ثم خرج إلى البصرة فلقي الخليل ، وجلس في حَلْقته ، فقال له رجل من الأعراب : تركت أسَد الكوفة وتميما وعندهما الفصاحة ، و جئت إلى البصرة ! . فقال للخليل : من أين أخذت علمك هذا ؟ فقال : من بوادي الحجاز و نَجْدٍ وتهامة ، فخرج و رجع ؛ وقد أنفد خمس عشرة قنينة حبرٍ في الكتابة عن العرب ، سوى ما حفظ ، فقدم البصرة فوجد الخليل قد مات وفي موضعه يونس ، فجرت بينهما مسائل أقرّ له فيها يونس ، وصدّره موضعه.

ـــــــــــــــ

ذات الخال

كانت للرشيد جارية شتراها بسبعين ألف درهم، وكانت أحسن الناس وجهاً ولها خال على خدها، لم ير الناس أحسن منه في موضعه، ووعدها الرشيد يوماً أن يصير إليها، فلما صار إليها اعترضته حظية أخرى فدخل إليها، وأقام عندها فقالت ذات الخال: والله لأغيظنه، فدعت بمقراط، فقصت الخال الذي كان على خدها، فشق ذلك على الرشيد، وقال للعباس: اعمل في هذا شيئاً فقال:
تخلصت ممن لم يكن ذا حفـيظة
وملت على من لا تغيره حـال
فإن كان قطع الخال لما تطلعـت

إلى غيرها نفسي فقد ظلم الخال

ـــــــــــــــ

قليله أن تسألا

ودع لبابة قبل أن تـتـرحـلا
واسأل فإن قليله أن تـسـألا
البث بعمرك ساعةً وتـأنـهـا
فلعل ما بخلت بـه أن يبـذلا
قال ائتمر ما شئت غير مخالفٍ
فيما هويت فإننا لن نعـجـلا
لسنا نبالي حين تقضي حـاجةً
ما بات أو ظل المطي معقلا
حتى إذا ما الليل جن ظلامـه
ورقبت غفلة كاشحٍ أن يمحلا
خرجت تأطر في الثياب كأنها
أيم يسيب على كثـيبٍ أهـيلا
رحبت حين رأيتها فتبسـمـت
لتحيتي لما رأتني مـقـبـلا
وجلا القناع سحابةً مشهـورةً
غراء تعشي الطرف أن يتأملا
فلبثت أرقيها بما لـو عـاقـلٌ
يرقى به ما اسطاع ألا ينـزلا

عمر بن أبي ربيعة

ــــــــــــــــــــ

لو ذكرتني لفعلت

جاء في كتاب (صفوة الصفوة) لابن الجوزي عن عطاء قال: بعث معاوية الى عائشة بطوق من ذهب فيه جوهر قوم مائة ألف فقسمته بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وعن أم ذرة وكانت تغشى عائشة قالت بعث اليها ابن الزبير بمال في غِرارتين قالت: أراه ثمانين ومائة ألف، فدعت بطبق وهي يومئذ صائمة فجلست تقسمه بين الناس فأمست وما عندها من ذلك درهم. فلما أمست قالت: يا جارية هلمّي فِطْري. فجاءتها بخبز وزيت، فقالت لها أم ذرة أما استطعت مما قسمت اليوم ان تشتري لنا بدرهم لحماً نفطر عليه? فقالت لها: لا تعنّفيني لو كنت ذكرتني لفعلت. وعن عروة قال: لقد رأيت عائشة تقسم سبعين الفاً وهي ترقع درعها.

ــــــــــــــــــــ
ورع

أورد أبو نعيم في (حلية الأولياء):روى زياد بن الربيع عن صالح الدهان: أن جابر بن زيد كان يتحدث مع بعض أهله فمر بحائط قوم فانتزع منه قصبة فجعل يطرد بها الكلاب، عن نفسه؛ فلما أتى البيت وضعها في المسجد، فقال لأهله: احتفظوا بهذه القصبة فإني مررت بحائط قوم فانتزعتها منه، قالوا: سبحان الله يا أبا الشعثاء، ما بلغ بقصبة? فقال: لو كان كل من مر بهذا الحائط أخذ منه قصبة لم يبق منه شيء، فلما أصبح ردها.


أعلى




الادب الشعبي


* بوح ..
هذا الميلاد...

مذ اتضحت بوادر الانفتاح على الحراك الشعري الشعبي على الساحات الخليجية كان التساؤل المقلق دائما في ساحتنا الشعرية : متى ستكون لنا مجلة معنية بالشعر الشعبي ؟ ، وربما لا يتضح للشعراء إذا ما تعمقوا في التفكير آليات قيام مثل هذه المجلة وسبل تطورها وبقائها قبل كل شي ، فالمقارنة إذا ما كانت موجودة على صعيد المادة الدسمة بين ساحتنا والساحات الخليجية الأخرى فأنها تكون غائبة من نواح أخرى أبرزها الجمهور والإعلان ، فجمهور السلطنة كما هو معلوم للجميع ليس جمهور شعر بنسبة اقل من 50% نعم يروق له الشعر الشعبي تحديدا ولكن لا تشكّل له الأمسية الشعرية او الصفحة الشعرية او حتى المجلة الشعرية أي شي يذكر ـ وحتى الشعراء انفسهم ـ ، كما أن آليات جذب الجمهور للتهافت على شراء المجلة مثلا يجب ان ترتكز على الغلاف بشكل كبير واعتقد اننا في مجتمع وساحة لا تمتلك بل لا يجدر بها الأخذ بهذه الآلية لتحقيق رغبة الجمهور في المقابل من المهم جدا تحقيق نسبة الشراء وبينهما لا يتم التوافق ! ، كما أن المجلة تحتاج إلى دعم متواصل اقله ( الإعلان ) وبالطبع انت في مجلة معنية بالثقافة إذن الإعلان متخصص في كثير من الأحيان يحبذ ان يميل بشكل أو بآخر إلى طابع المجلة وما تستهدفه ، وهذه الإشكالية قد تواجه أي إصدار شعبي دوري بالسلطنة خاصة وإن المعُلن في السلطنة لا يتجه إلى مثل هذه المجلات لاعتقاده ـ ربما ـ بأنه لا يوفِ رغباته المستهدفة من الإعلان ، وبالتالي قد يتحمل القائم على المجلة عبء الخسارة في الأعداد الأولى ولكن ( مع العذر ) قد يتوقف في لحظة من اللحظات ، وهنا ستكون المشكلة الأكبر وهذا ما لا يتمناه الشاعر الذي لا يدرك الظروف التي يمر بها مثل ذاك الإصدار.
وبعد سنوات من التساؤل جاءت المجهودات الشخصية لبعض الشعراء المجتهدين والذين يسعوا بشكل أو بآخر تقديم صورة الشعر العماني على الآخر فكانت ( وهج ) والتي قدمت بثقلها كما وكيفا لتزّين سماء السلطنة الشعرية الشعبية وتخترق أجواء الساحات الخليجية معبرة عن حالة الحراك الشعبي بالسلطنة ولتؤكد لجميع من يجهل الشعر بأنها أداة حقيقية موثوقة تقدم القصيدة الحقيقية قبل الأسم ، وتؤكد بأن هيئة تحريرها هم الشعراء انفسهم ، وتقدم الصورة المغيّبة من إبداعات الشعر الشعبي العماني بكافة محتوياته للساحات الشعرية الخليجية والتي ارتبطت معرفتها بالساحة العمانية من خلال أسماء معينة لا تتعدى أصابع اليدين ، ولا تتعدى حدود بعض الكتابات المتذبذبة المستوى إذا ما قورنت بالوضع الحقيقي للشعر العماني الذي يتميز بخصوصيته من خلال أعلامه المعروفين.
جاءت ميلاد (وهج) متأخرا ـ ليس قليلا ـ ولكنها انجبت صيغة متكاملة و- لله الكمال ـ عن حالة الساحة بكافة أطيافها ومواكبة لحركة المجلات الشعرية الخليجية ، فشعرائها هم الوهج الحقيقي الذي طالما وقف مساندا لها فأنها لن تكترث بمعوقات الإصدار الشعبي التي ذكرنها سابقا ، فجاءت من الغيرة الحقيقية على الشعر .. الغيرة التي تقدم الجهد على أرض الواقع وليس الثرثرة بلا حدود لما لا حدود .. فكل الشكر من كل القلب إلى القائمين على هذا ( الوهج ) الذي نتمناه شهريا .. دسما .. متطورا .. متوهجا على الدوام ، فكما هو الصبر الجميل على حلم طالما استصعب تنفيذه امنياتنا بالوقوف الجميل مع هذه المساحة المتاحة للشعر والشاعر العماني والتي هي اولا وأخيرا منه وإليه ، وأمنياتنا ان تقدم تشبع المجلة نهم الشعراء مما يسعونه من أهداف في ظل المنافسة القوية أمام الفضائيات الأكثر سرعة ولكنها ليست الأنجع ـ توثيقا ـ والف لنا جميعا .

ومضة ..

كثير ينبّع عشقها في جبينــــــي
وكثير كلما أسجد بْها .. تحبنـــــــي !
ما جيتها إلا انطفاء لحنينــــــــي
وما جيت إلا من شقاءٍ تعبنــــــــــي
تدري وش الكبت الذي يحتويني ؟ ..
إنها بلادي .. وهي بلادي .. تحبني ؟!

* فيصل العلوي

*

ــــــــــــــــــــ


غيّـاب

يا رب هـذا الغيـاب اْعمـى
لو تهدي النور النور مرتابين
نشّـك في جوعهـا وتظمـا
ثم ترمـي بفـأس حطّـابين
لو تدفْن الليـل كان اْسمـى
عـن صبـْح موتى بلا تأبين
ناديت من صـادق الظلمـاء؟
وصاحت من الشمس كذّابين
صـافْ الدلّـو لو بعد يرُمى
من طهْـره الناس كسّـابين
وحجـارة الذنب ما تُحمـى
الـا على جبــاه مغْتـابين
ياصـاحبي واسـأل البكمـى
تْشهـد مع الدين كتّــابين
فيني تعب للنقـاء أومــى
وطاحـو من الكذب منْصابين
واللي كتب لي انتظار المـاء
مكتـوب لك داخلي عتـابين
الاول اودعتنـي لـ:/ سلْمى
مع هفـوة الناس وشقاء بين
والثـاني انك تعـب يُرمـى
واقسى التعَب ينهش بـ:/نابين
وش لك تقول الغيـاب اعمى
ما قلـت يا عمـــْر تّوابـين !

خالد الداودي

ــــــــــــــــــــ

صبح المدينة

صباحك ورد لو كان الورد يحمل وفاء إنسان
وأنا في غمرة أشواقي يداعب دمعي إهـدابي
صباحك من دفء فجر الصلاة وريحه الإيمــان
صباحٍ ينفض غبار البعد يوصــــلك بــــــــابي
صباحك بلسمٍ عذري يشيل بكـــفه الريحــــــان
تناثر في شذى عطره يسيل بمخــمل ثيــــابي
صباحك هالشمس وخيوطها تتخــــلل الأغصان
تجي تنثر مصابيح الشعر في صفحة كتابي
صباحك طفل متبسم يضم بشنـــــطتة الــــــوان
يجاهر للملا عشقه ينادي حزمة العــــــابي
صباحك ما لمس من روعة أي آدمي أو جـــان
وان نام الوله في صفحتك تقضه أســــــبابي
صباحك هالحديث السرمدي من صاحبٍ ما خان
يودك كثر ما طهر الموده بصدر محــــرابي
صباحك حارةٍ فلت ظفــــــــائرها تجـــــي تزدان
لصبحٍ ما عرف أن الغياب يشتت أعصــابي
عرفتك وأثمرت في غرس بستاني زهر رمان
عرفتك والقصيدة سالفة ميلاد أحــــــــــبابي
وإذا كانت أساطير العشق تحكي وفــاء أزمــــان
حكيتك صبح عصفورٍ يطير بجنب أســــــرابي
كتبتك وانتهت رحلة قساوة قلبي الشـــــــــفقان
تسافر جملة الماضي وتموت بصمت أتعــابي
تصبحت بربيع فصول قلبك- ودلة الفـــــــنجان
إلين ان النهار يشع نوره وتورق أعشــــابي

ندى التيسيري

ــــــــــــــــــــ


وهج.. تحقق حلم الشعراء الشعبيين عبر مساحاتها المنطلقة للبعيد

بعد انتظار بمثابة الحلم للشعراء الشعبيين انطلقت مجلة (وهج) مطلع الأسبوع الجاري لتحقق ذلك الحلم الذي طالما انتظره الشعراء، وقدمت المجلة ذاكرة الشعر ومستقبله منذ الوهلة الأولى لإطلالتها من الغلاف حتى خاتمتها، فقدمت المجلة أروع القصائد العمانية وأخبار الأمسيات الشعرية التي أقيمت في مهرجان مسقط ومهرجان مجلس الشعر الشعبي العماني الثاني، كما عرفت في محتوياتها بأقدم شعراء النبط، أنارت صفحات وهج المكان التي طافت خلاله عبر بوح شعري متميز كل طرقات مطرح وسوقها الجميل، كما تميز العدد ايضا باللقاءات المتميزة الثقافية منها والفنية، وانطلقت وهج في افتتاحية مواضيعها الدسمة بغياب الأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن وحلقّت في سمائه وأخباره، كما قدمت تحقيقا حول أسباب عدم وصول الشاعر العماني إلى المراحل النهائية للبرامج الشعرية التي تقيمها الفضائيات وقدمت العديد من وجهات النظر التي كتبها الشعراء والمثقفون والإعلاميون، كما تقدم وهج عبر صفحاتها البوح الإبداعي لبعض مصوري السلطنة عبر إبداعات عدستهم والعديد الذي تنفرد به المجلة في عددها الأول، وإذ نتمنى التوفيق والتواصل لهذه المجلة نتمنى من الشعراء تقديم كل ما يرونه مناسبا والرقي بها نحو آفاق أكثر رحابة خاصة وأنها المساحة المفتوحة لهم والتي تسعى للوصول إلى الساحات الخليجية والتعريف بقيمة وأهمية التجربة الشعرية العمانية إبداعيا إن لم تفوق مختلف الساحات، فلنبارك لأنفسنا جميعا ميلاد (وهج) وكل الشكر لكل من تجشّم عناء الفكر والسهر من أجل الظهور بهذا المستوى ولكل للقائمين إداريا عليها.. وألف مبارك للشعراء وعشاق الشعر الشعبي.

 

أعلى




طواف من المهد إلى اللحد (1 - 2)
الحياة والحرفة والذاكرة في حياة سويري الشعرية

وادي بني خالد.. القرية والمهد والذاكرة

بحث وتحقيق ـ حمد الخروصي:

دست الفيافي حافي ما عْبرت فألواح
قاطع سيوح وبيد وكثبان وحجر

توطئة
لكل أرض شعراؤها المغامرون، فالشعر ليس فقط رسالة أو قضيّة أو هواية كما يعتبره البعض، إنه حياة وذاكرة وحرفة الموهبيين، وأي أرض مزروعة بالقبور هي أرض تحتضن بذرة زهرة زكيّة يرويها مطر الذكرى. الشعر هو المطر الذي يسقي زهور من رحلوا عنّا، والذكرى هي فقط من تستطيع إرجاعهم إلينا بكامل هيبتهم ووقارهم. والأرض التي تنسى شعراءها هي أرض بور لا يعوّل عليها أبدا، ولكنّ أرض وادي بني خالد ليست كذلك؛ إنّها سيل جارف من مطر الذكرى، الذكرى التي تعيد إلى الأذهان سيرة شاعر كبير اسمه سويري، سويري هذا المارد المغترب في داخل وخارج عمان، والغريب في مقبرة الوادي النائمة على ظهر الجبل الصامت أنّ أرض وادي بني خالد ما زالت وفيّة لشاعرها، وأهالي الوادي ما زالوا يتناقلون أبيات شاعرهم بكبرياء ومتعة وانفعال صادق. إنّ هذا البحث والتحقيق ما هو سوى محاولة بسيطة تحاول نبش ذكرى شاعر شعبي عماني معروف ومجهول في آن واحد!، فهو معروف مع العامة من الناس، أولئك المهتمون بالشعر الشعبي وخاصة المهتمون بالفنون الشعبيّة العمانيّة وتحديدا الشعريّة (كالرزحة) (والميدان) والأناشيد وفي المقابل هو مجهول تماما عند الشعراء النبطيين أو الحداثيين كما يقال، ومع المثقفين عموما. وهذه المحاولة إن كانت من جهة تمنّي القلب بنبش الذكرى لدى الطرف الأول فإنّها ترجو أن تكشف للطرف الآخر تجربة شاعر عماني كبير، إنّه سويري متنبي الشعر الشعبي العماني..

مدخل

متى بْيرجع لي ذاك الزمن ويعـــــود
يومٍٍ طلبت رْصاص وأعطوني ذهب

ذهب كاتب هذا التحقيق إلى قرية الشاعر، القرية التي ولد فيها وعاش تحت سمائها وتوفى فوق أرضها، القرية التي احتضنت قبره. فالتقى بأهالي القرية الذين حفظوا معظم قصائد شاعرهم، وحادثَ أصدقاءه القدامى الذين حفظوا قصائده عن ظهر قلب، بل وحفظوا تفاصيل حياته الكاملة. رأى بعينه المكان وشم رائحة الأرض التي حاولت لفترة طويلة الاحتفاظ بسر شاعرها الكبير، واستمع لخرير الوادي وهو يردّد أبيات سويري ودعاءه الصادق بحنينٍٍ هادر:
طلبتك ربي في يوم القيامة أرحم
في يوم الوالد يلقى من ولده العذر

يوم الأوادم شاخصات أبصارهم
يتناشلوا كنهم جرادٍٍ منتشــــــــــــر


إنّ كل أشكال الحياة في وادي بني خالد ما زالت وفيّه لسيرة شاعرها الفذ، ما زالت تنشد (مقاصبه) الرائعة، ما زالت تتنفس هواء شعر سويري العميق الجزل الحكيم.. ولا بد أن نسجّل أن رفيق الكاتب في رحلة البحث والتحقيق هو المصوّر الفنان محمد القرني، الذي كانت عدسته الصادقة هي المرآة التي عكست الصورة الحقيقية لذاكرة الشاعر وذاكرة المكان وذاكرة الناس. انتقلت عدسة المصور في كل مكان وأعادت الزمن إلى الخلف، فالتقطت حركات التاريخ ببطء ودقة، مشكلة المشهد السينمائي الذي يوثّق حياة سويري منذ ولادته إلى وفاته. لم يتغيّر شيء في الوادي الساحر سوى أن أشجار النخيل أصبحت أطول ظلا، وأصدقاء سويري أكثر شيخوخة وجرأة على الحديث عن صديقهم الشاعر، فما زالت القلوب كما كانت ممتلئة بالحب وبالصدق، وما زالت الوجوه متلألئة لقدوم ضيف جديد، ومبتهجة أمام عدسة الحقيقة، ومنتشيّة أمام أسئلة المحقق وفضوله الكبير.

وادي بني خالد

يا جْماعتي وإن دعاني الشيب
أنا بعده الموت ما دْعاني

منذُُ مئة وثلاثين عاما تقريبا شهد الوادي ميلاد شاعرنا المعروف والملقب بـ (سويري)، في منطقة تحيطها الجبال من كل جهة، ويشطرها الوادي إلى نصفين، مخترقا صلادة الجبال وصلابة الأرض ووعورتها، ومشكلا لوحة لقرية فاتنة تتناثر منازل أهاليها على ضفاف الوادي وعلى مساقط الجبال وسفوحها المترامية بنظام فوضوي بديع، وكأن الناس قد عقدوا صلحا أبديّا مع الطبيعة بأن لا يعتدي طرفٌ على الآخر؛ فتفيأوا سعف النخيل وظلال الجبال الباسقة السمر، وجلسوا تحت عناقيد العنب وكأنهم في الجنة الموعودة، وبقي معظمهم في هذا المكان المحاصر بهدوئهم وأمانهم وأمانيهم البسيطة وتعلّقهم بقلعتهم المنيعة وسورها الحصين، في هذا المشهد بالضبط ولد سويري. حينما تلتقي بأهالي وادي بني خالد وتحديدا بكبار السن منهم تكاد تقتنع بأن جميع سكان الوادي هم شعراء، شعراء بالفطرة التي شربوها مع ماء الوادي وكبرت فيهم مع جمال المكان الساحر؛ إنك لا تحتاج سوى أن تجالس أي شخص من الوادي وتكتشف حقيقة شاعريتهم وتندهش من قدرتهم الكبيرة على الحفظ والسرد المدهش البديع. إن القرية التي أنجبت أعظم الشعراء الشعبيين في عمان تدفن في مقبرتها الرابضة على منحدر الجبل الصامت الكثير من الأسرار والشعر، فهناك الكثير من الشعراء الذين بقت قصائدهم متواترة بين سكان الوادي وأسمائهم ما زالت حاضرة بكامل هيبتها. إن الوادي بتفاصيله الدقيقة وبملامحه القاسية يتذكّر المارد الشعري الذي خرج من قمقم الأرض الطيبة، فتحرك في كل الاتجاهات بشجاعة وثقة كبيرة، وما زال الوادي محتفظا بآثار المارد الشعري الكبير، فهنا منزل سويري الطيني المتهدّم والذي ابتيع في تاريخ مجهول، وهنا قبر سويري المجهول بين قبور متناثرة في مقبرة جبلية موحشة، وهنا الساحة الشعرية التي شهدت أعنف وأقوى المباريات الشعرية. لاشك أن لوادي بني خالد حياة خالدة تنبض بالحب والجمال والشعر الأصيل، كما في الوادي معالم كثيرة تهددّها الرياح وعوامل التعريّة والنسيان.

سويري في المهد

هذا زمانٍٍ ما دعانا نستريح
لبّق سراج الحزن ولا يقدر يطفيه
في قرية (القرية) بولاية وداي بني خالد ولدَ راشد بن سلوم المصلحي والذي اشتهر بلقب (سويري). لم يكن أحدٌ من أهالي القرية يتنبأ لهذا الطفل الأسمر أن يكونَ في يوم ما هو (مالي الدنيا وشاغل الناس)، وبأن ينتشر صيته بين القرى والمناطق البعيدة وبأن تكون حياته مليئة بالأحداث والغرائب والمفاجأات وتنسج حول شخصيته الكثير من القصص والتي ما زال بعضهم يصدّقها ويسردها باقتناع. ولد سويري في الوادي ولا يُعرف بالضبط سنة ميلاده الحقيقية؛ لعدم وجود وثائق في ذلك الوقت، ولكننا نستطيع من خلال المقارنة ما بين الرواة أن نحدّد الفترة منذ عام (1865 ـ1870) وهذا التاريخ نستنتجه من العمر الذي عاشه سويري، حيث يجمع كل الرواة على أنّه عمّر طويلا، وقارب التسعينيات. ويتفق معظمهم على أنه توفى قبل تسلم جلالة السلطان قابوس الحكم بفترة لا تتجاوز الخمسة أعوام أي كانت وفاته على مشارف 1965، وكما هو حال معظم الناس الذين عاشوا في هذه الفترة فمن الصعوبة أن نحدد تواريخ ميلادهم أو وفاتهم بدقة ولكننا نستطيع أن نقرّب التاريخ إلى أقرب حادثة تاريخية مشهورة وقعت في ذلك الوقت. الوقت الذي لم يكن الناس فيه يهتمون بالوقت أبدا وكان اهتمامهم بالقوت فقط.. كان سويري هو أكبر إخوته الذكور الثلاثة (كما يذكر الشايب تون صهر سويري) وهم: سويري ومحيّل وماسي، توفي أحدهم وبقي الآخر إلى ما بعد وفاة سويري. وفي ظل الثقافة السائدة في تلك الفترة فإن اللون كان يشكّل عنصرا أساسيا في حياة بعض الناس ومنهم سويري، الابن الأسمر الذي عاش طفولته مكبلاً بقيد لونه. لم يكن هناك أي متنفس يستطيع إنقاذ هذه الفئة من شبح العبودية سوى الفن، الفن الذي لا يعترف بعمى الألوان، ومخلفات الحروب التجارية، الفن الراقي الذي يصطف في رزحته قوس قزح الألوان مشكلا دوائر كبيرة من الرجال يعبّرون عن مشاعرهم وشاعريتهم بحماس ورجولة ومتعة مطلقة، وسويري الإنسان واجه المجتمع بشعره الإنساني محاولا أن يبرر تمرده (ورفضه لهذا المجتمع) ويكفي أنه قال في إحدى صرخاته التي اخترقت طبلات الآذان ودخلت القلوب بلا استئذان ونبّهت الضمائر:
تو الخادم إنسان ماله رب
وما سمعت به بلال يوم أذّن

(سويري في المهد) :

هذا زمان ٍ ما دعانا نستريح
لبّق سراج الحزن ولا يقدر يطفيه

في قرية ( القرية ) بولاية وداي بني خالد ولدَ راشد بن سلوم المصلحي والذي اشتهر بلقب (سويري) . لم يكن أحدٌ من أهالي القرية يتنبأ لهذا الطفل الأسمر أن يكونَ في يوم ما هو (مالي الدنيا وشاغل الناس) ، وبأن ينتشر صيته بين القرى والمناطق البعيدة وبأن تكون حياته مليئة بالأحداث والغرائب والمفاجأات وتنسج حول شخصيته الكثير من القصص والتي ما زال بعضهم يصدّقها ويسردها باقتناع . ولد سويري في الوادي ولا يُعرف بالضبط سنة ميلاده الحقيقية ؛ لعدم وجود وثائق في ذلك الوقت ، ولكننا نستطيع من خلال المقارنة ما بين الرواة أن نحدّد الفترة منذ عام (1865 إلى 1870) وهذا التاريخ نستنتجه من العمر الذي عاشه سويري،حيث يجمع كل الرواة على أنّه عمّر طويلا ، وقارب التسعينات . ويتفق معظمهم على أنه توفى قبل تسلم جلالة السلطان قابوس الحكم بفترة لا تتجاوز الخمسة أعوام أي كانت وفاته على مشارف 1965، وكما هو حال معظم الناس الذين عاشوا في هذه الفترة فمن الصعوبة أن نحدد تواريخ ميلادهم أو وفاتهم بدقة ولكننا نستطيع أن نقرّب التاريخ إلى أقرب حادثة تاريخية مشهورة وقعت في ذلك الوقت . الوقت الذي لم يكن الناس فيه يهتمون بالوقت أبدا وكان اهتمامهم بالقوت فقط .. كان سويري هو أكبر أخوته الذكور الثلاثة (كما يذكر الشايب تون صهر سويري ) وهم : سويري ومحيّل وماسي ، توفى أحدهم وبقى الآخر إلى ما بعد وفاة سويري .وفي ظل الثقافة السائدة في تلك الفترة فإن اللون كان يشكّل عنصرا أساسيا في حياة بعض الناس ومنهم سويري ، الابن الأسمر الذي عاش طفولته مكبلاً بقيد لونه. لم يكن هناك أي متنفس يستطيع إنقاذ هذه الفئة من شبح العبودية سوى الفن ، الفن الذي لا يعترف بعمى الألوان، ومخلفات الحروب التجارية ، الفن الراقي الذي يصطف في رزحته قوس قزح الألوان مشكلا دوائر كبيرة من الرجال يعبّرون عن مشاعرهم وشاعريتهم بحماس ورجولة ومتعة مطلقة ، وسويري الإنسان واجه المجتمع بشعره الإنساني محاولا أن يبرر تمرده (ورفضه لهذا المجتمع) ويكفي أنه قال في إحدى صرخاته التي اخترقت طبلات الاذان ودخلت القلوب بلا استئذان ونبّهت الضمائر :

تو الخادم إنسان ماله رب
وما سمعت به بلال يوم أذّن


أعلى






المسرح ومسغبة الحوار

عندما خطّ شيخ المسرحيين العرب سعد الله ونوس رسالته في يوم المسرح العالمي سنة 1996م كان يتفرس المستقبل، ويرى أن البشرية تعدّ لاستقبال سنوات عجاف في الحوار، فأراد في هذه الرسالة أن يضع وصفته الأخيرة التي حملت في طياتها دعوة لفتح آخر أبواب الحوار بين البشر بعدما أوصدت أكثر أبوابه، يتمثل ذلك الباب في المسرح، المسرح الذي يرى فيه ونوس مكانا مناسبا يتأمل فيه الإنسان شرطه التاريخي والوجودي معا.
في الكلمة التي كلف المعهد الدولي للمسرح التابع لليونسكو الكاتب السوري الكبير بكتابتها يضع سعد الله ونوس المسرح مرادفا للحوار، ويختار لكلمته عنوانا يوحي بذلك، وهو الجوع إلى الحوار؛ فحسب رأيه أن الإنسانية في حاجة ماسة إلى المسرح أكثر من أي وقت مضى ؛ لسد رمقها من الحوار الذي شح ّ في عالم المادة والتكنولوجيا والأضواء ، فقد استبدلت لغات أخرى حولت العالم إلى غابة لا تعرف إلا لغة البطش والقهر والقوة.
والكاتب يتحدث في تلك الأثناء التي شرع يكتب فيها كلمته عن مسرح بدأ يتقهقر ويتراجع، فهل يأتي اليوم بعد مضي أكثر من عقد من الزمن على رسالته؛ ليرى أطلال مسرح، فقد ألقى أسلحته، ورفع راياته معلنا استسلامه أمام هذا السيل من الفضائيات التي سلبته جمهوره بكل شرائحه ومكوناته، وليته قاوم وأعلن الصمود ليبقى الحوار بين البشر، فها هي الأضواء البراقة، والشاشات الملونة، والتفاهات المعلبة تجني ثمرة غياب المسرح وتمارس لعبتها المجنونة في تسطيح العقول، وتسريب الأيديولوجيات المدعومة من أصحاب رؤوس الأموال ، حتى أصبحت الحقيقة مستقيلة، وبيع الصدق في أسواق النخاسة، فمن يدفع أكثر له أن يقول ما يريد، حقا كان أم باطلا، ومن لا يملك المال والقوة لا حق له في رؤية صورته الحقيقة أو تقديمها للناس كما هي دون تحريف .
ويرى ونوس أن المسرح يمنح المتفرج فرصة يكسر فيها محارته، حتى يتأمل الشرط الإنساني في سياق جماعي يوقظ انتماءه إلى الجماعة، ويعلمه الحوار في كل مستوياته، ففيه حوار يتم داخل العرض المسرحي، وفيه حوار مضمر بين العرض والمتفرج، وحوار ثالث بين المتفرجين أنفسهم، بل يصنع المسرح حوارا على مستوى أبعد بين الاحتفال المسرحي وبين المدينة التي يتم فيها الاحتفال.
إذن هذا ما يتميز به المسرح ويجعل منه مكانا للتأمل والحوار بعيدا عن الخطابات الموجهة التي تفرض قسرا على الجمهور ، تجعل منه مؤيدا لقضية ما في الصباح ومعارضا لها في المساء ! تلك الخطابات التي غيبت الوعي بالانتماء الإنساني العميق ؛ لتحدّ من نظرة الإنسان ومداها فأصبح لا يرى إلا نفسه ، فالمسرح يتميز بعدم وجود غرفة للتحكم فيما يدور على الخشبة فهو حوار حرّ، وإن كان يسير في ركاب نص من النصوص ، ولا يوجد ثري أو صاحب سلطان يسير دفته في اتجاه محدد ، فهو درس في فن الحرية عبر حوار حرّ بين جميع أطرافه.
ويتعجب الكاتب في كلمته مما يراه ، فالعولمة التي كان يتوقع منها أن تكون حقيقة لنبوءة الفلاسفة عبر التاريخ ، عندما كانوا يربطون سعادة البشرية وخيرها بإزالة الحواجز المادية والمعنوية بين شعوب العالم ، تحولت إلى نقيض جذري لهذا التصور ؛ فقد زادت الهوة اتساعا في الثروات ، وعمقت الفجوة بين الدول الفاحشة الغنى والشعوب التي لا تجد شربة الماء ، والأشد فظاعة أنها دمرت - دون رحمة - كل أشكال التلاحم داخل الجماعات، ومزقتهم إلى أفراد تضنيهم الوحدة والكآبة .
ومع غياب المسرح الذي كان يضع التصور للإنسانية بعيدا عن عالم الدعاية والنفعية والخطابات المؤدلجة سال لعاب القوة ، مما عمق الجراح أكثر فأكثر ؛ فزاد تهميش الثقافة؛ لأنها الوحيد من يملك تعرية ما يحدث اليوم بعد أن غاب المسرح .
ويدعو الكاتب إلى عودة عاجلة للمسرح؛ لأنه سيدرب البشرية الممزقة إلى أشلاء على رأب الصدوع والتمزقات التي أصابت جسدها ، وهو الذي سيحيي لغة الحوار المفقودة .
وعلى الرغم مما كان ينخر في جسد الكاتب من أمراض وأسقام في لحظات كتابة الرسالة إلا أنه مفعم بالتفاؤل أن هناك نهاية أخرى للتاريخ على غير ما يزعم بعضهم أن التاريخ انتهى هنا ، وأن المحطة الحالية هي المحطة النموذجية للبشر لا يمكن أن يرتقي الجنس البشري أعلى مما هو عليه اليوم ، فهو على ثقة أن التاريخ لا يمكن أن يحط رحاله عند النموذج الحالي للبشرية ، وأن إنسان اليوم من المحال أن يكون النموذج الأرقى للبشرية( الإنسان الأخير ) خاصة في شقه الأخلاقي، بل هو النموذج البدائي ، وبالتأكيد هناك نموذج إنساني أعظم رقيا ، وأكثر إشراقا قد عرفته البشرية فيما مضى أو ستعرفه فيما هو آت .
وإذا كان المسرح حوارا مفتوحا مع الآخرين، فهو كذلك حوار مع الذات ، الذات التي تعالت في عصرنا على كل ما عداها ، حتى ظنت أن الكون لم يخلق إلا مسخرا لها دون غيرها ، قد يسهم المسرح في إعادة هذه الذات إلى صوابها عندما تعيش حوار الشخصيات، وحوار الجمهور.
ويفترض سعد الله ونوس سؤالا يطرح عليه وهو ما الذي جعله يصر على الكتابة المسرحية على الرغم من تراجع المسرح في مقابل فنون أخرى فيرد بأنه المسرح نفسه الذي يجعل أهله يخلصون له، لأنه رسالة كباقي الرسالات، في الوقت الذي تلبست أقلام الكتاب والأدباء بثوب النفاق، واشرأبت أعناقها إلى المنصات المزيفة، والأضواء اللامعة، وبريق الشهرة، ففاحت رائحة التزلف من ثنايا أحبارها السوداء المسمومة التي تحق الباطل، وتبطل الحق، وتجعل المظلوم ظالما، والظالم الطاغية مصلحا، أما المسرح فظاهرة لا تعرف إلا الحقيقة والصدق، ولا يمكنها غير ذلك، فشهودها حاضرون، مثلها مثل الطفل الذي يخاطب الناس بسجيته. وأخيرا يختم الكاتب كلمته بقوله : إننا محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ .
نعم لا يمكن أن نقتنع بأن ما يحدث اليوم هو نهاية التاريخ ؛ فالأدلة المقدمة لهذه الحجة تثبت أمرا مناقضا تماما ، وهو تراجع التاريخ ؛ إذ ما نراه اليوم هو الإنسان البدائي الذي قرأناه في بقايا النقوش والكتابات المسمارية في الأحجار وأدوات الصيد ، والكهوف، الإنسان الذي يأكل أخيه الإنسان ويفترسه دون أدنى رحمة أو وجل . وما يمنينا به ونوس أن تكون هناك نهاية أخرى مغايرة للتاريخ ، وأن يختار التاريخ إنسانا آخر من بين أجيال البشر؛ ليتوّجه إنسانا أخيرا، ويكون النموذج الذي لم تعرف البشرية أكثر رقيا منه، ولن تعرف .
خليل بن ياسر البطاشي*
* كاتب عماني

أعلى




الفن المفاهيمي بين غياب المعني لدى المتلقي
والسعي وراء جمال الفكرة لدى الفنان

يرى البعض أن "موضة" الفن المفاهيمي، ما هي إلا فقاعة صابون جعلت كل من يرسم خطا أو ينتج لوحة فنانا.
مذهب الفن المفاهيمي في العصر الحديث كان يحاول العثور على إجابة عن السؤال الشائع عن "ما هية الفن"
د.فخرية اليحيائي*
إن نشأة الفن المفاهيمي في الغرب كانت بسبب ملل المبدع من الإطار التقليدي للعمل الفني، لذلك حاول السعي متحولا من البحث وراء مفهوم الجمال الفني إلى السعي وراء جمال الفكرة أو التعبير عنها، حيث كان السعي للتعبير عن الفكرة التي ينطوي عليها الفعل الفني أو يطرحها أكثر أهمية من الموضوع، ولذلك عرف الفن المفاهيمي على أنه محاولة لتحويل الفكرة غير الملموسة وجعلها ملموسة.
تاريخيا تعود جذور الفن المفاهيمي للحركة الدادائية الجديدة التي ظهرت في أوروبا و أميركا في مطلع القرن العشرين، وهي الفترة التي تغير فيها استخدام مصطلح الفنون التشكيلية أو الجميلة إلى فنون بصرية Visual Arts ثم تأصل المفهوم في الستينات مرسخاً قضية أن الفن يقوم أساسا على ترجمة الفنان فكرته باستخدام أي وسيط يراه مناسبا للتعبير عنها، والحرية في اختيار أي نوع من الخامات التي تخدم فكرته، من دون التقيد بالأسس الفنية التقليدية والمألوفة، على أساس أن العمل الفني ليس منتجا جماليا، بقدر ما هو منتج فكري مترجم تشكيلياً.
ومن أبرز ممثلي هذا الاتجاه جوزف كوزوث الذي أعلن "جميع الأعمال الفنية بعد مارسيل ديوشان هي أعمال مفاهيمية بطبيعتها لأن الفن خلق مفاهيمية".
ومن ضمن الاعمال المهمة في تأريخ ظهور هذا الاتجاه عملأ بعنوان "غرفة المعلومات" وهو عبارة عن عدد اثنين من الطاولات الكبيرة، موضوع عليها مجموعة كبيرة من الكتب، أغلبها بحوث في العلم واللغة والفلسفة ومن بينها بحوث ودراسات نقدية وفلسفية لجوزف كوزوث نفسه، وهناك عدد من الكراسي تدعو المشاهد للجلوس والقراءة.
طبعا العمل الفني هنا غير موجود في طريقة وضع أو ترتيب الكتب والطاولات والكراسي، أي خارجة عن التناسق المورفولوجي أو الشكلي سواء الارتجالي أو المنظم للأشياء... ولكن العمل الفني موجود في فكرة العمل والتي هي "القراءة" ووضع هذه الفكرة، أي عملية القراءة في سياق الفن البصري، أي تحويل الفن البصري إلى فن ثقافي فلسفي وجودي علمي، وهذه الطبيعة.. أي الطبيعة المفاهيمية لهذا النوع من الفن أكثر إنسانية ولها وظيفة اجتماعية وتعليمية، لأنها تعطي المشاهد المعلومات، وتختلف عن طبيعة الفن البصري المورفولوجي الذي يقدم شيئا جميلأ أو قبيحا بصريا. الفن كما يقول جوزيف كوزوث" غير موجود في الأشياء، الأشياء ثانوية، أما الفن فهو موجود في مفهوم الفنان عن العمل الفني.
أي يجب طرح القضية الفنية التشكيلية مثلما تطرح قضايا فكرية، اجتماعية، علمية أو أي قضايا إبداعية أخرى.
هناك فنان آخر وهو"برنار ونت " يؤكد أيضا أن العمل الفني هو تقديم معلومات، حيث يحاول أن يقدم من خلال معارضه الفنية كتباً وبحوثأ علمية وفلسفية، إضافة إلى هذا يدعو علماء الفيزياء وعلماء اللغة والرياضيات وغيرهم لتقديم ندوات ومحاضرات عن آخر ما وصلوا إليه في تجاربهم العلمية، وهذه الندوات تقدم كعمل فني مفاهيمي لـ "برنار ونت" في معارضه الشخصية أو الجماعية.
لذلك اعتمد الفن المفاهيمي في تسجيل نشاط الفنان على صور فوتوغرافية، وعلى التوثيق بالشرائط التلفزيونية، وبالوسائل التي يتحول فيها الفن بمفهومه "كشيء مجسد مادياً إلى مجرد وسيلة استعلام وذكرى". وهذا ما يجعل الفنان المفاهيمي يمتنع عن تقديم عمله الفني كسلعة ممكن الاستفادة منها عن طريق بيعها في سوق الفن، بل يعمد إلى إبراز الواقع كقيمة جمالية، فالأساس أن العمل الفني هو الفكرة والمفهوم دون تجسيد لأي نظرية، كما أنه يصبح متحررا من المهارة الحرفية، أي أن الفكرة تصبح الهدف الحقيقي والفعلي، بدلا من العمل الفني نفسه.
كما أن الهدف لمسايرة التطور النوعي التكنولوجي بسبب التأثير الطاغي للاكتشافات العلمية على جميع الجوانب الحياتية ومنها التشكيل كان سببا آخر في ظهور الفن المفاهيمي.
ومن أنماط الفن المفاهيمي، النوع الذي يدمج الفن بالحياة بشكل مباشر، دون وسائل اتصال" فن الجسد" art body ، بحيث يعتبر الجسد هو مادة العمل الفني في حركاته، التي تشبه أحيانا ممارسات الطقوس البدائية، وهو يعمل على تحريك الجمهور بعنف، كأن يجلب الفنان حيوانات داخل قاعة العرض أو يستعين براقصة باليه مثلا. وفي العصر الحديث ظهر اتجاه يهدف إلى الاستغناء عن إقامة عروض بالمعني التقليدي، بنشر دعوة من أعمال تدور حول موضوع محدد، وبناء على ذلك تجرى ندوات في موعد الافتتاح تناقش موضوع الموضوع، ويهدف المنظمون لمثل هذه العروض إلى تبادل الأفكار بدلا من تبادل السلع الفنية كنوع مختلف من الفهم لمهمة المعرض، وبهذا الأسلوب يتخلى الفن عن المفاهيم التقليدية للعرض من أجل التوصل إلى رؤية جديدة للواقع، وتختصر المسافة بين الفن والحياة بمعنى التوجه نحو العمل بمادة العالم بشكل مباشر، متضمنا كل العمليات الفكرية، وليس له هدف غير الفكرة، بحيث تصبح الفكرة هي الهدف الحقيقي للفن بدلا من العمل الفني. كما لجأ الفنانون إلى أسلوب اقتحام الأماكن العامة، رغبة في التوصل إلى الجمهور الحقيقي القادر على التجاوب معه، إيمانا منهم بأن الفن يحصل على قوته من خلال اليقين بأن مدى إقبال الجمهور، له تأثير على حماسه.
ولكن هناك تيارين مختلفين حيال تقبل هذا النوع من الفن، فقد يقال إن الفن المفاهيمي ليس إلا امتدادا طبيعيا لتطور اللوحة، وتفاعل الإنسان المبدع مع قضايا مجتمعه الإنساني، على اعتبار أن الفنان الذي يمارسه يفترض أنه مر بتجارب ومدارس فنية متعددة إلى أن وصل إلى مرحلة النضج والوعي، إضافة إلى ضرورة إسهامه في إقامة المحاضرات والندوات والورش وكتابة المقالات، لأن وظيفة الفنان لا تنحصر في إنتاجه الإبداعي وحسب، بل في الفهم والإدراك والتنظير لنتاجه.
من ناحية أخرى يرى البعض أن ما يمكن أن يسمى "موضة" الفن المفاهيمي، ما هي إلا فقاعة صابون جعلت كل من يرسم خطا أو ينتج لوحة فنانا مفاهيميا، ولو على حساب هذا الفن، وهو فهم خاطئ. فالفن المفاهيمي بعرضه لفكرة أو قضية فإنه يقدم رسالة للمجتمع لأن يحمل رسالة إضافية لرسالة الفن، هذه الرسالة يتبنى فيها قضايا مجتمعه، ولكن الرفض لهذا النوع من الفنون كان وما زال بسبب أن الفنان في الوطن العربي ما يزال يواصل بحثه عن هوية خاصة تدمج بين الأصالة والمعاصرة.
وأخيرا نخلص إلى أن مذهب الفن المفاهيمي في العصر الحديث كان يحاول العثور على إجابة عن السؤال الشائع عن "ما هية الفن" إذ أن هذا الفن قد جعل من محاولات الفنانين عنصرا فنيا، يدخل في صميم العمل الفني، بل أصبح السؤال عن ماهية الفن ومحاولة الإجابة عنه مضمونا لذلك الفن المفاهيمي، وبذلك تحول العمل الفني إلى بناء نظرى.

غرفة المعلومات لجوزيف كوزوث
الفن المفاهيمي .. تحويل البصري إلى فلسفي وجودي

* فنانة وناقدة تشكيلية عمانية


أعلى




أسرج نورك .. سأنطفىء

بَيَاضٌ يخْنُـق السّــطور
كُلّــمَا تجَاسَــرَت خطـوة رَمـادية
عَلَـى كَسـْرِ النّوافــذْ
هَـلا وَضَعْتَ الزجـَاجَ عَلَى عَيـْنَـيّ لأخْتَـلـِسَ النظـَر ؟!
الّدمـَى حَوْلَ الورَقِ
تُوْلـَدُ مِن صَـميمِ المَوْتِ
لِتَمُوْتَ بِلا سِيْمـَاء
فهَلا أسْرجتَ قِنْديلاً يُوقدنِي ؟!
تِيـجاني .. أقْنِعَتِـي
و شَـيءٌ مِن كبريَاءٍ بشَريٍّ يسكُنني
مَرّوا بِصَحْرَائي
اقْتَلَعُـوا الرّمـَالَ
وتَرَكُوْنـِي دُون أَرضِيْ !
هَلْ مِن سـَمـَاءٍ جديْدةٍ
تَحْتَمـِلُ سُكانـاً جُدداً
تَبَرَأت مِنْهُم طَهَارةُ شَمْسك ؟!
أبحَثُ عَن أسْقف جَدِيدةٍ أُُرَممُ بِهَا سُقُوْطـي
عَنْ عُيـُونٍ خَرْسَاءٍ
أُخَبِئ فِيـهَا الأجْنحَة الكَسِيرة
و الحَنـَايـا التي مُلـِئَت ظمـَأ و رَهْبـَة !
أبْحـثُ عن لَحْظـَة لَفَظَهـَا فـَمُ الزمـَان
لأُخَلدَهَا بِجِوَارِ البِروَازِ
وَالصُوْرة المُهْتَرِئة
وأدّعـيَ بِأنـّها تَاريخـِي
وحُلم تَنبّــه عَلَى وَخْزِ صُبْـحٍ عَجـوْل
ومَضَـى يبْحَثُ عَن رَفيـْقٍ غَرِيبٍ كحُلمِـي
أُسـَافــِرُ ... بلا خَوفٍ مِنْ كَسـْر الأجْنِـحَة
نَتَقَــاسَمُ دُخَان الأَرَقِ .. أنا و الغُربـَة
يَرْقــدُ التّعَبُ عَلى كَتِفـي و يَتَنَهــّد
كُلّما تَنفَسَ الأرَق .. يَتَنَهــّـد
كلما تنَفــّس الأرَقُ و اصطدَمَـت زَفَرَاتُـهُ بزجـَاجِ وَجْهـِي
تَلتَــوي أنْفاسُهُ
كَشفَتَــي طِفـْلٍ يائِس

" يَا عَالَمـاً يَدُور
ارتــَدِ الغبـارَ و اخـْرَس
عِنْــدمَا أقُولُ ( كفــى ) !

فاطمة بنت إحسان بن صادق اللواتي*
* كاتبة عمانية


أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept