|

|
مبتدأ
|
|
|
|
|
|
|
|
|
فيينا
|
|
|
|
|
|
|
بوح..
|
|
|
|
|
|
|
|
|
للصورة بعدان
|
|
مبتدأ
حرمة
يشيع في ثقافتنا العامة استخدام كلمة (حرمة)
ونطلقها باختصار على المرأة دون غضاضة أو تحرج سواء من الرجال أو النساء،
لأن ما يجرح مشاعر المرأة يعتبر بالضرورة مسيئا للرجل في مجتمعنا.
إلا أن هذه الكلمة أصبحت تواجه رفضا كبيرا لدى أغلب المثقفين، بل إنها
في بعض المجتمعات باتت تواجه رفضا واسعا من قبل عامة الناس.
هذا الرفض الحدي الحاسم لهذه المفردة أتذكره في موقفين مختلفين مع
مثقفتين عربيتين. الأولى كانت في معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، حيث
أخذتْ إحدى المثقفات تتحدث عن هذه الكلمة وكأنها سبب شؤم المرأة في
وطننا العربي. كان الحوار قد بدأ وقت المغرب في محطة للقطار، ثم امتد
حتى وقت متأخر. أما الموقف الثاني فقد حدث في مهرجان شعري في إحدى
الدول العربية، حيث أصرت إحدى الشاعرات على أنها ليست من (الحريم)
أو (النسوان) وإنما هي من (الستّاتْ)!
أعتقد أن الرفض لمفهوم الحرمة يثور قويا حين نربطه بسياقات تاريخية
محددة، كما هو الحال في دور الحريم في قصور السلاطين إبان الحقبة العثمانية،
حيث تصور الكثير من أدبيات تلك الحقبة السلطان أو الحاكم العثماني
وهو يعيش لياليه الشهريارية الباذخة بين محظياته وجواريه الحسان. وأعتقد
أن الخطأ يكمن في وقوعنا أسرى لمثل هذه التصورات التي تدفعنا عاطفيا
إلى الموقف الرافض دون البحث في مضامين أخرى لهذه المفردة وفق سياقات
اجتماعية وتاريخية أخرى.
تذكر الأميرة جويدان في مذكراتها حول (الحريم عند سلاطين آل عثمان)
ما يلي: (وعندما يتولى السلطان تسير حريمه لاحتلال السراي وطرد حريم
السلطان الميت إلى سراي قديم). وتضيف جويدان في مذكراتها: (.. فرئيسة
حريم مراد الثالث كان تحت حراستها أربعون محظية ومئة طفل وخمسمئة جارية).
المخرج التركي فرزان أوزبتيك في فيلمه (الحريم) الذي تقوم ببطولته
الممثلة الفرنسية ميرى جيليان، يعرض رؤية مغايرة لذلك يوضحها قائلا:
(لقد كان قسم الحريم في الدولة العثمانية بمثابة مدرسة، لأن تعليم
وتدريب فتاة على أن تكون مقرّبة من السلطان ليس بالأمر السهل، خاصة
وأن المسألة لم تكن تنحصر في جمال أو ذكاء هذه المرأة، بل كان الأهم
من كل هذا أن تكون لديها قدرة على الحوار والكلام وإقناع السلطان).
أما تعامل مجتمعنا مع لفظة الحرمة فينطلق من ثوابت دينية واضحة، تجعل
المرأة عِرْضا في مقام المقدس، وقد أوضحت ذلك كتب اللغة. جاء في لسان
العرب: (والحُرْمة: ما لا يحلُّ انتهاكهُ، والذمَّة، والمهابة، والنصيب،
وما وجب القيام به من حقوق الله تعالى وحَرُم التفريط فيهِ. وحُرمة
الرجل: حُرَمهُ وأهلهُ ج حُرَم وحُرَمات). وفي قاموس المحيط: (الحُرْمَةُ:
ما لا يحلّ انتهاكُه من عهد أو أمان أو كفالة أو حق أو نحو ذلك؛ (حُرْمَةُ
مالِه كحُرْمةِ دَمِهِ). المرأَةُ: حَرَمُ الرجل وأهله).
إننا لسنا بصدد تأييد فكرة ضد أخرى، ولكننا نود في الختام أن نوضح
أن الموضوع يطرح في كثير في أدبياتنا المعاصرة بصورة سطحية بعيدا عن
البحث العلمي مما يجعل هذه الأدبيات تقع تحت تأثير العواطف المجردة.
حسن المطروشي
shaddad99@hotmail.com
أعلى
نصوص:
حياة
اين اجد ثانية
طفولتي الضائعة
وظلال الاشجار
التي بنيت منها بيتا
***
الاربعاء
اعود الى المنزل
واطرح عند بابه
حيث اصطفت الاحذية
اسبوعا آخر من عمري
***
أية مدينة تلك
فيها البيوت تلحفت بجدرانها
والشوارع اغلقت بيبانها
وفيها الحمام يخاف من الحمام
***
المستقبل لم يره احد
انا لا اعرف ان كان هناك غد
لكني سأجعل كل غد اليوم
***
عندما تخوننا الشجاعة
نبدأ بالكذب
وعندما نألف الكذب
نبدأ بالتوسل
نجني الاهانة
****
افكار تساقطت مثل طيور ميتة
1. كيف تكون هاربا
وانت لا تستطيع الركض
2. الحياة جدار هار
نعيش تحت انقاضه
3. قصص الحياة
تكتب على القلوب
لا على الورق
محمد نجيب السعد*
* كاتب عراقي مقيم في السلطنة
أعلى
التكنولوجيا أربكت الملامح والسمات
"فنان".. من الجدير بتحقيق اللقب
؟
حسن مير: لقب "فنان" يطلق على كل من يبتكر ويخترع ويضيف
إلى عالم الفن بعداً آخر
بدور الريامي: الفكرة في "الفن" تبرر كل الوسائل والطرق
سلمان الحجري: الحراك الثقافي دائم التغير فمن واجب الفنان قولبة إبداعه
بروح عصره
يوسف البادي: العمل عندما يصبح محسوساً فإنه لا يعرف الفن ولا يمثله
عبدالكريم الميمني: لقب "فنان" يجب أن تتسع دائرته ويتسع
معناه
نعيمة الميمني: الفنان هو من يقدم عملاً يستطيع البقاء لأزمنة طويلة
تحقيق ـ سالم الرحبي:يشهد الفن التشكيلي تغيّرات
(جذرية) كبيرة تمس مكوناته الأساسية ، وتقدم أشكالاً وقوالب جديدة
ومختلفة تمام الاختلاف عمّا عهده المتلقي ، ويصل الحال ببعض القوالب
التشكيلية الحديثة الى الاستغناء عن الأدوات الأساسية المكونة للتشكيل
السابق.. بحيث لم يعد التشكيل مؤطر بحيز مكانيّ ضيّق أو كتلة جامدة..
ويرجع البعض هذا التطور الى تغير معطيات الحياة العصرية وتقدم التكنولوجيا
التي باتت مكونا أساسيا للعمل التشكيلي.. هذا الغزو الالكتروني ـ إن
جاز لنا تسميته ـ سبب الكثير من الالتباس في تعريف التشكيل ، بحيث
أصبح لزاماً علينا حين نستحضر الفنان التشكيلي في مخيلتنا أن نجرده
من فرشاته وألوانه ومختلف الأدوات الأخرى التي تدخل في تركيب أعماله
التشكيلية ، وألا نتخيله في مرسمه يمارس لعبة الألوان أو ينحت مجسماته..
في ظل هذا الالتباس الكبير: من هو الشخص الذي يمكن أن يحقق لقب الفنان؟
، بمعنى آخر، في ظل تنوع الاشكال والقوالب الفنية من هو الجدير بتحقيق
هذا اللقب بكل ثقله التاريخيّ والفكريّ؟ .. تساؤل طرحناه على بعض فناني
ساحتنا العمانية فكانت ردودهم التي نسوقها في السطور التالية؟
ابتكار واختراع
الفنان حسن مير يقول: تغيرت مفاهيم الفن مع بدايات
القرن المنصرم عندما تأسست (الدادية) على يد مارسيل دوشام في أعقاب
الحرب العالمية الأولى، حين قامت حركة تمرد ضد كل سائد من أعراف وتقاليد،
وأخذت تنادي بعدم المبالاة، وبالتخلص الكامل من كل ما هو معروف من
قيم ، سواء أكان ذلك في الادب أو في المسرح أو في الفنون التشكلية.
وكان أول اجتماع لفناني وأدباء هذه الحركه في سويسرا عام 1916، حيث
تذاكرو الأوضاع المؤلمة التي نتجت عن الحرب، ثم أرادوا اختيار اسم
لهذه الحركة، فأحضروا معجم (لاروس) الفرنسي، وقام الشاعر (تريستان
نزارا) بفتحه عشوائيا ، فكانت كلمة (دادا) التي تعني بالفرنسية: لعبة
من الخشب على هيئة حصان ، وهكذا أصبحت هذه الكلمة اسما للحركة.
ويهدف الداديون الى مهاجمة القيم، وتخريب الجماليات، ومعاداة الذين
يحترمون الفن والجمال والابداع.. كما يهدفون الى السخرية من الفن ذاتة،
وعرض كل ما هو قبيح وغريب وعابث وغير معقول.
وتقول فلسفتهم: (لا بد من خلق فن يناقض الفن ذاتة)، واطلقو على فنهم
هذا اسم (ضد الفن) وأصبح شعارهم: (كل شيء يساوي لا شيء.. إذاً: فلا
شيء هو كل شيء).
وبعد الدادية تأسست مدارس وحركات نادت بتصحيح مسارات الفن ولكن مع
التقدم التكنولوجي والمعرفي للإنسان تأثر الفن بجميع هذه الموجات..
لقب الفنان يطلق لكل من يبتكر ويخترع ويضيف إلى عالم الفن بعداً آخر..
لا يمكن أن نحدد او نأطر الفن التشكيلي باللوحة فقط والبصيرة فاستخدام
الحواس الخمس اصبح هاجس الفنان .
لقد امتزجت قوالب الفنون مع بعضها البعض وانصب الاهتمام العالمي على
كل ما هو مثير وجديد في عالم الفن وقامت دول كثيرة بتنظيم بيناليات
عالمية تستقطب فيها الفنانين المجددين ليعرضوا فيها قوالب من الفنون
الجديدة المعتمدة المفهوم وقد استغرب من بعض الفنانين قصيري النظر
الذين يحكرون الفن في الرسم فقط وقد يكون لعدم اطلاعهم على المشهد
الفني العالمي .
فكرة الفن
الفنانة بدور الريامي تفتتح حديثها بالقول: لا
أدري لمَ يُشكل التواجد الإلكتروني في الفنون التشكيلية نوعا من التهديد
على كينونته وتعريفه تحت مسمى (فن) !
منذ بداية انعتاق الفن عن وظيفته العقائدية والاجتماعية ومنذ بلورة
مفهوم الفن من أجل الفن فقط وسطوع عصر الفن الحديث في بدايات القرن
العشرين وهو يقف متحديا لكل الأطر والقوالب التي تحدد مفهومه وتحد
من حريته، فبحث الفنان عن المصب الخالص للتعبير الذاتي عنه وعن محيطه
ـ بدءا من موطئ قدميه إلى كل ما يحيط به في هذا الكون الشاسع ـ يطلق
العنان لخياله للوصول إلى أعمق نقطة في جوف أناه ولأعلى نقطة في سقف
المجهول ، وليبيح له كل الوسائل والتقنيات لتجسيد تلك الرؤية وتشكيلها
للآخر فيما يسمى بالفنون المرئية.
وتضيف: كما ذكرت سابقا (الفكرة في الفن.. تبرر كل الوسائل والطرق)
، تلك الوسائل هي وليدة البيئة والواقع ، وعبر مدارس مختلفة كان استخدام
الطرق المتاحة هو الأساس، لا أرى بأن ذلك ينزع من الفنان جوهر التعبير
أو بصمته الانسانية وخبراته التي استقاها عبر سنوات عمره وتاريخ حضاراته
البشرية المختلفة ، بل على النقيض من ذلك ، أجد بأن ممارسة دوره الحقيقي
يقتضي بعدم انسلاخه من مفردات بيئته وعصره.. إنه ببساطة انعكاس حقيقي
وأصيل لثقافة وحياة وتاريخ لرقعة جغرافية/ زمانية.. وحين يحقق ذلك
بصدق وشفافية يكتفي عمله التشكيلي ـ أيا كان نوعه وفي أي مجال كان
ـ بأن يحدد مدى استحقاقه للقب (فنان) من عدمه!
تغيير المهام
الفنان سلمان الحجري مدرس التصميم الجرافيكي
بجامعة السلطان قابوس يرى من وجهة نظره: أن الفنان الحقيقي هو من يقوم
بالكثير من الأدوار من خلال القليل من الأدوات. فالفن التشكيلي المعاصر
لم يعد مؤطرا في إطار مشابه للأطر القديمة أو ملتزما بمجموعة من الحيثيات
التي لها الدور الرئيسي في نجاحه أو فشله. ذلك أن الخيال والطبيعة
لم تعودا المصدر الأساسي للاستلهام. إنما أصبح للفكر الدور الأكبر
في استنباط مواضيع الفن المعاصر. فأصبحنا نسمع عن (الفن المفاهيمي)
أو (فن الفكرة) وما لهما من دور في الحراك الثقافي العالمي. فالفنان
المعاصر انتقل إلى ناشر لقيم الإبداع والتقدم في كثير من المجالات
كالتصميم والنحت (Video art) وغيرها من القوالب الفنية وذلك من خلال
طرحه الجرئ وغير المسبوق لمواضيع قد تكون غير معهودة على المتلقي.
كل هذا يساهم في تحريك الهمم لدى العنصر البشري في النمو والنهوض والحرية.
هذا بالإضافة إلى دوره في الأخذ بيد كل متذوق للفن إلى عوالم الذوق
والتجربة الجمالية الاستمتاعية .
هناك بكل تأكيد أدوار أخرى يجب أن يلعبها التشكيلي
المعاصر من ضمنها المشاركة الفاعلة والحقيقية في الحراك الثقافي في
مجتمعه بشكل خاص وفي عالمه الواسع والشامل بشكل عام، والمؤازرة الإنسانية
الخالصة لكل تراجيديات الإنسان والتخفيف منها وصولا إلى المساهمة في
النهوض بمستوى الفكر الإنساني ككل لتجديد النظرة ولتفهم العلاقة الأزلية
بين الإنسان والموت والحياة. إنها إذاً أدوار يضطلع بها الفنان المعاصر
على عكس الفنان الذي عهدناه في العصور الماضية فتارة نجده أداة لرسم
وتصوير المعتقدات السائدة في مجتمع من المجتمعات التي تنادي بالمثالية
والتي لا تجد السبيل لذلك إلا في استغلال الفنانين من خلال رسم مثالياتها
التي لا تقبل الخطأ وتسعى لتصوير الواقع على عكس حقيقته، وتارة نجده
مبتعدا كل البعد عن هذه المثاليات الكلاسيكية مصورا عوالم أخرى قد
لامست همومها مشاعره فأصبح يصورها وينغمس بأحلامها وآلامها مما حدد
إمكانياته وقيد دوره في رسم اسمه على خارطة المثقفين الأكثر تأثيرا
في مجتمعاتهم.
يجد الفنان المعاصر لنفسه فضاءات أوسع للطرح وبدائل متجددة لرسم أحلامه
وبث مشاعره، ويجد في ذات الوقت مسؤوليات أكثر تنتظره وتحديات أكبر
تواجهه. فالأحرى به وهو في مثل مفترق الطرق هذا أن يساهم بشكل أكبر
وبحراك أقوى في رسم خارطة جديدة للفن التشكيلي يدا بيد مع شركاء دربه
من الفنانين ولا يقوقع نفسه في اللهث الدائم وراء الشهرة أو اتخاذ
التشكيل جسرا للوصول إلى أهداف محددة مسبقا. إنما عليه أن يؤمن برسالة
الفن السامية ويتبناها ويسعى إلى نموها أو قولبتها أحيانا بروح العصر
وعلى حسب إملاءات الحراك الثقافي الدائم التغير. رسالة الفن كانت وما
زالت هي تلخيص جمال الوجود وتقديمه في قوالب مستساغة للبشرية والبحث
الدائم في مكنونات الأشياء للحصول على صيغ جديدة تؤثر في نمو الذوق
الجمالي لدى الناس مما يساعدهم على ترسيخ القناعات بالدور الحيوي الذي
يقوم به الفن. كل هذا يوثق روابطهم مع اخوانهم الفنانين والتعويل على
أداة التشكيل ليكون الأداة التي تؤرخ قضاياهم المختلفة والمتعددة الأوجه.
إيحاء ووهم
الفنان يوسف البادي يقول: لوحاولنا طرح سؤال
مشابه على الفنانين والمهتمين بالفن في الأمم التاريخية القديمة كصورة
وظيفية أو تجميلية أو تعبيرية كالفراعنة أو الاغريق سنجد أن سؤالهم
سيجانب السؤال المطروح لو افترضنا أن تلك الأمم وجدت نفسها مع من يحاول
فرض شكل آخر على ما تعتقده وتظنه من قواعد الفن ليكسر القاعدة ويقول
ها أنا ذا جئت بشكل غير الذي تعودتم عليه ، بأدوات ومهارات مختلفة
، وهذا ما حصل بالفعل حين خرجت مدارس فنية كالتكعيبية بشكلها والوحشية
بغلظة لونها.. وبالرغم من هذا مرت الأيام وكانت مثل المدارس السابقة
الذكر من أهم المدارس .
غير أن الإشكالية في العصر الراهن والتي تفرض وجود مثل هذا السؤال
هو أنه بات يهيء للمتفرجين بوجه خاص أنه سهل في صنعته.. لذلك فليس
مستغرباً أن يسود الظن بأن الفن سهل ويمكن للجميع أن يمارسه،وليس مستغرباً
أن يفرض أشخاص على الساحة على أنهم فنانون.
لذلك وللوصول للإشكالية فعليّ أن أبدأ من النهاية حيث فقدت الحلقة
الرئيسة هناك.. فالفن أولاً في نظري ليس من خصائصة أن يكون ملموساً..
فهو عملية إيحاء ووهم واسعة ، فبمجرد إيهام الفنان للناظر بأن ما يراه
أمامه هو جذع شجره مثلاً .. يكون ذلك دالاً على أنه نقل للناظر حقيقة
عن طريق الوهم .. فظل جذع الشجرة بكل ما يحتويه من قوة وما يتضح فيه
من ظل ما هو سوى مجرد الوان رقيقة !!! ... ومن هذا المثال نستنتج أن
لا ملموس في الفن في حقيقته ، وأنه كالوهم أو انه ايحاء جميل ، لذلك
فإني أعتقد أن يكون الفن محسوساً هي عملية لا تعرف الفن ولا تمثله
، لذلك فإن وجوده بأي شكل بغض النظر عن أدواته المستخدمة فهو لا يقدم
للمتفرج سوى خيال أو وهم في الملمس ، ولذلك فإن النموذج سيفرض نفسه
كحالة فنية عندما يستخدم مثل هذه العوالم الفنية.
والفن في نظري مشروع فكرة.. وما يأتي بعد ذلك ما هو سوى أدوات مهما
اختلفت وتشكلت نوعياتها ، لذلك فإن العمل الفني سيكون هنا "فكرة"
وليس تجسيم في حيز ، وأعتقد أن الفراغ المكاني نفسه يكون أحياناً فكرة
فنية إذا لم يستخدمه البعض من مدعي الفن على أنه عملية فنية وأنه يعني
شيئا ما !! ، وكل ذلك سيكون مطروحاً كعمل فني عندما يخرج من فكر يمكّن
الفكرة حتى يُهيئ لك أنه لا يمكن استخدام غير تلك الأدوات لتنفيذ الفكرة.
ولذلك فمنطقي أن أنتهي بالقول أن العمل الذي يدوم هو الفكرة ذاتها
وليس الأدوات ، ومن بعده سيبقى صاحب الفكرة في ذاكرة التاريخ.
اتساع الدائرة
اما الفنان عبدالكريم الميمني فيقول: إن مفاهيم
الفن عموماً والفن التشكيلي خاصة تغيرت بدوران عجلة الحياة البشرية
فما يموج على سطوحها ويغوص في أعماقها من تطورات فرضت على من يعيش
على هذا الكوكب مجاراة ما يقدم كل يوم بل كل ساعة من تكنولوجيا شملت
مختلف ميادين الحياة . وما الفنان التشكيلي إلا طرفاً من عالم المبدعين
الذين شملتهم معطيات الحياة العصرية فبات متأثراً بها فكراً وإحساساً
.. فسعى البعض منهم إلى الأخذ بتلك المعطيات في ما يمارسه من فنون
وعزف الآخرون . الأمر الذي حقق التوازن لجمهور المتذوقين للفن التشكيلي
اليدوي الأصيل ذو الإنتاج البشري الخالص وقدم للآخرين الرؤية التي
ممكن أن يقدمها فكر الفنان من خلال تعايشه مع التكنولوجيا الحديثة.
ويضيف: غير أنه وبمرور سريع للمنظومة التي سار الفنان التشكيلي على
دربها في حضارات الأرض نجد أن نتاجات الفنان التشكيلي تطورت في اتجاهات
مختلفة ، فما سجله القرن التاسع عشر من تحرر من القيود الاجتماعية
المفروضة عليه والتي أحس الفنانون بأنها تعيق حريتهم وتفكيرهم وكيانهم
الفني الخاص، بدأ ظهور ما يعرف اليوم بالمدارس الفنية فجاءت الكلاسيكية
الجديدة ثم ما لبثت أن ظهرت الرومانسية فالواقعية، وعندما تأثر الفن
بالاكتشافات العلمية الحديثة وبنظرية الضوء واللون وبعد أن تم اختراع
الكاميرا التي قلبت الموازين في عالم الفن، ظهرت مع بداية القرن العشرين
مذاهب عديدة كالوحشية والانطباعية والتجريدية والتكعيبية وبعد أن تمرد
مجموعة من الفنانين على القيم الجمالية ظهرت الدادية ثم السريالية
والمستقبلية ثم التجريدية التعبيرية والفن الجماهيري وفن الأرض ثم
اتجاه المفاهيمية وغيرها من الاتجاهات الفنية التي كانت تظهر فجأة
ثم تخبوا حيث يتم معالجة الفن والتعامل مع الأعمال الفنية من خلال
رؤية مغايرة تتفق والمعاصرة وتتماشى مع أفكار ذلك المجتمع، ومن أبرز
سمات تلك الرؤية هي التجديد والتحريف والتغيير في أشكال الإنتاج الفني
وطبيعة الأعمال الفنية فهي تتسم بالسرعة والتلقائية والحرية في التعبير
وفي أحيان كثيرة وليدة موقف وتحتاج إلى التوثيق (مثال ذلك قيام بعض
الفنانين بتلطيخ أجسادهم بالألوان وعمل طبعات من بعض أجزاء تلك الأجساد
على لوحات يتم توقيعها وبيعها على الجمهور الذي حضر لمشاهدة العرض
الفني الذي يتم توثيقه بالصور الفوتوغرافية والتصوير بالفيديو ثم وبانتهاء
العرض ينتهي العمل الفني) ومثال آخر هو (قيام أحد الفنانين بالنزول
إلى الشوارع ليصافح أصحاب المهن في شوارع المدينة مثل رجال الشرطة
والمطافئ وسائقي الحافلات وعاملو النظافة ويتم تصوير ذلك الفعل ثم
يتم عرض مجموعة الصور في صالة المعرض ويعتبر ذلك الفعل هو عمل فني)،
مثال آخر (لفنان يقوم بطلاء جسده بمادة القار الأسود ثم يقوم بطلاء
قارب صغير بنفس المادة وبعد الانتهاء من عملية الطلاء يسحب القارب
خارج صالة المعرض إلى النهر ويلقي به في الماء لينجرف ذلك القارب مع
التيارات المائية بينما يقف الفنان على طرف النهر بجسده الملطخ بالسواد
ليلوح بيديه مودعا ذلك القارب)، فهذه بعض أشكال ومظاهر الفن المعاصر
وما تزال عجلة الفن تدور وما زال تاريخ الفن يسجل كل يوم ما يطلع به
هذا العصر من ممارسات فنية مختلفة.
ويقول: من مثل هذه المذاهب المغايرة عما تآلف عليه الجمهور من أسم
الفن التشكيلي تظهر لنا حقيقة أن تعريف الفن التشكيلي والفنان الممارس
له أصبح معضلة ، فما ذكر من أمثلة تظهر لنا بأن الرؤية الحديثة للفن
ما هي إلا انفعالات تثيرها المحسوسات وهي الغاية وليس المحسوس ذاته
وتشير إلى أنه لا مانع أن (تتلاشى) اللوحة والمنحوتة بعد ذلك . وإذا
كان الفن هو منتج ننتجه أو تعبير نؤديه فهل نلغي الفن التشكيلي اليدوي
الذي أمتعنا قرونا من الزمن؟ في ظني أن لقب الفنان يجب أن تتسع دائرته
ويتسع معناه ليشمل كل تلك الشرائح ، وفي نفس الوقت علينا التفريق بين
الطرفين بأن نلقب الفنان الممارس للفنون التي تستخدم الوسائط المتعارف
عليها في التشكيل بلقب (الفنان التشكيلي) وغيره ممن يمارس فنه بواسطة
التقنيات الحديثة بشكل خالص بلقب (الفنان التكنولوجي) لتسخيره الوسائط
التكنولوجية الحديثه في تقديم أفكاره ومشاعره وأحاسيسه من خلالها.
تجميع النفايات ليست فناً
الفنانة نعيمة الميمني تقول: بحلول التنكولوجيا
التي تدخلت في كل شيء بشكل سلبي او ايجابي وخلفت بدائل لكل شيء لا
بد أن يشهد كل شيئ تغيرا وليس الفن التشكيلي فقط.
من وجهة نظري القطعة الفنية يجب ان تبقى طويلا ربما لأزمنة لأنها من
منبع اسمها (قطعة فنية) كما نرى في المتاحف العالمية التي يصل فيعل
عمر العمل الفني او الاختراع لأزمنة طويلة.
احترم كل عمل يقوم به أي انسان مبدع لأنه نابع من فكرة في داخله لها
أساس ويسعى لهدف ما ورسالة يود ايصالها للمتلقي ولكن احترام عقلية
المتلقي مهمة جداً فلا أجمع بقايا نفايات واستخدمها عملا فنيا (لما
يسمى إعادة تدوير أو استخدام).
ومن منطلق بقاء العمل الفني ابدأ باختيار الخامة والمواد المستخدمة
لتبقى لا لا أن تزول بزوال المعرض او الفعالية (هذا فن له مجال ولا
اسميه تشكيل) ولكنه بدأ يغزو معارض التشكيل.. فمهما تعددت طرق التكنولوجيا
والكومبيوتر تظل للريشة التي تحركها يد الفنان لها طعم ومتعة وحكاية
بينها وبين صاحبها.
كما اني احترم اعمال الفيديو والاعمال المرئية واعتقد ان يكون لها
معارضها الخاصة للمهتمين السينمائيين والمسرحيين ومصممي الديكورات
لمناسبات خاصة ذات طابع وهدف خاص (هي فن ولكن لا ارى انه فن تشكيلي).
إذاً لا غنى عن الأدوات الأصلية ولكن يحصل بعض التحايل فأنا إذا لم
أكن قادرة على رسم وجه شخص فالتعلم خير وسيلة. أما أن اقتطع صورة شخص
وألصقها وأعيد عليها لأقول بأنها رسم تشكيلي فهذا مثال للتحايل على
الفن التشكيلي.. المصداقية مهمة جداً في التشكيل.
أخيراً
تتعدد الرؤى وتتباين وجهات النظر حول الواقع
الحالي للمشهد التشكيلي.. ويبقى لقب (الفنان) في شد وجذب دائمين بين
متعاطي الفن، ونقاده، بل وحتى متلقيه.. ليكرس بذلك صعوبة الوصول اليه
وصعوبة تحقيقه.
أعلى
شهود القرن..ماذا بعد؟ ( 1 _ 2 )
قد يبدو ميراث القرن الماضي ثقيلا ومفزعا وبخاصة
نصفه الأخير الذي شهد مولد هذا الجيل الذي نعيش بين ظهرانيه
عمادنا في معركة البقاء هو ميراث سابقينا من المفكرين والمنظرين الراصدين
لجدلية التاريخ وصراعاته
محمد عبدالخالق*
حينما يستغرقنا التأمل في الحصاد الفكري للقرن العشرين الذي بارحنا
منذ قرابة العقد من الزمان نجد أنفسنا ملتزمين بالقيام بواجبنا كحلقة
في بناء سلسلة حضارة الأمة العربية والإسلامية. هذه الأمة التي نهضت
تصنع لنفسها مكانا في العالم المعروف مع ظهور الإسلام منذ ألف ونصف
الألف من عمر الزمان.
وكان من قدر هذه الأمة الطيب أنها اختارت أن يقترن ميلادها كأمة متنامية
جنبا إلى جنب مع ميلاد هذا الدين الحنيف، فظل المد الحضاري للأمة العربية
في حالة صيرورة وتعاظم مع تزايد الحركات المناوئة والغزوات الطارئة،
التي تكالبت على مسيرة العرب الحضارية بهدف وأدها، فإذا هي تزيدها
قوة وإبهارا.
والناظر في جدليات التاريخ الوسيط والمعاصر، وتقلبات الأحداث التي
عصفت بكيان الأمة العربية مؤخرا لابد وان تكتنفه الدهشة لتلك العوامل
الكامنة التي تكتب لهذا الميراث الحضاري الضخم البقاء بعد أن تدول
دولته، وتهن صولته، وتتكالب عليه الأمم بقضها وقضيضها تنوي به شرا
وهدما، فإذا ببنيانه يزداد تسامقا، وفي ضوء هذه الأحداث الجسام لابد
لنا من وضع تفسير لما استقر عليه حال الحضارة العربية والإسلامية مع
مطلع الألفية الثالثة حيث الألفية الثانية ونصف الألفية الأولى لابد
وان يكونا دليلنا لوضع الخطوط العريضة لمسار حضارتنا المعاصرة والمستقبلية
نصنعها بأيدينا وعقولنا، ومن واقع تجربتنا الحضارية المتوارثة، وليس
من واقع فكر أولئك الذين يرفعون راية هدم الحضارة العربية والإسلامية
ويسعون إلى كل أداة ترقع تلك الراية الخاسرة بدايات سبق لها أن خسرت
وسقطت تحت سنابك الإصرار والعزيمة والرغبة في البقاء لهذه الحضارة
التي ولدت لتبقى وتزداد عزة ومنعة حيث هي قد امتلكت أدوات الذود عن
حياضها ومعامل لتحويل السم القاتل إلى ترياق شاف، ولإخراج القوة من
رحم الضعف والوفرة من بين براثن البوار، وليست رايات الصليبيين والمغول
والعثمانيين عنا ببعيد، بل هم جاءوا جيئة مزلزلة وفيما بعد بادوا وعض
عليهم الزمن واندثرت راياتهم وان طالت خفقاتها بضع مئات من السنين
، حتى وإن كان منهم من يعتنق الهوية الإسلامية ويجعلها أداة من أدوات
الهيمنة على الشعوب العربية والإسلامية.
قد يبدو ميراث القرن الماضي ثقيلا ومفزعا وبخاصة نصفه الأخير الذي
شهد مولد هذا الجيل الذي نعيش بين ظهرانيه، لكن الأمر الذي لا مراء
فيه هو أن معامل صناعة البقاء قد فعلت فعلها خلال تلك الحقبة، فإذا
بالعرب والمسلمين يأخذون من الحضارة الغربية التي هبت عليهم مع موجات
الاستعمار الحديث ما استفادوا به منها ، ولفظوا ولا يزالون يلفظون،
كل ما يرونه قد خبث اصله، واحتوى بين جنبيه عوامل فناء أو تضعضع. ولأن
القرن العشرين قد طوى صفحته وأغلق أبوابه ولملم أطنابه لذلك جاز لنا
أن ننهض بواجبنا الحتمي في تأصيل بواعث البقاء التي أذكاها مفكروا
ذلك القرن واستكناه ذلك الفكر واستنباط العبرة منه والبناء عليه، حتى
تمضي القرون اللاحقة على ذات الوتيرة من تعظيم إمكانيات الحفاظ على
الميراث الحضاري الذي ورثاه ما يحمل من كنوز وإرث تليد.
واذا كان النصف الأول من القرن الماضي شاهدا على مد استعماري طويل
المدى، فإن النصف الثاني منه شاهد على انتفاضات التحرر واسترداد السيادة
والإصرار على التأني على محاولات الاحتواء والإذابة، أو التجاهل والإقصاء،
ومن ثم فالطبيعي بحسب عوامل وتفاعلات التاريخ من مد وجزر أن يكون مطلع
هذا القرن الحادي والعشرين وهو أيضا باكورة الألفية الثالثة، شاهدا
على موجة عكسية تستهدف العودة لاحتلال مزيد من الأراضي العربية، وتفعيل
برامج لطمس الهوية الثقافية والدينية والاجتماعية والسياسية لهذه الأمة،
وهاهي أجيال الضحايا تعمد بدمها وثيقة الإصرار على الاستمرار حتى ترتد
الموجة ويهدأ تلاطم الموج في ذلك البحر اللجيّ المفعم بالكراهية لكل
ما هو عربي أو مسلم. وعمادنا في هذه المعركة من اجل البقاء هو ميراث
سابقينا من المفكرين والمنظرين والراصدين لجدلية التاريخ وصراعاته
حتى لا تتوه بنا السبل أو تختلط علينا المعالم أو نقع في أتون إهلاك
الذات تأثرا بأشكال القدح والانتقاص من قيمنا وقيمتنا، على ما نرى
ونسمع ونلاقي في أيامنا المعاصرة من نتاج عقلية المنتصر المنتشي بسكرة
تفوقه وفوقيته .
ربما يتعين علينا في مسيرتنا هذه لتأصيل فكر شهود القرن الماضي أن
نكون واعين كل الوعي بأدواتنا حتى نحسن العمل، وعلى نحو يستحق معه
جهدنا أن يكون إضافة حقيقة إلى عوامل البقاء التي تحمي أركان حضارتنا
وتؤمن ديمومتها وتجذرها وتناميها في ذات الوقت. وأهم تلك العوامل هي
الأخذ بفكر يجمع ولا يفرق ، يعلي ولا يخفض يوسع ولا يضيق ، ييسر ولا
يعسر، ورأس الأمر وعموده في ذلك يقوم على ضرورة التفريق ما هو دين
وعقيدة وبين ما هو تراث وثقافة وفكر.
إن تاريخنا الحضاري وإلى يومنا هذا قد شهد مزجا مستمرا بين الدين والثقافة،
لذلك قدم هذا الشكل على المزج أول سلاح لحضور الحضارة العربية والإسلامية
ليعملوه في صرحها هدما وتقويضا، حيث تم تقديم أدلة اتهام ضد ما هو
دين من خلال أحداث ليست بدين وإنما هي ثقافة وتراث ممزوج فيه الشأن
الديني مع الشأن الدنيوي ليخرج ما نعرفه اليوم بالتراث ، وعلى سبيل
المثال إذا كانت أدوات وآليات إدارة الدولة الإسلامية هي شأن دنيوي
متغير بتغير الأحداث ومقتضيات الوقائع في التاريخ الإسلامي فان من
الظلم البين أن تتضمن ملفات الدعاوى ضد ما هو دين وقائع ليست بدين،
حيث الدين يقوم على تعاليم ونصوص، بينها ما يتسم بالثبات جزء من صلب
العقيدة، وبينها أيضا ما هو فروع تتسع للتأويل والاجتهاد.
اما ما هو دين فليس قضيتنا في هذا الطرح الذي نحن بصدده، واما ما هو
ثقافة وتراث فمجاله واسع وساحته منبسطة، وأفقه براح لكل من اراد ان
يخوض فيه، ونحن منهم وها نحن قد رجحنا ان نفصل فصلا واضحا بين الدين
والثقافة، وهذا يلزمنا ان نتناول فكر شهود القرن الماضي بحيادية مطلقة
بعيدا عن اوصاف ونعوت لا تستقيم وما اعتزمنا القيام به. ولابد لنا
هنا من إثبات حقيقة مفادها ان شهود القرن الماضي من المفكرين العرب
والمسلمين قد دعوا دعوات صادقة الى تجديد الفكر العربي وتوسيع نطاق
الاجتهاد فيه وتشكيل معالم حركة فكرية تنهض على معالم تلك الدعوة الى
التجديد التي رفع رايتها خلال القرن الماضي مفكرون وفلاسفة كبار (عرب
وغير عرب) مثل مالك بن بني وزكي نجيب محمود وطه حسين ومحمد مهدي الجواهري
وروجيه جارودي والأب بيار فمن لم نعد نمتلك الفرصة أو الوقت في ظل
طغيان الأحداث السياسية والتحولات الاقتصادية والحروب، للتواصل مع
هم عبر فكرهم ومؤلفاتهم ولا نريد ان نسقط ضحايا هذا العته الفكري المراد
لنا أن نسقط فيه بتأثير استخدام الدؤوب لمعول الهدم المشرع في وجه
كل محاولة لربط مفاصل الفكر العربي وتجسيد الطرق المؤدية إلى تلاقيه
عند مسير موحد ، أو بتأثير ضغوط اللحظة الراهنة التي تعلي من شأن التجريب
السياسي المفعم بالعشوائية والتشتت والانشغال باللهاث وراء استيفاء
عوامل الاستمرار الآني في تجهيل دور الفكر في حماية معالم النهضة العربية
والإسلامية.
إذا فمجالنا في هذا الحديث مجال ثقافي وهذا يجعلنا نتوقف قليلا عند
التعريفات المتعددة لمصطلح الثقافة والجهود المختلفة لتأصيل المفهوم.
فالثقافة مصطلح له معان متعددة بحسب رؤية المتعرضين لها بالتوصيف لكن
قاموس أكسفورد يعرفها على أنها الاتجاهات والقيم السائدة في مجتمع
معين، كما تعبر عنها الرموز اللغوية والأساطير والطقوس وأساليب الحياة
ومؤسسات المجتمع التعليمية والدينية والسياسية ومن التعريف نلاحظ أن
المؤسسة الدينية هي رافد من روافد الثقافة وليست كل شيء فيها ومن ثم
فحين نقول (الثقافة الإسلامية) إنما نعني هذه الروافد المتعددة المكونة
لمفهوم المصطلح بحسب تعريف قاموس أكسفورد. أما منظمة اليونسكو فتعرف
الثقافة على نحو أوسع، حيث تنظر إليها على أنها جميع السمات الروحية
والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعا بعينه أو فئة اجتماعية
بعينها ، وهي بذلك تشمل الفنون والآداب وطرق الحياة والحقوق الأساسية
للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات. وأما مالك بن بني أحد مفكري
القرن الماضي الكبار ، فيعرفها على أنها المحيط الذي يعكس حضارة معينة.
بمعنى أن الثقافة تعني عنده تعريفا يضم فلسفة الإنسان الفرد وفلسفة
الجماعة التي يعيش فيها ، وهو يربط الثقافة بالتاريخ والتربية لتشكل
نسقا متكاملا يشكل ملامح الجماعة الإنسانية. وهناك من المفكرين من
استلمح نذر مواجهة قبل أن تبدأ بكثير، ومنهم الفيلسوف روجيه جارودي
الذي ابتدع مصطلح (حوار الحضارات) وكأنه كان يقرأ في كتاب الغيب أن
سيأتي مع مطلع الألفية الثالثة من يشرع في تحويل أفكار هدامة حول صراع
الحضارات إلى مذابح وويلات للبشرية يدفع ثمنها في طليعة المعركة عرب
ومسلمون أفرادا وجماعات ودول.
ولكي نوضح اكثر نورد مثالا واحدا حول طمس المفاهيم وتشويهها من أجل
الدفع باتجاه (صدام الحضارات) في مواجهة الحضارة الإسلامية والعربية
تحديدا، نقف قليلا أمام قيمة واحدة وهي قيمة التضحية من أجل بقاء الجماعة
والتي تتشكل تحت مفهوم (الجهاد) في الأعراف والموروثات والنصوص الإسلامية.
وأسمى المعاني التي تجسدها هذه القيمة هي التضحية بالروح أو ما يعرف
بـ(الشهادة) التي تدخل مصطلحها بأبعاده الإسلامية معامل التلويث والتجريح
والتشويه وقلب الوقائع لتصبح على لسان أنصار الخطاب التحريضي الغربي
ضمن تيار صراع الحضارات (إرهابا) وبهذا التشويه يكون (الفاعلون) في
مسار التشويه سعوا للربط بين دين سمح وما يحيطه من ثقافة وحضارة متجذرة
كالدين الإسلامي وبين سلوك إنساني سلبي ومدمر وهو الإرهاب بحيث غدا
المطلوب منا نحن وارثي تلك الثقافة الإسلامية أن نتخلى عن هويتنا ونستسلم
للمعركة التي تستهدف فناء موروثنا الحضاري، ونأخذ بالمفاهيم الوافدة
الدخيلة التي تزين أفكارا مشوهة في شكل وسائل للتعايش السلمي، وصار
كل من يطالب بالاعتدال في الخطاب مع الحضارة الإسلامية مطاردا في بلاد
الغرب ابتداء من جارودي والأب بيار وانتهاء برئيس أساقفة انجلترا روان
ويليامز الذي اقترح في إحدى محاضراته مؤخرا أن يسمح النظام القضائي
البريطاني لمحاكم المسلمين أن تقرر شؤونهم في الأحوال الشخصية (شؤون
الأسرة) وما يرتبط بها من معاملات فيواجه نقدا عنيفا رغم أن ويليامز
عيّن القضاء الخاص باليهود والمسيحيين أيضا إلا أن الانتقاد جاء إليه
بسبب حديثه فقط عن موقفه من المسلمين وأحوالهم وقضاياهم المنبثقة من
تعاليمهم الدينية. وحين وصل البابا بنديكتوس السادس عشر إلي نيويورك
في زيارة للولايات المتحدة الأميركية في العشرين من إبريل هذا العام
2008 حاول قادة المسلمين الأميركيين عقد حوار معه دون جدوى. وأمام
هذه الشواهد يمكن القول أن هناك قوى خفية تقف في طريق تحسين التكوين
المعرفي حول الإسلام والمسلمين في الدول الغربية. رغم أن ملايين المسلمين
يعيشون في هذه الدول بأمان وسلام ويمارسون عقيدتهم السمحة دون أن يكون
لهذه العقيدة أي تأثير في تشويه طبيعة العلاقة بين الإنسان المسلم
والوطن الذي يعيشه فيه أينما كان موطن إقامته على الأرض.
ومن حوار الحضارات إلى صراع الحضارات نصل إلى اقتراح ثالث هو (تعارف
الحضارات) عملا بالآية الكريمة (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) ثم
أخيرا تحالف الحضارات وهو موضوع كتاب ثقافة السلم والتعايش من خلال
رؤية حضارية وفي الجزء المقبل من هذه المقالة نجوس في فكر شهود القرن
الماضي ونقف على أفكارهم ، ونستلمح درجة تفاعل الجيل اللاحق عليهم
مع هذه الأفكار، ومدى اقتناع هذا الجيل بذلك الفكر والى أي مدى راح
يواصل مسيرة هؤلاء الرواد.
أعلى
فيينا
مدينة تسكن القصر وتجاور الزهر (1 ـ 4)
أغنية "اسمهانية" تعزف للأنس والفرح تقدم ترويجا سياحيا
مجانيا
ابتسامة بين السماء والأرض تنعش أحلام المسافر وتحيي خيالاته
مروج ورياض خضراء ممتدة تستقبل الزوار وتلون وجه المدينة
تجوال ـ خلفان الزيدي:
على
غير موعد تدعوني المدن لزيارتها.. تفتح أبوابها.. وتشرع نوافذها..
وتنشر أريجها.. في استقبال الآتي إليها.. كعاشق أضناه الوجد.. واشتد
به الهيام..
كنت في كل مرة ألج فيها بوابة المدن.. أتحين مصافحتها.. وقراءة سطورها..
وكنت أحزم أفكاري.. في ما ستكون عليه المدينة الآتية، وكيف أكون معها
في لحظة اللقاء..
لكن فيينا، كانت غير المدن، وغير العشيقات التي عرفتهن، واللواتي شددت
إليهن الرحال، بعدما اشتد وجدي نحوهن..
كانت فيينا مدينة تسكن في أقاصي الذاكرة، لا تكاد تتبين من كينونتها،
غير اسمها المتداول، في أغنية قديمة، أو في نشرة أخبار عن زهرة فل
جديدة تينع في حديقة لا أكاد أحفظ اسمها.. ولذلك كان أمر زيارتها بعيدا
عن منيتي.. وكان ارتيادها خيارا لم تكتب له الحياة بعد..
كنت أبحث عن مدينة.. أرتادها، كيما أطفئ ظمأ الترحال، وأروي عطش الكلمات،
حينما تشتاق لاحتضان حروفها.. وتشكيل مفرداتها ومعانيها، ولذلك تحينت
أن تزورني مدينة تسكن ذاكرة الأمس، أو أخرى تجد لها مكانا في الذاكرة،
وما بين شرق العالم وغربه.. شماله وجنوبه.. تقفز فيينا، وكأنها تأبى
أن تفارق الذاكرة إلا على موعد حميمي، ولقاء يجمع القادم من الشرق..
بالساكن غربا.. وكان اللقاء..
ـ فيينا !؟، حقا إنها جميلة، ستعجبك كثيرا.
قالتها لي موظفة السفارة النمساوية في مسقط، وهي تنظر إلى طلبي لاستخراج
تأشيرة الزيارة، وتقدم لي قائمة بالمستندات والأوراق المطلوبة لإنجاز
المهمة.. رسالة الدعوة.. حجز الطيران.. حجز الإقامة.. التأمين الصحي..
الضمان البنكي.. و... الخ.
وكنت بعدها أعاود زيارة مقر السفارة مرات متوالية، في سبيل إنجاز الطلب..
وكان لي ما أردت، ووجدتني مرة أخرى أذرع شارع السلطان قابوس باتجاه
مطار مسقط الدولي، ذات فجر نامت فيه المدينة، وما عاد في شوارعها غير
بضع مركبات، عن اليمين وعن اليسار، وبينها كنت، أمخر عباب الشارع،
وأنا أنظر لساعتي التي تقارب الثالثة صباحا..
في المطار، نظر لى موظف الطيران، وهو يقارن بيني وبين الصورة في جواز
السفر، ثم تأملني وهو يبتسم، وسألني: مدينة أخرى؟
ـ بل عشيقة أخرى.
قلت له وأنا أبتسم، مبددا ما قد يذهب به الخيال، ويأخذه التفسير، يؤوله
إلى غير معناه، لكنه واصل الابتسام، وقدم لي بطاقة صعود الطائرة، ودعوة
للانتظار في قاعة رجال الأعمال.. الذين لم أكن منهم.. ولا أعتقد أنني
صائر مثلهم، غير هذا الحظ السعيد، الذي وضعني في خانتهم، وحطني في
منزلتهم.. في ساعات يوم معدودة..
في الطائرة المحلقة إلى دبي، نظرت من السماء جهة الأرض، لأرى صورة
مسقط في تلألؤ أنوارها، وفي الصورة الجمالية، التي تبدو للزائر إليها،
والمرتحل منها.. كانت بديعة.. متناغمة تعيش اللحظات الأولى لانبثاق
فجر جديد..
ومن دبي الى فيينا.. حلقت الطائرة مجددا، وهذه المرة وجدت نفسي تشتاق
إلى نوم.. تبدد سهاد الليلة الفائتة، فكان لها ما أرادت..
أعدت مقعد الطائرة للخلف.. وعصبت عيني، ثم رحت في سبات عميق.. كانت
فيينا تأتيني في أحلامي القصيرة على استحياء.. وكان العاشق يتساءل
عن كينونة المدينة، وعن ملامحها، وعن صورتها التي ستكون عليها، لم
يكن يعرف شيئا عنها، غير أغنية "اسمهانية" تتحدث عن ليالي
الأنس في فيينا..
وغاب في لجة الأنس.. وفي كلمات الهيام حينما يلتقي العشاق والمحبون..
وكان معهم يرقص كفراشة.. يطير من زهرة إلى أخرى.. ويستقي من رحيق الورد
والياسمين.. لكن كل ذلك تبدد حلما.. حينما قفزت جهته رائحة الطعام،
وراحت تداعب أنفاسه..
وفتحت عيني.. تاركا الأنس في مدينته.. ولي أنسي.. ونظرت جهة الجالس
قربي، كان الطعام أمامه يثير شهية عصافير البطن التي علا نشيجها من
الجوع.. ولأن ابتسامة المضيفة وهي تسألني عن طلبي، غيبتني عن قراءة
لائحة الطعام، فقد أشرت دون أن أدري إلى طعام لم أستسيغه.. وعاد طبقي
كما جاءني.. وما هدأت العصافير عن النشيج.
وأعود لغفوتي.. أحلامي البعيدة عن ناظري.. وأقطع المسافات سراعا..
أطوي مسار الرحلة.. كيما أقذف ذاتي في ملامح المدينة التي طال سفري
إليها.. واشتد حلمي نحوها..
أفقت بعدئذ على صوت المضيفة الممزوج بابتسامة تطلب مني إعادة المقعد
الى وضعيته المعتادة، وربط أحزمة الأمان تحسبا للهبوط في مطار فيينا..
ـ إذا فقد وصلنا؟
قلتها بلهفة المشتاق، المقبل على اكتشاف شيء لا يدرك معناه..
ـ بل اقتربنا..
قالتها، والابتسامة ترتسم كما عهدتها منذ لحظة سفرنا الأولى.. أي سر
هذا يحفظ للمضيفة ابتسامتها طيلة رحلة تتجاوز الخمس ساعات متواصلة..
ولا تخفت او تضمحل.. وأي سر تحمله الابتسامة بين طياتها.. حد أنني
نسيت تعب الرحلة وضناها.. ونسيت قراءة قائمة الطعام، أو متابعة قراءة
الصحيفة التي فردتها أمامي، أو الكتاب اليتيم الذي أحمله، دون أن أتمكن
من قراءة حتى بضع صفحات منه..
كانت الابتسامة في تلك اللحظة أول الترحاب الذي يقابلني، قبل أن تطأ
أقدامي أرض المطار، وقبل أن أعانق نسمات فيينا ونسيمها العليل.. وقبل
أن تزكم انوفي بروائح العطر والزهر النابت في ترابها..
وأعدت المقعد الى وضعه.. ربطت حزام الأمان.. أغلقت شاشة التلفزيون..
طويت الصحيفة.. وركنت الكتاب جانبا.. وفتحت نافذة الطائرة متأملا جمال
الأرض من تحتي، وهي تمتد باسطة نفائسها.. واللون الأخضر ينسكب على
الحقول والسهول الفسيحة..
صافحت فيينا من علو شاهق.. كانت الطائرة تحوم حول مدرجات المطار، قبل
أن تلامس عجلاتها ارض المطار، كنت أفتش في الصورة الماثلة من النافذة،
عن رسم المدينة.. وعمارتها.. وعن اناس يجوبون التفاصيل، ويذرعون الأمكنة..
كنت أحاول أن أقترب من صورة عاصمة أوروبية عاصرت التقدم والنهضة العمرانية،
وارتفعت الناطحات فيها لتعانق قمم السحاب..
وكنت أفتش عن شوارع متعددة ومسالك مزدحمة، تفضي من المدينة وإليها،
وكنت ابحث عن تفاصيل عمرانية فوق بعضها البعض، تأتي على الشجر والحجر،
وتأكل مساحات الفضاء.. ومصانع تلون سماء المدينة بالأدخنة والغبار..
ولم يكن من ذلك أي شيء..
كانت المدينة، أو بمعنى أقرب كانت الطبيعة على أبدع ما يكون..
مروج خضراء ممتدة، ومراع طبيعية لا حدود لها.. واللون الأخضر يتماوج
بتدرجاته، ليفصل بين الحقول والمزارع والحدائق والغابات.. في إبداع
رباني، يتجلى في أروع ما يكون..
كنت أفتش عن البيوت والعمران، فلا ألمح إلا اليسير منها متناثرا غير
بعيد..
كانت الأرض تقترب من الطائرة، والقلب يقفز شوقا لاكتشاف معالم الصورة
البادية من علو شاهق.. وكنت أمد بصري نحو الحقول المنبسطة حول المطار،
وأتساءل بدهشة عن سر هذه الطبيعة، وما تحمله بين طياتها من بدائع ربانية
عظيمة..
ولحظة بعد أخرى.. لامست عجلات الطائرة أرض المطار، وتأهبت لمعانقة
أولى نسائم فيينا.. كان الطقس يشير باعتدال درجة الحرارة، وبشمس دافئة
مشرقة.. حملت حقيبتي اليدوية، وبدأت أفكر في الآتي، ومن عساه يكون
في استقبالي، وفي اللحظة التي هممت بالخروج من بوابة الطائرة، لمحت
بعض الأصدقاء الذين التقيتهم في رحلات سابقة.. كانت مفاجأة بالنسبة
لنا، أن نكون معا في رحلة واحدة، في مقاعد متقاربة، دون أن يدري بعضنا
عن بعض..
عيسى الشايجي رئيس تحرير (الأيام) البحرينية.. وفي الجانب الآخر كان
الصديق الصحفي على ناجي الرعوي رئيس التحرير (الثورة) اليمنية.. ورفقاء
الزيارة من أدباء وشعراء، وكانت سانحة بالنسبة لي لتبديد مخاوف التيه
في مطار أصافحه للمرة الأولى، كنت أقلب أبصاري ذات اليمين وذات الشمال،
وأفتش عن صديق أو رفيق زيارة، أتعرف عليه مع باقي الأصدقاء، الذين
تعرفت عليهم سلفا.. وكان لقائي التالي بأصدقاء آخرين وصلوا للتو من
الدوحة.. ناصر العثمان عميد الصحافة القطرية.. وجمال فائز القاص والصحفي..
- المجموعة اكتملت
قلت وأنا أطير فرحا لرؤية أصدقاء، لم ألتق بهم منذ سنوات، منذ أن عبرنا
معا شارع الشانزليزيه في باريس، وسجلنا هناك أياما لا تنسى من الذاكرة
.. كان الفرح متبادلا بيننا، وتأهبنا جميعا لبدء ذاكرة جديدة تكتبها
أرض فيينا على نغمات لحن جميل ينساب من نأي عتيق.. يعانق فينا روح
الجمال..
كنا معا نحلق مع هذا اللحن، والكلمات التي قدمت ترويجا سياحيا لا تحلم
به مدينة على مر تاريخها، ترويج يعتبر الأكبر بالنسبة لمدينة تحيط
بها مدن أوروبية لها مكانتها ومقامها في خريطة السياحة العالمية..
فمن ذا ينافس مدنا وعواصم مثل لندن وباريس وامستردام وجنيف وبرلين
وروما.. وقائمة تطول من المدن العريقة..
لكن لـ "فيينا" مذاقا آخر..
لها طعم النسيم ورائحة الورد ولون الياسمين..
وابتسامة غيداء تختال لتغري القادمين إليها، وتأخذهم في مسالك الهيام
والعشق.. للزمن الجميل الذي عزفت قيثارته لحنا شجيا.. عرفنا فيه عن
فيينا.. ولم ندر ما تكون.. وكيف أحوالها..
كنا على غير دراية نردد مع الصوت الأسمهاني الشجي.. "ليالي الأنس
في فيينا.. نسيمها من هوا الجنّة.. نغم في الجوّ له رنّة.. سمع لها
الطير بكى وغنّى"..
قال الأصدقاء: إنها دعاية مجانية لهذه المدينة، حفظتها الأسماع العربية،
ورددتها جيلا بعد آخر..
كان صوت اسمهان ينساب في وجداننا.. ونحن ننهي إجراءات الدخول، ونختم
جوازات السفر.. " متّع شبابك في فيينا.. دي فيينا روضة من الجنّة"..
وعلى خلاف مطارات أوروبية واميركية.. لم تستغرق الإجراءات أكثر من
دقائق قصيرة جدا.. كنا بعدها نخرج من المطار، ونتنفس هواء المدينة،
ونسيمها، وتعانق ابصارنا صور الشخوص والأمكنة.. تفتش عن المألوف واللا
مألوف.. ونبحث عن الغريب والعجيب.. ونقرأ في التفاصيل الماثلة أمامنا،
عن سمات المدينة، وعن روحها، وعن كل ما تحفل به من صور وملامح.
هذه فيينا إذا المدينة التي لم تلج الذاكرة يوما إلا على ظهر اغنية،
لم نحفظ إلا الشطر الأول منها.. "ليالي الأنس في فيينا"..
وما بعد ذلك متروك للزائر لاكتشافه وسبر عوالمه..
هذه فيينا التي قفزت الى الذاكرة فجأة، كعشيقة تعلق بها القلب من النظرة
الأولى..
وهذه هي ايضا... التي أثخنت ذات حرب عالمية.. بالدماء.. وامتلأت حولها
الجبهات.. وتكالبت عليها الجيوش.. وعانت ويلات الحرب وضراوتها..
هكذا قلت ذات يوم عن باريس، وقرطبة ومدن أخرى، عرفتك وعرفتها..
قال لي ناصر العثمان، وهو يقرأ عشقي المباح.. وكلمات الحب والهيام
للمدينة.. وينظر الى مباركتي لصمود المدينة، ونهضتها من بعد حرب هالكة..
وابتسمت له، وأنا أقرأ في كلماته.. عشقا آخر، تمثل في تشبثه بفيينا
على مدار سنوات.. كانت محطة سفره المفضلة.. ووجهته كلما ران إلى هدوء
وسكينة.. ولذلك فقد كانت التفاصيل والملامح بالنسبة له مألوفة.. حد
أنه أسهب بعدها كثيرا في وصف معشوقته.. التي تبادلنا جميعا عشقها والتيمم
بها..
كان الانتقال من المطار إلى الفندق الذي سنقيم فيه، فرصة أخرى لاكتشاف
روح المدينة، والاقتراب منها أكثر وأكثر..
في الطريق لمحت جزءا من تاريخ العاصمة المدون على المباني والعمران..
ومدى الإبداع والتفنن في هندسة هذه المباني، وعمارتها على طرازات فريدة،
وتصميمات هندسية تحاكي الفنون والحضارة الأوروبية العريقة.. والتماثيل
المتدلية من الأسقف والعمران..
كان فن الباروك.. وهو فن هندسي عرفته أوروبا في القرن السادس عشر الميلادي،
ثم انتشر بحلول القرن السابع عشر الميلادي، في جميع أنحاء إيطاليا
وأجزاء أخرى من أوروبا ومنها النمسا..
وفي هذا الفن يترك المعماري الباروكي عن قصد أثرا دراميا من خلال أعماله..
وهو ما ظهر جليا في المباني العريقة التي مررنا بها في طريقنا الى
فندق جراند.. حيث سنحط الرحال.. ونبدأ من هناك التجوال في ربوع المدينة..
ولأن فلسفة البناء وهندسة العمران في العاصمة فيينا.. بحاجة إلى تطواف
أكبر.. فقد تركت ذلك لزيارات تالية، لم أشأ أن أقدم تصورا مسبقا..
مبنيا على عمارات تمتد من منطقة المطار حتى وسط المدينة.. حيث يسكن
فندق جراند..
على بوابة الفندق.. التقينا بالصديق شوقي عبدالأمير.. الشاعر والمبدع
العراقي الذي يحمل على عاتقه هم نشر الثقافة.. وتوسيع دائرة القراءة
في الوطن العربي..
شوقي عبدالأمير رفيق أسفار عديدة، بدأت من صنعاء، وانتقلت إلى بيروت
وباريس ولقاء أخير في مسقط العامرة، كان احتفاؤه بمقدمنا جميعا.. بهجة
اضاءت وجوهنا بالابتسام..
توزعنا على الغرف المخصصة لنا.. على وعد الالتقاء تاليا.. واكتشاف
المدينة.. من أقرب تفاصيلها..
وكعادتي أبدأ باكتشاف الغرفة.. ومحتوياتها.. كان إرهاق السفر قد أخذ
مأربه.. وبدأت منهكا.. بحاجة الى سكون أخلد فيه للراحة.. وأستعيد نشاطي..
كان الاستحمام، ونفض إعياء الرحلة بالماء، هو السبيل لذلك، والماء
ينسكب على جسدي، وأنظاري تعيد اكتشاف المكان، لمحت على مقربة مني مفتاح
كهرباء يحمل أحرف (SOS).. ولأني مغرم بالاكتشاف، والتعرف على كل شيء..
ولأن الـ(SOS) هذا مبهم.. لا أدري أهو مفتاح كهرباء.. أو مفتاح للتحكم
في الماء المنسكب؟!.. ضغطت عليه.. وأنا أترقب ما يكون.. وكانت الصاعقة.
للتجوال بقية الثلاثاء القادم
خلفان الزيدي
khmz@hotmail.com
أعلى
الازدواج اللغوي .. النشأة والمخاطر ( 3 )
فتوحات وهجرات
كان الازدواج اللغوي من حيث هو ظاهرة لغوية موجوداً في اللغة العربية
منذ ما قبل الإسلام، بشكل أو بآخر ،على نحو ما أشرنا. ولم يكن ظهوره
مرتبطاً باختلاط العرب بالعجم الذين دخلوا الإسلام زمن الفتوحات والهجرات
القادمة من الجزيرة والخارجة منها، خاصة تلك التي تمت في أواخر العصر
الإسلامي والعصر العباسي الأول، على نحو ما يرى عدد غير قليل من العلماء
والباحثين الذين يرجعون ظهور الازدواج اللغوي في اللغة العربية إلى
ما لحق بها من تحريف ولحن على ألسنة غير العرب الذين دخلوا الإسلام
أو عاشوا في ظلال الحضارة الإسلامية. ولعل الذي حملهم على هذا، هو
اعتقادهم أن العربية لا تعرف قبل هذا إلا شكلاً واحداً للتعبير هو
الفصحى، التي ما كان بوسع العربي الخروج عليها، لأنه عليها نشأ وتعود،
حتى صار يستخدمها سليقة وطبعاً في كل مواقف التعبير وأشكال الخطاب.
مع أن هذا الفهم يتناقض مع حقيقة أن الازدواج اللغوي كان موجوداً في
كل العصور حتى في العصر الجاهلي كما تقدم. وكان كذلك في العصر الإسلامي
الذي شهد نزول القرآن الكريم وظهور رسالة الإسلام. فقد ورد أن رجلاً
خرج في كلامه على اللغة العربية الفصحى بحضرة النبي (صلى الله عليه
وسلم) في وجه من وجوه اللغة، فما كان منه(صلى الله عليه وسلم) إلا
أن خاطب الجالسين قائلاً لهم:" أرشدوا أخاكم فإنه قد ضل ".
وروي أن أبا بكر رضي الله عنه قال:" لأن أقرأ فأسقط أحب إلي من
أن أقرأ فألحن". وقيل بأن عمر بن الخطاب مر على قوم يرمون بالنبل
لا يحسنون الرمي، فاعتذروا له عن فساد رميهم، فقالوا: نحن متعلمين.
فقال لهم:" إن لحنكم أشد علي من فساد رميكم" (8).
ويظهر من هذه الأقوال أن اللحن كان موجوداً في زمن النبي وخلفائه،
وأنه كان منكراً ومرفوضاً. وفي العصر الأموي اتسع نطاق اللغة الثانية
شيئاً فشيئاً لأسباب متعددة أهمها زيادة أعداد الموالي والعجم في المجتمع
المسلم، وظهور تأثيراتها على ألسنة بعض الولاة والعلماء. فامتد بذلك
سلطانها واتسع نطاق استخدامها، وأصبحت تهدد أعلى نموذج لغوي وهو القرآن
الكريم الذي أخذ بعض الناس يحرفون قراءته بسبب تأثير لغاتهم التي كانت
تختلف عن العربية الفصحى. وصارت تأثيرات اللغة الدارجة تنتقل إلى الدوائر
الأولى من المجتمع التي أخذت تعلم أولادها اللغة النموذجية المشتركة
خوفاً عليهم من اللغة الثانية الدارجة. ولهذا بدأت في هذه الدوائر
الأولى من المجتمع ردود الفعل ضد اللغة الثانية التي كان ينظر إليها
على أنها لغة فاسدة وخطأ لغوي. فنشأ منذ أواخر القرن الأول الهجري
مبدأ تنقية اللغة العربية. وبرهن الأمويون على قدرتهم في الدفاع عن
اللغة الفصحى فقد روي أن عبد الملك بن مروان الذي حكم سنة(65 - 86
هـ) كان يحذر أبناءه من اللحن، لأنه يرى اللحن في منطق الشريف أقبح
من آثار الجدري في الوجه وأقبح من التفتيق في ثوب نفيس. وكان سليمان
بن عبد الملك، يعظم الجمال اللغوي. وكان عمر بن عبد العزيز الذي حكم
من سنة(99-101هـ) دقيق الإحساس في شؤون اللغة ولا يطيق أن يسمع في
محيطه خطأً لغوياً أياً كـان ، وكان يصلح ما اعترضه من الأخطاء. ونقل
عن الحجاج والي المشرق أنه كان لا ينطق عربية ناصعة فحسب، بل كان يقيم
وزناً كبيراً لأن يعبر الناس في محيطه تعبيراً صحيحاً. ولم يقل عن
الحجاج في تعظيم الفصحى عمر بن هبيرة الذي كان والي العراق، وكان يرى
أن من يحسن العربية أعلى من غيره مقاماً في الجنة. ولم يكن المجتمع
العربي في عهد الأمويين هو وحده الذي يعترف بالفصحى على أنها القدوة
الرفيعة والمثل الأعلى، بل كذلك الدوائر الإسلامية غير العربية من
طبقة الموالي. فقد احتضنت عناصر كثيرة من الموالي حركة تنقية اللغة
العربية، وقويت آمالهم بالصبر والدأب أن يستبدلوا عربية فصحى من عربية
اللهجة الدارجة في محيطهم (9). وفي العصر العباسي لم تتوقف حركة تنقية
اللغة الفصحى والدفـاع عنهـا، لكنها لم توقف على قوتها ومالها من تأييد
رسمي وشعبي، انتشار اللغة الدارجة والخروج على اللغة الفصحى، الذي
يعرف باللحن. فهناك من الشواهد والأدلة ما يوضح أن اللغة الدارجة واللحن
كانا في ازدياد مستمر. فقد روي أن عالم العربية المشهور أبا عمرو بن
العلاء(70-175هـ) كان إذا دخل السوق يتكلم اللغة الدارجة، فرآه يوماً
أحد طلاب العلم على هذه الحالة, فساءه منه ما رأى، فصغر أبو عمرو في
عينه. واعترف أبو عمر نفسه بكثرة أخطائه حين قيل له في حرف قاله: ألا
ترى هذا خطأ يا أبا عمرو؟ فقال: لو كنت كلما أخطأت وقعت في حجري جوزة
لامتلأ حجري جوزاً. وقد كان طغيان العامية جارفاً أيام الكسائي كما
كانت العامة تهزأ بمن يقيم الإعراب، أو يجري على سنن الفصحى. وكان
بعض أهل الفقه والحديث يقع في اللحن ويخرج على الفصحى. ولكن أغلبية
العلماء والفقهاء والكتاب والمحدثين كانوا يتجنبون اللغة الدارجة قدر
استطاعتهم، وكانوا يرون الخروج على الفصحى فساداً وانحرافاً إن لم
يكن ذنباً ومعصية. فروي عن الشعبي أنه كان أحب إليه أن يقرأ فيسقط
من أن يقرأ فيلحن، بل إنه كان كذلك لا يخرج عن الفصحى في كل المواقف
حتى المزاح. وكان أيوب السختياني(68-131هـ) إذا لحن في حرف قال استغفر
الله، كأنما عد اللحن ذنباً اقترفه. ولم يكن المحدث الكبير الأعمش(60-147هـ)
يبالغ في تجنب اللحن فحسب، بل كـان يصحح كـل روايـة ملحونة بحجـة أن
الرسـول (صلى الله عليه وسلم) لم يكن يلحن(10). وفي عهد هارون الرشيد
نضجت حركت تنقية العربية نضجا تاما. فصارت العربية الفصحى القدوة المثلى
والمثل الأعلى من كل الوجوه واحتذاها المثقفون في الكلام والتحرير
الكتابي. ولكن رغم هذا فقد أخذت اللغة الدارجة، أو العربية المولدة
تكتسب مناطق جديدة بسبب التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية
الكبيرة، التي أحدثها سقوط الدولة الأموية. ونتيجة لهذه التغيرات الكبيرة
صارت العربية الفصحى لغة للكتابة بعد أن غدت لغة قديمة نموذجية، وقد
كان لانحلال الدولة العباسية إلى أكثر من عشر دويلات مستقلة آثار بعيدة
على العربية.. حيث انضمت لهجات كل إقليم إلى بعض، وتألفت مجموعات من
اللهجات تمتاز كل منها عن الأخرى بأشياء، وهذه اللهجات الإقليمية في
العراق وسوريا وفلسطين ومصر والمغرب الكبير، وإسبانيا أثرت بدورها
على لغة المثقفين التي هي العربية الفصحى وأكسبتها في كل إقليم لونا
محليا ذا طابع خاص. ولما حاول المقدسي في القرن الرابع تمييز لهجات
كل إقليم وإظهار خصائصها في كتابه أحسن التقاسيم. ومما ينبغي الإشارة
إليه في القرن الرابع الهجري محاولة استعمال اللغة الدارجة في الشعر
من قبل بعض المجان والزنادقة. وعندما استولى السلاجقة الأتراك على
الحكم، صارت الفارسية لغة البلاط والسياسة والأدب والشعر وأخذت تنافس
العربية من خراسان إلى داخل سوريا. وفي القرن الخامس الهجري يقدم التبريزي
صورة واضحة عن انحطاط مستوى الثقافة اللغوية في بغداد، تجد ما يؤيدها
في كتاب درة الخواص في أوهام الخواص للحريري صاحب المقامات المشهورة
المتوفى سنة 516هـ.
8- الخصائص، 2/8
9- العربية، ص36
10- المصدر السابق، ص80
د. محمد بن سالم المعشني*
* أكاديمي عماني
أعلى
تــــراث
في أعقاب تشرين
هل راكب ، ذاهب عنهم يحييني
إذ لا كتاب يوافيني ، فيحييني؟
قد مت ، إلا ذماءً فيَّ يمسكه
أنَّ الفؤاد ، بلقياهم يُرَجّيني
ما سرح الدمع من عيني ، وأطلقه
إلاّ اعتياد أسىً ، في القلب مسجون
صبراً لعل الذي بالبعد أمرضني
بالقرب يوما يداويني ، فيشفيني
كيف اصطباري وفي كانون فارقني
قلبي ، وها نحن في أعقاب تشرين
شخصٌ يذكرني ، فاهُ وغرّته
شمس النهار ، وأنفاس الرياحين
لئن عطشت إلى ذاك الرُّضاب لكم
قد بات منه يسقيني ، فيرويني
وإن أفاض دموعي نوح باكية
فكم أراه يغنّيني ، فيشجيني
وإن بعدت وأضنتني الهموم ، لقد
عهدته ، وهو يدنيني ، فيسليني
أو حل عقد عزائي نأيه ، فلكم
حللت ، عن حصره عقد الثمانين
يا حسن إشراق ساعات الدُّنُوِّ بدت
كواكبا في ليالي بعده الجون
واللهِ ما فارقوني باختيارهم
وإنما الدهر ، بالمكروه يرميني
وما تَبَدَّلْتُ حبا غير حُبّهم
إذاً تَبَدَّلْتُ دين الكفر من ديني
أفدي الحبيب الذي لو كان مقتدراً
لكان ، بالنفس والأهلين يفديني
ياربِّ قرِّب ، على خيرٍ ، تلاقينا
بالطالع السعد ، والطير اليمانين
ابن زيدون
ـــــــــــــــ
يا أنا
قال الجنيد : لا تصحّ المحبة من اثنين حتى يقول
أحدهما للآخر يا أناْ، وفي هذا المعنى:
أيها السائل عن قصـتـنـا
إن ترانا لم تفرق بينـنـا
أنا من أهوى ومن أهوى أنا
فإذا أبصرتني أبصرتـنـا
ـــــــــــــــ
لم اخترت له المحبة؟
قال الخليفة المنصور يوماً للربيع (حاجب المنصور):
اذكر حاجتك. قال: يا أمير المؤمنين، حاجتي أن تحبّ الفضل ابني.
فقال: ويحك! إن المحبة إنما تقع بأسباب. قال: يا أمير المؤمنين،
قد أمكنك الله من إيقاع السبب. قال: وما ذاك؟ قال: تشمله بفضلك
وإنعامك، فإنك إذا فعلتَ ذلك أحبّك، وإذا أحبّك أحببته. قال: ولكن
لم اخترت له المحبة دون كل شيء؟ قال: لأنك إذا أحببته كبر عندك
صغيرُ إحسانه، وصغر عندك كبير إساءته.
ـــــــــــــــ
الاختلاف سبب للائتلاف
قال الجاحظ: إنما خالف الله تعالى بين طبائع
الناس ليوفق بينهم في مصالحهم، ولولا ذلك لاختاروا كلهم الملك والسياسة
والتجارة والفلاحة وفي ذلك بطلان المصالح، وذهاب المعايش، فكل صنف
من الناس مزين لهم ما هم فيه، فالحائك إذا رأى من صاحبه تقصيراً أو
خلفاً قال: ويلك يا حجام والحجام إذا رأى مثل ذلك من صاحبه قال: ويلك
يا حائك، فجعل الله تعالى الاختلاف سبباً للائتلاف، فسبحانه من مدبر
قادر حكيم، ألا ترى إلى البدوي في بيت من قطعة خيش معمد بعظام الجيف
كلبه معه في بيته لباسه شملة من وبر أو شعر، ودواؤه بعر الإبل وطيبه
القطران وبعر الظباء، وحلى زوجته الودع، وثماره المقل، وصيده اليربوع
وهو في مفازة لا يسمع فيها إلا صوت بومة، وعواء ذئب وهو قانع بذلك
مفتخر به.
ـــــــــــــــ
لأطيبنَّ اسمك
ورد في طبقات الأولياء لابن الملقن في ترجمة
بشر الحافى ما نصه: لقب بذلك لأنه جاء إلى إسكاف يطلب منه شسعاً لأحد
نعليه، وكان قد انقطع، فقال له الإسكاف: "وما أكثر كلفتكم على
الناس!" فألقى النعل من يده والأخرى من رجله، وحلف لا يلبس نعلا
بعدها..كنيته أبو نصر، أحد رجال الطريقة، ومعدن الحقيقة، مثل الصلحاء
وأعيان الورعاء.أصله من مرو، سكن بغداد. صحب الفضيل بن عياض ورأى سريا
السقطي، وغيره وسبب توبته أنه أصاب فى الطريق رقعة فيها اسم الله،
وقد وطئتها الأقدام، فأخذها واشترى بدرهم كان معه غالية، فطيبها وجعلها
في شق حائط، فرأى في المنام كأن قائلا يقول: "يا بشر! طيبت أسمى،
لأطيبن اسمك في الدنيا والآخرة!" وروى أنه إلى النهر فغسله، وكان
لا يملك إلا درهما، فاشترى به مسكا وماء ورد، وجعل يتتبع اسم الله
ويطيبه، ورجع إلى منزله فنام؛ فأتاه آت وقال: "يا بشر! كما طيبت
أسمى لأطيبن ذكرك! وكما طهرته لأطهرن قلبك!". ومناقبه جمة أفردها
ابن الجوزى بالتأليف.
ـــــــــــــــ
أَسَرُّ مَنَ الظَفَر
أمسك على النابغة الجعدي أربعين يوماً فلم ينطق
بالشعر، ثم إن بني جعدة غزوا، فظفروا، فاستخفه الطرب والفرح، فرام
الشعر، فذل له ما استصعب عليه، فقال له قومه: والله لنحن بإطلاق لسان
شاعرنا أسر منا بالظفر بعدونا!.
ـــــــــــــــ
توهمت المساء صباحـا
أورد اليوسي في زهر الأكم في الأمثال والحكم
(بتصرف):دخل الشاعر ابن عبد المنان وهو ثمل على السلطان أحمد المريني
عشيةً فصبَّحه. فنظر السلطان إليه نظر منكر، وقال له:أي وقت هذا؟ وأي
معنى للصباح فيه؟ فأفاق من سكره وانشد ارتجالا:
صبحته عند المساء فقال لـي:
ماذا الصباح وظن ذاك مزاحا
فأجبته: إشراق وجهك غرنـي
حتى توهمت المساء صباحـا
وقد رواهما الأبشيهي في (المستطرف) ولم يعزهما إلى أحد إلا أن عجز
البيت الأول كان مغايرا حيث ورد بهذه الصيغة (تهزي بقدري أو تريد مزاحا)
وانتشر كثيرا بهذه الصيغة رغم الخلل الواضح فيها وربما كان ذلك من
تحريف النسَّاخ ولعله كان في الأصل (تزري بقدري أم تريد مزاحا) ويرويه
البعض بصيغة أخرى وهي (أتراك تهزأ أم تريد مزاحا) ولعلها مع رواية
اليوسي الأقرب إلى الصحة.
ـــــــــــــــ
أخاف إذا ما مت ألا أذوقها
وفد ابن أبي محجن على معاوية، فقام خطيباً فأحسن،
فأراد معاوية أن يختبر صبره فعمد إلى إثارة حفيظته ، فغمزه قائلا:
أنت الذي أوصاك أبوك. بقوله:
إذا مت فادفني إلى جنب كـرمة
تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني في الفـلاة فـإنـنـي
أخاف إذا ما مت أن لا أذوقهـا
قال: بل أنا الذي يقول أبي:
لا تسأل الناس ما مالي وكثـرتـه
وسائل الناس ما جودي وما خلقي
أعطي الحسام غداة الروع حصته
وعامل الرمح أرويه من العلـق
وأطعن الطعنة النجلاء عن عرض
وأكتم السر فيه ضربة العـنـق
ويعلم الناس أني من سـراتـهـم
إذا سما بصر الرعديد بالـفـرق
فقال له معاوية: أحسنت والله يا ابن أبي محجن،
وأمر له بصلة وجائزة
ـــــــــــــــ
خياط يقول الشعر
قال جحظة: وصف لي خياط يقول الشعر، فذهبت إليه
لأسمع منه وأهزأ به، فأستنشدته فأنشدني:
أيا من وصـلـه نـعـم
ويا من قـولـه نـعـم
تقول لقد سعى الـواشـو
ن في التحريش لا سلموا
وقد راموا قطيعتنا
فقلت له: أنا لهم
قال: فحيرني حسنها.
ـــــــــــــــ
ما كان إلا الحديث والنظر
دخلت بثينة محبوبة جميل العذري على عبد الملك بن مروان، فقال لها يا
بثينة: ما أرى فيك شيئاً مما كان يقوله جميل، فقالت يا أمير المؤمنين:
إنه كان يرنو إلي بعينين ليستا في رأسك، قال: فكيف رأيتيه في عشقه؟
قالت: كان كما قال الشاعر:
لا والذي تسجد الجباه لـه
مالي بما تحت ذيلها خبر
ولا بفيها ولا هممت بهـا
ما كان إلا الحديث والنظر
أعلى
بوح..
التوثيق وضرورته
قد يتبادر للذهن سؤال متكرر لا يجد سوى الأجوبة
المطاطية حين طرحه وهو لماذا لا يوثّق الفن والتاريخ العماني بمحتوياته
كإرث ثقافي وحضاري ملك للدولة؟.. وهذا السؤال دائما ما يطرح في الكثير
من المناسبات التي يقع فيها القارئ العماني او المستمع او المشاهد
أمام ما يرى فيه ثقافته بهويّة الآخرين، ولكن الأجوبة التي دائما نستمع
إليها تقبل كل التأويلات ولا تقدم الواقع المرجأ من قبل المؤسسات المعنية
في هذا الشأن، لذا فإن العملية الواقعية والبحث الميداني والتوثيق
المبدئي الذي يقوم به الأفراد أرى شخصيا انه الأفضل في غياب واضح للمؤسسات
المعنية في توثيق هذه التجارب.
طالعنا قبل فترة في معرض مسقط الدولي للكتاب إصدار يوثّق بأن الشاعر
المعروف (بالمطوع) ليس عمانيا وأن الشاعر الآخر والفنان والفن العماني
وغيره قد لُبسوا عباءات آخرين استطاعوا ان يقدموا لكلٍ المزيد من البهرجة
والعطاء والبحث حول ذات أي عمل او فن وبالتالي إعطاؤه جنسية هذه الخدمات،
وقد يقول الكثير من المعنيين بأنه حينما تسأل أي شخص عن فن معين او
شاعر معين سيدرك مما لا شك فيه بأنه (عماني) وهذا يكفي!.
ولكن الواقع والتوثيق لا يعترف بالشفهيات من مثل هذه الاستدلالات والاعترافات
لذا فإن ما يقوم به الباحث العماني والشاعر العماني وعشاق تجربة البحث
والتوثيق في الوقت الآني قد تكون البديل المناسب لما عجزت القيام به
المؤسسات، وبالتالي يجب ان يكون للمؤسسة دور آخر في المساهمة امام
هذه التجارب من خلال دعمها وتقديم التسهيلات المناسبة لهذا العمل الوطني
او الدعوة لهؤلاء الباحثين الأكاديميين منهم او المتطوعين لتوثيق ما
قام ببحثه في إصدارات توزّع بشكل او بآخر لكل الجهات المهتمة والمعنية
بالنشر وحتى تقديم إهداءات من هذه الإصدارات للجهات في الدول الأخرى
مثلا، والتي نسبت أي فِعل ثقافي وفني لنفسها وبالتالي تبدأ مراحل أخرى
من عملية بحث جديدة للمقارنة وإثبات الحقائق التي غابت عن الكثيرين
وربما يجهلها الباحثون ممن سلبوا هوية الفن والتراث العماني المعروف
شكلا وسماعا بعمانيته والبعيد كل البعد عن ذلك كتابيا!.
ان ما يقوم به الشاعر حمد الخروصي في اتجاهه لعمليات البحث وتوثيقه
لحياة قدامى شعراء السلطنة والدخول في عوالم تجربتهم وانتهاء برحيلهم
ما هو الا لغيرته على تراث هذا الوطن الغالي، وإذ نقدم الشكر للشاعر
حمد الخروصي على هذه المجهودات، نقدم الدعوة ايضا لكافة المهتمين بهذا
الجانب او الراغبين للدخول في هذه العوالم بضرورة تطبيق هذه الرؤية
على ارض الواقع وعدم الاستهانة بالوقت خاصة وأن الحاضر يفوق كل شيء
في سرعته، وبصراحة فإننا بحاجة ماسة لهذه الحركة التوثيقية من جانب
وبحاجة لكي نطلع ونقرأ عن تراثنا المعروف منه والمجهول والمندثر ومنه
المقبل على الاندثار، فبسواعد ابناء هذا الوطن الغالي والغيورين على
أصالة وهوية التراث والفن العماني نستطيع ان نجد جوابا للسؤال المتكرر
دائما والذي ذكرناه في منطلق هذا الحديث.. فكل الشكر لكل من قام على
جهد وكل الدعوات بالتوفيق لكل من سيقوم ويبذل جهده في سبيل هذه التجربة،
ووفق الله الجميع.
ومضة..
متأخرٍ هالياسمين اللي رميتيه بيـــــــدي
متأخرٍ مليون وقت ولا أشـــــــم بْه عبـــــــق !!
نثرته بمجلس لقاي الأول اللي مبتــــدي
من يوم كنتي صغيّره وفي قلبي اللي يحتــــــرق
متأخره كثر الجروح اللي بقت ما تهتدي
للبرء/ لين أني رحلت من الفرح من دون عرق
ورغم المسافات انتي أول وآخر اللي في يدي ..
باقي.. وفي قلبي ذاوتك كلها ما تفـــــــــــــترق
فيصل العلوي *
*fai79@hotmail.com
أعلى
طواف من المهد إلى اللحد (2 - 2)
باب صامد أغلقه الزمان وأطلال شاهدة على الذاكرة
دون التفاتة
سوق الوادي الشعري وبيت سويري وقبره
بحث وتحقيق ـ حمد الخروصي :
سوق الوادي الشعري وبيت سويري
كل يوم بعد صلاة العصر يجتمع أهالي الوادي في مساحة كبيرة، هذه المساحة
ما زالت وقفا حتى اليوم لأهالي المنطقة، في هذه المساحة يجتمع أعتا
الشعراء وأشهرهم، وبمجرد ما تبدأ المباراة الشعرية يتكدس الناس متحمسين
للمبارزة الشعرية، ثم يصطفون مشكلين حلقة كبيرة أو طوابير متقابلة
تتكاثر بمجرد سماع دويّ الطبل على إيقاع (القصافي) أو الرزحة أو أي
فن آخر يجيده الجميع، يتوافد الناس للساحة ليشاهدوا شعراءهم الكبار.
ومن الغريب أن يلاصق بيت سويري هذه الساحة مباشرة، فنحن نستطيع أن
نتصوّر جلوس سويري في طفولته على عتبة الباب مشاهدا ومراقبا (الرمسات)
التي تقام والمباريات الشعرية التي تحدث بكامل تفاصيلها وقصصها وأسباب
حدوثها ونتائجها أيضا، إن شاعرنا كان يسجل كل ما يدور أمامه بذهن صافٍ
وموهبة شعريّة قويّة يدفعها الحلم الكبير بأن يأتي اليوم الذي يجاري
فيه أكبر الشعراء، بل ويغلبهم بدهائه وشاعريته الكبيرة. وحتى تصبح
شاعرا كبيرا لا بد أن تكون ناقدا كبيرا، وهذا ما حدث تحديدا لسويري
أثناء طفولته؛ فلحكم على القصائد وقوتها جعل من الجمهور هو الحكم الأول
على تفوق شاعر على شاعر آخر، حين كانت الكلمة غطاء ورمزا لمعنى عميق
وقوي لا يدركه سوى الأذكياء والواعين من الجماهير المتابعة أو المشاركين
في ترديد كلام الشاعر، فالبحث خلف غطاء الكلمة ومقصد الشاعر وفهم ما
يقصده الشاعر كوّن ذائقة سويري وشكّل قاموسه الفكري الكبير وشكّل أيضا
أسلوبه الشعري الذي استطاع من خلاله خطف الأضواء ممن عاصروه من الشعراء
الكبار..
لم يكن هناك أي فاصل ما بين بيت سويري والساحة الشعرية المعروفة وهذا
بدون شك من أهم الأسباب التي شكّلت عبقرية سويري وساهمت في تشكيل ذائقته
الشعرية وشخصيته المتمردة، فلقد كان المراقب الناقد المتفاعل المتحمس
لما يدور أمام عتبة باب بيته، وبدون وعي ودراية منه وجد الشاب نفسه
منجذبا إلى هذا الفن الراقي وعالمه السحري الجميل الذي يستطيع من خلاله
التمرّد على وضعه وواقعه في المجتمع. كبر الشاب وكبرت الأحلام ونمت
الموهبة وحان وقت الممارسة والتطبيق وهذا لا يحتاج سوى لخطوات قليلة
إلى الأمام حيث الجميع موجودون في الساحة الكبيرة وقد حان الوقت لشروق
شمس شاعر جديد، شاعر كان هو الجار الكريم الذي سندت جدران بيته ظهور
أكبر الشعراء وأكثرهم خبرة وساندتهم للمكوث في الساحة المشتعلة، واستراح
على عتبة بيته المتعبون من الوقوف تحت حرارة الشعر الحارقة.
وبرغم أن سويري لم يكن هو الشاعر الوحيد والشاعر الكبير في ذلك الوقت،
وكان هناك الكثير من الشعراء الذين عُرِفوا بجزالتهم ومقدرتهم وقوتهم
الشعرية وكان لهم ثقلهم وهيبتهم الكبيرة قبل مجيء سويري، إلا أنه استطاع
في فترة قصيرة أن ينفرد ويتميّز ويشتهر اسمه بين الناس ويشيع شعره
في كل مكان، وأصبح بشخصيته الغريبة وسرواته الليلية هو مخيف الشعراء
واللغز الصعب الذي لم يكتشف أسراره حتى أقرب الناس منه، ويجمع أغلب
رواة سيرة حياة سويري على أن سويري تفوّق على الآخرين بجنونه وتمرده
وشخصيته الغريبة، فكان محط استغراب الجميع واندهاشهم وكان مادة غنية
لقصص الناس وأحاديثهم، ولعلّ نمط حياته الغريب هو السبب في استيعاب
التلفيقات والإشاعات والغرائب التي تسرد عنه، فكل مقصب كان له قصة
وكل رحلة كانت لها أكثر من رواية. (كل الشعراء كانوا يخافونه) هكذا
يقول حميد بن شوين المصلحي وهو أحد الرجال المعمّرين الذين يتجاوزون
التسعينيات ومن الذين عايشوا سويري لفترة طويلة وممن التقيناهم في
رحلة التحقيق والبحث.
وبعد وفاته أصبح سويري لغزا وسرا غامضا ما زال حتى اليوم فضاء واسعا
ورحبا لخيال الناس ولواقعيتهم أحيانا، يتحدثون عنه وكأنه المتنبي،
فبكونه الشاعر الكبير فهو الطبيب الذي يأتيه الناس من أماكن قصيّة
ليتشافوا على يديه، وهو المثقف والعالم البحر، ولقد حكى لنا: عامر
المصلحي وهو أحد المعمرين والمعاصرين لسويري قصته حينما لدغته إحدى
الزواحف واستمر ألمه وورمه فترة طويلة حتى مسح سويري على مكان الألم
وبعدها شفي تماما.. إنّ سويري أسطورة حقيقية!.
سبب تسميته بسويري
عَثرت رجولٍ فارقت أوطانها
لقّب شاعرنا بلقب سويري لأنه كان كثير الترحال والسفر والتنقل من مكان
إلى مكان آخر ليلا، حيث يكون معظم الناس نياما وآمنين في بيوتهم إلا
أنه لم يكن يعرف الخوف والوحشة من الطريق، كان يسري ليلا متملصا بخفة
من مصابيح الناس وتابعا بحماس صوت إيقاع الرزحة في قرية أخرى أو ربما
جالس في بطن الوادي بعيدا ووحيدا يفكّر إلى أين يسري هذه الليلة؟..
جميع الرواة يؤكدون سفر شاعرنا الدائم وأنه سافر إلى دول الخليج ومنها
السعودية ودبي في شبابه وإلى شرق إفريقيا والهند، كما أنه استقرّ لفترة
طويلة مع صديقه مبارك بن خاطر في ولاية بركاء بمنطقة الباطنة وله الكثير
من القصائد والرديّات وقصائد الميدان ما بينه ومبارك، لذلك فقد كان
كثير السفر من قريته ولا يستقر فيها سوى لفترات قصيرة، ومن المعروف
أنّه تزوّج مرة واحدة وأثمر هذا الزواج عن فتاة وحيدة، بينما توفت
زوجته وحبيبة قلبه التي نعاها بقصيدة جميلة. وحينما كنّا نجري حوارنا
مع صديقه وصهره - أخو زوجته الشايب (تون) كان الشايب (تون) لا يقول
زوجته بل يردد دائما بأنها هواه وحبيبته. ورغم ارتباطه الكبير بزوجته
إلا أنه كان دائم السفر والترحال، وقد جاءه خبر وفاتها وهو خارج الوادي.
وحينما سألنا صهره عن سبب تسميته بسويري أجاب بإيجاز لأنه "هوّاوي"،
وتحت هذه اللفظة المعبّرة تتجسد حياة سويري كاملة، فقد كان شاعرا مزاجيا
متمردا بوهيميا غريب الأطوار، عاش من الشعر ولأجله وظلّ وفيّا للكلمة
أينما ذهب، كتب في الغزل فكان فاتنا بوصفه، وكتب في الهجاء فكان شرسا
ولاذعا. وشاعرنا الذي لقب بسويري رفيق الليل والدروب الوعرة وابن الطبقة
البسيطة في مجتمع تلّفه الأعراف والتقاليد كان عالم زمانه ومثقف عصره
ومتنبي وقته كما يصرّ أهالي الوادي في أحاديثهم، فلقد عُرف عنه اتساع
علمه ومعرفته وإنه كان حافظا للقرآن الكريم ويجيد القراءة والكتابة،
كما تشهد بذلك قصائده الكثيرة التي تتضمن الكثير من قصص الأنبياء والأحداث
التاريخية المشهورة..
سويري في اللحد
شاورت قلبي وقـَتـْـلَه: شورك يا سعيد
أشوف روحي ناضره عظمانــها؟
بعد حياة طويلة من الغربة والسفر والشعر، عاد سويري إلى الوادي ليستقر
فيه ولا يبارحه، ولقد كان يعيش من شعره، فيذكرون الرواة أنه كان يكتب
قصائد مدح أو هجاء مقابل غداء يومه أو عشاء ليلته ولقد ذكروا الكثير
من القصص الطريفة في هذا الموضوع، كما تعرض للسجن عقابا له على استيلائه
على بلح نخيل أحد الشيوخ ولكنه استطاع بفطنته ودهائه أن يخرج من السجن،
حينما قال للقاضي إنه رجل كبير ولا يستطيع العمل وأن أسياده لم يعودوا
يهتمون به كما كان شابا ويافعا وقويا حينما خدمهم وعمل في أملاكهم،
فأمر القاضي أسياده بأن يوفروا له قوت يومه وبأن يراعوه ويهتموا به.
وبعد حياة طويلة من السفر والغربة والشعر انتقل شاعرنا إلى جوار ربه
بعد أن كان طريح الفراش في آخر أيامه ويحدثنا أحد معاصريه والذين حضروا
جنازة سويري وهو حميد المصلحي حيث يقول: حملنا الجنازة بعد صلاة المغرب
وسط حشد كبير من المشيعين، لقد كان لسويري أحباء وأصدقاء لا يحصون..
وللعلم أن قبر سويري يوجد في مقبرة الجبل ولا أحد يستطيع تحديده من
بين القبور الكثيرة التي تركت بلا شواهد ومعالم تدل على سكانها، ولكن
ذاكرة الناس وذاكرة المكان لم تنس سيرة شاعرنا رغم السنين التي مضت
منذ وفاته، وما زال الجميع يردد أبيات سويري وينشد أشعاره ويستدل بحكمته..
بطاقات حب وشكر
أثناء لقائي بمعاصري سويري من أهالي الوادي،
سردوا لي الكثير من القصص الجميلة عن الشاعر ولقد جمعت أكبر قدر من
القصص والحكايات التي يحفظها الرواة مدعمة بالقصائد التي قالها سويري
في نفس المناسبة وأغفلت كتابة الكثير من القصص الغريبة رغم طرافتها.
أشكر المصوّر الفنان محمد القرني على صحبته الرائعة للوادي مرتين متواليتين
فتجشم عناء الرحلة بروح مرحة وقلب كريم، ولا أنسى أهالي الوادي الكرماء
الذين التقوني بحب وفرح ومنهم من ذكرت أسماءهم في التحقيق ومن لم أذكر
أمثال: سنان المصلحي المسئول عن الأماكن والمرافق السياحية في الولاية،
كما أشكر الأخوة الشعراء خميس المقيمي وسالم بن سلطان السعدي على اقتراحاتهم
وتوجيهاتهم.
ملاحظة
الأبيات التي توزعت في التحقيق والقصائد أيضا
هي للشاعر سويري، ونقلتها كما رواها بعض أهالي المنطقة، ولقد وجدت
أن هناك اختلافا بسيطا ما بين راوٍ وآخر، لذا وجب التنويه.
همسة..
إلى المعنيين في الجهات الحكومية بأن تلتفت إلى
منزل الشاعر الكبير سويري بإعادة ترميمه وإعادة ملكيته إلى الدولة
وجعله وقفا للدولة والتنبؤ بأن يكون مزارا سياحيا للمهتمين بالأدب
والتراث الشعبي وبالشعر الشعبي في السلطنة وكلي ثقة بأنهم لن يبخلوا
بجهدهم في سبيل تنفيذ هذه الفكرة متى ما اقتنعوا بها.
أعلى
لؤلؤتان كانتا عيناه
لستُ أدري من ارتكبَ الآخر: العمى أم الأعمى؟
الخطأ أم الجنـّة؟ البذرة أم الثمرة؟. ينهض كأنه ريحٌ لا تـُرى، يقبضُ
على عينيه في قلبه. استنفارٌ أراهُ هناك يتمتـّـعُ باللطافة والمعجزة،
شيء ودود وشرس، تمثال عارٍ قرّر السيرَ بعد أن لفحته نعمة السعادة
الدفينة، وإشراقة الألم النبيل.
أرى فيه الصنعة التي لا تـُهادن، والفـِعلة التي لا تتصنـّع. خيمياء
خارقة تسيلُ فيه وترتصّ في تؤدة ومثابرة. أملٌ يخترق الظلام، ألم يخبط
عشوائياً وسديداً في الآن نفسه. ها هو يندلعُ كفنار، ويتضمخ رعشة طرية،
غير متلعثم قـُدّام السؤال. كـُلّه قلم، كـُلّه ظلام ينتصب كالمصابيح،
كـُلّـه شجرة نحيلة تعافُ أن لا تسهر على أغصانها وثمرتها، تخاف أن
تتيبس لو لم تفعل ذلك، تخاف أن لا تكون حلالاً لنفسها.
كـُلّه موسيقى متقطرة إليه من أسرار الخليقة، متفجرة من نداءات غير
مرئية غامضة. يرى بقدميهِ البحر والبستان، لذلك يعرفُ الأدلة، ويفهمه
الممشى. عند الفجر، ينسلّ مثل شبح معتكفٍ في نفسه، ذاهباً صوب البحر،
ليعود بعد طلوع الشمس بأقل من ساعة حاملاً الصيد الثمين للبيت. وبعد
أن يأكل شيئاً طفيفاً، ربما بضع رُطبات، يذهب ليلامس أشجار النخيل،
والأشجار الأخرى، التي تتوزع بين رمان ومانجو وبيذام وثلاث غافات ضخمة.
يعبئ الميكنة، كي يرتفع الماء بسهولة من البئر، ثم يحملُ اليد الحديدية
ليشغل بها الميكنة، فيتدفق الماء إلى الحوض الصغير.
يتبع السواقي، ساقية بعد أخرى، يغلق مجرى الماء هنا، ويفتح المجرى
الآخر، لأنه يتذكر أنه سقى هذا الجانب من الأشجار يوم أمس، وعليه أن
يسقي ناحية أخرى اليوم. يتماهى مع الماء الفضي المتدفق من جوف البئر،
والمتدفق في الساقية، يتماهى مع الصوت الحاد المنطلق من ميكنة الديزل،
في وسط الحقل، تلك الموسيقى الغليظة المترنحة التي تدقّ طبول السقاية
وخرير الماء. لكنه يلتقط صوت العصافير والغربان، ويتلصص برهافة لخطو
أي قادم من بعيد.
كم كنتُ عابثاُ حينها، وأنا أقتربُ منه بخفة على أطراف أصابعي، كي
لا أحدث أدنى صوت، ثم أقرِّبُ من أذنيهِ قشة طويلة من تلك التي تسقط
من أشجار الغاف. إنه ينتفض بحذر قبل أن تقترب منه القشة، ويصفن مستعداً
لمهاجمة النفـَـس المكتوم إلى جانبه. ألكزه قليلاً، ثم أعدو هارباً،
متملصاً إلى جهةٍ لا يتوقعها. هكذا، كثيراً ما كنتُ أمازحه، وهو يصيح
بي: من؟. من أنت؟. إنه يلعبُ لعبته هو الآخر، وهو يجيد اللعب بإيقاع
دقيق. لذلك، لا تنفعني حِيـَلي أحياناً؛ لأن انقضاضه المباغت يسبق
هروبي المبالِغَ في الثقة بنفسه. ورغم امتعاضه الشديد من هكذا تلاعب
بأعصابه، وهو المنقطع النظير في الشفافية والتأثر، فقد كان يسامح أخاه
الأصغر، ويغفر لي شقاوتي الصبيانية الخرقاء. ثم يأخذ، بعد أن يهدأ
قليلاً، في الحديث بمرح وانتشاء، متحدثاً بصوتٍ يتيم لا يثقب الأذن،
عن أشياء طفيفة ومعتادة، لكنها جديدة وطرية على لسانه. يمضي يومه في
العناية بالأشجار، وفي رعايتها، وإذا تعذر عليه شيء يسألني عما يمكن
أن أفعله هنا أو هناك، أو يستدعي أخاه الأكبر، كي ينهض بمهمة لا يستطيعها
هو.
الآن أفقه معنى الألفة مع الأشياء المحيطة بنا، فقد علمني هذا الأعمى
كيف أقترب من الجسد الهائل كأنه قطع فسيفسائية، من المتن كأنه تفاصيل،
وكيف تصير المزرعة الكبيرة بأشجارها وسياجها وتلافيفها وسواقيها وطيورها
وأحراشها وأشواكها ودكاتها، يصير ذلك كله في متناول تلك القدرة الصبورة
العنيدة البالغة الحساسية والتحدي. بل، وتعرفه الطرقات المتاخمة، ويعرفه
الدرب الذاهب جهة الشرق صوب الشاطيء. إنه يمارس نزهاته وعناقاته في
زمن خاص، حيث لا يقهره وقت الساعة ولا يخذله تقدمها أو تأخرها. وفي
اليوم الذي تهامس عنه إخوته الكبار مازحين، كشفوا وهم يقهقهون، أنه
قضى مع عشيقته، ابنة الجيران، نهاراً بأكمله، تحت ظلال الأشجار، حتى
أنها لم تستطع فكاكاً من رغبته المتعاظمة. وبالطبع، فإنهم كانوا يبالغون
في تهكمهم الضاحك، على مسمع منه، لكنهم محاطون بالاستغراب حقاً من
الفترة الزمنية التي قضاها في الحـُبّ، ولا ريب أنهم تلصصوا عليه من
بعيد.
عندما كان والده يطلق صيحات الاحتضار، كان هو يرتعش بحمى الحياة وتتمزق
أحشاؤه وتترضض، فيعوي هو الآخر وينتحب، ثم يقفز فوق أبيه، محتضناً
إيـّاه بقوة، كأنه يصارعه، كأنه يـُـصارع روحه التي تنطق بالرحيل؛
كي تبقى. متشبثاً بآخر أنفاس الحيّ كي لا يموت هو ذاته، وكي لا يدع
لجذوره كذلك أن تستسلم للغياب. لقد كنت أراهما عن كثب، أنا الطفل المنذور
لأن تدعني اللحظة بين فزع ذلك التقافز والارتماء المسرحيّين العنيفين،
وبين أن أشهد هذه المنازلة الثنائية مع شيء شبحيّ ثالث متعال ٍ لا
يـُرى بالعين اسمه الموت. كل قفزة تتشبث بالسراب، وكلّ صيحةٍ منذورة
للسخرية. فأنشج في ركني، ثم أهرب أهرب، قبل دقائق من المقصلة التي
تتنزلُ، وتخطف الروح المعذبة.
صالح العامري*
* كاتب عماني
أعلى
قـناعـة الـذات وتمـرّدهـا
قراءة في بيتين من الشعر القديم
استنطاق البنى العميقة للبيت الواحد قد يشكّل نّصاَ ذا وحدة دلالية
متكاملة
إن قراءة بيت شعري واحد في نصّ ما وفصله عن سياقه
الشعري، لا يعني بالضرورة إجحافا أو ظلما للنص، كما لا يعني بالضرورة
إهمالا لقضية الشاعر وتجربته، وإنما قد يحمل بيت واحد خلاصة القضية
أو التجربة ؛ بما يختزله من معان ودلالات تجعل بقية النص مجرد تكثيف
بالألفاظ والصور للقضية نفسها. إن طرح قضية البيت الواحد بمعزل عن
سياقه الشعري قد يجد رفـضا ويطرح إشكالية نقدية عند بعضهم ، إلا أننا
ننطلق من قناعة أن البيت الشعري الواحد داخل نصّ ما قد يشكل بكثافته
اللفظية والدلالية تجربة ، يمكنه أن يـتكوّن في الوعي الشعري بمعزل
عن سياقاته كتجربة خالدة ، لا سيما إذا كانت هذه التجربة
تتعلق بقضية فلسفية كقضية الموت وتـمرّد الذات في مواجهته. إن قضية
الموت فكرة مرعبة للإنسان في كل زمان ومكان وما دامت قضيته حتمية مطلقة،
فعلى المرء إيجاد وسيلة مناسبة لمواجهته. إن البيتين الشعريين اللذين
تناقشهما هذه القراءة منفصلان عن نصوصهما، لكن استنطاق البنى العميقة
للبيت الواحد قد يشكّل نّصاَ ذا وحدة دلالية متكاملة. فالأول للحُـصين
بن حُمام المرّي، وهو شاعر جاهلي مقـلّ ، يقول فيه :
تـأخـّرت ُ أستبقي الحياة فلم أجـدّ
لـنـفسي حـياة ًمثـل أن أتقـدّمـا
والثاني لعـمـرو بن معـد يكـرب ، وهو شاعر وفارس
مخضرم ، يقول فيه :
فجـاشتْ إلـيّ النـفسُ أولّ مـرّةٍ
ورُدّتْ على مكروهـها فاسـتقـرّتِ
ينطلق البيتان الشعريان من قضية واحدة نطلق عليها
" قضية الموت " ، فالموت بصفته فكرة مأساوية مجردة ، وعنصرا
فاعلا في الآخر ، يجعل الذات تخاف وتقلق منه ، وهذا الخوف أو القلق
يوجّه الذات إلى سلوك مباشر أو غير مباشر تجاهه . يحمل بيت الحـُصين
بن حُمام منذ فعله الأول كثافة درامية ، فالفعل " تأخرت "
يشي بتفكير درامي يسيطر على الذات في لحظةٍ ما ، وهذه اللحظة الزمنية
تتطلب من الشاعر حسم الموقف الراهن ، ونعني بذلك أن فعلا آخر سابقا
لهذا الفعل قد حـُجب عن القارئ في المقابل ، وهو التقدّم ، ليس التقدّم
الذي يصرّح به في نهاية البيت ، فهناك فعلا تقدّم ، الأول التقدّم
الذي حجبه الشاعر قبل لحظة قرار التأخر والذي فجّر حدوثه ، على أنه
حدث محجوب ، تفكيرا دراميا ، وكلا الفعلين ، الحاضر وهو " التأخر
" والغائب وهو " التقدّم " يحملان دلالتين للحياة والموت
، فالتأخر هو طلب الحياة ، بما يحمله معنى " أستبقي " من
اعتقادٍ بورود الموت ، إذ إن الحيّ يصبح ميتا باعتبار ما سيكون حتما
.وقضبة الموت آمن بها الشاعر الجاهلي أيـّما إيمان، يقول عدي بن زيد
العبادي :
لا أرى الموت يسبق الموتَ شيئا
نـغـّص الموتُ ذا الغـنى والفـقـيرا
أين أين الفـرارُ ممّا سيأتـي
لا أرى طائـرا نـجا بـأنْ يطـيـرا
ولنوضح القضية أكثر، فالتأخر يشكّل حياة بالنسبة
للشاعر وهذه الحياة تشكّل على صعيد آخر عنصرين متضادين، هما الحياة
والموت، الحياة على المستوى المادي والموت على المستوى القيمي والأخلاقي،
إذ إن الحياة على المستوى المادي في جبنها وفرارها من المواجهة يُـفرغها
من المعنى القيمي والأخلاقي في المجتمع العربي الجاهلي ؛ من هنا يمكننا
أن نفهم هذا التفكير الدرامي المتمثل عند الشاعر في " التقدّم"
الغائب و " التأخر " الحاضر الذي تحوّل في لحظة زمنية درامية
إلى " تـقـدّم " حاضر صرّح به في نهاية البيت ، وهو قرارٌ
انطلق من الوعي الشعري الجاهلي بقناعة مطلقة بسبب الالتحام الذي حدث
بين الشاعر والذات، إذ إن الصراع الذي يجب مواجهته هو إرادة الحياة
مع حتمية الموت. والتقدّم الحاضر الذي صرّح به الشاعر في نهاية البيت
يشكّل أيضا الحياة والموت، تشكّل الحياة المضادّة للموت حياتين اثنتين
، حياة على المستوى المادي في حالة النصر وحياة على المستوى القيمي
والأخلاقي في الوقت نفسه، ويشكّل الموت المضادّ للحياة حياة ً على
المستوى القيمي والأخلاقي في حالة الموت في المواجهة . أما التقدم
الغائب فهو يشكّل هذه المتناقضات جميعها إذا إنه يعيش لحظة مخاض درامية
بين مفاهيم التأخر والتقدّم الحاضرين. أما القضية في بيت عمرو بن معد
يكرب فنلاحظ منذ الفعل الأول للبيت " فجاشتْ " الانفصال
بين الشاعر والذات ممّا ولّد صراعا دراميّا ، والحديث عن الفعل "
فجاشت " هو الحديث نفسه عن الفعل " تأخرت " في البيت
السابق ، على أن فعلا محجوبا سبق هذا الفعل ، إلا أن الفعل الذي أطلقه
وعي الشاعر الثاني كان أكثر كثافة درامية لانفصال الضمير تاء التأنيث
الساكنة التي تعود إلى "النفس" والضمير الياء في "إلىّ"
التي تعود إلى الشاعر، وهذا ما جعلنا نطلق عليه صراعا دراميّا، فالأفعال
" فجاشت " و " رُدّتْ " و " استقرّت "
كلها تـُوحي بانفصال الذات عن الشاعر، حتى على المستوى الشكلي للبيت
نجد أن البيت انقسم في شطرَيـْه بين تمرّد الذات ومحاولة الشاعر قمعها
وإرغامها على المواجهة، وأقول قمعا ً لأنّ جيشان النفس وتمرّدها وانفصالها
في موقف كهذا يتطلّب حسما مباشرا وسريعا حتى تلتحم بصاحبها؛ ليتجاوز
الشاعر واقعه، فالانفصال يولّد الجبن والخوف وبذا قد يحدث الفرار من
المواجهة، ولعلّ اللحظة الزمنية التي عالج فيها الشاعر صراعه الدرامي
كانت أطول من تلك اللحظة التي عالج فيها شاعرنا الأول درامـيّـته؛
لتمّرد الذات وانفصالها عن الشاعر ومحاولة الأخير ردّ التمّرد بالإكراه
على مواجهة الموت. فالقناعة القيميّة التي انطلق منها شاعرنا عمرو
للمواجهة كانت أحاديّة لأن قرار الاستقرار كان من جانب واحد، أما الذات
فقد أُرغِمت عليه على كرهها له، فقد أسقط الشاعر الجبن والخوف على
النفس، فاصلا بينه وبين ذاته، بينما لم يفعل الحصين ذلك، فقد كان الحصين
وذاته واحدا بسبب التحامهما معا، وهذا يلاحظ في عودة الضمائر إلى الشاعر
نفسه "تأخرت " و"فلم أجد" و" لنفسي"
و" أتقدما" فقد كان الاستقرار والثبات في المواجهة عند الشاعرين
واحدا لكنّ الوصول إلى هذا الاستقرار عندهما كان مختلفا. ومن ثـَمّ
فإن الوعي الشعري في بيت الحصين يتـّجه إلى الامتداد بفكر المتلقي
وتشويقه ويضعه في دائرة الجاذبية والانتظار، فالتأخـّر لاستبقاء الحياة
والبحث عن حياة أخرى مختلفة، كلـّها تبعث لدى المتلقي امتدادا فكريا
وتخضعه في دائرة الجاذبية والانتظار ، انتظار القناعة التي يستقر عليها
الوعي الشعري ، إذ يفجـّر الفعل " أتـقـدّما " عنصر المفاجأة
في نهاية البيت ليـُفـْرغ عند المتلقي الشحنة الدرامية التي كانت قد
بعثتها تلك الجاذبية، ولذا فإن بيت الحصين وضع المتلقي في دائرة المشاركة
ممـّا أكسبه تعاطفه فالتعاطف عند المتلقى جاء نتيجة الصراع الناشيء
من المفاهيم التي اختزلتها أفعال التقدم الغائب والتأخر والتقدم الحاضر،
وهذا الأخير هو بؤرة الانفجار العاطفي، في حين أن بيت عمرو بن معد
يكرب لا يضعـنا في تلك الجاذبية والانتظار، فالفعل " فجاشت "
الذي أطلقه الوعي الشعري في بداية البيت ولـّد في المتلقي صراعا دراميـّا
هذا مؤكّد، لكنّ هذا الصراع سرعان ما خفـّت حدته بمجرّد أن أطلق الشاعر
في الشطر نفسه " أول مـرّة " فتحوّل المتلقي من دور الانتظار
والمشاركة إلى دور المراقبة ليس غير ، فالشطر الثاني لا يحمل تلك المفاجأة
التي حملها بيت الحصين لأن القضية أصبحت محسومة وأن
التحوّل، لا شكّ، حاصلٌ، وما تبقـّى في ذهن المتلقي للمتابعة هو مراقبة
طريقة التحوّل، وطريقة التحوّل هذه لم تولـّد في ذهنه مفاجأة؛ لأن
" أول مرّة " التي أطلقها الشاعر في شطر البيت ألغـت دائرة
الجاذبية والانتظار، فضلا عن أن عبارة " رُدّت على مكروهها "
ألغـت عنصر التعاطف لدى القارئ في نتيجة الاستقرار لأن الانطلاق لم
يكن من قناعة قيمية خالصة لدى الذات الشاعرة وإنما بسبب ممارسة الشاعر
للقمع والإكراه للوصول إلى هذا الاستقرار .
د.حمود الدغيشي*
* أكاديمي
أعلى
للصورة بعدان
مسافرون
على منصة كلية العلوم التطبيقية في نزوى قدمت
جماعة المسرح عرضها المتميز "مسافرون" الفائز بأفضل عرض
متكامل في الملتقى الطلابي التاسع لكليات العلوم التطبيقية في صلالة.
مؤلف النص الكاتب القطري (صلاح المناعي)، وأعدّ النص وأخرجه (سعيد
البوسعيدي) أما بطولة العرض المسرحي فقد شارك فيها كل من الفنانين
الشباب: (محمود الهاشمي، ناصر الحوسني، فيصل العوفي، خميس أمبوسعيدي،
وعواطف العامري)، وشكّل المجاميع والديكور البشري (صالح الحنيني، وحيد
المنذري، أحمد الغفيلي، سلطان الشكيلي، سلطان الريامي، إبراهيم الشريقي،
محفوظة المالكي، وسعاد العلوي). وبعد هذا التقديم أسأل نفسي: لماذا
حصل هذا العرض على جائزة أفضل عرض متكامل؟ الجواب ببساطة يكمن في عبارة
كُتبت على "البانفليت" كنوع من الإعلان عن اشتغال في ظني
ليس جديدا تماما على منصة المسرح العماني تقول: "لأول مرة في
السلطنة استخدام الديكور البشري مع المجاميع" وهي جملة لها دلالتها،
كما أن لها ما يفسرها. ليس من قبيل المجاملة أن أمتدح هذا العرض، لكوني
لا أجيد هذا الفن على الإطلاق. وما يستحق أن يقال بكلمات موجزة ومعبرة؛
هي أن عرض "مسافرون" كان يستحق تلك الجائزة، التي يُتنافس
عليها في كل المهرجانات المسرحية في الخليج. فأن يحصل عرض مسرحي على
مثل هذه الجائزة يعني الكثير لدى المتنافسين، ولعلّ أهم ما يُعنيه،
ويشير إليه أن العرض بكل طاقمه استطاع بوضوح لا يَقبل الشك استغلال
المنصة كاملة استغلالا مدروسا، وأن كل الممثلين قد شاركوا في الصعود
بالفعل المسرحي، وفق رؤية إخراجية مرسومة بدقة وفهم ووعي وعشق للمنصة.
وهذا ما يُقصد به جائزة أفضل عرض متكامل في تقديري المتواضع، وإذا
كان هناك أي تفسير آخر، فأحسب أنني أتناساه عمدا!
كنت قد أشرت في البداية إلى أن اشتغال المنصة في عمان على المجاميع
البشرية كديكور يُحرّك الفعل المسرحي ليس جديدا تماما؛ فإذا كانت معلوماتي
صحيحة، لدينا بعض التجارب القليلة، أذكر منهما تجربتين للمخرجيَّن
(جاسم البطاشي، وعماد الشنفري) فهما من المخرجين القلائل الذين يعتمدون
على تغذية عروضهم المسرحية بالمجاميع البشرية، الأول يولع بالتجريب
حتى التطرف، والثاني يولع بالفرجة حتى منتهاها، وهما مسرحيان يجب الوقوف
عند تجاربهما المسرحية في شيء من الدراسة النقدية. لكن ما قدمه المخرج
(سعيد البوسعيدي) يُعدّ أكثر تقدما بالنسبة لمن سبقه، فمن يشاهد العرض
يمكنه أن يستنتج تلك الدلالة.
يُعدّ استثمار الجسد البشري كديكور على المنصة أحد إيجابيات المسرح
المعاصر، لكن يُشترك فيه شيء من القدامة أو العتاقة. منبع تلك القدامة
هو استثمار جسد الممثل كاملا، ولا يخفى على المهتمين بالمسرح أنّ جسد
الممثل في المسرح التعبيري هو الركيزة الأساسية، وما فن البانتومايم
إلا شكلا أبديا من أشكال هذا الاشتغال، والبحث عن هوية أصيلة للمسرح،
ولستُ معنية ببحث هذه الهوية لأنها لا تضيف شيئا! أما تأكيد المعاصرة
متجاوزة للقدامة إنما تتحرك في رغبة الفن المسرحي التحرك ضمن إمكانيات
المنصة المتاحة بقدر يسير من الديكور المادي والإكسسوارات الحديثة
والأصوات المرّكبة بتقنية الديجيتال، لاكتشاف مسألتين هما: تشكيل الفراغ
المسرحي للزمن، ومدى وعي المخرج والسينوغرافي بجسد الممثل. في المسألة
الأولى تتداعى نقاط كثيرة لعلّ أقربها لذاكرتي شكل المكان على المنصة،
ومدى علاقة المجاميع البشرية بالحيز الذي تتحرك فيه. بمعنى آخر أبحث
في "الكيفية" وفي "التخطية"؛ ما الكيفية التي
قرأ بها مُعِّد النص للإخراج، ليس النص الأصلي، وإنما المجاميع البشرية؟
هل قرأها بكيفية أراد بها تخطي مفهوم تقليدي للعرض المسرحي لتأسيس
مفهوم مسرحي تندمج فيه كل عناصر العرض في لغة الجسد أو لغات المجاميع
البشرية؟ سأفترض أن الكيفية التي قرأ بها المعّد والمخرج أجساد المجاميع
لغة تخصه وحده وهذا جدلا كلام مفروغ منه، ولكن ثمة قصور واضح تخلل
الكيفية. شخصيا كنت مستمتعة بالتجربة، وبدا واضح جهد الشباب دون استثناء،
وودت أن لا يُعكر متعتي تلك شيء كبير، فقد وجدت نفسي أتحسس من عدم
وضوح الكيفية التي تفصل بين المكان والديكور البشري، فقد شعرت للحظات
بفقدان المخرج سيطرته على المنصة، فتداخل الديكور البشري مع فضاء المكان،
ليوحي برمزية قاتلة وقاتمة، إشكالها الحقيقي كان في النصّ قبل كل شيء،
وفي تواضع البحث الفلسفي لمفاهيم المكان والزمان، بعيدا قبل كل شيء
عن السينوغرافيا من جهة، وتواضع البحث السينوغرافي لدى من ساهم في
تشكيل فضاء السينوغرافيا (المعتصم الشقصي، محمد الرواحي) في تشكيل
الإضاءة، و(هاني الغطريقي) في تشكيل الصوتيات، و(يعقوب المحروقي، عبد
العزيز السنيدي، عبير العامري، وسمية العامري) تصميم الديكور والإكسسوارات
والملابس.
في مسرحنا العماني هناك كتابات أخذت تتجه البحث عن شكل مختلف من الكتابة،
تنتح من مدارس فكرية ومذاهب وأيديولوجيات متشابكة، وتُعدّ النظرية
الرمزية أحد هذه المدارس الفكرية، ولم يقتصر ذلك الأخذ على النص المسرحي،
بل تسلل إلى مجاميع القصة القصيرة أيضا، لاسيما، بعض المجاميع التي
صدرت مؤخرا، في مسقط عاصمة للثقافة العربية 2006م. وإذا كان إشكال
النظرية الرمزية قد أفلس وتراجع عند مؤسسيه ورواده الشعراء من أمثال
(رامبو، فيرلين،لوتريامون) لكن عوالم الرمزية تبدو عميقة في نفوس المقلدين
الكبار قبل المتأثرين بهم من الصغار! وحظي المسرح بتلك الرمزية الإنحطاطية
المتدهورة، وأخذ يجرب كتابتها كل من يريد أن يجرب أي شيء في أي مكان،
خوفا من مقص الرقيب إدعاءً؛ لأن الحقيقة التي لا يريد أن يُجهر بها
هي الخلط وعدم الفهم.
"مسافرون" النصّ المعّد للعرض يؤكدُ هذه الحقيقة. شخصيا،
كل أشكال التجريب حلال عندي، لكنّ لا بأس من التشديد على مفهوم التجريب،
إن على صعيد الكتابة أو الإخراج. فالخلط واضح بين تجريب مدروس قائم
على أسس فنية ومواقف فكرية واضحة، وبين تجريب هو من نوع حمل بطيختين
في يد واحدة! يبدأ المنظر في النصّ المُعِّد بهذا الوصف: "مسرح
خاوي من أي شيء، عبارة عن مسرح عبثي لا يدلل على وقت أو مكان معينين"
أستطيع أن أفهم أن لغة فضاء المنصة السابقة تريد أن تنقلنا إلى خارج
الزمان والمكان، لنحلق مع الشخصيات في زمنها الداخلي ومكانها الخاص
فقط، لكنني لا أستطيع أن أستوعب أن مسرح اللامعقول أو العبث كما جرت
الترجمة يُقصد به أن يُخدر المتفرج، وأن يشيع الأوهام والعذابات النفسية
الداخلية للشخصيات وانحلال العواطف، وأن يدفع بالمتفرج إلى تقبل العالم
كما هو!
ضمن هذه الرؤية المعّدة للنصّ الأصلي، غرقتُ في الرمزية، التي غرق
فيها كما أظن المخرج قبلي، وأن الرسالة التي أراد المخرج أن تصل للمتفرج،
أظنها قد وصلت متعثرة على ضفاف بعيدة جدا عن همومه، رسالة متحاشية
الواقع، كما سعت الرمزية إلى ذلك، فانتهت بمجاميع الرمزيين إلى طريق
مسدود.
آمنة الربيع
shdageeny@yahoo.com
أعلى
|