الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 


مبتدأ
أفق






مبتدأ
12

ابتداء من العدد القادم من (أشرعة) ندخل في رهان جديد، إنه رهان العدد 12 بما له من تبعات وتحديات وحمولات تاريخية وأسطورية.
انطلقت (أِشرعة) بثماني صفحات، وواصلت طريقها بثبات وثقة، بعون من المولى سبحانه وتعالى، ثم بالاحتفاء الحميمي والدعم والتواصل الخلاق الذي حظيت به من قبل المثقفين والمبدعين في هذا البلد.
نظرا لهذا الاحتفاء، وتقديرا لدور المبدع، وتفاعلا مع متطلبات الساحة الثقافية لدينا، فقد ارتأت (الوطن) زيادة عدد صفحات (أشرعة) بمقدار نصف العدد السابق، لتصبح 12 صفحة بدلا من 8 صفحات، اعتبارا من العدد القادم، من أجل الارتقاء معا بالعمل الثقافي، وإعطاء المثقف المساحة التي يستحقها من عملنا الصحفي، الذي يهدف إلى إبراز الوجه الحضاري المشرق لهذا البلد وتاريخه وما يعيشه من نهضة ثقافية كبيرة، تحفل بالكثير من الأسماء الهامة والبارزة في مختلف مجالات الثقافة والتعبير الإبداعي.
وبذلك ينضم أشرعة إلى زميليه ملحقي الوطن الاقتصادي والوطن الرياضي وكل منهما 12 صفحة أيضا.
وإذ نرفع عدد صفحاتنا إلى هذا العدد يتبدى لنا ذلك السحر الغامض للعد 12 عبر التاريخ ولدى مختلف الحضارات والشعوب.
فالبابليون قسموا دائرة البروج إلى 12 برجا، وكانوا يقرنون كل شهر من شهور السنة بِبُرْج من الأبراج . وكُتِبت ملحمة جلجاميش على 12 لوحا بالخط المسماري. أما المصريون فقد لاحظوا أن بداية الفيضان كانت تتكرر سنويا، أي في المتوسط كل 365 يوما، ولهذا قسموا سنتهم 12 شهرا كل منها 30 يوما.
اليونان يعتبرون جبل الأولمب مقرّا لآلهتهم وعددها 12 بزعامة زوس. وجاء في الميثولوجيا اليونانية أن هرقل قام باثني عشر عملا للحصول على نعمة الخلود يُطلق عليها "أعمال هرقل". الرومانيون من جهتهم يبلغ عدد آلهتهم اثني عشر إلها أيضا، وهي بزعامة جوبيتير. وقصيدة الإنيادة الملحمية التي ألفها الشاعر فرجيل تقع في 12 بابا.
المانَوِيّون يرون أن مؤسس الديانة المانوية ماني أتاه الوحي من ملك جنان النور لمّا أتم الثانية عشرة من عمره. وكان للقاضي في الكنيسة المانوية 12 درجة. الهنود أيضا يقسمون السنة إلى 12 شهرا في 6 فصول . ووفقا للمهابهاراتا الهندية فإنه تظهر 12 شمسا في السماء، وتجفف البحار، وتحرق الأرض، ثم تمطر السماوات من دون توقف 12 سنة متتالية حتى تفنى الإنسانية .
الصينيون كذلك قسّموا السنة إلى 12 شهرا. ويضمّ تَطوُّر العالم لديهم 12 مرحلة من 18100 عام. أما الفرس فيرون أن العالم يستمرّ اثني عشر ملْيار عام.
هذا مجرد القليل الذي تذكره الكتب والتواريخ والأساطير عن أسرار الرقم 12، ما يؤكد على ما أشرنا إليه في مطلع هذا المقال من الجاذبية الخاصة لهذا الرقم الساحر .. فليكن إذن رقم التميز والمغايرة في صفحات (أشرعة).

حسن المطروشي

أعلى




عادت من الموت

كانت بجانبه في المقعد الآخر من السيارة، أصر أن يشابك أيديهما، بدا كأنه أكبر سناً بوقاره و أصغر سناً بجنونه وبدت كأنها خفيفة كالسحاب بشغفها ورصينة كالجبال بتمنعها... ترتفع أصداء ضحكاتهما معاً، تحس بيده تضغط على أصابعها فتميل على كتفه قليلاً...ترى نفسها فجأة في احد المحلات، مازالت تحس بقبضة يده، يتعرق جسدها كثيراً ويضطرب تنفسها فتضغط على يده وتشدها، يلتفت إليها ليجدها سقطت على الأرض مغشياً عليها... كانت تراه بوضوح رغم أن عينيها مغلقتان وكأن حاجبيها أصبحا شفافين تستطيع الرؤية بوضوح من خلالهما، ترى شفتيه يناديانها ولكنها لا تسمع، كانت بين عالم الوعي و اللاوعي ترى وعيناها مغلقتان ولا تسمع وأذناها مفتوحتان. حاول طرق خدها بكفه لكنها لا تحس به، أرادت أن تنهض من غفلتها تلك ولكن جسدها لا يستجيب لها حتى لسانها خانها... خافت من أن تكون قد توفت ولكن لايوجد ملائكة، إذاً مازالت هنا لكنها تتداخل في عالمين في وقت واحد... رأت فتاة المحل تعطيه كأس ماء ليرش منه على وجهها، ينظر إليها باستغراب فيستبخل بالماء ويروي به ظمأه ثم رمى الكأس من يده فتحطم بجانبها وتناثرت شظاياه حولها... لقد رأته حين بخل بالماء عليها وعدل عن فكرة سقيها منه وقام بشربه لكنها لا تستطيع أن تنطق، صارت لا تملك جسدها، بحثت له عن سبب أو عذر ولم تجد، ظلت عيناها مشدوهتين تلاحقانه في أرجاء المحل وحاجبها الشفاف مازال مغلقا. رأته يجلس على طاولة مكتب الفتاة ويداعب وجهها بيده.. تحرقها الغيرة والألم معاً وجسدها مازال لا يستجيب. حاولت كثيراً لكنه ظل ساكنا، حتى دموعها جمدت في أحداقها ولم تتدحرج...أحضرت فتاة المحل شراباً في كأس صغير فسكب منه بالملعقة في فمها طعمه كالنشا لكنها لا تعرف ما هو، انتفض جسدها وتلوت لكنه لم يلحظها كان مشغولا بفتاته الجديدة... استجمعت قواها ونهضت، مشت باتجاههما كمن بعث من قبره وعاد من الموت، عيناها زائغتان وجسدها أصفر شاحب تمشي بتخبط لكنها لاتزال شاردة الذهن.. مدت يدها إلى كتفه فأدار ظهره فرآها واقفة غير متزنة خلفه، أرادت أن تخبره بأنها رأت خيانته لها.. رأت حقيقة حبه لها.. رأته حينما استرجع كأس الماء قبل أن يلامس شفتيها ليروي ظمأه ثم كسره، لكنها لم تستطع ربما لم ترغب أن تكسره هو في داخلها وهي التي لم تستعد بعد... أخبرته بأنها ستنتظره في السيارة و أخبرها بأنه سيلحق بها بعد قليل، بحثت عن نعليها فلم تجدهما فمشت حافية القدمين وداست على الزجاج دون أن تدرك، أخذت مفتاح السيارة في يدها.. وقفت حائرة هل ستكون السائق وبذلك يعني أنها استغنت عنه في حياتها أم ستركب في المقعد الآخر وتخاف أن يطول انتظارها له، تراجعت عن السيارة وجلست مستندة على حائط يقربها، أقفلت عينيها برهة فلم تستيقظ إلا في صباح اليوم التالي. لا تزال في نفس المكان، تساءلت في نفسها لماذا لم تنم داخل السيارة حيث ستكون بأمان أكثر، ماذا لو تخطفتها الذئاب؟.. تذكرته فجأة فأدارت رأسها إلى المحل رأت نافذته كأنها نافذة منزل تنسدل منها ستائر مزركشة ورأته لا يزال قابعا في طاولته يداعب خد فتاة المحل بأصابعه... صوت قوي ينتشلها من حلمها لتجد نفسها في سريرها غارقة في عرقها وتحس بظمأ شديد وجفاف في حلقها، تجرعت ريقها فاستطعمت النشا، مدت يدها إلى الكأس الذي بجانب سريرها لتشرب فوجدت الكأس مكسورا ولا أثر للماء، وبعضاً من قطرات الدم على حافة السرير.

دارين العبري*
* قاصة عمانية

أعلى





زهـرة زُوريـكـا

تنقصني الدراية والفن المنظور(ي)
كتابا أكلته الرمّة في عامي الخامس

سمعتُ الريح تقول روَّح الشتاء
فتأملتُ زهرة تصلي
أمام ملائكة الغروب

شوَّقتُ باتجاه الشوق ولم أصل

وما يُضيرني إن الله ابتلاني
لا غُفران لكَ ولا شكور
يا صاحب "لا غُفران لكَ ولا شكور"
هذا شِعر ردده نيتشه في صباه
لشاعر مجهول

أصمتْ....
القدر فلذة
والشِعر أقبح من الجمال

أكلما نحتَ سرابا
بان من تحته سرابا
كالإنسان حين يتوفى
أولها ظلمة
وآخرها دنيا الله الواسعة

شوَّقتُ باتجاه الشوق ولم أصل

قصائد تسكنني
لأنني سأنام يوما طريح الفراش
مثل شادن دامع أمام أُم شادن

لماذا يا زوريكا!؟
فحلقتين من فضة تكفيني
لأنام مثلما تنامين
وستصفـِّرُ الريح ثانية
أمامها في الشتاء
يا رائحة ثياب مكنونة

عجبا زوريكا
القصائد رماد .. رماد
اللغة جُدري
فلماذا تمحين مثل التلاميذ أخطاء اللغة
وكأن اللغة نفسها ليست خطيئة!؟

من جاء قبل؟
الشِعر.. الفلسفة
أم الأطفال .. فلاسفة الشِعر

شوَّقتُ باتجاه الشوق ولم أصل

ما لي والشِعر
زهرة مسمومة
سَقم .. سَقم

شفتكِ رحِم شِعري
أعتق من النبيذ
أغرورق من الدمع
أغوى من الغواية
أزكى من الحَلمة
ألعن من القدر
موقد دفء وشُرفة نعيم
بلاد على مد الأسى
أيتها الجمال الأعمى

ناوليني يديك زوريكا
لنرقص رقـْصَ صَـفـَين
كما في العهد القديم
لنرقص رقصة أشد عودا من الشِعر
أعلى ..
أعلى ..
أعلى ..
أعلى ..
حتى منبع العطر والمطر
حتى حيّة تلدغ زهرة

شوَّقتُ باتجاه الشوق ولم أصل

زوريكا
زوريكا
نسيتِ الزهرة

أين ذهبتْ!؟


لوحة تشكيلية للفنان عبد المجيد شمبيه


أستراليا 2005

أعلى



المكتبات الثقافية ودورها في المجتمع

قدر للإنسان قبل آلاف السنين أن يدون ملاحظاته بواسطة الرسم على جدران الكهوف والمغارات فحفظ لنا بذلك شيئا من مظاهر الحياة التي كانت تحيط به ، وعندما تطورت الكتابة استنبط وسائل أكثر موافقة ومناسبة لتسجيل تاريخه ثم كان من الطبيعي أن يعنى بجمع هذه الوثائق التي يدونها وان يهتم بالمحافظة عليها .
ومن هنا ظهرت المكتبات وتطورت على مر العصور وظهرت مكتبات عكست مدى الرقي الذي بلغته تلك الأمم في ضوء اعتنائها بالمكتبات كمكتبة الإسكندرية في عهد الحضارة اليونانية، ومكتبة بيت الحكمة التي بنيت في عهد هارون الرشيد وقد بلغ نشاط بيت الحكمة ذروته في عهد الخليفة المأمون التي كانت مركزاً مهماً لترجمة الكتب التي جمعها المسلمون من خزائن الكتب في مختلف أرجاء العالم ...وغيرها من المكتبات التي ساهمت بدور كبير في بناء الحضارات ورقيها .
تعتبر المكتبات الثقافية من أهم المؤسسات التي تفخر بها المجتمعات وتسعى جاهدة إلى تطويرها ، لما كان لها من دور بارز في نشر المعرفة والثقافة بين أفراد المجتمع ، فالمكتبات الثقافية هي الدعائم الأساسية التي تشاد عليها صروح العلم والثقافة والحضارة والمعرفة والتربية وهي الينبوع الذي يغذي تقدم الأمم والحضارات بماء الحياة والبقاء ، وبكثرة المكتبات وما تلقاه من رعاية واهتمام يقاس رقي الأمة أو تأخرها .
لقد أدى وجود المكتبات الثقافية إلى إحساس المواطن بان له الحق في تثقيف نفسه في جميع مراحل حياته ، ولهذا فقد أكدت اليونسكو على أهمية المكتبات وعلى أنها قوة حيوية للتربية والثقافة والعلوم وأن مسؤولية تأسيسها وتمويلها ورعايتها من واجبات الحكومة.
وتهدف المكتبات الثقافية إلى إتاحة فرصة الثقافة المستمرة للجمهور في جو حر ، فالمكتبة الثقافية تعد مركزاً للحياة الفكرية والثقافية والاجتماعية للمجتمع المحيط الذي تخدمه من خلال توفير ما هو مناسب من مصادر علمية وذلك بهدف الرقي بأفكار المواطن وثقافته وأخلاقياته ومن أجل تطويره علميا ومهنيا واستغلال أوقات فراغه في مجالات وأنشطة ايجابية.
ولكن رغم الدور البارز الذي تلعبه المكتبات الثقافية في تنمية ثقافة الشعوب إلا أننا نلاحظ أنها تعاني من بعض المشاكل وخاصة في عالمنا العربي كقلة النشر العلمي وضعف الإمكانات المادية المسخرة لذلك و قلة المشاركة في مصادر المعلومات بين المكتبات الثقافية ومراكز المعلومات المختلفة مما يقلل من فاعليتها واقتصارها على المجتمع المحيط دون تخطي الحواجز الجغرافية لتلبية أكبر عدد ممكن من احتياجات المستفيدين.
ولهذا كان من الضروري توفير كل الإمكانات للنهوض بالمكتبات الثقافية من أجل ثقافة شعبية منظمة تخدم كل الفئات والمجتمع .

هلال بن سالم المشيفري*
*أخصائي مكتبة ثقافية _ وزارة الإعلام

أعلى




الحكاية الشعبية

تأخذ الحكاية الشعبية إطار الجلسة الجماعيــة ما بيــن الراوي والذي عــادة ما يكون كبيراً في السـن وبين المتلقي وهم الأطفال في الوقت الحاضر بدأت الحكاية الشعبية في التلاشي لوجود الأجهزة الحديثة التي تتنوع فيها كافة الحكايات المصورة.

الحكاية الشعبية في السلطنة تشغل حيزاً واسعاً من الساحة الأدبية العمانية المليئة بألوان الأدب المتعددة ؛ ولعل اهتمام بعض الأدباء العمانيين بالكتابة في الحكاية الشعبية أو ( القصة الشعبية ) يأتي رغبة منهم في إحياء تلك القصص أو الحكايات الشعبية التي كانت وما زالت تروى للأطفال ؛ وهو ما يدل على عمق وتميّز فكر المثقف العماني بخيال واسع يستطيع ترجمته إلى قصة خيالية في روايتها أو حقيقية في كثير من المرات ؛ واقعية في جوهرها وأهدافها ومغزاها وأحداثها الشيقة التي تتخلل روايتها ؛ فما من حكاية شعبية إلا ويسبقها تمعن في اختيار ألفاظها وكلماتها والدقة في معناها وسهولة مصطلحاتها التعبيرية والتي لا بد أن تكون قريبة جداً من ذهن المستمع إليها لكونها تروى لمستمع صغير السن ؛ فهو طفل لا يزيد عمره على عشر سنوات تقريباً .
الحكاية الشعبية هي عبارة عن قصة قصيرة مسلية تهدف إلى إيجاد نوع من الخيال الواسع لدى الأطفال يتمعنون من خلالها بمفردات تلك القصة لتولد معهم نوعاً من حب الإطلاع على خفايا كثيرة في الحياة تؤهلهم ليكونوا معتمدين على أنفسهم في المستقبل لاتخاذ قراراتهم المتعلقة بهم ؛ فالحكاية الشعبية بشكل عام تأخذ في طابعها إطار الجلسة الجماعيــة ما بيــن راوي الحكايــة والذي عــادة ما يكون كبيراً في السـن مثــل ( الجد أو الجدة أو الأب أو الأم ) والذين أخذوا من آبائهم وأجدادهم السابقين تلك الحكايات ؛ وبين متلقي رواية الحكاية وهم الأطفال ( البراعم اليانعة ) الذين يأخذون بالتمعن في كل مفردة من مفردات تلك الحكاية من أجل أن يدركوا معانيها وما تتضمنه من إرشادات وعبر وأهداف ونصائح تربوية يتقيدون بها في حياتهم .
إن الحكاية الشعبية بطبيعتها تنبع عادة من تراث وعادات وتقاليد وتاريخ مجتمع معين له ارتباط وثيق بتلك الحكاية ؛ ففي السلطنة تتناول القصص الشعبية مواضيع الرحلات البحرية والمغامرات التي كان يمخر بها البحارة عباب البحار والمحيطات لتحقيق أهداف أو غايات معينة تتمثل في انتصار عسكري أو تجارة رابحة أو نشر الإسلام ؛ كما تتناول جوانب أخرى مثل الصفات والأخلاق الحميدة والمواقف البطولية للإنسان العماني والعلاقة ما بين الإنسان وأرضه وتمسكه بدينه وعاداته وتقاليده وتاريخه المتوارث من جيل إلى جيل ؛ وعادة ما تأخذ رواية الحكاية الشعبية أسلوباً حماسياً تشجع المتلقي لأخذ المزيد والوصول إلى نهاية القصة ومعرفة أدق تفاصيلها وأبطالها .
أما عن كيفية سرد هذه القصص فيبدأ الراوي ( راوي الحكاية ) بعبارة ( كان يا ما كان في سالف العصر والأوان ؛ كان هناك ... ) لتبدأ بعدها تفاصيل الحكاية ؛ وما أن يبدأ الراوي برواية قصته إلا وتجد جميع الأطفال جالسين يستمعون ويتتبعون أحداثها وتفاصيلها؛ أما إذا ما توقف الراوي عن الحديث ؛ تداركه الأطفال بقولهـم ( هيا واصل .. ويش استوى بعد ذلك ) ليرد عليهم الراوي بقوله لهم ( على مهلكم يا أولاد ؛ دعوني أجمع حبال أفكاري يا أحبابي ) ليواصل حينها حكايته سارداً للأطفال تفاصيلها ؛ وما أن رأى الأطفال قد انسجموا معه حتى توقف حديثه بقوله ( وكذا بتوقف هنا ونكمّل بكره وتذكروا يا أطفال يا طيبين وين واقفين ) ويتبعها بعبارة تتلاءم وأوقات رواية الحكاية كقوله ( روحوا لعبوا ) إذا كان موعد روايتها يتلاءم مع وقت اللعب أو (روحوا ذاكروا ) إذا كان موعد روايتها يتلاءم مع وقت المذاكرة أو ( روحوا ناموا أو تصبحون على خير) إذا كان موعد روايتها يتلاءم مع وقت النوم ؛ وعادة لا تتجاوز رواية الحكاية الشعبية عن عشر دقائق في اليوم الواحد وذلك بهدف إيجاد نوع من التفكير لدى الأطفال ليحاولوا وضع تكملة لتلك الحكاية بأنفسهم كلٌ بمفرده وليعرفوا نهاية تلك الحكاية ؛ ويأتي اليوم التالي لرواية القصة ويحين موعد تكملة الحكاية وربما يكون الراوي ناسياً روايتها إلا أن الأطفال يذكرونّه ويخبرونه عن موضع توقفه للحكاية في اليوم الأول ؛ ليبدأ من جديد مواصلة ما تبقى من تفاصيل الحكاية إلى أن ينتهي منها ؛ وهكذا كل يوم .
وعادة عندما تنتهي الحكاية الشعبية يبدأ الأطفال بمناقشة الراوي في بعض المصطلحات والأحداث التي دارت طيلة رواية الحكاية والأهداف من وراء روايتها ؛ كما تتخلل الحكاية بعض المداخلات الخفيفة من الراوي ليست ذات صلة بموضوع الحكاية لترسم الابتسامة على وجوه الحاضرين وذلك لكي لا يشرد انتباههم عن أحداث الحكاية وتتداخل معهم المعلومة ؛ كما أن بعض الحكايات الشعبية تروى عن طريق الأبيات الشعرية البسيطة التي تحكي قصة معينة ؛ فعادة ما يكون لبعض الأبيات الشعرية قصة لشاعرها قد حدثت له في حياته .
والحكاية الشعبية في مضمونها وجوهرها تهدف إلى أهداف عديدة ذات أبعاد اجتماعية سامية لعل من أبرزها :

* حب الإطلاع لدى الأطفال .
* تفتّح ذهن الطفل وإطلاق العنان له للتفكير المتزن .
* تعلّم العادات والتقاليد والصفات الحميدة .
* التمسك بتعاليم الدين الحنيف .
* الاعتزاز بالوطن والافتخار بأمجاد وبطولات الآباء والأجداد .
* التعرف على أصدقاء جدد وتكوين علاقات حميمة فيما بينهم .
* محاولة إبداء الرأي في موضوع معين والجرأة في المواجهة والحوار البنّاء .
* وضع هدف معين لدى الأطفال يجعلونه أمامهم لتحقيقه في المستقبل .

في الوقت الحاضر بدأت الحكاية الشعبية في التلاشي لوجود الأجهزة الحديثة كالمذياع والتلفاز والفيديو والقنوات الفضائية والمواقع الالكترونية التي تتنوع فيها كافة الحكايات المصورة والتي يستمتع الأطفال بمشاهدتها أو الاستماع إليها طيلة اليوم ؛ بالإضافة إلى ذلك فهناك الكثير من الأحفاد يقيمون بمعزل عن أجدادهم ؛ بينما ينشغل الآباء والأمهات بأعمالهم اليومية ؛ ويتركون أبناءهم مع المربيات الأجنبيات بحيث لا يعملن على غرس قيم وعادات وتقاليد المجتمع العربي المسلم في نفوس هؤلاء الأطفال ؛ ولكن مع كل ذلك تبقى للحكاية الشعبية مكانتها ورونقها في المجتمع العماني بشكل عام والأدب الشعبي العماني بشكل خاص ؛ ويبقى هنالك بصيص أمل لأن تجد هذه الحكايات موقعها على الخارطة الثقافية العمانية من خلال تنظيم الأسابيع الثقافية والاجتماعية والمهرجانات الشعبية المقامة على أرض السلطنة من قبل العديد من الهيئات والمؤسسات الحكومية والخاصة والأهلية بالسلطنة والمشاركة في المهرجانات الدولية التي تظهر تراث وتاريخ وعادات وتقاليد وآداب المجتمع العماني واهتمام بعض كتاب القصة بالكتابة في الحكاية الشعبية .

سعيد بن سيف الحبسي*

* باحث اجتماعي وإعلامي عماني

أعلى



شهود القرن..ماذا بعد؟ ( 2ـ2)

حتمية وصل الحلقات التاريخية بين النتاج الفكري لشهود القرن الماضي مع ما يستجد من فكر عربي قادم تعزيزا لهويتنا الثقافية وحفاظا على المد الحضاري العربي والإسلامي

أهم ما قدمه لنا شهود القرن الماضي من المفكرين هو عقد الصلة التاريخية بين مفاصل الحضارة العربية والاسلامية، منذ نهايات العصر الذي شهد اكتمال الدولة العربية الاسلامية الواحدة )الدولة العباسية( قبل ان تشرع في التفكك الى دويلات وممالك، وبالخصوص جعلتنا مع اهم نجوم تلك الفترة من المفكرين بكل التباين الذي شهدته بين النقل والعقل وبين الاصول والاجتهاد، وابرزهم ابن رشد وابو حامد الغزالي في مساجلاتهما الفكرية والفقهية الشهيرة التي توزعت بين (التهافت) و(تهافت التهافت). والتي دلت في وقت مبكر على ان مستقبل العرب والمسلمين مقرون بضرورة التوفيق بين المسارين(النقل والاجتهاد) وقد عمد شهود القرن الماضي الى التنبيه على اهمية تجديد الفكر العربي وايضا التوفيق بين (المجتهدين) بفكرهم ما بين شؤون الدين والدنيا. أو كما رآها مالك بن نبي (استعادة الجذور التي حاصرها الجمود) في ظل الغزو الصليبي والمغولي، حتى يكون بمقدرونا الحفاظ على صيرورة الفكر وتكوين ما يعرف بـ(التراكم المعرفي) في مختلف القضايا.
أما زكي نجيب محمود فاعتبر بعض اوجه التراث العربي نوعا من (الخرافة الميتافيزيقية) وهو يقصد تحديدا (المذاهب الفكرية والفلسفية) داعيا الى التماس سبيل وسطي يوفق ما بين تيار التقديس التام للماضي وبين تيار الدعوة للقطيعة معه على طريق تحرير الفكر العربي، ويلتمس زكي نجيب محمود طريقا ثالثا لحل الاشكالية ممثلا في (الاختبار التجريبي) لمدى قدرة هذا الماضي على الحضور في الواقع، ويراه امرا مهما للباحث او الكاتب المعاصر حتى يجد لديه اساسا علميا لتحقيق التواصل مع الفكر العربي، قديمه وحديثه ، وقد أوضح هذا الفيلسوف العربي (1902 ـ 1993) رؤيته بوضوح من خلال كتابه (تجديد الفكر العربي) الصادر عام 1971.
لقد اجهد زكي نجيب محمود نفسه وقدح فكره ليبحث عن إجابة لسؤال ألح عليه يدور حول اي الطرق افضل للفكر العربي المعاصر بحيث يضمن له ان يكون عربيا حقا ومعاصرا حقا في آن واحد، حيث هو قد لمح في الفكر العربي المعاصر ما اعتبره تناقضا (او ما يشبه التناقض) فإما مفكر عربي غارق في تراث الأقدمين حتى لا يدع مجالا لجديد، واما مفكر آخر غارق في علوم العصر الحديث بعلومه وآدابه وفنونه وطرائق عيشه.. حتى لا تبقى أمامه بقية ينفقها في استعادة شيء من ثقافة العرب الأقدمين.
ومن ثم كان توجه زكي نجيب محمود هو البحث عن (تركيبة عضوية يمتزج فيها تراثنا مع عناصر العصر الراهن الذي نعيش فيه لنكون بهذه التركيبة العضوية عربا ومعاصرين في آن واحد). وهو بدعوته إلى الحفاظ على العروبة والأصالة والتراث وفي نفس الوقت الأخذ باسباب الحضارة الحديثة، انما يسعى للتقارب مع الآخر، ومد جسور الصلة بين الحضارة العربية والحضارات الاخرى، طامحا فيما يطمح من تحديث لمسارنا الحضاري، الى عقد ما ُسمي (حوار الحضارات) ليلتقي في ذلك مع روجيه جارودي (او رجاء كما اراد تسميته بعد اعتناقه الاسلام).
وبينما كان زكي نجيب مفتونا بحضارة الغرب ومشغولا في المزج بينها وبين التراث العربي الموغل في القدم ليخرج بمزيج صالح لإدارة شؤون العرب المعاصرة، كان جارودي يرى في حضارة الغرب التي نشأ هو نفسه بين ظهرانيها انها تمثل (التخلف بعينه) باعتبار هذه الحضارة الغربية قد نشأت على استغلال الآخر، واوضح ذلك في كتابه (حوار الحضارات) ـ ترجمة عادل العوا ص46 ـ بقوله: ان النمو والتخلف عنصر منظومة واحدة، وهي المنظومة الرأسمالية، ورأى أن تراكم رأس المال جاء من إبادة أجناس كالهنود الحمر ثم جلب اجناسا اخرى لاستغلال الموارد الأولية في الارض الجديدة (اميركا) والاستعمار الذي قام على الإبادة الجماعية والثورة الصناعية التي اتاحت (التكديس) ثم ظهر استغلال العالم الثالث على نحو جديد عبر توسع الشركات متعددة الجنسيات وبدء موجات السيطرة السياسية والعسكرية على افريقيا والجزء الاكبر من آسيا، لينشأ نوع من السلب والنهب ويتوارى السلم القومي والسلم العالمي بالاستناد الى عنصر القوة.
وينتهي روجيه جارودي من سياحته الفكرية عبر خارطة العالم الى ما انتهى اليه زكي نجيب محمود ـ وهما كانا متعاصرين زمنيا تقريبا ـ من حتمية المزج بين الاصالة والمعاصرة وبين اطناب الفكر الانساني بعضه ببعض، والفيلسوفان كلاهما ينتهيان الى حتمية احترام وتقديس التراث العربي والاسلامي كجسر لهذا التفاهم الحضاري الحتمي، كان جارودي يأمل في ان يكون ميلاد القرن الحادي والعشرين مقرونا بميلاد التقاء بين المواقف المختلفة ازاء العالم والانسان فيما عرفه بـ(حوار الحضارات) .
يقول جارودي: ان حوار الحضارات، وقد فصمته ستة قرون من الاستعمار وازدراء الثقافات اللاغربية، لم يستأنف الا في القرن العشرين، ولا ريب في ان رسالة القرن الحادي والعشرين تتمثل في القضاء على العوائق الاخيرة ، وفي الماضي الى النهاية في تحقيق فن عالمي، وثقافة عالمية.
لقد كان امل جارودي عظيما في ان يكون هذا القرن الحادي والعشرين امتدادا لحوار حضارات حقيقي، ولكن الواقع الذي نشاهده لم يحقق طموحات جارودي، فقد حدث ذلك الارتداد البشع عن عناصر التلاقي الانساني التي عكف على بنائها شهود القرن الماضي وحداهم الامل العريض في ان يكون فكرهم لبنة في صرح التقارب والتفاهم العالمي، ولكن ما شهدناه نحن معاصري مطلع القرن الحادي والعشرين ان هناك نفرا من المفكرين الذين يدفعون بحتمية (صراع الحضارات) لتعصف بالوئام الانساني القائم على دعوات التقارب والتفاهم والحوار.
ولأن جارودي يخوض في (الثقافة والفن) الاسلاميين كتراث اصيل يستحق البحث والتحليل في علاقته بالفنون والثقافات الاخرى وصلاحيته في المساهمة بتقريب المسافات بين الثقافات نراه يستشرف في التراث الاسلامي ما يجعله نموذجا للهداية الى انكار الذات وإلغاء (الأنا) في مقابل تحقيق المحبة مع الله والانسان الاخر فنراه يقول: لقد أثر الشعر الاسلامي في الغرب، وهذا الشعر يولي الحب في شكله الصوفي اهمية كبرى وهو نمط نموذجي على ما اسهم به (الشرق).
ويسترسل جارودي بالقول: ومن القوانين الاساسية في رؤية الشرق للعالم (القانون) الذي جاء به (ابوسعيد) الذي ولد سنة 967 ميلادية والذي ينص على إهمال (الأنا) يعرف ابوسعيد التصوف الاسلامي بقوله: التصوف ترك النافل. ولا شيء بنافل اكثر من أناك. إنك ما اشتغلت بذاتك الا وبعدت عن الله. وحيثما توجد أناك فان كل شيء جحيم. وحيثما لا توجد أناك فكل شيء نعيم.
ويشرح جارودي رؤية بعض المفكرين الاسلاميين لخطورة تقديس (الأنا) بقوله: ان هذا الموقف يمضي في اتجاه يضاد فرديتنا الغربية (أي في المجتمع الغربي عموما) بالرغم من تعاليم المسيح بان الدرب الوحيد الذي يوصل الى الله، الآخر المطلق، هو ان تحب (الآخر). ص164.
ويعتبر جارودي ان تجربته الشخصية امدته بقناعة مفادها أن الفنون تؤدي الى المسجد وان المسجد يؤدي الى الصلاة، واعتبر ذلك احد مكامن عظمة العقيدة الاسلامية بتأكيدها على الانفتاح والامتداد على حوار خصب مع الثقافات الاخرى، وعاش جارودي حتى نهاية حياته يأمل في توسيع الحوار وتعميقه والاستعاضة عن هيمنة (الغرب) الثقافية المفروضة خلال اربعة قرون بتجربة احداث التناغم بين ابناء البشرية في شكل تجربة جديدة تؤدي الى ثقافة عالمية شاملة.
ويشترك مع جارودي في نظرته تجاه حالة (الاستعلاء الغربي) وعدم توفر مبررات كافية لها ، المؤرخ البريطاني ارنولد توينبي الذي يرى انه من الخطأ ان ينظر الغرب الى نفسه على اساس انه الممثل الوحيد على المسرح العالمي بل عليه ان يواجه مشاكل العالم بنظرة غير غربية.
بمعنى ان على الغرب ان يبادر بتلبية نداءات التفاهم والحوار مع الثفافات الاخرى دون استعلاء او تمسك بمنظومة القيم الغربية وحدها كإطار صالح لممارسة شؤون الحياة المعاصرة سياسيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا ايضا. بل إن توينبي جمع بين الحضارات الكبرى في مسمى واحد هو (المجتمع المسيحي الاسلامي السامي اليوناني) وبغض النظر عن اوجه الاتفاق والاختلاف مع ارنولد توينبي في (سبيكته الحضارية) هذه الا ان الواضح منها انه اراد ان يعقد صلة تاريخية وانسانية وثيقة بين المجتمعات ذات الطابع المتشابه لتنشأ بذلك شراكة جغرافية واجتماعية وثقافية بين بني البشر ويحذر توينبي من عواقب التعصب الديني الذي انتج حروبا دينية اوروبية على الشرق مما ألحق ضررا بالغرب نفسه، وألحق ببنيته تغيرات ادت في النهاية الى حالة من (القرف) وضمور الاحساس بالانتماء الديني في البلاد الغربية حيث يرى تويني تأسيسا على ذلك، ان التعصب سيف ذو حدين، اذ هو قد يعزز الشعور الديني ، الا انه قد يسبب الرفض والنفور، وهذا ما حدث بعد الحرب الدينية (الصليبية) التي ادت الى احلال العلمانية في اوروبا مكان التعصب الديني.
وما اشبه اليوم بالبارحة حيث ان كلام جارودي وتوينبي يعتبر رسالة مهمة يعاد صوغ حروفها في عالمنا المعاصر لنتوجه الى اليمينيين الجدد في الولايات المتحدة واوروبا الذين ترجموا افكار هنتنجتون حول صراع الحضارات الى واقع دموي يعيد انتاج الحروب الدينية في العصور الوسطى التي حذر منها تويني واكد انها كانت اهم عوامل تحول المجتمعات الغربية من التدين الى الإلحاد والمادية وضمور الانتماء الديني، الى غير ذلك من نظريات وضعها توينبي في كتابه (العالم والغرب).
وثمة قضية قد يراها بعض الباحثين بعيدة عن فضاء الفكر والمفكرين ولكني على العكس اراها جدا قريبة، وذلك بقدر ما هي شديدة الحساسية والتأثير في مناخ الحرية الفكرية في العالم العربي الا وهي ارتباط الفكر بالسياسة، وتأثير المناخ السياسي المعاصر لتيار فكري معين في مدى نجاحه او إجهاضه ، او مدى تقريبه او اقصائه، وهي علاقة تستحق ان يفرض لها مساحات اوسع من اجل تفعيل جهود البحث والتقصي، واورد شاهدا على هذه العلاقة المتوترة مدى ما تعرض له مفكرون من سيف الرقابة والمطاردة والنفي، وربما القتل المادي او الأدبي في بعض الاحيان ولعل مجال الشعر، او الفكر في قوالب منظومة مقفاة يعد شاهدا اوضح على تعسر علاقة الفكر العربي بالسياسة ومن الاسماء الكبرى التي يمكن دراستها في هذا المجال الظروف السياسية التي نشأ واختتم في ظلها إبداع شعراء مثل بدر شاكر السياب ومحمد مهدي الجواهري ونزار قباني، وغيرهم، بحيث تعتبر حياتهم الفكرية والادبية نموذجا لاضطراب العلاقة بين الفكر والسياسة في الوطن العربي الكبير. ذلك مع التسليم بان الرابط الوثيق بين الفكر والشعر هو ان الشعر بوصفه اعلى مراتب التعبير يضيف الى الفلسفة التي هي اعلى مراتب التفكير شيئا من السمو القولي الذي يرقى الى ما فوق قدرة المتلقي العادي ، بل واحيانا المثقف على فهمه فينصرف عنه او قد يعتبر الشعر جسدا مختلفا تماما عن الفكر، ولا أرى خلافا بين الفكر والشعر بل اراهما وجهان لعملة واحدة اكثر غلاء وثراء ورقيا من الفكر المنثور.
لكن لا تنسينا هذه التداخلات والتراكيب اللغوية وادوات التعبير ما يعتمل في ذهن المفكرين من عمليات عقلية، لا تنسينا ما نحن بصدده من حتمية وصل الحلقات التاريخية ما بين النتاج الفكري لشهود القرن الماضي مع ما يستجد من فكر عربي قادم تعزيزا لهويتنا الثقافية وحفاظا على زخم المد الحضاري العربي والاسلامي من التداعي تحت تأثير مطارق الساعين الى اذكاء نار صراع الحضارات.

محمد عبدالخالق*

أعلى




الازدواج اللغوي .. النشأة والمخاطر ( الأخيرة)
المواجهة والحلول

الازدواج اللغوي ظاهرة لغوية قديمة جديدة لم تكن من قبل بهذا الحجم ولا بالكيفية التي هي عليها اليوم. ونظرتنا إلى طرق حلها ينبغي أن تكون عميقة وشاملة ودقيقة. فهي وجدت في ظل واقع لغوي حتم قيامها، واستمرت بعد ذلك عبر قرون من الزمن، نظرا لاستمرار وجود عوامل وأسباب اجتماعية ولغوية وحضارية أوصلت حالة الازدواج إلى ما هي عليه في وقتنا الحاضر. وستبقى كذلك في المستقبل ما لم تتغير أمور، وتتبدل أحوال كثيرة على الصعيد الفكري والاجتماعي واللغوي والحضاري للأمة.
ولذلك علينا قبل التحدث عن إمكانية مواجهة هذه الظاهرة بحل جزئي أو شامل أن نفكر في مدى قدرتنا على تحديد أسبابها وعوامل بقائها. فإن نجحنا في ذلك يمكننا أن نفكر في وضع تصورات العلاج والحل للقضاء على هذه المشكلات الناتجة عن الازدواج اللغوي أو تخفيف آثارها. وإذا لم نفعل ذلك سيبقى أي علاج نقدمه غير ناجح ومعرضاً للفشل، ما لم ينطلق من دراسات شاملة لظاهرة الازدواج اللغوي كما هي على أرض الواقع اليوم بحجمها ومظاهرها وأسبابها ونتائجها. وكذلك إن لم ننطلق في أي مسعى لمعالجة هذه الظاهرة وتداعياتها من فهم عميق للغة الأدبية المشتركة بما لها من إمكانات ومزايا وأهمية.
فالازدواج اللغوي أصبح حقيقة مادية ماثلة أمام عيوننا لا يمكن تجاوزها أو إنكار تأثيراتها ونتائجها على اللغة والأدب والفكر والثقافة والسياسة. ولقد أصبحت العربية لغة مزدوجة من غير اختيارنا, وباتت اللغة أو اللغات العامية المحكية منافسا قويا لها تحت أسماعنا وأبصارنا. ولم نعد نملك حيال ذلك الأمر إلا أحد أمرين: إما التسليم والرضا وقبول الواقع اللغوي الجديد بما فيه من مخاطر على لغتنا القومية المشتركة وثقافتنا وحضارتنا وديننا متعلقين بآمال وأحلام انتصار اللغة الأدبية المشتركة لكونها لغة القرآن الكريم الذي تكفل الله بحفظه من التحريف. والنتيجة المؤكدة لهذا التسليم وهذه الاتكالية الواضحة ستكون في أقل الأحوال سوءا إخراج اللغة الأدبية المشتركة من التداول والاستعمال والكتابة شيئا فشيئا حتى تتحول إلى لغة خاصة بنصوص القرآن. ويوم تصبح كذلك، فلن يفهمها أحد إلا علماء الدين المتخصصون في القرآن فقط. ولا يخفى ما في هذا من النتائج والعواقب الوخيمة على اللغة والأدب والوجود العربي الإسلامي.
أما الموقف الآخر الذي يمكننا القيام به حيال هذا الواقع اللغوي الناتج عن الازدواج في لغتنا العربية فهو العمل على إجراء دراسات شاملة للازدواج اللغوي من كل جوانبه، ثم وضع الخطط والتصورات الملائمة لتنفيذ ما أجمعت عليه الدراسات من توصيات واقتراحات. ثم بعد ذلك اتخاذ القرارات الإدارية والسياسية والإعلامية والتربوية اللازمة، وحشد كل إمكانات المجتمع وفئاته ومؤسساته للعمل من أجل معالجة مشكلة الازدواج اللغوي من جذورها وأسبابها معالجة شاملة على مراحل زمنية متعددة, ووفقا لأولويات وأهداف قريبة ومتوسطة وبعيدة دون الاكتفاء بالتركيز على معالجة بعض آثار هذه الظاهرة ونتائجها كما يحصل اليوم.
فزوال الازدواج اللغوي ومعالجة نتائجه أبعد بكثير مما يظن أولئك الذين يرون بأن الحل لهذه المشكلة يمكن أن يتم بقرار أو بدعوة أو بتوصية. وحتى أولئك الذين يحاولون مناقشة هذه الظاهرة بشكل متعمق لا يزال معظمهم يطرح تصوراته لمعالجتها من غير أن يربط نجاحها بالوضع الحضاري الشامل للأمة. وكأن حل هذه المشكلة بحجمها وأسبابها ونتائجها يمكن أن يتم بزيادة حصص اللغة العربية في الخطط الدراسية ومناهج التعليم، وتحسين لغة الإعلاميين.
وقد يظن بعض الباحثين أن الحل الناجح يتحقق بإيجاد لغة مشتركة جديدة يمكن أن يطلق عليها اللغة الوسطى أو العامية الفصحى أو نحو ذلك. وهذه اللغة تمثل حلا وسطا في نظر هؤلاء لكونها تحتوي على ظواهر صوتية وتركيبية ودلالية ومعجمية مشتركة مأخوذة من اللغة الفصحى واللغات العامية الدارجة. ولا حل في نظر هؤلاء إلا بهذه الطريقة لأن اللغة الأدبية المشتركة لم تعد مستخدمة في التداول والاستعمال، ولذلك صارت ثقيلة إن لم تكن مكروهة أو مرفوضة من قبل جماهير الناس. واللغات العامية الدارجة غير قادرة أن تكون بديلا عنها لما بها من قلة في المفردات، وضعف في الأساليب، وتنوعات واختلافات كثيرة، ما لم تطعم بمفردات وأساليب وتراكيب اللغة الأدبية المشتركة القديمة وهي اللغة الفصحى. وهذا الاقتراح قد يبدو وجيها عند غير واحد من المعنيين بهذا الموضوع؛ ولكنه ليس كذلك في واقع الحال لأنه لا يمكن الاستعاضة بهذه اللغة المشتركة الجديدة التي هي خليط من العاميات التي مزجت معها بعض مفردات وأساليب وقواعد اللغة العربية الفصحى إلا بالتخلي عن ما تبقى من اللغة الأدبية المشتركة كله أو بعضه. وذلك لأن اللغة الأدبية المشتركة قد خرجت من مجالات كثيرة ولم تعد تستفرد بمجال دون أن تشترك معها بقية اللغات العامية بوجه أو آخر ما عدا نصوص القرآن الكريم والشعر العربي الفصيح.
فإذا أخذنا بهذه النظرية الداعية إلى إيجاد لغة عامية فصحى فإننا بذلك نكون قد انتصرنا للغات العامية المحكية أو لواحدة منها. فلا يمكن أن تنتصر عامية إلا بهذه الطريقة لأنها عاجزة بمفردها أن تكون لغة أدبية. ولذلك لا مناص أمام القائلين بهذه النظرية من الرجوع إلى اللغة الأدبية الفصحى ليسدوا بها النقص الذي تتسم به كل لغة دارجة. ومن جهة أخرى فإنهم بهذه الطريقة يقولون لأنصار الفصحى بأن الفصحى موجودة في اللغة المشتركة الجديدة ولا خوف عليها!.
والبديل هو البحث عن بديل آخر لحل هذه المشكلة ومعالجة آثارها. ولا حل لهذه المشكلة إلا بالقيام بالأبحاث والدراسات الكافية لنهتدي من نتائجها إلى العلاج المناسب والحل الأمثل. أما الاقتراحات والتصورات الفردية أو الجزئية فإن لم يضر بعضها فهي في أحسن الأحوال محاولات غير كافية لعلاج الموقف.

د. محمد بن سالم المعشني*
أكاديمي عماني

أعلى




أغلفة الإصدارات.. مدخل للمحتوى؟ ، أم مداراة لسد النقص؟
(أشرعة) يسلط الضوء على تصميم الأغلفة.. ويواجه الكتّاب بالمصممين

تحقيق ـ سالم الرحبي:رغم الجهد الكبير والمضني في العمل والسهر على مادة الكتاب ـ أياً كان مجاله ـ إلا ان مرحلة اختيار الغلاف وتصميمه تمثل هاجساً مؤرقاً ومتعباً للخروج بالصورة النهائية التي ترضي الكاتب ، كونها العنوان الأبرز لإصداره.
وقد يسعى بعض الكتّاب الى انتقاء فنانين معينين لتصميم أغلفة اصداراتهم، أو قد يطالبونهم بتصميم محدد أو لوحة محددة..
بعضهم يفضل أن تكون اللوحة منفصلة عن مادة الاصدار.. وبعضهم يفضل أن تكون اللوحة شارحة أو مومئة لموضوعه.. بعضهم ينتقي نصاً بعينه يقوم عليه تصميم الغلاف، وبعضهم يريد أن يكون التصميم مستقى من العنوان العام للإصدار.. أما البعض الآخر فيكتفي بتسليم الغلاف الى شركة للتصميم، تتولى الأمر برمته، دون أن يعير ذلك أدنى اهتمام.
في هذه الوقفة طرحنا اسئلتنا على الطرفين .. طرحناها على الكتّاب كما طرحناها على الفنانين والمصممين وتركنا رحى معركة الآراء تدور لتطحن وجهات النظر الذي نقدمها في تحقيقنا هذا..
واجهنا الكتاب.. الى أي مدى نستطيع الحديث عن أهمية وجود تصميم معين لأغلفة الكتب؟، وهل يرون أن غلاف الكتاب مدخل مهم لمحتواه، وأن العملية هي عملية تكاملية بين غلاف الكتاب ومادته؟ ، أم هي لمعالجة نقص في قوة المحتوى؟.. أم ان الكاتب يختار المصمم أو فكرة التصميم بعناية لأنها أمر مهم في لفت عين الباحث في رفوف المكتبات؟.
وهل يفضل الكتّاب ان يصمم غلاف اصدارتهم فنان معروف له تجربته المتحققة في مجال التشكيل وتصميم الأغلفة، أم انهم يبحثون عمّن يصمم الغلاف أياً كانت الطريقة والأسلوب؟. وعمّا اذا كانوا قد أوكلوا مهمة تصميم الغلاف لأحد الاصدقاء كـ"مجاملة" وندموا على ذلك؟.أما الفنانون فواجهناهم بالأسئلة التالية: هل يشكل تصميم الغلاف أهمية كبيرة للكتاب؟.. سواء في تسويقه ، أو في شرح محتواه ؟.. والى أي مدى يمكننا الحديث عن ان تصميم الغلاف الذي عادة ما تزينه لوحة أو عمل تشكيلي راق ، ينتقص من قيمة العمل الفني ويجعله ثانوياً وتابعاً لمادة الكتاب؟.
وما هي معايير موافقتهم من عدمها على تصميم غلاف لأي اصدار؟. وهل تدفعهم المجاملة أحياناً الى قبول تصميم غلاف لكتاب لسوا مقتنعين بمادته؟

ـــــــــــ

عبدالعزيز الفارسي: يجب أن يكون العمل كاملاً بمحتواه الفكري دون الحاجة للغلاف


الروائي والقاص الدكتور عبدالعزيز يقول: شخصياً أظن أن باستطاعة الغلاف أن يشكّل إضافة جيدة لمحتوى العمل الإبداعي .. وحين أقول ذلك أود لفت الانتباه على قولي أن "باستطاعته أن يشكّل إضافة هامة" وليس "يشكّل الغلاف إضافة هامة".. أؤمن شخصياً أن العمل الأدبي الجيد قادر على تحقيق رسالته الفنّية والإنسانية باستقلالية تامة عن العوامل المتغيّرة غير المرتبطة بذات الكاتب.. ومن ضمن هذه العوامل لوحة الغلاف ، وتصميمه الخارجي ، والإخراج الداخلي للعمل. هذا النجاح في إيصال الرسالة نابع من داخل العمل نفسه. ارتباط العمل بلوحة معيّنة ليس من الضروري أن يشكّل إضافة ، ربما يشكّل عامل إعاقة.
فاللوحة الفنية في نهاية المطاف عمل إبداعي آخر بإمكانه أنه يعيش باستقلالية حتى ولو لم يرتبط بالعمل الأدبي. أحياناً أنظر إلى الأمر على أن لوحة الغلاف مجرّد قراءة من القراءات المتعددة التي يمارسها أشخاص مختلفون للعمل ، فهو في النهاية انطباع قارئ للعمل أحب أن يصوغ قراءته على شكل لوحة فنيّة.. كل ما في الأمر أن هذه القراءة كانت محظوظة وتقدّمت العمل!. كان من الممكن أن تحظى قراءة "فنية" أخرى بهذا الشرف ، فليس هناك ما يمكن تسميته باللوحة الأنسب للعمل، هي مجرّد قراءات موازية. قرأت مرة رواية لماركيز اسمها "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه" ، وكانت الترجمة العربية للرواية بدون لوحة غلاف. أعجبتني الفكرة كثيراً، لأني دخلت العمل دون أي مقدمات فنية ، أو تأثيرات بصرية تفرضها لوحة الغلاف.. حتى الطباعة الداخلية لم تكن بذلك المستوى الجيد من التنسيق ، لكن العمل كان ساحراً بالنسبة لي واستمتعت به كثيراً ولا أنساه. ويجوز أن تشكل لوحة الغلاف قراءة آسرة للعمل ، تعطيه من جمالها ، فهي تضيف للقارئ متعة بصرية وذهنية تفتح له أفقاً جديداً لقراءة العمل ، ويجوز العكس أيضاً.
ويضيف: هناك قضية أخرى.. من يختار لوحة الغلاف؟!. أظن أنك لو استفتيت كل الكتاب لن يخبرك جميعهم بأنهم أنفسهم من اختار لوحات أغلفة إصداراتهم. الكاتب نفسه حين يختار لوحة الغلاف ليس من الضروري أنه يكمل العمل.. يجب أن يكون العمل كاملاً بمحتواه الفكري دون الحاجة للغلاف. ألا يحدث أنك تجد كتاباً ممزق الغلاف وحين تقرأه يذهلك محتواه؟. ألا تجد كتاباً غلافه رائع وحين تفتح الصفحات الأولى تصاب بالغثيان؟.. ثم دعنا هنا نستدعي صديقنا العزيز كتاب "ألف ليلة وليلة". أنا شخصياً اطلعت على خمس طبعات مختلفة لهذا الكتاب على الأقل.. كل واحدة منها بغلاف مختلف.. بعضها سيء جداً وبعضها مقبول. لكن هل غيّر ذلك من ولعي بهذا الكتاب العظيم أو اندهاشي كلما قرأته ؟ . لا، لم يغيّر. وحتى الكاتب حين يختار الغلاف فماذا تعتقد أنه يفعل؟.. هو أيضاً يقدّم رؤية فنية موازية لعمله ، وهذه الرؤية ليست تفسيرية ولا يفترض بها أن تكون هي الرؤية الأوحد. كثيراً ما يكتشف الآخرون في أعمالنا أشياء لم ننتبه لها نحن أنفسنا ، تدخّل فيها "لا وعينا" أثناء الكتابة وتسربت إلى ثنايا العمل.. فإذا كان الكاتب نفسه لم يدرك كل أبعاد عمله النفسية، وتسربت من وعيه أشياء لم يدركها في وقتها.. كيف باستطاعته أن يصِم عمله بقراءة فنية واحدة؟. هذا إذا افترضنا أن الكاتب هو من يختار لوحة الغلاف... لا يحدث ذلك دائماً. مثلاً.. من أصل سبعة أعمال شخصية ومشتركة لي، طٌبعت ثمان طبعات مختلفة تدخّلت مرتين في اختيار الغلاف فقط ، وتركت هذه المهمة للناشر. دعني أعترف: كانت اختيارات الناشر لي في تلك الأعمال أفضل بالنسبة لي ولكل من شاهد الأعمال من اختياراتي الشخصية. أشبّه هذا أحياناً بالعلاقة بين الوالد وأطفاله.. يحب الوالد طفله بهوس ويريد له الأفضل دائماً.. لكن هل تستطيع أن تجزم أن كل ما يفعله الوالد لطفله هو الأفضل؟.. لا. إن ذلك مرتبط بمستوى وعي الوالد وبعلاقته بعالمه. يدفع بعض الآباء أطفالهم إلى متاهات من فرط الحب.. ويحتاج الوضع أحياناً كي يستقيم إلى شخص من خارج تلك العلاقة ليحكم ويرشد الطرفين!.
ويقول: شخصياً لا أمانع أن أتعامل مع فنّان معروف كي يصمم الغلاف ، ولكني لا أجد ذلك من الضرورات القصوى عندي ، وأحب دائماً أن يتولى الناشر هذه المسألة الفنية ثم يطلعني عليها قبل النشر.. وفي غالب الأحيان لا أرفض ما يصممه الناشر .. فالأمر بالنسبة لي - كما قلت - قراءة أخرى للعمل.
وعمّا إذا كان قد ندم مرة بعد أن أوكل تصميم غلافه الى احد الاصدقاء مجاملةً يقول: القاعدة في حياتي أني لا ألتفت إلى الوراء.. ولا أندم على أي شيء فعلته في الماضي . فقط أتقدم نحو خاتمتي حاملاً معي كل تجاربي وتراكماتها.

ادريس الهوتي: الغلاف قد يهمش العمل الفني ليصبح ثانوياً.. ولكن تبقى رؤية المصمم للخروج من هذه الأزمة

المصمم والتشكيلي ادريس الهوتي يقول: لغلاف أي كتاب أهمية كبيرة بلا شك، فهو أول ما يستوقف القارئ ويجذبه، وأي تصميم لأي غلاف يهدف في المقام الأول إلى جذب القارئ المهتم، فإن لم يتمكن الغلاف من أداء هذه الوظيفة الأساسية أثر ذلك سلبا على تسويق الكتاب، والغلاف كذلك في بعض الأحيان يستخدم كمقدمة بصرية مختزلة لمحتوى الكتاب.
إن تسويق الكتاب عملية مهمة جدا تستخدم فيها وسائل الإعلام المختلفة، وخصوصا إن كان اسم الكاتب معروفا، فيُعلَـن عن الكتاب بشتى الطرق كالمنتديات والملصقات والإعلانات والأخبار الصحفية، إلا أن القليل جدا من الكتب يسوّق بهذه الطرق عندنا، فإن سمع الشخص المهتم بعنوان كتاب بحث عنه، وإن لم يسمع عنه فلا مجال إلا باستكشاف أرفف المكتبات وفي معارض الكتب حتى يحدث لقاء يعتمد أساسا على الصدفة، وهنا يأتي الدور الأساسي لمصمم الأغلفة، أن يخطف انتباه ذلك الشخص بتصميم جذاب ومناسب، وينبّهه إلى وجود الكتاب.
كثير من الكتب تعتمد أغلفة تستخدم لشرح محتواها، وهذا أمر جميل إن أحسن المصمم تركيب الفكرة، ولكنني في وجهة نظري الشخصية أعتبر أن التسويق هو الوظيفة الأهم للغلاف، ويحدث أحيانا أن يجد المصمم نفسه مخيّرا بين فكرتين تبرز إحداهما محتويات الكتاب فيما تفتقد الفكرة الأخرى هذه الناحية ولكنها أرقى فنيا وأقدر على جذب القارئ، بالنسبة لي أفضل الاختيار الثاني، وخصوصا إن كان عنوان الكتاب واضحا ولا يحتاج إلى الشرح والتفسير، وإن كان القرار النهائي في الغالب يعود لصاحب الكتاب.
ويضيف: من الملاحظ أن معظم الإصدارات الأدبية، شعرية أو قصصية أو غيرها، تستخدم في أغلفتها أعمالا فنية تشكيلية، في بعض الأحيان ينتقص ذلك فعلا من قيمة العمل الفني ويجعله ثانويا هدفه إبراز الكتاب عنوانا أو محتوى، ولكن ذلك يعتمد أساسا على طريقة المصمم في تنفيذ الفكرة وفي اختيار العمل الفني المناسب حتى تندمج فكرة الكتاب بالعمل الفني، رغم أن مدلول العمل الفني بعد وضعه في التصميم قد يبدو مغايرا لما أراده الفنان أصلا، ولكنه لا يناقض ما يتجه إليه الكتاب، ومن ناحية أخرى فإن العمل الفني إذا كان يحتوي أشكالا واضحة المعالم أو وجوها أو أماكن فإن المشاهد يرتبط بها ويستذكرها أثناء قراءته الكتاب خصوصا إن كان قصصيا، وبذلك قد تصبح أجزاء أو عناصر من مادة الكتاب مرتبطة وتابعة للصورة.
ويختتم حديثه قائلاً: ليست لدي معايير ثابتة للموافقة على تصميم أي غلاف، غير أنني في العادة أحب أن أطلع على نص المادة حتى أرتاح إلى الفكرة وأبلورها في ذهني بشكل جيد، ولا أحب العمل على تصميم غلاف لكتاب لست مقتنعا بمادته ولكن قد أفعل ذلك من باب المجاملة أحيانا.

سلمان الحجري: ركاكة محتوى الإصدار تسجن العمل الفني في حيز يتناقض مع المادة المطروحة

سلمان الحجري مدرس التصميم بجامعة السلطان قابوس يقول: لأغلفة الكتب أهمية كبيرة في نجاح الكتاب وانتشاره وذلك لما يلعبه الغلاف من قدرة على الجذب، والإمتاع، والإقناع مما يشجع المتلقي على شراء الكتاب.
بلا شك أن هناك عدة عوامل تتظافر في نجاح أي إصدار وانتشاره ورغم تنوع طبيعة هذه العوامل واختلافها ونسبيتها أحيانا إلا انها تتحد في النهاية لتشكل قصة نجاح إصدار معين. فهناك العوامل الموضوعية كالكاتب والمحتوى والعنوان وهي عوامل أساسية يرتكز عليها نجاح أي إصدار وهناك عوامل فنية مكملة كالغلاف والألوان وأنواع الخطوط المستخدمة وأخيرا العوامل التقنية كالإخراج ونوعية الورق وحجم الكتاب وطريقة التنضيد والتغليف. كل هذه العوامل مهمة ولها دور كبير في ضمان نجاح الكتاب. إن المراعاة أو الإنقاص لعامل دون غيره قد يخل بهذا النجاح وقد يؤدي إلى إضعاف المنتج الإدبي.

أسماء لامعة وأغلفة باهتة

فتعويل بعض الكتّاب على رنين أسمائهم المشهورة مع الإهمال لعامل الإخراج الفني الجيد لكتبهم قد يفقدهم شريحة كبيرة من القراء تضع مواصفات خاصة لنوعية الكتب التي تشتريها والتي أجد لها العذر في ذلك. فهذه الشريحة تقتني الكتب بعد أن تلامس معاييرها الذوقية والفنية الخاصة. فلا يكفي عندها التركيز على محتوى الكتاب أو اسم الكاتب أو الشاعر فقط، بل يتعدى ذلك التأمل العميق في غلاف الكتاب ونوعية الورق والالوان والتصميم العصري الملفت. فعملية اقتناء الكتاب بحد ذاتها عملية استمتاعية يقوم بها القارئ لإرضاء ذائقته الفنية قبل ذائقته الأدبية أو المعرفية. وفي ذلك سلوك غير مقصود ولاشعوري في إثراء الحصيلة البصرية لديه. فهنا يكون غلاف الكتاب الجيد همزة الوصل القوية بين القارئ والمحتوى الذي يطرحه الكاتب. وأستطيع أن أفسر هذه العلاقة من منظور علم الجمال الذي يؤكد على أهمية التقبل النفسي لأي منتج إنساني كشرط مبدئي للتحاور والتفاعل معه وفي هذه الحالة يكون الغلاف هو وعاء هذا التقبل.
بكل تأكيد لا أنفي بأن اختلاف الحاجات لدى القارئ في تناول الكتاب والبحث في محتواه قد يهمش هذه النظرية ويستنسخها بعلاقة الحاجة إلى محتوى معين ومعرفة معينة فالباحث العلمي مثلا لا يعول على غلاف الكتاب الذي يبحث فيه طالما أن هذا الكتاب قد وفر له المعرفة التي تجيب عن استفساراته وتروي ضمأه المعرفي. أنا أتحدث هنا عن المنتج الأدبي بشكل خاص والمنتج العلمي بشكل عام.
إذاً فغلاف الكتاب قد يعكس روح الكاتب وتفانيه في إخراج أفكاره بصورة جميلة وصبره على البحث عن الطبق الذهبي الذي ينمق فيه تأملاته وروءاه، كل ذلك يكون مدفوعاً بروح المثابرة بغرض الوصول إلى إقناع القارئ وهذا السعي مشروع ومسموح للكاتب بكل تأكيد.

الغلاف واللوحة

لا شك أن تضمين غلاف الكتاب للوحة تشكيلية معينة له دور كبير في استمرارية الروحية بين المحتوى والغلاف بشرط أن تكون اللوحة منتقاة من قبل الكاتب. وهذه عملية لا شعورية يقوم بها الكاتب عند اختياره للعمل الفني بعد ملامستها لدواخله ولقربها من المحتوى الأدبي الذي يطرحه. وكلما كان هذه الإنتقاء والربط صادق وعفوي كلما أدى إلى تحبيب القارئ للكتاب من خلال الغلاف وذلك لتشابه المحتوى مع العمل الفني ومع العنوان أحيانا.
في المقابل فالكاتب الذي يعول على شركات التصميم في إعداد الغلاف وفي وضع الخطوط الرئيسية لغلاف إصداره يفقد هذه المصداقية وأحينا يصل إلى التناقض بين المحتوى والشكل الخارجي للغلاف يؤدي به إلى توسيع الهوة بينه وبين القارئ.

ما هو التصميم؟

التصميم هو عملية إعادة تنظيم مجموعة من العناصر البصرية في حيز جمالي تثير عدة أحاسيس لدى المتلقي وتتم من خلال التواصل البصري. وقد تطور التصميم الجرافيكي تطورا ملموسا أدى به إلى توضيح عملية التواصل وإرساء دعائم الحلقة الثلاثية الوثيقة التي تتم بين المرسل والمتلقي من خلال الوسيط. فالمرسل هنا هو الكاتب والمتلقي هو القارئ أما الوسيط فهو الكتاب ولكي يكون هذا الوسيط ناجح لابد له من غلاف مميز.
لا أجد ضرر في انتقاء كثير من الكتّاب لمصممين أو فنانين معينين لتصميم واجهات أو أغلفة إصداراتهم وخاصه إذا كان الكاتب ينتقي المصمم الخبير الذي يجيد اختيار الصور والخطوط والألوان المتناسبة مع المادة. هذا النوع من المصممين لديه القدرة على ترجمة أفكار الكاتب بشكل بصري جميل من خلال إطلاعه على محتوى الإصدار بشكل جيد.

لوحة قوية ومحتوى ضعيف

وفي هذا الصدد أنا لست مع الكاتب الذي يختار لوحة ذات موضوع مختلف عن موضوع الإصدار وذلك بسبب جمال اللوحة أو شهرتها أو شهرة الفنان الذي رسمها. فمن شأن هذه اللوحة خلق تصور مسبق لمحتوى الكتاب مشابه من خلال العمل الفني مما يؤدي إلى تشويش ذهن المتلقي بأكثر من تصور. أما انتقاء نص معين يقوم عليه تصميم الغلاف فلا بأس في ذلك من وجهة نظري ففي ذلك ربط وتأكيد على النص ذي الثقل الأكثر في الإصدار ويحدث هذا عادة في الدواوين الشعرية أو القصص القصيرة.
عندما ينتقي المصمم العمل الفني الذي يؤكد على العنوان ويشرحة بشكل أكبر فإنه بذلك يعزز العلمية الإستمتاعية لدى المتلقي. وكأن المتلقي هنا في معرض فني مصغر يجد فيه أن العنوان بروحية واحدة مع العمل الفني والشكل العام للغلاف كل هذا يخلق لذة الإكتشاف والإستمتاع الذي يشجع على اقتناء الإصدار.
لا أعتقد بأن العمل الفني الجيد سيهمش في حال توسطه لغلاف إصدار معين أو سيتحول هذا العمل إلى عنصر ثانوي، إلا في حالة ركاكة محتوى الإصدار فعندها سيكون الغلاف مجرد سجن للعمل الفني في حيز يتناقض مع المادة المطروحة.
ومن خلال خبرتي في هذا المجال أوافق على تصميم بعض أغلفة الكتب التي تتناسب مع اهتماماتي والتي قد تتناول مواضيع تقنعني مادتها مما يسعدني في وضع غلاف مناسب لها.
همسة أخيرة في أُذن المصمم والكاتب أيضا وهي أخذ موافقة الفنان قبل استخدام عمل من أعماله في تصميم الغلاف، بحيث يكون الفنان على علم بالإصدار ونوعية المادة المطروحة.

بدر الشيباني: أرفض المجاملة.. وأبحث عمّن يحيل "عنواني" إلى لوحة إبداعية

الشاعر بدر الشيباني يقول: هناك تصادم فكري بين المبدع والمتلقي فالمتلقي نتيجة ثقافة معينة رسخت لدى الكثير ينفر من الغلاف لأنه ربما لم يستطع ان يربطه بالعنوان مباشرة وهذه اصطلح عليها ولكن ليس بالضرورة انها قاعدة أو حتى انها صحيحة النظرة الحديثة ، هي فصل الابداع الفني عن النثري وقس عليها التعاكسات الاخرى على المستوى الاستقرائي، فمثلاً لا يجوز ان اقرأ صورة الغلاف على أساس ارتباطها بالمحتوى او العنوان بل يجب ان اقرأ لوحة لفنان مستقل أسقط نظرته على المجموعة وبالتأكيد من خلال نظرة واعية وابداعية بخلاف نظرتي لمحتوى قصائد الشاعر او قصص القاص حتى استطيع ان أرقى بذائقتي في قراءة فنين في آن واحد وهو المنطق العقلي لاحترام الابداع اما اذا لم يستطع الفنان المصمم للغلاف ان يصل الى قلبي او العكس فليس من العدل ان أرفض الآخر واحكم حكماً واحدا.
ويضيف: الغلاف مهم جداً خاصة عندما تقيس طبيعة مجتمع محاصر في فكر واحد رغم الافكار العديدة التي في العالم ولا يمكن ان يعالج الغلاف نقص المحتوى لأن الاساس عند المتلقي خاصة النخبة هو الابداع أي المحتوى من الكتاب.
وعن مسألة اختيار الكاتب لغلاف في تصوري ان الكاتب عليه ان يركز على اختيار المصمم للغلاف قبل اختياره للغلاف يختار على أسس منها مقدرة الفنان على التعبير عن كتابه وتمكن الفنان من الملامسة الحسية والمعرفية لطبيعة المحتوى وغيرها من الأسس.
ويفضل بدر ان يقدم غلافه فنان متحقق متى ما كان أداة وابداعه هو المتحقق اما اصحاب الاسماء اللامعة مع الضعف الابداعي وهذه مع الأسف موجودة حالياً فهؤلاء لا يمكن للذي يحترم الفن والابداع ان يتعامل معهم. وبالنسبة لي شخصياً يمكن ان اختار فناناً موهوباً وإن لم يكن متحققاً لإيماني بأنه قادر على ملامسة مشاعري في الكتاب ولا يمكن بأي حال ان اقبل ان يصمم لي فنان باسمه فقط دون عطائه.
وعمّا اذا كان اوكل الغلاف لفنان كمجاملة يقول: شخصياً ما فعلتها ولن أفعلها على الرغم من ان مجموعة من الاشخاص طلبوا مني ذلك بعدما اطلعوا على العنوان ولكني رفضت لأنني وضعت عيني على من يستطيع ان يحيل عنواني الى لوحة ابداعية خاصة به وأنا ما تدخلت في رؤية الفنان يوسف البادي احتراماً لإبداعه قبل ان يكون احتراماً لشخصه وهنا اسجل كلمة اعجاب بهذا الفنان الذي لا يسلم العنان لرغبات الآخرين في ان يصمم لهم بل يزن أداته الابداعية هل تستطيع ان تلامس المحتوى أم لا وبصراحة يوسف مبدع حقيقي اتمنى ان يستمر التعامل بيني وبينه متى ما اقنعته بمحتوى كتابي.. واخيرا المجاملة في الابداع هي نقص في أداة رئيسية من ادوات الابداع.


مريم عبدالكريم: رغبة الفنان في تصميم الأغلفة تجعله يخاف من اقتران اسمه بكتاب لا روح فيه

التشكيلية مريم بنت عبدالكريم الزدجالي تقول: فن ابتكار تصاميم الأغلفة وصناعتها تعتبر اليوم من الفنون الإبداعية الهامة المتعارف عليها عالميا باعتبارها تخدم أفراد المجتمع خصوصا في الجانب الترويجي والتسويقي.. وأهميته تدل على الثقافة البصرية لدى الناس.. ومن وجهة نظري فان اختيار نوعية تشكيل تصميم غلاف الكتاب يعتمد على ذوق الكاتب وثقافته ومدى اطلاعه، فالغلاف يشكل جزءاً هاماً يجذب القراء لمحتوى الكتاب.. فعندما يقع نظر الإنسان من الوهلة الأولى عليه، يجد العبور من خلاله كمدخل لقراءة ما يحتويه الكتاب ويختزل فكرة ومضمون المادة التي يطرحها الكاتب ويتناسب مع العنوان على أن يكون عملا إبداعيا متميزا وليس مجرد ألوان أو لوحة بعيدة عن موضوع الكتاب وهذه الجزئية جدا مهمة واعتمادها أيضا على الجانب النفسي والفلسفي.
وتضيف: لابد للمؤلف أن يراعي في اختيار موضوعه للغلاف جودة الكتاب من النصوص وأيضا من خلال إخراج التصميم وما يحتويه الغلاف.. وكم تجذبني تلك اللوحة عندما أجدها على فضاء الخارجي للغلاف خصوصا إذا ما كانت اللوحة تمنح القارئ مفاتيح القراءة والتشويق في الغوص في معرفة تفاصيل الكتاب.. فاختيار اللوحة التشكيلية لفنان معروف يشكل أهمية لغلاف الكتاب.
وعلى الرغم من أن اختيار غلاف الكتاب مهمة صعبة إلا أن إسنادها لفنان تشكلي مهمة أصعب بالنسبة للفنان نفسه لأن الفنان قد يقرن اسمه وفنه بكتاب خاوي الوفاض لا روح فيه وقد يكون الغلاف أهم ما يمكن أن نلمحه في الكتاب. وبطيعة الحال وبالنسبة لي قبل أن أوافق على تولي مهمة التصميم الخارجي سواء باختيار لوحة من لوحاتي أو بوضع تصميم خاص للكتاب لابد لي أن أطلع على مادة الكتاب حتى أعطي الكتاب حقه. وفي حالة كون ما تحت الغلاف لا يرقى للنشر أو يضر بسمعتي فالأفضل أن أعتذر من صاحبه فلا مجاملة قد تضرني وتضر صاحب العمل قبلي.
وأنوه هنا إلى ان البعض يستهويه التصميم ببرامج الحاسوب ويجدها مناسبة يمكن التعديل عليها في أي وقت إلا أن اللوحة الفنية لها رونقها وطعمها الخاص الذي يجعل من الريشة أكثر عطاءاً ومن الألوان الطبيعية أكثر صفاءاً.


رقية العبري: أقف موقف الحائرة في عدالة تعاطفي مع أطراف القضية.. هل أكون مع "الكاتب" أم "المصمم" أم "القارئ"؟

الفنانة والمصممة رقية بنت سالم العبري ترى: ان عنوان أي كتاب وما يجيء في تصميم صفحة غلافه يجذبان القارئ ويحملانه على توقع ما يشتمل عليه الكتاب ويكونان له أفق القراءة، فإذا كان الحاضر في صفحة الغلاف على هذا النحو فما مستوى الغائب داخل سراديب هذا الكتاب وهذا ما نستطيع أن نستشعره في عيون المتلقي أو القارئ وهو يصول ويجول في طرقات مكتبة ما أو معرضاً للكتاب بغرض الشراء أو القراءة للثقافة العامة.
ومن هنا يتحدد ما نسميه (بالموقف الحدسي) وهو تقرير القارئ المباشر للميل للكتاب أو النفور منه من خلال تذوقه فنياً وجمالياً قبل أن يتذوقه معرفياً وثقافياً واضعين في الحسبان أننا لا نستطيع أن نعمم هذه النظرية على كل متلقي ولكن بشكل عام هذه طبيعة البشر فهو سلوك إنساني يتشكل نتيجة لاستجاباتنا لمواطن الجمال من حولنا ، والفن بكافة فروعة وأشكاله يثير الإنسان ويحرك مشاعره وأحاسيسه سلباً أو إيجاباً.
فنحن عندما نشتري كتاباً ما فإن غلافه من أكثر العناصر التي تجذبنا إليه بشكله وألوانه المتعددة ورسوماته المعبرة خاصة مع هذا التطور السريع في تكنولوجيا الطباعة والتصوير لصناعة الكتاب فهو وسيط بصري بين مادة الكتاب والقارئ وهو واجهة الكتاب وهو سفير الكتاب للمتلقي ونجاحه يعتمد على مدى نجاحه في تعبيره الذكي عن مادة الكتاب ومدى قدرته على حث المتلقي وتشجيعه للتواصل والتعايش مع هذا الكتاب إما (بالاقتناء أو القراءة).
ان ما نراه اليوم من تقدم تكنولوجي في صناعة الكتاب يذهل الإنسان ويثير في ذات الوقت تساؤله (ما الذي جعلنا مع هذا التطور السريع في صناعة الكتاب أن نهمل إلى حد ما جودة تصميم غلافه )؟!.
وتضيف: وحقيقة وبصراحة إنني أقف موقف الحائرة في عدالة تعاطفي مع إطراف هذه القضية هل أكون مع الكاتب أم مع المصمم أم مع القارئ؟؟!!.
فانا ألوم وأعذر الكاتب والمصمم في نفس الوقت لعدم رضا القارئ عن مستوى غلاف أي كتاب والسبب في ذلك أننا في الواقع الأمر نواجه مشكلة في صناعة الكتاب فإذا كنا سنغض أبصارنا عن التكلفة المادية العالية حالياً في إنتاج أي كتاب فإننا لا نستطيع أن ننكر أننا نعاني من نقص نسبي في كوادر إنتاجه وندرة في مصممي الأغلفة المتخصصين والأكفاء ويرجع ذلك إلى انه لا توجد جهة متخصصة تدرس تلك الصناعة بالرغم من انه توجد لدينا كليات متخصصة في التصميم الجرافيكي بشكل عام ولكن لا توجد بها شعبة متخصصة بفن (صناعة الكتاب) وبالتالي فإن مخرجات هذه الكليات من الطلبة قد لا تتجه إلى هذا المجال في سوق العمل أو الصناعة ولكن قد تطرق أبواب الأعمال الحكومية أو الخاصة التي بها الاستقرار الوظيفي والعائد المالي الثابت وكذلك لأنها لم توجه مهنيا سابقاً لهذا المجال ، من جهة أخرى أحياناً ومع توفر الكفاءات البشرية في صناعة الكتاب وتصميم غلافه والتقدم التكنولوجي المذهل في العديد من الدول الرائدة في هذا المجال إلا اننا نجد العديد من الكتب التي تحوز على استهجان ونفور القارئ لها بسبب أغلفتها التي تستهين بعقلية وثقافة المتلقي وإجباره على اقتناء كتاب يحمل في طياته من روائع ما يصبه الفكر العربي أو الفكر الغربي المترجم ولكن وللأسف الشديد نجده يكتسي بثوب (غلاف) بعيداً عن الذوق الفني الراقي أو حتى بعيدا في بعض الأحيان عن العقيدة والأخلاق وتحضرني بهذا الصدد مقولة قرأتها في إحدى الصحف تقول: (إن هناك اتجاهان لتصميم أغلفة الكتب) الاتجاه الأول .. يعتمد على الإثارة كعنصر أساسي بدون التعبير عن المحتوى باعتباره عنصر تسويقي يجذب القارئ لشراء الكتاب، واتجاه آخر يرى أن يعبر الغلاف عن محتوى الكتاب ليكونا سوياً سيمفونية واحدة.
وأنا في نظري أرى أن معايير جودة الغلاف للمصمم تعتمد على الاتجاهين حتى نحقق الأهداف التي نصبوا إليها ألا وهي (الجذب والإثارة والتعبير الجيد) لمحتوى الكتاب وهنا لابد من التميز بين ما هو فن يحمل قيماً فنية ويسعى إلى غاية إنسانية ويؤكد العقيدة الإسلامية والأخلاقيات وبين ما هو معروف بالفن التجاري أو الفن الذي يخلو من القيم الإنسانية كما يجب على المصمم الفنان أن يختار مادة الكتاب الذي سيقوم بتصميم غلافه بعناية وذلك طمعاً في السمو بعقلية القارئ العربي وهذه في نظري هي المعايير المثلى التي يجب أن اختار عليها أي عمل فني أقوم بتقديمه للمتلقي الذي أحترم واقدر عقليته وفكره الثقافي.
وتختتم حديثها: كلنا نعلم بل موقنين أن هناك لغة مشتركة وعناق جميل في لوحة التعبير بين الفن والأدب وأن الأداء المبدع لا يساعد فقط على الزيادة وتطور التقدم الفني والأدبي ولكنة كذلك يزيد من احترام الذات ويرفع من قدر الشخص نفسه وتقدير الآخرين له كشخص متميز ذو موهبة فذة.

خلفان الزيدي: لا يمكن أن نتصور مؤلفاً يجهد نفسه ثم يترك غلاف الكتاب رهين المجاملات

الكاتب والصحفي خلفان الزيدي يقول: أولا اشير إلى إن غلاف الكتاب بالنسبة لي هو مدخل أولي لقراءة محتويات الإصدار، ومادته المعرفية، ويلعب دورا اساسيا مع عنوان الإصدار واسم مؤلفه في الترويج له.. فهو الصورة الواضحة والماثلة للقارئ قبل أن يقلب صفحاته، ويطلع على محتوياته ومادته الثقافية والمعرفية.
والغلاف مهم جدا.. بالنسبة للإصدارات الأدبية، الإبداعية، التي تندرج بين النثر والشعر.. بمجالاتها المتعددة، ولا يمكن أن نتصور مؤلفا يجهد ذاته في انتقاء مادة الإصدار، ويحرص على اختيار الأفضل، ثم يتوقف عند مساءلة اختيار الغلاف ويتركها كيفما تكون.. أو رهينة مجاملات واعتبارات شخصية.
فالكتاب بغض النظر عن مضمونه ومؤلفه.. يختزل في غلافه فكرته العامة، وطريقة دار النشر في تقديمه لجمهور القراءة، إضافة إلى إنه يشكل لوحة جميلة، مطرزة بالفكرة العامة للكتاب، وبالذائقة الجمالية التي يتمتع بها المؤلف أو الناشر، وثقافته البصرية التي يحرص أن يقدمها للقراء.. وعلى هذا فلا اعتقد أن المساءلة تخضع لمجاملات او علاقات شخصية في اختيار صورة الغلاف ، ذلك لأن الغلاف باقي ، فيما العلاقات والمجاملات تنتهي.
ولا اعتقد ايضا ان اسم الفنان او المصمم من يصنع الغلاف بقدر ما تصنعه فكرة الكاتب ، وماذا يريد ، وكيف هي ثقافته البصرية ، وقراءته الجمالية للأشياء من حوله.
ولأجل ذلك أعتقد أن الكاتب يعيش في قلق دائم ، وهاجس الغلاف يشغله منذ لحظة المخاض الأولى للإصدار وحتى خروجه إلى القراء.. هو ـ الكاتب ـ ينظر إلى ردة فعل القراء حول طريقة تقديم الإصدار وتصميم غلافه وإخراج محتوياته ، كما نظرته إلى ردة الفعل حول مادة الكتاب ومحتوياته الإبداعية.. لا عنصر يطغى على الاخر.. ولا أهمية لمكون دون آخر، كلٌ له دوره وأهميته ، وكلٌ له نصيب من البحث والقلق.
غير اننا في المقابل يجب أن لا نبني كل الإهتمام ونعطي جلّ الاهمية لغلاف الكتاب والعنوان البراق.. ونتناسى محتوى هذا الإصدار ومادته الإبداعية، فكما اشرت لا بد أن يكون كل منهما بذات المستوى ولا يغطي احدهما على مستوى الآخر.
ويضيف: بالنسبة لي كان الغلاف مهم لإصداري.. وكنت في بحث دائم عن افضل فكرة انفذها لتكون صورة الكتاب الذي اقدمه للقراء .. واعتقد انني بمشورة الأصدقاء والعارفين استطعت ان اصل إلى قناعة حول الصورة النهائية والتصميم الأخير لشكل الكتاب.
أتمنى أن أكون قد وفقت في اختيار الغلاف وتصميمه نظرا لأنني اخترت في احد الإصدارات صورة حية نابضة بالحياة من وحي مادة الكتاب ، وفي الإصدار الثاني صورة مركبة تعبر ايضا عن مادة هذا الكتاب ، وكلا الصورتين .. يمكن أن تكون عند مؤلف آخر بصورة مغايرة ، وربما تكون الفكرة لدى البعض افضل مما طرحته أنا .. لكنني في محصلة الأمر على قناعة تامة بهاذين التصميمين.. واعتقد من وجهة نظري .. إن لهما الدور الأبرز في الترويج ونشر الإصدارين بصورة مرضية.


محمد الحبسي: القرار الأخير لي (أنا) لأني الأعرف بحتوى الكتاب

الدكتور محمد الحبسي يقول: كما يقال: (الشيء يبين من عنوانه) وكثيراً من القراء أول ما يشد انتباههم هو غلاف الكتاب وطريقة إخراجه حتى ولو لم يقتنع بمحتواه بعد ان يتصفحه ولكن يكفي ان يقف ويتصفح هذا الكتاب لأن كثيراً من الإصدارات تهتم بأن يكون غلاف الكتاب جذابا ومتميزا لجذب القارئ ليقرر بعد ذلك شراءه أو الاكتفاء بتصفحه لأسباب يعرفها متصفح الكتاب بنفسه ولذلك فإن بعض المؤلفين لهم نظرتهم الخاصة في اختيار تصميم غلاف لكتبهم وربما بعضهم لا يهتم كثيرا بالغلاف لأنه مقتنع بأن الاهمية تأتي من محتوى هذا الكتاب. لذلك ارى بانه من الضروري الاهتمام بتصميم غلاف للكتاب وكذلك اختيار عنوان معين يساهم في جذب القارئ لمطالعة هذا الكتاب.
ويضيف: كما ذكرت سابقا فإن غلاف الكتاب وعنوانه جزء لا يتجزأ من اهمية الكتاب ومدخل مهم لتصفحه وهذا يعتمد على مدى ادراك الكاتب لذلك وبالتالي يجب على المؤلف ان يحرص على أن تكون هناك تكاملية بين التصميم الخارجي للكتاب وعنوانه حتى لا تصبح القضية غش وخداع كما يلجأ اليها الكثيرون عندما يصممون أغلفة كتبهم بطريقة مبهرة وجذابه لا تتوافق مع محتوى الكتاب وبالتالي يجب مراعاة ذلك حتى لا تصبح العملية مجرد غلاف جميل يضم بداخله مادة لا تتوافق مع هذا التصميم والعنوان.
وعمّا اذا كان يفضل اختيار فنان معروف او اسم متحقق لتصميم غلاف يقول: أولا يعتمد على طبيعة الكتاب ومحتواه والموضوع الذي يناقشه وبالتالي كلما اقتربت من شخص له خبرة في التصميم وعلى الاقتراب من موضوع الكتاب كان ذلك افضل لانه سيصمم الغلاف من خلال نظرية تكاملية بين الرؤية الفنية لهذا الكتاب ومحتواه. بالنسبة لي لا أقف عند شخص معين واحاول البحث عن اكثر من شخص لتصميم غلاف الكتاب ومن خلال مناقشتي معه للأفكار التي أريد أن ابرزها في هذا الغلاف وبما يتوافق مع محتوى الكتاب سواء اعتمد ذلك التصميم على صور او كلمات او عبارت موجودة في أصل المحتوى أو أن تكون من ابتكار المصمم وبما يتوافق والمضمون وكذلك الافكار التي ناقشتها سلفا مع المصمم لأقف بعدها عند التصميم الذي اقتنع به شخصيا بحيث يكون القرار النهائي لي أنا وليس للمصمم بكوني على ادراك اكثر بما يحتويه هذا الكتاب.


أعلى






تمهيد في علم المخطوطات


أولاً : مبادئ علم المخطوطات
الحد والموضوع ثم الثمرة
إن مبادئ كل فن عشرة
والاسم الاستمداد حكم الشارع
وفضله ونسبه والواضع
ومن درى الجميع حاز الشرفا
مسائل والبعض بالبعض اكتفى

حد علم المخطوطات
المخطوط : وثيقة مكتوبة بخط اليد وعلم المخطوطات هو العلم الخاص بالدراسة الفيلولوجية والكوديكولوجية للكتب غير المطبوعة..والمراد بالدراسة الفيلولوجية هي دراسة متون المخطوطات وما فيها من مادة علمية ( تحقيق النصوص )،والمراد بالدراسة الكوديكولوجية هي دراسة الشكل المادي للمخطوطات ( حبر ، جلد ، الورق ).والمخطوط له أربعة أركان وهي الورق ( الكاغد ) والمداد ( الحبر ) والقلم ( الخط ) والتجليد (التسفير).
موضوع علم المخطوطات
يتناول دراسة المخطوط من جانبيه الأول الجانب العلمي وهو المتعلق بالمادة العلمية في محتوى المخطوط والثاني الجانب الفني المادي وهو المتعلق بترميم المخطوط وتعقيمه وتجليده ونحو ذلك .
ثمرة علم المخطوطات وأهميته
إن المخطوط أهم وأفضل موروث ؛ لأنه يحوى العلم الذي هو موروث الأنبياء ؛ وموروث الأسلاف الصالحين فالمخطوط صلة بين الخلف والسلف في دينهم ولغتهم وتاريخهم وعلومهم وإن أصل هذه الكتب المطبوعة في الساحة إنما هي مأخوذة من أصول مخطوطة لذا لابد من العناية بعلم المخطوطات ؛ لأن هنالك الكثير والكثير من المخطوطات في العالم لم تجد الطريق إلى الآن للطباعة والخروج إلى النور وقد بقي بعضها وضاع الكثير منها بسبب الظروف الطبيعية كالحرق أو الغرق أو نالت منها الرمة أو نوع الحبر ، وكذلك لظروف سياسية أو دينية وغيرها ، أو أن تتعرض للسلب والنهب ، أو لقلة الوعي بأهميتها.وذلك مثل مكتبة بغداد التي قضى عليها التتار ، ومكتبة نور الدين السالمي في الرستاق التي احترقت..إنه علم جدير بالاهتمام كبقية العلوم ، وكم من شهادة علمية أعطيت مقابل تحقيق مخطوط أو بعض منه . وأسست في الغرب كراسي الأستاذية في الجامعات لدراسة التراث العربي الإسلامي وأثره على الحضارة العالمية.والمخطوطات تظهر فن الناسخين العرب وتنظيمهم ومقدمات الكتب لم تعرف إلا عن المسلمين كما أن تاريخ المخطوط العربي أقدم من تاريخ المخطوط الغربي ..إن خدمة المخطوط بالتحقيق والتصحيح فيه مراجعة وتطبيق للقواعد النحوية والصرفية والإملائية والترقيم ، كما أن المحقق يكتسب علماً ومعرفة بمادة المخطوط .
فضل علم المخطوطات
إن علم المخطوط يعد من العلوم النافعة التي يجدر العناية والاهتمام بها ، ولئن كان كثير من الناس يعنون بعلوم وفنون لا تنفع فهذا العلم نافع وجدير لما سبق من أهمية وثمار.ولو لم يقم هذا العلم لما رأينا الكثير من المخطوطات التي تم تحقيقها أو طباعتها أو حفظها على الحال التي وصلت إليها الآن .
واضع علم المخطوط
إن عناية المسلمين بالمخطوط عناية قديمة ، إذ أنه كان للنبي صلى الله عليه وسلم كَّتاب يكتبون الوحي على رقاع أو على عظام أو على حجارة أو على لحاف الشجر ومن أوائل التصانيف في العالم الإسلامي ما فعله الخليفة عمر بن عبدالعزيز حيث استخار الله أربعين يوماً في تدوين الحديث فأذن لأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم بتدوين الحديث فدون ما كان يحفظه في كتاب بعث به إلى الأمصار ، وسنة وفاة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم هو سنة 120 هـ .وقد ألف وهب بن منبه ( ت 110هـ ) كتاباً سماه التيجان في ملوك حمير ، وقد طبع هذا الكتاب سنة 1347هـ .وقد عني العلماء المسلمون بالفنون المتعلقة بالمخطوط كعلم الورق (الكاغد) وعلم صنع الحبر والمداد وكذا علم المعاجم والفهارس والإملاء والترقيم وتصحيح الطبعات وذلك قبل الغرب..فأول فكرة في صناعة المعاجم كان مبتدؤها وابتكارها من قبل العلامة الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري العماني الأصل (100 هـ - 170هـ ) فهو أول من ألف معجماً وهو كتاب العين في اللغة كما أن الخليل بن أحمد هو أول من وضع النقط على الحروف.ثم توالى من بعده على إنشاء المعاجم وترتيبها على الحروف الهجائية كابن دريد العماني الأصل (ت 321هـ) فقد ألف كتابه جمهرة اللغة وهو مرتب على الحروف الهجائية.وكذلك كتاب غريب القرآن لأبي بكر محمد بن عُزيز السجستاني (ت 330هـ) ألف كتابه غريب القرآن وقال في أوله : " هذا تفسير غريب القرآن ، ألف على حروف المعجم ليقرب تناوله ويسهل حفظه على من أراده".وقد عني المسلمون بطباعة المخطوطات وخصوصاً في مصر حيث كانت دار الطباعة المصرية ببولاق مصر وذلك في بدايات إنشاء المطابع الحجرية في القرن الثالث عشر الهجري وكان المصححون في المطبعة علماء لغويين أو فقهاء كالشيخ محمد بن عبدالرحمن الشهير بقطة العدوي ( ت 1281هـ ) وهو صاحب كتاب ( فتح الجليل بشرح شواهد ابن عقيل ) .والشيخ نصر الهوريني المصري
( ت 1291هـ ) وهو صاحب كتاب ( المطالع النصرية للمطابع المصرية ).كما أن مجمع اللغة العربية بدمشق كانت تتولى بتحقيق ونشر المخطوطات من سنة 1919هـ.وأول من أشار بصناعة الكاغد (الورق) هو الفضل بن يحيى البرمكي وكان قائداً في خلافة هارون الرشيد وكان يُصنع من ورق البردى في مصر ويجلب من مصر إلى البلدان الأخرى مثل بغداد وذلك بعد كثرة الحاجة للكتابة وقلة الجلود عن إيفاء الطلب وغلائها وصعوبة التصحيح عليها ولثقلها .
إن العلامة أبو عمرو بن الصلاح ( ت 643هـ ) في كتابه ( علوم الحديث ) قد قعد قواعد تصحيح الكتب المخطوطة في النوع الخامس والعشرين من كتابه وسماه: في كتابة الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده..وقد ألف الخطيب البغدادي كتابه (تقييد العلم ) وهو كتاب وحجة كافية للدلالة على تقدم المسلمين في علم المخطوطات .
استمداد علم المخطوطات
كل فن من فنون المخطوط يستمد من مصدره ففن الحبر والتعقيم والتجليد مأخوذ من علم الكيمياء..وفن تحقيق المخطوطات مأخوذ من اللغة العربية والعلم بالفن الذي يحويه مادة الكتاب ونحو ذلك .
حكم تعلم علم المخطوط
فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين.وذلك لأن مسؤولية الحفاظ على المخطوطات وتحقيقها ملقاة على عاتق جهات أو أشخاص يُعنون بها ولو لم يوجد من يُعنى بها لضاع الكثير من الكتب ولما عرفت جهود كثير من المؤلفين الذين بذلوا مهجهم لتأليف الكتب ولضاعت جهودهم وهنالك الكثير من الكتب النادرة في عالم المخطوط ولم تخرج للطباعة بعد وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.ومسائل علم المخطوط هي الفنون المتعلقة بعلم المخطوطات .
الفنون المتعلقة بعلم المخطوطات
فن تعقيم المخطوطات وتبخيرها:إن المخطوطات قد تتعرض للحشرات فإن أوراق المخطوطات تتكون من عناصر غذائية كأوراق الشجر..مثل النمل الأبيض ودود الكتب وقمل الكتب والصراصير والفطريات والبكتريا أو حتى القوارض كالفئران .
وقد تتعرض المخطوطات لعوامل الحرارة والرطوبة وهما عاملان أساسيان لتكوين الحموضة في الأوراق وذلك بتحويل غاز ثاني كسيد الكبريت إلى حمض الكبريت وكذلك الحرارة والرطوبة تساعدان على تكوين البقع الصفراء والبنية وخصوصاً مع وجود الغبار والأتربة المترسبة على المخطوطات .والضوء يؤثر على المخطوطات فهو يتلفها وذلك باعتبار كونها مصدراً حرارياً وكذلك يؤثر على لون الحبر خاصة الحبر الحديدي والضوء يساعد على تكسير جزيئات السليلوز وتفاعلها كيميائياً .
وكذلك فإن الهواء المحيط بنا قد تأثر بشكل كبير مع بداية الثورة الصناعية والوقود والتلوث البيئي والمخطوطات تتأثر جداً بغاز ثاني أكسيد الكبريت وغاز كبريت الهيدروجين وغاز النشادر وبالأدخنة الناتجة عن الاحتراق كالسجائر وغيرها .
فلذا تحفظ المخطوطات في ظروف وأماكن خاصة فمكان حفظ المخطوط لا ينبغي أن تكون درجة الحرارة فيها أكثر من 20ْم ولا تقل عن 18ْم ونسبة الرطوبة فيها ما بين 55 - 60ْ .فلذا لابد من توافر أجهزة التكييف في مكان حفظ المخطوطات وكذلك جهاز رفع الرطوبة أو امتصاصها وهو جهاز يعمل على رفع نسبة الرطوبة إذا كانت رطوبة المكان أقل من 40% بنشر رذاذ بخار الماء الدقيق جداً في الجو الجاف المحيط بالمخطوط .وتعمل على امتصاص الرطوبة إذا كانت نسبة الرطوبة أكثر من 60% وذلك بامتصاص الرطوبة لمادة السيليكاجل ومادة كلور الكالسيوم .
وكذلك بمنع سقوط ضوء الشمس المباشر على المخطوطات وتركيب ستائر قاتمة على النوافذ لتقليل شدة الإضاءة .وبوضع المخطوطات على رفوف معدنية لا خشبية وكذلك بوضع المخطوط في كراتين خاصة لغرض حفظ المخطوطات وهي مضادة للحموضة ومقاومة للحريق والدخان قدر الإمكان .وكذلك يتوافر في مكان حفظ المخطوط طفايات حريق للاحتياط وعدم وضع سجاد أو موكيت على أرض المستودع والمحافظة على نظافة أرضية المكتبة . وعدم استخدام المطاط أو النايلون اللاصق على كعب المخطوط لتثبيت الورق .
فن ترميم المخطوطات:الترميم عملية فنية ودقيقة ذات معايير جمالية ومهارة يدوية وخبرة.فترميم المخطوط هو عملية علاج لما يصاب به المخطوط من تشققات وكسور وتفتتات وثقوب وأي إصابات تصيب المخطوط .وقبل إجراء عملية الترميم يفضل تصوير المخطوط وجمع الأجزاء المنفصلة عن الأوراق ووضعها في ظرف أو علبة ؛ لإعادتها إلى أماكنها بعد ترميم المخطوط .وكذلك قبل الترميم يُعاد ترتيب أوراق المخطوط بالنظر إلى التعقيبات أو بالمقارنة مع مخطوط آخر للكتاب أو مطبوع إذا كان مطبوعا والترميم غالبا عمل يدوي بحت ويحتاج إلى الكثير من الصبر والأناة والدقة وهو فـن قائم ذاته وله أهله .
فن تجليد المخطوطات:وهذا الفن له أهل اختصاصه وغاليا المخطوطات يتم الحصول عليها مع جلودها الطبيعية المنقوشة فيتم الحفاظ عليها ومعالجتها وتثبيتها مع دعمها أما في حالة عدم وجود الجلد فيتم تجليد المخطوط بجلود طبيعية .
فن جمع المخطوطات وحفظها:وهو فن صعب ومكلف، حيث أنه يعني البحث عن أصحاب المخطوطات وملاكها والاتصال بهم ومحاولة إقناعهم لبيع مخطوطاتهم أو إهدائها أومساقبتها أو معاوضتها بمطبوعات وغير ذلك .وبعد الحصول على المخطوطات لابد من القيام بحفظها في أماكن خاصة وفق شروط ومواصفات قياسية.
فن فهرسة المخطوطات:إن عالم المخطوطات يختلف عن عالم المطبوعات فالمخطوط قد يضم بين دفتيه عشر عناوين مختلفة وفي فنون مختلفة وبعضها مكتمل وبعضها ناقص وبعضها معلوم المؤلف والآخر مجهول المؤلف والعنوان .
بخلاف المطبوع فهو كتاب واحد ومعلوم العنوان والمؤلف ومكتمل .
فلهذا الاختلاف أثر في طريقة فهرسة المخطوطات إذ إن مهمة فهرسة المخطوط مهمة صعبة غير هينة بخلاف فهرسة المطبوع بطريقة فهرس الكونجرس أو نظام ديوي العشري وغير ذلك من الطرائق .
فن تحقيق المخطوطات:التحقيق لغة مصدر من الفعل حقق يحقق تحقيقاً
ويعنى وأصله : إحكام الشيء وصحته والتيقن منه.ومنه قول العرب : ثوب محقق إذا كان محكم النسيج يقول الشاعر :
تَسَـرْبلْ جلد وجه أبيك إنا
كفيناك المحققة الرقاقا
وتعريفه اصطلاحاً : ( هو إخراج الكتاب على أسس صحيحة محكمة من التحقيق العلمي في عنوانه ، واسم مؤلفه ، ونسبته إليه ، وتحريره من التصحيف والتحريف ، والخطأ ، والنقص ، والزيادة )..وبعضهم يعرفه بقوله : ( هو إخراج المخطوط بصورة مطابقة لأصل المؤلف ، أو الأصل الصحيح الموثوق إذا فقدت نسخة المؤلف ) .
صفات المحقق الناجح : أن يمتلك الإحساس بقيمة التراث العلمي والفكري وإدراك أهميته ويشعر بالحب والتعلق بالتراث المخطوط وتوثيق صلته به ويكون له الخبرة والتمرس بتحقيق المخطوطات وفهم مصطلحاتها وإدراك إشكالياتها والعلم والدراسة بموضوع الكتاب المراد تحقيقه ويراعي الأمانة العلمية في نقل النص وعدم التحريف ولا التزوير ويبذل الجهد ويتحلى بالصبر والأناة.ولديه الإلمام الواسع باللغة العربية وأساليبها ومفرداتها وعلومها ويكون واسع الاطلاع على كتب التراث ومصادره في العالم ، والصلة بالجهات المعنية بالمخطوطات. وكلما كان المحقق أقرب إلى بلد المؤلف كان أفضل ، فقد صحف أحد المحققين اسم قريات إلى قربات لأنه لا يعرف مناطق عُمان ، وقام بتخطئة ناسخ المخطوط الذي كتب الاسم صحيحا.
وخطوات التحقيق هي :أولاً اختيار المخطوطة فيكون في علم نافع ومكتملاً ولم يخدم من قبل والمخطوطات على درجات..أفضلها ما كان بخط مؤلفه وتسمى بالنسخة الأم..ويليها في المرتبة ما قُرِأ على المؤلف وأثبت المؤلف بخطه أنها قُرِأت عليه..ويليها في المرتبة ما نُسخ عن نسخة المؤلف ( النسخة الأم ) أو قوبلت عليها
ثم ما نسخ في عصر المؤلف وعليها سماعات علماء ثم ما نسخ في عصر المؤلف وليس عليها سماعات علماء ثم ما نسخ بعد عصر المؤلف ونسخه أفضل مما كتبه من لم يكن معروفاً بعلم..ثانياً : جمع نسخ المخطوطة للمقارنة بينها مع الاعتماد على أفضل وأصح نسخة.وثالثاً : فحص النسخ والتحقيق من صحة معلوماتها وذلك بالتحقيق من :الورق وقدمه والحبر ؛ لأن لكل زمن نوعا من الحبر وبعض الحبر لم يكن موجوداً في بعض الأزمنة دراسة الخط وتمييز ناسخه..التحقق من عنوان الكتاب ، فقد يكون العنوان غير صحيح وإنما هو وصف للكتاب أو تشابه ويخطئ الناسخ مثل تسمية جامع ابن جعفر بجامع الأديان وجامع الدماء وجامع الأحكام والصواب أن هذه أسماء بعض أجزاء جامع ابن جعفر.التحقق من اسم المؤلف فبعضهم طبع كتاب تسهيل المنافع باسم كتاب الأزرق خطأ ، ونسب الكتاب إلى محمد بن ناصر بن سليمان والحقيقة أنه ناسخ والمؤلف الحقيقي هو إبراهيم بن عبدالرحمن الأزرق . التحقيق من الناسخ وسنة النسخ .
رابعاً : تحقيق متن المخطوطة وهو أمر صعب غير يسير فلابد من الخبرة وذلك :بقراءة المخطوطة قراءة متكررة ومعرفة أسلوب المؤلف وبالرجوع إلى منهجية المؤلف في مؤلفاته الأخرى والعلم بالمادة العلمية للمخطوط وفهم مفرداته ومصطلحاته (والأصل أصحب)،الرجوع إلى الكتب في العلم المراد تحقيق مخطوطه .ترجيح روايات النسخ المخطوطة، تصحيح الأخطاء الإملائية والتصحيف والتحريف أو أخطاء المؤلف نفسه وخطأ الناسخ،الزيادات والمحذوفات (لانطماس كتابة أو سقوط الورق) ، وفي بعض الأحيان تظهر الزيادة بقول النساخ (ومن غيره) أو (رجع) كما هو الحال في جامع ابن جعفر،يشكَّل ما يُشكِل وكما قيل ( إنما يُشكَّل ما يُشكِل ) وحكى بعض أهل العلم أن الأفضل أن يشكَّل ما يُشكِل وما لا يُشكِل لفائدة غير المتبحر، التعليق في المسألة وتخريج الآيات والأحاديث والآثار والتعريف بالبلدان وتوثيق المعلومات من مصادر أخرى،تبويب الكتاب المخطوط أو تقسيمه إلى فصول وعناوين ويجعلها بين معكوفتين [ ] ليعلم أنه من صنع المحقق، فهرسة المخطوط،دراسة المخطوط ( المؤلف ، الكتاب ) الملخص النهائي،فن نشر وطباعة المخطوط،فن تصوير المخطوطات سواء على المايكروفيلم أو في الأقراص المدمجة وغير ذلك من الطرق،ولابد من مراعاة حال المخطوط أثناء التصوير،فن إدارة المخطوطات وتنظيم استخدامها .

إبراهيم بن حسن البلوشي*


أعلى




الأدب الشعبي

* بوح ..
للمصالحة من أجل الشعر

منذ سنوات خلت كانت الصفحات الشعرية الشعبية في الصحف نماذج متميزة للتنافس الشريف من خلال ما يقدمه محررو هذه الصفحات على مستوى المواد الشعرية المتاحة وعلى الأطروحات التي يقدمها كل محرر ، وبمقابل ما افرزه ذاك التنافس من تكوين مجموعات متحزّبة كلٍ لوجهة نظهره ، الا ان ذلك التحزب بشكل أو بآخر ينصب في إطار القضية والمعني بالقضية هنا (الشعر) ولا يطال النفوس مهما طال الأمد ، بدليل ان محرري الصفحات وشعراء كل صفحة في لقاء مستمر بإختلاف وجهات نظر الكتابة ، وهذا ما كوّن وعي ثقافي حتى على مستوى القصيدة خلال السنوات البعيدة الماضية ، اما في الوقت القريب الماضي وخلال السنوات القادمة فأن التحزّب المعهود تقريبا شبه منتهي على مستوى المحررين والشعراء لإعتقاد الكثير من المهتمين بأن الفضائيات هي الأهم في هذا العصر ، لذا فأن الصفحات الشعرية الشعبية لا تشكّل الشغل الشاغل لهم ، ولكن المقلق دائما في هذا العصر هو قصر النظرة في عقل الشعراء الآنيين فما يحدث من وجهات نظر للصالح العام للأسف تخصص للأشخاص وتطال الفرد دون سواه ، وظلّت هذه الأخيرة للأسف مسيطرة على عقول البعض من الشعراء برغم قلّتهم الا أنهم يحاولوا بشكل او بآخر تعميم الأشياء وتأثيرها على مستوى العامة وهذا ما يخلق الكثير من اللغط وبالتالي هو لا يؤثر على مسيرة مؤسسة ما او ساحة ما بل يساهم في تأخير تطورها او إلتزام بعض الشعراء بها ، ولكن لماذا لا نكون اكثر عقلا من ذلك ونحاول الإبتعاد عن مهاترات هذه المرحلة بل ونحاول الدفع بعجلة التقدم والتطوير إلى الأمام والانتقال إلى نظرة هدفها البعيد هو الساحة بما تحتوية والابتعاد عن الفوائد الفردية التي يجني منها الشعر أي شي ، وبالتالي نقدم نماذج للتعاضد والألفة ونعكس صور حية على الواقع أمام أنفسنا كشعراء وجمهور ودولة وأمام الآخرين كساحات من شعراء وغيرهم .. واعتقد اننا قادرين على فعل ذلك لأن لو ركزّنا بشكل ثاقب في الموضوع لوجدنا ان أسباب وتداعيات ما خلفته الحقبة القريبة الماضية ليست بالأهمية الكبيرة التي تستدعي ردة فعل أقوى بكثير من الفعل نفسه ، ومع املنا بهذا الحلم الجميل كلنا ثقة بأن القلوب مفتوحة لتقبل الآراء وكل ثقة بأننا قادرين على غلبة تلك الظروف .. نتمنى التفكير جليا من كافة الشعراء في هذا الشأن .. وقلوبنا مع الجميع بكل حب للحب جميعه.

بادرة جميلة
في بادرة جميلة أقيمت منتصف الأسبوع الماضي قدم مجلس الشعر الشعبي العماني نموذجا مثاليا للحمة والتعاون المتميز الذي يقوم على أهدافه المجلس من خلال الاحتفاء بمجلة ( وهج ) الشعرية والتي صدرت مؤخرا كأول مجلة للشعر الشعبي ، وحديثي هنا ليس على الفعالية ولا على إطراف الفعالية ولكن هي نماذج فقط ، فما تحقق من هذه الفعالية بشكل أو بآخر يصب في خدمة الساحة من خلال تقاطع الأهداف لكلا الأطراف ، حيث قدمت هذه الفعالية نتائج مهمة تجسدت أولا في التعاون المشترك بين المجلس والمجلة من خلال المؤسسة والأفراد وكذلك التنسيق في الفعاليات التي يقيمها الجانبين بحيث لا يحدث التضارب في مواعيد ونوعية ما يُقام ، إضافة إلى الدعم المأمول من كلا الجانبين في إطار المصلحة العامة وهذا ما يهدف له الجميع وما نأمله قريبا ، وما من شك في ذلك في ظل الاهتمام والدعم المباشر من صاحب السمو السيد فاتك بن فهر آل سعيد المشرف العام على مجلس الشعر والذي أثنى على مجلة (وهج) وعلى أهمية وجودتها وخدمتها للساحة وتمنى لها التوفيق خلال مسيرتها. وكهذا النموذج نتمنى من جميع المؤسسات ان تقيم اجتماعا تنسيقيا على مستوى رؤساء مجالس إدارتها بحيث يتم التشاور فيما يخدم الساحة كلٍ في مجاله ونحو مزيدا من التنسيق خاصة في شأن المواعيد ونوعية الفعاليات للمصلحة العامة.


ومضة ..

هذا انا مريت لك مثل هالحلم
وانتي كبيره تستظلي بظــلّي !
نفس الشعور اللي تحسيّه بالظلم
هو نفس احساسي ولكن بْكلّي
هذا انا ، وانتي (متاهات ).. للعلم
جيتك كبيرٍ وانتهيتك بولّي

فيصل العلوي

ــــــــــــــــــــــــ

* من الذاكرة ..

طرفا

( طرفا) حداء السحر إيقاع صافي
( طرفا) جمال اليوسفي تْجيب برّه
في بوحها يكّه وترياق شافي
صارت لأحلى ذوق عينٍ وقرّه
من سلْهمتها صحّت الهام غافي
تفتح لي البحر وْصناديق درّه
شالت خفوقي من ضلوع المنافي
من ليلة الهم لْ صباح المسرّه
يشبه شعوري مجدبات الفيافي
قبل التقيها .. ويفرغ الكاس مُرّه
بأمس الظما أخفض جناح إل..هيافي
بيوم الحيا .. ما للعذر من تشرّه
برموشها للعاطفه حس دافي
درب المنايا عاشق الدفء مَرّه
( طرفا) لها تنساق بكر القوافي
إحساسها برق وْخيولٍ مكرّهالصمت أولى لْعاذلٍ قال : كافي
هو ما درا عن سحرها وين سِرّه ؟!!
لعيونها أوطا على الجمر حافي
وأقلّب الجمر بْيديني واذرّه ..
وارجع ألمّه من وريد السوافي
الشوق جمره في شمالي مقرّه
يا شيخة الغيد المراكب شغافي
وشْراعها رْياح الصبابه تجرّه
حطّي همومك في مناكب ضفافي
قبل الضفاف النهر .. لله درّه
تلقين يا ( طرفا) حديث السنافي
شيخٍ جليل وْله من الطهر غرّه
ضجّوا صحاب الأقنعه باعترافي
انا الوحيد امواجه المستقّرّه..
أقولها يا بنت من قلب وافي
أقولها وآقولها ألف مرّه ..

بدر الشحيمي

ــــــــــــــــــــــــ


ُرويـــــدا

تـشـبهـين أحـياء رومــا في روائـــــع شـكـسـبير
الـحــواري الفـسـتـقـية، ناصــيـــات الأرجــــوان
الأزقــة وقـــد كـنـســها الـظـل، أسـواق الـحــرير
الــسـكـك، "الكـولـسيوو"، بـــائعـات الأقـحـوان
سـاحة العُـشّـاق، "نافـونا"، بــرنــدات العــبــير
وتمـثال "رومولوس" وفي يده المـفاتيح الثمان
المــدينة اللـي صــنعــها الله بــإيـديـن الـفـــقــير
ثـم عــاثـوا مـتـرفـوهـا فـأفـســـدوا طُـهـر المكان
لتـخـتـنق أنفـاس عـذرا وينتهي العـصـر المطـير
ويبـتـدي ســـرب الحـمائـم هـجـرته نحـو الأمـان
وتشبهين "انطونومانوس" ذلك الشيخ الضـرير
الــذي يـحـرق لأنـه قــد ســرق عـقـد الـجـمـان !
والـفـتـن لـما تـطـل بـرأســـهـــا مــن كــل بـــيـر
وانـقـسـامـات الـكـنـيـسـة واخـتـفـاء الشـمــعـدان
وتـشـبهـين الـبـطـرياك في لوحة الـقـصـر الكـبـير
وكـذبة المـوت المـؤدي إلى فــراديــس الـجـــنان
ورقـصـة الـشـر الغــبـية بـين أشـــلاء الضــمــيـر
وصـحـوة الـكُرْه المـبـيّـت تـحـت إبـط الإحـتــقـان
والطـرُق لـما تـمـل الأرض مـن قــل الـمـــســــيـر
لا "تــــوارج" لا نـفـائـس لا قـــوافـــل لا لــبـان
تـشـبـهـــين بـكـل ما بِـك ذلـك الـحـلـو الــمــريـر
كــأنــكِ رومــا جـديـدة في زمـن غـيـر الــــزمـان
اتــفـقـــتـوا فـكـل شـي حـتى البـداية والمـصـــيـر
واخـتـلفـتوا يا "رويـدا" في الصـلاة وفي الأذان

عبدالله بن علي العمري

ــــــــــــــــــــــــ

زله لسان

لملمي باقي شتاتك وارحلي لديره سحاب
وامطري بسهام عينك كل وجه حاربك
افتحي شباك قلبك واعلني انك سراب
وامحي من باقي حياتك كل شك ساورك
كل ما افتح دفتر حضورك اسجل به غياب
القى به صوره خيالك هي اصل لصورتك
اغفري زله لساني ووجهي نظره عتاب
وانسي اني كنت يوم صرت خاتم باصبعك
سافري بجراح قلبي يمكن تزيدي عذاب
وصوري رعشه اهداب كنها منك ولك
ولا تجرحيني وجرحك اللي مضى بعد ماطاب
كافي تجريح المشاعر سجلي في خانتك
حاسبيني فكل غلطه وراجعي بعد الحساب
يمكن تكوني ظلمتي من مشى في سكتك
دوري باقي رفاتي مطويه ب صفحه كتاب
تذكرين لما نقلتي من الكتاب بدفترك
ولو نطقتي وقلتي انك كنتي وحدك باغتراب
بانثرك بادراج ريح يمكن ارجع واجمعك

عبدالله المعني

ــــــــــــــــــــــــ
حبيبتي بغداد

بعد التحية ،،،
وأعذب عبارات الغزل
ورغم الجفاف اللي يذوب بداخل عروقي
بنبش خفايا أعماق روحي
وأجلد عذاباتي وجروحي
واحط ملحك "ع" الجروح
وأغرز سكاكينك بصدري
واخنق طيورك
وأوئد بناتك في المهد
وأوئد بعد كل الذكور
علّ وعسى أرضي غروري
إن كان بي باقي شعور
وأزرع بصدرك شوك .. وأرجع احضنك
وأسرق من عيونك ضياء
وأتغزّل بعينك
آآآآآآآآهٍ يـ ليلى عالمي
ليتك تقولي ( وش تحسي من مرار )
يا منطّقة صمت الزمان
يا مكحّلة النهر بحبر
يا أرض طينك من ذهب
بغداد يا روح العرب
.
.
.
بالله يا أرض الرافدين
كوني على العهد القديم
وإن جاكِ منّا أي قصور
الأم ... هل تقسو على أولادها ؟
.
.
.
الله يجيب لنا عزوم
ونرجّع الماضي السعيد
حبيبتي
أرجو العذر في الخاتمة
وأبعث سلامي للجميع
توقيع :
راشد بن سعيد

راشد بن سعيد الشامسي

ــــــــــــــــــــــــ


* وهج ..

عزّك

الفخر طفل رضع من جاه عزك
والمجد لولاك ما غنى طـرب
خصنا ربي عن الباقي بحبك
وانفردنا بكل شيء عز ونسب
كن ربي قد خلقنا جنس ثاني
او جعل في دمنا لحبك سبب

محفوظ الفارسي

ــــــــــــــــــــــــ

* استراحة ..

أم بوم

من فنون السمر والتسلية وفيه يتواكب الغناء مع الحركة الراقصة التي تؤديها النساء وهن ينتضمن في صف واحد مستعرض وإيقاع الغناء والرقص في " أم البوم " هو مركب من شطرتين إيقاعيتين: فقرتان تليهما سكته فاصلة ثم ثلاث فقرات وقد يحدث العكس فتتقدم الفقرات الثلاث تليها سكته فاصلة ثم الفقرتان وهذا الإيقاع تؤديه مجموعة من النساء المغنيات بالتصفيق ويؤيديه الطبلان الكاسر والرحماني ويكون الطبالان من الرجال وفي الحركة الراقصة لفن " أم البوم " تثني النساء الركبة في مكان السكتة التي تفصل ما بين وإن كان فن " أم بوم " معروف في ولايات المنطقة الشرقية - دون غيرها من المناطق - ففي ولاية " القابل " يعرفونه بإسم " الكرتونة " .

ــــــــــــــــــــــــ

تأبين

قال عمار العبدي:صليت مع عمر بن الخطاب الصبح،فلما انفتل من صلاته إذا هو برجل قصير أعور متنكب قوسا،وبيده هراوة،فقال:من هذا؟فقال:متمم بن نويرة،فاستنشده قوله في أخيه فأنشده:
لعمري وما دهري بتأبين مالك
ولا جزعٍ مما أصاب فأوجعا
لقد كَفَّن المنهال تحت ثيابه
فتى غير مبطان العشيات أروعا
حتى بلغ إلى قوله:
وكنا كندماني جذيمة حقبة
من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
فلما تفارقنا كأني ومالكا
لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
فقال عمر:هذا والله التأبين،ولو وددت أني أحسن الشعر فأرثي أخي زيدا بمثل ما رثيت به أخاك،فقال متمم:لو أن أخي مات على ما مات عليه أخوك ما رثيته ـ وكان قتل باليمامة شهيدا ـ فقال عمر:ما عزاني أحد عن أخي بمثل ما عزاني به متمم، وكان عمر يقول:ما هبت الصبا من نحو اليمامة إلا خُيِّلَ إليَّ أني أشم ريح أخي زيد.


أعلى


ماركيـز

ربما يكون أهم ما في رواية "الحب في زمن الكولير" كما يقول الشاعر خوسي كارثيا نيثيو هو تلك الحيرة التي نجد أنفسنا غارقين فيها منذ بداية الرواية حتى آخرها. وأن الدهشة التي أصابتنا في "مائة عام من العزلة" تصيبنا عند قراءة "الحب في زمن الكوليرا" غير أنها قادمة من طرق أخرى. هنا كل شيء ممكن كل شيء يتحول إلى الممكن ويظهر بعد معرفة الأحداث بأنه لم يكن بالإمكان حدوثها بشكل آخر.
بعد عشر سنوات من قراءتها أعود إليها مرة أخرى عودة لم يكن مخطط لها ولكن كنت أبحث عن كتاب آخر وإذا بها في يدي فأنستني الكتاب الذي كنت أبحث عنه بعد أن كنت حتى الشهر الفائت مزحوما بقراءة العديد من الإصدارات العمانية التي شهدتها ساحتنا الثقافية منذ نهاية العام الذي كانت فيه مسقط عاصمة للثقافة العربية.
وإذا كانت الحيرة التي يغرق فيها قارئ الرواية كما أشار الشاعر خوسي كارثيا اختلفت عندي بين العمر الذي كنته قبل عشر سنوات والسن الذي وصلته في قراءتي الثانية. فإن الدهشة لم تختلف بل امتزجت بإعجاب بقلم ساحر أميركا اللاتينية (غابريل غاريسيا ماركيز) الذي ذاع صيته بعد نشره لرائعة "مائة عام من العزلة" وخلقت اهتماما استثنائيا بأدب أميركا اللاتينية بشكل عام.
وقد كان طوال السنوات الثلاثين الماضية صامدا في وجه إغراءات الملايين من الدولارات التي راودته للموافقة على تحويل رواياته إلى أفلام سينمائية "عندما يشاهد القارئ الرواية على الشاشة فإن الشخصيات ستصبح ذات أشكال محددة هي أشكال الممثلين وهي ليست التي يمكن أن يتخيلها المرء أثناء القراءة" هكذا يقول.

وماركيز الذي اتخذ مواقف لا ينساها له محبو السلام والعدالة في العالم حين أعلن مناصرته للشعب الفلسطيني ضد الاضطهاد الذي يعاني منه وطالب في تصريحه الشهير منح شارون جائزة نوبل في القتل والإجرام. قال هذا الكلام إبان فوزه بجائزة نوبل للآداب وهو موقف غير معهود لمن يحصلون أو يسعون للحصول على هذه الجائزة .
بالنسبة لي على الأقل كل شيء يقوله ماركيز أو يكتبه يصبح فاتناً وساحراً ورائعاً .
ولكن يبدو أن الداء الخبيث سوف يوقف انطلاقة هذا الرجل العنيد الذي لم يلتقط أنفاسه منذ ألف الحرف والكلمة حيث صدمت وأنا أقرأ مؤخرا عن أن خلايا السرطان تتمدد بخبث داخل الجسد الذي يحمل رأساً طالما رفد الساحة الإنسانية بخلايا الإبداع والفكر الواقعي.
أتحين الفرصة الآن للإبحار في روايته التي تمثل سيرته"عشت لأروي ".

خليفة بن سلطان العبري

أعلى


 

ليلةٌ محايدةٌ وتَطَرُّفات أخرى

(1)
كان الخلاف العميق الذي دبَّ بين فرويد ويونج حدثاً مفصليَّاً في تاريخ علم النفس عموماً ومدرسة التحليل النفسي خصوصاً كما هو معروف. لكنه كان خلافاً إيجابيَّاً وخلاقاً كما هو الحال في خلافات العمالقة عبر التاريخ حين اتضح من ضمن ما اتضح فيما بعد ان "الأنا السُّفلى" (فرويد) و"اللا وعي الجمعي" (يونج) يتساويان في الأهمية والخطورة إن على صعيد الفرد أو على صعيد الجماعة. وفي خضم ذلك الخلاف حصلت "قفشات" ظريفة قليلة من قبيل أن فرويد قال انه كان يحترم يونج قبل أن يسأم من الصرامة المطلوبة لمهنة التحليل النفسي و"يبدأ في الاعتقاد أنه نََبِيٌّ"!، بينما قال يونج في مقابلة يحتويها الفيلم السينمائي الوثائقي الوحيد عنه ان فرويد قد تعجَّل في إطلاق أحكام كبيرة ومُطْلَقَة على كائن خرج لتوِّه من الغابة، ولذلك فإن علينا أن ننتظر قليلاً لأننا لا ندري بالضبط ما الذي يمكن أن يأتي به!.
وهو أنفق النصف الأول من عمره مجاهِداً كي يكون إنساناً، إنساناً فحسب، إنساناً فقط. إنسان. متى، إذن، ستتحقق بقية مشروعه في ضوء مقولة نيتشه ان كونك "إنساناً" ليس إلا "مرحلة انتقاليَّة" إن كنت قادراً على الذهاب إلى ما هو أسمى من ذلك؟.
يا لهذا الـ "إنسان" المُعَذَّب.

(2)
كما في مقالة بيضاء لِحَسَنْ مَدَنْ، جدران بيضاء، ضوء أبيض، وجوه بيضاء، سرير أبيض، أقراص بيضاء، طَعَامٌ أبيض، ماء أبيض، كوابيس بيضاء (على الرغم من قوَّة حقنة المُخَدِّر الأبيض)، عَظْمٌ أبيض (أبيض أكثر مما ينبغي حتى في الأخدود كما ظهر في صورة الأشعَّة)، ورأسه يهوي في الرماد.
ألوان؟. ألوان.

(3)
"غصن مقطوع من شجرة". مرحى له انتماؤه إلى غابات الأرض كُلِّها.

(4)
شجرة تحجب الغابة كل تلك السنوات. فزَّاعة، والنُّقاد طيورغبيَّة أحياناً.

(5)
أربع شفاه
أربع شفاه متشققة
في آخر الليل
الليل الأبعد من قصيدة
القصيدة الأبعد من البدء
البدء الذي سيكون.

(6)
منفاه ليس في المرآة
لكن جاءت إليه المرآة
قال للمرآة: "..........."
قالت له المرآة: "............"

(7)
أيها المِثَالُ: كم أمقتك لأنك لستَ أنت.

(8)
لا يريد أن يموت في هذه الليلة. يريد أن يموت في ليلة أكثر أسى، أو أكثر حزناً، أو أكثر كآبة، أو أكثر فرحاً، أو أكثر خمراً، أو أكثر حليباً، أو أكثر كمداً، أو أكثر عبثاً، أو أكثر عدماً، بعض الشيء.
كلا، لا يريد أن يموت في ليلة محايدة إلى هذا الحد.

(9)
الغصَّة التي في الجسد، وليس في أي مكان اخر.

(10)
رأسٌ أثقل من أرض وسماء تعيثان فيه.

(11)
أهو الفجر الصادق أخيراً فيما تبقى من كل هذا الليل؟. إنه يراه يحوم حوله بجناحيه العملاقين منذ الظهيرة كما رأته هي ذات ليلة ماطرة.
سيأخذه الفجر الصادق إلى حيث يشاء، لكن ليس إليها.
فَجْرٌ يكذب.

(12)
لكن
يا حبيبتي
ما دام الجسد يضيق بنا
فإننا سنرحل
ما دام الوطن يضيق بنا
فإننا سنرحل
سنرحل أيَتُهَا الغريبة
سنرحل
دمنا هذا شراع
وشراعنا هذا مدى
والبحر يغور أمام أرض فاسدة
فاسدة
آه، فاسدة.

(13)
من المسافات القصيرة كل شيء يبدو بعيداً.

(14)
(أ)
لوس أنجلوس، الأربعاء، 7 مارس 2001:
في الدور الرابع من مكتبة الجامعة، وأنا ذاهب إلى صندوقِ كُتُبِي المُستأجَر في الزاوية حيث يوجد اثنان من أجهزة الحاسوب، شَمَمْتُ رائحة متعفنة (ليس هناك من كلمة أخرى لوصفها) قبل أن أرى ذلك المُشَرَّد [homeless] الأسود المرتدي أسمالاً بالية من مختلف الأنواع، وحذاء لا يقي حتى الطين من البلل، وقبعة متشققة مثل سماءٍ من فضيحة، وضمَّادة طبيَّة تحاول أن تغطي دملأً متقيِّحا يَتَفَصَّدُ على وجه الأرض الأميركيَّة كُلِّها.
كان جالسا إلى جهاز الحاسوب ويقرأ ما على شاشته باهتمام شديد. حين اقتربت منه أدركت أن رائحته لا تجيء من تحت الأرض، من القبر فاغر الفاه لمزيد من الموتى كل يوم، بل من الأحياء.
ألقيت نظرة على ساعتي. وحين غادرت المكتبة بعد خمس ساعات بالضبط كان لا يزال جالسا إلى جهاز الحاسوب بنفس الاهتمام ونفس الرائحة، بالضبط.

(ب)
لوس أنجلوس، الخميس، 8 مارس 2001:
لم يكن موجوداً في المكتبة اليوم. لكن الرائحة كانت هناك، وأقوى مما كانت عليه يوم أمس.


عبدالله حبيب*
* أديب عماني

 

أعلى


 

أفق
من قيد الشكل إلى قيد المعنى

لقد انتبه بعض النقاد العرب القدامى بوضوح وبعضهم بحذر إلى التطور الحاصل في بنية القصيدة انعكاساً أو انفتاحاً على تطور الحياة الصحراوية نفسها، لما للبيئة من تأثير على روح الشاعر وفكره. ويتجلى ذلك الفهم في انتصارهم للشعر المحدث بالرغم من معارضة جمهرة السلفيين الذين لا يقبلون التزحزح عن طروحاتهم.
فينتصر ابن رشيق القيرواني في كتابه "العمدة" إلى قانون التطور وحتميته في بنية القصيدة العربية متابعاً تسلسل تطورها عبر الحقب التي مرت بشعرائها فيقول:
"وإذا تأملت هذا تبين لك ما في أشعار الصدر الأول من الإسلاميين من الزيادات على معاني القدماء والمخضرمين، ثم ما في أشعار طبقة جرير والفرزدق وأصحابهما من التوليدات والإبداعات العجيبة التي لا يقع مثلها للقدماء، إلا في الندرة القليلة والفلتة المفردة، ثم أتى بشار بن برد وأصحابه فزادوا معاني ما مرت قط بخاطر جاهلي ولا مخضرم ولا إسلامي، والمعاني أبداً تتردد وتتولد، والكلام يفتح بعضه بعضاً".
ومثل هذا الكلام يشير إلى وعي متقدم لعامل الزمن في التغيير والحداثة، يتطابق مع الوعي بعامل البيئة والتنقل وتغير المناخ والثقافات، والذي أشار إليه بعض النقاد العرب في قضية الصراع بين القديم والجديد ورأوا في تفاعله تأثيراً ملموساً وواقعياً على شاعر واحد في حقبة واحدة كما حدث لعلي بن الجهم القادم من الصحراء، حين توجه في مدحه للخليفة المتوكل في بغداد قائلاً:
"أنت كالكلب في حفاظك للود وكالتيس في قراع الخطوب"
فضج المستمعون بالاستنكار من صلافة الوصف وغلظته، لينتهي بعد سنين - وقد عاش حياة الترف البغدادية - إلى قصيدته الشهيرة:
عيون المها بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
فقد تغيرت اللغة بتغير البيئة والمناخ والثقافة، وسلست المفردات وحلقت الرؤى نتيجة لتغير الحياة نفسها. بينما ظل جمود اللغة عند بعض الشعراء حتى وهم يعيشون الحياة المدنية نفسها دليلاً على جمود طاقاتهم الابداعية. وهذا الجمود الذي قاد السلفيين المتعصبين للقديم والتأكيد على جزالة اللفظ قبل أكثر من ألف عام، هو الذي يقود اليوم قصيدة النثر إلى المشكلة نفسها، باتكال بعض شعرائها على اللفظ وحده. إذ أصبحت القصيدة الحديثة عندهم مجرد شكل لفظي، أقرب إلى الصنعة منه إلى الروح. وإلى التكلس والتعقيد أكثر منه إلى الدهشة والتحليق.
لماذا الإصرار على أن يكون الشكل اللفظي بديلاً عن المعنى والروح والأفق؟
هذا المسلك اللغوي لم يأت بجديد سوى تبيان ثراء القاموس اللفظي للشاعر والذي مهما اتسع لن يضاهي ثراء ابن منظور في معجمه الضخم ومع ذلك لم تحفظ له ذاكرة الذائقة الشعرية بيتاً متفرداً واحداً. فاللفظ مهما ابتدع لا يقود في كثير من الأحيان إلا إلى اللفظ. لكن المعنى بتشكيلاته المبدعة قد يولد أشكاله وألفاظه الغريبة المدهشة من خلال إنتاج اللغة نفسها وتحميلها بأكثر من معنى وشكل. وهذا يحتاج بالإضافة إلى الثقافة واللغة، روحاً ودربة وهوساً، لا يتأتى لكل من ملك زمام الكتابة، وقد كثروا منذ القدم، حدَّ أن يشكو صاحب كتاب "الصناعتين" أبو هلال العسكري قائلاً: "والذي قصر الشعر كثرته وتعاطي كل أحد له"..
فما بالك في زمن المطابع الإلكترونية، واتساع وسائل النشر، هذه؟
وقد أدى تمكن النظامين من وعاء الوزن والقافية إلى النظم بأي وقت يشاؤون وأي موضوع يريدون إذ لا يتطلب الأمر سوى إلى الانسياق بالألفاظ لملء فراغات الوزن الشعري بل حتى بدون وزن، بعد شيوع قصيدة النثر.
وقد انتصر الأصمعي لبشار بن برد على مروان ابن أبي حفصة حين سئل عنهما، شارحاً معيار التفضيل في منهجه كالآتي:
"لأن مروان أخذ بمسالك الأوائل، سلك طريقاً كثر سلاكه، فلن يلحق بمن تقدمه. وأن بشاراً سلك طريقاً لم يسلكه أحد، فانفرد به وأحسن فيه" (انظر: الموشح للمرزباني).
وعلى هذا المسلك نفسه اتجه أبو نواس وأبو تمام والكوكبة الطليعية في الشعر العربي كالمتنبي والمعري وابن الرومي وبشار بن برد والخ إلى الاستكشاف والابتداع والتوغل في الحساسية الشعرية وليس في محاكاة الموروث والاشتقاق منه والتفريع عنه. فذهب كل منهم إلى تأسيس النص الخاص به، فلكل شاعر مجدد مسالكه ومملكته، محرضاً الناقد المجدد أيضاً على استكشاف آفاق أخرى ربما لا يعرفها الشاعر نفسه، كما كان حال المتنبي حين كان يحيل من يسأله عن شعره إلى ابن جني لأنه كان يراه أعلم منه بفنون شعره.
وهذه الاستكشافات الحداثوية الآن، في الشعر والنقد معاً، فتحت المجال للكشف عن مكنونات النص المتفرد المحدث. ولم يأت هذا التفرد من الخارج - أي من اللغة/ المحاكاة/ الواقع المجرد - وإنما من الداخل - أي من الروح/ التجربة/ الثقافة/ المعاناة/ الأحاسيس/ الواقع الممتزج بالذات والنهل من الجمال - وهذا يعطي للغة نفسها أفقاً آخر فتتماهى مع المعنى لتكون شكلاً ولفظاً واحداً، فيكون للمفردة أكثر من معنى وأكثر من شكل من خلال انزياحها عن معناها وشكلها القاموسي، وهذا الانزياح الخلاق يأخذ النص إلى الدهشة والغرابة بالتأكيد، لكنها ليست الغرابة المصطنعة الفارغة الممجوجة ذلك أن وراءها يتوقد عالم كامل.
وعلى هذا يخلق النص حضوره المتجدد في كل زمان ومكان وتلك هي أولى سمات الحداثة باعتبارها جذر الزمن الحي. ويصبح النص خالقاً وليس مختلقاً، لا متناهياً أبداً وليس مرتبطاً بمرحلة أو أيديولوجيا أو مذهب فني أو شكل معين.
وقد أشار القلقشندي مبكراً إلى تلك القيود المكبّلة للخيال الشعري فرأى أنها لا تكون لدى النثر ولا تحد حريته، ممهداً الطريق، ربما دون أن يدري، إلى بدايات التفكير بالنص المفتوح وقصيدة النثر.
فالشعر - كما توصل - أقل مقاماً وتعبيراً من النثر وأن "النثر أرفع منه درجة، وأعلى رتبة، وأشرف مقاماً، وأحسن نظاماً، إذ الشعر محصور في وزن وقافية يحتاج الشاعر معهما إلى زيادة الألفاظ والتقديم فيها والتأخير، وقصر الممدود ومد المقصور، وصرف ما لا ينصرف ومنع ما ينصرف من الصرف، واستعمال الكلمة المرفوضة وتبديل اللفظة الفصيحة بغيرها، وغير ذلك مما تُلجئ إليه ضرورة الشعر فتكون معانيه تابعة لألفاظه؛ والكلام المنثور لا يحتاج فيه إلى شيء من ذلك فتكون ألفاظه تابعة لمعانيه؛ ويؤيد ذلك أنك إذا اعتبرت ما نقل من معاني النثر إلى النظم وجدته قد انحطت رتبته" (انظر: صبح الأعشى في صناعة الانشا، للقلقشندي).
وأذ كسر بعض الشعراء قيود الوزن والقافية والشكل للتحرر، غير أن بعضهم الآخر دخلوا في قيد اللغة وجمود الصورة من جديد فخرجوا من مأزق، ليدخلوا مأزقاً آخر. فالإبداع ليس بكسر الشكل لوحده وإنما بخلق التفرد.

* * *
عدنان الصائغ*
شاعر عراقي مقيم في لندن

 

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept