الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 


مبتدأ
قصة قصيرة
دروازة
للصورة بعدان






مبتدأ
بُغْض

على رغم الاختلاف القبلي والمذهبي بن الشاعرين الكميت والطرماح بن الحكم إلا أن علاقة الصداقة بينهما كانت مضرب المثل، تماما مثلما كانت مثار التساؤل والدهشة، نظرا للفوارق التي كانت كفيلة بتأجيج نيران الخلاف والصراع بينهما. ولعل بعض أسباب التعجب تزول عندما نرى ما قاله الطرماح عندما سئل عن سر هذه العلاقة بينه وبين الكميت، حيث قال:( اجتمعنا على بغض العامة).
إذن فثمة قاسم مشترك هام بينهما وهو النفور من العامة، أي عموم الناس في المجتمع. وهي مقولة تذكرنا فورا بمقولة شبيهة لمايكل أنجلو حيث يقول: (شعرت منذ حداثتي أن المجتمع عدوي، وأن في العزلة خلاصي). وتتبدى هذه الرؤية بصورة أكثر شراسة لدى سارتر وفقا لطرحه الشهير( الآخر هو الجحيم).
وجهات النظر هذه رغم طرافتها وتطرفها، إلا أنه ينبغي ألا نحملها أكثر من مما تحتمل من المعنى، وأن نضعها في إطارها الصحيح. فالمبدع ليس عدوا للمجتمع، ولا يكن أي بغض أو كراهية للآخرين. فهو إنما يعيش للناس وبهم، ويعبر عن همومهم وآلامهم، ويحمل نبضهم عبر إبداعه بكافة أنواعه ومجالاته.
يفئ المبدع للعزلة أحيانا وينأى بنفسه عن ضجيج الحياة وضخبها، وتتنازع حياة المبدع الكثير من التحديات والتحولات والمكابدات المدمرة التي تخترق أضلاعه بآلامها وتلد كوابيسها في صدره المكدود، فيرى في العزلة ملاذا وادعا يأوي إليه، ليعود إلى ذاته، ويغوص في أعماق روحه ليرى العالم عبر مرايا الروح وتجلياته الأكثر بهاء ونقاء من غبار العالم وحرائقه ودخانه.
تمثل العزلة جزءا هاما في حياة المبدعين على مر التاريخ.. لقد كتبوا عنها الكثير، وأخلدوا إليها بكل لهفة ومتعة، تاركين وراءهم العالم بصخبة وحرائقه.. هذا العالم الذي وهبوه خلاصة نبضهم وعطائهم، وما قطفوه من ثمار العزلة اللذيذة، ليضيئوا به مسارات الحياة الوعرة. فها هو أبو العلاء المعري من خلال عزلته المركبة الكثيفة يطرح أصعب أسئلة الوجود وإشكالات الحياة في مضامينها الكبرى. أما الروائي الفرنسي إميل زولا فقد كان لا يكلم أحدا لعدة أسابيع، ويغلق نوافذ داره ويسدل الستائر خشية أن يتسلل ضوء الشمس، ولا يستقبل أي زائر. أما الروائي الفرنسي أونوريه دو بلزاك فكثيرا ما كان يغير مكان إقامته حتى لا يهتدي أحد إلى مكان وجوده. وكذلك انتهى الأمر بالموسيقار الألماني بيتهوفن إلى اتخاذ العزلة خيارا وحيدا للحياة، حيث كتب مرة لأحد أصدقائه: (أما الآن فإني أعتزل العالم بما فيه). أما أديب ألمانيا العبقري غوته فقد كان يلتمس خلاصه ومتعته من شرور العالم في العزلة، التي كان يعيشها بحزن وألم في اجترار الذكريات والحنين. وكذلك عرف عن الروائي الروسي دستوفسكي ميله لفترات طويلة إلى العزلة التي كان يقضيها بين القراءة والكتابة، فيما وهب الفيلسوف الألماني نيتشه جزءا من حياته الصاخبة للعزلة.
لقد تحدث كل عن مكابداته ومعالجاته للحظات العزلة وكوابيسها، وعذوباتها وعذاباتها.. العزلة هي اللحظة التي تسمو بصاحبها فوق قوانين الزمان، وخارج قيود المكان، لتحلق بالكائن عبر آفاق من التحولات والتوحدات والعوالم الكامنة بعيدا هناك.. هناك حيث تهوي أجنحة الخيال، وتطوف أسراب الدهشة.. ليعود المبدع إثر تطوافه ذاك وفي يديه قبضة من رماد الأزمنة. وتظل العزلة الفاكهة المشتهاة لكل أولياء الكلمة وعشاق الجمال، والباحثين عن الخلاص الجميل من شرور العالم وويلات الحياة.
إن المبدع جزء من هذا النسيج الإنساني في كينونته المترابطة، فليس ثمة من قطيعة قبيحة عدائية بينه وبين البشر. إن عزلته هذه ما هي إلا توق لخلوة روحية، تماما كما يفعل الصوفي في معراجه الروحي الدائب في نشدان الكمال والانطلاق من إسار المادة وقيود الأرض.

حسن المطروشي

أعلى




بعد منتصف الليل

(1)
... استيقظ عليها للمرة الأولى وهي تحاول استجلاب النوم جلوسا تناضد ثلاث مخدات على حجرها.
مشهد سيتكرر بعد ذلك مئآت المرات في محاولة لإخماد الألم بالضغط عند الجزء الأوسط من أعلى البطن .

(2)
تحاول كتم أنينها، يستحثها الذهاب إلى المستشفى. تقول له دعني ونَمْ .

(3)
صار التقيؤ يصاحب الأنين، يصر عليها الذهاب إلى المستشفى.
يقول الطبيب مجرد التهابات سأعطيها مغذية وحقنة وستكون بخير . يعودون إلى البيت قبل أن تلامس الشمس وجه الأرض ليستعد للذهاب إلى عمله.

(4)
أخذت لحظات التقيؤ تطول. يحاول إقناع الطبيب المناوب بقسم الطوارئ بأن المشكلة لا يمكن أن تكون مجرد التهابات .
لكنه يرد عليه ربما غازات، فكثرة شرب الغازات قد تكون سببا لمثل هكذا أعراض !.
ـ أي غازات يا دكتور وهي لا تستطيع بلع الماء "رد عليه" .
انشغل الطبيب بنداء الممرضة وعادا إلى البيت يحملان كيسا من الأدوية.

(5)
.. يصحو عليها وهي تحمل آلامها إلى خارج الغرفة حتى لا توقظه. يتبعها، يجدها في الصالة تتلوى وتتقيأ .
تنتبه إلى مجيئه فتبادره اذهب ونم واتركني. يعرض عليها الذهاب إلى المشفى فترفض. تقول له اتعبتك .. لا فائدة منهم. يصر. توافق بعد إلحاح.

(6)
.. تشير الساعة إلى الثالثة فجرا، تتمدد على أحد أسرة جناح الطوارئ بالمستشفى الكبير. زاد آلامها عدم اتقان الممرضة أخذ عينة الدم بدءا من الساعد وانتهاء بظهر الكف. استنجد بالطبيبة المناوبة ليخلصها من عذاب الممرضة.

(7)
.. تدخل المستشفى. لا تستطيع المشي. يختار لها عربة من العربات المصفوفة في بهو المدخل.
كشف سريري ثم عينة للدم. تنام قليلا حتى تأتي نتيجة الفحص.
الهيموجلوبين منخفض بشدة مسجلا 5 درجات.
تقول الطبيبة تحتاج إلى نقل دم.
يصطحبها إلى جناح الترقيد.


خليفة بن سلطان العبري

أعلى





رغم غياب الدعم ومحدودية الامكانيات
سينمائيون عمانيون يتحدون المعوقات وينتجون أفلاما عالية المستوى

عامر الرواس : أفلامي بجهود ذاتية ولا اهتم بالدعم المؤسساتي
داوود الكيومي: الدعم عامل مساعد لكنه ليس السبيل الوحيد للإبداع
عبدالله البطاشي: ما نفعله محاولات فردية ستتواصل رغم النواقص ويجب ان لا نفسر الماء بالماء
يوسف البلوشي: نريد وقفة جادة مع صناعة السينما والارتباط بالمبدع العماني

سيناريو وحوار ـ فيصل العلوي : تزخر السلطنة بالعديد من المبدعين في المجال السينمائي سواء على مستوى الهواة من الطلبة او المتحققين في فنون تليفزيونية أخرى جربوا خلالها ذلك المجال بصورة أو بأخرى بحسب الإمكانيات المتاحة لكل فرد، ولكن في ظل التطورات التي تشهدها هذه الصناعة على المستوى الخليجي والعالمي وفي ظل المتاح من المسابقات التي تقام، نلاحظ تفّوق العمل السينمائي العماني بالإمكانيات الذاتية والبسيطة جدا مقارنة بما يتم تقديمه من دعم وما يقدم من إمكانيات تقوم عليها الأفلام الأخرى في تلك المسابقات .. فيا ترى هل ثمّة إشكالية من الجهات الرسمية والمعنية بالسينما في تقديم دعمها للأفراد من المواهب العمانية وهل لاختفاء هذا الدعم التحدي الأكبر الذي من خلاله يتفّوق العمل العماني ببساطته .. ام انها ضربة حظ لا تعدو الاجتهادات الشخصية هدفها الأساسي تقديم التجربة ..

المشهد الأول:
الإبداع واحد
عامر الرواس مخرج عماني حاز مؤخرا في مهرجان دبي السينمائي الخليجي على جائزة المركز الثالث للأفلام القصيرة عن فيلمه (بيلوه) ومدته 5 دقائق ويقوم بتمثيله في أول ظهور لهما كل من ريم البلوشي وصفاء السناني، ويتحدث الفيلم عن نهاية مرحلة الطفولة لأي فتاة وبداية الحياة الجديدة .
يقول المخرج عامر الرواس عن موقع المبدع العماني بين مجموعة المبدعين الخليجيين والعرب المشاركين في مسابقات واحدة: لا اجد ان هناك فرقا بين المبدعين اينما كانوا خصوصا في مجال الإخراج السينمائي، ولكن العمل هنا يتوقف على مجموعة من المبدعين وهم ان توافقوا بكتابة السيناريو او التمثيل او بالتصوير يكتمل العمل بشكل يرضي المخرج.
اما عن الإمكانيات البسيطة التي باتت ميزة في الفيلم العماني يقول المخرج عامر الرواس: أولا حب المبدع العماني للسينما وهوسه لعمل أفلام تعكس واقعه العماني، ولكن بالنسبة للمبدع العماني الإمكانيات الكبيرة هي شي مكمله وليست أساسيه واعتماده على الفكرة فقط هو الشيء الذي قد يؤثر على العمل خصوصا في الفيلم السينمائي حيث يعتمد المخرج على الصورة بشكل أساسي لتوصيل الفكرة.
ويضيف .. لكل شخص أسلوبه لصناعة فيلمه وبالنسبة لي كل التجارب التي قمت بتنفيذها كانت من إنتاجي الخاص ولأنها كانت تجارب، كنت انا من يعطي الثقة لنفسي لما سوف أقدمه فلا أضع حدودا لميزانية العمل والحمد لله هذه الثقة انتقلت لجهة إنتاج خارج السلطنة معنية بإنتاج الأفلام القصيرة قد تنتج لي العمل القادم.
وحول أهمية الدعم من قبل المؤسسات المعنية بالأمر يقول : لا أرى انه من الواجب أن تدعم المؤسسات و الجهات الحكومية إنتاج أفلام قصيرة خصوصا في الفترة الحالية لأسباب وهي لعدم وجود مسابقه سنوية بمستوى جيد تتيح لمخرجي الأفلام عرض أفلامهم بالسلطنة حيث انه إذا توفرت منصة عرض لهذه الأفلام تعطي دافعا كبيرا للسينمائيين إلى الكتابة والإخراج حتى أنه يساهم بتحسين مستوى الكوادر المكملة للعمل السينمائي، ومن ثم يحين الوقت لبدء المؤسسات لدعم المخرج وأفكاره.
ويضيف: إذا توفر مهرجان سينمائي سنوي للأفلام القصيرة بالسلطنة بشكل مميز وقتها ستبدأ المؤسسات برعاية المهرجان وهذا هو الشيء المطالب من هذه المؤسسات لأنه رعايتها لهذه المهرجانات تتيح منفعة عامه لكل السينمائيين بعكس عندما يتم إنتاج أفلام محدودة لعدد من المخرجين.

المشهد الثاني: لا للانتظار
داوود الكيومي وياسر الكيومي اخوان هواة قدما فيلما قصيرا جدا مدته اقل من دقيقة بعنوان (الواقعية أفضل) وحاز هذا الفيلم على جائزة المركز الأول للأفلام القصيرة للطلبة وقد شاركا بالتمثيل إضافة إلى محمد الرويشدي، ويتحدث الفيلم عن انتصار الواقعية فلا يمكن الحصول على صورة جميلة بالأساليب المفتعلة كما فعل الشخص الذي رمى صاحبه من الجبل لكي يحصل على صورة سقوط جميلة وواقعية ولكن في نفس اللحظة تم تصوير الجريمة من قبل شخص ثالث والأخير صورته أفضل لأنها حقيقية ولم يتم اختلاقها عمدا.
ويؤكد داوود الكيومي ان جميع المبدعين في الخليج العربي متساوين في المستوى مشيرا إلى ان الدعم عامل مساعد للمخرج، ويضيف .. الدعم ليس السبيل الوحيد للابداع، لكنه سيساعد الفنان كثيرا، فطريقة التفكير والروح الإبداعية أهم من الأدوات نفسها، ولكن لا يعني أيضا ان كل فرد إذا حصل على الدعم سيبدع، ورغم هذا ومع اعتقادي بأنه ليس من الحكمة الجلوس والانتظار !، فهناك الكثير من ينتظر الدعم ليبدأ !. وحول النظرة المستقبلية للسينما في السلطنة يقول داوود الكيومي : لا أعتقد أن السينما العمانية ستتطور بشكل سريع، وذلك لعدم وجود جهات تعليمية متخصصة بهذا المجال في السلطنة، فمعظم المبدعين العمانيين اعتمدوا على جهودهم الشخصية.
وحول رغبة المشاركة في المسابقات يقول داوود الكيومي : انه سواء في مسابقات دولية أو محلية، أو أعمال شخصية معينة يجب على المبدع أن يبذل قصارى جهده، وإن كان بدون مقابل حتى يستمر بالتطور، ومن المهم أن تكون الجودة والفكرة في هي أهم النظرات في العمل، وبالتالي تتولد فكرة المشاركة والتي تعد نتائجها هي الحافز للمزيد من العطاء.

المشهد الثالث:
من أجل الذات
عبدالله البطاشي حاز على الجائزة الذهبية عن فيلمه (بنت غربى) في فئة المسابقة الخليجية للفيلم الروائي القصير في مسابقة أفلام الامارات، والفيلم قدم قصة مستمدة من التراث العماني عن حكاية طفلة صغيرة تلاحقها أحلام ورؤى غريبة عن المكان الذي ستموت وتدفن فيه مستقبلا ويقوم والدها بالتجول معها للتعرف على هذا المكان وقد أثار الفيلم انتباه لجنة التحكيم لنجاحه في تحويل حكاية أسطورية أدبية إلى صور سينمائية معبرة تحافظ على روح الأسطورة.
يقول المخرج عبدالله البطاشي في هذا الصدد نحن نتحدث عن تجارب نريد أن نطابقها ونلحقها بركب السينما الخالصة..والخالصة أقصد من حيث التقنيات والمواد السينمائية الحقيقية، وما نفعله الآن نحن الدول الخليجية متمثلة في تجارب الشباب هو مجرد محاولات فردية تتحايل على نفسها وفكرها .. بأنها تقدم عمل سينمائي، ولكن التصوير يتم بكاميرات تليفزيونية ..وهذا ليس في السلطنة وإنما في الخليج عموما والهدف ان نخوض التجربة السينمائية مهما تكن الظروف، ويجب أن تتواصل الجهود الفردية برغم كل النواقص في تجربة السلطنة، ولكن متأملون مع جهود الجمعية العمانية للسينما والتي بدورها ترزح تحت فاقة قلة الدعم والرعاية وخصوصا من القطاع الخاص الذي يترعرع في هذا المجتمع ويتجاهل دعم ثقافته وفنونه إلا من القليل القليل من الشركات والمؤسسات الخاصة، فوجود الدعم المنتظم يتيح وجود مهرجانات وفعاليات ومواسم تحتفي بالفلم وصناعته وتقدم الدعم وبالتالي تستطيع في ذلك الوقت ان نشتغل بالسينما وان يقول أي مبدع كلمته بشكل أوضح. ولكن في الوقت الحالي نحن الشباب سنفعل وسنقاتل من أجل الذات .. ولكن..( لا نريد تفسير الماء بالماء ) نريد وقفة جادة مع صناعة السينما .. ودعم تجارب الشباب من خلال الأفلام الروائية القصيرة والروائية والثقافية .
وحول الميزة التي تحتوي المبدع العماني في ظل الإمكانيات البسيطة يقول عبدالله البطاشي انها الأرض، و الأصرار، والفكر، والإيمان بأنه صاحب حضارة صدّرت للشعوب الآداب والفنون على مر التاريخ .كما انه يرتكز على كنوزه من الموروث الشعبي و مواقع وطبيعة في عمان، ومن خلال ما يبرزه من (جيب دشداشته).
ويختتم المخرج عبدالله البطاشي حديثه حول المتطلبات التي يتمناها المخرج لمستقبل السينما حيث يقول يجب معرفة ان دعم جمعية السينما هو دعم للصناعة السينمائية وهو دعم الشباب هو دعم الفكر الذي سيقوي الجمعية، وبالتالي يصبح لدينا مظلة لها أركان وأساس قوي وبنيان لا تقل عن الدول الأخرى في العالم، ونستطيع أن نتحدث بجدرانه، والتجارب أثبتت بأننا لسنا أقل من احد ونستطيع أن نقول كلمتنا وننافس ونحصد الجوائز على مختلف المستويات ولكن لابد من الدعم للاستمرار.

المشهد الرابع:
الإبداع واحد
يوسف البلوشي مخرج عماني شارك بالكثير من الأفلام القصيرة في مختلف المسابقات المحلية والخليجية وقدم صورة جديدة ومغايرة لمشاركاته بأسلوبه الخاص، ومنها مشاركته في مهرجان مسقط السينمائي للأفلام التسجيلية والقصيرة الأول بفيلم (أنفاس محارب) ومدته 3 دقائق وهو من سيناريو وإخراجه وتحكي قصته رجل يحلم منذ طفولته أن يصبح جندياً مقاتلاً يدافع عن وطنه، ولكن الحلم يصبح مريراً ومؤلماً.، وفيلم (الصندوق) ومدته 15 دقيقة وهو من سيناريو محمد المعمري وإخراج يوسف البلوشي.
يقول يوسف البلوشي : اولا في السلطنة لا مبالاة لإنتاج السينما، رغم دورها الحضاري في العالم، وعدم توفر الإمكانيات هو قبل كل شيء له تأثيره السلبي رغم التطور والجوائز التي يحوز عليها بعض المخرجين من السلطنة سواء في المسابقات المحلية او الخارجية، ويعود ذلك للعديد من العراقيل ابرزها عدم توفر كاميرا السينما اساسا إضافة إلى أجهزة السينما وهي معدومة بالسلطنة وهذه الأجهزة يجب ان توفرها الجمعية العمانية للسينما بصفتها المعنية الوحيدة بالشأن السينمائي حاليا ومن خلال ذلك يستطيع المبدع العماني تقديم تطلعاته ورؤاه، ونحن ندرك بأن هذه الأجهزة باهضة الثمن لكن على اقل تقدير في الوقت الحالي يجب المحاولة من اجل عقد تعاون مع شركات معنية من خارج السلطنة من خلال إقامة دورات للتعرف على آليات السينما وتقنياتها وكذلك جلب هذه الشركات للسلطنة لعملية التبادل المعلوماتي لإفراز متخصصين أكاديميين بالسلطنة لدعم الشباب خاصة وان الجمعية عملها محدود جدا وكل مشارك يخدم نفسه بنفسه في ظل ما هو متوافر من مهرجانات تقيمها الجمعية .
ويضيف المخرج يوسف البلوشي على ان السلطنة بوصولها هذه المراحل من التطور والتقدم يجب ان تهتم وتطور صناعة السينما وهي دعوة للجميع بالاهتمام، فمشاركة العالم بمثل هذه الأفلام يعرّف بحضارتنا وبالتالي على قدراتنا كمبدعين، ويؤسفني حينما أجد الدعوات تنهال علي للمشاركة خارجيا زانا لا امتلك أدواتي الحقيقية للسينما فمن الأفضل ان اذهب بكامل قواي او الجلوس في الإطار المحلي بقدراتي البسيطة فالمشاركة ممكنة ولكن بضعف الإمكانيات.
وفي الختام يشير يوسف البلوشي إلى ان الكثير من المبدعين الشباب لا تتوافر لديه الإمكانيات المادية التي تمكنه من إنتاج عمله إذا ما حاول أن يقدمه بتقنيات عالية من خلال استخدامها خارج السلطنة حيث أن تكلفة أي عمل خارجيا يعتبر بالنسبة لنا خيالية. وبرغم ذلك فأن فوز الأفلام القصيرة دليل واضح للشباب وإبداعهم وحبهم وتطوير ذاتهم ولديهم رغبة أكيده للمضي في العمل بالسينما، وثمة ابداعات مكنونة لم تجد النور للظهور، وكما ذكرت سابقا الحلول تكمن في إقامة الدورات وامتلاك الجمعية لأجهزة صناعة السينما ودعم القطاعين الحكومي والخاص للصنعة، وإقامة مهرجانات سينمائية ترتبط بالمبدع العماني وعدم الاكتفاء باستقطاب أفلام عالمية تكون صفتنا فيها التنظيم والمشاهدة فقط.

المشهد الأخير :

برغم تقليل البعض من شأن الدعم لما يقدم الإبداع فإنه لا يختلف الجميع على أهمية الاهتمام بصناعة السينما وإيجاد آليات العمل الحقيقي للنتاج السينمائي في ظل تطور واهتمام الكثير من الدول ليعكس هذا الجانب الوجه الحضاري لتلك الدول ، ومع وجود هذه الفرص الفردية في تحقيق المبتغى يؤكد البعض بأن ليس هو الدعم فقط السبيل الأمثل للإبداع وفوق كل الظروف التي يعانيها البعض العامل والتي لا يجدها من يبحث عن العمل يجب ان يتواصل الإبداع بما هو متوافر من إمكانيات .. من يدري ماذا تخبئه الجمعية العمانية للسينما للمبدع العماني قريبا .. وما يخبئه الزمن لتلك الجمعية !


أعلى




كل مرة أجتاز العتبة فيها

لأني لا أعرفني:

صديقتي التي تعرفني جيدا
قالت لي: أنت تحبين الكتابة أكثر منه

الزهايمر:

إذ ما توقفت عن حبك الآن
هل أستطيع الرجوع إلى البيت؟

فستق أخضر:

وحيدة
لأن لا أحد يقتسم معي الصدفات الفارغة
التي كانت ممتلئة بي... قبل أن أراك.

طالع:

ستحبينه
ستحبينه
ستحبينه
ولو بعد حين.

اكتشاف:

قالت لي الطبيبة اليوم
اطمئني
لا يوجد لديك بيض كي تضعيه في سلة واحدة.

وظيفة:

هل تعتقد أني فاشلة؟
أطمئن!
كل ما في الأمر
أني أخلق أعدائي بعناية فائقة.

خصومات:

لست ناقمة على أحد
لا على أمي وأبي لأنهما تآمرا على تكويني دون رغبة
و لا على زوجي لأنه لا يدرك كم أنا بعيدة
ولا على أطفالي لأنهم يحكمون وثاق الحب
لست ناقمة إلا على الصباح
الذي لا يمل من تكرار نفسه.

إدمان:

لأني لم أجرب النجاح أبدا
أستعير النشوة من الفشل.

لاءات عابثة:

لا تسرقي خبز جارتك
لا تستعيري حظ الشمس
لا تزيني ذاكرتك بالرائحة
لا تأخذي حزنك عندما تأوين إلى الموت
لا
لا
لا تستسلمي

بريد:

تتأمل لوحة الفولاذ المعلقة على الحائط أمامها
مربعاتها صغيرة..
الثقب يتوسط الدائرة
الدائرة تتوسط المربع
المربع يجاور المربع
وهي
تعبث بتعرجات المفتاح
الذي وجدته صدفة بين أشيائها القديمة


نيرفانا:

أبوها وأمها
منشغلان
بكراهية الطريق
وهي على المقعد الخلفي
تداعب المصابيح التي تنكس رأسها
على زجاج الليل
وتبتسم

عذاب:

كان يقلقه وجهها في المرآة
كان يقلقه تكورها بين يدي الله
في السجود
كان يقلقه الكتاب بين يديها
لكن أكثر ما كان يقلقه
تلك العصافير الصغيرة
التي تزور نافذتها كل صباح.

أغنية:

كلما جلست تمشط شعرها
غنت له أغنية
حتى تضمن عودة الفراشات إلى أحلامها

صباح:

لم يتسلل من النافذة، لأن أباه فعل ذلك من قبل
لم يخرج من الباب لأن المفتاح يختبئ في صدر أمه
لم يختف في الجدار
لأن جدته نسيت أن تهبه التعويذة
هو فقط استلقى على فراشه
ومضى.

صدفة:

كانت تبحث عن خاتم زواجها
عندما وجدت صورة له
كان جميلا في الصورة
كان سعيدا في الصورة
إلا أنها لم تكن المرأة التي بين ذراعيه


رغبة:

ثلاثة أطفال
بنتان وولد
ولدان وبنت
طفلان
بنت وولد
ولدان أو بنتان
طفل واحد
ولد
أو بنت
هذا ما كانت تهمس به
وهو يمد لها يده في الظلام

وشاية:

لم يكن يعرف أن أجنحته مصنوعة من الشمع
لذا حلق قريبا من الشمس
الشمس لم تعرف ذلك أيضا
لكن الخوف تسلل من قلب أبيه
ووشى به ...

وصية:

عندما تجتازين العتبة
تذكري أن الخروج
كالدخول تماما
كلاهما
حريق.


أغشية:

السير متعب في هذا الطريق
فعند كل انحناءة
تجدين كوخا
ليس لك.
السير متعب في هذا الطريق
فكل ظل هنا لا يشبه ظلك
السير متعب في هذا الطريق
لكنك عندما تصلين
قد تجدين منبع النهر
الذي يصب في داخلك.

معادلة:

كثيرة المفاتيح
التي وجدتها في خزانته
إذا
لابد من أبواب كثيرة تنتظر.

أفكر:

لو أنني عدت ثانية
هل سأخلق على هيئة شجرة أم فراشة؟
ما الذي لم أتقنه بعد
الحب أم النسيان؟

تناضح:

قلبها كموج البحر
لا يعرف لماذا يخافه الصيادون
إذ ما حاول أن يحتضنهم بقوة!


عمل نحتي للفنان خميس الحنيني
بشرى خلفان*
* قاصة عمانية


أعلى




ترجمات حديثة

بيروت ـ أشرعة:
صدر حديثاً عن المنظمة العربية للترجمة عدة كتب هامة منها كتاب: "الكذبة الرومانسية والحقيقة الروائية" تأليف رينيه جيرار، وترجمة الدكتور رضوان ظاظا. و كتاب: "المصطنع والاصطناع" تأليف جان بودريا، و ترجمة الدكتور جوزيف عبد الله، ومراجعة الدكتور سعود المولى. و كتاب: "الكلام أو الموت (اللغة بما هي نظام اجتماعي: دراسة تحليلية نفسية)" تأليف مصطفى صفوان، وترجمة الدكتور مصطفى حجازي.


الكذبة الرومانسية والحقيقة الروائية


في كتابه: "الكذبة الرومانسية والحقيقة الروائية" ينطلق رينيه جيرار من تحليلٍ جديدٍ تماماً لأهمّ الروائعِ الأدبيةِ ويقعُ فيها جميعاً على ظاهرةِ مُثَلَّثِ الرغبةِ في التَغَنُّجِ والنفاقِ والتنافسِ بين الجنسين أو بين الأحزاب السياسية. يرى الكاتب أننا نظنُّ أنّنا أحرارٌ ومستقلّون في خياراتنا، سواء في اختيارِ شخصٍ ما أو غرضٍ ما. هذا وهمٌ رومانسي! الحقيقةُ أنّنا لا نختار إلاّ الأغراضَ التي يرغبُ فيها الآخرُ والتي تُحَفّزُها في أغلبِ الأحيانِ المشاعرُ الحديثةُ، كما يُسَمّيها ستاندال، وهي ثمرةُ الغرورِ العامّ وتتمثَّلُ في "الحَسَدِ والغيرةِ والكراهيةِ العاجزة". يُساهمُ هذا الكتابُ الهامُّ، المُسَطَّرُ بدقّةٍ نادرةٍ، في توضيحِ واحدةٍ من أكبر المسائلِ المتعلّقةِ بالوعي البشريّ هي مسألةُ حرّيةِ الاختيار.
تجدار الإشارة إلى أن رينيه جيرار وُلِدَ عام 1923، وهو مختصٌّ في الكتابات القديمة، درَّسَ سنواتٍ طويلةً في جامعة جون هوبكنز، وله مؤلفات شهيرة.


المصطنع والاصطناع

يرى جان بودريار في كتابه: "المصطنع والاصطناع" أن التجريد اليوم لم يعد تجريدَ خريطةٍ أو نسخة أو مرآة أو مفهوم، ولم يعد الاصطناعُ اصطناعَ إقليمٍ أو كائن مرجعي أو مادةٍ ما. لقد أصبح التجريدُ توليداً، بالنماذج، لواقعٍ بلا أصل وبلا واقع: واقعٍ فوق ـ واقعي. الإقليم لا يسبق الخريطةَ، ولا يستمر بعدها. اليومَ، صارت الخريطةُ تسبق الإقليم، صارت هي التي تنشئه. مع الانتقال إلى فضاء لم يعد مجاله مجالَ الواقع أو الحقيقة، ينفتح عصرُ الاصطناع على تصفية كلّ النظم المرجعية...لقد غدا ما هو فوق ـ واقعي بمنأى عن كل تمييز بين الواقعي والخيالي، ولا يترك مجالاً لغير التكرار المداري للنماذج ولغير التوليد المصطنع للفوارق.
يشار إلى أن جان بودريار (1929-2007): فيلسوف ومحلل سياسي وعالم اجتماع. تصنف أعماله، بشكل أساسي، ضمن مدرسة ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية.


الكلام أو الموت

الكتاب الآخر الذي نتاوله هنا كتاب: "الكلام أو الموت (اللغة بما هي نظام اجتماعي: دراسة تحليلية نفسية)" لمؤلفه مصطفى صفوان. مسارُ هذا الكتاب هو سلسلةً متتابعة من الرؤى التي تتمحور، من أول العمل إلى آخره، حول سؤالين توأمين؟ أولهما: ما الذي يشكّل وحدةَ المجتمع؟ وهو سؤال يحاول بعض الكتاب المعاصرين الإجابة عنه من خلال دمج "الإنسان الاقتصادي" (Homo economicus) لِبنْتام مع "الإنسان الاجتماعي" (Homo Sociologicus) لدوركهايم. أما السؤال الثاني فهو: كيف يحدث، رغم هذه الوحدة التي يبدو أن لا حياة إنسانية ممكنة خارجاً عنها، أننا نعيش كما نحلم، فرادى، تبعاً لقول كونْراد؟ وهو سؤال تتم الإجابة عليه عادة بشكل متعثر من خلال الكلام عن التضحيات التي تفرضها الحضارة على الفرد، ومن خلال ما تمليه من مكبوتات.
ويعد مصطفى صفوان من أبرز المحلّلين النفسيين، اليوم، تخرج من جامعة الإسكندرية سنة 1943، قبل أن يستقر في باريس، حيث تدرّب في التحليل النفسي ومارسه، تحت إشراف جاك لاكان.

أعلى




كتابة مشغولة بهاجس الطفولة والحلم
قراءة في ( غيوم يقظة ) لسميرة الخروصي .. سرداً وشعراً

ذكريات مشحونة بالفجائع والانكسارات، تتحول إلى ما يشبه جولة في آفاق مفتوحة على هذيانات موحشة وهاويات يهدر فيها صوت الموت
تصوغ الشاعرة صورها من خلال رؤيتها الطبيعية وبصيرتها الشعرية الممزوجة بالمشاهد والحلم والمتخيل
بدرية الوهيبي*
ما جدوى الكتابة أو ما جدوى الشعر إذا لم يكن يمتلك قدرة تدميرية ضد كل ما هو مألوف ومعلق فوق الأعناق كشيء لا مساس فيه؟ ما جدوى الشعر إذا لم يأت ليخفف من وطأة الحياة وأعبائها؟... وأن يمنحنا قوة تحمينا من الانهيارات المجانية والعبثية التي تدهمنا؟.
نصوص وقصائد سميرة الخروصي في مجموعتها الجديدة والأولى( غيوم يقظة).. ترفض أن تتحول إلى مجرد كلمات لأنها خرجت بعد مخاضات ومراحل تتضح شيئا فشيئا في تجربة الشاعرة، والمتأمل لنص سميرة منذ البداية يدرك هذا التطور والنضج الذي مرت به الشاعرة، ويدرك محاولاتها في بناء رؤية مختلفة لتصبح مغايرة وناضجة، تنبثق من وعي شعري في الأساس، وتتكئ على تجربة فردية تحتشد بالرؤى والأفكار ورغبات البوح والتمرد وروح الرفض، دافعة بكتاباتها القصصية والشعرية إلى متاهات الحياة وكواليسها وعتمتها من أجل الكشف واستخلاص المجهول جاعلة من الهم الإنساني هاجسا للنص ومركزه كنصوص مفتوحة لكل المعاني والاحتمالات السردية والمحكية.
الفقد والرحيل
في هذه المجموعة الشعرية المشغولة بهاجس الطفولة والحلم، تقترب الشاعرة من مناطق الحنين والاغتراب الروحي المصاحب لكينونتها كإنسان منذ الطفولة وفقدان ( الأب) الذي خلق خلخلة في الوجدان النفسي والإنساني .. ذكريات مشحونة بشتى الفجائع والانكسارات، تتحول في نص سميرة إلى ما يشبه جولة في آفاق وأمداء مفتوحة على خرائب ومقابر وكوابيس، على هذيانات موحشة وهاويات يهدر فيها صوت الموت، وكما يقول برنارنويل: ( صار الزمان هو الحياة على أكتاف الموت ).
" وتجيء من يقظاتها في الغيب / تهوي نقمة / أو نجمة عذراء/ يا.. يا أنت / يا وجها لظل النبع /طفل العشب والميلاد/ هل هم كفنوك ليغسلوا أوزارهم/ بالعطر والحناء؟/هل اصطفوك على رواهش غيمة/ صيفا يهادنه اليباس محاصرا /يا أنت يا نبعا لهذا النزف/ في الوهج الأخير من الصلاة ". من نص (حفروك في لغة المواسم).
" يفر الدخان من الفجر/يحط على شرفة الجرح كالقبرات/ولكن أمّا تظل هناك/تحيك على شالها ألف سوسنة/كلما ذكرتها القطارات /وجسر يؤثث في ظله السيسبان ؟/ تراءى كظل أب ذات فجر/فخبأ أحزانه خلف درب الكروم " من نص ( ما الذي يورق الآن ؟)
"كم آية قد أينعت وردا على وجه أبي /كم من حمام كان يهدل/خلف شباك الصلاة مسبحا/يتلو وداعا/ريثما مر نبي/هاهم أبي /حرقوا على العتبات أقمارا" من نص ( للساكن في وريدي )
" هل هم كفنوك ليغسلوا أوزارهم / بالعطر والحناء ؟" من نص ( حفروك في لغة المواسم )
ترميم خرائب الحياة
الشاعرة تحتفي بعناصر النص وجمالية الصورة الشعرية، محافظة على منظومة شكل النص ( تفعيلة / عمودي ) متورطة بكتابة القصيدة ، من خلال لغة معبرة راقية جميلة وصور شعرية ابتكرتها بذكاء ووعي مخيلة الشاعرة لتشكل ملامحها الخاصة بها، تعيد صيغة الحياة وترمم خرائبها وتصدعاتها الكثيرة، فالألم عند الشاعر الحقيقي كما يقول عنه سيف الرحبي : ( عنصر أصيل ودفين في الذات، وهو محرك هائل للكتابة الحقيقية، هذه الكتابة التي تستوعبه وتتحول في مواجهته كي يكون ألما ثريا وخصبا "..
" قل لي / عمرنا يمضي / وعمر من وراء الموت آت/ ربما يوما سأدنو / حاملا حزني النبيل / سر هذا الضوء في أعماق ذاتي " من نص ( همسة للظل )
"كئيب كوجهي / إذا ما طواني المساء/ مخلفة قريتي وحدها ../ لارتعاش الرياح / وخصلة قش مهاجرة / في أنين السواقي "من نص ( الطفل ذاك )
تدفق عناصر الطبيعة
الصور هنا تتدفق كالسيل الهادر المنسجم بائتلاف، مما ينزع عن النص قميص الرتابة، ويرمي به في تشتيت الدلالة لإغراقها في استخدام الرمز حينا وتتم هذه الاستعارات عن طريق توظيف عناصر الطبيعة فمثلا : حين تبادل النجمة خاتما وسوارا، وحين الربيع يخون مرارا، كل نجم كان يبكي قصة عن وردتين وشرفة، انتشي ما وزعته النرجسات على خطانا، كيف تجرحنا الأماكن هكذا؟"
أما احتفاء الشاعرة بعناصر الطبيعة فيجعل الحواس كلها تتحرك ابتداء من اللمس والشم والتذوق والسمع والنظر أيضا فكأنما تعيش في واقع النص مندهشا من هذه القدرة السحرية على دخولك في العمق مع تجليات الصور الطبيعية فأنت تستطيع معها أن ترى ساقين عاريتين للصباح " تنفسه الرمل والموج، أحجية من رماد " تستطيع أن ترى تصفح جبهته في المياه " إشارة إلى أسطورة نرسيس الذي أعجب بشكله من خلال صفحة الماء " تطير ألوف اليمامات، ملأ السماء وسرب من البجعات " وكأنك أمام بحيرة مليئة بالبجع والصور الساقطة على صفحة الماء، في حين تنتشي بهذه الرؤية والطبيعة الجميلة.
" ثمة زيتونة .. تستحم على منبع/ في طريق الرجوع "
" يصلي لها الماء حين / تواري شموس الأصيل / تفرش شمس الظهيرة أثوابها / في عروق الرمال / تفتش عن صبحها المتعطر بالطيب والهيل والزعفران "
إن عناصر النص لو قرأنا كل قصائد سميرة الخروصي هي استعارات من الطبيعة ومكوناتها، رتبتها الشاعرة في تناسق وانسجام جميل مع الأشياء والتفاصيل الأخرى .. كذلك توظيفها لأسماء النباتات الزهرية بمختلف أشكالها كالنرجس والسوسن والزعفران والهيل والليلك والبيسلسان والفل والسنابل و ريحان والورد والزنبق والسرو والحناء وغيرها..
المرأة / النخلة
وردت مفردة النخلة في كثير من نصوص الشاعرة بأشكال وصور مختلفة، والنخلة ترمز للمرأة العالية والواقفة كصفصافة رغم محاولات الهدم الذاتية التي تصيب الداخل ورغم الانكسارات والتمزقات إلا أنها باقية شاهقة لا تنحني، هذه الأنفة والعلو والسمو هي صفة نستشعرها في نصوص الشاعرة :
" حزينا كنخلة والده في النهار / كئيبا كوجهي ..."
"يمنح الماء للنخل فجرا / يمشط ساقيه في الزبد المتآكل / ساعات حزنه "
"سلام لها بلدتي إذ تنام / مجلجلة بأساطيرها والنخيل "
" سرب سرو خائف / يكفي ليوقظ خلفه / عتب النخيل / عتبا شفيفا "
"وينبت الحناء وحشته أنينا / في ظلال الفاتحين / بقرب أول نخلة / وبجبهة سمراء تشرق بالوضوء "
" الآن ظلوا يكفرون رجوعه .... حتى أفاق مآذنا ونخيلا "
" هم أول النخل إسراء على عطش ... هم آخر الموج ميلادا وها كبرا "
قربان الخطيئة
تذهب الشاعرة بنوع من السرد المكثف شعريا للاشتباك مع شخصيات تاريخية، في التاريخ البعيد أو القريب، أبرزها حالة استلهام- أو استعارة- شخص هابيل، لنرى من خلالها كيف تم قتله ورشقه بالبارود رغم أن الشخصية ( هابيل ) رشق بحجارة لأنه في ذاك الزمان لم يكن البارود موجودا ولكنها استعارت هذه الشخصية ربما لتقول انه لا توجد عدالة في الحياة ولا الموت، والكثير من الأبرياء يموتون بظلم الآخرين وجبروتهم، وهذا ما يحصل في الواقع العربي كفلسطين والعراق، هابيل هو أول من قتل في الحياة و قاتله أخوه وهو أول قاتل في الحياة، هذا الائتلاف التراكمي في الماضي وما يحصل الآن هو ما ترمز إليه الشاعرة، وهي الخطيئة الكبرى ( القتل ) تقول الشاعرة في ( قربان الخطيئة):
" هابيل قربان الخطايا أصبحت
للقاتلين دماءه إنجيلا
رشقوه بالبارود .. كيف تبرءوا؟
ورموه ملقى في العراء قتيلا
الله يا دمه الزكي .. توضئي
به يا تلال وأوقدي القنديلا
كي يستضيء العابرون وكي نرى
أعناقنا إذ تشرئب قليلا"

غيابات وحنين
وعلى محور آخر تتدفق الشاعرية من رصد حالات الغياب، حيث ((يعشب الطين بالذكريات) حينا، أو إشارة إلى الموت والفقد والخسارة غالبا. هناك الوجوه الغائبة. والتحولات المأساوية للبشر وللمكان، تقول:
" سلام لتلك القباب التي أتعبتها العصور "
" أسدلت هدب البوح في همساته
وكتبت فيه مواطنا أسفارا
وعشية أفلت حمائم غربتي

فبأي صيف يا تراه توارى ؟"
" أو نحن حقا قد كبرنا ؟
الله كم كنا ندى وصغارا "
" كم نما فينا الغياب ؟ / وأين شاطئك الذي يمتد حد الانطفاء / ولا يجف على سبات الغيم / نسيت نورسة هنالك في البعيد / ولم يعد إياك طفلا تائها / يا راحلا بين المدائن / تاركا روحا تعانق نجمة "
" كيف تجرحنا الأماكن هكذا ؟ قل لي بأنك قادم / كم عاتبوا شجر التذكر "
***
تصوغ الشاعرة صورها من خلال رؤيتها الطبيعية وبصيرتها الشعرية الممزوجة بالمشاهد والحلم والمتخيل، فتنثرها في النص كحكاية أو كإشارة ورمز في نص محتشد بالمحسوسات مخاطبة الحواس كلها ًمن خلال بناء خطاب أو مقولة صادمة تؤثر في وعي القارئ ويتعاطف معها، وقلما يهزنا نص شعري هذه الأيام.( مرينا بيكم حمد ...)
" سبع عجاف .. ثم سبع .. هكذا
طال الجفاف ولم نجد تأويلا "

عالم القصة الخرائبي
إن ثمة مخزونا شعريا تجريبيا وحياتيا يلح في الظهور والتحول إلى لغة والى تعبير يتجلى في أشكال مختلفة، وبما أن المخيلة الشعرية المتدفقة التي تفتق صورا ملسوعة بالغيابات في الواقع أحيانا ومنقوعة بمآسيه في أحيان أخرى هي نفسها في الشعر وفي القصة لدى الشاعرة إلا إن الشعر هنا أكثر طواعية ووضوحا في تجسيدها. سنتناول في هذه الجزئية شيئا من نصوصها القصصية التي تضمنتها المجموعة ..
يورا
تسمية عناصر تخريب العالم، وكل ما يؤرق البشر ويؤلم الكائنات مثل نصها القصصي ( يورا ) الذي يفاجئنا بنهاية السرد انه جزء من كلمة ( يورا نيوم ) كانشطار المادة الذي يشبه انشطار الذات لدى الشاعرة، ( يورا .. طفلنا الجميل .. اليوم سنكمل اسمك)، ثم تأتي المفاجأة في نهاية النص كنهاية مفتوحة حيث ( بقي العجوز متكئا ظله .. ورحلت هي جهة الشمس الاسيانة حاملة ظلها الأخير وهي تردد : ( يورا .. نيوم.. لك الآن أن تتعطر برائحة الكافور وتعانق حياة الأموات الأحياء والنبلاء.. فقد صدقت نبوءة هذا الجنون ) !! في هذا النص تقترب الكاتبة من الهم العراقي والدمار الذي عاشته ولا تزال العراق وتحكي من خلاله تلك التفاصيل الحياتية التي يعيشها العراقيون بحب في وقت سقوط القنابل والصواريخ و ..
وفي هذا النص تحديدا تخرج الشاعرة من المكان الحقيقي إلى مكان متخيل لم يسبق وزارته وهو ( العراق ) متلبسة الهوية العراقية، وتحي على ألسنة شخوصها بنفس اللهجة المحكية العراقية، جاعلة من القارئ معتقدا أنها إما أن تكون (الساردة) عراقية أو عاشت في العراق لدرجة معرفتها بأحيائها وحياتها وحتى زهورها فتطرح الساردة كلمات كــ : ( السيسبانة) وهو كما أشارت انه احد الأحياء الفقيرة في العراق، و ( الطابق) وهو نوع من الخبز يشتهر به الريف العراقي، ( ديللول الولد يا بني ) وهي أغنية تغنيها الأمهات العراقيات كتهويدة للصغار، و( الدبكة ) كما نعرفها نوع من أنواع الرقص التراثي في بلاد الشام.
شخصيات تاريخية وعالمية
يقول ماركيز ( الخيال هو تهيئة الواقع ليصبح فنا ) .. وفي نصها القصصي ( من الذي كسر الآنية ؟ ) تستخدم القاصة رموز وشخصيات تاريخية وعالمية، تشحذ بها النص وأسماء مدن وأسماء كثيرة، قد لا يحتاج النص إلى كل هذا الاستعراض المعرفي لهذه الرموز والشخصيات والاستغناء عن بعضها لا يضر النص بقدر ما يجعله مكتفيا وتتحدث سميرة في هذا النص عن رجل يمر بحالة نفسية ثقيلة جعلته متقوقعا حول نفسه لا يغادرها، وزوجته ( السندريلا ) التي جاءت في شخصيتين (العشيقة / الزوجة) هي طبيبة نفسية تحاول إخراج زوجها من الحالة، فتغمر بيتها بشتى أنواع التماثيل والصور التاريخية والتي لها علاقة كبيرة باطلاعها وانفتاحها على ثقافات وحضارات التي شكلت وعي( الزوجة) وتقوم بعمل اتصال عاطفي مع الرجل المريض فيقع في غرامها حتى يكتشف في آخر الأمر أنها زوجته (يالها من طبيبة تجيد التعامل مع جميع الأشياء .. الظلمة والنور معا. لذا هي تجمع الموانئ والقارات معا في هذا المنزل..).
والكاتبة في هذا النص المغرق بشتى الأسماء والشخصيات تحاول صنع خيال درامي سردي بين الأحداث المتوالية فتذكر ( النفرتيتي) و(نابليون) و(كيلوباترا) و(سندريلا) و ساعة(بج باند)، و(السند)و(الأندلس)، (الخنساء)،(سالومي)، (مادونا)، (مارلين مونرو ).
الشاعرة تحكي قصتها من الداخل، قصة انهيار القيم، هذه الواقعة التي تخترق التاريخ منذ الأزل والتساؤل الفاجع عن كينونة المعنى ومعنى الكينونة مستنطقة مناخات التراث أنها وعول الدهشة التي تنطلق راكضة في حقول اللاوعي والذاكرة المأخوذة بالمدهش والخارق.
تأتي كل هذه الاختزانات في صورة محكية تنسجها الشاعرة كحلم يتحقق على ارض ما قد تكون عراق متخيلة .. كما في قصة ( صعودا جهة الغيم ) وطريقة الموت المرعبة في اقتناص العصافير الحالمة، وقصة أخرى بعنوان ( الموت يأتي مرتين ) هذا الانشغال بهذا الهاجس المرعب الذي يتمثل في صور كثيرة ويأخذ من يأخذ ولا يترك سوى اليباب ..
خوف الشاعرة والقلق المستمر تجاه هذا العملاق ( الموت) الغير المرئي والغير المحسوس والذي تدرك انه قادم لا محاله سرق منها قبلا العزيز والنفيس الى قلبها ، وتركها كنخلة متعبة تواجه الريح والصدامات دون ان تسقط ، انها الغيمة التي ايقظتها القصيدة مبكرا لتمطر شعرا وسردا ينبعث الى الروح كضوء شفيف.

سميرة الخروصي
*شاعرة عمانية


أعلى




موسيقى ـ تضّـاحكُ ـ جنائزية

1-

وعندما كانوا يهرولون بالنعش
في الدرب الطويل المشجر
باغتهم غيلة من ورائهم
هواءٌ غريب...
فطاروا جميعاً
في تموّجٍ،
مثلما قطعة قماش بيضاء،
بينما كانت العـُـلبُ الفارغة
تمضي في المهبّ مقرقعة
تكنس آثار المشائين

2-

بين البيت والحفرة التي هناك
بين الوليد والفقيد
بين الصرخة والخرسة
عراءٌ ينهمر كشلال
عراءٌ يتيَـتـّـمُ
عراءٌ يحضنُ رأسه من الخزي
عراءٌ يعوي
لا كالذئاب

3-

مجنونة هي القرابة
حمقاء هي الآصرة
تمتطي جواد النار
فيهوي بها
إلى الحضيض الهزليّ
انظروا: كم حصاناً تكسّـر !
انظروا: كم جحيماً اندلع في ثوب واحد !

4-

وعندما كانوا يخبطون بأرجلهم
راكضين أكثر مما ينبغي
باللفافة البيضاء
كانت شجرة تتبسـّم
تتذكر الترّهات
التي ارتكبها ذات ظهيرة
تحت ظلالها الشبقية.
ومع ذلك لن تبوح بشيء
لا لأحد، لا لطائر، لا لشجرة
حتى لو أنشب الفأس أنيابه
في أعناقها
المجنونة
المتلاعبة في الهواء

5-

(الحياةُ في منتهى الظـُرف،
الوجود يـُـنـَـكـِّـت):
كيسٌ بلاستيكيٌ فارغ
يتبع جنازة
مثل كلب بلا رأس..
على أنّ أشواكاً
ـ في منتصف الدرب ـ
منعته من الوصول إلى مبتغاه..
ألهذا يزمجرُ أسد ما في غابة؟

6-

كل قطارٍ ينتظر
كلّ مسافر ينتظر
كلّ سراب ينتظر
كلّ خرابٍ ينتظر
والضواري الأرضية
تتشمـّم المائدة القادمة

7-

بين الاستاد الرياضي الذي على اليمين
وعَلـَـم ِ المدرسة الذي يرفرف بعيداً في الجهة الأخرى
مضى شخصٌ ما
إلى حتفه الأنيق

8-

حتى أعمدة الكهرباء
ـ في هذا الضحى المخاتل ـ
تحني رؤوسها من أجلك
أيها الطيب
أيها المـُبارك
أيها الوديع

9-

ثلاثون، خمسون، ستون، ثمانون سنة
من القيءِ الضروسِ
في خاصرتك
عشرون سنة من الغثيان
الذي كحـّـلتَ به العالـَـم
تركتـَها وراءَكَ
أيها المـُـغني الآن
أيها المـرقـّـط
بالفرائس البائدة
بالعدم ِ البهلوان

10-

وكانت الموسيقى
لأوّل مرة
تعزف موسيقارَها
في غنج حالم
منشبة أنفاسها
في الأصابع
والعصا القصيرة
والنوتات..
وكانت الموسيقا أيضاً
ـ ولأوّل مرّة ـ
ممسكة بمطرقة العدالة..

صالح العامري*
* أديب عماني

أعلى




عودة إلى "العلمانية "
ما قدمته الأيديولوجيات بديلا عن الإيمان هو البقاء للأصلح والقوة هي الحق

الإنسانية اليوم تبحث عن معنى للحياة يخلصها من غربتها وعزلتها وفراغها الروحي

اختتم مؤخرا مؤتمر عن العلمانية في البلاد العربية عقد في مكتبة الإسكندرية. و قد ذهب احد المتحدثين في تلك الندوة الي ما ذهبت إليه في مقال سابق من أن كلمة العلمانية هي ترجمة خطأ للكلمة الأصلية التي باللغة الانجليزية.
في الحقيقة أن الكلمة الانجليزية secular التي أخذت منها الكلمة العربية علماني لا علاقة لها بالعلم بمفهومه الغربي الحديث science . واقرب تفسير لها "لا ديني". فحسب قاموس أكسفورد و القواميس المعتبرة دوليا فان معنى secular "غير مهتم بالدين " أو " استقلال الحكم و التعليم عن الدين ". فـ secularism ليست العلمانية أنما اللادينية . و هي بالمعنى الحركي التاريخي الدعوة إلي جعل الدين شأنا شخصيا و أن يترك كل ما هو غير شخصي خارج دائرة الدين. و في المعنى الآخر الشائع جعل المجتمعات تعتمد العقل بدلا من المعتقدات الدينية . و هي في جوهرها حركة تزدري الدين.
أستاذ تاريخ العصور الوسطى بجامعة الإسكندرية الدكتور محمود سعيد عمران ، الذي شارك في الندوة، وافق قوله قولي حيث أشار إلى "الترجمة الخاطئة" لكلمة Secularism عن اللغة الإنجليزية، وقال إنها كلمة لا صلة لها بلفظ (العلم) ومشتقاته على الإطلاق، مؤكدا أن ترجمتها الصحيحة هي "اللادينية" أو "الدنيوية". كما حذر في السياق نفسه، و هو تحذير ينطوي في رأيي على بصيرة ، من أن الإسهاب في تضخيم دور الدين ربما القصد من ورائه اتخاذ ذلك ذريعة لمحاربته " وتحقيق أغراض سياسية ".
ودعا إلى احترام المعتقدات الدينية والهويات الثقافية والروحية للمجتمعات. وهي دعوة كانت جوهر مقالات كتبتها سابقا، أي حق الأغلبية في ممارسة دينها.
و في هذا السياق ينعي الكاتب التونسي رفيق عبد السلام في مقاله البصير " من الإصلاح الديني إلى الإفساد الديني" الذي نشره موقع قناة الجزيرة على الانترنت ينعي الادعاءات الحداثية للعلمانيين العرب الذين يلبسون الهجوم على الممارسة الدينية لبوس العلم و الموضوعية . حيث يقول: " القطاع الأوسع من المثقفين العرب على كثرة ما يثيرونه من ضجيج وادعاءات حداثية لم يرتقوا حتى إلى أداء وظيفة الوساطة الفكرية الأمينة والبعيدة عن التلبيس والتشويه، أي استيعاب الأفكار الغربية ونقلها للقارئ العربي بطريقة أمينة، وبمصطلح منضبط وسليم، إذ يكتفي أغلبهم بالتحصن خلف ادعاءات عقلانية وتنويرية كاذبة دون أن يكون لهم جهد إبداعي ولا تنويري يذكر " (1) . هذا في معنى العلمانية.
من جانب آخر لا يشهد العصر الحديث دلائل على أن ممارسة الدين تعيق التقدم. فليس بضائر في هذا السياق التذكير أن مجتمعات غارقة في الخرافة كاليابان والصين و الهند تتقرب إلي الأرواح و الجن و ظواهر الطبيعة وتعبد الجبال و الشجر و مهوسة بالتنبؤ بالحظ هي أيضا مجتمعات شطرت الذرة وأطلقت مسابير إلي الفضاء و حققت طفرات صناعية و طفرات تكنولوجية . بل أن الهند التي تعبد أربعمائة و خمسين مليون معبود ( عدد آلهة البانثيون الهندوسي ) من بينها ثعابين وفئران فرغت العام الماضي من وضع نظام للإنذار المبكر ضد أمواج السونامي في المحيط الهندي. أما إذا أخذنا مثالا إسلاميا، ماليزيا، فان الماليزيين لم يمنعهم إيمانهم الإسلامي من أن يصبحوا نموذجا للنمو الاقتصادي و التقدم العلمي.

أثار الإيديولوجيات اللادينية :

إن الأيديولوجيات اللادينية في العصر الحديث سببت من الفضائع ما يحار العقل نفسه في فهمه. و أذكر هنا بما قارفه الفرنسيون في حق الجزائريين( 45 ألف قتيل في مظاهرات شهر مايو 1947 فقط) فضلا عن هدم ثمانين ألف مسجد ! و ما قارفه النازيون في الحرب العالمية الثانية: أحد عشر مليون إنسان من رجال ونساء و أطفال قضوا نحبهم في معسكرات النازية أما لكونهم يهودا أو غجرا أو من آباء غير ألمان أو مرضى عقليين أو يعانون إعاقات بما فيهم أيضا عرب ومسلمون. و لا يفوتني هنا التذكير أيضا بالفشل الأخلاقي للغرب تجاه مأساة شعب فلسطين. و بمذابح ستالين(20 مليون جلهم من الفلاحين الروس !) و مذابح مايو تسي تونج( 40 مليون بما فيهم مقتني الكتب !) ومذابح الخمير الحمر(مليونان بما فيهم من يضع النظارات!). العقل وحده لا ينتج الالتزام الأخلاقي و لا الفلسفة وحدها كذلك. الأيديولوجيات اللادينية لم تنتج إلا الكبر والأنانية والفراغ الروحي. و ما قدمته هذه الأيديولوجيات بديلا عن الإيمان بالله هي الداروينية الاجتماعية حيث البقاء للأصلح و القوة هي الحق .
عندما كتب عالم الحشرات الذائع الصيت ادوارد ولسون الأستاذ في جامعة هارفارد ورابع أكثر اللادينيين ازدراء للدين كتابه "جنازة الله " funeral of God الذي خلاصته إن العلم الحديث قضى تماما على الحاجة إلي الإيمان بالله رد عليه وندل بيري (الشاعر و الروائي و كاتب المقالات الأميركي المعروف) رد عليه في كتابه الحياه معجزة life is a miracle قائلا( ترجمة الكاتب ): " معتقدا أن ما لا يمكن إدراكه لا وجود له ،يظن ولسون مثل من سبقه من الماديين و الملحدين والعقلانيين والواقعيين أنه وجه ضربة مميتة للإيمان الديني عندما يطالبه بالدليل. غير أن الإيمان الديني يبدأ باكتشاف أنه ليس هناك " دليل" " (2). أي دليلا يمكن إدراكه تجريبيا.
إن البديل للإيمان بالله الذي طرحه ولسون كان بديلا مخيفا : الجبرية البيولوجية كما فصلها في كتابه الشهير Sociobiology ، علم الأحياء الاجتماعي، التي عدها بعض العلماء والمفكرين بما فيهم زملاء له في جامعة هارفارد أنها صورة جديدة من صور الحط من الإنسان وأنها تفسير خطير سياسيا كخطورة العنصرية و النازية.
إن الإنسانية اليوم تبحث عن معنى للحياة يخلصها من غربتها و عزلتها و فراغها الروحي حيث عجزت كل انجازات العقل أن تحل محل ذلك الدافع الدفين داخل النفس البشرية نحو البحث عن المعنى النهائي للحياة. و هنا يقول طبيب النفس الراحل فكتور فرانكل مؤسس العلاج المعنائي logotherapy (ترجمة الكاتب ) "ليس بالوسع تفسير كل شيء على أساس أن له معنى. و لكن بالوسع إيضاح السبب وراء أن هذا التفسير مستحيل بالضرورة. أي انه مستحيل على أساس فكري. غير أن ما لا يمكن إدراكه لا يلزم أن يكون غير قابل للتصديق. صحيح انه غير ممكن فكريا معرفة ما إذا كان كل شيء لا معنى نهائي له أو أن له معنى نهائي. و لكن إذا كنا لا نستطيع الإجابة على السؤال فكريا أي على أساس الإدراك الذهني فإننا نستطيع الإجابة عليه وجوديا" (3).
و في هذا السياق أود أن اختم بتعليق كتبه احد قراء مجلة نيوسانتست Newscientist العلمية ردا على مقال كتبه في عدد سابق عالم المستقبليات المعروف ري كرتزول Kurzwell. يقول التعليق ( ترجمة الكاتب ): " إن رؤية كرتزول عن المستقبل بدت لي محزنة جدا. فالرؤية تبشرنا بأننا سنعيش قرونا و سنتبنى كل تقنية جديدة فور ظهورها... التلفزيون والهواتف النقالة و الايميل وتقنية النانو و الذكاء الاصطناعي والهندسة الجينية : هل احد منكم جعلته هذه الأشياء أكثر سعادة ؟ اعتقد أن العكس هو الصحيح : لقد زادت عزلتنا وغربتنا واضطراباتنا. إن رؤية كرزول فارغة من الإنسانية على الرغم من تأكيده أن كون الإنسان إنسانا يعرف بتجاوزه كل قصور وضعف. إن المسالة المأساوية التي فاتته هي أن أهم نقاط قصورنا وضعفنا التي نحتاج فعلا لتجاوزها لكي نحقق السعادة لا علاقة لها البتة بالتكنولوجيا " (4).

محمد بن عبدالله العليان*
*إعلامي عماني
عضو الرابطة الدولية للكتاب العلميين iswa

1- رفيق عبدالسلام ، من الإصلاح الديني الي الإفساد الديني ، موقع الجزيرة نت
2- مجلة seed العلمية ، ص 51 ، عدد نوفمبر 2006
3- Viktor Frankle , man search for ultimate meaning . P 146, Basic books, 2000.
4- مجلة Newscientist العلمية ، ص 22 ، عدد 15 أكتوبر 2005 .


أعلى






عبر تجليات النص الشعري الجاهلي ( 1 ـ 5 )
مقاربة ميثولوجية لعالم الجن

الشعوب اعتقدت بالدور السلبي والايجابي للجن في حياتها، فخضعت لها وعبدتها ومارست طقوساً اتقاء خطرها، وكسب رضاها

كان يُنظر إلى العالم السفلي في حضارة بلاد الرافدين القديمة على أنه مصدر تأتي منه الشياطين المؤذية أو الأرواح الشريرة

في ذاكرة الحضارات القديمة

إن المعتقدات والأساطير ليست حكراً على شعب بعينه دون آخر،، إنما هي امتزاج بين عقليات وثقافات مختلفة مرّت بمراحل زمنية، وتلونت ببيئات مختلفة ، وبالتالي ، لا يجوز ربط الأسطورة بعقلية ثابتة ومعينة بمنطقة ما، بل يُستحسن نسبتها إلى التراث العالمي الذي تطبعه كل منطقة بطابعها الخاص، دون أن تمحو جوهره وتنسي مصدره. لعل الأسفار والحركات التجارية وهجرات الشعوب والغزوات كانت وسائط نشر انتقلت عبرها الأساطير من بلد إلى آخر ... دون أن نتمكن من معرفة أصل الأسطورة ومنبعها. وإذا كانت الشعوب قد اشتركت جميعها في نسيج الأسطورة، فمن البدهي أن تشترك الشعوب السامية فيه وتتشابه إلى حدٍّ كبير في الخيوط. ويرى شوقي عبد الحكيم أن الشعوب السامية تشترك في أساس أسطوري عقائدي ولاهوتي منذ أكثر من ألفي عام قبل الميلاد... كما يرى أن منابع الميثولوجيا العربية تضرب بجذورها على مدى ستّة آلاف عام، أي منذ السومريين الذين توارثهم العرب واليهود الساميون. ولم تكن الأسطورة مجرد حكاية مرتبطة بخيال ـ كما يرى الحجاجي ـ فهي واقع ، وهي عقيدة تتمثل في شعائر معيشة يرتبط بها قصص مقدس، يقوم بعملية توضيح هذه الشعائر وربطها بالاعتقاد. وحين يتصور إنسان ما أن الأسطورة خيال فهو يعني بالدرجة الأولى أنه اتخذ منها موقفاً هو الكفر بها ورفضها، وتحويلها إلى مجرد قصة خيالية تستند إلى الوهم، وبذلك تخرج عن دائرة الدين والمعتقد. ومن هذه الفرضية ننطلق إلى الحديث عن الاعتقاد بالجن، هذا الصنف من المخلوقات الذي قام بدور خطير في الحياة العقدية لدى الشعوب، وتكاد الميثولوجيا العالمية ـ كما يرى الحوت ـ لا تخلو من هذا الاعتقاد الذي حافظ على بقائه منذ أن خشي الإنسان خوافي الطبيعة،... ولكل أمةٍ قديمة جن وشياطين تقوم بدور هام في حياتها، لا يقل أحياناً كثيرة عن دور الآلهة..
ولقد اعتقدت هذه الشعوب بدور الجن السلبي والايجابي في حياتها، فخضعت لها وعبدتها ومارست طقوساً اتقاء خطرها، وكسب رضاها. وتختلف أشكال الجن وهيئاتها من ثقافة لأخرى أحياناً، وتتشابه أحياناً أخرى، على فرضية أن الجن تستطيع أن تتشكل في هيئات مختلفة، منها ما هو على شكل حيّة أو ثعبان، ومنها ما هو على شكل إله، ويظهر الشيطان اسماً مشتركاً للجن عند الشعوب وكذلك العفريت . يظهر في الأساطير اليونانية بروتيوس ، وهو إله صغير من آلهة البحر، يذهب هوميروس إلى أنه كان في الأصل جنّياً مصريّا يخدم بوزيدون إله البحر، كانت له القدرة على التشكل في مختلف الهيئات. ويظهر في الفكر الغربي أوبيرو ملك الجنيات في الأدب الشعبي طوال العصر الوسيط، يُروى أن كأسه كان ممتلئاً باستمرار نظراً لأصله الإلهي؛ دلالةً على الخلود. وظهر في الكشوف السومرية العفريتة الشيطانة "ميليث" التي تسكن الخرابات والأماكن المهجورة. وتظهر "ميليث" عند البابليين باسم "ليليث" لتعني أنثى العفريت أو الريح، وتحول هذا اللفظ بعد ذلك إلى "ليل" وهي ما أصبحت تظهر ليلاً وعرفت بالجنية "ليل". كما تظهر "ليليث" شيطانة أنثى في الأساطير اليهودية. ويبدو أن الجن بأشكالها المختلفة أكثر ما تظهر ليلاً، بل هي ترتبط به إلى حدٍّ كبير. وفي الأساطير الشمالية تظهر العفاريت السوداء أو عفاريت الليل، وهم أقزام قبيحو المنظر طوال الأنوف ، ذوو لون قاتم قذر، ولا يظهرون إلا في الليل، وكانت لغتهم صدى الخلوات، ومحلات إقامتهم هي الكهوف والشقوق التي تحت الأرض .. وتميزوا بمعرفة قوى الطبيعة الخفية. ولقد كان يُنظر إلى العالم السفلي في حضارة بلاد الرافدين القديمة على أنه مصدر تأتي منه الشياطين المؤذية أو الأرواح الشريرة. وتُظهر الفكرة السومرية توحّد الشيطانة " ليليث" بالحية، وليليث هذه عُرفت عند السامريين بحواء الأولى، والتي عادت بدورها فتوحدت بالحية، خاصة عند القبائل العبرية، التي ترى أن أصل الإنسان من الحية، والحية من الجن. ولعل الحية أكثر الأصناف ارتباطاً بالجن، وظهرت في معظم الأساطير العالمية، وحظيت بالتقديس والعبادة ما لم يحظ كائن آخر من الكائنات، من ذلك أن أساطير الخلق والبدء ترجع نسب الحبشية بكامله إلى الحية، والحية تتوحد مع الجن. ويظهر في الديانة المصرية الإله "سيت" سيد العماء والشواش الذي يعارض نظام الطبيعة ويعمل على نشر الفوضى، ومن رموزه الأفعى التي تشير إلى "سيت" في شكل الوحش الكوني " آبيب" وتبلغ قوة الإله "سيت" ذروتها نهاية الشهر القمري عندما يكون الإله قد ابتلع نور القمر بأكمله، وفي الانقلاب الشتوي عندما يكون قد ابتلع ما استطاع من نور الشمس وقصّر الأيام المضيئة لصالح الليالي المظلمة. وفي هذا دلالة على ارتباط الجن أو الحية ـ وهي إحدى رموزه ـ بالليل والظلام. وهو ارتباط ستتضح معالمه عند اعتقاد العرب بالجن.
ويعلل "فريزر" تقديس الشعوب القديمة للحية أو الثعبان، بأن الثعابين آباء لبعض الناس في الإيمان الشائع بأن الأموات يعودون إلى الحياة ويزورون مساكنهم القديمة بشكل الأفاعي. وفي جزيرة "كيري وينا" يعدُّ السكان الثعبان كأحد زعمائهم السالفين أو بالأحرى كمسكن لروحه، وتقدم له آيات الاحترام التي تقدم الزعيم.. ويقدم له السكان الهدايا مراضاة له ويرفقونها بالتضرع إليه لكي لا يلحق بهم الأذى.. ولا يجرؤون على قتل الأفعى لأن قتلها يعود على قاتليها بالمرض والموت. وكذلك فإن النساء في مواسم بذر الأرض في "تسموفوريا " يرمين أقراص الكعك وقطع اللحم إلى الثعابين مراضاة لها لاعتقادهم تقمصها أرواح من مات من الرجال والنساء، إذ ستقضّ مضجعها في الأرض عمليات الفلاحة حين تبدأ. فيسعى الناس في تسكين غضبها بالهدايا.وتظن بعض النساء في سوريا أنهن قد يلدن الأولاد من جنّي. أما السعلاة وهي الصنف الجنيّ الآخر، والتي ظهرت عند العرب قبل الإسلام بكثرة، نجد الأساطير الغربية تتحدث عنها بشكل مخيف, فالسعلاة "ميدوسا" ذات أسنان كبيرة كأسنان الخنازير ، ومخالب نحاسية، وشعر من الأفاعي، وهي سعلاة مخيفة من مسوخ إناث، تصورها الأساطير أنها كانت تعيث بالبلاد فساداً. ولعل مذاهب الكلدانيين أكثر غلواً في الاعتقاد بالجن، وتقديسها وعبادتها, إذ يعملون عيداً للشياطين والجن والأرواح.. ويذبحون خروفاً لإله الجن. ويطبخون ماء يستحمون به سرّا لرئيس الجن, وهو الإله الأعظم, كما كان من عاداتهم التضحية بطفل صبي حين يولد، يذبح الصبي ، ثم يلصق حتى يهترئ، ويؤخذ لحمه فيعجن بدقيق السميد وزعفران وسنبل وقرنفل وزيت، ويعمل منه أقراص... فيخبز في تنور جديد، ويكون لأهل السرّ في الشمال، ولا تأكل منه امرأة، ولا عبد، ولا ابن أمة، ولا مجنون. كما يقدمون في يوم سبعة وعشرين ويوم ثمانية وعشرين من أيلول القرابين والذبائح للشياطين والجن التي تدبرهم وتوقّيهم وتعطيهم البخت . وفي شباط يصلّون للجنّ والشياطين. وكانوا يعتقدون أن في تعليق الجناح الأيسر من الفراريج في أعناق الصبيان ، وقلائد النساء وعلى أوساط الحوامل ، حرزاً وحفظاً وتنفيراً للجنّ. وهناك خرافة بابلية قديمة كانت تعزو مرض العيون أو التهابها إلى عفريت أو جني. وكان كهنة ما بين النهرين يذكرون أن الرياح التي تهب عليهم موسميا من الجنوب الغربي ، محملة بالأتربة والغبار ترجع إلى جني أو شيطان يتقمص تلك الرياح الشريرة التي تؤذي العيون . ولتنفير هذه الشياطين والجن وإبعاد شرورها يجيئون بتماثيل منفرة، ويضعونها أمام منازلهم، ويعتقدون أن الشياطين والجن تتحاشاها عند رؤيتها ولا تستطيع التسلل إلى دورهم. ولعل أسطورة الخلق الأولى التي تتحدث عن الجنيتين "ليليث" و "نعمة" اللتين يخنقان الأطفال حديثي الولادة، ألقت بظلالها على الأمم اللاحقة، إذا إن بعض شعوب ما بين النهرين كانوا يرسمون دوائر ثلاث فوق رأس الطفل حديث المولد، يكتبون على الأولى، اسم ملك الجان، وعلى الثانية اسم الإنسان القديم، وعلى الثالثة اسم روح الحياة. وهذا ما يؤكد شمولية الخوف عند الأمم والشعوب جميعها من الجن، إذا إن جهل الإنسان بمصدر العذاب والشقاء والمرض والنحس، وقلقه الطويل والمرير مما حوله، جعله يبحث عن تفسير يمنطق به ديناميكية الحياة من حوله. والتشبث بقدرة تفوق قدرته ، قدرة يعتقد فيها التحكم بقوى الطبيعة الخفية . ويبدو أن الإنسان قبل أن يقف على أصل الشر ، نسب كل حدث سيء وكل عمل ضار إلى شيطان ما ، مشبعاً بذلك ميله إلى الحكم على الأشياء من خلال ما تستثيره في نفسه من لذة وألم .

د. حمود الدغيشي*
* أكاديمي عماني

 

أعلى




أفضل ما فيه .. الموتى
(هابيننج) .. فيلم تضيع رؤيته بين الحرب الكونية واللاجئين والوباء

لا يزال يرى الموتى لكنهم أفضل ما في الفيلم. يحصل المخرج نايت شاياملان على لحظات من العنفوان عندما يصور الموتى في فيلمه الجديد (هابيننج) ، الذي يصور ضحايا وباء انتحاري يكتسح الشمال الشرقي من الولايات المتحدة الأميركية.
تدور قصة الفيلم حول امرأة شابة جميلة لكنها مشوشة بعض الشيء تغرس إبرة حياكة في رقبتها ، وشخص يضع نفسه بحرص أمام آلة تشذيب عشب ضخمة ، وعشرات عمال البناء يلقون بأنفسهم إلى حتوفهم ثم امرأة عجوز تضرب رأسها بعنف في النافذة كي تقطع الحلقوم.
إذا كنت من هواة الانتحار فهذا الفيلم هو مبتغاك. وحسب تصور شاياملان ، كونه المؤلف والمخرج والمنتج ، يتسرب سم غريب محمول جوا في المنطقة بداية من الساعة 8.33 صباحا بسنترال بارك في نيويورك، وعمد المصور السينمائي الرائع تاك فوجيموتو إلى التقاط الوزن الدقيق للريح أثناء مروره بأوراق أشجار في الوادي الصغير وتوقف الناس عن الحركة لثوان ثم الإسراع للعثور على طرق الطمس الذاتي.
لقد كان شاياملان ذكيا بدرجة كافية ليتعرف إلى أي مدى يذهب في هذه المسائل وبالتالي يعطينا حالات قليلة لملايين الوفيات التي تحدث ولكن كل واحدة مغلفة بقالب جمالي لتحدث التأثير الإجمالي ، وكل ذلك والفيلم لم يبدأ بعد!
يبدأ الفيلم مع قطار امتراك متجها إلى الجنوب الغربي حيث منزل المخرج في فيلادلفيا. وهناك تركز الكاميرا على اليوت مور (يقوم بدوره مارك فالبرج) وزوجته واسعة العينين ألما (تقوم بدورها زوي ديشانيل). ويعمل اليوت مدرسا لمادة العلوم في مدرسة ثانوية حيث يتناول موضوع الفيلم مدى تأثير مصير نحل العسل على مصير الإنسان. ثم تضرب ريح الموت فيلادلفيا وتدفع اليوت وألما إضافة إلى الطفل جيس ابن صديقيهما إلى الشارع في موجة لاجئين. وتثور اسئلة: هل هذا فيلم عن اللاجئين؟ هل هذا فيلم عن الوباء؟ هل هو فيلم عن حرب كونية؟ هل هو عن فجر الموتى؟ ام انه فيلم عن امرأة عجوز مجنونة؟
كل هذه الاحتمالات قائمة ، فهو يشبه فيلما يدور حول امرأة عجوز مجنونة في ثلثه الأخير عندما تفر عائلة مور وطفلها البديل ويصلا إلى منزل مسز جونز المهجور الذي يجعلهم مستيقظين طوال الليل .
المشكلة الكبرى في الفيلم ان شاياملان على عكس مخرجي أفلام الطيور أو الحرب وغيرها غير متأكد تماما أي من الافلام يصنع كما انه يتنقل بين الشخصيات بحثا عن شيء يثير انتباهه. فهو مثلا يضيع وقتا طويلا في اعداد سيناريو ليكون منطلقا لدراسة حركيات مجموعة تحت ضغط خارق شديد ، وينتهي الأمر بعائلة مور بعبور مفازة بشكل جماعي سيرا على الاقدام تحت قيادة شرطي برتبة صغيرة يذعن له الجميع لسبب غير معلوم رغم انه اقرب ما يكون مصابا بالهستيريا. ان التناقض مع مخرجين امثال هيتشكوك وسبيلبيرج وروميرو لافت. فهيتشكوك وسبيلبيرج من المخرجين الكبار فيما الثالث يبدو مخرجا مأجورا عليك ان تقبل بعالمه الاحول إذا اردت ان تخرج بشيء من افلامه. لكن كل واحد من هؤلاء المخرجين يفوق شايامالان لأن كل واحد يريد فعلا ان يصنع فيلما له طابع خاص وكل منهم ينجح في ذلك حيث ان الفيلم يبرز مهنية المخرج بشكل متناغم ومليء بالحيوية والتصميم الفائق والتجربة العاطفية من البداية إلى النهاية. بالمقابل يتعثر فيلم هابيننج في هذا الاتجاه وفي النهاية يختبئ وراء رسالة بيئية غير محكمة اذ نجد مستر نايت يصرخ بجنون مع نهاية الفيلم وهو يختبئ وراء علم اخضر متوقعا الرحمة قائلا: انه من اجل كوكبنا. لكن الكوكب يريد فعلا افلاما افضل من ذلك.

ستيفن هانتر*
*خدمة لوس انجلوس تايمز وواشنطن بوست - خاص بالوطن


أعلى



درايـــش

كنت جالساً تحت الدريشة تماماً ، حين امتدت يدٌ من بين قضبانها وأمسكتني من شعري ، وراحت تشدني بقوة وتضربني بالقضبان.
سالت دماء كثيرة وتناثرت في الأرجاء، قبل أن يستطيعوا فك خصلات شعري من بين أصابعها.. لتختفي تلك اليد الى الأبد ، وليبقى دمي شاهداً في القضبان!.

****

مرة عرض التلفاز فقرة عن طائرة حاملة للقنابل.. لم يكن الفرق بينها وبين طائرة الركاب سوى اختفاء الدرايش فيها!

****

حين أوصدنا الباب جيداً ، وانشغلنا بتكديس الاشياء الثقيلة خلفه خوفاً من دخولهم.. كانوا يتسللون كالثعابين من بين قضبان الدرايش!.

****

دريشتها المطلة على المقصورة التي ورثتها عن أبيها كانت أقرب الدرايش الى قلبها.. هجرتها بعد أن باع زوجها المقصورة ليسافر بقيمتها الى بلاد العودة باللاشيء!

****

في غفلة من الجميع تسلل تنين كبير من الدريشة ، واقتحم المكان ، فبرز له ثور كبير وهرسه بأقدامه ، ثم جاء نسر برأسين سرق الثور وهرب من الدريشة نفسها!
وحدها سيوفنا الهلالية بقيت تلمع في الفضاء تتوعد النسر الذي يقهقه علينا برأس ، ويعبس فينا برأسه الآخر.

****

حين جلبتهم السفن من البعيد ، كانوا ينظرون من درايشها للأرض الجديدة، ويحلمون بأشياء كبيرة.. تلقفهم المكان الجديد بكل ترحاب وحب.. ولكنهم زرعوا الدرايش في خاصرة ساحله وراحوا يتلصصون عليه!!

****

في المساحة الفاصلة بين خشب الدريشة والجدار الطيني المثبتة عليه ، ثمة أسرار نسائية مدفونة: كرة من الشعر.. دبوس فضة.. إبرة خياطة.. موسى جارحة!

****

ليس المهم أن يكون الباب مفتوحاً أو مغلقاً .. المهم أن تبقى الدريشة مغلقة دائماً، ولا تفتح إلا للضرورة!

****

"البيت العود" الذي يعتلي بيوت الجميع في ربوة مرتفعة كان يملك درايش ممهورة النقش بأشكال هندسية رائعة.. بيتنا كانت درايشه "سادة" من دون تموجات أو تعرجات ليد فنان.. حين سألت والدي عن السبب، قال: عندما تكبر ستعرف.
قريباً ، حين ذهبت لشراء درايش منزلي عرفت السبب.

****

درايش زمان كانت خشبية تستر ما خلفها.. درايش الحاضر زجاجية شفافة تستوجب شراءك للستائر، والتي إذا نسيت إسدالها ستنسى أن تسترك!!

****

لم تجمعنا سوى دريشة .. كانت تطل منها عندما أمر بجوار منزلهم لأُدير "الصوار"

****

اذا لم تسكت فسأرميك من ......

وأشار اليها.. لماذا هي بالتحديد التي نهدد (بكسر الدال قبل الأخيرة، أو فتحها) بإلقاء بعضنا منها؟!!

****

من دريشة منزلنا شاهدت مرة شهاباً ثاقباً.. نسيت أن أكبّر.
عند النوم زارني شيطان ليشكرني على إنقاذه!

****

قد يكون نسيان الأبواب على مصراعيها أكثر أمناً من ترك الداريش مفتوحة!

****

كل ظهيرة كانت الدرايش تتقيؤنا لنبدأ التسكع في ارجاء الحارة، لتبتلعنا من جديد قبل أذان العصر.

****

الدريشة المفتوحة عين اللص التي يتلصص منها علينا ، ليتأكد من نوم الجميع. تبتلعه لينهي مراده ثم تلفظه ليهرب.


****

ضوضاء الفراشات الليلية تجبرني على إغلاق الدريشة بإحكاااام

سالم الرحبي

أعلى



قصة قصيرة
مقاطع على هامش حياة صغيرة


مقطع السيجارة

ـ يا أولاد الحلال ..سيجارة ...سيجارة واحدة لأتكلم لا غير.
"عندما نودي على اسمه في بداية وقوفه في هذا المكان لم يجد ما يفعله في لحظتها إلا ابتلاع ريقه ببطء وبصوت بدا له مسموعا لدى جميع المخلوقات، نظر إلى السقف الأزرق المرتفع بلا أعمدة فوقه، أخفض بصره ليتمعن في وجوه من حوله، ثم عاد وابتلع ريقه للمرة الثانية وبحركة ظاهرة في وسط حنجرته، عندما امتدت إليه يد بالميكرفون ليقول شيئا أمام الحضور، ارتبك، كاد أن يتعثر بخطوته الثانية وهو يسير قاطعا المسافة بينه وبين الميكروفون، اقترب، ابتسم، عدل في أثناء سيره من وضع عمامته المائلة جهة اليمين قليلا، حك ذقنه غير الحليق في موضعين أو أكثر، ربت على علبة السيجارة في جيبه باستغاثة مكتومة، عد في سره خطواته في محاولة لطرد التوتر الرابض على هيئة رعشة في أنامله خاصة، فكر بعمق فيما سيقوله لطابور الأجساد الصغيرة وللرجال الواقفين بجانبه في وقار حسدهم عليه في كل خطوة داس بها وجه الرخام الأزرق في أرضية الطابور .
في تلك اللحظة بالذات - والميكرفون بين يديه - لم يشته إلا سيجارة بين شفتيه هذا اليوم، سيجارة لا غير تجيره من الحر المتصاعد داخله منذ الأمس، وتنهي كل شيء على خير أمام الحاضرين. استشعر طعم السيجارة التي دخنها قبل أن يدخل المدرسة شعر لبرهة بنفسه كالمنعتق من منغصات الحياة كليا، أحس بجسده ليس بالقصير ولا الطويل، ليس بالخفيف ولا الثقيل، شعر أنه بلا جسد مرئي أو اسم ملتصق باسم أمه، إنه بلا عقل حتى أنه حر ويستطيع التحليق والطيران إلى أن تنتهي الدنيا ويفنى الخلق.
شجعته عينا مديرة المدرسة المبتسمة على الكلام، ركز بصره على ابنته التي دفعتها يد المعلمة برفق إلى جانبه لتلتقط لهما صورة ذكرت أنها ستعلقها في لوحة التميز، لحظة وعندما طلبت منه المعلمة أن يضع يده على كتف ابنته شعر بتوجس الجسد الصغير المحاذي له، صمت برهة، دار - بانفعال خفي - طرف إزاره الذي ظهر من تحت "دشداشته " ، لخطوة ابتعدت ابنته عنه وغطت بكفها النحيل بقعة طحين يابسة على ثوبها المدرسي ، حدث نفسه بأسى كبير أنه أهملها ، حضر حفل تفوقها بعد إلحاح متواصل منها ومن أمه ، رفع الميكرفون إلى فمه بحذر كبير ونظر ذات اليمين وذات الشمال وكرر بصوت مهزوز، وهو يمج في خياله سيجارة ضخمة.
- شكرا ...شكرا .

مقطع من حبة قمح

أمه ..
لم تكن تشبه النساء الأخريات ، لا يذكر أنه رآها تبكي علنا أو تتذمر من حياتهم أمام جاراتها ، سمعها كثيرا وهي تتحدث عن قدرة الإنسان على تكوين نفسه حتى من حفنة سراب ، علمتهم دائما أن يمسكوا بستار الليل الأسود ليداروا دموعهم عن البشر ، قالت لهم دائما وصفا أصبح حكمة في الأفواه " أنبت لكم لحما على عظامكم الغضة من لفح النار في القيظ والشتاء " . بمرارة طاف بخاطره طائف من الطفولة " وهو صغير أمسك بالورق وبقطع الكرتون المقوى أحيانا ، لفها وثناها على بعضها ، أشعل النار فيها وصنع سيجارته التي لا تبعث الريب والشك، مع دخانها المتصاعد من فمه لم يضيره أبدا أن يحمل أكياس الطحين من بيوت القرية إلى بيتهم ، ولم تثره رائحة الخبز الساخنة التي طالما عبقت في أنفه ، فيما بقي مسيره المتواصل طوال تلك السنوات لجمع جريد النخيل ليستخدموه كوقود للفرن توفيرا للغاز . ذكرى بدون لون في مخيلته " .
في أيامه تلك وهو يجلس القرفصاء أمام فرن أمه فكر دائما كم من المؤذي جدا أن تكون حبة قمح صغيرة وضعيفة وقابلة للكسر والطحن والانحناء والمضغ أخيرا، استعرض وأنامل والدته ملطخة بالطحين الرطب وأصابع أخته الصغرى المبللة بالماء، حياة حبة قمح منذ أنضجتها حرارة الشمس في الحقول إلى أن تنضجها حرارة الفرن، أعاد التفكير مرارا وحرارة الأرغفة الساخنة تثير جلد راحة يده، أكد لنفسه:
ـ كم هي قاسية حياة حبة القمح !

مقطع النسيان

غادة يوم الاثنين المنصرم منذ سنين لا يعرفها ، كانت طريقته الخاصة للاحتجاج جد غريبة ومؤثرة ، لم يكتشف للآن كيف أنتجها عقله المتواضع وكيف ابتدعها واستمر بها كنمط تعايش غير محايد ، قابل للتكرار كلما أراد أن يقول للآخرين أنه موجود دون أن يبكي أو يتذمر أو يحرك لسانه بتأتأة غير مفهومة لديهم .
أخيرا أقنع نفسه أنها كانت وليدة الساعة التي خرج فيها والده إلى بيت جديد وزوجة أخرى تاركا أفواههم الصغيرة معلقة كحبال من مسد مع ثلاث كلمات طلاق في عنق امرأة ضئيلة الجسد طوال سنين عجاف . تذكره الناس جليا كيف دخل غرفته وهو صامت وكيف خرج وقد جز أحد حاجبيه ، دار بخلده أن يقطع إحدى أذنيه أو أحد أصابعه ولكنه ببساطة غير معتادة أمسك شفرة حلاقته ومررها لمرتين أو ثلاث على الشعر الكثيف النابت فوق عينه اليمني. وفي الوقت الذي ضحك الناس منه بكى هو مطولا في داخله باحثا عن ستار الليل الذي افتقده في عز نهار مشمس ، بحاجب واحد كث ومبعثر الشعر أخذ يسير حافيا بين رمال القرية التي تحولت تحت أقدامه إلى مسامير .
و غداة يوم مر عليه عشر سنوات كاملة خرج إلى الناس وقد جز حاجبيه الاثنين احتجاجا على الموت الذي أخذ زوجته وترك في عنق أمه مجددا أربع أفواه باكية.

مقطع من ضباب

في إغفاءات الفجر المتتالية رآها جليا ، كانت روحا صرفة ، جميلة وحنونة ، كأن تجرد الموت من مادية الأجساد أستل منها صفرة المرض المزمن كما استل منهما كل ما راكمته الأيام من المشاحنات والأحداث . ذكرته بابتسامة طيبة وواسعة أن القلوب تشابهت كثيرا منذ أن وعى على الحياة ، وذكرها بحنان وافتقاد بأن قبلها تشابه مع الهواء الذي ضاق به صدرها
سألها ذات مرة لماذا رحلت ؟ ، بقيت تنظر إليه دون إجابة ، اقترب من طيفها وسألها هل أحبته ؟ أومأت إليه بالإيجاب ، واختفت ، عندها تنفس دموعا كثيرة في وجه الفجر. وساعة أضاءت الشمس المكان، أصبح يقينه مكتملا بأنه كالشمس أحبها، لم يألف بعدها شيئا ، ربما لأنها حاضرة وغائبة ، مشرقة وراحلة، تعلم منها أن طول المكوث في مكان ما يخلف الألفة ولكنه يورث الملل، لذلك رحلت ، تركته وحيدا ، وترك من بعدها الدنيا دون يملك شجاعة كافية ليعود في محاولة ناجحة إلى شفرة حلاقته ليقطع ما يصله بالوجود. لعشر سنوات أحبها وأهملها كما أحب وأهمل ابنته الواقفة بمحاذاته في الصورة، و كما أحب وعصى أمه، الفرق أن مرضها كان مثل الشيب قدم في الحياة وقدم في الممات وكلاهما يحمل مذاق القبر، و أن أمه عجزت عن جعله عكازا تستند عليه في شيبها .
في الوقت الذي مازالت ابنته تبتسم لرفيقاتها مدارية بكفها النحيل بقعة طحين يابسة على ثوبها المدرسي، حدث هو فيه نفسه - متحسسا بيد مرتجفة موضع حاجبيه - بصوت بدا واضحا للحضور:
ـ يا أولاد الحلال .. سيجارة ... سيجارة واحدة لأعيش بينكم لا غير .

رحمة المغيزوي*
* قاصة عمانية

 

أعلى


 

أزمة (الحوار مع الآخر)

بين قراءة النص وخطاب الهيمنة

نابليون لم يأت إلا مستعمرا ناهبا خيرات الشعوب ومواردها أيا كانت صفاته الشخصية، فكيف يتحول إلى صديق، يمثل نموذج الحوار والتلاقي؟!

الحلول التي يحاول بعض العقلاء إغراء الناس بها لن تؤتي ثمارها إلا في ظل خطاب أكثر اتزانا واعتدالا

لم يشغل العالم في العصر الذي نعيش فيه بثنائية مثلما شغلته ثنائية (الحوار ـ الصراع)، ولا نملك تفسيرات واضحة لذلك ، لكن النظرة الأفقية لكتابات المفكرين والمثقفين في القضيتين تنبئ بأن أهداف الكتاب ومشاربهم غير متفقة، وأن لكلٍّ مقصده وغايته من الكتابة في هذه القضية ؛ فبعضهم يهدف إلى تبرير الأحداث وتسويغها، وبعضهم يقصد إلى تحريك الناس وإثارتهم لحاجة في نفسه، وآخر يرى في الحوار أمرا واقعا يسير إليه مرغما مع السائرين، ورابع يؤمن بحتمية الحوار ويرى فيه بصيص النور المتبقي للإنسانية لتعود إلى رشدها، وتعيش شعوب العالم الرخاء والسكينة، ومهما كانت الأهداف لمناقشة قضية الحوار فإن للأزمة وجهين رئيسين: أولهما يمثله طرف الحوار الأول ويتركز في النص، وثانيهما يمثله طرف الحوار الثاني ويتركز في خطاب الهيمنة.
وإذا بدأنا بالوجه الأول للأزمة عند الطرف الأول للحوار واستقرأنا ما خطته الأقلام في هذه القضية نخرج بملاحظات تبرر الالتباس الكبير الذي يعاني منه القارئ في قضية الحوار، فكأننا أمام مجموعة تقوم على تشييد بناء واحد، لكن كل منهم يعمل وفقا للرسم الذي ارتسمه لنفسه، فهو بالتالي مضطرّ إلى هدم جزء مما بناه الآخرون، وهكذا لم يكتمل البناء فتئت عملية البناء والهدم.
وواقع كتابات الحوار لدى الطرف الأول ينم عن اضطراب شديد لأسباب كثيرة تتلخص في غياب مشروع فكري مؤسس على خلفية ثقافية ومنهج علمي لبحث قضية الحوار والتنظير لها، فالكل يرسم الصورة من الزاوية التي تحلو له، وحسب الفكرة التي يتبناها، فالليبرالي يتحدث عن حوار مطلق دون قيد أو شرط، والسلفي يرفض الحوار مطلقا، والعقلاني المنطقي يرى ممارسة الحوار في ظل قراءة الواقع، وآخر يؤطره بمبدأ المصلحة وهلم جرا.
وإذا غصنا أكثر في أعماق النتاج الثقافي والأدبي لدى الطرف الأول لقضية الحوار نقف على مجموعة من المزالق لم تنج منها كتابات الأدباء والمفكرين، التي أدت بدورها إلى تغريب النص ( من الغربة )، وفقدانه مقومات الحياة في واقع مغاير تماما للصورة التي يقدمها، ومن تلك المزالق ضيق منطقة الحوار، فمعظم الكتابات تتناول الحوار بين الإسلام والليبرالية الغربية، وهذا الأمر عليه تحفظان: أولهما أن طرفي الخطاب ليسا من جنس واحد حتى تتم المناظرة والمقابلة بينهما، فالإسلام دين سماوي له ثوابت ومحددات تتجاوز جذورها التاريخية ألف سنة، أما الليبرالية الغربية فهي رؤية بشرية في مجال الاقتصاد وتنظيم المجتمع لم تر النور إلا حديثا، ففي حال اقتضى الحوار بعض التنازلات من الطرفين مثلا لا بأس على الطرف الثاني أن يفعل ذلك لأن مبادئه صنعت في مطابخ البرلمانات وقصور الرئاسة، أما الدين السماوي فليس للبشر حق تطويعه وتكييفه أو فرض أمر واقع عليه بما يتنافى مع ثوابته مهما كانت الظروف.
والتحفظ الثاني على تناول الحوار بين الإسلام والليبرالية الغربية أن الحوار بهذا الاعتبار يتحرك في مساحة ضيقة، فالعالم أوسع من ذل ، وليس مقصورا على الغرب فقط، بل خلفنا شرق ينتظر أن نولي وجوهنا شطره؛ لنحاوره، وقد أثبتت التجربة والتاريخ أنه أكثر إيجابية، وأسرع استجابة، ويملك كل ما يملكه الغرب كذلك من حضارة وتقدم وتكنولوجيا، فلمَ تنسى أو تتناسى كتابات الحوار هذا الجزء من العالم، وتكتفي بالحديث عن الحوار مع الغرب فقط؟!
ومن الأزمات التي تعاني منها كتابات المفكرين والمنظرين العرب لقضية الحوار أزمة انتقاء النصوص التي تؤسس عليها وجهات النظر والرؤى المختلفة في هذه القضية؛ فمن الاستعراض المتعجل لهذه الكتابات يتراءى لنا كيف أن هؤلاء الكتاب ينتقون من تلك النصوص ما يتوافق ووجهات نظرهم، وإثبات حجتهم، غير مبالين بما يحيط تلك النصوص من سياقات من الضرورة بمكان قراءة النصوص في إطارها، فأنت ترى فريق منهم يثبت بالدليل على ضرورة الحوار وحتميته، يستشهد في ذلك بقوله تعالى : " لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" ( الممتحنة 8 ) ، " قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ " (آل عمران64)،" لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ " (آل عمران113)، وفريق آخر يرى الرأي المقابل، يستشهد في ذلك بقوله تعالى: " ِإنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " ( الممتحنة 9 ) ، " لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الانْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ألا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " المجادلة 22 ، "وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ " (البقرة109) ، " وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ " (آل عمران69)
وهكذا ينتقي كل فريق من النصوص ما يوافق فكرته ورؤيته؛ ليعيش في وهم الحقيقة والصواب، لأنه صاحب حجة، وله نصوصه التي يحتج بها، وعلى الرغم من وحدة المصدر الذي تستقى منه النصوص غالبا إلا أن الشقة بعيدة بين الفريقين، فكل حزب بما لديهم فرحون، وتلك نتيجة طبيعية عندما تتأسس الرؤية بمعزل عن النص، ثم تتلوها قراءة النص، التي لم يعمد إليها هؤلاء الكتاب إلا لإضفاء الشرعية على أفكارهم ورؤاهم.
والحقيقة أنه لا يمكن في معالجة هذه القضية أو غيرها من القضايا التعامل مع النص منعزلا عن سياقه الطبيعي الذي وجد فيه أو انتقاء أجزاء مجزأة من النصوص تلبي رغبات النفوس، وتلهب حرارة الجدل والنقاش، فالنص كل متكامل، لوحة متناسقة الأجزاء يضيء بعضه بعضا، وليس قطع متنافرة كما تظهرها القراءات التعسفية.
كذلك على الكاتب أن يتروى قبل أن يبني نظريته، ويبدي وجهة نظره في مثل هذه القضايا، وأن يسأل النصوص قبل بناء الرؤية حول قضية الحوار وليس عندما يجد نفسه في ورطة؛ فيعمد إلى تقطيع أوصال النصوص للخروج من ورطته .
وليست النصوص الدينية وحدها تعاني من تلك القراءات غير الموضوعية ، بل حتى النصوص التاريخية تئن تحت وطأة تفسيرات وتأويلات سقيمة لا يقبلها عقل ولا منطق، فكثيرا ما حاول هؤلاء الكتاب إقناعنا أن حملة نابليون على مصر هي نموذج تلاقي الحضارات وحوار الشعوب، إذ كانت النواة الأولى للنهضة العربية التي قامت في عهد محمد علي، لكننا عندما تعلمنا كيف نفكر لم تقبل عقولنا هذا المنطق الأعوج، فكيف تجتمع خصلتا العداوة والصداقة في شخص واحد، إذ الجميع يعلم أن نابليون لم يأت إلا مستعمرا ناهبا خيرات الشعوب ومواردها أيا كانت صفاته الشخصية، فكيف يتحول إلى صديق، يمثل نموذج الحوار والتلاقي؟!
ومن الأزمات التي تعاني منها الكتابات في هذه القضية كذلك أنها غالبا ما تكون ردود أفعال غير مؤسسة على مشروع واضح، يهدف إلى رسم مستقبل للأجيال القادمة في علاقتها وتعاطيها مع الآخر حتى تكون أكثر فاعلية في محيطها الكوني تتأثر وتؤثر بوعي منها، تحاور الآخر في ظل التمسك بالهوية والقيم الذاتية والإنسانية. وعلى الرغم من كثرة ما كتب عن هذه القضية في عالمنا العربي والإسلامي إلا أنه لازال يعاني من غربة في وسط تملؤه كتابات على غرار نظرية صدام الحضارات ونهاية التاريخ في حبكتها ورصانتها.
والوجه الآخر لأزمة الحوار يمثله الطرف الثاني، ففي الوقت الذي نرى العرب والمسلمين يتحدثون عن الالتقاء والتسامح وقبول الآخر، ويقنعون أنفسهم وذويهم بحتمية ذلك، ويسوقون له الأدلة والبراهين العقلية والنقلية في هذا الوقت نرى الطرف الآخر يصم آذانه، ويصعر خدّه، بل يرد عليهم بخطاب القوة والهيمنة، هنا تظهر عبثية النظرية، ومدى اغتراب الكتابة عن الواقع، وما أقصده بالغربة أننا لسنا بحاجة اليوم إلى الحديث عن الحوار بقدر ما نحتاج إلى تقويض خطاب الهيمنة؛ وتلقين الآخر درسا في فن الحوار بشتى الوسائل واللغات حتى يتحول خطاب القوة الذي يمارسه تجاهنا إلى خطاب حضاري يحترم وجودنا وهويتنا وقيمنا الحضارية، بعدها تكون الفرصة متاحة للحديث عن الحوار؛ لأن كل طرف أصبح يعترف بوجود الآخر ويحترم كيانه وإنسانيته، وأظن أن هذا هو الواقع الوحيد الذي يوفر إمكانية الحوار والتلاقي، أما ما عدا ذلك فالحوار حوار طرشان، لا يعي كل طرف ما يقوله الآخر.
وقد يرى بعضهم أن خطاب الهيمنة إنما هو أصوات فردية في مجتمع متعدد الأفكار والرؤى، فلا يمكن تعميم الحكم على حضارة بأكملها من منطلق رأي أو فكرة أو نظرية عبر عنها شخص أو مجموعة أشخاص، ولا نختلف مع أصحاب هذه النظرة إلا أننا نضع مقياسا للحكم على مدى قابلية تلك الحضارات للحوار، وهو سلوكها العملي تجاهنا أو بلغة أخرى السياسة، فهي ترجمة للفكر السائد، وهذا ما نراه اليوم عيانا، أن تلك الحضارة تنظر إلى الآخر نظرة ازدراء، تتبدى في سلوكها تجاه هذا الآخر، من خطاب الهيمنة والقوة، والتطلع للسيطرة على مقدراته البشرية والمادية، وعدم احترام ذاتيته وخصوصيته الثقافية والتاريخية.
والحقيقة أن هنتيجتون ورفاقه ليسوا بمعزل عن السياسة على الرغم من الواجهة الأكاديمية التي يظهرون بها للعامة، ولسنا بصدد الحديث عن كاتب عادي مغمور في أميركا يتطلع إلى الأضواء والشهرة، وهكذا باقي الكتاب والمفكرين المنظرين لخطاب الهيمنة والقوة، لذلك لم يكن حديثهم وجهات نظر عابرة في الصحافة اليومية، بل كانت الخريطة التي ترسم الطريق لليبرالية المتعاظمة والعولمة المنتفخة الأوداج التي لا تعترف إلا بمن يملك المال والقوة معا، وتعترف بعالم ذي قطب واحد، يجذب إلى مركزه كل مكونات الكون الأخرى بصفته الإنسان الأخير للبشرية ينتهي عنده التاريخ .
إن الحلول التي يحاول بعض العقلاء من الفريقين إغراء الناس بها لن تؤتي ثمارها إلا في ظل خطاب أكثر اتزانا واعتدالا من الفريقين، وحتما سيؤدي إخلال أي طرف من الأطراف بأي شرط من قواعد لعبة الحوار إلى تقويض كل الجهود المبذولة في هذا المجال، أضف إلى ذلك أن الالتفاف على الذات وقناعاتها لإرغامها على الحوار لن تكون له إلا نتائج عكسية؛ لأن هذه القضية بالذات تحتاج إلى القناعة في أعلى مستوياتها حتى تمتد اليدان المتصافحتان رغبة لا رهبة، وقد كان معلمونا سابقا يعتمدون الفعل ( قاتل ) ليشرحوا لنا معنى صيغة (فاعل) في العربية التي تفيد المشاركة وتقتضي طرفين يقومان بالفعل، ويبادران إليه، لكن اليوم المرجو منهم أن يستبدلوا الفعل (حاور)؛ ليلقنوا أجيال المستقبل درسا فحواه أن هذا الفعل لا يتحقق إلا بفاعلين يقومان به مبادرين إليه.

خليل بن ياسر البطاشي*
* كاتب عماني

أعلى


 

الآخر
توطئة: أصعب أنواع الكره..كرهك لنفسك!!

سأطارده...سأقعد له في كل زاوية، سأخرج إليه من كل منعطف، سأستعمر ساحة نظره حتى يكره رؤيتي، سأكون كابوس حياته كما كان كابوس حياتي..لن أدعه يفلت من يدي. كل ما طلبته منه تبرير.. مجرد. إجابة صغيرة لسؤال يقض علي مضجعي، إجابة تعيد السكينة إلى نومي، والدعة إلى حياتي، لم اطلب منه أكثر من إجابة.
لماذا يتعمد إغاظتي؟ لماذا يبتسم للجميع ما عداي؟ وكيف حدث انه يبتلع لسانه حتى الغثيان أمام كل البشر ويطلقه بكل بذاءة ونذالة أمامي أنا؟ لماذا يستجيب إلى طلباتهم جميعا دوني؟ وما الذي ارتكبته في حقه حتى استحق معاملة كهذه؟
الغبي... وحدي أنا دون البشر من يعامله دون تكبر، وحدي من يقيم للود بابا ولو مهترئاً... لم أشعره يوما بالفوقية التي يعامله بها الآخرون، فكيف يسمح لنفسه.
لن اسكت عنه...سأريه ابن الـ.....
قرار طال الأمد حتى اتخذته، منحته من الفرص ما لم يعط لإنسان من قبل، في البداية كاد يحطمني بمعاملته لي، فأصبت بالإحباط واليأس، وباغتتني نوبات لعينة من الاكتئاب، حبست نفسي في بيتي ولم أعد أخرج.. وهكذا حرمته من فرصة إغاظتي في كل مرة أراه فيها يتزلف بحماقة للآخرين...ويحتقرني، إلا أنني بعد طول تفكير قررت مواجهته، ما الذي سأخسره؟ لا شيء...فهو بأي حال خسارة مؤكدة بالنسبة لي، المعركة متكافئة...حسنا ليس تماما، ولكنني عندما أشهر أسلحتي في وجه نذالته وفوقيته وغروره الذين يطغون على نظراته إلي كلما رآني...سيشعر بالخوف...بل سيرتجف ويتبول في ثيابه، جبان هو، وشجاعته الوهمية يستقيها من ضعفي أمامه، أما أمام الآخرين...فيطل الجبن والخذلان بوقاحة من عينيه، من كل جزء من جسده الضئيل.
سأمسكه من تلابيبه...سأشده من رقبته وأكسر له ذراعا، وقد افقأ له عينا، لكن الأهم من هذا كله هو أنني سأستحكمه تماماً حتى أقص لسانه، نعم سأقص لسانه...ما من قوة في الأرض ستقف في وجهي إذ لا فائدة من لسان لا يستخدمه إلا لإذلالي وإهانتي، بينما يبدو أمام الآخرين أبكماً، لا يكاد ينطق، سأحرمه من النطق نهائيا فلا حاجة له به، كل ما يلزمني هو اصطياده وحده، وهذا سهل، هل أقص لسانه بالمقص أو بالسكين؟ ربما علي أن استخدمهما معا لأتأكد من خلو تجويف فمه من أي جزء من لسانه الوضيع، وربما أيضا علي أن اقتلع عينيه الوقحتين لأتخلص من تلك النظرات التي يحدجني بها، لا ليس ضروريا... لن اقتلع عينيه سيكون لسانه درسا كافيا له تماما، وسأترك عينيه لكي يستطيع رؤية نظرات الانتصار والشماتة التي سأمطره بها بكل سرور...لن ارحمه مطلقا.. مهما جرى. طالما حبسني لسانه في غرفتي، طالما أبكاني، وقض علي مضجعي، يا إلهي كم يغيظني!
بالأمس كان زميلنا زاهر معنا، تعمد الأخير إهانته مرتين وأخذ يسخر منه ويقهقه بصوت عال، ومع ذلك لم يرد عليه ولو بكلمة، لم يتجرأ...بل رسم على وجهه تلك الابتسامة الذليلة البلهاء...كم أكرهها...ليتها تتمزق فوق شفتيه.
وفي الأسبوع الماضي استدعاه المدير إلى مكتبه حيث دوى صراخه حتى سمع كل المبنى سيل الإهانات التي أمطره بها، وعندما خرج من مكتب المدير...كانت تلك الابتسامة البلهاء مرسومة بغباء نموذجي على صفحة وجهه الدميم، بينما كانت مشيته المترددة والمضطربة التي لم يجد سبيلا لتغيير تفاصيلها المزرية تثير نوبة من الضحك في الموظفين. أكاد أجزم أن بصاق المدير يومها قد غسله تماما حتى البلل.
وقبل ذلك صدمه شاب متهور بسيارته، كان الشاب مخطئا تماما، لكنه بدلا من أن يعتذر ويطمئن على سلامته انهال عليه صراخا ودفعه بقوة حتى انقلب على ظهره كأنه صرصار قميء... ليته مات في ذلك اليوم.
أتذكر ذلك اليوم عندما كنا صغارا، اجتمع عليه صبية الحي، سوروه وأخذوا يسخرون من مشيته الغريبة ويقلدونه بشكل مثير للاشمئزاز..أو ربما الضحك...لا أدري، مسحوا فيه الأرض ركلا ودفعا وتنكيلا، كان يحاول النهوض لكنه كلما نجح في رفع جسده الصغير عن الأرض قليلا... دفعه أحدهم ليسقط مرة أخرى على وجهه، يومها بلل بنطاله من شدة الخوف، فمسحوا بشعره ما فاض من ذلك السائل الأصفر الدافئ على الأرض، ومزقوا كتبه ودفاتره ورموها على الأرض، ومسحوا أرجلهم جميعا بمعطفه، كنت أقف جانبا، لم يكن في وسعي مساعدته، فقد كانوا ستة وكنت واحداً، بكيت يومها عليه ولم أسامح نفسي لأنني لم أساعده... حاولت أن اقترب منه بعد ذهابهم لأساعده على النهوض، إلا أنه دفعني بقوة، تراه كرهني منذ ذلك اليوم، فأنا لا افهم كيف يحتمل صفاقة الآخرين ويحاسبني على كل شاردة وواردة.
البارحة مثلا عندما أوقعت كوب الشاي عليه دون قصد بعد أن تعثرت بقدم زميلي انهال علي لوما وتقريعا وشتما دون رحمة... كدت أبكي وأنا أقول: (يا أخي لم أقصد).
لماذا يستضعفني أنا تحديدا دون كل البشر؟
لماذا يعاملني بازدراء؟
تراه يصب غضبه وشعوره بالنقص تجاه الآخرين فوق رأسي؟
هل هو يفرغ عقده وتراكمات مشاعره على حساب مشاعري أنا؟ وما ذنبي إن كان هو جبانا.. هل هناك دواء للجبن؟
أحيانا يراودني سؤال...يلح علي حتى النحيب حين تتملكني كل تلك المشاعر المتناقضة معا.. لكنني حتما لا اعرف إجابته... لست متأكدا منها على الأقل: تراه صديقي الوحيد..أم عدوي اللدود؟
لا يهم... سأقتلع لسانه ولو كلفني ذلك عمري.
بعد أن اعتمل التصميم في داخلي تماما، وتملكتني فكرة الانتقام حتى استحكمت أدق تفاصيلي، قمت من مقعدي بتصميم غريب وأنا أغرز نظراتي في عينيه، توجهت إليه بخطوات ثابتة لا يعتريها أي تردد أو خوف، مددت ذراعي نحوه وشددته من رقبته، مددت يدي الثانية بغضب نحو شفتيه، انكسر شيء ما. والتمع الضوء في عيني، ثم تدفق سائل أحمر دافئ غطانا معاً.
بعد ساعات...أفقت في مكان غريب... كانت أطرافي ملفوفة بضماد أبيض يحيطها كما لو كان كفنا لها... وكان هو يقف فوق رأسي تماما وعلى شفتيه نفس الابتسامة البلهاء التي امقتها، بينما كانت نظرات الازدراء تنسكب علي من عينيه... حيث كان يشتمني بكل بذاءة.

لبنى ياسين*
* قاصة من سوريا

 

أعلى


 


نثر طفيف في العبارَةِ

سَأَخْتَصِرُ المَسافَةَ مُسرِعا
كالحُبِّ يأتي فَجْأَةً
ويَغيبُ عندَ البعضِ
دونَ مقدّماتٍ أو يموتُ لأنّه حيٌّ يموتُ!
أَلَيْسَ لي جِهَةٌ أصوّب نحوها أملًا جديداً؟
هلْ أُجرّبُ دربَ جدّي أمْ أسيرُ
بلا دليلٍ نحو بيتي ؟
سِرْ
إذاً هي خُطوةٌ أخرى أحدِّدُ عندَها
قَدَمي ,أَظلُّ مُشكّكًا لا حائِراً
مهما يَكُن
لا بدّ منْ نَثرٍ طفيفٍ في العبارَةِ
واضحٍ أو شيّقٍ
لا بدّ من أرضٍ تَضمُّ جِباهَنا
قالتْ بِلادٌ: ضُمَّني
ألقيتُ نفسي فوقَها
مِثلَ الرِّضابِ على فَمِ الأطفالِ
كان عِناقُنا
شاهدتُ لحظتَها امرأَ القيسِ المحارِبَ شارحا معنى:
( إذا هبّتْ رياحُك فاغتنمها )
لمْ يُفوّتْ جُرْحَك الشّعراءُ يا وَلَدي,
أبٌ يتحدّثُ العربيةَ الفصحى,
فتى يَحْكي لنا كالأرضِ ناعمةٌ سواعدُها
هل الوطنُ التّرابُ أمِ الهُويّةُ ؟
عاشقٌ : هو قبلةٌ أولى
فلسطينيةٌ : لا بلْ هو الحُرّيّةُ
امرأةٌ تعارِضُهم : فحولةُ بالغ ٍ
ثَمِلٌ : شرابٌ لذةٌ للشاربين
غزالةٌ : مطرٌ غزيرٌ
طفلةٌ : ثديٌ يدرُّ لنا حليبًا
قلتُ : أسألُ نخلةً
قالت : أظنّ بأنّه الأمّ الحنونُ
سألتُ أمّي : من ؟
فقالت : أنتَ طبعاً !
فاستشرتُ حبيبتي , خَطَرَت إليَّ بِفكْرَةٍ
وبدونَ تعقيدٍ
متى وطنٌ بلا أملٍ يزُلْ حتماً !

عبدالله الكعبي*
* شاعر عماني

 

أعلى


 

السارد الذي يشيد محكمته الخاصة!
قراءة في ( قمر لا يشبه امرأة ) للقاص منتصر الحراصي

الاشتغال على هموم اجتماعية واضحة هو الركيزة الأساس في بناء نصوص هذه المجموعة

إذا كانت هذه المحاكمة التي يطرحها القاص في مجمل تلك النصوص بدت أخلاقية، إلا أنها محاكمات تنقصها كثير من البراعة في الطرح الفني للعمل القصصي

من الزوج الذي يقفز من سريره الشرعي كلص إلى سرير زوجة عامله غير الشرعي (السرير وليس العامل) مرورا بسائق التاكسي الذي تخونه قدماه الفقيرتان للصعود إلى برج فتاة أحلامه الثرية فينتهي به المطاف إلى خلف القضبان، إلى الموظف الذي يمتطي صهوة الحافلة المشتركة ليعقد مقارنة بين ما هو حاصل وبين ما ينبغي أن يحصل راصدا في الوقت ذاته تلك النمائم التي لا تنتهي إلى شيء، إلى العاشق الباحث عن قمر لا يشبه امرأة فلا يجد غير الجنون طريقا لقمره غير عابئ بأحد، إلى باحث عن ظل يسند به ظهره عبر الزمن فيكون ظلا مرتجفا ضائعا بفعل المخدرات، إلى الريال الناقص الذي يذهب عطفا لطفل ألزمته أيامه أن يكون متسولا عن طريق بيع البخور، إلى عاشق آخر لا يجد لحظة غروب مع حبيبته التي لم يتبق منها سوى خصلة شعر ، إلى قيس الباحث عبر الأحلام عن ليلاه فلا يجد سوى زوجة تسأله عن حلمه ما يكون؟ إلى العائد بعد عشرين عاما من الغربة والألم دون حقيبة، إلى ذلك الرجل الذي بقي وحيدا أمام معشر النساء عقب انقراض الرجال في مهنة سائق سيارة الأجرة إلى القرن العشرين المحاكم عن تهمه المتعددة إلى الساعة التي لا نعرف لماذا توقفت عند التاسعة، انتهاء بالقلم الذي أراد له كاتبه أن ينتحر ويموت مع صاحبه في خاتمة المجموعة..
هذه هي مجموعة قمر لا يشبه امرأة ، هذا النفي الذي يقترحه علينا منتصر منذ الوهلة الأولى قبل أن تمتد عينا القارئ إلى النصوص المضمنة فيها ، النفي المقلوب إذ عادة المرأة هي من لا يشبه القمر، إلا أن منتصرا يقترح عكس ذلك وينفي أصلا وجود هذا القمر لذا هو لا يشبه امرأة وفي المقام الآخر فإن هذه المرأة التي يبحث عنها منتصر أو عفوا أحد أبطاله يستحيل وجودها بيننا لذا يصعد إليها عبر الجنون ، عبر محاولة كسر كل هذه الأطر التي كانت تقول له: أنت لن تصل إلى القمر بطريقة تعاكس المنطق الواقعي في غالب الأحوال.
وإذا ما قلنا أن هذا القمر ما هو إلا نص لذيذ سيبحث عنه القارئ فتتشابه عليه الأشياء، ثم سيصعبه أن يجد ما يشبه النص الأخاذ، فإنه لابد أن يعود أدراجه ويقرأ العمل/ القصص من زاوية أخرى، زاوية يغلب عليها البعد الاجتماعي الذي يحاكم المجتمع برؤية فنية ذات مستويات محدودة وأحيانا ذات مستويات مترهلة.. تلك المستويات التي سنجدها في النصوص التي بين أيدينا حيث غلبة هذا البعد الاجتماعي الأخلاقي مستثنين من ذلك نصوص : الكاتب الذي انتحر قلمه قبله ، والتاسعة مساء، وشيء لم أكتشفه بعد وقمر لا يشبه امرأة النصان الجميلان والمضيئان في هذه المجموعة.
وبالذهاب إلى المجموعة نجد أن الاشتغال على هموم اجتماعية واضحة كالخيانة الزوجية وخطر العمالة الوافدة أو التمييز الطبقي من خلال الغني والفقير أو المجتمع الوظيفي الذي لا هم له سوى النمائم والبحث عن إجازات فقط أو أحلام الآباء في أبنائهم وتضحياتهم من أجل سراب ، هو الركيزة الأساس في بناء نصوص هذه المجموعة..
في نص : ما يحدث في الظلام وهو فاتحة المجموعة يطرق السارد إلى ذلك البعد الأخلاقي الاجتماعي بدرجة واضحة من خلال خيانة الزوج لزوجته مع زوجة عامل هندي، برغم عدم وجود خطابية كما اعتدنا في نصوص الوعظ التي تستخدم الحكاية والقص طريقا جيدا لزجر الناس عن ممارسة مثل هذه الأفعال، أما هنا فنحن أمام بنية نص حكائي يحاول الاشتغال على مثل هذه القضية وطرحها بحيادية أمام القارئ من خلال استخدام ضمير محايد
أسرع الخطى إلى الشارع، تلفت يمنة ويسرة، لا دورية شرطة تجوب الساحة....
واصل سيره بحماس ملتهب، دقات قلبه تتصاعد كلما اقترب من المنتزه السري...
وحين انتهى الخريف في جسدها، حملت لونها المائي : عشرون ورقة من العملة السهلة، تثقل الحقيبة على كتفها الصغير وترحل
استرق نظرة خاطفة من نافذة الحارس ، وجدها غارقة في السواد فاطمأن قلبه ...
وفي القضبان ثاني نصوص المجموعة لا تتغير الأبعاد كثيرا لكن المحكمة الأخلاقية ذاتها تتواصل حيث شاب صاحب سيارة أجرة يحب امرأة لا يستطيع الوصول إليها لأنه معدم وفقير، ولأنها امرأة تسكن بيتا كبيرا، يرفضه حي الشاطئ المساق في تعبير واضح للدلالة على الطبقية التي يحاكمها منتصر ويسدد إليها أصابع اتهامه بأن المجتمع غارق في العتمة خلف قضبان غليظة وأنتم ترفلون في النعيم!
ينتهي المطاف بالعاشق الفقير الذي لا ينصت لصوت أمه الأشد فقرا إلى خلف القضبان لأنه أمير خلع عن إمارته وذهب عنيفا يستردها فلم يجد إلا الحديد يقيد معصميه..
في الحافلة تكبر دائرة المحاكمة الأخلاقية ، بدءا من حكايات النميمة :
- نصور الذي صار مدير مدرسة لأنه حديث العمل في التدريس
- جموع القبيح تزوج حسناء
- الإجازة لأكثر من أسبوع
- عبود طلق حرمته
مستخدما الأسماء المصغرة في الدارجة ليصل إلى نتيجة مفادها أن هؤلاء المصغرون الحقراء لا يستحقون ما وصلوا إليه!..
ويا إلهي نجونا من زلازل الأرض ولم ننج من زلازل الألسنة.. ليتني أقدر أن أغلق أذني بذات الطريقة التي أغلق بها عيني..
وحالما يغلق عينيه يسبح في أحلام ما يتمناه أن يصير: عمال مصانع يرتدون ملابس زرقاء وموظفون ببدلات مختلفة اللون القيمة يتبادلون صورا جميلة من أشيائنا الضائعة..
- الإجازة ستكلفنا ثمنا غاليا
- أحتاج ساعة لأتمم الروبورت
- الحاسبات ذات سرعة فائقة
- مكوك وطني ...
غير أن مكابح الواقع تعيده إلى الوضع الحقيقي الذي تمشي عليه الأمور، ذلك الوضع الذي يقتل كل الأحلام الممكنة وغير الممكنة!
في نص البحث عن ظل تطل محاكمة جديدة حيث الأب الفقير يتهم ويسجن لأنه يسمم الناس ، وهو كما يصر ليس إلا مقطع سمك في سوق مطرح ، أو هكذا يوهمنا الكاتب عبر ضمير الأنا من أن الأب لم يرتكب جرما يستحق عليه الحبس:
كنت أعلق اعترافاتي على كل جدران القاعة وأنظر إليها بحرقة وأصمت ، لم يكن يهمني سوى أن ينجح أحمد في دراسته ويرفع رأسي عاليا ، وأعرف أن رسوبه هذا العام كالموت البطيء لي ولأمه..
لكن الابن كان فاشلا ومدمنا: جاءني ليلة البارحة يهرش جسده بأظفاره الطويلة فتسيل دما (...) يرجوني أن أعطيه بضع ريالات، لكن لا شيء عندي(...) لطمني بكفه المرتعشة ، ثم خرج يضرب رأسه بالحائط ويضرب ويضرب كالمعتوه حتى انتهى..
هكذا حلم أبي أحمد انتهى.. فابنه الذي أراده أن يرفع رأسه الذي يتساءل عنه : أي رأس ذلك الذي أحمله الآن؟ وأية سيجارة نفضت عقبها على رأسي يا أحمد؟
تتكرر المحاكمة في نص بريال واحد، وكأن منتصرا يصر على إدانة المجتمع: رجل ليس في جيبه شيء سوى ستة ريالات يعبئ سيارته الجديدة بعد أن شفطته آلة السحب منذ أسبوع ، وطفل يبحث عن رزقه عبر التسول ببيع عبوة بخور ..
يدور بين الطرفين حوار ساذج وجدال حول ضرورة أن يأخذ البخور مقابل الريال فيما هو سيعطي الريال دون البخور.. وعندما يعطيه ذلك الريال يكتشف أن سيارته تحتاج لستة ريالات وليس لخمسة كما بقي في محفظته..
تتواصل المحاكمة في نص وانقرض الرجال الذي ينتقد ربما السماح للنساء بقيادة سيارات الأجرة ، وتتسع دائرته لتشمل محاكمة القرن العشرين على تهم كثيرة لم يوردها المدعون ومنهم السارد القاص بل يكتفي في نصه هذا بترك الأمر لمخيلة القارئ ليبحث عن تهم مناسبة
وإذا كانت هذه المحاكمة التي يطرحها القاص من خلال نصوص مجموعته في مجمل تلك النصوص بدت أخلاقيه، إلا أنها محاكمات تنقصها كثير من البراعة في الطرح الفني للعمل القصصي.. لا أقول هذا الكلام نافيا عن مجموعة قمر لا يشبه امرأة اشتغالاته الفنية، ولكنني أقول بأن الأفكار مطروحة في الطريق لكن كيفية التناول هي ما يجعل تلك الأفكار قادرة على إمتاعنا..
إن الحكاية أو الحدوتة كما يسميها البعض هي الضرورة التي لابد أن نزين بها أعمالنا، وهذا ما افتقدته ثلاثة نصوص بالتحديد في هذه المجموعة :
- نص وطن وحقيبة يحمل لغة جميلة، لكنني لم أتوصل إلى عمق هذا النص، لم أتعرف على القضية الملحة التي يمكن أن أستخلصها من خلال تلك اللغة الشفيفة: هل هي الغربة فقط؟ ثم ما تاريخ هذا البطل الذي عاش عشرين عاما؟ لقد كان هذا النص واحدا من مقدمات نصوص أكثر قوة، بل لو أن منتصرا طور نصه هذا إلى عمل سردي أكبر من نصصه القصصي هذا كان سينتج شيئا جميلا ..
- نص التاسعة مساء: لا يؤشر إلى أي شيء، فليس هناك معنى لتوقف الساعة عند التاسعة حتى إن برر هذا التوقف بموت البطل في النص، فلا بنية حكاية ولا شخوص واضحة..
- أيضا نص الرجل الذي انتحر قلمه قبله بدا مستعجلا ولا يؤشر إلى معنى إذ لا توجد بنية حكاية تجعلنا ننجذب له..
لماذا أصبت بالجمال وأن أقرأ نص قمر لا يشبه امرأة أو نص شيء لم أكتشفه بعد؟ لأنني كنت أتماهى مع الحكاية التي ابتعدت هذه المرة عن أطر المحاكمات الأخلاقية وقدمت لنا منتصرا بشكل أكثر بهاء، ولو أنه كان أكثر اشتغالا على نصه قمر لا يشبه امرأة لكان أنتج واحدا من أبرع النصوص القصصية.. لكنه اكتفى بتلك المشية السريعة فوق الشخصية وبجعلها تسير إلى الجنون الذي بدا في خاتمة النص خارجا عن منطق الواقعي.. لذا كان نص شيء لم أكتشفه بعد أكثر لذة إذ أنه كان يرمي بي نحو الحكايات المتعددة ويقودني إلى صدمة النهاية المقبولة بل المتماشية مع اللامنطق الحكائي الذي كان يستخدمه منتصر..
إن لدى منتصر قدرات وإمكانيات الكتابة السردية الناصعة، فهو استفاد من كونه شاعرا أيضا، واستفاد من دراسته للحقوق، وعمله كأخصائي قانوني (هذا الأمر بالتحديد هو ما جعل نصوص المجموعة في مجملها عبارة عن عقد من المحاكمات الأخلاقية غير أنه أمر طغى على النصوص كعمل نقرأه ضمن مجموعة متكاملة) وما يحتاجه هو أن يحكم قبضته على النص، أي أن يكتب ثم يعيد الكتابة ثم يراجع ما كتب ثم ينقده بذاته فيرى ما ينقصه، وهذه الفكرة ليست موجهة له وحده، إنما لي ولكل قاص..


رؤية: هلال البادي*
* قاص عماني

 

أعلى



نثر طفيف في العبارَةِ

سَأَخْتَصِرُ المَسافَةَ مُسرِعا
كالحُبِّ يأتي فَجْأَةً
ويَغيبُ عندَ البعضِ
دونَ مقدّماتٍ أو يموتُ لأنّه حيٌّ يموتُ!
أَلَيْسَ لي جِهَةٌ أصوّب نحوها أملًا جديداً؟
هلْ أُجرّبُ دربَ جدّي أمْ أسيرُ
بلا دليلٍ نحو بيتي ؟
سِرْ
إذاً هي خُطوةٌ أخرى أحدِّدُ عندَها
قَدَمي ,أَظلُّ مُشكّكًا لا حائِراً
مهما يَكُن
لا بدّ منْ نَثرٍ طفيفٍ في العبارَةِ
واضحٍ أو شيّقٍ
لا بدّ من أرضٍ تَضمُّ جِباهَنا
قالتْ بِلادٌ: ضُمَّني
ألقيتُ نفسي فوقَها
مِثلَ الرِّضابِ على فَمِ الأطفالِ
كان عِناقُنا
شاهدتُ لحظتَها امرأَ القيسِ المحارِبَ شارحا معنى:
( إذا هبّتْ رياحُك فاغتنمها )
لمْ يُفوّتْ جُرْحَك الشّعراءُ يا وَلَدي,
أبٌ يتحدّثُ العربيةَ الفصحى,
فتى يَحْكي لنا كالأرضِ ناعمةٌ سواعدُها
هل الوطنُ التّرابُ أمِ الهُويّةُ ؟
عاشقٌ : هو قبلةٌ أولى
فلسطينيةٌ : لا بلْ هو الحُرّيّةُ
امرأةٌ تعارِضُهم : فحولةُ بالغ ٍ
ثَمِلٌ : شرابٌ لذةٌ للشاربين
غزالةٌ : مطرٌ غزيرٌ
طفلةٌ : ثديٌ يدرُّ لنا حليبًا
قلتُ : أسألُ نخلةً
قالت : أظنّ بأنّه الأمّ الحنونُ
سألتُ أمّي : من ؟
فقالت : أنتَ طبعاً !
فاستشرتُ حبيبتي , خَطَرَت إليَّ بِفكْرَةٍ
وبدونَ تعقيدٍ
متى وطنٌ بلا أملٍ يزُلْ حتماً !

عبدالله الكعبي*
* شاعر عماني

 

أعلى


 

تراثيــات

عاقل على حكم جاهل!

يروى أنه لما غضب الرشيد على ثمامة دفعه إلى سلام الأبرش وأمره أن يضيق عليه وأن يدخله بيتاً ويطين عليه ويترك فيه ثقباً ففعل دون ذلك وكان يدس إليه الطعام فجلس سلام عشية وهو يقرأ في المصحف فقرأ : " ويل يومئذ للمكذبون "... فقال ثمامة‏ :‏ إنما هو " المكذبين " وجعل يشرح ويقول‏:‏ المكذبون هم الرسل والمكذبين هم الكفار ... فقال‏:‏ قد قيل لي‏:‏ إنك زنديق ولم أقبل ،ثم ضيق عليه أشد الضيق ... قال‏:‏ ثم رضي الرشيد عن ثمامة فجالسه فقال‏:‏ أخبروني عن أسوأ الناس حالاً. فقال كل واحدٍ شيئاً؛ قال ثمامة‏:‏ وبلغ القول إلي فقلت‏:‏ يا أمير المؤمنين عاقل يجري على حكم جاهل... فتبينت الغضب في وجهه ، فقلت‏:‏ يا أمير المؤمنين ، ما أحسبني وقعت بحيث أردت ...قال‏:‏ لا والله فانشرح، فحدثته بحديث سلام فضحك حتى استلقى وقال‏:‏ صدقت والله لقد كنت أسوأ الناس حالاً‏.‏

ـــــــــــــــ

حسن الجزاء

قيل: دخَل أعراب على خالد بن عبد الله، فأنشدوه وفيهم رجل ساكت لا ينطق، ثم قال لخالد: ما يمنعني من إنشادك إِلاّ قلَّةُ ما قلتُ فيك من الشعر، فأمره أن يكتب في رقعة، فكتب:
تَعرّضْتَ لي بالجودِ حتى نَعَشْتَني
وأَعطَيتني حتى حسبتُكَ تلـعـبُ
فأَنت الندى وابنُ الندى وأَخو الندى
حليفُ الندى ما للندى عنكَ مذهبُ
فأمر له بخمسين ألف درهم.
وقال آخر، فقال: أصلحك اللهُ! قد قلت فيك بيتين، ولست أنشدها حتى تعطيني قيمتهما. قال: وكم قيمتهما؟ قال: عشرون ألفا. فأمر له بها، ثم أنشده:
قد كانَ آدمُ قبلَ حين وفاتِـهِ
أَوصَاكَ وهو يجودُ بالحَوْبَاءِ
بِبَنيهِ أَنْ ترعاهمُ فرعَيْتَهُـمْ
فَكَفَيْتَ آدمَ عَيْلَةَ الأَبـنـاءِ
فأمر له بعشرين ألف أخرى، وجَلَدَهُ خمسين جلدة، وأمر أن يُنادي عليه: هذا جزاء من لا يحسنُ قيمة الشِّعرِ.


ـــــــــــــــ


جار ابن دينار

روي عن مالك بن دينار قال كان لي جار يتعاطى الفواحش فأتى إلي الجيران يشكون منه فأحضرناه أهل وقلنا له إن الجيران يشكونك فسبيلك أن تخرج من المحلة فقال أنا في منزلي لا أخرج قلنا تبيع دارك قال لا أبيع ملكي قلنا نشكوك إلى السلطان قال أنا من أعوانه قلنا ندعو الله عليك قال الله أرحم بي منكم قال فلما أمسينا قمت وصليت ودعوت عليه فهتف بي هاتف لا تدع عليه فإنه من أولياء الله تعالى فجئت إلى باب داره ودققت الباب فخرج فظن أني جئت لأخرجه من المحلة فتكلم كالمعتذر فقلت ما جئت لهذا ولكن رأيت كذا وكذا فوقع عليه البكاء وقال إني تبت بعد ما كان هذا ثم خرج من البلد فلم أره بعد ذلك واتفق أني خرجت إلى الحج فرأيت في المسجد الحرام حلقة فتقدمت إليهم فرأيته مطروحا عليلا فلم ألبث أن قالوا مات الشاب رحمه الله.


ـــــــــــــــ


من المكتبة العمانية:
(عُمانيات في التاريخ)

كتاب من تأليف الباحث العماني خليفة بن عثمان بن محمد البلوشي وهو من إصدارات (مكتبة العلوم) ويقع في مائة واثنتين وثلاثين صفحة من القطع المتوسط تناول الكتاب بشيء من التفصيل والشمولية بعضا من تاريخ المرأة العمانية (أدبيا وزهدا وسياسيا) وحاول الباحث فيه أن يعطي صورة قريبة عن أثر البيئة العمانية في تكوين شخصية المرأة ويهدف ـ كما يقول في مقدمة الكتاب ـ إلى جمع الشتات عن تاريخ المرأة العمانية من بين صفحات الكتب والكتيبات والمراجع التي أصبح من الصعوبة بمكان الوصول إليها وإثراء المكتبة العمانية بالمرجع الجامع لهذا الجانب من التاريخ العماني فكان أن اضطلع بهذه المهمة التي تعتبر بلا شك إضافة على قدر كبير من الأهمية في رصيد المكتبة العمانية.


ـــــــــــــــ


أعلام عمانيون:
العلامة الغاربي

يعد الشيخ محمد بن سليّم الغاربي واحدا من كبار العلماء بعمان في القرن الثالث عشر الهجري عاش في بلدة الخبة ، كان ثالث أركان دولة الإمام عزان بن قيس ، قال عنه صاحب كتاب (عمان مسيراً ومصيراً): هو من الشخصيات الدينية البارزة في قبيلة آل سعد التي تقطن الباطنة وكان من الأعضاء المؤسسين بين الفئة الحاكمة ، وكان من أثقف الزعماء القياديين .. ووصفه العلامة السالمي نقلاً عن سيرة الشيخ جمعة بن خصيف الهنائي (بأنه ممن هم الحجة لله على عباده من علماء العصر وفقهاء المصر الشيخان العالمان نيّــرا فلك العلم والعبادة والورع والزهادة سعيد بن خلفان بن أحمد ومحمد بن سليّــم الأوحد) توفي رحمة الله عام 1301 هـ ودفن ببلدة (الخبة) بعد عمر قضاه في الصلاح والإصلاح ـ ومسجده معروف حتى الآن ـ وكان تأثيره على المنطقة واضحاً فترك منهلاً علمياً افاد كثيراً ممن جاؤوا بعده.

ـــــــــــــــ

من عيون الشعر العماني:

يا من هواه أعزه وأذلني
سعيد بن الإمام أحمد بن سعيد
يا من هواه أعزه وأذلنـــي
كيف السبيل إلى وصالـك دلني؟
وتركتني حيران صبّا هائمــا
أرعى النجوم وأنت في نوم هني
عاهدتني ألا تميل عن الهوى
وحلفت لي يا غصن ألا تنثني
هبّ النسيم ومال غصن مثله
أين الزمان وأين ما عاهدتني؟
جاد الزمان وأنت ما واصلتني
يا باخلاَ بالوصل أنت قتلتنـي
واصلتني حتى ملكت حشاشتي
ورجعت من بعد الوصال هجرتني
لما ملكت قياد سري بالهوى
وعلمت أني عاشق لك خنتني
فلأقعدن على الطريق فأشتكي
في زي مظلوم وأنت ظلمتنـي
ولأشكينك عند سلطان الهوى
ليعذبنك مثل ما عذبـتـنــي
ولأدعين عليك في جنح الدجى
فعساك تبلى مثل ما أبليتنـي

ـــــــــــــــ


تفرع الحسن فيه
ابن الزيات
لي حَبيبٌ تَفَرَّعَ الحُسنُ فيه
ِلَيسَ فيهَ لا وَلا فيهِ ليتُ
أَنا أَفديهِ مِن حَبيبٍ لَهُ الفَضـ
لُ عَلى مَن أَرى وَمَن قَد رَأَيتُ
طالَ ما كُنتُ سالِكاً سُبُلَ الـ
حُببِ بِجُهدي وَطالَ ما قَد سَعيتُ
في اِرتِيادي لِمَن يَليقُ بِهِ الـ
عِشقُ فَلَمّا اِنتَهى إِلَيهِ اِنتَهَيتُ


ـــــــــــــــ


فليمت إذا شاء!

روى عبد الله بن الفضل السدوسّي قال: جاء رجلٌ فاستأذن على ابن المقفّع، فخرجت إليه جاريته فقالت: إنّه شرب الدواء. فقال: إنّي من أصحابه. فقالت: لو كنت من أصحابه لقعدت عنده كما قعد أصحابه. قال: فإنّي رجل له حاجةٌ. فقال ابن المقفّع: أدخليه وقولي له فليوجز. فدخل فقال: ما حيلة من لا حيلة له؟ قال: الصّبر. قال: فما خير ما يصحب المرء؟ قال: العقل. قال: فإنْ حرم ذلك؟ قال: فصمتٌ طويلٌ إذا جالس الناس. قال: فإن حرم ذلك؟ قال: فليمت إذا شاء!.

ـــــــــــــــ

اعتراف عاشقة

قال الأصمعي: كانت امرأة بحمى ضريّة - أحسبها من غنّى - ذات يسار فكثر خطّابها، ثم إنها علقت غلاماً من بني هلال، فضفتها ليلةً وقد شاع في الحاضر شأنها فأحسنت ضيافتي، فلما تعشّيت جلست إليّ تحدثني فقلت لها: يا أمّ العلاء، إني أريد أن أسألك عن أمر وأنا أهابك لما أعلم من عفّتك وفضل دينك وشرفك، فتبسمت ثم قالت: أنا أحدثك قبل أن تسألني، ثم قالت:
ألهف أبي لمّا أدمت لك الـهـوى
وأصفيت حتى الوجد بي لك ظاهر
وجاهرت فيك الناس حتى أضرّ بي
مجاهرتي يا ويح فيمن أجـاهـر
فكنت كفئ الغصن بينا يظـلّـنـي
ويعجبني إذا زعزعته الأعاصـر
فصار لغيري واستدارت ظـلالـه
سواي وخلاّني ولفح الهـواجـر
ثم غلبت عليها البكاء فقامت عنّي، فلما أصبحت وأردت الرحيل قالت: يا بن عمي، أنت والأرض (كناية عن كتمان الحديث) فيما كان بيني وبينك؛ فقلت: إنّه، وانصرف عنها.

ـــــــــــــــ

أردد عليها ولدها

روى أبو عبيدة قال: جرى بين أبي الأسود الدؤلي وبين امرأته كلام في ابن كان لها منه وأراد أخذه منها، فسار إلى زياد وهو والي البصرة، فقالت المرأة: أصلح الله الأمير، هذا ابني كان بطني وعاءه، وحجري فناءه، وثديي سقاءه؛ أكلؤه إذا نام، وأحفظه إذا قام؛ فلم أزل بذلك سبعة أعوام حتى إذا استوفى فصاله، وكملت خصاله، واستوعكت أوصاله؛ وأملت نفعه؛ ورجوت دفعه؛ أراد أن يأخذه مني كرهاً، فآدني أيها الأمير، فقد رام قهري، وأراد قسري؛ فقال أبو الأسود: أصلحك الله، هذا ابني حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، وأنا أقوم عليه في أدبه، وأنظر في أوده؛ وأمنحه علمي، وألهمه حلمي؛ حتى يكمل عقله، ويستحكم فتله؛ فقالت المرأة: صدق أصلحك الله، حمله خفاً، وحملته ثقلاً؛ ووضعه شهوة، ووضعته كرهاً؛ فقال له زياد: اردد على المرأة ولدها فهي أحق به منك، ودعني من سجعك.

ـــــــــــــــ

هجران المحب

أورد القالي في أماليه:كانت خليبة الخضرية تهوى ابن عم لها، فعلم بذلك قومها فحجبوها، فقالت:
هجرتك لما أن هجرتك أصبحـت
بنا شمتاً تلك العيون الـكـواشـح
فلا يفرح الواشون بالهجر ربما
أطال المحب الهجر والجيب ناصح
وتغدو النوى بين المحبين والهـوى
مع القلب مطويٌّ عليه الجـوانـح


ـــــــــــــــ

وإن لم أكن من قاطنيه..

روى ابن دريد عن عبد الرحمن ابن أخ الأصمعي عن عمه قال: مررت بحمى الربذة فإذا صبيان يتقامسون فى الماء وشاب جميل الوجه ملوح الجسم قاعد، فسلمت عليه، فرد على السلام وقال: من أين وضح الراكب? قلت: من الحمى، قال: ومتى عهدك به? قلت: رائحا؛ قال: وأين كان مبيتك? قلت: أدنى هذه المشاقر، فألقى نفسه على ظهره وتنفس الصعداء، فقلت: نفسأ حجاب قلبه، وأنشأ يقول:
سقى بلداً أمست سليمى تحلـه
من المزن ماتروى به وتسـيم
وإن لم أكن من قاطنيه فـإنـه
يحل به شخص علـى كـريم
ألا حبذا من ليس يعدل قربـه
لدي وإن شط المزار نـعـيم
ومن لامني فيه حميم وصاحب
فرد بغيظ صاحب وحـمـيم
ثم سكت سكتة كالمغمى عليه، فصحت بالأصبية، فأتوا بماء فصبيته على وجهه، فأفاق وأنشأ يقول:
إذا الصب الغريب رأى خشوعي
وأنفاسي تزين بـالـخـشـوع
ولي عين أضر بها التـفـاتي
إلى الأجراع مطلقة الـدمـوع
إلى الخلوات تأنس فيك نفسـي
كما أنس الوحيد إلى الجـمـيع

 

أعلى


 

الأدب الشعبي

* بوح ..
لماذا التحامل على من يعمل ؟

طرح علي احد المهتمين بالحراك الثقافي بالسلطنة وهو ليس شاعرا لا شعبيا و لا فصيحا ، لا قاصا ولا روائيا .. هو اراد ان يسمي نفسه متابعا فقط !! سؤالا قال فيه : لماذا يتحامل الكثير من هم في الوسط الثقافي على الشعر الشعبي ؟ ، واشار للكثير من النماذج من شعراء الفصيح وكتّاب القصة القصيرة .. وكذلك بعض الإعلاميين من يرتبط تواجدهم بالساحة الثقافية بالسلطنة ؟ ، وبصراحه احزنني ما يقول بالدليل ، فلم يكن طرحه عبثيا بقدر ما كان يؤكد على الاهتمام وعلى تربع الشعر الشعبي في هرم الفعاليات الثقافية على كافة المستويات في السلطنة والخليج والدول العربية ايضا ، (مجلس للشعر الشعبي) لا يبحث عن مقرا له .. ولا عن دور يقوم به مجلس إدارته سوى العمل ، (مطبوعة شعبية) هي وليدة ولكنها تحققت ولو بعد حين ، (قنوات فضائية متخصصة) هنا وهناك ، (مسابقات) مختلفة ، ( أمسيات) بمختلف المستويات ، (مهرجان للشعر الشعبي) ، (صفحات أسبوعية للشعر الشعبي) في كافة الصحف المحلية ، وغيرها الكثير من المنابر الإعلامية التي توضح مدى الاهتمام إن لم يكن (الأهمية) للشعر الشعبي وكيف استطاع ان يؤسس لنفسه بنفسه كل هذه المناسبات المختلفة والصيت الذي وصل له.
لن اتحدث كثيرا عن المستويات المتذبذبة لبعض الشعراء فهي كما تنخفض تصعد بالذائقة في احيانا أخرى ، ولن اتحدث عن الأمسيات الهزيلة ولا عن الصراعات البريئة لدى الشعراء الشعبيين ولا عن هذا ولا عن ذاك ، نرى بأن التعريف بالشعر الشعبي وما حققه هو الأكثر متعة في هذا اليوم الجميل بالحلة الجديدة لـ ( أشرعة ) للحديث عن ذلك.
في 96 م تقريبا وكنت في الابتدائية لحظتها تداول خبر انشاء مجلس للشعر الشعبي في الولاية التي اقطنها ، ولم أكن اعرف لحظتها الكثير من الشعراء بالصفة الشخصية ولكني كنت نهم القراءة لصفحات الشعر الشعبي واعرف كافة أسماء شعراء تلك الفترة ، وكان أستاذي شاعرا هو الآخر ويعرف بأن لي هواية اسمها ( الشعر ) فقدم لي الدعوة لحضور اول اجتماع لذلك المجلس الذي تشرفت بحضوره ويملأني الخوف بمقابلة كبار الشعراء آنذاك .. ونتج عن الإجتماع إشراكي في اول امسية اقيمت ولكن بقصيدة واحدة وانا في تلك الفترة لم اكن املك حتى تلك القصيدة المطلوبة ، ولكن قام استاذي بغربلة كتابتي المتواضعة 180 درجة لتكون القصيدة الأولى التي التزمت بالوزن والقافية وأستطيع ان اسميها قصيدة بحسب مستواي آنذاك ، وقابلني الشعراء والجمهور بالتشجيع الذي لولاه في انطلاقتي لما اصبحت بينكم اليوم . وما اتذكره في تلك الحقبة الصفحة الشعرية الشعبية التي تعّج بالنصوص الأجود دائما .. فكانت احلام المجلة الشعرية الشعبية ضمن الذكريات التي سبقت انطلاقتي ، وكان الحلم لدى الشعراء الشعبيين بإقامة مجلس يحمل اسم الشعر الشعبي العماني .. وتحقق ذلك بعد (مجلس الولايه) بأعوام بسيطة .. ولكن الصراعات الشخصية أثرت بشكل او بآخر في قضايا الشعر وتوقّف كل شي ما عدا ( الصفحات الشعرية الاسبوعية ) ومرت السنين .. وبدأ التخطيط العقلاني لتقديم كل ما هو للصالح العام ليس على الصعيد المحلي فحسب حتى على المستويات الخليجية فكان ما كان وتحققت احلام الشعراء الشعبيين ولكن بإتزان وثقافة اكبر في التعامل.
وها نحن في 2008 م ، ـ 13 عاما ـ من الكدح سبقنا به آخرين بأعوام أخرى تزيد عن ذلك ، وتخلل تلك السنوات الكثير من الظروف السلبية والإيجابية .. فهل من المجدي استخفاف التجربة التاريخية الهامة للشعر الشعبي ؟ ، من يستهين بالشعر الشعبي كمجال ثقافي يجب ان ينظر للواقع وما حققه هذا المجال ، ومن يحاول بشكل من الأشكال سحب البساط من الشعر الشعبي فيجب ان يركّز في نتاجه الإبداعي اولا والبحث عن ادوات تمكين مجاله حتى نقول في عام 2020 م بأنه قدم واعطى وجنى ذلك آنيا وبالتالي نقدم المباركة . وأمنياتنا بأن يسعد كافة المبدعين من الأجناس الأدبية بنجاح احدهم الآخر وإن لم تصل هذه الثقافة بعد للبعض فاعتقد ان الصمت اجمل التعبير فـ ( فاقد الشي لا يعطيه ) ، فكلنا من عمان ولها ، أدامها الله وقائدها المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ بالرقي والرخاء على الدوام.

ومضة ..

هذا انا : لـــو شفتني لك اعاود ..
تْأكد اني واحــــدٍ من ثنينـــــــه ..
اماْ اْن قلبي طيب ولك يــــراود
او انه هو فارغ يسلّي حنيـــنـه

فيصل العلوي *
*

ـــــــــــــ

أرض


دفاك ادفا أو انه بردك القارص وانا المحموم
رويت الأرض من شط الجبين فعز ذاك البرد
ظماك اظمى أو ان أفلاجك الخرسا وانا المفطوم ..
تساوينا وصرتي يالبلاد الوَرد قبل الوِرد
لي أطفالٍ لضحكتهم أغرّق هالجسد وأعوم
تنّق اللي تبي منهم ولابه حاجةٍ للنرد
مادام اللي نقوله باختصار يوصل المعلوم
بلاش مْن الحكي المغسول لو هو غارقٍ بالسرد
بلادي لو وصلتك يوم وأنتي حنجرٍ مسموم
أنا الصدر الحنون لطعنتك كل الحنايا جرد
اذا لي حيلة بحتالها وابعثر الملموم
وأجي لك يا بلادي في يديني باقةٍ من ورد


احمد مسلط


ـــــــــــــ

مدينة وجع

مدينه ذا الوجع يسكن خفوقي والطريق غياب
تجيني والمساء يأخذ خيوط النور للظلمه
جفت كل الشوارع والهجر قاسي بدون أسباب
تجي هذه المرايا والظمى يجتاحني سقمه
رحلت ..العين تبكيني ضلوع وفاقده الأحباب
لبست الهم أمطاري جفاف أغراني بوهمه
وهم آخر ليالي دنيتي فيها الهنا غلاّب
(نسى آخر تفاصيل الحكاية) ناسي وعلمه ...
دفا كلمة وفاء ليت العمر لو ضمني محراب
وانا أرسم بقايا همستي في ذا الدجى بسمه
رصيف الأمس .. يكسر ذا التلاقي والتلاقي ذاب
يجيني طبع ذا الوجه الغريب الساذج بفهمه
طيور الشؤوم من كتفي ضوت تنهش عروقي وخاب
ظني بالعيون اللي تسامر ليلتي بنسمه
أجي مشتاق لرغيف المسافة كلمتين اْقراب
أحبك والوفاء هذا شعاري يا الجفا العتمه
جفيتي وما ذكرتي عابرٍ لو قد طرق لك باب
جفيتي ما تردي خافقك مسلوب من حلمه
أجي بآخر شوارع دنيتك هذا شعوري كتاب
قصائد من ترانيم الحروف مدلولها الكلمه
على آخر ضفاف الوقت رسم قلبي حروف أنساب
عسى ذا الوقت من فيض الليالي يسلب الكتمه
مدائن والألم يغرس همومه في ضلوعي ناب
يجيني والمدى يسرق خيوط الشمس للظلمه

أحمد بن محمد بن شهاب البلوشي


ـــــــــــــ

العاصفة

إذا هلت دموع الشوق وتماديت بالعاصفه
ترا ما سمني إلا الحنين وطيش أسلوبك
وإذا مديت لك جرح العناد بذكر هالسالفه
ترا المتكبد بنزف الأماني من على ثوبك
كثر ما هز لك عود الثقاب وكنتي النازفه
عجز يشعل على شفاهي لهيب ويحرق دروبك
وكثر ما قلت لك أهواك /.. رديتي أنا آسفه
ورد الصمت يتحاشى ويلهيني عن عيوبك
وجمهرت العيون الكاحله لعيونك الخايفه
وأنا عيوني تضيق من الدمع وبدوبها دوبك
ومدري كيف كل ما قلتها بحبك تقولي عارفه
كأني أحمل زهور الهنا ويشيلها غروبك
مثل ما شالني هذا القدر لأحضانك الزايفه
مثل ما هان لك أني أموت من القهر صوبك
عشانك بالألم ترقص جروحي وأنتي العازفه
وعشانك قلتها أن الجراح الميته ذنوبك
عشقتك لين قلتيلي أحبك وأنتي الحالفه
بأن الحب مايجمع دروبي لو تجي دروبك
حبيبة عالمي تدري /على كل السنين الجافه
تعبت أنهم على هذا الجفاف وسبة هروبك
إذا ودك من غيابك أضيع لعالمك كافه
أنا قبل الضياع أهديك جرحٍ يملي جيوبك
(إذا ودك تعالي تجرحيني وننهي السالفه)
ترا ما سمني إلا الحنين وطيش أسلوبك

سليمان الجهوري

ـــــــــــــ

الخساره

الخساره تستلذ العشق وانته في الجدي
تايهٍ في هالمسار وتايه بعشقٍ ضرير
انت في بالك عشقت وتستلذه بسعدي
تستلذ الحب والطيف الحلو في هالمسير
تستلذ بشي يجرح في الحشى وانته بْعدي
كن ما كنك عرفت العشق بالدنيا مرير
كن ما كنك تغر قلوب يا الحظ الردي
كن وجهك ابيض وشخصك بلا أية ضمير
وانته المسكين يا عشقٍ غدا دون الجدي
يا زماني وش ارى في الواجه وانا اسير..
غير كثر قلوب تبسط لك بساط الأحمدي
ليه نكذب يا زمنا ليه (ف) الصف الأخير
ليه ضاع النور كله وسط ليلٍ سرمدي
ليه هذي الناس تعشق بالكلام وتستثير
يا زمان الكذب جاوبني وش الحظ الردي؟
غير ريشة طير حاول بس ما قادر يطير

هزاع بن دانوق

ـــــــــــــ

وجه المدينه

الوجوه الضايعة خلف السحاب
تلامس خيوط الغروب
والمدامع في هدب شمس الرحيل
تنسى للظلمة غياب
هي حقيقة...
لو نقول الليل ظل
والفراق أطول مسافة
بين خل وخل
وان رحل وجه النهار
يبقى طيف الشمس غائب
والسماء تحكي لمدينة
كل جدرانك حزينة
من بعد ذيك الوجوه
حتى طيفك صار ظلي
وخلف بيبانك شموس
يالمدينة وين سورك
وين أحبابك ... حضورك
وينها نور الشوارع
وين جلاس الرصيف
لاشتى يروي ترابك
ولا شجر يحرس خريف
يالمدينة صبح راحل
والدفاء اللي يسكنك من أمس راحل
صار طيفك ما هو طيفك
صار صبحك مثل ليلك
كلهم منثور ريح
أوراقهم ذبلى تطيح
وياطول دربك يالمسافة
بين سورك يالمدينة
والوجوه الضايعة خلف السحابة

محمد بن مبارك البريكي

ـــــــــــــ

* استراحة ..

الجلويج

ويسمى ايضا (الجلوة) وهو من الفنون التي تتميز بها محافظة مسندم حيث يشارك فيه صفان أحدهما للنساء والآخر لضاربي الطبول الذين قد يصل عددهم إلى 8 أشخاص على طبول الرحماني والكاسر والرنة. وهم يقومون بالغناء وكذلك النساء اللائي يقفن في الصف المقابل يقمن بالغناء والرقص وإطلاق الزغاريد أثناء الغناء. وشلة غناء فن (الجلويج) عبارة عن كلمتين يرددها الرجال والنساء وهما (هليه جلويح..هليه جلويح).

ـــــــــــــ
* وهج ..

وحشه

ناطرك نايٍ يقسم خبزة الأحزان
وأنتي بعيد فعزلة برجك العاجي
ناطرك تعبق في نصه وحشة الجدران
شب الشغف في زوايا صدره سراجي

حمود الحجري

 

أعلى


 

دروازة
إدراك

تصبح الجبال
أقل وطأة وثقلا
وفي أعيننا ينبت ظل طويل
كلما أشرقت الشمس.

هنا تركوا حكاياتهم وأشياءهم ورحلوا، هنا وجوههم مرسومة على الصخر، تشبههم الأمكنة التي أطلقوا عليها أسماءهم، تشبههم منازلهم البسيطة، تفتقدهم أشجار السمر التي علقوا عليها ذات ظعن ذاكرتهم، أولئك البشر الذين سقطوا في النسيان فانمحت قبورهم أو جرفتها السيول، هم فينا، نحمل عذاباتهم وآلامهم وأحلامهم، نستيقظ كل صباح لنسمع في أعماق أرواحنا تعاويبهم قادمة من أصقاع زمنية بعيدة، وعندما يتلبسنا الصمت يخرجون إلى مدى يمتد، يجترحون البصيرة، يسوقون أمامهم قطعانا من السراب، مخبئين ضمائرهم في حقائب يحملونها على الأكتاف، وكلما اقتربوا كثيرا، كلما ضج المكان بروائحهم وهمسهم، يتلبسون أجسادنا، هائمين بنا في سيرتهم الحجرية.
كانت الحجارة قاسية جدا، وساخنة، كنا نمسك بنتوءاتها حتى لا نقع، وحتى لا ننزلق، صارت أكفنا ترشح كثيرا من العرق الذي يتيبس مادا أثره في المكان.
الشجيرات الشوكية وحدها من تثرثر مع الريح، وكانت التخوم تكتظ بالعواء، كان السبيل الوحيد للبقاء هو الانسحاب إلى داخل الحجر والتحول إلى مستحثة خالدة.

أستفيق
التسارع يُحيلني غيمة
وكلما أبطأ بي الفلك
تناثرت

هنا على القمة
حيث نسيت المياه أشياءها
الروح.. شجرة
تسند السماء بأغصانها
ترسم الأمطار سيرة البحر
بينما يكتظ الجوف بالهدير

أغط في تذكري
لا موسيقى
لا وقع أقدام

فيا أيها الليل
سوادك يزداد عتمةً بي
وبحسرتي
تتوهج نجومك

في حضوري
يتكاثر الغياب
يطعنني القلق
مغنياً لقطرة الندى
لهبوطها على جبيني
للسر
ممتداً في الزرقة
ويا للورقة الوحيدة
من ضغينة العواصف

توجع قطرة الندى
جسدي البازلتي

أدركني فيّ
أشعلني بقلبي.

لا يوجد هنا إلاك أيها الحجر الصامت، فهل تعدنا بجملة مفيدة أو همسا حتى نمضي وفي أكفنا يرشح يقينا عرقا مختلطا بالإيمان بوجودك ؟

زهران القاسمي
* شاعر عماني

 

أعلى


 


تباريح الراعي

إبلٌ أسيحُ بها إلى فلواتها
يذملن بي والركضُ من عاداتها
والبيدُ تنكر من أكون كأنني
ما كنتُ خيرَ رعاتها وبُداتها
عللتها باليتم شردني إلى
مدنٍ جرعتُ السم من كاساتها
وطفقتُ أنظر في المضارب لم أجدْ
إلا أسى الترحال في عرصاتها
فشهقتُ لم أقصدْ إثارة وحشها
وهتفتُ لم أنوِ الأسى لنباتها
كحلتُ عيني من رماد خيامها
ووددتُ لو كحلتُ من جمراتها
ونخزتُ راحلتي أكذب ما أرى
وألم أشتاتي إلى أشتاتها
وكأنما الطرقاتُ تحتي خُسِِفتْ
وتصايحت بعدي وحوش فلاتها
وكأنني عاهدتها أن نلتقي
وكأن نارَ الغدرِ من شهواتها
وسألتها: أبتي؟ فكان جوابها
أفعى، وهذا الشعر من لسعاتها
فسرحتُ أبني من جنوني خيمةً
الشوق والتهيام من عرصاتها
وصرختُ يا غيلان هذي غربتي
غصصي ويتمُ العمرِ من آياتها
أوكلما شرعت بابي باسماً
تتبسم الدنيا لجيش رُماتها
ذهبتْ شهاماتُ الرجال وجاءني
زمن يذل الروح في سكراتها
بي جرحُ ثكلى قاتلت أعداءها
واليوم قتلاها نجومُ حماتها

الناهبين جمالها والساهري
ن على الزناة بأمنها وبناتها
العرشُ في أكتافهم والفرشُ في
أكنافهم والذل في جبهاتها
طعنوا خيولَ الروح في أكبادها
وتخطفوا الفرسانَ من صهواتها
ثكلى يجوس الذئب خيمتها على
دَخَلٍ، وأهلُ الحي هاك وهاتها
أكلَ الثيابَ على طواه وحينما
رفسته راقص في الدجى صرخاتها
سدر الهزيع بما يراه وقومها
يتهالكون على فلوس زناتها

* * *
يا منْ يبدلني بروحي صخرةً
ولو انها مهمومة لصفاتها

زعمتْ فضول الناس أني عاشق
فشكوتُ للأمواج من همساتها
وإذا المروءة لم أكن من نسلها
فعلامَ ألقى النُكرَ من ضراتها
أوكلما عثرت جيادي حمحمتْ
نُوَبٌ يئستُ الدهرَ من عثراتها
ما زال في الأيام شعري واقفا
ورأيتُ خيل الشعر في زلاتها

* * *
إبلٌ حملتُ على هوادجها دمي
وركضتُ أسبقها إلى غاياتها
حولي من الأرض البراح سرابها
وقطا مخاضُ الروحِ من أقواتها
ورأيتُ أشجارا طلعن فُجاءة
فضحكتُ إن الغدر في نسماتها
ما زلتُ أطوي البيد أصحب غربتي
وأغازل البسماتِ في عبراتها
والناسُ حولي بايعوا أيامَهم
وبكوا إلى كفٍ وهبتُ هباتها
تتصافح الأضداد في قتلي ومن
كفني نسجتُ لغربتي راياتها
وطرقتُ أبوابا فتحت لها دمي
ووجدتُ دفء الوجه في جاراتها
هذا أنا.. إبل تسيحُ شريدةً
والذئبُ يمرح في خيام رُعاتها

عياش يحياوي*
* شاعر وباحث جزائري مقيم في الإمارات

 

أعلى



للصورة بعدان
دوال ومدلولات


(1) ملعقة القهوة
كان حديثنا عبر الهاتف عاديا جدا جدا.
وفي أثناء حديثنا كنت أبحث عنها حتى استبد بي الغضب
أين اختفت؟
وكان حديثها يتناهى بعيدا بعيدا يقذف بي إلى شوارع القاهرة
"أخْش" معها الطرق والأزقة و"يخْشني" كلامها في الزحام
و"غلاية" ماء القهوة على النار تغلي وتفور كدمي
سحقا قلت. أين اختفت تلك الملعونة؛ الملعقة الصفراء؟

(2) منخاري
ما كنت سأفعل إذا كان منخاري ليس معي؟
هل سأتذوق الروائح والألوان؟
هذا المنخار يستقبل الصيف بثمرة تنبت في وسطه
ثمرة حمراء، تفيض كلما اتفق لها
"كأي حاجة في أي حاجة، وكأي حاجة في أي حته"
دما
أستيقظ فأجد الوسادة مبقعة باللون الأحمر
حتى كأس الماء تنزلق إليه وهو في يدي نقطة حمراء
يا لهذا اللون الذي لا يشمه منخاري ولا حتى يُحسه
ولا يتعرف عليه إلا في مواسم تنبيت التمور
ولكن ما كنت سأفعل إذا كان منخاري ليس معي؟

(3) بقرة!
بعد أن احتد بينهما الكلام قالت لإسكاته وإرضائه: أنا بقرة، لا أفهم.
قال لها: بقرتان!
كيف ذاك يا أبي؟

(4) الزمن والحركة
إنهما متعطلان
تعطّل الريموت كنترول الخاص بالتلفزيون قبل شهور
بِتْ حين أشغّله لا أقدر أن أتحكم في الصفحة السوداء التي أجلس أمامها
بعدها بأشهر أخرى تعطّل الريموت الخاص بالريسيفر
وبِتْ حين أشغّل التلفزيون يدويا لا أقدر أنْ أشنْف أذنَيّ وأمقمق عيني من فيض القنوات
وقبل شهور أقل تعطل الريسيفر
ظللت أتفرج على قناة واحدة لا تتبدل ولا تتغير
من حُسن طالعي أنها قناة الأطفال "سبيس تون"
بالأمس فقط تعطلت كل القنوات
عدت أنعم ببدائية الصوت
أصوات الموسيقى والغناء: بيرليوز، فانجلز، عبدالحليم، وردة، شوبيرت، جاهدة وهبة، الأمازيغية، الغرناطية، كونشرتات بيتهوفن، الملحون، راشد الصوري، هلوسات فاجنر، سيمفونية الطريق إلى عمان، جمعان ديوان، نوبة المجنبة ونوبة رمل الماية من الطرب الأندلسي الكلاسيكي لبهجة رحال
وصوتيييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييي
تعطّل الزمن وتوقفت كل حواسي، فجأة تذكرتُ نحيب المرأة المرباطية تنتحب أبي
لم تكن تنتحب أو تبكي أو تصرخ، كانت تُغني بكثافة عالية وتُغني وتُغني
وكان غناؤها يشدني ويهوي بي إلى صوت آخر
بعيد وعميق وسحيق...

(5) إيقاظ جرح
العزاء في الأيام الثلاثة الأولى مواساة... بعد ثلاثة أيام إيقااااااااظ جرح.

(6) في ظفار "يشرقعون أحد الخُمسة"! لا بأس من الشرح.
بعد أول يوم خميس يعقب الوفاة ويليه الخميس الثاني، يستريح الظفاريون في الخميس الثالث، فلا يقرؤون ولا هم يحزنون ـ كما استراح الله عند اليهود في سبتهم المزعوم ـ وفي الخميس الرابع يكون المخالف، والذي لا يعقبه أي فعالية. وهذا ما قصدناه أنهم "يشرقعون"؛ أي يقفزون بين الخميسين الثاني والرابع، فلا يكون هناك جمع غفير من الناس يأكلون ويتبادلون الأخبار والقصص والحكايا.
شخصيا لا أدري من اخترع فكرة "المشرقع". تبدو الفكرة محمودة قليلا. يلتقي ذوو الميت ويقرؤون القرآن ويهبون ثواب القراءة لروح الفقيد. وكما جرت العادة "يتفاولون"_أي يأكلون_ الكورن فليكس الظفاري"خبز القالب أو الكعك" والحلوى الظفارية "حلوة بيذانة" ولمزيد من الترف الجانبي تُحلى الجلسة بـ"قشاط خضرة"، ولا يخلو سماط الفوالة بطبيعة الحال من القهوة العمانية الطيبة.
وإذا كنت شخصيا لا أعرف من صاحب اختراع فكرة "المشرقع" فأنا عندي ما يبرر رفضي لمثل هذه الفعالية العجيبة. عجبها يتضح في مقدار التكاليف المادية الباهظة التي سينفقها أهل الميت "كرمال" العادات والتقاليد. فما أن يطلع النهار حتى "ينترس" البيت بالناس، يتريقون ويتغدون ويسولفون، ثم يذهب ذوو الفقيد لزيارة القبر "المِجْنة" وقد يعود بعضهم لبيت العزاء ليواصلوا سلسلة الكلام الطويل، ويرحل الباقون. إن مناخ الألفة في اجتماع الأسرة وتكاتفها، إن في السراء أو الضراء، سلوك اجتماعي حميد، لكن قد آن الأوان أن يبدأ المجتمع في الفكاك من بعض هذه الفعاليات الثقيلة الدم وثقيلة في الإنفاق.

آمنة الربيع

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept