الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 


مبتدأ
فيينا ..
أفق






مبتدأ
أشواك

تذكر بعض طرائف التراث أن امرأة كان لها ابن، وأرادت أن تبعثه إلى مجالس العلم ليتعلم ويكتسب المعرفة، حتى تقر به عينها ويهنأ بالها بالفتى الألمعي النجيب المثقف.
الفكرة أعجبت الابن فأخذ يتردد كل يوم على مجالس العلم. وكحال جميع الأمهات الطيبات حرصت الأم على مراجعة دروسه ومتابعة أحواله في الدراسة، فكانت كل يوم تسأله عن الأشياء الجديدة التي اكتسبها والدروس التي تعلمها. ولكن الوالدة بدأت تشعر بالخيبة والأسى لحال الصبي الذي كان كل يوم يأتيها بأخبار الخلاف بين العلماء، ويسهب في ذكر الهفوات التي وقع فيها الآخرون، فما كان من الأم إلا أن أمرت الصبي بالجلوس في البيت بدلا من تضييع وقته فيما لا يفيد، وضربت له مثلا لبيان حاله أنه مثل من تبع قوما يحتطبون، وفي آخر النهار يعود الناس بالحطب فيما يعد هو بالشوك.
حال هذا الفتي ينطبق على الكثير من المتعلمين والمتابعين للحراك الثقافي، الذين يبحثون عن المثالب والهفوات والأخطاء والخلافات للأدباء وكبار الكتاب والمثقفين البارزين، وكما قيل ( من طلب عيبا وجده).
البعض يحضر الأمسيات الشعرية والفعاليات الأدبية والمحاضرات الثقافية المختلفة، وما أن يخرج من الفعالية حتى يبدأ في سرد السقطات التي وقع فيها الشاعر أو الأديب.
البعض يقتني الإصدارات الأدبية ويقرأها فلا يخرج إلا بالمآخذ والأغلاط التي وردت في الكتاب، سواء كانت مطبعية أو أخطاء وقعت سهوا، وجل من لا يسهو.
إن طالب العلم والمعرفة ينبغي أن يقبل على العلم بأدب خالص، ويحدد لنفسه مسارا واضحا في تعامله مع المثقفين والأدباء بدلا عن الخوض في قضايا نفعها أكبر من ضررها.
يقول الإمام الغزالي في الإحياء موضحا جوانب من أدب طالب العلم:(أن يحترز الخائض في العلم في مبدأ الأمر عن الإصغاء إلى اختلاف الناس، سواء كان ما خاض فيه من علوم الدنيا أو من علوم الآخرة: فإن ذلك يدهش عقله ويحير ذهنه ويفتر رأيه ويؤيسه عن الإدراك والاطلاع).
ويقول أيضا في معرض الحديث عن احترام طالب العلم لمعلمه ومن سبقه في مضمار الثقافة. (فليكن المتعلم لمعلمه كأرض دمثة نالت مطراً غزيراً فتشربت جميع أجزائها وأذعنت بالكلية لقبوله).
إن الذي يتصيد الأخطاء ويجري وراء الهفوات سيجد نفسه يوما فارغ اليدين إلا من هذه الأخطاء التي جمعها طيلة مشوار حياته البائسة، فعندها يشعر بمدى جهله وفداحة خسارته، وقد يدرك أن ما كان يظنه خطأ هو الصواب بعينه بعد أن اتسعت مداركه وعرف حجة الآخر الذي أفنى حياته في سبيل البحث عن المعرفة، وهنا يصدق عليه قول أبي نواس:( علمت شيئا وغابت عنك أشياء).

حسن المطروشي

أعلى




ذباب على التمر

....يد تمتد تحت ظل السدرة إلى الوعاء الأبيض المشجر لتأخذ تمرة واحدة .
يد أخرى تمتد فتلتصق تمرة أخرى بالتمرة التي أخذها فيعيدها ليبرق من يده الخاتم ذو الفص الفيروزي مزينا الخنصر .
يد أخرى تلتها بخنصرها، خاتم ذو فص أزرق، لتأخذ واحدة وتدفع بالنواة بالبنصر في صحن النوى.
تدافع الذباب حاول أن يحط على الصحن فكشته يد بلا خاتم .
واحدة بدت وكأنها أكثر شجاعة من الأخريات، ارتفعت عن البقية ثم نزلت لتحط على تمرة فتسارع إحدى الأيادي فتكشها .
جاءت أخرى وقفت على تمرة من النوع الأسود سرعان ما طارت إلى الناحية الأخرى من الوعاء حيث وقفت على تمرة من النوع الذهبي الذي بدا بامتزاجه مع عسل التمر لامعا براقا كأن ضياء الضحى يهبه طاقة الوميض. كاد العسل أن يعتقل الذبابة لولا استماتتها في تخليص نفسها منه حينما أخذت اليد النحيفة ذات الخاتم ذو الفص الفيروزي بكشها ثلاث كشات .
وبين الحصير الذي يجلسون عليه وجدار الحديقة ثمة أسراب من النمل بعضها تجتر غنائمها وأخرى تجتر خيباتها نحو الأفق المجهول لأصحاب الأيادي المتواترة على وعاء التمر .
تدحرجت حبة نبق من ثمر السدرة التي يجلسون تحتها على عرض البساط حتى استقرت في البطحاء التي جلبت من وادي قريب لتستقر مفروشة بعناية في باحة البيت الكبير.

ارتفعت دلة القهوة عن مجاورة وعاء التمر ثم حملت يد من غير خاتم الفناجين الثلاثة المصفوفة متداخلة مع بعضها بشكل رأسي. نزلت ذبابتان لتتجاورا فوق تمرة ذهبية يوحي حجمها المكتنز بأنها جنيت من نخل حقل خصيب . بدا وكأن الذبابتين أكثر حظا من رفيقاتهما، فانشغال الأيادي باحتساء فناجين القهوة أعطاهما وقتا أكثر اتساعا لامتصاص المزيد من عسل التمر الشهي .
نزل صوت من وسط الدائرة مبديا امتعاضه من البلدية التي لم تعد ترش أحياء القرية بالمبيدات كما كانت حتى أصبح الذباب بهذه الكثرة . عقب عليه آخر: الله لا عاد الرش قتل علينا نحل العسل .
انحدر صوت مبينا بأنه قرأ ذات مرة عن أعجوبة من أعاجيب النمل تبين بأنه إذا اكتشف إن واحدة منها تكذب تجمعن عليها وهاجمنها حتى تهلك .
انحدر تداخل أصوات نقاشهم حول أعجوبة النمل فبدا كأن ذبابة استغلت انشغالهم بالنقاش لتهوي كأنها نازلة من السماء على حافة الوعاء المشجر تاركة شعيراتها تمتص حلاوة التمر وتنال نصيبا أكبر من رفيقاتها بفعل انشغالهم حتى أتتها يد لتكشها ثم انتقلت للجانب الآخر فاستعانوا بأكثر من مقشة .
كان الذباب يكر ويفر كمحارب . لم تروعه الأيادي ولا خواتمها بأحجارها وألوانها المتنوعة، عقيق أو فيروز ولا فضتها سادة أو منقوشة، ولا حتى المقاش التي استعين بها بعد أن عجزت أياديهم .


خليفة بن سلطان العبري

أعلى





( من مقامات العشق والجنون )
مقام الحـيرة

* الغريب ..
تعجب أهالي بلدتنا من رواية الزوجة الصغيرة. لسبب بسيط، وهو أن دكان الحاج حمودة البقال بعيدا عن الكوم العالي الذي يربض على الطريق المؤدي إلى خارج البلدة من الخلف. أين كان ذاهبا إذن ؟! وما الذي حدث له ؟! وما علاقته بالحارس الليلي ؟!. وقال قائلهم : يا عالم. الحكاية واضحة مثل الشمس. أفهموها يا بجم ...
وترك الجميع ومضى .
ولم يفلت شحاته من ألسنة السوء خاصة النسوة العجائز. قالت إحداهن بكلمات تخرج من فم أهتم: لابد أنه كان عندها ...
ضحكت بقية النسوة في ارتياح ..
يقول الراوي:
والأمر ـ ياسـادة ـ لايحتاج إلى إيضاح أكثر من هذا . عند من قضى الليلة . جميلات . الأرملة المليحة التي تقيم بالقرب من الكوم العالي . ما الذي غير حاله ؟! لابد أنه شرب الدخان والمعسل والجوزة المعمرة ـ في دارها التي تقف بالقرب من الكوم ـ حتى فقد الوعي . سار في الطريق المترب المنحدر يترنح ، اصطدم بكلب نائم على التراب ، سقط على الأرض ، ظل يتدحرج حتى استقر في مكانه ، أسفل الكوم العالي .. ربما حاول الوقوف مرة أخرى ، فلم يستطع ولن تحمله قدماه إلى بيته .وظل هكذا طوال اللليل إلى أن عثر عليه ، صدفة ، حارس الليل ، صبحي أبو إسماعيل ..
ـ استغفر الله العظيم .

* * *
ـ كل هذا يخرج من دارها .
ياعيني عليك يامسكين !!
عقبت المرأة الأخرى على ماسمعت بحزن ، كأنما تدين الأرملة على ما فعلت بالشاب المسكين الذي لم يحتمل قضاء ليلة واحدة في أحضانها .
وقالت أخرى ترتدي الحداد، تقف بجوارها :
ـ الباب مفتوح على البحري ، لكل من هب ودب ..
* * *
.. واحتار الأهالي في أمر هذا الشاب الطيب، وفي تفسير ما حدث له .هل كان ضحية الأرملة حقا ؟! خاصة وأن جميلات لغز من الألغاز الغامضة ، ولن يكون في إمكان أحدهم تفسيره أو حل طلاسمه ، فحياتها منذ مولدها ـ الذي يحيط حوله الغموض ـ حتى الآن ، شبه أسطورة . عندما تزوجت رحل زوجها ذات مساء عن القرية ولم يعد . قالت للجارات مسافر للعمل في البلاد البعيدة ، أين هي هذه البلاد يا جميلات ، أجابت ، عند عين الشمس . ولم يعرف الأهالي سر رحيله عن البلدة ، ولا أين سافر ؟ ومتى سيعود ؟
نسى أهالي بلدتنا كل هذا في زحمة الحياة ، وكثرة مشاغلهم وأعمالهم اليومية ، وتفرغ كل واحد لأعماله وبيته وأولاده وزوجه وحقله ودوابه ، ولم يعد أحد يسأل عن الزوج الغائب .
ذات صباح، وصباح بلدتنا لا يشرق على خير. سمعوا صياحا وصوتا وندبا. كان صادرا من ناحية بيت جميلات. فتحت الأبواب، أصاخوا السمع، اندفعوا ناحية مصدر الصوت. هناك، تساءلوا عن الأسباب. قالت وهي تنوح إن زوجها وبعلها وجملها، زينة الرجال. ماله؟ مات. أين مات؟! في البلاد البعيدة. ومن أخبرك بذلك يا جميلات؟! أجابت، جاءني مرسال الليلة الفائتة، وأخبرني بموته. وكيف نستطيع نقله من هناك إلى هنا؟! قالت، لقد دفن في البلاد البعيدة. أرض الله واسعة. عاش غريبا، ومات غريبا، ودفن غريبا !! آه، يا عزيز عيني ..
فبدت الدهشة والحيرة على وجوه الحاضرين وظلوا صامتين ..
قال الراوي في صوت مرتفع :
والغريب ـ ياسادة ـ أن جميلات كانت تبكي بحرقة وألم ودموع !! وارتدت السواد. نعم. حدادا على المرحوم، وعقدت طرحتها السوداء حول رأسها كالحزانى والنادّبات خلف الجنائز. والسر. سر زوجها. مات ودفن معه. ولا أحد يعرف الحقيقة. الحقيقة التي دفنت في البلاد البعيدة، أصبحت غريبة عن الديار!! اعترض أحد الرجال على الحديث الدائر بين الجميع على مقربة من البيت متسائلا:
ـ ومن أدراكم ؟! الحقيقة داخل جدران البيت ، نائمة .
وقال آخر في حيرة :
ـ كل الأشياء تحدث في البلدة ، لا نجد لها تفسيرا !!
عقب أحد الشيوخ :
ـ هذا زمن يتساوى فيه العارف وغير العارف .
لوى الجميع أعناقهم في بلاهة ، وصمتوا ..
* * *
.. وانفجر شيخ الخفراء الطويل في وجه خفيره القصير ملوحا بذراعه : وأنت ، أين كنت عندما حصل كل هذا ؟!
اجتمع الأهالي على صياح شيخ الخفراء وهو يرغي ويزبد والخفير يحاول الدفاع عن نفسه ، ويبحث عن الكلمات المتناثرة من فمه دون ترتيب لعله يجد الأسباب الكافية للإقناع دون جدوى. عندما تدخل الأهالي ، تم فض الشجار ، ومضى شيخ الخفراء . تنفس الخفير القصير الصعداء ، قال كأنما نوى على أمر ما : هذه المرأة لعنة . لن أتركها ...
* * *
... ولكن الشيء الغريب ، ياسـادة ، أن شحاته المسكين عندما أفاق من الإغماءة . أخذ يهذي بكلمات قلائل ولغة غير اللغة وصوت ينبع من الداخل . ماهي ؟! لم تفهم زوجته الصغيرة منه سوى كلمتين اثنتين . نعم ، استطاعت حفظهما عن ظهر قلب وترديدهما فيما بعد أمام الجميع ، من الجيران والجارات .
قالت " وجنات " : ظل يردد بلا وعي، وهو بين حال الصحوة والنوم ، والعرق يتصبب من بين ثنايا تقلصات وجهه الشاحب ، يضطرب من الخوف الذي بداخله ، وهو ينطق :
ـ سكر . المطمر . سكر .. المطمر !!

عبدالسـتار خليف *
* كاتب وروائي مصري

أعلى




الكتابة تحرر من قدر النزول
القاص سلطان العزري: الاشتغال الإبداعي في جميع صوره يحتاج إلى تفهم ودعم وعدم مصادرة
نحن بحاجة إلى فهم "المادة" كي نستطيع تجاوزها
السماء ملبدة بالغيوم، فلنفتح مصابيحنا اليدوية لنسلك الطريق
القصة اشتغال يصيبني بالتوتر، يولد بعد عملية اجترار وإعادة إنتاج
لا بد من الطرح المختلف، ولا بد للمجتمع من تقبل ذلك

حاوره ـ سالم الرحبي:رغم تأخر إعلان القاص سلطان العزري عن نفسه، إلا انه استطاع في باكورة إصداراته المعنونة بـ(تواطؤ) أن يقدم لنا مادة قصصية توازي حجم اشتغالاته السابقة، ليضيف بذلك رصيداً جديداً إلى المكتبة القصصية العمانية من خلال إصدار أنيق طرزه بمجموعة من القصص التي تأخذ منحى الواقعية في سبكها وطرحها ، وتقترب من تفاصيل المجتمع وقراه.. فهو يرى أننا لم ندخل بعد عصر المدنية الحقيقي حيث يعيش الواحد في معزل عن جاره ومجتمعه ومحيطه.
في المجموعة يقترب سلطان كثيراً من تفاصيل دقيقة يسجلها بحرفية عالية، إلا انه يؤثر كتابة القصة الطويلة نسبياً، بعيداً عن السائد في اختصار مساحتها، ناقلاً القارئ بين تفاصيل أحداثها ببراعة تامة ولكنه يباغتنا بـ(نهاية مالحة) في كل مرة فهو يرى ان النهايات لا يجب أن تكون مستساغة.
في هذه الوقفة المقتضبة نقف مع سلطان على بعض التفاصيل التي تخص قصصه ومجموعته واشتغالاته الكتابية ، مع تسليط الضوء على بعض عموميات المشهد القصصي..
* في ظل ما تشهده القصة القصيرة من تطور متسارع ولعب على ثيمات سردية ومعادلات زمنية لا تعترف إلا بالتجريب .. برأيك الى أين تمضي القصة بكل هذه الدهشة.. وهل ستكف عناصرها قريباً عن جنون التفاعلات التي تشبه الى حد كبير التفاعلات الكيميائية؟
** من التعاريف التي تضيف الجديد الى تعاريف الأدب تعريف بارت الذي يرى أن الأدب يدهش ويمتع ويبعث اللذة، وأعتقد أن التجريب هو عدم الخلود للسكينة ولأن الحياة هي دائما وفي كل مكان مشدودة إلى إمكانيات تتغير مع الوضعيات التي تكون، وعند تحقيق اختيار الإمكانيات نكون قد تحررنا من ضرورة الاختيار بيد ان وضعيات جديدة تتخلق وتتشكل مما يستتبعه اختيارات أخرى وعليه فنحن البشر لا ليس لدينا كوننا جاهزا متحققا بل هو كون ممكن يعتمد على حركتنا وفهمنا له، وهذا ما ينطبق في كتابة التجريب وفي قراءتها ، لا تكف الدهشة ان تكون قصة ، الدهشة هي عين القاص، دهشة الحياة بكل أطيافها، وجود الموت وسؤاله بمعناه الوجودي والنفسي وحضوره كتابة.
وعند دخول الكتابة لعالم القلق الذي تنتجه الحياة العصرية يصبح الأخير غير أليف، إنه عالم موحش وغير متجانس، عالم تبنى فيه قيم جديدة وتبقى في الوعي قيم قديمة، قيم يسعى لأن تكون وقيم كائنة ومتحققة ، يطرق الكاتب أحلامه وهواجسه، يختار شخوصه وآلياته، يجرب وينطلق، ما هو الحلم وما هي الحقيقة وماذا يمكن أن يكون، هناك تفاعلات واعية وأخرى مغايرة ، كل ذلك مع ترسانة من آليات الكتابة هي نتاج معرفة وتواصل مع المتغير والثابت، لا بد من الطرح المختلف، ولا بد للمجتمع من تقبل ذلك، لأنه منتجه وصيرورته أيضا، والكاتب المصاب بلوثة من الكم الهائل السابق لا بد له أن يجرب، أن يبحث عن أناه وعن كينونته، أن يعبر عمّا يتفاعل داخله بصورة فنية، ربما أن يكون منتجه، المجتمع، ككتابة يخلخلها الأخير ويتقاطع معها، أن يساهم ككاتب في السياق التاريخي والمعرفة الإنسانية، ستنتج الكتابة قراءها ونماذجها، ستجيز سردا يترقبه القادم، ليس شرطا آنيا، وبهذا تصبح الكتابة أيضا هاجسا حياتيا.

فهمُ المادة

* رغم محاولة البعض تعريف الشعر.. إلا ان الكثيرين يؤكدون بأن تعريف الشعر يعني قتله.. وفي أدب القصة القصيرة لا يزال البحث جاريا عن توصيف أو تعريف مناسب لها، رغم العديد من الكتب والبحوث والدراسات التي حاولت ذلك. بحثٌ يؤطر عناصرها ويحجّم مادتها.. ترى ما الذي سيحصل للقصة إذا اتفق الجميع على تعريف موحد لها؟
** تعريف القصة يعني أيضا تأطيرها، وهو ما يعني توصيفها والاشتغال عليها بمعنى فهم سياقاتها وآلياتها وما تنتجه، مما يساهم في تصنيفها وأدلجتها، إلى تحويرها حسب رؤية الناقد المعرف لها، وعليه سنجد ان هذه قصة قبيحة وتلك قصة جميلة، وأيضا هذه قصة رائعة وتلك قصة سيئة، مما يدخلنا في نطاق ضيق للفهم والتعاطي مع الكتابة، هل يمكن للتعريف أن يتجه لتحويل ما ليس بجميل إلى جميل؟ وبذلك يتخلص من القبح وما يحاول أن يطمس وجودها أو يغيب ذاتها أو يحاول قتلها ببطء دون أن يترك لها فرصة الشعور بالموت.
* مجموعة (تواطؤ) هي باكورة إصداراتك القصصية ضمت بين دفتيها (12) قصة قصيرة.. بعيداً عن عنوان الإصدار، وبعيداً عن كونه عنواناً لقصة في المجموعة. هل يرى سلطان العزري اننا بحاجة الى الـ(تواطؤ) في وقتنا الراهن، أم نحن بحاجة الى إعلان الرفض قبل ان تستسلم آخر مبادئنا وقيمنا لفيالق "المادة"؟
** ومن جهتي أيضا أقول بعيدا عن الـ (التواطؤ) بمعناه الحرفي أعتقد أننا بحاجة لفهم فيالق المادة تلك من خلال استحقاقاتها وأسبابها ومكوناتها وكل ما يتعلق بها، لماذا؟ لكي نستطيع أن نتجاوزها، أصبح الوقوف في وجه المدفع صعبا، نعم يتأتى إعلان الرفض من خلال خلخلة المعنى لتلك المادة وهذا لا يعني بالضرورة السباحة ضد التيار، إن سعي الإنسان (المفكر/ الأديب) يبقى دائما هو المحرك الحقيقي الأولي لتأكيد القيم والمبادئ الإنسانية الجميلة والسامية في وجه من يحاول الهيمنة عليها وتبضيعها، إن إعلان الرفض لا يحتاج إلى تواطؤ أو إلى صرامة مباشرة ، أتكلم عن المعنى الفني، إنه يحتاج إلى تفتيت تلك الفيالق وأسبابها من خلال الكتابة/ السرد وإعادة صياغتها فنيا وإبرازها وفضحها من خلال القصة مثلا، كما تعتبر الكتابة سواء أتفق القارئ مع نهاية السارد الفنية أم اختلف نوعا متعاليا رافضا لنمطية التعاطي مع تلك الفيالق.

نهايات مالحة

* قريباً من (تواطؤ) القصة.. لماذا تواطأ البطل في النهاية رغم رفضه التام، لهكذا مبدأ؟
** اني امنح القارئ شيئا ينشب أسنانه فيه، ويخز به الذاكرة، إذ هكذا تكون النهايات الحقيقية، مالحة وغير مستساغة، ولماذا علي أن أثوّر بالكتابة ما أشبع قتلا في الواقع، لقد تمرد البطل على واقعه ولم يتقبله، غير أن الواقع بصورة أوضح كان قد نبذ البطل طوال سياقات القصة، إنه محيط ذو رائحة سيئة ينتج ما يناسبه.
* قد لا توجد قرى صغيرة تضاهي صغر حجم القرى الخليجية بشكل عام، فهي واحات في قلب الصحراء أو بيوتات متناثرة على سيف البحر، لا جديد فيها سوى خرافات وأساطير أصبحت مملة لكثرة تداولها وتشابهها، وهدوء يقتل ظلمة الليل ببطء عجيب.. والقارئ لمجموعتك يرى ان القرية لا تكاد تختفي حتى تظهر من جديد.. لدرجة يخال فيها القارئ أنها تسكنك أكثر من أنك تسكنها، ألا تعتقد أنك حبست نفسك والقارئ في حدودها الضيقة، ولم تفتح له فضاءات أوسع يحلق فيها معك؟
** إذا عُرف الأدب بأنه مرآة المجتمع، فإن المجموعة تتشبث بهذا التعريف، كما يمكن قلب السؤال لينطلق القطار عن معنى المدينة، وهل توجد المدينة إذا كانت القرية ابنتها وبصياغة أخرى أنه لا توجد مدينة بأنماطها المدنية من مؤسسات وقيم وثقافة، إن المدينة التي نتحدث عنها لا تعني جماعات بشرية انتقلت للعيش في مكان آخر وهي تتمسك بأنماطها القروية وأساليبها المعيشية، لذلك تشكل القرية إلى اليوم في الكتابة القصصية العمانية حيزا واضحا وملموسا، وأعتقد أن الخروج من عباءة القرية هو مرحلة أخرى لتشكل المدينة العصرية، المجتمعات العربية لا تشكل المدينة أساسها وإنما القرى والأهم أن مجموع القيم والعادات والأنماط الثقافية للمجتمعات الريفية ينتقل بانتقال مجموعة ساكني المدينة، لذلك يمكن ان يطلق على الأخيرة مصطلح قرية كبيرة، طبعا السياق التاريخي للتحولات الاجتماعية والاقتصادية سيساهم في تغير البنى الثقافية لمجتمع القرية الكبيرة وهو ما سيساهم في تغير أطر ثقافية بدأت تبرز في المجتمع وعليه ليست حدود ضيقة عندما تكتبنا أو نكتب القرية، اننا نكتب ذواتنا المتحققة.

دعم وعدم مصادرة

* تحتل مختلف الأجناس الأدبية اهتماماً واسعاً في مختلف المسابقات الثقافية المحلية.. إلا ان القصة القصيرة .. وربما قدرها الذي ألصق فيها صفة (القصر) جعلها قصيرة عن الوصول الى أولويات القائمين على هذه المسابقات.. كيف ترى إنصاف القصة القصيرة في مختلف المسابقات الثقافية المحلية.. الإنصاف المادي لجوائزها، والإنصاف الثقافي كجنس أدبي له جمهوره؟
** الاشتغال الكتابي الإبداعي في جميع صوره الأدبية بما هو مختلف وغير نمطي وينطبق عليه وصف نزار لنفسه بأنه شاعر غير مؤدب، يحتاج إلى تفهم حقيقي له، فتح المجال له ودعمه وعدم مصادرته لأن تلك المؤشرات هي دلالات ضعف ومرض وربما عقد تحتاج لحل شفراتها ولا يتأتى ذلك إلا بالتنمية الثقافية في كافة الميادين وعدم الدوران في الدائرة ذاتها، دائرة إعادة إنتاج التخلف، الخروج من شرنقة التهميش إلى رحاب التبني والخلق، وليس أقل دلالة على وضعنا من انتظار إقامة المجمع الثقافي، إعادة النقد بهدف البناء، احترام الآخر.. التنمية الثقافية الفكرية هي ما سيساهم في تعزيز الهوية وفي دفع مسيرة التنمية وحل الكثير من المشكلات التي هي في أساسها مشكلات ثقافية وهذا ضمن طرق أنصاف القصة القصيرة والكتابة بصورة عامة، كما يحتاج القاص العماني إلى الانتشار في مساحة أكبر حيث إن طباعة مجموعته القصصية ودعمها في الخارج سيساهم إلى إيصال رؤيته، وقدرة وضع برامج تساهم في صياغة تجربة القاص من خلال استثمار امكانياته واستعداداته للتواصل مع اللغات العالمية الأخرى وخلق عملية هضم وتنويع مما يساهم في إعادة إنتاج مادة جيدة وقادرة على تبني أفق مستقبلي.
* مع فنجان شاي الصباح قد تزور الكاتب فكرة نضرة طازجة مغلفة بنسائم صباحية مرهفة، تلتصق بالذهن التصاقاً محبباً.. وفي الشارع قد تزوره اخرى بنفس الجمال والنضارة.. وعلى المكتب.. وفي السوق.. وفي كل مكان.. كيف يرتب سلطان العزري أفكاره وكيف يسيطر عليها، ليحبكها لاحقاً في مادة قصصية مقروءة؟
** تولد القصة بعد عملية اجترار وإعادة إنتاج ، إنها اشتغال يصيبني بالتوتر ، في البداية كنت قريبا من أدب التفريغ والراهن بمعناه الانطباعي للحظة، توق للتخلص من ثقل المشهد والفكرة، عملية ولادة لابد من خوضها بمشارط وإبر، ومع تواصل القراءة والمعاش واليومي والشفاهي وتجارب مختلفة امتزجت خيالاتها وأنماطها أصبح يمكن رسم القلق في شخوص والانزعاج على مسمار الجدار ، أصبحت القصة تحتاج لمراحل طويلة حتى تتبلور وتتشكل وهكذا يمكنني ان أسيطر عليها.

فلنفتح مصابيحنا

* "لا تقرأ سير حياة الكتّاب، بل اقرأ ابداعاتهم".. هكذا ينصحنا البعض كي لا نقترب من معاناة الكتّاب وحياتهم البائسة، التي قضوها بحثاً عن جذوة يشعلون بها فتيل الإبداع لينيروا طريق العقول.. في هكذا زمن ماديّ، تكبلنا الالتزامات وتنخرنا الحياة كسوسة، ما جدوى الكتابة؟!. ما جدوى الإبداع؟!
** اذا نظرنا لها من ذلك الجانب لنقل انها تساهم في خلق نسخة ثانية من واقع لا يحتمل، وذلك من خلال واقع محتمل على الورق، أي كنوع تعويضي، ويمكن القول بأنها انتاج معرفة، ويمكن النظر للكتابة كلذة ضد ما له طابع ذهني واسطوري ومخادع أو كالتزام ونضال ووجود ويمكن توصيف الكتابة بأنها شيء ثوري ولا يحمل الصفة المجتمعية في آن واحد.
* هذا بدوره يقودنا الى سؤال آخر.. هل الكتابة قدرٌ ينزل علينا. أم قدر نبحث عنه؟
** سؤال إشكالي يرتبط بالحتمية في شقه الأول وبالتحرر منها في الشق الثاني، والعكس ما اميل على الوقوف معه وهو ان الكتابة هي تحرر من قدر النزول.
* أخيراً.. هل تترك العنان لنجمتك كي ترشدك وتستشرف لك القادم؟، أم أنك تساهم في صناعته؟
** هناك قول: "علق أحلامك على نجمة لترشدك إلى الطريق" ولكن السماء ملبدة بالغيوم وعليه يجب أن نفتح مصابيحنا اليدوية ونسلك الطريق وسط الحلكة دون أن نتطلع بين الفينة والأخرى لتلك النجمة علها تنير الطريق من جديد.


أعلى




للصورة بعدان
ما لن أراه ثانية هل سأحبه إلى الأبد؟

سؤالي يتحرك بالذاكرة للوراء بعيدا. سؤالي عن فلسطين على وجه التحديد. سؤالي عن ذاكرتي المثقوبة التي تأمل أن تخضّر بالعشب.
ستون عاما مضى على احتلال فلسطين أرضا وشعبا وشجرا. الشجر مهم لأنه يمد جذوره في الأرض بعمق ويتجذّر. لهذا لا يمكن قلّع الذاكرة الإنسانية، ذاكرة الإنسان الفلسطيني على وجه الخصوص، وهو الذي يتعرّض يوميا لحرب إبادة عنصرية تمحوه محوا. في ظل هذا المحو ما سيكون عليه حال الكتابة الإبداعية؟ الشعر والمسرح والرواية والقصة القصيرة؟ وما شكل المقاربة التي سيخوضها النقد ساعيا لقراءة شرط التأمل الجمالي والنسبي والانفعالي والمعياري والمعرفي؟ ما نوع الناس الذين سيوجه إليهم الخطابين الإبداعي والنقدي؟ ما حدود الأرض والجغرافية؟ هل سُيقرأ الفلسطيني بعيدا عن الإسرائيلي أو سيكتفي القارئ بالإسرائيلي نفيا للفلسطيني؟ ولمصلحة مَن سيكون النقد؟ ليس من متسع لإطلاق أحكام القيمة على أيِّ من السؤالين إلا بما يضمن احترام الوقوف عند الدماء التي تراق كل يوم. وأجدني أمام هذا الميراث المحقّر للذاكرة_ذاكرتي_ أتمدد أكثر وأكثر في الأسئلة. يُعنيني شكل الكتابة المسرحية ـ هميِّ الشخصيِّ والوجوديِّ ـ الأول والأخير؛ في مبتدأ البوح وفي منتهاه.
سئل (بيتر بروك) يوما عن شكل الكتابة المسرحية المعاصرة وعلاقتها بالتاريخ، وعن مدى تغلغل الدم والفقد في السياسة. سأحور أجوبته الطازجة بما يتناسب وهذا المقال، مكتفية بتغيير أسماء الأمكنة التي أشار إليها إلى فلسطين، مع الاعتذار سلفا لمحبي بيتر بروك وعشاقه. يبدأ بيتر بروك جوابه بهذه العبارة : لنكن صادقين، لا أحد يتحّمل أن يكتب نصا مسرحيا حول "فلسطين" من أين سنبدأ؟ هل سنقتل جميع الإسرائيليين؟ من هو المذنب ومن هو غير المذنب؟ هل سنقتل العرب الذين تواطؤا مع العدو؟ وهل يجب أن يُقتل جميع الخونة الذين تاجروا بالقضية وبالشعب وبالشجر وبالمصير الثقافي العربي المشترك وبالقدر الخليجي المزعوم؟
مرة أخرى سألتمس في جواب بيتر بروك ضالتي، إذ يجيب قائلا: "يمكنك أن تقارب هذا الموضوع فقط عبر التراجيديا، ليس من المستوى السياسي، من يستطيع أن يصل إلى مستوى أي حالة دون استخدام عبارات مبتذلة"؟ سأكتفي بهذا القدر حتى لا أتورط في المزيد من الاقتباس. وللتوضيح؛ أن الوصول إلى مستوى أي حال من الحالات سأقصد به الحال الفلسطيني والحال الإسرائيلي. فمن يستطيع أن يكتب كتابة إبداعية عن الحالين خالية من العبارات المبتذلة؟ كم تبدو السياسة هنا بذيئة وقهرية وضاغطة. وكم تبدو مهمة المسرح اليوم أكثر صعوبة، لكون المسرح هو المكان الوحيد المتبقي لتحمّل الحياة!
من أين ينبع عقم المسرح؟ جوابي ببساطة ودون تفكير كبير أو تردد، ينبع عقم المسرح من عقم خطابات السياسة المبتذلة. لعلّني أخطأت التقدير! سأرتجل جوابا ثانيا: ينبع عقم المسرح من عقم المتفرج. يبدو هذا الجواب معقولا جدا، بل ومقبولا بامتياز.
إن اجتثاث العشب والإنسان والأرض شيء لا تستوعبه أيُّ كتابة، لكننا سنكتب، سأتخفف من كلمات " الإلزام ويجب وينبغي" التي يعاتبني عليها الكثيرون من الصديقات والأصدقاء. حسنا لا نلزم أنفسنا بالكتابة، ولا يجب أن نكتب، ولا ينبغي أن نفعل ذلك، وعليه ماذا سنفعل؟ سنكتب وسنكتب حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
إذا كان جرم الاجتثاث للعشب وللإنسان وللأرض يحدث بشكل يومي في فلسطين، فماذا ستفعل الذاكرة؟ "ذاكرة العشب"، أو "ذاكرة الوجع" وبماذا ستحمي نفسها؟ أليس بخاصية التأكيد على وجودها؟ ولتأكيدها لتلك الخاصية، أي فعل إنساني أقوى من الحكي اليومي؟ أليس الحكي يمنحنا بعض الفرح؟ أليس الفرح معرفة؟ أليس البوح هو الحنين على حد كلام لوركا؟ ولتثبيت كل الحكي والبوح والفرح والحنين، أي فعل أقوى من الكتابة الإبداعية؟ حين أختار الكتابة المسرحية الصعبة عن فلسطين أدرك أنني أختار الخطأ! ليس الخطأ كخطأ، بل الاختيار. لا أحاسب كتابتي عن الخطأ، بل عن اختيارها المكوث في ذاكرة ثقيلة كالموت المفاجئ الثقيل على القلب والروح والجسد. كم تبدو الذاكرة ثقيلة بعدد الشهداء الذين يتساقطون وعدد الشهداء الذين لم يرتقوا بعد!
كانت ذاكرة الأحياء وهي تحكي وتبوح بقصصها عن النكبة والهزيمة مريرة جدا. كان عدد الرجال أكثر عن النساء في ذلك اللقاء الحيوي والجميل الذي بثته قناة "الجزيرة مباشر" من فلسطين بمناسبة ستين عاما على ذكرى الخروج والاحتلال وحق العودة. لكن العبرة ليس بعدد الرجال، وإنما بالمعنى الذي أخذ يتجسد في ذاكرتي وتلك المرأة العجوز تروي قصة فلسطين وتؤكد على حق العودة للبيت وللأرض وللشجر، لابسة في عنقها ميدالية كبيرة عبارة عن مفتاح باب دارها القديم. وكانت فيما ترويه تؤكد على أن قوة بقائها_تقصد ذاكرتها_ حية وحيوية، يعتمد على مقدار إيمانها بقوة الحياة والعودة والحب، وليس بقوة الخطابات السياسية الفجة والمبتذلة.
لقد أخذ يتضح أن اللحظة التي كان يلقي فيها الرئيس الأميركي خطابه ـ الاستعمارـ صهيوني ـ أمام كل العالم، كان هناك على الضفة الأخرى أناس يؤكدون أنهم موجودون، وأنهم سينجبون المقاتلين مدى الحياة. في مقابل هذين البعدين المتناقضين للصورة حتى التناحر، ستبدو مهمة المسرح أكثر عقما إن هي ظلت تراوح مكانها في تدبيج الخطابات المؤدلجة الفجة. وسيكون الرهان على شكل النص المسرحي القادم، ليس نصيا بالضرورة، إيقاظ الذاكرة، وتمجيد الكتابة بما يضمن حرية الاعتذار عن خطأ اختيار كتابة أخرى، مضى عليها كل تلك الأعوام من الموت ومن الحياة ومن الغناء!

آمنة الربيع

 

أعلى



ملامح من وجه لطيفة

(هذه مقاطع مختارة من نص شعري طويل بالعنوان نفسه)

(1)

جبهةٌ أعلى من فَرَاشَةٍ
جناحٌ فوق غيمة
لُغَةٌ نحو المغناطيس
وأخرى في اثر الهيولى.

(2)

قُبَّعَتُها الريح
إذ تبكي
وإن ابتسمتْ
...............
...............
وإذا راحت الريح.

(3)

هذي السماء القريبة
منْضَدَةٌ لَيِّنَةٌ
لِتَيْنَكَ اليدين الصغيرتين
البعيدتين.

(4)

في وَصْفِ جفنٍ لا يُوصَف
...............
...............
"والرَّدَى نائمُ" (*).

(5)

كََفٌّ مضمومةٌ

على الضحكة الأخيرة.

(6)

أتنظرين إلى هناك؟
إلى هناك؟
هُـ..
لأنني هنا؟.

(7)

أناملٌ زَغْبَى
على عُزْلَةِ الشَّاهدة.

(8)

ضالَّةٌ..
نَجْمَةٌ ضالَّةٌ
في كُلِّ عَيْنٍ
...............
...............
و"آلاف النجوم في الليل
لا تَمْنَحُ نوراً لسريرٍ واحد" (**)
...............
...............
"لكن في آخر كل ليلة
هناك دوماً سَرِيرٌ
يَطيرُ إلى [...]" (***)
كما ارتفع سرير تاركوفسكي
إلى السماء (****).

(9)

خُصَيْلاتٌ من ماء
في آخر الأرض.

(10)

سحابة
سقطت
على
خدِّها
في
الغبار.

(11)

كذكرى موجة
فَمٌ صغيرٌ
مفتوح على آخر القول
وأول البحر.

(12)

تكتبها الوردة
يقرؤها البياض
...............
...............
وتُمطر.

(13)

صُورتها أمامي
وهي تُصَوُّرُني
...............
...............
"مَحْوٌ في مَحْوٍ"، قال اللوح المحفوظ.

(14)

يومذاكَ
لَدِنَت الجبال
غابت الغابات
ارتجفت القبور
واخضرَّت العظام
...............
...............
يومذا...

(15)

كم شهيداً
مرُّوا بوجهٍ لم يروه؟.

(16)

الغيبُ وَجْهُكِ.

(17)

لأن الموج
دموع الزَّبد.

(18)

ابتسامةٌ من لُعَابِ الخَشَب.

(19)

أنتِ البدء
في اليوم الثامن.

(20)

اسمكِ
يكفيني من الشِّعر.

(21)

حيث البحر
مِنْقَارُ الغروب.

(22)

إذ الكَفَنُ
حليبُ القُطْن
...............
...............
ولا يكفي.

(23)

أَثَمَّة ما يَهْجَعُ
في "الهَسْهَسَة"؟ (*****).

(24)

كان الحفَّار يعلم
ان قبرك
لا يتَّسع لضحتك
ودمعته.

(25)

رأوا في ما رأوا
موتاً
طاعناً
في
البذرة.

(26)

لو ماتت مرة أخرى
أكانَ الضياء؟
...............
...............
لو كان الضياء.

* أديب عماني
لوحة لوحة من أعمال التشكيلي عبد المجيد شمبيه
(*): المتنبي.
(**): هنري ميشو.
(***): فلاديمير نابوكوف، من قصيدة شبه مجهولة كتبها في بدايات مرحلة المنفى الأمريكي.
(****): الإشارة هنا إلى لحظتين في فيلميه "المرآة" و"القربان" حيث أنجز الثاني في المنفى السُّويدي قبيل وفاته.
(*****): "الشِّعر هَسْهَسَةٌ تَخْرُجُ من تابوت" (سماء عيسى).

عبدالله حبيب*


أعلى




فيينا ..
مدينة تسكن القصر وتجاور الزهر (4-4)

تجوال: خلفان الزيدي

* القصور تتحول إلى محلات تجارية ومطاعم وجبات سريعة
* حتى لو كان التاريخ مؤلما.. يشمخ تمثاله ليحكي ذاكرته للمارة
* دالي وبيكاسو وجوخ ورامبرانت وأنجلو يلتقون في البرتينا


هي ذي فيينا ايها المسافر..
تصحو وتنام على الموسيقى..
تتوسد اغنية، وتمضي في حلم وردي..
تشبك ضفائرها كغيداء..
وتظل تبتسم دوما..
وتغني أغنيتها المفضلة..
دي ليلة الأنس في فيينا.. نسيمها من هوا الجنّة
نغم في الجوّ له رنّة.. سمع لها الطير بكى وغنّى.

أطللت من شرفة الغرفة، على الشارع الممتد قبالة الفندق، والذي بانت بعض معالمه، وبدأت الحركة تدب في شرايينه، ذات صباح باكر.
ان السماء قد أنهت للتو فيضها، وسكبت ماءها على صورة المدينة، واختلط القطر بالندى، فانسابت على ورقة الشجر دمعة فرح رقراقة، بشرت بإطلالة يوم جديد، ومساحة فرح يرسمها العشاق، وتحتضنها القلوب.
للمطر هنا لون الفرح..
وللفرح رائحة الورد والياسمين..
كنت أطل على كل ذلك، وأراقب معالم المدينة البعيدة عن ناظري، تلك التي لاحت قبابها، ومبانيها، وانظر للزهر يرقص، على إيقاعات موسيقية، تلتف حول القصور المحيطة، والمباني العتيقة، والشوارع الممتدة..
كان كل شيء يكمل الصورة الجمالية، ويضفي رونقه، وبدائعه..
شمالا أو جنوبا..
شرقا أو غربا..
كل جهة تكشف نفائس المدينة، وتفخر بمعالم تميزها عن الجهة الأخرى..
في مكاني ذلك..
المطل على شارع الرنج، لا يمكن القول: إن هذه الجهة أزخر من هذه، أو إن الطريق الشرقي، أكثر رونقا وزهوا بمعالمه من الطريق الغربي، عليك أن تسير في كل الاتجاهات، وتسلك جميع المسارات، وترتاد الأوبرا والمتاحف والقصور التاريخية والحدائق وتجوب الميادين والساحات، وعليك أن تجلس مع الناس في المقاهي والاستراحات، وأن تمشي في الشوارع، وتمخر عباب نهر الدانوب، وتركب اليخوت والقوارب الساكنة ضفافه.
ولكي تعرف فيينا عليك أن تستمع لموزارت وبيتهوفن وهايدن، وأن تجرب رقصة الفالس، ولا بأس أن ترتدي تراختن سوخ (اللباس النمساوي التقليدي).. كل ذلك ولن تكتشف فيينا، ولن تصل إلى قناعة بقيم المدينة ومعانيها، ولن تستطيع أن تلم بكل الأنس في عاصمة الأنس..
ومرة أخرى، يرن في أذني، لحن تألفت معه.. إني اعرفه.. اسمعه.. متّع شبابك في فيينا.. دي فيينا روضة من الجنّة.. نغم في الجوّ له رنّة.. سمع لها الطير بكى وغنّى..
وأغني أنا.. أردد اللحن، اعزف سمفونية لبيتهوفن أو مقطوعة لموزارت.. وأمضي في شوارع فيينا ألتحف بقطرات الندى المتساقطة من أوراق الشجر، أمرق للشارع الخلفي، وأمضي في طريق لا أعرف إلى اين يقودني، غير لعبة الاستكشاف التي امارسها، وحيدا.. وغريبا.. في مدينة، يحتار المرء من أين يبدأ فيها التجول.
على ناصية الشارع، لاح لي مبنى فخم، أظنه قصرا من قصور الأسر الارستقراطية التي توزعت في فيينا ذات سنوات ماضية، البناء فخم بنقوشه، وتصاميمه، والنوافذ تشرع على التماثيل والمجسمات، بوابة القصر الفخمة تبرز هي الأخرى بنقوشها وتصاميمها البديعة، الدور العلوي أصغر من الأدوار الأخرى.. كانت هذه التقسيمات تفصل بين أدوار غرف النبلاء والأباطرة وغرف الخدم والفلاحين ومن على شاكلتهم، ممن يقومون بخدمة القصر وقاطنيه..
فيينا.. عاصمة البلاط والارستقراطية، تحاول أن تعيد وتساير المكانة التي بلغتها.. القصور فيها تنتشر في كل مكان، لكن حسرة الناس هنا.. تحول هذه القصور والمباني التاريخية إلى مطاعم عالمية ومتاجر للملابس والكماليات ذات الماركات العالمية..
كان مطعم للوجبات السريعة يلوح لي من بوابة قصر مشيد، ويشير إلى الصورة الجديدة للمكان.. صورة ما عاد للقصر فيها مكان، غير تصميم هندسي، يجذب أكبر عدد من الزبائن، ويعزز شعبية هذا المطعم بين مطاعم الوجبات السريعة المنتشرة هنا.
في ساحة فسيحة، تطل على تفرعات عدة للشارع الرئيسي.. كانت نقطة التقاء الشوارع تمثل ميدانا عاما، تطل عليه المقاهي والمطاعم، وبعض الفنادق والمباني الخاصة، التي استفادت من الفضاء الواسع المحيط بها..
كانت المركبات تسير جنبا إلى جنب مع قطارات نقل الركاب، والحافلات العامة وعربات الخيول، وخصصت مسارات جانبية للمشاة والدراجات الهوائية، كل ذلك يسير وفق نظام دقيق وصارم، فلا يمكن لك ـ مثلا ـ أن تقطع الطريق من أي مكان شئت، حتى لو كانت حركة المرور متوقفة، فإشارات المرور وحدها تحدد ذلك عبر مسارات مخصصة، لا يمكن تجاوزها..
ولأن فيينا مدينة فريدة في كل شيء.. فإن لها ميزة أخرى، تخدم السياح والزوار وقاطني المدينة، ذلك أنه بإمكان الذين يرغبون التجول في طرقات العاصمة ومعالمها بالدراجات الهوائية، أخذ واحدة من تلك التي توفرها بلدية العاصمة، بمبلغ تأمين رمزي، يمكن دفعه نقدا أو بالبطاقة البنكية، هذه الدراجات متوزعة في نقاط متعددة، موضوعة تحت تصرف المارة، ويمكن إعادتها إلى مكانها أو أي نقطة توقف أخرى لها.. واسترجاع مبلغ التأمين مباشرة.
فيما سبق كانت هذه الخدمة مجانية، وليس على المرء دفع أي مبلغ، مقابل استخدامه للدراجات الهوائية، غير إن اختفاء العديد منها، دفع بسلطات المدينة الى هذا الإجراء..
كنت في طريقي مدفوعا نحو بقعة تتوزع حولها معالم شهيرة، تعلو في نهايتها مسلة عالية، يقف في سطحها تمثال لجندي يشمخ بكبرياء، وكأنه يتأهب لمعركة، أو أنجز مهمة حرب للتو، كان الجندي يحمل سارية علم، ودرعا وينظر للبعيد، نحو المدينة التي بانت تفاصيلها من موضعه، واتضح جل معالمها..
قرب هذا الجندي تقع نافورة مياه، تمتد لعنان موضعه، وتقترب من علوه الشامخ، وهنا وهناك، تتوزع الأزهار والورود، والأشجار الخضراء ذات التكوينات المتناسقة، كل شيء يعطي للمكان معانيه، ودلالته، ويشي بما يحمله من إرث وتاريخ، يتذكره النمساويون، وهم يعبرون كل يوم قرب هذا النصب.
هنا يرقد جندي سوفيتي، يشهد على حقبة دموية، وحرب عالمية أكلت أخضر فيينا ويابسها، كما أكلت المدن والبشر..
ينتصب الجندي عاليا، بعدما تركه رفاقه، وبقي ذاكرة تخلد للحرب العالمية الثانية، هذه التي أوقعت النمسا تحت احتلال الحلفاء.. رهينة مطالبهم وشروطهم لوقف الحرب، وإنهاء الاحتلال..
ينتصب الجندي السوفيتي، في مكانه، بعدما حاز شرف البقاء في مكانه، حتى لو اندحر الغزاة، وخرج الطامعون، وتغيرت الحكومات، وتبدلت الأنظمة، والماء المتدفق من النافورة يتطاير قطرات في وجوه القادمين إلى المكان، وكأنه يغسلهم قبل الوقوف صمتا أمامه، أو وضع إكليل زهور، أو حتى قراءة ذاكرة الحرب البغيضة..
لن ينسى النمساويون، أن هذا الجندي الذي بقي وحيدا هنا، كان ذات يوم غازيا، وكان محتلا، لكنه كان في آراء أخرى فاتحا، ومساهما في تبدل البلاد، وانتقالها من حقبة إلى أخرى..
كان من ضمن الاتفاق الذي أنهى الحرب والاحتلال، أن يبقى هذا الشاهد في موضعه لنصف قرن من الزمن.. وبعدئذ يؤول حق التصرف فيه للحكومة النمساوية.. لكن الأخيرة وبعدما آل إليها المكان، وعاد إليها نصب الجندي المجهول، لم تشأ أن تمحو هذه الحقبة من تاريخها، أو تنسف ذاكرة من صفحاتها، حتى لو كانت قاسية على البعض، فتم طلاء سارية العلم وخوذة الجندي ودرعه بالذهب الخالص، وأقيمت نافورة الماء قبالته، وزرعت الورود والزهور حوله..
كان المكان متوشحا بالهيبة والجلال.. وكنت في حضرته صامتا، أسترجع عذابات الذين قضوا نحبهم في حروب ضروس، وفي انتقامات ثأر.. وكيف أن الحرب لا تولد إلا الدمار، وأن الأمن لا يولد إلا البناء والتعمير..
لم يكن أحد هنا يلتفت للماضي، رغم أن آثاره تحيط به من كل صوب..
ولا أحد يريد أن يتذكر ذلك الزمان.. برغم أن فتيل الحرب الأولى بدأ من هنا.. إذ تظل الأحداث تلك نسيا منسيا، إلا من ذاكرة على الأرض، وسطور على صفحات التاريخ، الكل يبني ويعمر، ويزرع، ويرتاد المقاهي، ويقرأ الروايات والأشعار.. ويستمع لموزارت.
كان اللحن يتبعني ثانية، وأنا أفتش عن صورة الموسيقى والعازف والفنان والروائي والأوبرالي.. كلهم يتوزعون في مواقع مختلفة، ويعيدون للأجيال التالية، ذاكرتهم وتراثهم الخالد.
هنا الأدب يبزغ والفنون تشرق..
ولا تكاد تمر على موضع قدم، دون أن يستوقفك فن أو إبداع أو تحفة معمارية وفنية.. للفنون هنا متاحف ومسارح وساحات، وللآداب مساحات مثلها..
ألتفت جهة اليمين من النصب التذكاري، أقفل راجعا لذات الطريق، أرقب الإشارة الحمراء.. المركبات الصغيرة تعبر.. إشارة حمراء أخرى.. الحافلات تسير.. إشارة حمراء.. القطارات تمضي.. إشارة حمراء للمركبات، ولي تومض الخضراء، أمضي أقطع الشارع من هذا الاتجاه.. أنتظر تبدل الإشارات ثانية.. أقطع.. أقف.. وأصل إلى الناحية الأخرى، وأمضي في طريق طويل تقودني الخطوات.. إلى حيث تريد.
بعيدا عن المكان الذي انطلقت منه، أجدني قرب قصر مهيب يؤمه الناس من كل بقاع العالم.. وصور بعض من أعرفهم باسمائهم.. وتراثهم.. وابداعهم.. يقفون شاهدين على المكان.. يا إلهي إنهم جميعا هنا في هذا القصر، وأنا وحيدا، أنظر غير بعيد لصور من أعمالهم وابداعاتهم..
كيف لي أن التقي بكل هؤلاء.. وأشكل حوارا بصريا معهم..
كيف لي أن اصافح أعمالهم، واقول لنفسي إني اعرفهم.. أو إني اتعرف الآن عليهم..
هم الذين يسكنون القصر.. هكذا يقول اسمه البرتينا (Albertina).. حيث سلفادور دالي وبيكاسو وفان جوخ ورامبرانت ومايكل أنجلو وفرنسيس بيكون.. كلهم ومعهم الكثير من أقرانهم في هذا المكان، حقيقة لا خيال فيه..
لكنني وحيد، والتجول هنا، بحاجة الى تحاور وتخاطب..
اترك البرتينا، وأعود بخطواتي من حيث أتيت، كانوا ينادونني.. اسمعهم من خلفي، إنه اسمي، هذا الذي يتصاعد بلغة عربية لا كسر فيها... اسمعهم، وانا انفض احلام اليقظة..
لا يتوقف اسمي عن التردد..
من يعرفني هنا؟!..
لم ألتقي بدالي ولا عرفني بيكاسو، ولست من مدارسهم، وما أرسمه خربشات، لا تساوي ثمن الورق..
التفت بعدما سمعت اسمي بوضوح..

- إيش فيك سارح؟.
الهوني، يالعجائب القدر، ما الذي جاء بك إلى هنا صديقي؟.
كان محمد الهوني المدير العام لمؤسسة العرب للصحافة، هو من يناديني، ويلتقي بي في هذا المكان، بعدما، خرج هو الآخر في الصباح لاكتشاف المدينة.
- لوحدك؟!.
أعاد الهوني سؤاله السابق.. بلغة استغرابية أكبر.. وبدهشة عميقة، كان يريد أن يسألني كيف قطعت هذه المسافات، وجبت هذه الأماكن وحيدا؟، وكيف وصلت إلى هنا دون دليل أو مرشد يخبرني بوجهتي؟..
لكنني قطعت تساؤلاته، بالإشارة إلى أنني ابحث عن رفيق لدخول المتحف، ومحاورة بيكاسو ورفاقه..
قطعنا تذاكر الدخول، ودخلنا معا إلى البرتينا..
من هنا نبدأ الطواف..
القصر الكلاسيكي.. فالقصر الامبراطوري، ثم الدير، هي ذي البرتينا إذا.. تشكل في مجملها أكبر دار للعرض وقصر سكني سابق، يحوي أوسع وأثمن المجموعات الجرافيكية في العالم، أسسها في عام 1776 ألبرت فون ساكسون تيشن صهر القيصرة ماريا تيريزا، وتضم أكثر من مليون مادة جرافيكية و60 ألف مخطوطة.
بنيت البرتينا بين عام 1742م وعام 1745م، وتم تطويرها وتعديلها ثانية بين عام 1801م وعام 1807م، وقد فتحت قبل بضع سنوات فقط، وهي تضم أعمالاً إبداعية للعديد من مشاهير الفن في أوروبا، يتوزعون على صالات وغرف القصر الكلاسيكي، كل صالة تعطي لمحة عن كل فن وفنان.
سلفادور دالي.. بيكاسو.. فان جوخ.. رامبرانت.. مايكل أنجلو.. فرنسيس بيكون.. وتطول القائمة، وتتوالى الأعمال، وأنا أقف مشدودا.. مندهشا.. مأخوذا، لهذه العبقريات التي صاغت.. ومزجت، فأبدعت.
كان الوقت يجري بنا، ونحن نتحاور من لوحة إلى أخرى، ونتقابل مع فنان ثم آخر..
والشارع الممتد يأخذنا بعد حين، يقذفنا لمكان آخر، نقف فيه مشدوهين، أمام معالم جديدة.. ومتاحف متنوعة.. معرض صور بلفيدير.. متحف ليوبولد.. متحف ماك للفنون التطبيقية.. متحف مكتبة النمسا الوطنية.. متحف عصر تاريخ الطبيعة.. متاحف واين.. وماذا بعد؟.
دار الاوبرا.. البرلمان.. حديقة الشعب.. متحف ومنزل موزارت.. جادة الجرابن.. مقر العمدة.. المجلس البلدي.. ساحة احتفالات الميلاد..
كل هذه الأماكن والاتجاهات.. وغيرها، تسكن في هذه البقعة من الأرض..
أي مسار تقودك إليه الخطوات؟.
أي اتجاه تسلكه، كيما تطفئ لهيب الشوق؟..
والايام القليلة تمضي.. وساعة الرحيل تأزف..
في رحلة تالية إلى غابات فيينا، مضينا جميعا في حافلة سياحية بين أشجار الغابات الكثيفة، هناك يطل العشاق على المدينة من سفح أخضر..
يتوسدون كلمات العشق..
يقذفون نبضات القلوب..
يعيدون رسم حكاية الهيام..
ثم يعودون أدراجهم للمباني العتيقة.. تلك التي صار بإمكان الواحد منهم أن يكون له كيان، ووجود، في عالم لم يعترف به من قبل.. وقسم المجتمع إلى طبقات.. عمال لا يملكون قوتهم.. وأرستقراطيون يملكون المدينة بما حوت..
كانت غابات فيينا، تطل على كل هذه المتناقضات.. وتعايش جلّ المتغيرات..
في أعالي الغابات يتعانق الجبلان التوأمان كاهلنبيرج وليوبلزبيرج.. يطلان من بعيد على كلوستريوبيرج.. المدينة الساحرة، التي لا تقل روعة وجمالا عن فيينا.
ومن شارع فيينا العالي.. تقودنا المنحدرات العليا لتصلنا بطريق سوفنالب حيث المقاهي الريفية البسيطة والمروج الخضراء المتداخلة..
كل شيء كان يروي حكايته..
لكل قصة عشق بالمكان والشخوص..
والزمن يكتب الأحداث التالية..
تتبدل الأحوال.. وتتغير الحياة..
والذاكرة في مكانها، تعيد قول الحكاية للمسافرين والعابرين.. هؤلاء الذين يمضون سراعا، تعيدهم الطريق من حيث جاءوا، وتشهدهم على بعض صفحاتها وأحداثها.. يمضون كما الدانوب يخترق المدينة ليغادرها إلى مدينة أخرى، حيث ثمة حكاية تنتظره هناك.
ويجري كما هؤلاء البشر، الذين استيقظت ذات صباح اخير، على تقاليدهم في الحفاظ على الصحة، كان الجميع يجري ويتسابق.. لا فرق بين كبير وصغير.. شاب واشيب.. رجال ونساء.. الكل يمضي نحو نهاية السباق الماراثوني..
كنت مشدوها وأنا احزم أمتعتي تأهبا للمغادرة، لحماس الناس وإقبالهم على المشاركة في يوم الجري العالمي..
وأجري أنا مثلهم..
نحو المطار.. حيث الطائرة لا تنتظر أحدا..
وحيث الزمن لا يتوقف..
أرمي نفسي في مقعد الطائرة، وأطل على المدينة..
ألقي نظرة الوداع الأخيرة..
كانت المدينة تكشف عن ابتسامة غامضة، تشبه ابتسامة المضيفات..
وأنا أرتفع بين السماء والأرض.. واسمهان تغني لي هذه المرة.. دي فيينا روضة من الجنة.. يسعد لياليكي يا فيينا.. ودون أن أكمل بقية اللحن.. تقطع مضيفة الطائرة احلامي.. وتبتسم لي كابتسامتها أول مرة.

خلفان الزيدي

أعلى





هناكَ دائماً....

قليلون أولئك الذين يقبضون على جمرة المعنى، في الركن القصيِّ المعتمِ
لا أعرف إلا جهلي، ومرضي المزمن، وشموعي التي سيأتي عليها اللهبُ الكبير


سقطت نقطة الزاء من يافطة (المخبز)، فتحوّلتْ إلى (مـخبر).. وفي الطريقِ المكتنز بالإصلاحات، هـُناك (عمال يستغلون) بدل (عمال يشتغلون)..
والآنَ، وأنا أتضوّر جوعاً، و(مطعم الربيع) ليس به نسمة ولا عصفور، و(مطعم عمر الخيام) بلا رباعيات ولا كؤوس، و(مطعم الوردة) به رائحة عطنة.

ذريعة

أتسلح بالشعر.. وأتذرع بأبي العلاء.!

مثقفون يلبسون جلد النمر

مثقفون ذوو أمزجة سليطة، ذوو طبيعة مجحفة.. حيث إميل زولا متشككاً في قدرات سيزان التصويرية. وحيث أندريه جيد في استعجالاته في حق رائعة سردية. وحيث عقـّاد يـُحيلُ القصائد إلى لجنة النثر. وحيث دالي يخطف حبيبة صديق. وحيث الشريف المرتضى يأمر بسحب الأعمى من مجلسه، وحيث شيشِرون يبني أمجاده الشخصية في الخفاء، بينما يمضغ الخطب السياسية والإصلاحية الرنانة على مدرج رومانيّ، بين العامـّة...

شعراء أفسدتهم المحافل

هناك نوع من كـُتـّاب الشـِّعر، الذين يتصيدون الموائد والمواسم، والمحافل والمنابر، كي يـُلقوا ببضاعتهم البائرة على مسامع العامـّة، وعلى آذان الجماهير التي ليس لها دُرْبـَة شعرية وحساسية جمالية. فتغصّ القاعة بالتصفيق لفكرة تافهة أو خاطرة عادية في منتهى السطحية والغباء..
هـُناك نوعٌ من كـُتـّاب الشعر، الذين يـُمارسون بجلجلتهم ورُغاء أصواتهم وصراخهم وتأوّهاتهم المسرحية، ما لا تقبله الحمير والبغال، منجرفين وراء مقولات من قبيل أنّ تسعين في المائة من "الشعر" هو إلقاؤه، وما هذا الزعيق الملتهب سوى انتزاع التفات الحاضرين، غصباً وبالقوّة الصوتية، إلى قصائدهم، حتـّى ولو لم يكن فيها حسّ شعري أو نـَفـَسٌ يتقفى الشعر وظلاله...
هناك نوعٌ من كـُتـّاب الشـِّعر الذين يـُصدِّق بأنـّه منتهى الشعر ورمـّته، وأنّ غيره لم يكتب قصيدة تبلغ قصيدته، وأنَّ حلبة السباق هي في قوله البليغ وحكمته الرصينة ومدائحياته الجبارة وهجائياته المغوارة وغزلاياته التي لم يبلغها العشاق الكبار ولم يطاولها إنسيّ أو جنيّ بعد...
قليل جداً، بل نادرون، أولئك الشعراء الذين يتمنطقون حزام التواضع، وينتعلون أحذية الشكّ والريبة والأسئلة، ويطأون على ضياع الأشياء وانفلاتاتها ونهاياتها وبداياتها الأولى، فتتجرح أكبادهم وتنفطر قلوبهم من الهول والمأزق والورطة، وتتلعثم ألسنتهم من الفرحِ الشفيف والجُرحِ السريّ والألم الجليل. قليلون أولئك الذين يقبضون على جمرة المعنى، في الركن القصيِّ المعتمِ، الجمرة الناقمة على مقصل اليقين، الجمرة المتحدّرة من لـُعاب الأبد..

مرارة في الحلق

يا إلهي، يا إله الشـِّعرِ والحـُلم، يا إله الكبرياء والقوّة، يا إله الجمال، ويا إله القبح. يا إله المكنوزين ويا إله المحرومين.. اجعل لي عصا هارون كي أتوكأ عليها ولا أضل جهتي، وناقة صالح كي أركب مبتعداً عن هذا الحشد المُسمـِّمَ الذي امتهن الشِّعْرَ، مبتعداً عن القوّالينَ والحكّائينَ الذين يسمسرون بالشعر ويـُصيرفون ويتفيهقون ويتقيؤون، الذين ارتضوا بالشعر جـُثـّة لا وردة، والذين غنــّوا خرابه لا بـُنيانه المتشظي في الولع والغيوم..
يا إله الخير ويا إله الشرّ، اجعلَ الشـِّعْرَ شـِرِّيراً على الدّوام، لكي ننزف من براعته وحـُمـّاه: أقسى الدِّماء وأصلد الميتات وأبرع الحيوات، لكي نعيش به في أيقونة مترنحة، ونموت على سريره الغريب..
يا إلهي اجعل الشـِّعْرَ صعلوكاً على الدّوام، يسيل لعابه ضحكاً على رؤوس الأمراء المزعومين، الطاعنين في اللا حياء...

كلما قتلتَ شاعراً داسك فيل

تذكر المـصادر بأنّ النعمان بن المنذر هـو من أشهر ملوك المناذرة في عصر ما قبل الإسلام. كان داهية مقداماً. وهو ممدوح النابغة الذبيانيّ وحسان بن ثابت وحاتم الطائي. وهو باني مدينة النعمانية على ضفة دجلة اليُمنى، وصاحب يوم البؤسِ والنعيم؛ وقاتلُ عبيدِ بنِ الأبرص الشاعرِ، في يومِ بؤسه؛ وقاتلُ عديّ بن زيد. وتقول المصادر أنه كان أبرش أحمر الشعر، قصيرا. مَلـَـكَ الحيرة إرثاً عن أبيه، عامَ 582م، وكانت تابعة للفرس، فأقـَرَّهُ عليها كسرى..
وتقول المصادر: استمر النعمان بن المنذر في حـكم الحِيرة، التي كانَ عربها مـُعـْفـَوْنَ مـن دفـع الإتاوة، مـُقابـل أنْ يقوموا بـحمايـتـهـم مـن كـلّ غارة مـن نواحيهـم.
وتقول المصادر أنّ نـِهاية النعمان بن المنذر، صاحـِب قصـْرَيِ الخورنقِ والسـّدير، اقتربتْ حينَ نـقـم عليه كسرى أبرويز: بعد أن طلب منه أن يزوجه ابنـتـه، فرفض النعمان، فما كان من كسرى إلا أن عزل النعمان ونفاه إلى خانقين، فسُجن فيها إلى أن مات. وقيل: ألقاه تحت أرجل الفيلة، فوطئته، فهلك...

صديق يتهدّدك

لا أعرف إلا جهلي، ومرضي المزمن، وشموعي التي سيأتي عليها اللهبُ الكبير. وتذكرتُ فجأة كأنني ألحس آيسكريماً في الربع الخالي، في الطريق المقفرة، في المدينة المهجورة. قلتَ لي: "من أنت؟" وانداح سقراط في حنجرتي أمام معبد دِلف، وكيركجرد تاركاً وصية ناقصة، ومتنبي تطايرت قصائدُ صديقه أبي تمـّام من خـُرجـِهِ أثناء رائحة الموت، وحطيئة محمولاً على أتانٍ في نزعه الأخير...
والآنَ، أعاني من الدّوار، لكنني ألتقط محارة قديمة تدلني على بهلولك الظريف، وتخبرني عن التنين السمين الذي عضّ لسانك البارحة. "من أنت؟" و"من أنا؟" و"من نكون؟" و"من تكون؟" وماذا؟ وكيف؟ ولم؟ ...
أليس الأفضل الاتصال بهيجل حتى يؤازرك؟ ونيتشه كي يسند عظام خيمتك؟ بل، أليس الأفضل تماماً أن تتوسل للرب وحده كي يهبنا من مائدته العظيمة أعياداً لأولنا وآخرنا؟، ونفهم مصائرنا ومصائدنا، ونتعرف على ماهياتنا وكيفياتنا..
لم لا تحتضن الزلزال؟ لم لا تمضي إلى بيتك، تحت ظلال القمر، متأبطاً ظلك الوديع؟ لم لا تبتسم في مجد الليل؟.

حاسة متضخمة أكثر مما ينبغي

"كلي آذانٌ مصغية"، وإذن ما تبقى منك يا أخي؟...

صالح العامري*
* أديب عماني

أعلى






الهوية والوعي التاريخي في المناهج الدراسية العمانية ( 2 ـ 2 )
المناهج لا تفي بمتطلبات التحديات العصرية لمواجهة العولمة، والحداثة، ويشعر النشء أن مفاهيمه يحيطها الغموض والارتباك

ماذا يدرس التلميذ في مناهج وزارة التربية والتعليم من مادة تاريخية؟
إن دراسة المادة التاريخية والتربية الوطنية التي يتعلمها التلميذ لا تزيد على أربع وحدات دراسية التي يمكن أن تنمي معارفه ومفاهيم وطنيته التي وضعها مخططو المناهج التي يرتجى منهم حماية الثقافة ولمواجهة تحديات العولمة، وهو ينقص كثيراً عما جاء في أهداف منهاج الدراسات الاجتماعية، ونوجز المادة التاريخية بالآتي:
تناول الصف الرابع (1) الخلفاء الراشدين، (2) شخصيات عربية وإسلامية، (3) مفهوم التنمية في بلادي (الزراعة والتجارة، والصناعة، والإنتاج، والاستهلاك.
ركز الصف الخامس على (1) تاريخ العرب والمسلمين حتى نهاية عهد الخلفاء الراشدين، (2) تاريخ قيام الدولتين الأموية والعباسية ومنجزاتهما (3) مفاهيم اجتماعية (العمل الاجتماعي ودور الأسرة والمؤسسات، ومظاهر العمل الاجتماعي).
ركز الصف السادس على دراسة (1) نماذج من الدول الإسلامية المستقلة عن الدولة العباسية مثل: الدولة الأموية في الأندلس، والإمامة في عمان، والدولة الرستمية في المغرب الأوسط، والدولة الفاطمية في مصر، (2) تناول الغزو الخارجي لديار الإسلام كالحملات الصليبية ودور الأيوبيين والمماليك في محاربته، والغزو المغولي ودور المماليك في محاربته، والغزو البرتغالي ودور العمانيين في مواجهته، (3) مفاهيم وطنية واجتماعية كالحقوق، والواجبات، والصدق والأمانة، واحترام العمل والوقت والمواعيد.
وعالج الصف السابع (1) الحضارات القديمة في عمان وشبه الجزيرة العربية، (2) حضارة مصر والهلال الخصيب، (3) مؤسسات الدولة والنظام الأساسي للسلطنة.
وتناول الصف الثامن (1) دولة آلبوسعيد، (2) وقيام النهضة الأوروبية والكشوف الجغرافية والثورة الصناعية (3) دراسة الحواضر العمانية.
احتوى الصف التاسع على (1) الوجود العماني في شرقي إفريقيا، (2) عمان في محيطها الإسلامي والعالمي، (3) التواصل الحضاري البحري العماني، (4) تاريخ آسيا الحديث والمعاصر.
وركز الصف العاشر على (1) امتداد الإسلام وبناء حضارته، (2) تاريخ عمان خلال القرون الثلاثة الأولى من الهجرة، (3) القوى والتكتلات الاقتصادية.
خصص كتاب "هذا وطني" للصف الحادي عشر في العام الدراسي 2005/2006 ركز فيه على: (1) فجر الحضارة في عمان، (2) الأصالة والمعاصرة الاجتماعية، (3) الهوية الثقافية، (4) الدولة العصرية. ركز هذا الكتاب على مرتكزات المجتمع العماني في وحدة الأصالة والمعاصرة، وشخصت هذه المرتكزات في تسعة بنود منها الدين واللغة والمحافظة على التراث والوحدة الوطنية والعادات والأسرة والمساواة بين أفراد المجتمع والتعليم والعمل والصحة واحترام القانون. كما اهتمت الوحدة بالهوية الثقافية، حيث ركزت على الثقافة العمانية عبر العصور وإسهام عمان في مجالات العلوم والفنون والدور العماني في نشر الثقافة الإسلامية. والهدف من ذلك التعرف على تلك المكونات الثقافة العمانية، وأن يقدر الطالب المساهمات العمانية وأن يحافظ على مفردات، ويقدر ويثمن الدور الحكومي في دعم الشباب. وخصص كتاب "هذا وطني في العراقة والمجد" للصف الثاني عشر في العام الدراسي 2006/2007م، حيث ركز على (1) الإنجاز الحضاري لعمان وتواصلها الثقافي، (2) الشباب العماني بين المواطنة والعولمة، (3) صناعة السياحة العمانية، (4) العمل والإنتاج بين الواجب الوطني والمستجدات. إنّ هذه المفردات وما تحمله من مضامين لها بعد حضاري جيد، ولكن المادة التي توضح هذه المفردات قليلة، ولا تحقق الأهداف التي تحملها هذه المضامين.
إن وحدات هذه المناهج الدراسية قليلة، وغير مترابطة في كثير من أجزائها، ولا تنسجم مع التسلسل التاريخي للموضوعات، والمادة التاريخية غير كافية، ويغلب عليها الأنشطة الذهنية المتوقع من الطالب أن يصل إليها بتفكيره ونشاطه الصفي أو اللاصفي. وعلى الرغم من أن الوحدات الدراسية سبقت بأهداف عامة، ومفاهيم متعددة، وصور ملونة لها دلالاتها، وخرائط وجداول ووثائق متنوعة مع قائمة للمراجع في الصفوف العليا. فإن المادة التاريخية التي تغذي ثقافة المواطنة محدودة، وتقتصر على المفاهيم والشروح البسيطة، مكتفية بما يستخلصه الطالب من الأنشطة المتعددة.
إن الارتباك الذي ساد بين واضعي المناهج الدراسية يعود إلى الدعوة إلى "إصلاح التعليم" بعد الأحداث المفجعة في 11 سبتمبر 2001م، باعتباره من بين أهم آليات التكوين الثقافي للنشء. وبناء على ذلك أدخلت بعض المفاهيم العالمية مثل تعزيز القيم ذات العلاقة بالسلام والتفاهم بين الثقافات المختلفة، وحقوق الإنسان، وحقوق الطفل، والتفاهم الدولي، وذلك وفق ما تزوده اليونسكو من برامج واستراتيجيات لتعزيز قيم التسامح والسلام ونبذ العنف. وبذلك تم تقليص المادة التاريخية من "كتاب" بذاته إلى "وحدة دراسية"، وشمل ذلك تخفيض الحصص الدراسية من أربع حصص في الأسبوع إلى ثلاث، وتنقية المادة الوطنية المقدمة، والتركيز على التعليم الذاتي للطالب وتهميش دور المعلم إلى موجه ومرشد في العملية التعليمية، وأصبحت المادة التاريخية صعبة الفهم والاستبيان لكثرة مفاهيمها وقلة تنسيقها، وبالتالي فقد غاب عنها عنصر التشويق والوعي بما يحيط بها من إنجازات فأصبحت مادة جافة، كما شمل أيضا التدرج في تعليم بعض المواد العلمية باللغة الإنجليزية، وحصر التدريس باللغة العربية في العلوم الإنسانية، مما يعني تراجع اللغة العربية عن صدارتها، وحصرها في مجالات ضيقة. إن التنازل عن اللغة العربية يعني التنازل عن الهوية والانتماء، والتلاقح بين الثقافات لا يعني التخلي عن اللغة العربية والتراث العربي والإسلامي المرتبط بالواقع الاجتماعي والثقافي.
وبناء على ذلك فإنّ هذه المناهج لا تفي بمتطلبات التحديات العصرية لمواجهة العولمة، والحداثة، ويشعر النشء أن مفاهيمه يحيطها الغموض، والارتباك، ولا تنسجم مع واقعه الحالي، فيلجأ البعض إلى الموروث الحضاري لإشباع معارفه، وتنمية فكره، بينما البعض ينساق تحت المعارف العصرية، وحداثة مستوردة، وثقافة مزدوجة، خصوصا الذين يدرسون في الدول الغربية (النخبوية)، ويتباهون بمعارفهم الجديدة التي تشكل لهم الانبهار بالحضارة العصرية لهذه الدول، ويزيل عنهم مآسي التخلف الفكري والهروب إلى الماضي.
لقد رأت وزارة التربية والتعليم أن تدرس موضوع المواطنة وما يواجهها من تحديات فعقدت حلقتي عمل لهذه الغاية، وانتهى الرأي بأن تضمنه في مناهجها ولهذا خصصت الوحدة الثالثة من كتاب الصف الثاني عشر عنوانا الوحدة "الشباب العماني بين المواطنة والعولمة"، وجاء في ص: 108 عنوان يحمل رمز: (د) "المواطنة والعولمة" عرف فيها دور الشباب في تفعيل قيم وخصوصية أوطانهم في سطرين، وركزت على ستة أهداف من الواجب أن يحافظ عليها الشباب في مواجهة تحديات العولمة، ثم طُرح نشاط رقم (5) وهو عبارة عن جدول يوضع فيه للطالب إيجابيات وسلبيات العولمة وأتبعه بأنشطة أخرى. لكن الطالب يجد في هذه الأنشطة صعوبة في الإجابة عليها؛ لأن إيجابيات العولمة وسلبياتها لم تتضح لديه، ولم يعط واضعو المناهج أية أمثلة على هذه السلبيات حتى يتمكن الطالب من قياس معلوماته بالمقارنة بها. وقد اعترفوا بأن تلك الظواهر (الحداثة، العولمة، المعلوماتية) العالمية انعكست آثارها على الشباب في نواحٍ عِدّة:
تزايد معدلات الوعي السياسي والثقافي، وتمتع الشباب بمساحات واسعة من الحرية، وتزايد دور المنظمات غير الحكومات في المجتمع، وإلمام الشباب بقيم عالمية كحماية حقوق الإنسان والملكية الفكرية وغيرها.
وهذه الآثار ليست بالغريبة حيث يقرها الموروث الفكري العماني، لكن تفعيلها كان على مستوى أعلى من مستوى هؤلاء الشباب، ولم تتضح لهم حقوقهم وواجباتهم إلاّ عند ظهور العولمة التي أثرت على الساحة الوطنية، وفرضت على الشباب سرعة التفاعل معها بصورة واعية. ووقفت الشعوب حائرة عاجزة عن مواجهة هذا التدفق من المعلومات، ولهذا سعت إلى ذخائر موروثهم، والمناداة بالتمسك به، مع الاستفادة من إيجابيات الحداثة والعولمة بما يخدم الشباب والوطن ويحافظ على خصوصيته. إن تحديات الحداثة والعولمة وأشكالهما قد برزتا في أنماط السلوك البشري وقيمه ووعيه والمنظومة الاجتماعية، ولو قارنا ما فعلته الحداثة - وهي من لبنات العولمة - بما فعلته الشعوبية في القرون الإسلامية الأولى، فإن الأمر يكون جلياً، حيث سعت الشعوبية إلى أن تفصل الإسلام عن العروبة، وتهدف العولمة إلى فصل الأمة عن تراثها الفكري والحضاري. لقد رفض أسلافنا الشعوبية في الزمن الماضي، فهل نقبل العولمة بسلبياتها في العصر الحديث ؟ أم ننتقي منها ما يفيدنا ويصلح لدنيانا وآخرتنا؟!!
ولا يظن أن العولمة لها قابلية ثقافة الآخر، إنما في الحقيقة هي محاولتها ابتلاعه، وقلعه من جذوره، وذوبانه في ظل البون الكبير في امتلاك تقنيات الاتصال ووفرة المعلومات من دون رقيب. إن تطوير الفكر الأخلاقي في النشء، وشحذ ذهنه بالأخلاق الفاضلة، ونقل المعرفة المنتظمة إليه، ودعمه بمد جسور حوار الحضارات نحو الآخر يقلل من مخاطر العولمة، ويجعله قادراً على التمسك بهويته القومية وموروثه الحضاري. فمواجهة التيارات الفكرية والاقتصادية القادمة من العالم الغربي، لا يقاوم بالقوة والرفض، إنما يواجه بالعلم والتمسك بالثوابت واستيعاب ما لا يتعارض معها.

مرتأيات في الإشكالية

بعد أن ناقشت هذه الدراسة قضية الهوية والوعي التاريخي في المناهج العمانية، يمكن أن تلخص أهم النتائج مصحوبة بالتوصيات الآتية: أوضحت هذه الدراسة أن المشرع العماني اهتم بتربية النشء والحفاظ على هويته، استجابة لتوجيهات جلالة السلطان في العمل على رفع مستوى المواطنة وغرسها في نفوس الأجيال، وتضمينها الفلسفة التربوية. لاحظت هذه الدراسة أن المناهج العمانية ركزت على الكيف والنوع بدلا من الكم، حيث انصب الاهتمام على: "ماذا سيتعلم الطالب وكيف سيتعلم؟؟. وذلك لأجل اكتسابه على كفايات الحياة مراعاة للتنمية المستدامة، والبعد عن حشو الأذهان بمعلومات فائدتها قليلة، ولكن ذلك انعكس على مناهج التربية الوطنية وموضوع المواطنة، حيث تقلصت في المناهج الدراسية الحالية. بدأ اهتمام وزارة التربية والتعليم بموضوع المواطنة سنة 2004م، حيث كان مفهوم المواطنة طاغياً في مواجهة تحديات العولمة والحداثة وثورة المعلومات العالمية، فعقدت الوزارة حلقتي عمل تدريبيتين عامي 2004م و 2006م وذلك لتحليل المناهج الدراسية لتضمينها مفاهيم المواطنة، والتي ضمنت في كتاب "هذا وطني". أوضحت هذه الدراسة أن مفردات المواطنية في المناهج العمانية قليلة، وغير واضحة في بعض معالمها، ويرى الباحث ضرورة إعادة النظر في إبراز هذه المفردات، وتمكين النشء من فهمها فهما واضحاً، وتحسين مستوى الكفاءات العلمية لدى المعلمين والمشرفين التربويين، مع تقوية العلاقات بين المدرسة والبيت. تقر هذه الدراسة بأن للمناهج الدراسية دورا واضحا في إقامة جسر بين النشء وواقعه، وأن هذه المناهج تكون أداة تشويق لا تفريق، بحيث لا يكون ما يتعلمه وواقعه شيئاً مختلفاً بحيث يركز على فهم ذاته من خلال تراثه وثوابته، ومن ثم فَهْم الآخر باعتماد مبدأ التسامح والتعايش والفضيلة، واحترام كرامة الإنسان وفكره ومعتقده. إن تجليات العولمة وأثرها الإيجابي والسلبي، قد تنامى في المناهج العمانية، بعد 2004م، وأن الوعي التاريخي بدأ يختزل رويداً؛ مما يفقد الهوية الوطنية إلاّ فيما ندر من فئة الشباب الذين تجاوزوا سن الدراسة، وليس هذا فقط بل سعت مؤسسات الدولة أن تسمي شوارعها ومدارسها بالصفات بدلا من الأعلام البارزة، مثل شارع البركات، وشارع الخيرات، أو مدرسة الفكر، ومدرسة الحضارة للتعليم، ومدرسة روضة الفكر، ومدرسة شمس المعارف للتعليم، وفيض المعرفة وتحاشوا أن يسموا الشوارع والمدارس بأسماء شخصيات بارزة ، أو أسماء المدن والقرى.
توصي هذه الدراسة بتكثيف عناصر الثقافة في المناهج العمانية والتي تعزز الهوية الوطنية، ليس في المعلومات التاريخية والوطنية، فحسب بل في المقررات الأخرى باعتبارها وحدة واحدة تخدم سلوك النشء علميا وأخلاقياً ووطنياً. وتوصي الدراسة باعتبار تنمية الهوية الوطنية (المواطنة) حقاً من حقوق المواطن وواجباً من واجبات وزارة التربية والتعليم، حيث برز مفهومها على المستويين الداخلي والخارجي. ومتأثرة بالتحديات الإعلامية والثقافية والتربوية والعلمية، وعليه فلا بد أن تخصص لها مساحة معقولة في المناهج بجانب قضايا العصر من حداثة وعولمة وثورة معلومات واتصالات. كما توصي الدراسة بضرورة ترسيخ الوعي التاريخي السليم في المناهج العمانية، باعتبار التاريخ عنصراً من عناصر ثقافة المجتمع الذي لابد من تزويده بحقائق تاريخية تتضمن البعد الوطني والعربي والإسلامي لمواجهة التحديات التي تشكل خطراً حقيقياً على الهوية الوطنية. وتوصي الدراسة بهدم الحواجز النفسية والمادية بين المجتمعات، وتحديد الهوية التي تميز المواطنة بغيرهم، والاعتراف بالتعدد المنهجي والأيديولوجي والعقائدي بين الشعوب. وتوصي الدراسة أخيراً بالمحافظة على الهوية الوطنية والعربية والإسلامية، ولا يعني ذلك التقهقر عن الواقع، إنما الانفتاح والتواصل مع الغير، باعتباره أمرا حتمياً وشيئاً ضرورياً، ولكن دون تفريط في الثوابت الشرعية والوطنية؛ فثمّة فرقٌ بين الانفتاح المطلق وتقبل كل شيء دعت إليه الحداثة وبين الهوية والخصوصية. فالتجديد سمة بارزة في حياة المجتمعات، شريطة أن يتم ذلك تدريجياً لا بالطفرة اللا شعورية.

نظرا للجهد الكبير الذي بذله الباحث في الموضوع فقد تضمنت المادة قائمة كبيرة بالمراجع. نكتفي هنا بنشر نص البحث ونحيل القارئ الكريم للاطلاع على المراجع على الموقع الإلكتروني للجريدة

د. سعيد بن محمد الهاشمي*
* أكاديمي عماني


أعلى




تراثــيــات

من المكتبة العمانية:
"الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عُمان" لابن رزيق

كتاب الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان لمؤلفه حميد بن محمد بن بخيت بن رزيق كتاب فريد بين كتب التواريخ وهو عبارة عن قصيدة شعرية نظمها ابن رزيق في مائة وثمانية وأربعين بيتا من الشعر وضمنها أسماء أئمة عمان من قبل الإمام أحمد بن سعيد وعددهم خمسة وعشرون إماما أولهم الإمام الجلندى بن مسعود وآخرهم الإمام سلطان بن مرشد ويعد هذا الكتاب من أهم المراجع التاريخية في المكتبة العمانية وقد طبع لأول مرة عام 1984م من قبل وزارة التراث والثقافة في مجلد بلغ عدد صفحاته ثلائمائة وسبعا وسبعين صفحة من القطع المتوسط بتحقيق عبد المنعم عامر.
* غلاف الكتاب

ــــــــــــــــــــ

أعلام عمانيون:
كعب بن معدان الأشقري

هو كعب بن معدان الأشقري، والأشاقر : قبيلة من أزد عُمان، وأمه من عبد القيس، شاعر فارس خطيب معدود في الشجعان، من أصحاب المهلب والمذكورين في حروبه للأزارقة، وأوفده المهلب إلى الحجاج، وأوفده الحجاج إلى عبد الملك.
وعن قتادة قال: سمعت الفرزدق يقول: شعراء الإسلام أربعة: أنا وجرير، والأخطل، وكعب الأشقري..وروى المتلمس أيضا عن الفرزدق أنه قيل له: يا أبا فراس، أشعرت أنه نبغ من عُمان شاعر من الأزد يقال له كعب? فقال الفرزدق: إي والذي خلق الشعر.
وعن أبي عبيدة قال:كان عبد الملك بن مروان يقول للشعراء:تشبهوني مرة بالأسد،ومرة بالبازي،ومرة بالصقر،ألا قلتم كما قال كعب الأشقري في المهلب وولده:
براك الله حين بـراك بـحـراً
وفجّر منك أنـهـاراً غـزارا
بنوك السابقون إلى المعـالـي
إذا ما أعظم الناس الخـطـارا
كأنهـم نـجـوم حـول بـدر
دراري تكمـل فـاسـتـدارا
ملوك ينزلـون بـكـل ثـغـر
إذا ما الهام يوم الروع طـارا
رزان في الأمور ترى عليهـم
من الشيخ الشمائل والنـجـارا
نجوم يهـتـدى بـهـم إذا مـا
أخو الظلماء في الغمرات حارا

ــــــــــــــــــــ

ما في العاذلين لبيب!

روى أبو عبيدة قال: كان بشار بن برد يهوى امرأة من أهل البصرة يقال لهاعبيدة، فخرجت عن البصرة إلى عُمان مع زوجها، فقال بشار فيها:
هوى صاحبي ريح الشمـال
وأشفى لقلبي أن تهب جنوب
وما ذاك إلا أنها حين تنتـهـي
تناهى وفيها من عبيدة طيب
عذيري من العذال إذ يعذلونني
سفاهاً وما في العاذلين لبيب
يقولون لو عزيت قلبك لارعوى
فقلت وهل للعاشقين قـلـوب
إذا نطق القوم الجلوس فإننـي
مكب كأني في الجميع غريب

ــــــــــــــــــــ

قلب بالصبابة مولع
ذو الرمة


إذَا حَانَ مِنْهَا دُونَ مَيٍّ تَعَرُّضٌ
لنا حنَّ قلبٌ بالصَّبابة ِ مولعُ
وَمَا يَرْجِعُ الْوَجْدُ الزَّمَانَ الذِي مَضَى
وما للفتى في دمنة ِ الدارِ مجزعُ
عشيَّة َ ما لي حيلة ٌ غيرَ أنَّني بِلَقْطِ
الْحَصى وَالخَطِّ فِي التُّرْبِ مُولَعُ
أَخُطُّ وأمْحُو الْخَطَّ ثُمَّ أُعِيدُهُ
بِكَفَّيَّ وَالْغِرْبَانُ فِي الدَّارِ وُقَّعُ
كأنَّ سناناً فارسيّاً أصابني
على كبدي بلْ لوعة ُ الحبِّ أوجعُ
ألا ليتَ أيامَ القلاتِ وشارعٍ
رجعنَ لنا ثمَّ انقضى العيشُ أجمعُ
لَيَالِي لاَ مَيٌّ بَعِيدٌ مَزَارُهَا
ولا قلبهُ شتَّى الهوى متشيَّعُ
وَلاَ نَحْنُ مَشْؤُومٌ لَنَا طَآئِرُ النَّوَى
وما ذلَّ بالبينِ الفؤادُ المُروَّعُ
وَتَبْسِمُ عَنْ عَذْبٍ كَأَنَّ غُرُوبَهُ
أقاحٍ تردَّاها منَ الرَّملِ أجرعُ

ــــــــــــــــــــ

لا خير في إمساكه في الكم

خرج طاهر بن الحسن لقتال عيسى بن هامان فخرج وفي كمه دراهم يفرقها على الفقراء ثم سها وأسبل كمه فتبددت فتطير فقال له شاعر في ذلك:
هذا تفرقُ جمعِهـم لا غـيره
وذهابُهُ منـا ذهـابُ الـهـمِّ
شيءٌ يكونُ الهمُّ نصفَ حروفِهِ
لا خيرَ في إمساكِهِ في الكُـمِّ
فسري عن نفس طاهر ما كان من هم وذهب عنه تطيره وأجزل للشاعر العطاء.

ــــــــــــــــــــ

بين الخبر والخطاب

أحضر إلى عبد الملك بن مروان رجل يرى رأي الخوارج فأمر بقتله وقال له:ألست القائل:
ومنا سويدٌ والبطينُ وقعنبٌ
ومنا أميرُ المؤمنين شبيبُ
فقال: إنما قلت: ومنا أميرَ المؤمنين (بالنصب) فعفا عنه عبد الملك وحقن دمه إذ درأ عن نفسه القتل حين صرف الإعراب عن الخبر إلى الخطاب فكان تقدير كلامه (ومنا يا أميرَ المؤمنين..).

ــــــــــــــــــــ

بلاغة

دخل عبد الملك بن صالح دار الرشيد فلقيه إسماعيل بن صبيح الحاجب فقال: اعلم أنه ولد لأمير المؤمنين ابنان فعاش أحدهما ومات الآخر فيجب أن تخاطبه بحسب ما عرّفتك فلما صار بين يديه قال: سرك الله يا أمير المؤمنين فيما ساءك ولا ساءك فيما سرك وجعلها واحدة بواحدة تستوجب من الله زيادة الشاكرين وجزاء الصابرين.

ــــــــــــــــــــ

اتفقنا إذا..

قال أبو هفان: خبرت أنّ أبا نواس مر على جارية بباب قصر واقفة مع صاحبة لها فتأوه أبو نواس. فقالت الجارية لصاحبتها: أظن الفتى ذا شجن. فأنشأ أبو نواس يقول: منحت طرفي الأرض خوفا لأن
أجعل طرفي عرضة للمحـن
إذ كنت لا أنظر من حـيث مـا
أنظر إلا نحو وجـه حـسـن
يزرع في قلبي الهـوى ثـم لا
يحصل في كفي غير الحـزن
أفدي التي قال لأخـت لـهـا:
إني أرى هذا الفتى ذا شجـن
قلت: نعم ذو شجـن عـاشـق
قالت: لمن? قلت: لمن قال من
قال عـسـاه لـك إنـا كـمـا
أنت له، قلت: اتفـقـنـا إذن

ــــــــــــــــــــ

الصمت..

عن محمد بن سلام قال‏:‏ قال الشعبي‏:‏ كان شاب يجلس إلى الأحنف فأعجبه ما رأى من صمته إلى أن قال له ذات يوم‏:‏ أود أن تكون على شرف هذا المسجد وإن لك مائة ألف درهم ... فقال له‏:‏ يا ابن أخي، والله إن مائة الألف لمحروص عليها ، ولكني قد كبرت وما أقدر على القيام على هذه الشرفة ... وقام الفتى ، فلما ولى قال الأحنف :
وكأين ترى من صامت لك معجب
زيادتــه أو نقصــه في التكلم
لسـان الفتى نصف ونصف فؤاده
فلم يبق إلا صـورة اللحم والدم
وعن أبي بكر بن مروان قال‏:‏ كان يجلس إلى أبي حنيفة رجل يطيل الصمت فأعجب ذلك أبو حنيفة وأراد أن يبسطه فقال له‏:‏ يا فتى ما لك لا تخوض فيما نخوض فيه ؟ فقال الفتى‏:‏ متى يحرم على الصائم الطعام ؟ فقال أبو حنيفة‏:‏ أنت رجل أعرف بنفسك ‏.‏
وعن طاهر الزهري قال‏:‏ كان رجل يجلس إلى أبي يوسف فيطيل الصمت ، فقال له أبو يوسف‏:‏ ألا تتكلم؟ قال‏:‏ بلى ،متى يفطر الصائم ؟ قال‏:‏ إذا غابت الشمس ...قال‏:‏ فإن لم تغب إلى نصف الليل ؟ فضحك أبو يوسف وقال‏:‏ أصبت في صمتك وأخطأت في استدعائي لنطقك... ثم قال‏:‏
عجبـت لإزراء العيي بنفســه
وصمت الذي كان بالصمت أعلما
وفي الصمت ستـر للعيي وإنمـا
صحيفة لـب المـرء أن يتكلمـا


أعلى




الادب الشعبي

* بوح ..
انسنة الشعر النادرة

يلجأ الكثير من المبدعين في شتى الحقول الإعلامية منها والأدبية والعلمية وغيرها باتخاذ طريقة مناسبة تقدم الصورة التي يلتقطها عبر وسائل متنوعة بهدف الوصول لقلب الجمهور ، وبصفة الشاعر يتخذ بطريقة أو بإخرى (الأغنية) لتكون الأداة المناسبة لإيصال صوته للبعيد سواء الجمهور بعامته او المناطق الرسمية التي تعتمد الكلمة اساسا للإبداع، فالكثير من القصائد التي يكتبها الشعراء تبقى حبيسة الأدراج او تنشرها الصحف في صفحاتها المتخصصة او تبث بصورة معينة في احد الجوانب الإعلامية المتاحة وتنتهي بعد ان يعاينها الكثير ممن يعايشوا تلك الجوانب المتاحة ، ولا يرسخ في الذاكرة سوى القصيدة المغناة خاصة تلك التي تنتقي من التراث اجمل الألحان والصور التي يعبر عنها الشاعر بطريقة راقية وحديثة ولكنها تلامس عامة الجمهور من خلال بساطة المفردة من جانب وانتقاء اللحن المناسب وربما الغائب عن اذهان عامة الناس وسط ما نشاهده ونسمعه يوميا عبر الفضائيات التي ملأت الدنيا وشغلت البشر. ما لفت انتباهي في الأونة الأخيرة هو انتشار قصيدة ( الشفق ) والتي كتبها الشاعر سالم بن بخيت المعشني (ابو قيس) في شخص الطفل خالد جعبوب الذي أصيب بحالة مرضية في الدم لاقت الاهتمام السامي لجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ورعاه حيث تم علاج الطفل على نفقة جلالته الخاصة في كبرى مستشفيات ألمانيا ، تأكديا على لحمة الشعب العماني والحكومة الرشيدة في شتى الجوانب الإنسانية والحياتية. وعودة للموضوع .. انتشر مقطع هذه القصيدة المغناة على فن الوياد الريفي بشكل لافت وقد أثير حول هذا المقطع الكثير من اللغط الذي طالما يقدم فائدة كبيرة في عملية الانتشار والوصول للناس ، فبرغم ان هذه اللوحة الغنائية قدمت في عام 2006 في اوبريت امة وقائد في مسرح المروج بمناسبة العيد الوطني آنذاك الا انها انتشرت في 2008 بصورة لافتة ،ولاقى الكثير من الذين يحملون هذا المقطع في هواتفهم النقالة الإعجاب ربما لطبيعة الفن وتناسقه مع المفردة التي كتبها الشاعر وخروجا عن المألوف في ذائقة المستمع خاصة من أبناء الألفية الجديدة.
اعتقد أن الأغنية بمحتوياتها لامست قلب المستمع العماني بشكل كبير من خلال اللحن الذي استوحي من التراث ، والكلمة التي هي الأخرى لامست شعور الناس بالحالة الإنسانية التي كتبت على إثرها القصيدة ، وهذا الموضوع يجرنا أيضا نحو الاتجاه للقصيدة الإنسانية التي تتجاوز حالة الشاعر نفسه نحو حالة الإنسان بشكل عام في بيته وبيئته التي على توابعها تنشأ قصيدة حقيقية ترتكز لمعايير الإبداع كما هو الحال في قصيدة (الشفق) او القصائد الأخرى التي قرأناها بصورة أو بأخرى ولكنها لم توثّق في واقع الأمر كما وثقتها هذه القصيدة ، وربما لأن الحالة الآنية التي كتب عليها الشاعر قصيدته ارتكزت على إبراز الذات في مفرداتها بصورة حية ابتعدت عن الانتظار ، كما يفعل بعض الشعراء في قصائد التأبين والرثاء مثلا او التبجيل لشخوص ليس لهم صلة بالحياة آنيا ، فكما هو حال الجهات الثقافية العربية وغيرها تكريم الرُحل من المبدعين وانتظار الأحياء حتى يتوفاهم الله ، يمحو الكثير من الشعراء الأتجاه للكتابة في الحالة الإنسانية الحيّة والموجودة على الأرض ويتجه نحو الرُحل من فئات البشر المختلفين وحكم انتماءهم للشاعر قريبا او بعيدا .

ومضة ..

صرتي كبيرة بْنيّتي ، دون حاجه ..
لي وأصبح القلب (الْ) يحبك تخونه !
ما عاد بي عمرٍ يضّمن سراجـــه
من كل زهرٍ لين غيّبت لونـــــــه
باكر تروحي تنكري العمر ما جه
هو جاك بس فاقد بهاه وعيونـــه

- فيصل العلوي *
*

ــــــــــــــــــــ


احتوت على 35 نصا
صدور المجموعة الشعرية الأولى للشاعر صالح الرئيسي بعنوان ( حُلُم )

صدر مؤخرا عن وزارة التراث والثقافة ( حلم ) صالح الرئيسي وهي المجموعة الأولى للشاعر والتي ضمت 35 قصيدة حملت كافة اطياف الإبداع بمختلف أغراض الشعر وسقط من الديوان حوالي اربعة قصائد لأسباب مجهولة ! ، وصمم غلاف الإصدار القاص هلال البادي .
انطلق (حلم ) صالح الرئيسي والذي يعد الأول له بمقدمة كتبها الشاعر محمد الصالحي افتتح بها بتقديم جبران خليل جبران لديوان إيليا ابو ماضي ، ثم قدم الصورة الحقيقية للتقديم بعيدا كل البعد عن التفخيم والحشو حيث قال الصالحي ان الكتاب القيم هو كالأكتشاف العلمي السليم يمكن ان يوضع للأستعمال البشري ، ومن خلال هذا (الحلم) وهو الوجه الآخر من الذاكرة ، خصوصا في حفظ الصورة وتنظيمها او تركيبها وابتكارها . ويأتي هذا الحلم الطويل ، والذي يضع فيه المتلقي ويؤكد له بأن الشعر عاطفة يتدكرها المرء في هدوء ففي هذا الديوان عصارة فكرية وزمنية قضاها الشاعر في حقول الشوك ليخرج لنا بهذه السلة المليئة برحيق الكلمات ، كتاب سيظل لمتتبعي الشعر ، ولمحبي الصفحات البيضاء مرجعا لتقييم فترة شعرية سلفت بكامل تجلياتها ، ونافذة لسماء أرحب بكل مجراتها كتاب لا يستحق سوى القراءة وبهدوء. وانطلق ديوان صالح الرئيسي بقصيدة (حديث الأطلال) وجاء في مطلعها :

كثر ما يشتهي طرف الكلام لخطوتين وصال
كثر ما أكره الدنيا تموت بداخل عيوني
حبيبي والحديث جروح قلب والمسافه ظلال

تعاتبني خطاي وشرهة المشتاق وضنوني

* وقدم صالح الرئيسي في قصيدته ( قلادة ) حكائيته للحياة والواقع بعيدا عن المباشرة والتقليدية فقال فقال في قلادته :

يا أم صالح كـــل الأوراق صــــــفرا
مـن دمــه "إل" يــفداك..سيل مـداده

بـــلاده بها بـحر وجـبال و صــحرا
وش عاد باقي ما وهبه "إل" بلاده؟!

* من قصيدته ( حزن ) :

البارحة كنت أسقي وجهي المظمي
علبه سكبها المسافي معطف أطيافه
والبارحة كنت أبص بشوفي المعمي
وآخر ثقاب تعبت استنشق أليافه
ما سافر الحزن الا سافر بهمي
ولو ساف الحزن أصبح كل شي تاقه

* وتردد في إصدار صالح الرئيسي عنوان ( حلم ) مرتين في القصائد الأخيرة حيث ضمت قصيدة ( حلم ) غلاف الإصدار :


البارحة والسما تــــــقرا لـــي نجومي
كـــنت أشعل الشمع..أتنفس بدخــــــانه
البارحة والسما دخــــــانها غــــيومي
كــــنت أكتب الشعر..أتـــظلل بأغــصانه
البارحة والعمر مكـــفوف في يــومي
مــر بعــيوني وأنــا أنــسج لـه أكـــفانه


* والقصيدة الأخرى التي لم تأبه للتعديلات بعنوان (حلم) هي في الواقع قصيدة ( أقول باكر ) وهي القصيدة التي توقف عندها الديوان واختتم بها ويقول فيها :

أقول باكر وباكر غادتي تكبر
ويزخر لي البحر من لولو ومرجانه

واطفي الجرح قبل الجرح لا يكبر
وأعلق الليل وانتي فيه بردانه


ــــــــــــــــــــ

* استراحة ..
الزمر

يقام في ولاية ضنك نوعا من السمر ترقص فيه واحدة أو أكثر من النساء رقصا منفردا متقنا بمصاحبة زمر على مزمار مزدوج من النوع المقرون يواكبه غناء من مجموعة رحال يغنون بمصاحبة مجموعة كبيرة العدد ومتنوعة من الطبول :الكاسر والرنه-الرحماني والرحماني الطويل. والجملة الموسيقية واحدة لا تتغير إلا تغييرا طفيفا بتغيير الشلة ويؤدي الزمار جملة الموسيقى فتردد مجموعة المغنيين نفس الجملة الموسيقية على شعر شلة الغناء. والإيقاع ثنائي بسيط والحركة الراقصة من خطوتين مع ثنية خفيفة في الركبتين وتطويحة واضحة من الذراعين.وعندما تتعدد الراقصات المنفردات تتحرك كل منهن على هواها لا تلتزم إلا بإيقاع الطبول. وقد يستهوى الطرب بعض الرجال من كبار السن فيشاركون في الحركة الراقصة من باب الدعابة التي تشيع المرح والابتهاج وطرح النقود على رأس المرأة الراقصة من التقاليد المألوفة في هذا اللون من فنون منطقة الظاهرة.

ــــــــــــــــــــ

* وهــج ..

يا بنت من يحيا حيـاة المقاريـد
يحسب حساب ان الشقاء شي وارد
إنتي وانا في وجه عميـا التقاليـد
مثل الطفل يلعب على صدر مـارد

أحمد الشحي

ــــــــــــــــــــ
صبح

الليل شق الصبح وتنفس أموات
وانا أرتّل مصحف غيابك جروح
مرّة أهز الشوق.. تتساقط أصوات
تعزف تراتيلي مواويل وتروح
يا (صبح).... تكفي
ما بقى بالعين وقت......
اشتقت لك
كل ما مـــر الغياب
بمدمعي شفتك وفقت.....
أتخيلك
أتلمّس الذكرى ملامح من صوَر
وأنادي أشباهك تجي
يمكن تسولف للسهر
عن وحدتي
وأنا ألملم دمعتي
وأشعل من
رموشي نــــ(هـ)ـــــار.. لوحدتي
وأنتي معي حلم وسهر في مدمعي
وأنسى كذا ليله سهرت ..؟؟!!
افصّل اشباهك ثياب تلفني
وابلل تراب السهر وانتي معاي
بصورتك واروي ظماااااي
وينك ..؟
هذا الوطن في داخلي محتاج لك
ينهش هنا يسأل عليك
يعلّم الدمع الكلام بغيبتك
يفرش عروقه في شوارع حضرتك
ويرتل أجزاء الغياب:
صاد
باء
حاء
يالله مريني حقيقة من وهم!!
خلّي أنظاااري تشووف
داخلي مليون ضيقة،
تخنق الصدر وتطوووف
وينك..؟
ملّت عيوني الانتظار
ومليت أشعل هالسفر،
وروحك الخرساء على جدااري تشوف..
يا صبح مرّيني مراكب من سهر
تستوطن اشواقي جيااااع
وأنتي هناك..
الى متى..؟؟!
عطشان أشرب صورتك
واسدل تضاريسي عليك
وينك...؟
الليل مر وباقي الجرح ميّت
مرمي على قبور الوجع ينتظر (صبح)
ويصب فنجان الأرق لين ملّت..
عين السهر تمسح جفا صورة الصبح

محمد المشرفي

ــــــــــــــــــــ

رمح الهجير

ـ رسالة الى صديق سابق ..

رمح الهجير اللي غزا نشوة الصبح
ندا جباه الوقت حزن ومآسي
وتساقطت زلات تبحث عن الدمح
واشتد زند الهم وانهد باسي
عجزت اقاوم جامح الرغبة بكبح
وكان النهار يزيل كل التباسي
بانت وجوه الزيف،واتهشم الطلح
ما يستر العايب جديد اللباس
يا صاحبي السابق عكس جارف السبح
سبحك وما لحدود سبحك مراسي
حاولت اجازي فعلك القبح بالقبح
والنفس عيّت..طيب الساس ساسي
وحاولت اعدي زلتك ،واعتقك ، وامح
اسمك ،، ولكن حارق الجوف قاسي
وذا اليوم اكبر من حكي (قصة وجرح)
واكبر من ان الهم دوره اساسي
واكبر من ان الحب به خسر وربح
واكبر من انك كنت ربعي وناسي
يا واهي اعذار ٍ ركزت الردى رمح
وطيحت من عيني جميع الاناسي
عيب ٍ علي اطيل واعيد فالشرح
والمن ثوب ما يطابق مقاسي
رح واوعدك يوم على زلتك تصح
دام الحياة اشبه بلعبة كراسي
ما ظر سير القافلة عارض النبح
(ونخل الرجال) صعابها والمآسي
ذي عسرة ٍ عدت واذا اذن الصبح
بآ تنكشف غمة..ويشتد بأسي

خميس الوشاحي

ــــــــــــــــــــ

مناااام

يا اللي نسيتي الليل
لا موعد ولا شمسٍ ولا أصحاب
وأحرقتِ أعصاب الصباح
قبل الصباح
وأطفيتي قنديلك بعزّ الشوق:
مرّيتك البارح منام
أقرأ تفاصيلك من الدخان
وأصوات العصافير الحزينة
وأحفظك عن ظهر قلب
وأقلّب الصفحة أدوّر عن جديد
ما لامس عيوني
أو ما اسمعته أصابعي
و أقلّب أوجاعي
و أقلّب أوجاعي عبث
و أجرّح عروقي
يمكن ألاقي لك أثر...
و أتبعك
مثل البدو تتبع منازيل المطر
و العشب
و تعبت أدوّر في الحنايا
و البقايا
و التفاصيل الصغيرة
ما لقيت إلا التعب و الهم
و آهاتٍ تفزز كل حيّ
يا هيييه أنا الواقف لحالي
ليه واقف؟
من متى؟
ما أدري!!
بس المهم اني وقفت
وطحت من طول الغياب
وما وقف ذا القلب
ما هدّه الترحال ف" عروق الظمى"
وما لاح له بارق دفى
يا الواقفة خارج حدود الظل
أو بيني و بيني
كل الدروب تمر بك
مقيالها عيونك
كل الدروب جنوب
أو كل الدروب انتي
آسف نسيت البارحة
آخذ معي جروحي من
فراش... المنام
وأنثر تفاصيلك
بوجه الليل
وأقول له: " اقرأ
باقي جراحاتي
وأستأذن أحلامك
بنام
ونلتقي باكر
يمكن يجي باكر ! "


سعيد الشحي

 

أعلى


 

القطيعة بين المثقف التقليدي والحداثي

المنطق الإقصائي للتراث أو للحداثة كليهما يجعلنا نبني بنياناً هشاً غير قادر على قراءة الواقع وفهمه وربطه بشبكة التاريخ والتطور
التعايش الإيجابي يجعل النمطين يعملان بجوار بعضهما دون إقصاء للآخر، ودن العمل في دائرة ضيقة مغلقة على الذات

لا ريب أن تيارات الإصلاح الفكري والديني الحديثة قامت بدور فعال في التغيير، وبذلت جهوداً كبيرة في سبيل ذلك، وهذا أمر تشكر عليه وتحمد، بَيد أن بعضها أعطى الإصلاح صورة تراثية اغترابية في عالم يموج بالحداثة والتطور. فتنظير هؤلاء للإصلاح والتغيير يتجسد في رسم صورة مثالية لا تخرج عن إطار الشكلانية التقليدية التي يراد من الناس جميعاً تمثّلها، وهذا الاستراتيجية الإصلاحية الواهمة لا تسلك بالمجتمع نحو طريق الإصلاح بل هي تقهقره في الاتجاه المعاكس.
إن الأبائية التي يعتمدها هؤلاء في تغييرهم للواقع تحدث لا شك تغييرات ملحوظة في الاتجاه العام للفكر ولكنها لا تلبث أن تنقرض لأنها ببساطة نبتت بداية خارج حدود التاريخ، فلا هي تعترف بالتقدم الحضاري ولا هي قادرة على التعرف على المتغييرات الإنسانية والاجتماعية، وحتى لا يُفهم من الكلام السابق الدعوة إلى رفض التراث والتنكر للتاريخ، فإنه يتوجب التأكيد على مبدأ "من لا تراث له لا حضارة له". فالتاريخ الإسلامي بعظمته وهيبته أكبر من أن ينكره أو يستنكره أي دارس موضوعي، إلا أن ذات الموضوعية تستلزم إخضاع موروث ذلك التاريخ إلى المراجعة والنقد والتصحيح ثم القبول أو الرفض، وذلك حسب متطلبات الواقع وشروط الموضوعية العلمية.
من الخطأ بمكان أن نطبق التجارب التاريخية برمتها لحل مشكلات واقعنا المعاصر، فنموذج السلف الصالح هو نموذج فعال ومثالي لا ريب، لكن صلاحيته ليست بالضرورة ممتدة خارج حدود أوقاته وأزمنته، ونحن حينما نطالب المجتمع أن يكون صالحاً، ونلح عليه كي يتمثل صورة مجتمع السلف، فمعنى ذلك أننا نطالب المجتمع بالمستحيل، ونبعده عن معايشة الواقع والتأقلم مع رياح التغيير.
إن الرؤية التي تستوحي صورة المستقبل من خلال استلهامها لحقبة تاريخية تراثية كعصر الصحابة أو التابعين أو جميع العصور المثالية في الثقافة الإسلامية هو منهج سارت عليه كل الحركات الإصلاحية مثقفة كانت أم غير ذلك، ولذا أصبحنا ندرس التاريخ والتراث من زاوية واحدة وهي زاوية الأبائية النموذجية من خلال جعل السلف معياراً تقاس على ضوءه أحلام الإنسان وإنجازاته، فإن وافقته فنعما هي، وإن خالفته فالخسران المبين، وهذا المعادلة القياسية السلفية بامتياز توقد من نفس مشكاة القياس الفقهي القائم على البحث عن المتشابهات العلّية، ومعلوم لدى الباحثين أن هذا القياس ليس قياسا هندسيا دقيقا، فجعله ميزاناً للأحلام والإنجازات هو ظلم للواقع ومفارقة له.
إن أخذ التراث برمته وتطبيقه على واقعنا دون تشخيص ونقد وتحليل وفق دراسة علمية منهجية شمولية أوقعنا في أزمات وتصدعات ثقافية وتربوية وسياسية وتقنية وحضارية واجتماعية لا تتفق حتى مع تعاليم ديننا الحنيف، وهو الأمر الملاحظ على خطاب أكثر شرائح المنتسبين إلى الفكر المذهبي المنغلق في إطار الإيديولوجيا الكلاسيكية، مما أدى إلى عصف أصحاب هذا الخطاب بكل ما هو جديد من منجزات العلم والمنطق، وبذلك أحدثت جرحاً عميقاً في روح الحضارة المعاصرة.
إننا بحاجة إلى وعي عميق ينبثق من رؤى جديدة متجددة تعيش واقعها المعاصر، فتتعامل معه كما هو في حقيقته و بروح حضارته، وعي لا يرجعنا إلى الوراء قروناً مديدة، ولا يقفز بنا فوق الواقع، وعي يحقق لنا الموازنة بين الاستفادة من التراث والانطلاق في حداثة الحاضر وتحديات المستقبل. لابد من وقفة صادقة تحليلية مع التراث، لا بد من إعادة النظر فيه، وقراءته وفق النصوص الإلهية والنواميس الكونية والمعطيات الحضارية.
وإنه لمن الخطأ بمكان إقصاء التراث والقيم والمبادئ بعيداً عن الحضارة المعاصرة إتباعاً لعقلانية غربية حداثية علمانية، فالحداثة العلمانية ظنت أن سعادة البشرية في التملص والتخلص من التراث والتاريخ والبعد الروحي، وهذه رؤية تؤدي بنا إلى التراجع الجوهري لماهية الإنسان لصالح تقدم مادي بحت يتمثل في ( التكنولوجيا والآلة والدولة والسوق والقوة والصناعة) أو لصالح رغبة آحادية تتمثل في (الجسد والجنس واللذة) أو تصوير الإنسان المثالي الذي يستطيع تفسير عالم ما وراء الطبيعة دون حاجة إلى وحي، وذلك كله يعني القضاء على الإنسان كإنسان.
فالمثقف الحداثي الذي يقطع روابطه وعلاقاته بالتراث والتاريخ ويصور التراث بأنه تراثاً تاريخياً قام بوظيفته ورحل، لن يصل إلى نتيجة ناجعة لحل أزمات الأمة، وذلك لكونه ينظر إلى عالمه الإسلامي من منظور آخر، وهو منظور فلسفة ديكارت وهيجل وماركس ونيتشه وفرويد التي حولت الإنسان من إنسان إلى كائن مادي في ضوء الرؤية الاقتصادية المتمركزة على الحواس الخمس فحسب، أو كائن مادي في ضوء الرؤية الجسدية والجنسية، وكل هذه الرؤى تسلخ الفرد روحيا واجتماعيا وتصيره مجرداً من إنسانيته وأخلاقه وعلاقته بالخالق، مما يؤدي إلى تحطيم فلسفة الأنا والمجتمع والدين، وهذه العملية بدأت في الغرب، وأخذ المثقف الحداثي تلك الفلسفة المادية البحتة برمتها من الغرب لتطبيقها على الشرق، فصارت فجوة عميقة بين المثقف الحداثي والمثقف التقليدي، وتكونت بذلك قطيعة عمياء بين الأصالة والمعاصرة.
إن الواجب على الأمة توظيف التراث وفق طابع انتقائي منهجي موافق للأحوال والظروف والواقع مكاناً وزماناً، على أن دائرة الوحي لا تعتبر من ضمن التراث الذي يحتاج إلى صياغة ومراجعة كلا، بل الوحي هو المحور الذي يرجع إليه كل شيء وخاصة عند الاختلاف، وبذلك نستطيع أن نجعل التراث كتلة متحركة متفاعلة مع الوحي والواقع.
لقد اتصل أسلافنا بثقافات الأمم القديمة كالفرس والإغريق والهنود، لكن اتصالهم كان اتصال الدارس والناقد لثقافاتهم، بحيث يأخذ ما يتماشى مع المنهجية الإسلامية وفق معطيات زمانهم، وفي الوقت ذاته يرفض كل ما لا يتفق مع روح الإسلام ومعطيات عصره. أما اليوم فنحن لا نأخذ من غيرنا إلا ما كان فتاتاً مرمياً في الأرض، ثم ندعي أننا نسعى للتحضر والتقدم، وأصبحنا أمة استهلاك، واستهلاكنا ليس كما نريد ولكن ما يريدون هم!، وصرنا لا نستورد الأفكار البناءة بل اقتصرنا على استيراد الساقط من الفكر والعفِن من المواد الاستهلاكية.
والواجب على الأمة أيضاً في الوقت ذاته توظيف الحداثة وفق طابع انتقائي منهجي موافق للأحوال والظروف والواقع الإسلامي نصاً ومبدأ وسلوكاً وهوية، فتوظيف الحداثة الغربية بقضها وقضيضها لا خير فيه، لأنها تحدث تلفاً حقيقياً في أجهزة الطبيعة الإنسانية، وتلقي بنا في غياهب الضياع الخلقي والقيمي، ذلك لأن صلة الأمة بتراثها لاصقة فيها لا غنى لها عنه، والحداثة حينما تتجرد من التراث تؤدي إلى فساد المعايير، بحيث تقف من التراث والتاريخ موقفاً سلبياً، بينما تغض الطرف عن مساويء الحضارة المعاصرة المصدرة في علب العري والاستهلاك.
إن الحداثة التي يتشبث بها البعض ليست في حقيقتها حداثة تجديد للفكر والعلم والاكتشاف، بل هي في كثير من جوانبها قائمة على الاستهلاك والعبثية والجنس، كل ذلك تحت شعارات براقة من قبيل تألق الذهن، وجودة التفكير، وتجديد العلوم، وإيقاظ القوى الإنسانية، وهذا الشكل من الحداثة مرفوض عقلا ونقلاً وحضارة لأنه لا يزيد الفساد إلا فسادا ولا الاعوجاج إلا اعوجاجاً.
مخطئ من يجعل التراث معاصراً لنفسه، فذلك معناه فصله عنا، ومصيب من يجعله معاصراً لنا، فذلك معناه وصله بنا، ومخطئ من يجعل الحداثة كلها شراً، فذلك معناه تعقيم لحركة التطور الإنساني، فالسبيل بيّن والطريق واضح، وعلى المصلح أو المثقف التقليدي أن لا يعيش في حالة اغترابية عن المعطيات الزمانية الراهنة، وإلا فإن النتيجة لا تؤشر إلا إلى تقاعده الحضاري، والمثقف الحداثي العلماني المنفصل عن مخزونه التراثي وأصالته الحضارية لا يعيش سوى حياة ليبرالية تؤشر بضياع أخلاقي ودمار قيمي وشرور نفسية شيطانية مستطيرة.
إن جودة العيش المتميز تتمثل في التعايش والتمازج والاندماج بين التراث والحداثة، وبين الأصالة والمعاصرة، فلابد من التعبير عن الهوية، ونسج خيوط متينة مع الماضي لتحقيق الانتماء الثقافي والروحي في جميع الأطر، بيد أن هذا التمازج والتعايش يجب أن يكون إيجابياً بعيداً عن ثقافة الاستبداد والكبت والقمع والتصلب، وبعيداً أيضاً عن فوضى التمزق الأخلاقي للقيم والمبادئ والسلوك، وهذا التعايش بين التراث والحداثة أو بين الأصالة والمعاصرة أو ما يسميه فهمي جدعان بـ(الاندماج الإيجابي) يجب أن يقوم على أسس الخصوصية والاستقلال والتمثل والتفاعل والفعل أيضاً، لا على أساس الانصهار والذوبان في الثقافات الأخرى. فلا محلّ لرفض التراث برمته، ألا وإنّ للتراث نفحات ألا فتعرضوا لها، ولا محلّ أيضاً لرفض الحداثة الواعية التي عسى نأتي منها بقبس أو نجد عليها هدى ورشاد. إن المنطق الإقصائي للتراث أو للحداثة كليهما يجعلنا نبني بنياناً هشاً غير قادر على قراءة الواقع وفهمه وربطه بشبكة التاريخ والتطور.
لا التقليديون قادرون على البناء والتغيير والتقدم في واقع مادي صناعي ثقافي متغير، وذلك لأن المرجعية الإيديولوجية السائدة تلزمهم تطبيق التراث كما هو، فلذلك تجدهم يعيشون الواقع من خلال ابتداع شخصية كلاسيكية في عصر حضاري مادي حداثي، هذه الشخصية لا يمكنها أن تقرأ الآخر إلا من خلال مفردات الهجر والبراءة والتكفير. ولا الحداثيون قادرون على التأسيس والبناء والتغيير في واقع يعتز بتاريخه وتراثه وهويته، إذ أخذت الحداثة العزة بالكبر وظنت أنها تستطيع بناء عالم فرويدي أو نيتشوي، وهذه المغالطة أوقعت الحداثيين في صدام ثقافي مع المجتمع، مما جعل الحداثيون يصمون المجتمع جزافاً بالتحجر والتخشب والسطحية والتخلف.
إن التعايش الإيجابي يجعل النمطين ( التقليدي والحداثي) يعملان بجوار بعضهما دون إقصاء للآخر، ودن العمل في دائرة ضيقة مغلقة على الذات، بيد أن هذا التعايش ينبغي أن ينبني على أسس التأني والتفكير والتحليل والدراسة والمراجعة والغربلة للأحكام والعادات والموروثات وفق مبادئ العلم اليقيني من الكتاب المسطور والكتاب المنظور، على أن تكون للنص المرجعية الأولية، مع فهم الواقع وإعطائه حقه في حدود الطاقات والإمكانات المتوفرة لدى كل عصر، وكذا فهم الآخر بطريقة تتسم بالاحترام والحوار الصادق والتواصل الثقافي المعرفي، فبذا تنمحي الكبرياء والأنانية الأحادية، ويراجع كل نمط تفكيره وأفعاله في مواقفه مع الآخر رفضاً للعنف الثقافي وقبولاً لفهم الآخر ليحقق الجميع العيش الإيجابي والأخذ بالأمة إلى الإصلاح الروحي والعمراني.

أحمد بن مبارك النوفلي*
*كاتب عماني

أعلى


 

الازدواج اللغوي .. النشأة والمخاطر ( 6)

أسباب الازدواج اللغوي

تتمثل أسباب الازدواج اللغوي في عدة أسباب منها: كون الفصحى لغة أدبية من حيث الأصل والمنشأ أي بمعنى أنها لم تكن لغة حديث يومي واتصال عادي بين الناس بل هي لغة فوق ذلك لا تستخدم إلا في الشعر والأدب . ومن الأسباب الأخرى التي أدت إلى ظهور الازدواج اللغوي في العربية الانعزال بين القبائل العربية الذي قد يحدث لعامل أو آخر، فا الانعزال يجعل لغة هذه القبائل تتطور أو تتغير بمعزل عن لهجات القبائل الأخرى. وتأثير هذا يتمثل في أن هذه التغيرات والتطورات التي تتم على مستوى هذه اللهجة أو تلك تبعدها عن اللغة الأدبية المشتركة التي يكثر استخدامها في مواقف اللقاء والاحتكاك بين أفراد القبائل في مناسبات الحروب والتجارة والأسواق الأدبية. ويماثل هذا الانعزال بين القبائل في التأثير على اللغة الأدبية المشتركة وتعميق الفجوة بينها وبين لغات القبائل، سبب ثالث هو الاحتكاك بمجموعات بشرية غير عربية أو بقبائل عربية متأثرة بهذه المجموعات غير العربية. فقد أدى احتكاك العرب بالفرس والروم والحبشة والهنود قديماً إلى حدوث تأثيرات لغوية على العربية الفصحى ذاتها وعلى اللهجات. ولما جاء الإسلام زاد الاحتكاك والتداخل بين العرب وبين المسلمين من غير العرب الذين جاءوا من بيئات لغوية أجنبية وشكلوا نسبة كبيرة من أفراد المجتمع المسلم. وكان لهذا الامتزاج أكبر الأثر في ذلك الوقت على العربية. فقد زادت الفروق بين الفصحى وبين لهجات القبائل التي تأثرت بألسنة غير العرب الذين انتقلوا إلى العربية. ومن قوة تأثير هؤلاء الأقوام غير العرب ظهرت لغات دارجة في الأمصار والمدن الإسلامية وتفشت بين الناس ولذلك يرجع كثير من الباحثين العرب ظهور العاميات أو اللغات الدارجة إلى هذا السبب بصفة أساسية.
ومن أسباب الازدواج اللغوي التي يمكن ذكرها خروج العربية من الجزيرة إلى الأمصار الجديدة بشكلين لغويين مختلفين، وانتشارها في مناطق واسعة ومتباعدة ودخولها من ذلك في صراع مع ألسن السكان الأصليين في هذه الأمصار. وكل ذلك يترك تأثيرات غير قليلة على اللغة وإن كانت منتصرة. ولقد بقيت لألسن هذه الشعوب بقايا في اللغات العامية المنتشرة في الأقطار العربية كالمصرية والعراقية والمغربية.
وليس بإمكان المرء وهو يتحدث عن أسباب الازدواج اللغوي إغفال اللغات الأجنبية الغربية التي دخلت إلى البلاد العربية، وأخرجت العربية من تعليم العلوم ونافستها في البيت والروضة والمدرسة والكلية والجامعة والحياة الاقتصادية، والإعلام وبعض مواقف الاتصال التي يضطر المرء فيها إلى الحديث بإحدى هذه اللغات. وهذا الوضع لا شك أنه يقوي الازدواج بين لغة الحديث المحكية لدى الإنسان العربي وبين لغة الكتابة لديه، وذلك لأن استخدامه للغة أجنبية يبعده بوجه أو بآخر عن اللغة الفصحى، ويزيد الهوة بينها وبين لغته العامية، وقد ينسيه هذا كثيراً من اللغة الفصيحة.
ومن أسباب الازدواج اللغوي التي لا ينبغي إغفالها تفاوت لهجات كل طبقة وفئة اجتماعية ومهنية تفاوتا يدركه المتخصصون في اللغة، فاختلاف ظروف كل بيئة من البيئات اللغوية في أي مجتمع يولد بعض مظاهر الاختلاف بين لغات الطبقات واللغة المشتركة بحيث توجد كلمات أو دلالات لكلمات، وظواهر لغوية خاصة بلغة طبقة اجتماعية أوأصحاب مهنة معينة.
وإلى جانب هذا هناك أسباب تاريخية ولغوية تحدث في نطاق كل لغة يكون لها دور في الازدواج اللغوي، فمتغيرات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والحضارية تدفع إلى تغيير اللغة صوتيا ودلاليا وتركيبيا ومعجميا. وهذا التغيير الاجتماعي والاقتصادي يتبعه تغيير في اللغة. وقد عني علم اللغة الحديث بدراسة التطور اللغوي، وتسجيل القوانين والأسباب التي تقف وراء هذا التطور الذي هو في نهاية الأمر عامل من العوامل التي تسهم في إيجاد اختلافات وفروقات بين اللغة من عصر إلى عصر وجيل إلى جيل، فاللغة تتعرض لتغيرات نتيجة ما يحدث في الحياة على مستوى فكر الفرد وحياة المجتمع. وتشير بعض النظريات والآراء إلى أن الاختلاف الجغرافي والعرقي لهما دور في اختلاف اللغة الواحدة، بمعنى أن اللغة في أفواه جنس من الناس أو مكان جغرافي ذي طبيعة خاصة يمكن أن تتصف بمزايا وخصائص من الممكن ملاحظتها وتسجيلها. وإذا كان لهذا الكلام قدر من الصواب فإنه ينطبق على اللغة العربية التي تنتشر في أماكن جبلية وصحراوية وساحلية وزراعية وحضرية، بين متكلمين من أجناس شتى وألوان مختلفة من البشر (14).
ولعل طبيعة لغة الشارع المحكية التي تمتاز بالاختصار والسرعة في كثير من المواقف، ولا تتحرك في ضوء قواعد معيارية ثابتة صارمة يمكن أن تكون سببا من أسباب اتساع حجم الازدواج في العربية وذلك لأن انجذاب الناس نحوها ما كان له أن يتم لو لا وجود بعض المزايا فيها ، جعلتهم يفضلون استخدامها على اللغة الأدبية. ولعل أكثر هذه المزايا التي شدتهم إلى العامية هو أنه يمكن استخدامها وإتقانها دون حاجة إلى تعليم إلزامي أو نظامي كما يتطلبه الأمر مع اللغة الأدبية. وليس هذا فحسب بل يمكن للمرء أن يستخدمها بكل حرية دون خوف من الوقوع في اللحن أو الخطأ أو تفكير مسبق في مراعاة أواخر الكلم رفعا ونصبا وجزما وخفضا.


14 ـ نظريات في اللغة الألسنية، أنيس فريحة ، بيروت ، دار الكتاب اللبناني 1973م.

د. محمد بن سالم المعشني*
* أكاديمي عماني

أعلى


 


أفق
لذة النص

يشير كتاب "فن الشعر" لارسطو إلى استخلاص تأثير الأثر الجمالي لدى الملتقي بقوله: "إن الناس يجدون لذة في المحاكاة".. هذه اللذة التي يثيرها الخطاب الفني لدى الملتقي ويولد في داخله الرعشة الجمالية المثالية وجدت صداها في نظرة النقد العربي للكلمة وسحرها فكان: "إنَّ من البيان لسحرا، وأن من الشعر لحكمة" كما في الحديث الشريف. وكانت: "فتنة الكلام" و"نفاذ إلى ما يدق المسلك إليه" كما يرى الجرجاني. بل يذهب أبن طباطبا إلى أنها "أنفذ من نفث السحر" وأنه يحرك النفوس ويثيرها كما "الخمر في لطف دبيبه والهائه وهزه واثارته" والخ مما تحدثه النصوص والآثار الفنية في النفوس، في تعاملها مع واقع خيالي جمالي، ينفتح أو يتأسس على واقع معاش أو بالعكس، خالقاً من هذا التضاد، سحراً فنياً يشدنا إليه ويأسرنا، لنجد في ذلك طاقة مهيجة تفعل فعلها لإيصالنا إلى ذروة التفاعل مع العمل الفني والإلتحام به.
وبذلك تتفاعل العملية الإبداعية مع عملية التلقي وتنصهران معاً وهذا يتطلب كما يرى القرطاجي إلى "أن تتمثل للسامع من لفظ الشاعر المخيل أو معانيه أو أسلوبه أو نظامه وتقوم في خياله صورة ينفعل لتخيلها أو تصور شيء آخر بها انفعالاً من غير روية إلى جهة الانبساط أو الانخفاض". وهذا التوصل لا يتم إلا بوجود الآخر ذاتاً أو جسداً أو تخيلاً، ومعه تتولد هذه اللذة الفنية السرمدية التي يشير إليها أبو تمام في قوله:
والشعر فرْجٌ ليست خصيصته طول الليالي إلاّ لمفترعه
أو كما يرى مارسيل بروست من "أن المتعة التي يتيحها لنا الفنان أنه يجعلنا نرى عالماً إضافياً". هذه اللذة أو العالم الآخر الذي نراه من خلال الآخر - النص، يتطلب متلقياً فاهماً لأسرار الجمال ومتذوقاً له وهو شرط مهم في نجاح عملية التلقي "فيقع التفاضل بين راءٍ وراءٍ وسامعٍ وسامعٍ" على حد قول الجرجاني في "أسرار البلاغة". حيث يعطي الشعر "متعة أكثر عندما يفهم على وجه العموم وليس على الوجه الكامل" كما يرى كوليردج الذي يرى أيضاً أن "الصورة الشعرية هي اتحاد الفكرة بالشعور". بينما يرى هيجل أن "الجمال هو التجلي الحسي للفكرة"... والخ من رؤى الجمال ونظرياته التي عجت بها مدارس الفن الحديث كلما تكاثر روادها وباحثوها.
لكن ذلك المسار الجمالي انحسر بتغير الواقع الحضاري فلم يعد النص الحديث المحتشد برموزه ودلالاته ودائرة معارفه يعني أو يعتني بالخصائص الجمالية وسحر الشعرية وفتنة القول ومتطلبات الجمهور والغنائية والخ، بل كثيراً ما نجده ينحو نحو الخطاب المنطقي ويتطرف في الذهاب إلى المخزون الفكري أكثر من تغلغله في المخزون العاطفي بحثاً أو تعبيراً عن التجربة الإنسانية الشاملة. وهذا ما آلت إليه تجربة قصيدة النثر لدى البعض حيث وجدت نفسها تنساق دون ارادتها إلى أرض المنطق والخطاب الوعر بعيداً عن حقول المخيلة الممرعة وفضاءات الغنائية الممتدة إلى ما لا نهاية... فلم يعد الكثيرون من متلقيها قادرين على مجاراتها في ما ذهبت إليه...
لكن ذلك لا ينطبق بالطبع على جميع نتاج قصيدة النثر التي حرضت من جانب آخر المتلقي على السعي والمكابدة من أجل نيل النص ليزداد افتتانه وشوقه كلما بعد قليلاً عن متناوله، وكان الجرجاني قد أشار إلى ذلك بقوله "من المركون في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له والاشتياق إليه ومعاناة الحنين نحوه كان نيله أحلى وبالمزية أولى، فكان موقعه من النفس أجل وألطف وكان به أظن وأشغف"، لكن الذي حدث هو هذا التمادي أكثر مما يجب، في النأي عن المتناول، إلى حد قطع جميع خيوط التواصل والالتقاء. بالإضافة إلى انعطاف الشاعر الحديث، بقصيدته، إلى وظائف أخرى، ومسارات أكثر تعقيداً من قبل. فكان تنازلها عن السحر مقابل الفكر، والشعرية مقابل الذهنية، والجمال مقابل المعرفة، قد أضرَّ بها كثيراً على مستوى الوظيفة الجمالية وعملية التلقي. فأخذت بعض الكتابات الشعرية تميل إلى المباشرة والحماسة والخطابة لخدمة الأهداف الفكرية والوطنية والإيديولوجية والمذهبية، وبعضها يميل إلى الغموض والتعقيد والإبهام والمطلق وحرث الفراغ لتنأى بنفسها عن الظرف الملتهب الذي يحيطها، وهذان الطريقان المتقاطعان قطعاً الطريق على الجميع، شعراء ونقاداً وقراء...
وبما أن "الإبداع الفني والإدراك الجمالي للحياة مشروطان تأريخياً ولذا فهما متغيران تأريخياً أيضاً" كما يؤكد غ. ن. بوسبيلوف، فكان لا بد للشاعر الحديث من البحث دائماً، عن أنماط جديدة للكتابة الشعرية، لم تستخدم من قبل، تعويضاً عن الغنائية الغائبة أو المغيبة التي ميزت وأثرت الشعر العربي على امتداد تأريخه الطويل حتى وصلت إلى عصرنا هذا لتتحول إلى سبة أو تهمة... وكذلك لا بد له من البحث عن جماليات جديدة غير تلك التي استسهلكها أسلافه من قبل...
فإذا كانت الذائقة العربية ترى أن الشعر الجيد - بناء على ما تقدم - هو الذي يمتع ويطرب ويسحر ويفتن ويؤانس بالدرجة الأساس، بالإضافة إلى ما يقدمه من وظائف معرفية، موظفاً من أجل بلوغها وتبليغها كل عناصر الجمال تلك. فأننا يمكننا القول أن هذه الوظائف والغايات والوسائل، قد تغيرت بتغيرات الشعر نفسه. فلم تعد اللذة في الوصف، بل في رؤية ما لا يُرى. ولم يعد المعنى في المضمون، بل في الهيولى. وهذا هو الذي قاد بعض النصوص الهزيلة أو المصطنعة إلى دهاليز الغموض والتعقيد المتولد من حشد الصور والتراكيب والرموز المجردة، متوهمين أنها هي "الشعرية الجديدة"...
وهي ليست كذلك. ليست إلاّ عجز الشاعر الكليل عن قول شيء، وتشكيل شيء واجتراح شيء...

عدنان الصائغ*
* شاعر عراقي مقيم في لندن

 

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept