الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 


مبتدأ
للصورة بعدان






مبتدأ
وطن

ببراءة الأطفال كان يعشق تفاصيل المكان والوجوه ..
يعشق البحر والأشرعة والمواويل والنوارس وعرشان السعف ..
يعشق جلسات السمر ورمسة البحارة، يسردون أحاديثهم عن الغوص والرحيل والغياب والحنين ..
يعشق النخيل والظلال وخطوات الهواء بين سكك البساتين عند الظهيرة ..
وكان ثمة شعور غامض مشوب بالحزن يجتاحه كلما أنصت مساء لهديل الحمامة على سدرة تنتصب في قلب الحقل، كالعجوز المباركة التي أناخ الدهر ركابه تحت قديمها.
تقدمت خطواته قليلا في الزمن، فبدأ يستمع ـ عبر المذياع الذي أتى به أخوه الأكبر من الكويت ـ إلى أغنيات الزمن الجميل .. كان يطرب لمحمد زويد وسالم راشد الصوري وعبدالله فضاله ومحمود الكويتي وعوض الدوخي وعائشة المرطه وموزة خميس... الخ!
نشأ وهو يحفظ ( لمع البرق اليماني) و( يا ذا الحمام) و( يا متلف الروح) و( يا علي صوت بالصوت الرفيع) و( يا مركب الهند) وغيرها من الأغنيات التي كان يجد فيها كل جمال الروح وبهاء الحياة.
سرعان ما بدأ يشده نوع آخر من الأغاني التي كان يسمعها بعد عودته من الحقل يوميا .. كانت الكلمات مختلفة .. الإيقاع مختلفا .. المضامين مغايرة .. لقد أخذت تشكل له وعيا آخر، وتوقظ لديه إحساسا مختلفا، بدأ يكتشفه في ما يكتشف من خفايا الحياة والوجود ..
لقد بدأ يستمع ( عماني أصلي وفصلي) و( بيت الفلج كله ضباط وجنود) و( حاميها جيش عربي) .. وسواها من الأعمال التي لفتت انتباهه إلى مفردة بديعة تتكرر بين ثناياها، وهي مفردة ( الوطن)
حينها علم أن كل ما مضى من التعلق والعشق ليس سوى إرهاصات لعشق أشد وقعا وأعظم قداسة .. إنه حب الوطن .. الوطن الذي من أجله يموت الأحرار وفي سبيل كرامته وحريته يناضل الشرفاء.
أثناء لعبه على سيف البحر كان ينظر بتوق ومهابة إلى الأعلام الصغيرة التي ترفرف على سطوح المنازل العتيقة المتناثرة على طول الساحل الوادع.
كانت دهشته غامرة حينما رأى لأول مرة علم بلاده على شاشة التلفزيون ( العادي) الذي جلبه لأول مرة المرحوم علي ( ...) ووضعه في المقهى الجديد الذي كان يقدم فيه المشروبات الغازية، التي ظنها الصغير في بادئ الأمر مجانا، فتناول منها ثلاثا حين تردد إلى المقهى بمعية رفيقه الساذج، حتى تراكمت ديونه إلى 150 بيسة!
بانتشاء بالغ بدأ ينظر إلى ناقلات الجند التي كانت تتردد على الحارة بحثا عن من يرغب في الالتحاق بشرف الخدمة العسكرية.
كم كان يتمنى أن يرتدي الزي المشرق الذي يراه على قامة الجندي في الناقلة.
............................
.....................
بتاريخ .... التحق بالخدمة
بتاريخ ... تقاعد من الخدمة
قال له الأصدقاء: ذبلت زهرة شبابك.
قال: غرستها في تراب الوطن.
قالوا: ولكنك لا تمتلك حتى بيتا يأوي أطفالك.
قال: سأجد مرقدا بعد موتي في تراب الوطن.
...........................
..........................
نما الطفل، ونمى في قلبه حب الوطن .. كلما أوغل في متاهة العمر أوغل في حب الوطن.
نما الطفل، ونمت أحلامه وآماله وأيضا ديونه التي بدأت بـ 150 بيسة!


حسن المطروشي

أعلى




بعد منتصف الليل (5)

(27)

لم يعتد فقد الأمل بل كان دوما مأخوذا بالتجريب في كل سنواته الماضية، مواقف كثيرة يتذكر فيها مقولة هيلين كيلر (( الحياة إما أن تكون مغامرة جريئة أو لا شيء )).

(28)

كان أخذ المشورة مهما في اتخاذ قرار مصيري لاسيما وأ الأمر يتعلق بمسألة بقاء أو فناء.
لذا كان قرار السفر لطلب الشفاء في الخارج بمثابة التأكد والتشبث بالأمل والتمني بأن يكون التشخيص هنا خاطئا كما كان يقنعه بفكرتها أشخاص حين يلتقي بهم يؤكدون له نظريات ورود الخطأ من خلال تشخيصات أقارب ومعارف لهم ساردين له حكايات يقترب بعضها من الخيال.

( 29)

لم تعد الصعوبة في بلع الطعام فقط بل أصبح ربع كوب من الماء بحاجة إلى جهد ربع ساعة لشربه.

(30)
وزنها واصل انحداره متراجعا خمسة عشر كيلوغراما.

(31)

السفر ضوء في آخر النفق بالنسبة إليه وبالنسبة إليها أيضا وإن لم تعلم بعد بما نجم عنه تشخيصها في بلدها.

(32)

أخذ أولاده إلى بلدته استعدادا للسفر فيما تركها وحيدة في مسقط تعاني آلامها، فعاملة المنزل لم تصل، ومكتب استقدام العاملة الوافدة خلق لهما مصاعب إضافية نتيجة لمواعيده التي لا تسفر عن فائدة. حيث قضى ثلاثة أشهر خلف ذلك المكتب المشؤوم الذي يقدم له كل يوم عذرا مختلفا عن سابقه، ابتداء من رفض صاحبة الطلب الحضور وانتهاء باكتشاف حمل صاحبة الطلب الثاني .

(33)

كان وداع الأبناء في البلدة حزينا حينما تركهم في رعاية جدهم وجدتهم.
طبع قبلة على رأس كل واحد منهم وهم نيام في أسرتهم عند الفجر.
وقد تعمد الخروج من البلدة فجرا حتى لا يتعلق به ابنه ذو العامين وسبعة أشهر وحتى لا تتأثر ابنته ذات الأعوام الأربعة فيتركهما يبكيان.


خليفة بن سلطان العبري

أعلى





يعملون في تناغم تحت سقف الإبداع
سعود وخميس وعبدالله الحنيني وفخراتاج الإسماعيلي .. عائلة فنية بامتياز

الإخوة الحنيني: لكل منا وقته المميز وطقسه الخاص وسنطرح معا تجربة التشكيلية مغايرة

فخراتاج: الفن يقرب الأفكار بنيني وبين سعود، وأنقل مشاعري بالألوان حين تعجز الكلمات

حوار حسن المطروشي: مما لا شك فيه أن كل متتبع للتجربة التشكيلية للإخوة سعود وخميس وعبدالله الحنيني، سيجد فيها الكثير من الدهشة والفرادة والتساؤل، كما لها من الخصوصية الإبداعية العالية.
عائلة فنية يجتمع تحت سقفها ثلاثة تشكيليين من الطراز الأول، ثم تنضم إليهم بعد ذلك الفنانة فخراتاج الإسماعيلي التي تزوجت من الفنان سعود الحنيني، لتكمل الزاوية الرابعة في المربع الفني الذهبي الذي تشكله عائلة الحنيني الفنية بامتياز.
يشترك الفنانون الأربعة في صياغة مفردة الجمال، ويتفاعلون مع القضايا الإنسانية والوجودية التي يعبرون عنها عبر فضاء اللوحة، فينسجون أعمالا تشكيلية غاية في الدقة والإبداع والجمال، حازت على الكثير من الجوائز الكبرى محليا وخاريجا، توجها حصول الفنان سعود الحنيني على جائزة السلطان قابوس للإبداع الفني، بمناسبة مسقط عاصمة للثقافة العربية عام 2006 م.
إلى جانب ذلك فهم يختلفون في الرؤى وطرائق التعبير والطقس الإبداعي والوسائل المستخدمة والألوان والأساليب. ففي حين يشتغل البعض على اللوحة التشكيلية، يزاوج الآخر بين ذلك وبين النحت، فيما يمارس البعض الموسيقى كهواية مجردة إلى جانب اشتغالاته الفنية المتعددة.
(أشرعة) دخلت إلى عالم الإخوة الحنيني، وتحدثت معهم، ونبشت أفكارهم، واطلعت على طقوسهم السرية الخاصة في الفن، حيث تحدثوا عن الكثير عن هذه التجربة التشكيلية الفريدة..

الصغير يتأمل

* ما هو المحرض الأول لكم في مجال العمل التشكيلي، وكيف تصفون البداية؟


** كلنا يتميز بحساسية خاصة تجاه الكثير من القضايا الإنسانية، كما أننا جميعا نمتلك حبا للجمال ورغبة في التعبير عن هذه الأحاسيس.. يحرضنا العطش إلى الألوان والأشكال والضوء والظل، وكأننا عندما ترسم نروي ظمأنا للحرية والخير والجمال.
وينفرد سعود بالحديث متذكرا البدايات قائلا: كنت أراقب أخوي الكبيرين خميس وعبدالله يرسمان على الأرض، ويتنافسان، فأحاول تقليدهما، وعندما كبرنا قليلا كانا يرسمان بواسطة ألوان (طلاء الجدران) وأحاول أيضا تقليدهما باستخدام أدواتهم وألوانهم، وكنت أطلب منهما مساعدتي إلا أنني أتذكر رفضهما المساعدة في الرسم على لوحتى واقتصرت توجيههما وتشجيعهما دون التدخل المباشر.

* ثلاثة فنانون من عائلة واحدة .. هل بحثتم عن أي تفسير لهذه هذه الظاهرة؟

** ربما هي عدوى فنية تنتقل من الكبير إلى الصغير، حتى انتشرت وما زالت تنتشر في العائلة .. إننا لا نملك تفسيرا لذلك .. إننا نرسم فقط أما التفسيرات والتأويلات فنتركها لذوي الاختصاص.

* جميعكم يمتلك طاقات إبداعية كبيرة، ويرسم في مجالات مختلفة، وتتناولون قضايا بالغة الحساسية والجمال، ما هي نقاط الاتفاق والاختلاف بينكم؟

** نعمل بروح التكامل، فكل منا يكمل الآخر برؤيته الفنية وحساسيته النقدية، فاللون ومهاراته من اختصاص عبدالله، بينما يتميز خميس بالدقة المتناهية وسعود في الضوء والظل، وفخراتاج بتمازج الألوان ونعومتها من جهة أخرى. نختلف أحيانا في الموضوعات، أو لنقل أفكار العمل، فكل منا له شخصيته، فخميس يشتغل على الكتلة المجسمة والنحت، وسعود على الخط العربي، وفخراتاج لها لوحات باستخدام أداة السكين.

ارتقاء نحو الأجمل

* ما هو طقسكم الأسري، وهل لديكم مرسم خاص في المنزل؟ وهل ترسمون مجتمعين أم كل بمفرده؟

** لدى كل منا مرسمه الخاص، وفي حالة العمل المشترك نجتمع في استوديو أحد منا، ويختلف كل منا في طقسه للرسم، فسعود يحب أن يرسم صباحاً بينما عبدالله يحب أن يرسم ليلاً أما خميس فيرسم عصراً .. لكل منا وقته المميز وطقسه الخاص !.

* هل تتنافسون؟

** بالتأكيد، فالمنافسة تشجعنا على المزيد من العطاء والمثابرة والارتقاء نحو الأجمل والأجود، كما أننا نتناول أعمال بعضنا البعض بالنقد وتوجيه الملاحظات وإبداء الآراء، كما أننا نحب أحياناً أن نفا جيء بعضنا بأعمالنا جديدة.

* الكثير من الأعمال الهامة تتعرض لتلف والضياع إذا لم يتم حفظها وصونها جيدا.. ألا تفكرون في حفظ أعمالكم في مكان خاص كمتحف صغير يكون ذاكرة للعائلة والأجيال القادمة؟

** نعم هذه الفكرة حاضرة في ذهننا كما إننا نهتم بالمحافظة على أعمالنا بشكل جيد، رغم إنها قليلة جداً كون أن معظم أعمالنا تباع مباشرة من خلال المعارض وغيرها، فكثيرا ما نرسم بناء على طلبات مسبقة.

تفردات

* هل تمارسون أي نشاطات فنية أخرى غير التشكيل؟

** نعم فخميس كما قلت ينفرد بفن النحت والأعمال المركبة وسعود لديه تجارب في الخط العربي ويجيد العزف على بعض الآلات الموسيقية من وقت لآخر وكلما احتاج للراحة خلال الرسم.

* هل تفكرون في عمل مشترك يكون نوعيا ومغايرا؟

** إن شاء الله سنحاول في العام القادم أن نطرح معا تجربتنا التشكيلية بطريقة مغايرة عما عرفنا بها الجمهور سابقاً.


مشاعر ملونة
* ونختتم حديثنا مع الفنانة فخراتاج الإسماعيلي ( زوجة الفنان سعود الحنين) التي تحدثت عن تجربتها في العيش بين أفراد عائلة فنية.. ما الذي أضافت إليها وكيف تصف هذه التجربة بشكل عام، فتقول فخراتاج: لا شك أن تواجدي وسط عائلة فنية يعد إيجابياً نظرا لما اكتسبه من خلال المناقشات التي تجمعنا اللقاءات العائلية، كما أضافت إلي مهارات جديدة وتقنيات نقلها الى اساتذة ذوو خبرة واسعة كالأخوة الحنيني، وعلى الصعيد الشخصي فإن الفن يقرب الأفكار بنيني وبين زوجي سعود، كما إنني انقل في بعض الأحيان مشاعري عن طريق الألوان حين تعجز الكلمات عن ذلك !.
وبشكل عام هي تجربة ثرية ومفيدة من خلال تبادل الخبرات والمهارات والأفكار لناجمعياً.

أعلى





التناسب بين الشخصية والمكان في الرواية العمانية 4 / 5
(سعود المظفر - محمد عيد العريمي و حسين العبري) نموذجا

ينقل العريمي وجهة نظر الرجل الغربي للعربي على أنه بدوي لا يزال يسكن الخيام في الصحراء ويمتلك بئر نفط

العريمي مغرم بالصحراء لا يكاد يترك شاردة ولا واردة عن الحياة في القرية وفي البيئة الصحراوية إلا ويذكرها


بين الماء والصحراء

في روايته الثالثة أو سيرته الثانية بين الماء والصحراء كرس محمد عيد العريمي، رؤيته للصحراء كبدوي وسجل سيرة محمد ود عيد وانتقاله من حياة الصحراء لحياة البحر والماء، و صور بكل دقة الفوارق الحياتية والمعيشية بين الصحراء والبحر بكل دقة، عن سفن الصحراء وسفن الماء عن الحداة والبحارة، وتحدث عن الرحيل نحو الماء وعبور الصحراء إلى المدينة البحرية صور، مسجلا كل ما شاهده وكل ما عيشه في الصحراء. وكان للمدينة المعاصرة والحوار الحضاري بين البدوي وبين الثقافة الغربية ووجهة نظر كليها للآخر حضوره المعنوي، أي أنه لم يركز على البدوي وعلاقته بالآخر الموجود في المدينة العربية فقط، ولكنه وسع من وجهة نظره للآخر الموجود في العالم الغربي ووجهة نظر هذا الأخر للعربي عموما وله كبدوي. وهذه النظرة للآخر الغربي والعربي أيضا طرحها العريمي في مذاق الصبر في معالجته لنظرة المعاق العربي والخليجي لموضوع الرجولة وعلاقته بالآخر عربيا كان أو أجنبيا، وينقل العريمي وجهة نظر الغرب للعرب وصورة الرجل الغربي للعربي على أنه بدوي لا يزال يعيش في خيم في الصحراء ويمتلك بئر نفط، وهذه الصورة ينقلها من خلال حديثه مع رجل أميركي كان يجلس بجنبه بالطائرة، ومن خلال زميلته راكساند خلال دراسته بالجامعة، يقول الراوي في حديثه مع العجوز الأمريكي: بعد تناول وجبة العشاء، تبادلت مع جاري أطراف الحديث، ودار بعضه حول دراستي الجامعية، وسألني كثيرا عن بلدي وأين تقع، وحينما تعذر عليّ شرح موقع عمان على خارطة رسمتها على قطعة من محارم الورق، اكتفيت بالقول: Arabia.. وهذا اختصار لكل ما هو عربي بغض النظر عن نوعه ومكانه من خارطة الوطن العربي. هز رأسه وقال:
- نعم..نعم أسمع عنها كثيرا!
ثم سأل:
- أما زلتم تعيشون في الخيام مع جمالكم وإلى جواركم آبار النفط؟
- ابتسمت!
وزادت ابتسامتي عرضا حينما تذكرت موقفاً مشابها حدث لي مع طلبة السنة الأولى قبل عامين. ولأني أعرف أن الحديث سيطول، ولن يجدي نفعاً، اختصرت الإجابة :
-لا"
أما راكساند والتي وصفت محمد الشاب العربي في بداية تعرفها به أنه الفتى العربي الساذج الذي أمضى الساعة الأولى من لقائهما ينظر إلى الزرين النافرين من تحت (البلوزة) على جانب صدرها أكثر مما كان يسمع إلى كلماتها التي تخرج من فمها"، اكتشفت أن هذا الشاب العربي الساذج كانت لديه من الصفات الإنسانية أكثر مما يمتلك زملائها الأميركيين، فتقول في مذكراتها" أتضح لي أن هذا الفتى العربي الذي وصفته بالسخف خلال لقائي الأول به حينما كنت أتدرب في معهد اللغات بالكلية.. أتضح لي أنه نبيل الخلق، فقد حضر. ولا أدري كيف آل إليه الخبر. إلى الكنسية لمواساتي في وفاة جدتي.. وكان يرتدي حلة سوداء أنيقة ويمسك بأصابعه السمراء وردة بيضاء وضعها بخشوع جم إلى جانب الجثمان، وعندما أهالوا التراب على التابوت، كان يلامس كتفي.. شكرا يا محمد" وتأكدت الفتاة الأميركية أن الإنسان العربي ليس ساذجا وليس بدويا جلفا ولكنه يملك قيما حضارية وهو يعتز بعروبته وبصحرائه وقيمه الحضارية، وأكدت لها تصرفات محمد أن العربي والبدوي يملك قيما وصفات تماثل قيم الشعوب الغربية إن لم يكن أفضل منها، وهو ما برت عنه في مذكراتها. وفي رواية بين الصحراء والماء يمكن أن تكون الأميركية "راكساند دي براون" ترميزاً للغرب الأوربي وأميركا على وجه التحديد، وإذا كان "ود عيد" بطل الرواية لم يحسن التصرف مع "راكساند" في أول لقاء له معها فإنه استطاع أن يكسب احترامها واحتفاءها به بعد ذلك، وبعد بضعة أشهر فقط يندغم بقوة مع ذلك المجتمع المتحضر ويستطيع أن يغير الانطباع الأول عنه حين تكتب عنه "راكساند دي براون" اتضح لي أن الفتى العربي الذي وصفته بالسخف خلال لقائي الأول به حينما كنت أتدرب في معهد اللغات بالكلية، اتضح لي اليوم أنه نبيل الخلق، فقد حضر إلى الكنيسة لمواساتي بوفاة جدتي، كان يرتدي حلة سوداء أنيقة ويمسك بأصابعه السمر وردة بيضاء وضعها بخشوع جم إلى جانب الجثمان، وعندما أهالوا التراب على التابوت كان كتفه يلامس كتفي، شكراً يا محمد". وبذلك يثبت محمد ود عيد بطل الرواية وبما لا يدع مجالاً للشك أن البداوة التي حملها في رأسه وأسلوب تفكيره بوصفها بنية فكرية وثقافية حاضرة في كيانه لم تقف حائلاً بينه وبين أرقى أنماط الحضارة وأعلاها شأواً هناك في الغرب الأميركي، ولم تدفعه تلك البداوة إلى الانكماش والانغلاق وإنما أثبت محمد ود عيد أنه قادر على أن يتكيف وبمرونة عالية لهذا الزخم من الأفكار والسلوك والرؤى التي لم تدر بخلده حين كان محاصراً برمال الصحراء وقيمها وتقاليدها. الدكتور صبري مسلم، رواية بين الصحراء والماء، وهاجس التفرد
ونجد في هذه الرواية الكثير من أجواء البيئة القروية والبيئة الصحراوية فالعريمي المغرم بالصحراء لا يكاد يترك شاردة ولا واردة عن الحياة في القرية وفي البيئة الصحراوية إلا ويذكرها:يقول في وصف القرية:: كسائر بيوت القرية، بنيت جدران بيتنا وأسقف مرافقه من جذوع شجر النخيل وسعفه ومن جذوع أشجار الغاف والسمر وأغصانها.. تجمع في حزم وترص بحبال ألياف النخيل.. ويضم البيت عددا من العرشان المفتوحة التي تؤمن الظل وتسمح بانسياب الهواء، ويقام المنزل عادة قرب شجرة غاف وارفة أو تحت ظلها. وتستغل الشجرة إذا كانت خارج المنزل للاحتفاء بالضيوف وإقامة المناسبات.." وترافق هذه الصورة المكانية صور أخرى لسكاني المكان والشخصيات التي ترافق المكان ، فيقول "كنا ستة : جدتي لأمي التي لا تكف عن رواية الأساطير عن جدنا الظفري، وأمي التي كانت لي بمثابة الأب قبل أن تكون والدتي، وأختي الكبرى ، وكانت لي مثل أمي، وأختي التي تصغرني.. ربيعتي: رفيقة لهوي، وأختنا الصغرى سادستنا، وكلب جدتي الأعور. وإلى جوارنا بيت خالي، الذي ظننته في سنواتي الأولى، وأنا اسمع أمي تردد على مسامعي (الخال والد) أنه أبي. وهنا صورة أخرى من صور الترابط أو التباعد في المجتمع الخليجي الجدة أساس البيت والأب الغائب في أسفاره ورحلاته للتجارة أو في البحر والأم التي تقوم على رعاية الأسرة والخال الذي يكون في مقام الأدب. ويقدم الراوي صورة للأب عندما يعود من أسفاره البعيدة، فيقول: كان والدي قليل الحضور إلى القرية.. يسافر كثيرا، وحاله كحال ملاك السف في ذلك الوقت، يمضون جل وقتهم في البحر. حين يأتي إلى القرية، يحدث ذلك من دون سابق لإنذار، ويكون عادة خلال ساعات الليل، فأنه يأتي مسلحاً ببندقية وخنجر.. متوشحاً أحزمة الرصاص حول خاصرته وصدره. كان مظهره على ذلك الشكل يثير في نفسي الخوف والزهو في الوقت نفسه.. لا سيما أنه كان يصبغ شعر لحيته بالحناء ليعطيها لونا أحمر كالنار"
وهنا يعطي الراوي صورة واقعية وحقيقة لرجل القبيلة العماني في تلك الفترة، وهي صورة لرجل يناسب الزمان والمكان، وصورة تبعث على هيبة الأب في نفوس أولاده وصورة الربان الذي يجيد قيادة صورة مبنية على الشدة والحزم. ويصف الراوي علاقته بالمكان وهو وادي المر فيقول: "هناك في وادي المر بالبادية العمانية .. باشرت قراءة القرآن الكريم في الهواء الطلق تحت ظل شجرة، وتعلمت تحضير سلطة "المكيكة" من براعم ورق شجر الغاف، وتدربت على ركوب الجمال، وتصويب البندقة والضغط على الزناد. في الصحراء رأيت الشمس تلف برداء أشعتها الذهبية كثبان الرمال المتموجة والمتدحرجة على مد البصر.. بألوانها العسلية والصفراء والذهبية، والليل يدخل بثوب مخملي أقرب إلى الزرقة منه إلى السواد، فتتألق السماء بنجومها وشهبها وقمرها. في البادية تعلمت غناء التغرود والطارق، وسهرت في ضوء القمر، ونمت تحت فوانيس النجوم.. هناك عرفت البادية: خصبها وجدبها.. حكاياتها وأساطيرها.. تقاليد أهلها وأساليب حياتهم. وهناك ترعرت وبلغت مبلغ الرجال قبل أواني، واكتسبت مهارات خوض الصراع من أجل البقاء وأولها الولاء للعشيرة فهي طوق النجاة. ويقول الراوي عن تجربته الأولى في الصحراء، "كنت في آخر سنوات العقد الأول من عمري عندما رافقت رعاة الإبل، حيث كنا نمضي أياما نجوب السهول والكثبان الرملية بحثا عن أجمة حالفها الحظ إذ ارتوت الأرض تحتها بالغيث أكثر من سواها. كان طعامنا يقتصر على ما تجود به ناقة والدة من الحليب بعد إرضاع صغيرها، وحبات تمر، وبعض ثمار النباتات الصحراوية، أو لحم أرنب بري، أو غزال تاه عن قطيعه فوقع في مرمى بندقية أحد الكبار منا مع شربة ماء من قربة جلد حتى عودتنا إلى القرية بعد ثلاثة أيام أو أربعة. وبهذا تعرفت عن كثب على المعاناة والمكابدة التي يعيشها فئة من سكان الوادي." وكثيرة هي الصور التي ينقلها الراوي في هذه الرواية عن الحياة وعن شظف الصحراء وعن الممارسات الصحراوية الجميلة وحركة الحيوانات والطيور أنه يرسم لوحة مليئة بحركة الإنسان والحيوان والطيور في تلك الصحراء الجميلة. ولأن صلة "ود عيد" بالصحراء هي صلة الأم بولدها فإنه يتماهى بقيمها وعاداتها التي تغلغلت إلى أعماق ذاته، يرد على لسان بطل الرواية "أنا بدوي عجنته صحراء الربع الخالي بقسوتها ملول وصعب المراس، شبيه بالبيئة التي جاء منها، تلك التي استنفدت كل ما لديه من طاقة على الصبر" بيد أن هذا لا يعنى وبأي شكل من الأشكال أنه نظر إليها بناء على رؤية رومانسية أو افتراضية بل إنه كابد مرارتها وخبر جدبها وعاش حرمانها وهو ما نستشفه من خلال سطور رواية محمد عيد العريمي الدكتور صبري مسلم، رواية بين الصحراء والماء، وهاجس التفرد
وعبر التقنية الروائية الفنية إلى استحالة عودتنا إلى الصحراء بعد أن ابتعدنا عنها مراحل زمانية ومكانية لا مجال لتجاوزها ويستقى هذا من آخر زيارة قام بها بطل الرواية لوادي المر المهاد المكاني الأول له وهو يقع على طرف صحراء الربع الخالي إذ يرد من خلال وعيه وبضمير المتكلم "وصلت الوادي وقد استبدلت المطية بسيارة ذات دفع رباعي، لم أجد القرية ولا ديار قاطنيها، اختفى الوادي تحت كثبان الرمال ولا أثر لحياة كانت، وقفت ونظرت في كل الاتجاهات لا شي غير الجدب والقحط ورمال مجنونة قضت على مظاهر الحياة بقسوة ووحشية"، مما يوثق الرؤية الموضوعية للصحراء والبداوة ومن خلال رواية بين الصحراء والماء وبأسلوب الفن المرهف الذي يتخذ من التقنية الروائية جسراً لرؤية متعمقة ووعي حاد بطبيعة السياق الحضاري الذي نعيشه في هذه المرحلة الخاصة من تاريخ نهضتنا العربية الراهنة. الدكتور صبري مسلم، رواية بين الصحراء والماء، وهاجس التفرد، موقع العريمي على الانترنت.
وعندما يتنقل الراوي للحديث عن البحر المكان المفتوح الآخر فانه يسطر ملحمة أخرى ويقدم صورة رائعة لذلك البحر أنه بحر صور الذي يلتقي فيه المحيط الهندي مع بحر العرب، يقول الراوي:"كنت أظن أن الصحراء فقط لا حدود لها ! لكن بدأ لي في لحظات الاندهاش تلك أن لا شيء أوسع من البحر ولا شيء أكثر إثارة منه! كان الهواء منعشاً.. كان صباح رطبا وأكثر هدوءاً: لا نباح كلب، ولا ثغاء ماعز ولا رُغاء ناقة حلوب...وإن كان البحر ثغاؤه الرتيب حينما تتكسر الأمواج وتلقي زبدها على الرمال الناعمة. كان صباحا آخر .. مختلفا على ما اعتدنا عليه في القرية. بقيت واقفاً.. أنظر مذهولاً من اتساع البحر وامتداده، كان الأفق ينداح مداداً إلى أن يلتقي السماء، وسرت نحوه على عجل.. اقتربت أكثر فأكثر من هذا المخلوق الواسع الذي صنعت له في مخيلتي عوالم أسطورية، وصورا لا تمت بصلة إلى الواقع من خلال حديث أبي الدائم عن البحر والبحارة .. عن الأسفار والمخاطر التي تتعرض لها سفن المدينة ، وهي تمخر عباب البحر في ذهابها وإيابها من مرفأ صور وإلى مرافئ ومدن بعيدة!
حيث يلتقي البحرُ اليابسة، جلست على ركبتي وطبعت كفيّ على التراب الرطب.. أمضيت دقائق وأنا أضغط بيديّ بكل قوتي.. وكأني أسجل حضوري.. علاقتي بتاريخ أهلي البحري، قبل أن أقفز إلى الخلف مبتعدا عن شفة الموج وهي تسح زبدها على وجه الرمال. كان ذلك لقائي الأول بالبحر، الذي أصبح بعد ذلك عشقي الدائم.. الصديق الكتوم الذي ألجا إليه كلما ضاق بي فسحة المكان والزمان.
أن الراوي يسجل بعدسته اللاقطة لقاء الصبي الأول بالبحر ويصور في الوقت ذاته مكانة البحر كمكان في ذاكرة ذلك الصبي. لكن العريمي لا يزال يعيش في المكان التاريخي فهو في روايته "مذاق الصبر" الجزء الثاني، وفي رواية "بين الماء والصحراء لا يزال يعيش أسير للمكان التاريخي وهو صور القديمة بكل مناخاتها ومحتوياتها القديمة ، ولولا رواية حز القيد التي كتبت عن قضايا المدينة المعاصرة، فإننا نكاد نجزم بانتماء العريمي للمكان التاريخي الذي يجد فيه عالمه الأمثل وخصوصا ذكرياته مع المكان الأول مكان الطفولة والصبا ، وهو بهذا ينتمي للاتجاه الرومانسي الذي تشده الأمكنة والأزمنة الأولى، مثل الطفولة والقرية ويفضلها على الأمكنة الحديثة. وقد وظف العريمي الأسطورة في الرواية ، حيث يذكر قصة من القصص الأسطورة التي تتعلق بمكان بين وادي المر وصور يسمى فلقة موسى يقول عنه: " اجتزنا ممر فلقة موسى الموحشة بسلام. لم تكن وحشة الدرب تعزى إلى مخاطر الدرب وحسب ، وإنما إلى الحكايات التي تتناقلها الألسن من جيل إلى آخر .. عن الجن والسحرة والمغيبين. عبر مئات السنين نسج الناس قصصاً كثيرة وحكايات عن فلقة موسى، وعن الملك الغازي الذي كان يطلب كل ليلة خميس عذراء من بنات سكان الرمال.. يبقيها معه أسبوعاً واحداً فقط، ثم يتركها ويدخل على واحدة غيرها في الليلة التالية. وحين طلب واحدة من بنات الشيخ، لم يجد الشيخ حيلة غير الفرار مع أفراد قبيلته إلى مكان آمن" وتستمر أحدث القصة وتؤدي إلى حدوث مواجهة بين جيش الملك الغازي وقبيلة الشيخ وتدخل هنا الجانب الأسطوري في إنهاء الحكاية حيث يروي البعض أن الشيخ توسل للسماء فما كان إلا أن انشق الوادي وبلع جيش الملك الغازي وتقول رواية أخرى أن الشيخ وقبيلته رفعوا إلى السماء وتقول ثالثة أنهم لازالوا أحياء ويعيشون في الكهوف التي خلف الجبال. وهنا نلاحظ ارتباط الأسطورة بالمكان.

د. شُـبّر بن شرف الموسوي

أعلى





الخطاب التوثيقي في تجربة المسافر

في عام 1977م، حينما كان طالباً بثانوية جابر بن زيد أقام أول معرض شخصي للرسم على مستوى السلطنة

بات الراهن بعد أكثر من ربع قرن على معرض المسافر يشهد على الحركة المحلية تغيرات وصياغات نقلتها من الخطاب التوثيقي إلى الخطاب الوجودي

يُعد الفنان موسى المسافر (1956) واحدا من المؤسسين العمانيين - أنور سونيا، موسى المسافر، محمد نظام، أيوب ملنج، حسن عيسى بورك - الذين اجترحوا التخوم الإبداعية عبر تلك المؤسسات الأهلية - الأندية الرياضية - التي وفرت إشارات سارعت النهوض بالخطاب التشكيلي وقراءة مستقبل التأسيس الفني في عُمان. تشكلت بداياته الأولى من الحارة - حارة الزدجال- ثم المدرسة. كان مقلداً بارعاً للرسومات الكرتونية، تعّلم من أحد أساتذة التربية الفنية في مدرسة السعيدية بمسقط الدرس الأول في الرسم.
واضب المسافر على الرسم وأنجز لوحات نصوصها كانت منسجمة مع الثقافة الشعبية، ساعده ذلك الاشتراك في المعارض المدرسية، مستخدماً الألوان الزيتية والجواش. نالت مشاركاته الجانب الأكبر من الاهتمام وإعجاب المدرسة به، والتي ساهمت بدورها في صقل موهبته خطوط بخطوة. ذاع صيته في المدرسة السعيدية (مسقط) في أوائل السبعينيات كفنان بارع ضمن محيطه الطلابي. وفي عام 1977م، حينما كان طالباً بثانوية جابر بن زيد أقام أول معرض شخصي للرسم على مستوى السلطنة بنادي عُمان.
أخذ هذا المعرض مداه التعبيري في إيجاد أرضية أدهشت الآخر بآثار الماضي وباستجابات المستقبل، في فينة لم يكن وعي الفنان فيه متقدماً، ولم تكن هنالك أية دلائل ناطقة لنشأة الصالات أو طرق العرض أو وجود الخامات الفنية أو احتمالات وفرة الجمهور الذائق للعمل الفني. الأمر الذي حدا بغالبية الفنانين من جيله أن يتفاعلوا مع النص الواقع على اعتبار أن ذلك يقّرب المسافة بين الفنان والعمل الفني والمتلقي الذي بدأ يهتم بالحركة الشابة. ومنها بدأت الحركة التشكيلية العمانية تتسابق مع الزمن وتنصهر مع التيارات في إثبات ذاتها عبر علائق توفرت لها استكشاف المخفي والمرئي اللذان تجانسا في إطار الحدود لتقديم علامات من التراكمات والاستذكارات المتفاعلة.
لقد شكل حضور الاختزال الماضوي في تجربة الفنان المسافر أبعاداً جمالية، عمل الفنان على استثمارها لجعل النسيج قائماً على الحضور وبشهادة الزمن الغائب الحاضر. هذا الحاضر الذي تمّثل في حضور النص المحذوف والجديد المضاف على روحية اللوحة التي خرجت أمام المتلقي بثوبها الماضوي الحاضر. جسدت عليها مرئيات توافقت مع حدود اللغة في رسم ملامح جديدة للقرية العمانية، استنطقت من الاختزال الذي لم يعرف قوانين الممازجة بقدر ما سعى ضمن اشتغالاته جعل المحددات تتحرك.. تتشكل في تحقيق صدمة ماضوية. تستند في رؤيتها الجمالية على البساطة عند طرح غنائياتها التوثيقية كما نجد ذلك في اشتغالاته: بوابة العشورية، منظر ريفي، بوابة مسقط القديمة، ميناء مسقط، الرزحة، زفة الختان، عودة الزعفرانية، صناعة السفن.
وعلى هذا النحو، أقام الفنان من الموضوع الواقعي نشأة ساهمت بوعي توثيقي في إنتاج فن ارتبط في تعاملاته بمستويات بصرية مقروءة، أطرت الوظيفة التوثيقة/التكرارية، وأحيت علامات تليده، وتقاليد جاوزت الصعوبات في تقديم هذا الإعلان المتّشكل كشهادة لا تتطلب الشرح في تلخيص معرفتها بالآخر الذي تفاعل بدرجات كافية لصنع لغة لا تغادر النص إلا بحوار مرتبط بالأثر المكاني، وتلك المفارقات آلاتية على الامتداد البصر من آفاق الواقعية في جعل الساكن متفاعلاً مع النص.
لم يأت المسافر إلى التوثيقية كي تأسره كليا، شأنه في ذلك شأن العديد من الفنانين العمانيين الذين وقفوا عند التسجيلية/التوثيقية على حساب البحث والتمرد في فترة ما. كان ذلك مقبولاً ومشروطاً باستنتاجات التأسيس، وحقيقة الصراع الداخلي الذي غدا في معايشة أطوار الحياة، المناسبات الدينية والوطنية، أو تلك التي ارتبطت بالمعتقدات الشعبية والطقوس بدرجاتها الوظيفية.
ولأن الموضوعات الشعبية كانت جزءا من الذاكرة العمانية على مر العصور، نجدها قد سمحت ضمن مفارقاتها شروطاً حاكت التأثيرات في تضمين رؤية انشقت من المحلية عند تحديد احتياجات الحالة، وظروف هذا الجيل الذي انحدر من مناطق وثقافات مختلفة، ليظهر صورة مزودة بوظائف جمالية وتفاصيل رسمت طريقين في آن واحد، الأول: كان موجهاً إلى الجمهور التزييني الذي اندفع عن قناعة ذاتية في رؤية تفاصيل تلك الاختزالات الماضوية، والثاني: كان مزوداً باستثنائيات لم يغفل عنها البعض في قراءة الواقع من منظور فرداني/بحثي، يكتب لها مع الزمن استحضارات تتساوى على ضفتها الأبعاد والعلائق لتأسيس هذا الهم المشترك الذي خرج من رحم المكان بآفاق ورؤى مختلفة، أوجدت أمكنة على براءتها، بعضها كانت مباشرة والأخرى أتت لتستيقظ قراءات حلمية، محققة في صورها مشاهد تنامت حتى شكلت حضوراً وتجاوباً منتظماً.
بات الراهن بعد أكثر من ربع قرن على معرض المسافر يشهد على الحركة المحلية تغيرات وصياغات نقلتها من الخطاب التوثيقي إلى الخطاب الوجودي. هذا الخطاب وإن كان بطيئاً عند ظهوره -ومازال- إلا إنه اختزل كل التصورات والقراءات، مستنداً على الارتجاع الفني في تقديم الدلالات ومعان الصور والتفاعل في تحديد الموقف المعّلن وسط تلك الصراعات الباحثة عن شمولية جديدة، أو بلاغة محلية معاصرة تتماشى بصورة طبيعية مع المؤشرات والمنجزات التي أسهمت مع وفرة التكنولوجيا في إضافة مفاهيم مشروطة الأبعاد على المنجز العماني.

حسين عبيد


أعلى





"تجربة السجن في الشعر الأندلسي"
لرشا عبدالله الخطيب

جهدٌ تكمن أهميته في الكشف عن المستور، و فهم الآلية التي اضطلعت بها السلطة في تثبيت دعائمها وإقصاء خصومها، تحرزاً وعسفاً وإكراهاً وقمعاً

أثبتت أنّ الأندلس ليس فكرة فردوسية فحسب، بل تجربة جحيمية للبعض فيها

المكتبة العربية، في أمسّ الحاجة، إلى من يدفع إلى رفوفها بمثل هذا التقصي والنبش والحفر في أمهات الكتب والوثائق والسجلات، من أجل قراءة جديدة لتراثنا العربي

ترى الباحثة رشا عبدالله الخطيب في مقدمة كتابها" تجربة السجن في الشعر الأندلسي"، الصادر في طبعته الأولى عن المجمع الثقافي بأبوظبي 1999م، أنّ دراستها في "موضوع تجربة السجن في الشعر الأندلسي، من الموضوعات المثيرة والمهمة في الأدب الأندلسي؛ لأنّ هذه التجربة عاشها غير شاعر من شعراء الأندلس".
ولا شكّ بأنّ جهداً كالذي تقوم به هذه الباحثة في كتابها، يصبّ في نفس الجهود الحثيثة التي قام بها آخرون، إبداعاً وبحثاً وترجمة، ومقاربة واقتراباً من النكبات والمصائب وصنوف الشدائد والمعاناة التي حاقت بالمبدعين والكتاب في شتـّى العصور. وهو جهد، تكمن أهميته وتميزه، رغم ما يكتنفه من صعوبات، في الكشف عن المخبيء والمستور في سجلات ثقافتنا وتاريخنا العربيين، وفي فهم الآلية التي اضطلعت بها السلطة في تثبيت دعائمها وإقصاء خصومها، تحرزاً وعسفاً وإكراهاً وقمعاً... أمـّا النموذج الذي تخيرته الباحثة فهو زمن الوجود العربي في الأندلس من خلال رحلة ناهزت الثمانمائة سنة، عبر تقصي بيانات خمسة وأربعين شاعراً، أثبتت الباحثة أسماءهم وأزمنة وأمكنة وأسباب سجنهم والمتسببين فيه. كما أثبتت أنّ الأندلس ليس فكرة فردوسية فحسب، بل تجربة جحيمية للبعض فيها.
لا يقدّم الكتابُ رؤية شاقولية تنسرب فيما وراء الكلمات، ولا توغل عميقاً في تتبع مستويات القول وتجليات الحادثة، بل يرصد تاريخيتها ويرصف وقائعها، كما حدثت فعلاً، أو كما نقلها الرواة والمؤرخون والشعراء أنفسهم من خلال قصائدهم، وذلك بالاستعانة بالعديد من المراجع التي زودت البحث بتدعيم توثيقيّ يتسم بالإحاطة والشمولية.
كما لا يكترث هذا البحث بالجوانب الفلسفية التي يمكن أن تعمق كثيراً من الرؤى والعلاقات المطروحة بين السجان والسجين، والنصوص التي اجترحتها تجربة الشعراء السجناء. كما لا يذهب إلى تأويلات وحفريات جمالية، كتلك التي يشتغل عليها باحث كعبدالفتاح كليطو في اشتغالاته النقدية الثرّة. وعلى ذلك فقد اقتصرت الباحثة في فصلها الأوّل على "فرشة" تاريخية، هي -في رأيي- الأهم في مجمل الكتاب، وتسرد فيه الباحثة وقائع سجن أولئك الشعراء، وتدرس حالاتهم على حدة، من زاوية نظر تاريخية، وتعرّف بأشهر السجناء من شعراء الأندلس، والمحن والويلات التي عصفت بهم وبحياتهم. ثمّ تتبع ذلك بفصلين نقديين آخرين، يرتكزان على مجموعة من الاستنتاجات والخطرات والرؤى النقدية، من خلال تأملها للشواهد والمقاطع والقصائد المثبتة، سواء من ناحية موضوعات أشعار السجناء (الفصل الثاني)، أو من ناحية أساليب الشعراء في وصف تجربة السجن (الفصل الثالث).
في المبحث الأول، من الفصل الأوّل للكتاب، تقدّم الباحثة فكرة عامة عن نظام السجن، مشيرة إلى أنّ "الدولة الإسلامية قد اتخذت السجون-مثل غيرها- نتيجة اتساع أطراف الدولة، وازديادِ أعداد الرعية وتشابك العلاقات فيما بينهم. فجاءت الحاجة ملحة لإيجاد مكان خاصّ لتنفيذ العقوبات فيه، على من تقع عليهم". إلا أنَّ الباحثة تستدرك من خلال الاستعانةِ بكتاب لعبدالحيّ الكتاني، بالقول: "مع أنّ الحبس الشرعيّ برأي المنظرين والعلماء، ليس هو السجن في مكان ضيق، إنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه، سواء أكان في بيت أو مسجد". ومن ذات المصدر نتعرف، في العهد الإسلاميّ الأوّل، على استخدام الآبار كسجن قبل أن تتحوّل إلى دور. وتلت تلك المرحلة، كما تذكر الباحثة، أن "انتشرت السجون على امتداد رقعة الدولة الإسلامية؛ للحاجة إليها لتنفيذ العقوبات التي يستحقها بعض الأفراد أو الجماعات المخالفة الخارجة على النظام العام للدولة، فضمت المدن الإسلامية سجوناً مختلفة من أجل ذلك".
تذكر الباحثة في هذا المبحث من الكتاب ما كتبه ابن حزم الأندلسيّ عن ضرورة عدم اختلاط السجناء، وأهمية التفريق بين السجناء من ذوي التهم القبيحة "الذين تـُخافُ غائلتهم" عن الآخرين من ذوي التهم المتعلقة بالديون والآداب وأشباهها. سواء فيما يتعلق بالرجال أو النساء.
تقول الباحثة في هذا الشأن:"ويعي ابن حزم في كلامه هذا أنّ اختلاط المساجين أو المسجونات من أصحاب التهم البسيطة مع أصحاب التهم القبيحة أشد خطراً على المجتمع؛ لأنّ في هذا الاختلاط إفساداً للطرف الصالح، بوضعه مع المجرمين ذوي الانحراف الشديد، ولهذا عواقب سيئة على المجتمع".
تقدم الباحثة كذلك معلومات إرشيفية من قبيل أنّ "عبدالرحمن الثاني بن الحكم (رابع حكام بني أمية في الأندلس) هو مؤسس الشرطة المسؤولة عن القضايا الجنائية، التي لا يبت القاضي فيها. وكانت سابقاً من صلاحيات المحتسب (صاحب السوق) المسؤول عن النظام العام. ثمّ ظهر التمييز بين صاحب الشرطة وصاحب المدينة في القرن التاسع الميلادي".
أما عن سجون الأندلس، فتذكر الباحثة أنه "في كل مدينة في الأندلس كان يوجد سجن عامّ، ينسب إليها، مثل سجن شاطبة، سجن طـُرطـُوشـَة، سجن غرناطة، وغيرها. وقد يكون في المدينة الواحدة أكثر من سجن" كما في قرطبة.
ويبدو أنّ على السجين أن يتدبر أمر مأكله ومشربه ومنامه في السجن. كما في المثال الذي أوردته الباحثة عن الشاعر يوسف بن هارون الرمادي، الذي "جاء إلى باب سجن الزهراء لتسليم نفسه، وقد أقبل مغيّراً طلعته شادّاً حيازيمه، واضعاً لـُبـَداً فوق رأسه كيما يتوطأه في السجن".
ومن الصورِ التي قضاها السجناء، السجن الانفراديّ الذي حاق بجعفر بن عثمان المصحفيّ، الوزير الحاجب زمن الحـَكَم، الذي "قـُتِلَ خنقاً بسجن المُطْبَق، بالبيت المعروف ببيت البراغيث". لكن جعفر هذا نفسه: قد سَجَن رجلاً، في عهدِ الناصر، ولم يتذكره إلا بعد أربعين عاماً، حيث أطلق سراحه بعدها بسبب رؤيا جاءته في منامه، يدعو ذلك السجينُ فيها على جعفر أن يميته في أضيق السجون، وهو ما تحقق فعلاً.
ومن لوازم السجن، يتبدى لنا: القيد، والكـِبْل (وهو القيد العظيم)، و"في حديث ابن الخطيب عن محنة الوزير أحمد بن عباس أنه ساءت حاله مع باديس أمير غرناطة، فحبسه. وكان أسيراً ذليلاً، يرسف في وزن أربعين مثقالاً من قيده، ثمّ قتله بعد اثنين وخمسين يوماً من أسره".
وعن امتيازات بعض السجناء تذكر الباحثة بأنّ "بعض السجناء كان يسمح لهم بالكتابة واستخدام أدواتها. فقد كانت الرقاع تصل من قبل المسجونين إلى الحاكم تطلب الصفح والعفو، أو تصله الرقاع التي تتضمن قصائد الاستعطاف والمدح وتوضيح الموقف من قبل السجين". مثال ذلك الشاعر المعتمد بن عبّاد، ملكُ إشبيلية، في عصر ملوك الطوائف، والذي قلب له الدهر ظهر المجن، فسجن، لكنه كان "يتمتع في سجنه بالزيارات من أهله وأولاده وأصدقائه.. وكان له حقّ التواصل والتهادي بينه وبين أصدقائه.." و"مثل الشاعر محمد بن فرج الجَيـّاني الذي كان أهل الطلب يدخلون إليه في السجن ويقرأون عليه اللغة وغيرها". أما"الشاعر مروان بن عبدالرحمن المعروف بالشريف الطليق، الذي سجن وهو فتى يافع.. فقد فتحت (تجربة السجن) قريحته الشعرية ودربته على الصبر وتحمل الألم" وهذا الطليق، كما يذكر الحميدي في (جذوة المقتبس): "سجن بسبب جريمة قتل واضحة اقترفها،.. فقد دخل السجن بسبب جارية كان يتعشقها ووجدها مع أبيه فقتله. وسجن وهو بعد فتى يافع لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره". وتذكر الباحثة كذلك، نقلاً عن ابن بسام، مثال الشاعر الرماديّ، الذي "ألف كتاباً (في السجن) سمـّاه (كتاب الطير) في أجزاء.." والشاعر عبدالملك بن غصن الحِجاريّ، الذي "وضع رسالة في (صفة السجن والمسجون والحزن والمحزون) أودعها ألف بيت من شعره في الاستعطاف، كانت سبباً في إطلاقه والعفو عنه".
وفي المبحث الثاني، من الفصل الأول، الذي كرسته الباحثة لأسباب السجن، تنقل عن المِقـَّرِيّ في "نفح الطيب" بأنّ "الاعتقاد بالفلسفة والتنجيم مثلاً من الأسباب التي تؤدي بصاحبها إلى السجن الأكيد في الأندلس، حيث كانت العلوم عند الأندلسيين ذات حظ واعتناء إلا هذين العلمين، الذين يلصقان بصاحبهما لقب زنديق، فيلاحق وتحرق مصنفاته، ويضيق عليه حتى السجن". وفي هذا الشأن لا بدّ أن نتذكر نكبة ابن رشد، هذا الفيلسوف "الذي تعرّض للسجن من قبل المنصور بن عبدالرحمن الموحدي، بسبب الفلسفة" كما تمّ ملاحقة عدد من الأطباء والزجّ بهم في السجون، لأسباب عقائدية.
أمـّا الشعراء، في كتابها الذي خصصته الباحثة لسرد معاناتهم ومكابداتهم في السجون الأندلسية، فتذكر منهم محمد بن مسعود البجّانيّ، الذي سجنه المنصور بن أبي عامر، والشاعر عبدالعزيز بن الخطيب، الذي أمر المنصور "بضربه خمسمائة سوط، ونودي عليه باستخفافه ثم حبسه، ونفاه بعد عن الأندلس". وكذلك الفيلسوف الشاعر ابن باجّة، الذي "زجّه ابراهيم بن يوسف بن تاشفين في سجن شاطِبة، لاشتغاله بالفلسفة..".
وفضلاً عن الذين سجنوا لأسباب تتعلق بآرائهم ومعتقداتهم الفلسفية والدينية وتطاولهم الشعري، فهناك "كثير من الشعراء عانوا السجن بسبب مؤامرات وسعايات الحساد عليهم، حيث عمل الحاسدون على الإيقاع بهم وتوغير صدر الحاكم عليهم، والإلقاء بهم في غيابات السجون. فمن هؤلاء عمالقة الأدباء الأندلسيين الشاعر ابنُ شـُهـَيْد، والعالم الجليل ابن حزم، والشاعر ابن زيدون.. والشاعر الكبير لسان الدين بن الخطيب ذي الوزارتين، الذي وقع أيضاً فريسة المؤامرات السياسية التي دبرت ضدّه".
ومن سجلّ الشعراء الذين سجنوا، نتعرف على الرماديّ الذي "سجنه الخليفة الحكم المستنصر، كما سجن أحمد بن الفرج الجياني الذي لحقته محنة لكلمة عامية نطق بها نُقلت عنه، ورُفـِعَ له أنـّه هجاه، فنقم عليه لسبعة أعوام قضاها في السجن، حتى مات فيه. وكذلك سجن الشاعر مؤمن بن سعيد الذي ..أوقعه لسانه الطويل في الحبس عندما هجا الوزير هاشم بن عبدالعزيز لما وقع في الأسر.."
أما المبحث الثالث من الفصل الأول للكتاب، فتخصصه الباحثة لما أسمته "طبقات السجناء"، وتبين تعدّد واختلاف بيئاتهم ومشاربهم الاجتماعية والاقتصادية، فمنهم "اللصوص والمجرمون، ومنهم أصحاب النفوذ والسلطة الرفيعة، ومنهم الوزراء والشعراء وكبار رجال الدولة من حُجّاب وقضاة، وأصحاب مناصب إدارية مختلفة، ومنهم الحكام أنفسهم في بعض الأحيان".. ولعلّ أشهر مثال على ذلك، هو سجن المعتمد بن عبـّاد، في سجن أغمات، على يد يوسف بن تاشفين، ملك المرابطين. وكذلك شخصية الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر، الذي حجر على الخليفة، وتولى أمور الخلافة بنفسه، والتي دفعته إلى قتل ولده عبدالله، والتخلصّ من حاجبه المصحفيّ، وقائد جنده غالب الناصريّ.
في المبحث الرابع والأخير من الفصل الأوّل، تتناول الباحثة أكثر العصور والحكام سجناً، وتنقل لنا الصورة المأساوية لصور السجن والاعتقال في العهد الأندلسيّ برمته، كما تذكر بأنّ المنصور بن أبي عامر كان "سبباً في الإيقاع بحوالي عشرة شعراء، وسجنهم؛ لانتقامه وبطشه بهم، أو ملاحقتهم بسبب تهم تمسّ الدين.. ومنهم من سُجِنَ أيضاً على خلفية مؤامرات سياسية والطموح نحو الحكم". وكذلك العصر الذي يلي عصر الحجابة العامرية، وهو عصر الفتنة، قد شهد حركات اعتقال وسجن كثيرة.
في الفصل الثاني ينتقل بنا الكتاب إلى "موضوعات أشعار السجناء" وهو فصل زاخر بالشواهد الشعرية، وفي مبحث الاستعطاف والرجاء تخلص الباحثة إلى "أنّ مواقف الشعراء في استعطافهم تفاوتت بين متذلل للحاكم الذي أمر بسجنه، وبين معتز بنفسه، وبين جماعة وسطى تقف بين الطرفين".أما في المبحث الثاني فتخصصه لـ "وصف المأساة" من خلال تجربة السجن في قصائد الشعراء. والمبحث الثالث لـ"وصف مكان الشعر" حيث الإحساس بوحشة الأمكنة وضيقها، وحيث السجن رديف للعبودية والذل والانكسار وانعدام الحرية. والمبحث الرابع تطوف فيه الباحثة في "الحديث عن الذكريات"، والمبحث الخامس في الحديث عن السجناء الذين توافق أن كانوا موجودين معهم في نفس السجن، والمبحث السادس في "وصف القيد"، والمبحث السابع، تتطرق الباحثة من خلاله إلى ما باحت به قرائح الشعراء وزفراتهم داخل السجن، من "تحذير الشامتين وإنذارهم". وفي المبحث الثامن، نجدنا أمام ثيمتي "الأمل واليأس" اللتين تكتنفان حياتهم الحبيسة والأبواب الموصودة خلفهم، في توزعهم بين موقفي الرجاء والاستسلام، ثمّ في المبحث التاسع، نتعرف على بعض الحكم التي وردت على ألسنة الشعراء السجناء، من خلال تأملاتهم في واقع الحال، وفي تحوّلات وتقلبات الزمان بهم.
أما الفصل الثالث، فحول أساليب الشعراء في وصف تجربة السجن. وينفتح المبحث الأوّل فيه على بناء القصيدة، من خلال شكلها ومضمونها. فالمبحث الثاني: عن الصدق والطبع ومجانبة التكلف، فالثالث عن العاطفة، فالرابع عن الخيال والصور، ثمّ الخامس عن الرمز.
وبعد، فإنَّ المكتبة العربية، في أمسّ الحاجة، إلى من يدفع إلى رفوفها بمثل هذا التقصي والنبش والحفر في أمهات الكتب والوثائق والسجلات، من أجل قراءة جديدة لتراثنا العربي، وتعميق رؤيتنا الخلاقة للمكتوب والمرويّ والمحكيّ في الثقافة العربية؛ لإعادة كتابة ذلك التراث والتاريخ- رغم تباين المناهج- بروح حرّة، غير مسيّسة، وغير مطعونة بانتحائها السطحيّ وانتمائها الدعائيّ والحزبي والطائفيّ والمذهبيّ الضيق الأفق.

صالح العامري
أديب عماني



أعلى





أثبت أن القطاع العام المصري يستطيع منافسة القطاع الخاص سينمائيا:
"لعبة الحب".. حين يكون تلقّي رصاصة أسهل من الوقوع في الحب!

رسالة الفيلم الفعلية ظلت مختبئة لا تظهر إلا بالتلميح، ومع ذلك فهو يضع يده بشكل معقول على الاختلافات السلوكية بين الرجل والمرأة

الشخصيات تبدو متضاربة في بعض مواقفها، لا لغاية درامية، وإنما لأخطاء وقصور في السيناريو


"لعبة الحب" فيلم للمخرج المصري محمد علي، أنتج عام 2006، وهو من إنتاج جهاز السينما بمدينة الإنتاج الإعلامي بجمهورية مصر العربية، أي أنه فيلم أنتجه القطاع العام.
هناك شروط وقواسم مشتركة بين غالبية الأفلام المصرية المنتَجة برعاية حكومية، من ضمنها أن تكون قصص هذه الأفلام صالحة للمشاهدة - قدر المستطاع - من قبل جميع أفراد العائلة، بحيث لا تكون هناك ضوابط لعمر معين لمن يدخلون دار العرض السينمائي لمشاهدة هذه الأفلام. ساهم هذا الشرط في توجيه جهاز السينما نحو اختيار قصص ذات موضوعات اجتماعية، والبعد عن القصص العنيفة أو تلك التي تظهر فيها لقطات تعاطي المخدرات أو تمتلئ بمشاهد الرقص الشرقي التي توجد أحيانا في أفلام القطاع الخاص لأسباب ربحية بحتة. إلا أن المنافسين من القطاع الخاص يشِيعون أن أفلام القطاع الحكومي مملة وغير جاذبة للجمهور. كما يبتعد الكثير من الممثلين عن المشاركة في أفلام القطاع الحكومي لتدني الأجور. يأتي فيلم "لعبة الحب" ليدحض هذه الشائعة وليثبت أن جهاز السينما المصرية الحكومي قادر على إنتاج أفلام مشوقة متميزة يشارك فيها نجوم الصف الأول. أما على صعيد المضمون فإن "لعبة الحب" فيلم أجاد طرح مسألة الاختلافات السلوكية بين الرجل والمرأة، وهي موضوعة يحوم حولها إنتاج القطاع الخاص المصري لكنه لم يقترب منها يوما بالعمق المعقول الذي فعله فيلم "لعبة الحب" (وإن كان المرء يتمنى لو أن الفيلم استطاع أن يذهب أعمق قليلا مما ذهب إليه في هذا الصعيد).
* * *
فيلم "لعبة الحب" من تأليف سامي حسام وأحمد الناصر، ومن إخراج محمد علي. وهو من بطولة هند صبري وخالد أبو النجا.
تدور قصة الفيلم حول شخصيتين رئيسيتين تكونان منفصلتين في البداية ثم يجمعهما قدر مشترك لن نعرف أبدا إلى أين سيأخذهما، فقد تركناهما في محطة القطارات وربما لن نعرف يوما هل استقلا نفس القطار أم لا. "عصام" (الذي يلعب دوره الممثل خالد ابو النجا) رجل متزوج منذ ثلاثة أعوام وليس له أطفال. وضعه المادي مناسب ووظيفته جيدة. لكن حياته الزوجية لا تسير بشكل جيد. فبلا سبب محدد تسرب الملل إلى زواجه فغدا الزواج مجرد دورة غير منتهية من الجدال. زوجة عصام لا تعمل، ونفهم في المشاهد الأخيرة أن ذلك قد تم بناء على طلب زوجها ربما لأنه رجل تقليدي ممن لا يحبون خروج نسائهم للعمل.
من نقاط ضعف سيناريو الفيلم أن شخصياته تبدو متضاربة في بعض مواقفها عن غير قصد. أي متضاربة لا لغاية درامية، وإنما لأخطاء وقصور في السيناريو. ففي الوقت الذي يبدو لنا فيه عصام رجلا متفتحا يعمل في مجال تصميم الأزياء ويحتفي برأس السنة بل ولا يمانع في شرب كأس نبيذ، فإننا مطالبين رغم ذلك بتصديق زوجته في ادعائها أنه حبسها في البيت بسبب انغلاقه، فذلك لا يبدو متسقا مع شخصيته المنفتحة. لا يرينا الفيلم رد فعل عصام على اتهامات زوجته، كما لا يرينا الأسباب الحقيقية لسوء العلاقة بينهما. إذ يكرر الفيلم أن المشاكل الأسرية جزء من كل أسرة، فلماذا إذن ينتهي زواج عصام بطلاق مفاجئ خلافا للعائلات التي لها نفس المشاكل لكن الأمر لا يصل فيها للطلاق؟!
على الضفة الأخرى هناك "ليلى" (تلعب دورها الفنانة المبدعة هند صبري). ليلى أكثر حيوية وتحررا من عصام، بدلالة أنها تقيم علاقة مع حبيبها منذ عامين دون أن يزعجها أنهما غير متزوجين. فالحب هو الأساس. لكن لليلى صديقة مقربة محتارة بين حبيبين، لا تعرف أيا منهما تريد أن تتزوجه حقا. وحين يتقدم أحدهما لخطبتها ترى أنه كان متعجلا وتطلب بعض الوقت. هنا أيضا جزء من تناقضات السيناريو. فصديقة ليلى تارة ترى أن التفكير في الزواج سابق لأوانه، وتارة أخرى نراها تبرر ضرورة الزواج العاجل نظرا لأن عمرها قد أصبح 27 سنة وهي تخشى العنوسة. ما يهمنا في أمر صديقة ليلى أنها تؤثّر بشكل غير مباشر على ليلى وتجعلها تعيد التفكير في أمر علاقتها بحبيبها، وبالفعل تتجه ليلى لحبيبها وتطالبه بالزواج بها بشكل فجائي رغم أنهما عاشا سنوات معا دون أن يزعجها أنهما كانا غير متزوجين. يتردد الحبيب خوفا من قضية الالتزام، وبأنه إذا كان الحب موجودا فإن الزواج ليس سوى حبر على ورق، لكنه يعود ليقول أنه موافق على الزواج بليلى طالما هي تريد ذلك. تعتبر ليلى ذلك العرض إهانة لها. فكيف يقول من تحبه بأنه سيتزوجها فقط لأنها هي من طلب منه ذلك، لا لأنه يريد ذلك حقا. وبذا تنتهي الصلة بين الاثنين. وكما يتوقع القارئ الآن، فإن الصدفة تتيح لقاء ليلى وعصام (فقد شاهدنا شيئا من هذا القبيل في أفلام سابقة). ليلى وعصام كلاهما مخذول عاطفيا، فينشأ بينهما شكل من أشكال التقارب يبدأ على طريقة "لا محبة إلا من بعد عداوة". في ليلة تطليق عصام لزوجته بناء على طلبها، يلتقي عصام بليلى وهو مكسور الخاطر ويفرط في الشرب فلا يكون أمام ليلى مفر من العناية به. تلك العناية التي تقود إلى ما لم يتوقعه الاثنان. لإفراط عصام في الشرب وعدم قدرته على قيادة سيارته، لا تجد ليلى مفرا من أن تأخذه إلى شقتها، وهناك يتواصلان بحميمية. في هذا السياق يجدر الإشارة إلى مشهد القُبلة العميقة وهو نادر في السينما العربية، وهي تفصيلة مهمة في هذا الفيلم تُحسب له لأن هذا الفيلم استطاع أخيرا أن يجتاز التابو ويرينا قبلة فرنسية واحدة على شاشة السينما المصرية بعد أكثر من مائة عام من السينما (مما قلل من أهمية هذا المشهد سوء تقبيل هند صبري - على الأقل قياسا بمصداقية خالد أبو النجا في قبلته الحارقة). على أية حال فبعد أن يقضي عصام ليلته بشقة ليلى، يقع في الحيرة إزاء التطورات الجديدة للأوضاع، وتفهم ليلى أن عصام نادم على تواصلهما الحميم وأنه يريد هجرها. هجران ليلى لحبيبين في وقت متقارب يدفعها للتفكير في أسلوب حياتها وعما إذا كان من الخطأ أن تحيا المرأةُ المعاصرةُ مستقلةَ الشخصية في مجتمع محافظ جدا. تتساءل ليلى فيما إذا كان والداها قد أخطآ تنشئتها حينما علّماها أن تكون قوية الشخصية مستقلة الرأي وحرة جريئة في خياراتها. يبدو لوهلة أن هذا هو مربط الفرس في فيلم "لعبة الحب". ورغم أهمية هذا الموضوع (ونعني به موقع المرأة المثقفة المستقلة في مجتمع يحكمه المحافظون)، فإن الفيلم لا يذهب عميقا في هذه الجزئية. فتناول هذا الأمر يتوه وسط القصص التفصيلية الواردة بالفيلم. كما أن هذا التناول يأتي في الدقائق الأخيرة للفيلم -- بحيث يمكن القول أن رسالة الفيلم الفعلية ظلت مختبئة لا تظهر إلا بالتلميح ولكنها أبدا لا تحتل الصدارة. ومع ذلك، وكما أشرنا أعلاه، فإن فيلم لعبة الحب يضع يده بشكل معقول على الاختلافات السلوكية بين الرجل والمرأة باعتبار أن ذلك طبيعة بيولوجية وسلوكية وليس هو المشكلة الفعلية، إنما المشكلة هي كيفية فهم هذه الاختلافات والتعامل معها.
* * *
الخلافات الزوجية موضوع ذبحته سينما العالم تناولا، كما أعطته السينما المصرية اهتماما كبيرا منذ عقود طويلة. ولكن مع ذلك يبدو أن فيلم "لعبة الحب" لديه بعض الجديد ليضيفه في هذا الصدد دون أن يكرر ما قاله السابقون.
في الأفلام المصرية التي تتناول الخلافات الزوجية، تبدو الخلافات محشورة وسط قضية أخرى رئيسية كجريمة قتل أو محاولة الكسب السريع أو الانتقام العاطفي والثأر وغيرها. لكن في "لعبة الحب" فإن الاختلافات السلوكية بين الرجل والمرأة والخلافات الناتجة عن الجهل بكيفية التعامل مع هذه الاختلافات هي بمثابة الشغل الشاغل للفيلم. غني عن القول أن هناك فرقا بين الاختلافات والخلافات. فالاختلافات مسألة طبيعية نظرا لكون الرجل والمرأة جنسين مختلفين. أما الخلافات فتنشأ نتيجة عدم استيعاب وجود الاختلافات، بحيث يتوقع كل جنس أن تكون استجابة الجنس الآخر هي نفس استجابته هو لموقف محدد. يوعّي فيلم "لعبة الحب" بمكيدة تصديق هذا الوهم. فعلى سبيل المثال يطرح الفيلم مسألة حاجة المرأة لرجل يصغي إليها، وأن ذلك يجلب إليها الراحة، وأن حل الخلافات يمكن القيام به بخطوات بسيطة مثل شراء باقة ورد للزوجة الغاضبة والحرص على سماع شكواها وليس تجاهل هذه الشكوى. كما يؤكد الفيلم في أكثر من موضع -ولكن شِفاهةً فقط- بأن الشخصية البشرية متغيرة، وأنه يمكن تعديل اتجاهات الأفراد وتغيير أنماط سلوكهم. وينبه الفيلم أيضا إلى أن هناك الكثير من التصورات الخاطئة تجتاح فكرة الحب. وأن الحب الحقيقي ما هو إلا القدرة على تقديم التنازلات من كلا الطرفين للإبقاء على من نحب. تقول ليلى: "عندما كنت صغيرة كنت أظن الحب شيئا مثل أن أفتدي حبيبي بروحي لأتلقى رصاصة بدلا عنه. الآن أدرك أن الحب هو القدرة على تقديم التنازلات. إلا أن تلقي رصاصة يبدو لي أهون من ذلك!". ومع ذلك فلا يبدو أن أحدا يقدم أي تنازلات في فيلم "لعبة الحب"، وتكرر شخصيات الفيلم الخطأ التاريخي بعدم القدرة على فهم الاختلافات وبالتالي الوقوع في فخ الخلافات التي يكون الحب ضحيتها. إلا أن ثمة ضوءا يظهر في آخر النفق. فليلى وعصام اللذان تركناهما في محطة القطارات، لعلهما الآن قد استقلا قطارهما الخاص متجها بهما نحو السعادة الحقيقية.

عبدالله خميس


أعلى





انعكاسات فلكية وهندسية في العمارة الإسلامية

ساحة الأسود في قصر الحمراء بالأندلس، يربض بها اثنا عشر أسداً حجريا تلتف حول النافورة الوسطية يخرج الماء من أفواهها على التناوب كل ساعة بحيث يدل الماء الخارج من "فيّ" الأسد على ساعة معينة

فكرة الفلسفة التي تتضمنها التشكيلات الهندسية ، تؤكد فكرة عدم وجود جزء بدون الكل وعدم وجود انعكاس دون مصدر، وعدم وجود أبعاد بدون كلية الأبعاد

لم تقتصر عجائب العمارة على ما أبدعه الفراعنة في الأهرامات، وعلاقتها بمواضع أجرام فلكية بمجرة درب التبانة، بل تكشف الدراسات المتعمقة في العمارة الإسلامية مشاهدات مشابهة ذات متعلقات فلكية. من ذلك ما نراه في مئذنة ابن طولون أو ملوية سامراء الشهيرة كنماذج للمآذن الحلزونية التي عكست علاقات الكواكب ودورانها. والمثير أن تصميم المئذنة الحلزوني "عكس عقارب الساعة" والمطابق لدوران الارض حول الشمس أو دوران الالكترونات داخل الذرة المعاكس لعقارب الساعة، تتناغم فلكيا مع مثبتات العلم الحديث ومشاهد الطواف بالكعبة بشكل مثير للدهشة. كذلك تدل شواهد أخرى على ارتباط العمارة الإسلامية بمتعلقات الزمن، فساحة الأسود الشهيرة، في قصر الحمراء بالأندلس، يربض بها اثنا عشر أسداً حجريا تلتف حول النافورة الوسطية، صممها المعمار المسلم بحيث يخرج الماء من أفواهها على التناوب كل ساعة وبحيث يدل الماء الخارج من "في" الأسد الحجري على ساعة معينة.
ونظرا لقيام العمارة الإسلامية على قواعد تحرم التصوير والتمثيل، كما كان عليه الحال في الحضارات التي كان لها اليد المطلقة في التمثيل والتصوير كما نراها في معابد اليونان والرومان، فقد اتجهت أنظار المعمار المسلم إلى ربط عمارته بأسس هندسية دفينة ومضامين عميقة قد تخطئها النظرة السطحية. وكان اعتماد المعمار على الخط العربي والزخارف النباتية والتشكيلات الهندسية واحدا منها، إلا أن الدراسات المتعمقة بدأت تكشف النقاب عن علاقات هندسية مثيرة، اعتمدت على قوانين في نسب الجمال، وبالذات نسبة كامنة في البنية الجينية في الخلق الطبيعي تدعى "النسبة الذهبية". فما هي هذه النسبة وكيف وظفها المعمار المسلم في العمارة الإسلامية بشكل مذهل؟
تبدأ القصة مع الرياضي اليوناني فيثاغورس حيث أجرى الدراسات والأبحاث في علوم الطبيعة لدراسة معايير الجمال وعلاقات النسب في الطبيعة، وتوصل إلى ما يعرف بالمستطيل الذهبي أو النسبة الذهبية (Golden Ratio)، وهي نسبة تبلغ (1.618033)، وتسمى (Phi) اشتقاقًا من الحرف اليوناني (?). والمستطيل الذهبي الذي ينتج النسبة الذهبية هو عبارة عن مستطيل مكون من مربع ومستطيل آخر صغير. ولكن المستطيل الصغير والكبير متماثلان، بمعنى ان النسبة بين أضلاعهما متشابهة، وبكلمات أخرى ان ناتج قسمة الضلع الكبير للمستطيل الصغير على ضلعه الآخر تساوي تماما ناتج القسمة للضلع الكبير للمستطيل الكبير على ضلعه الآخر. وقد وجد فيثاغورس واليونان القدماء ان هذه النسبة مريحة بصرياً وتشكل أحد أهم معايير الجمال في الطبيعة، ولذا فقد اعتمدوا هذا المستطيل الذهبي في عمائرهم، حيث أظهرت الدراسات المعمارية الحديثة أن مبنى البارثنون الشهير بتخطيطه المستطيل يخضع لهذه النسبة تماما. كذلك أظهرت الدراسات الحديثة التي أجراها العالم روبنسون أن الهرم الأكبر الذي بناه الفراعنة بالجيزة يخضع لقوانين النسبة الذهبية، حيث أن النسبة بين المسافة من قمة الهرم إلى منتصف أحد أضلاع وجه الهرم، وبين المسافة من نفس النقطة حتى مركز قاعدة الهرم مربعة تساوي النسبة الذهبية. وليس هذا فحسب، فقد تبين أن النسبة الذهبية كامنة في الطبيعة بشكل مذهل بما يصعب تصديقه. فمجموعة الأعداد الرياضية المتتابعة والتي مجموع الأخيرين منها يعطي قيمة اللاحق تكافئ النسبة الذهبية، وهي الأعداد المعروفة بمجموعة "فيبوناتشي" (Fibonacci)، وهي على النحو التالي (صفر، 1، 1، 2، 3، 5، 8، 13، 21،......).
فالنسبة الذهبية تظهر في الإنسان والحيوان والنبات بشكل مذهل وتعتبر كامنة في جينات الخلق حتى غدت نسبة مقدسة أو يطلق عليها "نسبة الجمال". فقسمة عدد إناث أي خلية نحل في العالم على ذكورها تعطي النسبة الذهبية. وجسم الإنسان مبني بتقسيماته الهيكلية الأساسية على النسبة الذهبية، فالمسافة بين أعلى رأس الإنسان إلى أخمص قدمية مقسومة على المسافة من السرة إلى الأرض تعطي النسبة الذهبية. والمسافة من الكتف لأطراف الأصابع مقسومة على المسافة من الكوع لأطراف الأصابع تعطي النسبة الذهبية. والخصر للأرض مقسوما على الركبة للأرض تحقق النسبة الذهبية. وكذلك وجد أن قسمة المسافة من الأرض إلى رأس الخيٌال الذي يركب الحصان على طول الحصان تعطي النسبة الذهبية. وتخضع أوراق الأشجار للنسبةالذهبية، وكذلك تخضع أصداف البحر الحلزونية الشكل للنسبة الذهبية. وكنتيجة فالاوراق التي نكتب عليها ونستعملها للطباعة تم تطويعها للنسبة الذهبية. وفي برنامج وثائقي عرضه تليفزيون (BBC)، وجدت الدراسات، ومنها دراسة العالم (Fechner) في نسب الوجوه البشرية، أن الوجوه التي يكون نسبة فتحة الفم لارتفاع الأنف مطابقة للنسبة الذهبية هي وجوه جميلة بإجماع الأغلبية عدا عن فكرة تماثل نصفي الوجه الأيمن والأيسر، والتي وجد ان لها علاقة بسرعة العدائين الرياضيين لأزمان تقترب من أجزاء الثانية.
ومن تجليات العلاقات الهندسية في العمارة الإسلامية ما نجده في جامع القيروان بتونس. وتشير دراسات الباحثين (Mazouz) و(Boussora) إلى توظيف قواعد النسبة الذهبية بطريقة ملفتة ومدهشة ومنهجية من قبل المعمار المسلم بين ثنايا عمارة هذا المسجد. وتظهر التحليلات أن المسقط الأفقي مبني على قواعد النسبة الذهبية، وكذلك قاعة الصلاة والفناء الوسطي الكبير والمأذنة الشهيرة كل على حده. والعمارة العالمية حفلت بتطبيقات النسبة الذهبية والعلاقات الهندسية والرياضية. والمعماري (لوكوربوزييه) وظف هذه النسبة كأس من أساس ما أسماه (Modular System) والذي شكل أبرز ملامح عمارته العالمية الجديدة. وكذلك لم يخل الفن العالمي من هذه العلاقات الهندسية، فدراسات الباحثين تشير إلى أن لوحة الموناليزا الشهيرة لدافنشي بنيت على أسس النسبة الذهبية. وفنانون مثل (Salvador Dal?) وظفوا هذه النسبة الذهبية في حجم اللوحة نفسها كما في لوحة (The Sacrament of the Last Supper).
وقد توجهت أنظار الدارسين لتحليل الزخارف في العمارة الإسلامية لمعرفة الأسس الهندسية التي اشتقت منها، وتوجهت الكثير من أنظار الدارسين لمعرفة إمكانية وجود ربط بين هذه الزخارف وبين نواميس كونية أو غير حسية، ونجم عن ذلك مجموعة من الدراسات في تحليل الأنماط الزخرفية في الفن الاسلامي، منها كتاب حديث صدر عن دار (Thames and Hudson) عنوانه (Islamic Geometric Patters)، والتي بحثت في موضوع الأنماط الزخرفية في الفن الإسلامي الذي يعتمد التجريد. وقد بحثت هذه الدراسات في تحليلها من منظور ما وراء المحسوسات والنواميس الكونية الكامنة في هذه الزخارف التي تعتمد الأشكال الهندسية الأساسية كأساس لجميع التكوينات اللامتناهية التي أفرزتها عقلية المعمار المسلم على مدى القرون الطويلة التي سادت فيها العمارة الإسلامية. وتعتمد هذه الدراسات رسائل اخوان الصفا في تحريات لفلسفة الشكل في المنظور الإسلامي. فمن مقولات اخوان الصفا المشهورة: "اعلم أخي، أن دراسة المنطق من وراء الهندسة يقود للدراية والخبرة بجميع الفنون التطبيقية، فيما تقود الدراسة في إطار الهندسة المدركة وارتباطاتها الفلكية إلى الدراية والمعرفة بالفنون السامية، لأن هذا العلم هو المدخل الذي نتحرك من خلاله باتجاه المعرفة بماهية وحقيقة النفس وهي أساس جميع العلوم والمعارف". ومن النقاط التي تشير إليها الدراسات في هذا المجال هي الرجوع إلى أصل الأشياء والانطلاق من المقدمات البدهية للاستنباط والاشتقاق، وتنطلق في تحليل التكوينات الزخرفية المعقدة التي ورثناها عن الأسلاف، بالانطلاق من النقطة كماهية مجردة في الفراغ وما يتولد عن حركتها من تشكيل الدائرة والتي هي أصل الأشكال الهندسية الأساسية، فالمربع يتشكل من مراكز أربع دوائر فيما يتشكل المثلث من مراكز دوائر ثلاث وهكذا. ولكن هذه الدراسات تنطلق من التساؤل حول ماهية النقطة ذاتها والتي هي أصل التشكيلات الهندسية جميعها، وهل من الممكن أن تكون النقطة نفسها بدون أبعاد بل هل من الممكن أن تكون النقطة ذاتها هي افتراض لماهية غير فيزيائية أصلاً؟ وكيف يمكن أن تحتوي النقطة حيزاً مكانياً في حين أن الفراغ نفسه لم يعرف بعد تبعاً لمفاهيم التشكيلات النهدسية الناتجة؟ هذه التساؤلات وغيرها تعكس تأثيرات الفكر التصوفي من ناحية، وكذلك تأثيرات الفكر الشرق آسيوي من ناحية أخرى حيث الفلسفة الصينية والتي تعتمد العودة للمبادئ الأصلية الهندسية والطبيعية في تعليل النواتج الفيزيائية وحيث أن أصل الأشياء أربعة الماء، والهواء والنار والتراب وهي فلسفة متطابقة مع فلسفة اخوان الصفا الذين اعتبروا الرقم أربعة كمرجع مهم في فلسفتهم. فالجهات أربع والفصول أربعة وأضلاع الأشكال الهندسية المنتظمة التي تشتق منها الأخرى أربعة، وبذا فقد شكل المربع أساس في مفاهيمهم الهندسية، ولذلك فمعظم النواتج الهندسية في العمارة الإسلامية تبدأ مع دوران المربع حول نفسه لإنتاج المثمن والأشكال متعددة الأضلاع الأخرى. وتقترح هذه الدراسات، انطلاقاً من مفاهيم اخوان الصفا، أن أصل التشكيلات هو الاعتماد على فكرة التوحيد التي تتضمنها عبارة "لا إله إلا الله"، والتي تتضمن الإثبات والنفي، فهي تنفي الألوهية لغير الله وتقر بالوحدانية لله وحده في آن واحد. ومن هنا ففكرة الفلسفة التي تتضمنها التشكيلات الهندسية تتضمن ذات المفهوم إذ هي تؤكد فكرة عدم وجود جزء بدون الكل وعدم وجود انعكاس دون مصدر، وعدم وجود أبعاد بدون كلية الأبعاد. وفي عالم الخلق أو "عالم الناسوت"، بحسب تعبير الفلاسفة، تلاحظ قوانين عليا تخضع لها الموجودات، حيث تتبلور تبعاً لمراحل متعددة وتضمحل أيضاً ضمن مراحل تختفي من خلالها لتنضوي ضمن ماهيات أخرى.
ومن الأمثلة المشابهة هي التشكيلات الهندسية نفسها من خلال النظر إليها ضمن الفراغ المحسوس، فالنقطة تتبلور إلى الخط المستقيم الذي يؤول للصغر كجزء من الدائرة وبالتالي إلى الخط المحني القوسي والذي يتبلور ليشكل سطحاً وبدوران السطح يتشكل السطوح الصماء والتي هي نواتج الخط . وبحسب اعتقاد Critchlow في دراسته (Islamic Patterns)فإن الدراسة المعاكسة بالرجوع القهقري من النواتج باتجاه الأسس تقودنا إلى إدراك وحدة التكوينات والفكرة من أصل مرجعيتها الواحدة في الثقافة العربية الإسلامية التي تعتمد الإسلام والتوحيد كأصل تنطلق منها في معتقداتها الفكرية والتي تجسدت في هذه الحالة في التشكيلات الهندسية الفريدة والتي تختص بها الحضارة الإسلامية. وتبين الدراسة في فصولها المتعددة مراحل تكون التشكيلات والأنماط انطلاقاً من النقطة كمرجعية هندسية وكنواة فكرية تدل على مضامين أعمق مستمدة من الثقافة، بحيث تجسد الدائرة أبعد من الحدود الفيزيائية التي ترسمها لتعكس قوانين ومفاهيم الاحتواء بوجود مرجعية هي المركز وانطلاقات تتمثل في نصف القطر التي تربط النواة بالمحيط. وتستطرد الدراسة لتبين كيف أن المجموعة الهندسية الرخرفية التي تتشكل من المربع والدائرة والمثمن، تحتوي أبعد من حدود هذه التجميعات لترتبط بمفهوم اجتماعي لعائلة المربع والمثمن، والتي تعكسها الأضلاع الأساسية والتكوينات الناتجة من مضاعفات الأرقام 3، 4، 6 لتكوين مجموعات لا حصر لها من الأنماط الزخرفية. ومن هنا يمكن القول إن الفنون الزخرفية في الهندسة التشكيلية الإسلامية تعتمد مزيجاً من الأشكال الهندسية النقية الأساسية وبين ما يمكن أن يسمى التشكيل المورفولوجي ذو الدلالة الرمزية والمتعلق بالثنائيات. ومعلوم أن اخوان الصفا قد أعطوا أهمية كبيرة لمفهوم الثنائية في الطبيعة، ومن هنا فالأشكال الناتجة بحسب اعتقادهم تشكل أحد أقطاب ثنائيتين، أولاهما ثنائية البارد والجاف، والتي تتجسد في البلورية والتبلور الناتجة من التكوينات التي تعتمد الأشكال الهندسية متعددة الأضلاع كالمثمن، وهذه تمثل القوى الطبيعية ما وراء النباتات وأشكالها. ومن مظاهرها الشكل الماسي وبلورات الثلج واوراق النباتات المتماثلة. والثنائية الأخرى تعتمد الحار والرطب، وهذه تمثلها الانحناءات والأشكال البحرية والصدفية، أو التشكيلات الازهارية أو الوردية ويشكل الخط العربي أحد مظاهر هذه التشكيلات الإنحنائية وهو واحد من مظاهر الفن السامي للحروفية للقرآن الكريم. وتظل هذه الدراسات مجرد بداية لربط الأشكال الزخرفية في الفن الإسلامي بمضامين ومعاني رمزية في سبيل إرجاع التكوينات المعقدة لأصولها المجردة، ودلالات على مدى عمق مضامين التشكيلات الهندسية في العمارة العربية الإسلامية.

د. وليد أحمد السيد معماري أكاديمي عربي مقيم في لندن


أعلى





عبر تجليات النص الشعري الجاهلي ( 5 ـ 5 )
مقاربة ميثولوجية لعالم الجن

تردد مكان الجن في الشعر الجاهلي، وظهرت صورته موحشة مخيفة، يقطع الشاعر هذا المكان إما بناقته أو بفرسه

معتقد الثور الذي تصدّه الجن عن شرب الماء يتردد في الشعر الجاهلي، فوظّفه الشعراء في قضاياهم وحوادث المجتمع

استنطاق النص

لعل المُتَتَبّعَ للشعر الجاهلي يجد هذه الأساطير والمعتقدات تتوزع في ثناياه، وتُشكِّل صورةً ميثولوجية يقرأ فيها إيمان الجاهليين بالجن والشياطين، ولا ريب في أن الشاعر يصدر في صورته هذه عن إيمان جماعي، ومعتقد قبلي، تختلط فيه الحقيقة بالأسطورة، والأسطورة بالخرافة. إن البحث في التفكير الجاهلي - كما يرى خان - يجب أن يبني أساسه لا على التاريخ، بل على الأساطير التي نقلت من جيل إلى جيل.. فهي توضح كيف شرع الإنسان في إقامة جسر بينه وبين خالقه، وبينه وبين الموجودات من حوله مادية أو معنوية، وبالتالي فهي طور من تاريخ أطوار فكرة الإنسان. وكلما كان الشاعر قريباً من عصر الفطرة - والجاهلية أحد أشكال الفطرة - سيطرت عليه القوة الميتافيزيقية التي تصوغ قصيدته أو تتحكم في صياغته بنحو أو آخر. ولعل الشاعر الجاهلي يصوغ شعره وأساليبه من قوالب، ينفخ كل جيل فيها من روحه وفكره وعقيدته، ليشكّل الشعر الجاهلي صورةً حقيقية لها.

الجِنّ والمكان

ولقد تردد مكان الجن في الشعر الجاهلي، وظهرت صورته موحشة مخيفة، يقطع الشاعر هذا المكان إما بناقته أو بفرسه، مستدلاً على سرعة الفرس أو الناقة، أوعلى شجاعته التي تواجه مخاطر الجن وأهوالهم . يقول الأعشى:
وبَلْدَةٍ مثْل ظَهْرِ التُّرْسِ مُوحِشَةٍٍ :. للجِـنِّ بالليل في حافاتِها زَجَلُ
لا يَتَنَمَّـى لها بالقيظ يرْكَـبُها :. إلا الذين لهُم فيما أتَـوْ مَهَـلُ
ومن جهة أخرى تحدث الشعر الجاهلون عن عزيف الجن في هذا المكان المخيف، ويروي الجاحظ أن الأعراب يدّعون أنهم يسمعون عزيف الجان. وقد تردد هذا الادعاء والاعتقاد في الشعر الجاهلي بكثرة، يقول الأعشى، واصفاً الأرض المطموسة المسالك التي تعزف فيها الجن، وقد قطعها بناقته الضخمة:
ويهمْاءَ تَعْزفُ جنَّانُها :. مَنَاهلُها آجناتٌ سُدُمْ
قَطَعْتُ بِرَسَّامةٍ جَسْرةِ :. عُذافِرَة كالفنيقِ القَطِمْ

ويصف المثقِّب حركة البقر الوحشي في هذه الفلاة التي يُسمع فيها أصوات الجن، يقول:
في بَلْدَةٍ تَعْزِف جِنَّانُها :. فيها خَنَاطِيلُ مِنَ الرُّوَّدِ
بالمقابل يصادفنا أبو زبيد الطائي بفكرة جديدة، وصورة نادرة، يتحدث فيها عن عزيف الجن، عندما يُشبّه هذا الصوت بغناء الندامى، ولعل أبا زبيد قد تعوّد في رحلاته على هذا الصوت حتى أصبح نشيداً يلذّ لأذنه سماعه، يقول:
وسما بالمطيّ والذّبّل الصّـــمّ لعمياءَ في مفارط بيْدِ
مُستَحنُّ بها الرياحُ فما يجْــتابُها بالظلام غيرُ هَجودِ
وتخال العزيفَ فيها غِناءً :. للندامى من شارب مشهودِ
ويعلل المسعودي زعم العرب سماعهم عزيف الجان في القفار والوديان، بقوله "... لأن الإنسان إذا صار في مثل هذه الأماكن وتوحّد، تفكر، وإذا هو تفكر وجل وجبن، وإذا هو جبن داخلته الظنون الكاذبة، والأوهام المؤذية، والسوداوية الفاسدة، فصُوّرت له الأصوات، ومُثّلت له الأشخاص ، وأوهمته المحال، بنحو ما يعرض لذوي الوسواس ".

الجن والثور
ولقد تردد معتقد الثور الذي تصدّه الجن عن شرب الماء في الشعر الجاهلي، فوظّفه الشعراء في قضاياهم وحوادث المجتمع الجاهلي، ومن ذلك قول أنس بن مدرِك في قتله سُليلك بن السُّلَكَة:
إني وقتلي سليكاً حين أعقله :. كالثور يُضرَبُ لما عافت البقََرُ

الجن والإبل

ظهرت الناقة العيْسَجُور في الشعر الجاهلي لعلاقتها بالسعلاة ساحرة الجن، ووصفوها بالجنون، يقول امرؤ القيس:
طوى السَّيْرُ كَشْحَيْ عَيْسَجُورٍ كأنَّما بها :. أوْلَقٌ يَعْتَادُها وجُنُونُ
ويتحدث الأعشى عن ناقته في سيرها، ويصف سرعتها، فينسب هذه السرعة إلى مسٍّ قد أصابها من الجنِّ، يقول:
وتُصبحُ من غِبِّ السُّرَى وكأنّما - ألمَّ بها من طائف الجنِّ أَََوْلَقُ

الجنّ والخيل

كانت الخيل الوسيلة الأقوى في خوض الحرب وقلب موازين المعركة، وكان لصبرها في ساح الحرب، وسرعتها في الكرّ والفرّ صورة بارزة في الشعر الجاهلي، وهذا ما جعلهم يحتفلون بنتاج الخيل، ويتفاخرون في مربطها. وأما علافتها بالجن فلقد مرّ معنا سابقاً أن الجن تحضر الفرس، ولعل ذلك من الهَوَج الذي يصيبها في سيرها نحو الحروب وغيرها، وما تنجزه من مهام في المعركة، لا يستطيعه إلا الجنّ. ولقد وصف ابن مقبل سرعة فرسه، وما أصابه من رعدة، وكأن جنًّّا حضرته، يقول:
يفرفرُ الفأسَ بالنّابَيْن يخلَعُهُ :. في أفْكَلٍ من شُهودِ الجِنِّ مُحْتَضِرِ
ويتحدث عبيد بن الأبرص عن الخيل الضامرة، ويفتخر بها وبنسلها حتى أصبحت بعد إضمارها كالسعالي في خفّة حركتها وسرعتها، يقول:
أوحَشَتْ بعد ضُمَّرٍ كالسًّعالي :. من بناتِ الوجيهِ أو حَلاّبِ
ويُشبّه عمرو بن كلثوم التغلبي خيله في سرعتها بالجن، يقول:
إذا أسهلت خَبَّتْ وإن أحزنت وجَتْ :. وتحسبها جِنّاً إذا سالتِ الجِذَمْ
أما عمرو بن قميئة فيتحدث عن الفرسان، وعن خيولهم في الحرب، ويشبهها بالسعالي يقول:
أليسوا الفوارسَ يوم الفَرا :. تِِ والخيلُ بالقومِ مثلُ السعالي

الجن والإنسان

تردّد في الشعر الجاهلي هذه العلاقة بين الجن والإنسان، ووظّف الشاعر الجاهلي صورة الجنّ في تشبيهات وصور عدّة، منها ما لها علاقة بالرجل، ومنها ما لها علاقة بالمرأة، وأكثر الصور وروداً بالنسبة للعلاقة الأولى، هو تشبيه الفرسان بالجن؛ للقوة الخارقة والسرعة الخاطفة، فالشعراء إذا أرادوا أن يمدحوا فرسان قبائلهم استخدموا الجنّ رمزاً، وصورةً مؤثرةً للنيل من الأعداء، ومن هؤلاء زهير بن أبي سلمى الذي رسم لفرسان قبيلته صورة دموية، يقول:
بخيلٍ ، عليها جِنَّةٌ عبقريَّةٌ :. جديرون يوماً، أن ينالوا، ويستعلوا
وإنْ يُقتلوا فيُشْتَفَى بدمائهم :. وكانوا ، قديماً ، من مناياهُمً القَتْلُ
ويقول النابغة الذبياني:
وضُمْرٌ كالقداحِ مُسَوَّماتٍ :. عليها مَعْشَرٌ أشباهُ جِنِّ
وأما صورة الجن فيما يتعلق بالمرأة، فيبدو أن الثقافة العامة عند شعراء الجاهلية، تغذّي فكرة واحدة ، وهي فكرة الجمال الذي يتمتع به الجن، ولقد مرّ معنا سابقا أنّ الجن تتشكل في صور النساء وفي أجمل زينة، وبالتالي فإن الشاعر الجاهلي يبحث عن فكرة مجردة يغذي بها صورته عن المرأة، دون أن يتمكن من تفصيل الصورة، ليعطي القارىء والمستمع حرية التخيّل والتفصيل، إذا لا يمكن تحديد الصورة الميثولوجية، فالتشبيه بالجن تشبيه ميثولوجي، يدخل في الإطار العقدي، لذا فإن هذا التشبيه أو الصورة تخرج من رحم واحد، وهو رحم جماعي، وثقافة جماعية، وميثولوجيا متوارثة عبر مراحل زمنية مختلفة. إن تكرار هذه الصور وتوحّدها في الفكرة، تمنحنا تلك النتيجة، وتذهب بنا إلى أن حكايات وصوراً كثيرة وغريبة، عن الجن عند عرب الجاهلية ضاعت فيما ضاع من الشعر الجاهلي. وعلى كل حال فإن الشعراء الجاهليين رصدوا العلاقة الجمالية بين المرأة والجني، ومن ذلك تصريح ابن مقبل عن الحبيبة بأنها من الجن؛ لجمالها الفائق، يقول:
إذا قيلَ: مَنْ دَهْمَاءُ ؟ خَبَّرْتُ أنها : من الجنِّ لم يَقْدَحْ لها الزَّنْدَ مَادحُ
بل إن الجن لا يملكون جمال الحبيبة عند الأسود بن يعفر، فهي تشفي برائحتها الزكية السقيمَ، حتى إن الجنّي لو رآها لاَصْطَفَاها من بين النساء، ولعل هذا إشارة إلى فكرة الزواج بين الجن والإنس، يقول :
ولو لُقي النعمانُ حيّاً لنالَها :. ولو بعث الجنّيّ في الناس يصطفي
لغاضَ عليها ذاتَ دلٍّ ومِيسمٍ :. ووجهٍ كدينار العزيز المشوّفِ
وفي حوار طويل يتحدث الأعشى عن الفتاة والجنّي الذي بعثه ليُحَاجَّها في خيمتها، يقول :
فبعثتُ جنّيّاً لنا :. يأتي برَجْعِ حديثها


د. حمود الدغيشي
أكاديمي عماني

 

أعلى





هناك...

الدون كيخوتة مُتتبعا خُطى لاثارو


من هو لاثارو هذا؟ ولماذا نهتم بحياته وبكتابه؟ أليس بطلا لعمل أدبي مثله مثل كل أبطال الروايات والأعمال الشعبية؟

ربما يكون ثرفانتس والذي من المرجح أنه قرأ عملا كهذا، قد تأثر بشكل ما أو بآخر بهذا العمل

"خرجنا من سلمانكا، وحالما وصلنا الجسر، وكان في مدخله تمثال لحيوان من الحجر بهيئة ثور تقريبا، طلب مني الأعمى أن أقترب من الحيوان، وهذا ما كان، فقال لي:
- لاثارو، ألصق إذنك بهذا الثور فستسمع ضجة عظيمة بداخله.
وأنا تقدمت ببساطة معتقدا بما قال ولما شعرت برأسي لصق الحجر، مد يدا مستقيمة وصفقني بشدة في الثور الشيطان، حتى إن ألم صفقة قرنه دام ثلاثة أيام، حينذاك قال لي:
- أيها الأحمق، تعلم إن دليل الأعمى يجب أن يكون أكثر فطنة من الشيطان!
وضحك كثيرا لمزحته".
هذا مقطع مُستل من عمل أدبي لمؤلف مجهول، لا أدري أي صدفة أوقعته في يدي قبيل عام بعنوان: (لاثاريو دي تورميس ـ مقامات لاثارو، ترجمة الهادي السعدون)، والمقطع يصف أول خروج للمدعو لاثاروـ ولم يزل بعد صغيرا ـ في خدمة رجل أعمى كدليل، ثم خدمته الطويلة والمتقطعة عبر فصول الكتاب لدى كثير من الأسياد مختلفي الأمزجة والغايات، متنقلا في خدمة قسيس وحامل سلاح وراهب طريق رحمة ورسام وقسيس كنيسة وشرطي إلى نهاية تقلباته في خدمة الآخرين بالزواج في نهاية العمل، من خادمة بطريرك قساوسة، مع وظيفة مناد بضائع في سوق المدينة لكسب ما يعينه في شيخوخته على حد تعبيره.
لكن من هو لاثارو هذا؟ ولماذا نهتم بحياته وبكتابه؟ أليس بطلا لعمل أدبي مثله مثل كل أبطال الروايات والأعمال الشعبية؟ إن لاثارو أو لاثاريو ـ لفظ تصغير ـ ليس بطل عمل أدبي فحسب، بل من المرجح أن يكون هو نفسه مؤلفا لهذا العمل الممتع الشيق والمجهول المؤلف إلى يومنا هذا، إذ يلف الغموض كلما حاول العديد من باحثي ودارسي آداب العصور الوسطى في أسبانيا لمعرفة هوية مؤلف ـ بكسر اللام ـ مؤلف ـ بفتح اللام ـ بلا مؤلف ـ بكسر اللام ـ لمؤلف ـ بفتح اللام ـ يزيد عمره على أربعة قرون (التلاعب اللفظي مقصود من كاتب هذه السطور)، إذ نشرت الطبعات الأولى المحفوظة للنص عام 1554م والتي من المرجح أنها طبعات تالية تعود إلى عام 1553م أو 1552م برأي الباحثين.
لعل أفضل ثناء لهذا العمل يأتي من ميجيل دي ثربانتس صاحب رائعة "الدون كيخوته" ـ ظهرت أول طبعة في مدريد عام 1605م ـ ففي الفصل الثاني والعشرين من مغامرات "الفارس حزين الطلعة" والخاص بالمحكوم عليهم بالأشغال الشاقة، يورد ثربانتس حوارا شيقا بين الدون كيخوته وأحد المحكوم عليهم ويُدعى "خينس دي بسمونته" يدّعي أنه مؤلف لكتاب يدعي"حياة خينس دي بسمونته"، تركه في السجن رهنا مقابل مائتي ريال ومصر على استرداده حتى لو رهن مقابل مائتي دوقة، فسأله الدون كيخوته: "هل هو جيد إلى هذه الحد؟"
فرد عليه بسمونته: "جيد إلى حد انه يتحدى قصة" لثريو دي طورمس" وكل ما كتب في هذا الباب أو سيكتب، وكل ما أستطيع أن أقول لمولاي هو انه يروي حقائق، ولكن حقائق شائقة لا يمازجها أدنى كذب".
ونجد في الشرح الذي أورده مترجم الدون كيخوته، عبدالرحمن بدوي والذي ترجم حياة لاثارو أيضا سنة 1979م ما يلي:"في سنة 1554 طبع كتاب بعنوان "حياة " لثريو دي طورمس وما جرى له من السعود والأهوال" ثلاث طبعات في برغش والقلعة وأمبيرس، وطبعة برغش يظهر أنها الطبعة الأولى ولكن لم يذكر عليه اسم المؤلف، وكذلك طبع بغير اسم المؤلف طوال القرن السادس عشر حتى مستهل القرن السابع عشر حيث نسب إلى دييجو هورتادو دي مندوثا. بعد هذا طبع دائما مقرونا بهذا الاسم ولكن أثبت مورل فاتيو أنه ليس له". كما يشير مترجم النسخة التي بين يدي والتي نشرت في 2001 أي السعدون في مقدمة الكتاب إلى أسماء مؤلفين آخرين بينهم مندوثا الذي أشار إليه بدوي.

لكن لماذا أخفى المؤلف هويته؟
ليس ثمة سبب واضح، ولكن ربما إشارة المؤلف في "الاستهلال" تبرر ذلك، فهو يقول ما معناه أن هناك القليل من يكتب لنفسه وهذا لا يكلف مشقة، وآخرون من أجل المال أو المديح فالشرف يصنع الفنون كما قيل لكنه لا يرى لنفسه أفضلية في التأليف، ويتمنى على قرائه أن تنال "هذه التفاهة" ـ أي كتابه الصغير ـ التي كتبها " بأسلوب غليظ، رضا أولئك الذين يجدون فيها المتعة ويرون فيها رجلا ـ إضافة إلى حظوظه ـ يعيش الأخطار والمتاعب".
ربما كانت هذه مبررات المؤلف نفسه دفاعا عن مجهوليته وله ذلك في أن يكون هامشا لا متنا، ولكن أهم باحث معاصر في آداب القرون الوسطى ويدعى فرانثيسكو ريكو ـ الذي ترجم السعدون الطبعة التي أشرف عليها الباحث ريكو ـ يرى أن هناك سببا في تخفي المؤلف وهو أنه " لو صرح باسمه لعانى من أهوال محاكم التفتيش " إذ تتضمن مقامات لاثارو :"نقدا لاذعا للكنيسة وشخوصها ولطبقات المجتمع المتفوقة، حتى أن القلم البابوي تدخل في تصحيح العمل وأصدر (النسخة الرقابية المشذبة) والتي بقيت متداولة في أسبانيا حتى انتهاء محاكم التفتيش في نهاية القرن التاسع عشر".
وهذه (الرواية القصيرة) رغم عدم وجود وحدة اتصال بين المواقف التي يتعرض لها البطل إلا أنها حسب رأي النقاد نموذج جيد للرواية الصعلوكية وهي نمط يتتبع خيط حياة البطل وما يتعرض له من أهوال وسعود وصولا إلى نقطة حاسمة في حياته وبلغة سلسة وفريدة أقرب إلى الشفاهية الشعبية، وهذا ما يفسر ربما الانتشار الواسع لتداولها بطبعات عديدة وبلغات مختلفة.
إن هذا العمل الذي يرى النقاد أنه وضع البذور الأولى لظهور "الرواية الواقعية" يتلاقى ـ من وجهة نظري ـ مع رواية الدون كيخوتة في عدة نقاط بسيطة، فمن إشارة ثربانتس بالفضل المبطن إلى لاثارو في الفصل الذي أشرنا إليه، إلى تشابهما في إهدءا العمل إلى سيد ما، ولكن إن بقي سيد لاثارو مجهولا كمؤلفه، فان سيد الدون كيخوتة هو الكونت دي ليموس في الجزء الثاني من العمل، كما يمكن إضافة أسلوب استهلال كلا العملين بالعبارات التقليدية في مثل هذه الأعمال والتي يود المؤلف ـ العبد الفقير لله ـ أن يجود بأفضل مما كان: "لكن ليس بالإمكان أفضل مما كان" كما قيل أو أن المؤلف: " لم يقو على مخالفة نظام الطبيعة في أن يلد الشيء شبيهه" أو: " لا وجود لكتاب حتى لو كان سيئا، أن يضم ولو شيئا مفيدا" كما قيل أيضا، وما إلى ذلك من العبارات التي تحفل بها الكتب الكلاسيكية، إضافة إلى أن شعبية كلا العملين أدت إلى كتابة جزء ثان لهما طبعا ونشرا ومحاكاة للنص الأصلي، إذ قام مؤلف يدعى خوان دي لونا بكتابة جزء ثان لحياة لاثاريو، كما قام كذلك في عام 1614 مؤلف آخر بكتابة جزء ثان للدون كيخوتة يدعى الونسو فرنندت دي ابيانيدا، والذي سخر منه ثربانتس في جزءه الثاني الأصلي.
ربما تكون هذه ملاحظات عابرة حول العملين، وربما يكون ثرفانتس والذي من المرجح انه قرأ عملا كهذا، قد تأثر بشكل ما أو بآخر بهذا العمل الفريد من نوعه والمبكر في شكله الفني ومضمونه الساخر.
والآن بما أن حياة لاثارو متقلبة كحياة الدون كيخوتة، ومفتوحة على الآتي من مفاجآت ومغامرات، فان أفضل ما يمثلها الفصل الذي يتحدث فيه عن: "كيف دخل لاثارو في خدمة حامل سلاح وما جرى له معه"، ليس لأنه يذكرنا بحامل سلاح الدون كيخوتة الشهير سنشو بنثا فحسب، بل لأن هذا السيد حامل السلاح بدا للاثارو مقارنة بالآخرين الذي عمل في خدمتهم صادقا ولأنه ـ ويا للمفارقة ـ السيد الوحيد الذي هرب منه وتركه وحيدا، على عكس مما كان يحدث له مع السادة الآخرين، الذي كان يهرب منهم لاثارو لاعنا اليوم الذي عرفهم فيه، ولعل هذا المقطع المستل من الفصل المذكور ما يقرب لنا روح حامل السلاح:
"بينما نحن موشكان على الموت جوعا ويأسا، لست أعلم بأية صدفة أو حظ، حدث أن عثر سيدي بقدرته البائسة على ريال. جاء إلى الدار منتصرا كما لو أن عثر على كنز مدينة البندقية وبتعابير فرح ومشرقة جدا قال:
ـ خذ لا ثارو، لقد بسط الله علينا، امض إلى الساحة وأجلب لنا خبزا ونبيذا ولحما ولنفقأ عين الشيطان! وأعلمك سرا أنني قد استأجرت دارا أخرى ولن نمضي حتى نهاية الشهر في هذه الدار الكئيبة. لعنها الله ولعن أول من وضع فيها حجرا، لقد دخلتها في ساعة شؤم، واقسم بالله أنني منذ دخلتها لم أذق قطرة نبيذ ولا تذوقت وذرة لحم، كما لم أسترح ولو للحظة. يا لمنظرها، عتمنها وكآبتها. امض واحترس ولنقعد اليوم للغذاء مثل أي كونت".


عبـديغــوث
abdyaghooth@hotmail.com

أعلى




· بوح ..

الوطن والقصيدة
اجمل اللحظات التي يعيشها الإنسان هي تلك التي يقضيها على أرضه وبين أهله، هي تلك اللحظات التي يقضيها آمنا على كل ذرة رمل في وطنه الأم متى ما شاء ان يطأها راغبا، هكذا هو حال الإنسان حينما يجد كل ما يسره فيعشقه وما يغتال مشاعره فيكرهه.. وبما اننا على أرض (عمان) فما يسرنا كل شي ولكن ما نكتبه هو اقل من بعض الشي الواحد، لذا فأن الشعراء بشكل أو بآخر لا يألفوا القصيدة الوطنية كحال باقي الأغراض الشعرية التي يولد من رحمها في كل يوم قصيدة.
ان اغلب الحالات الإنسانية في واقع الشاعر تقابل القبول والإلتزام في الصياغة اثناء كتابة القصيدة، ولكنها ليست كذلك في الحالة الوطنية، ترى بعض ما يحتويها من مفردات يفوق الحقيقة بما لا يصدقه العقل في أحيان كثيرة بينما الواقع وما يحتويه كفيل بأن يقدم قصيدة وطنية مكتملة العناصر.
من خلال المتابعة المستمرة والمتنوعة في العديد من القصائد الوطنية على الصعيد الخليجي والمحلي وعقد المقارنة بينهما لا نجد للقصيدة الوطنية نصيبا وافرا من الاهتمام من قبل الشاعر الشعبي العماني، سوى بعض الذين كتبوا القصيدة من اجل شي ما، سواء كما يفعل الشعراء في عصور سابقة كان للشعر وقع الذين (يوكل صاحبه العيش)، او كما يكتبه بعض الشعراء من اجل الغناء للغناء وليقال أن هذه الأغنية للشاعر الفلاني دون الاكتراث بما تحمله هذه القصيدة من واقع او مفردات متماسكة البنية بدلالات معناها، حيث ان ما سمعناه وتابعناه على مختلف المستويات من الزمن لم يرسّخ في عقليتنا قصيدة وطنية واحدة تعتبر أم القصائد الوطنية او لنفترضها كذلك، وهنا الحديث عن القصيدة الوطنية (الشعبية / النبطية) فكل ما يطفو هو أشبه بالمرور العابر والمناسباتي فقط، في حين ان الكثير من القصائد الوطنية في مختلف ساحات الشعر في الخليج وليس الكل بالطبع، لا تقف عند حدود المناسبة وترى وتسمع القصيدة وكأنها القصيدة العاطفية الحالمة التي تبعث شعور الحب حينما تقرأها او تسمعها ولا تكون موسمية سواء في كتابتها او حتى بثها إذا ما كانت كأغنية او كقصيدة .. فالكثير يعتبر ان كل يوم على ارض أي وطن حر هو مناسبة جميلة للإنسان المنتمى لبلده.
فمتى ستنتزع الحالة الوطنية قناع المجاملة والزيف وتخضع لتطبيق الواقع وتقديم ما في القلب بالصورة التي تشد المستمع وتبهر القارئ بالانتماء للقصيدة من خلال المفردات التي تحمل خصوصية السلطنة من جانب ومن خلال المعنى البعيد عن الزيف والمجاملة والتملّق، علنا نشهد في زمن قادم قصيدة وطنية (أم) تلد من خلالها الكثير من الإبداعات الشعرية في ظل ما تشهده السلطنة من تقدّم مستمر بشكل يومي في مختلف المجالات، وتأتي المناسبات الوطنية الغالية على قلب كل عماني لتتوّج تلك المنجزات العظيمة في ايامها الراسخة والتي يعد يوم 23 يوليو احد أعظم الأيام السعيدة لنا، فلنبارك لباني نهضة عماني حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ هذا اليوم الجميل وندعوا الله تعالى ان يعيد كل مناسبة جميلة وجلالته ينعم بوافر الصحة والعافية والعمر المديد.
ومضة ..

مجدك رقى، اكبر وأنا بك عيوني ..
أنتي كبيرة بْها، وتحّمل ضفافك
اسمرّت يْدينا لأجل بس تكونــــي
درّه وتتلألأ، متى الكل شافــــك
وهذا انتي العمر الذي ضاء كوني
واستبشر الخير العظيم بقطافـك


فيصل العلوي

أعلى



للصورة بعدان
أنا أحبّ تشيخوف


(؟)
ومن لا يُحبّ تشيخوف يا آمنة؟
ومن لم يُعجب به؟
ومن لم يتأثر به؟
يقول المثل العربي: كل فتاة بأبيها مُعجبة؛ "ما كذبوا"، لعلّ ذلك يعني فيما يعني أنّ الأب هنا يمثل الرجل؛ لأنّ أوّل رجل تتأثر به الفتاة كمثال ونموذج هو أبوها، ويظل ذلك التأثر والإعجاب مستديما حتى بعد أنّ تكبر الفتاة وتتغنج وتتزوج وتُنجب أطفالا مشاكسين. لكنّ (تشيخوف) لم يكن أبي، وبالرغم من ذلك، فقد أُعجبتُ به وأيضا أحببته. وأبي أيضا رحمه الله، لم يكن كاتبا، ولا علاقة له لا بالكتابة ولا بالقراءة، ولكنه كان رجلا، وجنديا، وسائقا، وكان يظن نفسه أنّه "الدرويل" رقم واحد، لذلك كان مشاكسا ومغامرا في وقت واحد كالأطفال.

(إيش تريدي تقولي؟)
أريد أنّ أقول إنني أحبّ (تشيخوف) كما أحببتُ أبي؛ فـ(تشيخوف) كان أوّل من أكدّ عندي حاجتين أساسيتين قبل (شكسبير) وبعد (دستويفسكي) هما: الكتابة والسفر. أما أبي فقد أعشب في حياتي مبدأين هما: المغامرة الموشومة بالحبّ، والتسامح. وحين أتأمل الحياة، وما فيها من جمال وقبح، ومن اكْتظاظّ وكِظَاظ وانفراج، أجد في القراءة والكتابة مبتدأ الحياة ومنتهاها، كما غمراني الحب والتسامح الانشغال بالعمل ونسيان ما يقع خارج القراءة والكتابة والسفر. و(تشيخوف) هو السبب.

(كيف ذاك؟)
يكاد يجمع غالبية عظمى من المثقفين العرب_إنّ لم يكونوا كلهم_أنّهم قد تأثّروا بـ(أنطون تشيخوف) إلاّ (نجيب محفوظ)، أُعجبَ به ولا يَظّن أنه تأثّرَ به. وهذا الإجماع يكاد في رأيّ الشخصيّ أنّ يُشكّل مدخلا جيدا، أو فهما مقبولا، لما يمكن أنّ يُعتقد أنّه رسالة الأديب في الوجود، أو مهمة الأدب بشكل عام في الحياة، أو ربما يمكن أنّ يكون عتبة لورشة في الكتابة الإبداعيّة. وعلى نحو من الأنحاء، أجدني أتدرب يوميا على شكل من أشكال الكتابة الوحشية.
يُلخص (مكسيم جوركي) علاقته مع (تشيخوف) الأديب على هذا النحو "كان نقيا في تواضعه ولم يكن يسمح لنفسه بأن يقول للناس بصوت عال وبصورة سافرة فلتكونوا أكثر استقامة، بل كان يأمل عبثا بأنّ يفطنوا بأنفسهم إلى الحاجة الماسة لهم بأنّ يكونوا أكثر استقامة. وكان وهو يمقت كل ما هو مبتذل وقذر، يصف كل حقارات الحياة بلغة نبيلة لشاعر، وبضحكة ناعمة لفكاهي. ومن وراء المظهر الخارجي الرائع لقصصه القصيرة لا يكاد يبدو مغزاها الداخلي المشّبع باللوم المرير"

(لكنني أختلف ولا أعترض)
نعم أختلف مع ما رآه (مكسيم) ولخصه عن علاقته بالإنسان وبالأديب الطبيب (تشيخوف)، ووجه الاختلاف، لا الاعتراض، هو وصف كل حقارات الحياة بلغة نبيلة لشاعر، وبضحكة ناعمة لفكاهي. جديّات؛ أنا لا أملك هاتين الميزتين كما يبدو! لأنّ إنشغالي اليومي البحث عن كتابة وحشية غير مستكينة ولا متصالحة، كتابة تضرب عرض الحائط باليقينيات، أمرا لا يصمد أمام وصف حقارات الحياة، وخذلان الناس بلغة نبيلة لشاعر، ولعلّني أجد الفرصة المناسبة في قادم الأيام للخوض في هذا الموضوع. ومن الملاحظ أنّ التغيّر والتطور هما ناموس الكون، والكتابة الإبداعيّة شكلا من أشكال هذين الناموسين، هي كتابة تلاحظ التغير وتكتشف الناس، لا التستر عليهم، كما أنّها شكلا من أشكال المقاومة، ككل أشكال الفنون الأخرى... كالموسيقى والغناء والرسم، فأنّ نغامر بالكتابة أو القراءة أو الحبّ أو السفر في الحياة معناه أنّ نقاوم السأم والملل والبؤس.

(...وبالحق)
هذا ما فعلاه بي الاثنان (تشيخوف وأبي) فبالرغم مما كتبه (تشيخوف) في إحدى رسائله إلى الناقد المسرحي (الكسي سوفورين) قائلا: "ليس هناك ما هو أكثر مللا ولا شاعرية كما يقال، من الصراع العادي في سبيل البقاء، والذي يحرمك من بهجة الحياة ويدفع بك إلى الكآبة"، وبالرغم كذلك مما قاله لـ(جوركي) "تعودنا أنّ نعيش ونحن نأمل بطقس جيد، وبمحصول وفير، وبقصة غرامية لطيفة، نأمل بالثروة أو بالحصول على منصب، ولكنّي لا ألاحظ أنّ أحدا يأمل بأنّ يزداد ذكاء، ونقول لأنفسنا؛ عندما يأتي قيصر جديد ستتحسن الأحوال، وبعد مائتي عام ستتحسن أكثر، ولا أحد يهتم بأنّ يأتي هذا الأحسن غدا، وعموما فالحياة في كل يوم تصبح أكثر تعقيدا، وأنّها تمضي في اتجاه ما من تلقاء نفسها، أما الناس فيزدادون غباء بصورة ملحوظة، ويصبح عدد متزايد من الناس على هامش الحياة"، بالرغم من هذا كلّه، هناك ما يستحق أنّ نعيش لأجله، أو أعيش شخصيّا أنا لأجله، أشياء كثيرة تحوطني، لعلّ أهمها على الإطلاق هي: توسيع دائرة الجنون والحُلم والمغامرة والحبّ والقراءة والكتابة وصوت فيروز حين تغني وهي عصبية!.

(...وتذكرت أيضا ماذا كنت أريد أن أقول)
إنّ كتابتي عن (أنطون تشيخوف) في هذا الأسبوع، إنّما تأتي في ذكرى وفاته التي تصادف هذا الشهر من العام 1904م
أيّها الأحبة: دمتم سالمين ومُحبين ومتسامحين، "وتخلفكم صحة بعافيت".


آمنة الربيع

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept