|

|
مبتدأ
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
سيرة الحجر
|
|
|
هُناك....
|
|
|
أفق
|
|
مبتدأ
ترك لنا حصانه
"ان تكون خالدا هو العذاب الحقيقي"
هكذا قالها محمود درويش قبل فترة من رحيله.. ولكن لمن العذاب؟.. لنا؟،
أم لـ(الخالد)؟.. لمن الألم الحقيقي والمستمر واللامنتهي؟.. في هكذا
محنة فإن العذاب لنا لا محالة.. فنحن الخاسرون دون أدنى شك.
"وسقطت قربك ، فالتقطني
واضرب عدوك بي .. فأنت الآن حر ٌّ
حر ٌّ.. وحر"
أوصانا بها سابقاً ومنذ فترة طويلة.. قبل ان يلملم اوراق رحيله ويطوي
صفحاته عن هذه الحياة التي لم تعطه إلا تشرداً وألماً وشتاتاً، فلم
يبادلها بغير الصبر والصمود والمقاومة.
ورحل شاعر المقاومة .. تلك القامة الرائعة شعراً وانسانيةً .. رحل
الجسد وبقي الإبداع شاهداً على الصمود والأنفة، شامخاً في وجه من يحاول
طمس هوية قضيته.. قضيته التي لا ندري ان كان رحل غاضباً على بعض اصدقائه
القائمين عليها والذين شكاهم للشعر في رائعته "أنت منذ الآن غيرك"..
أم انها وصية ملغزة يستفز بها رفاق النضال.
لم يكن يعلم ذلك الطفل الصغير الذي أُجبر وأسرته على ترك قريته (البروة)
قسراً لتقام على ارضها مستوطنة يهودية أنه سيصبح شاعر المقاومة والنضال
وانه سيلهب القلوب والمشاعر ويشحذ الهمم والطاقات، وان كلماته ستخترق
قلوب الغاصبين كرصاص وستحرق مستوطناتهم كالنار الهشيم، وستكون سداً
منيعاً يغلف قلوب ابناء وطنه من تسلل الضعف والهوان اليهم.. لم يكن
يعلم محمود درويش ذو السبع سنوات وهو يغادر وطنه انه سيكون حجراً في
وجه البندقية ومقلاعاً في وجه المدفع ، وبأن المقاومة ستعلنه احد ابنائها
البررة.
رحلة المنافي والشتات .. رغم العودة الصورية في الآونة الاخيرة والتي
تحمل مدلولاتها لدى دوريش وابعادها التي نظر اليها لتحقيقها .. تلك
الرحلة كانت زاد الشاعر في اطلاق روائعه وتفتيت صخر الهوان بفأس الشعر.
السؤال الذي يؤرقني دائما والذي قد يُغضب البعض ممن يرى نفسه قمة:
هل نحن جيل سقوط العمالقة؟.. هل نحن من سيشهد سقوط القامات واحداً
واحداً ، فيما يتصاعد الغث الينا من كل صوب؟.. هل سنغدو عالماً من
دون ألوية او نجوم نهتدي بها، يتناهشنا الاسفاف وتتقاذفنا التفاهات؟.
رحل درويش وتركنا وحيدين مع الحصان.. وصية منه أن نمتطيه لنكمل مشوار
النضال والمقاومة.. فهل سنفعل؟؟؟.
سالم الرحبي
al_rahby@hotmail.com
أعلى
قراءة
في ساقية الماء
من يختار النخل ليلقي بحلاوة ظله في الصيف؟
من يسرج خيلا تتنبت من ساقية مائك يا ساقية السر؟
من يحتضن العصفور الاعمى يتتبع قافلة الماء؟
من يروي ظمأ الطين إذا جن الليل؟
يا ساقية الماء
يا غافية
ساهرة
موقدة كل الأشياء
هل ربط العمر بمقدارك حين تنوحين!!
هل صفد شيطان القحط على بابك!!
هل وطّن وطن وغريب كي يصلب أحلى شيئين
أحبّا الخصب الطين بأعتابك
أغرانا قمر في الماء فغصنا نستخرج ياقوت السر
وتاريخ الريح
ووطئنا أرضا كان سليمان سيسجنها أبدا
لولا أن بيادير الأرض انتحبوا
فتسلسل دمع الفقر على ساقية الماء
يفك الطلسم
نبت القمح
وشدا الطلح
واستسلم جن سليمان
فغصنا في أرضك يحملنا الضوء
وشربنا كل مرارات الأجداد وغصنا
وشبعنا عدوا تنهكنا الريح وغصنا
وحفرنا نبكي تحت الأقدام لعين تبرق بالخصب وغصنا
واليوم نعود لنسأل من؟؟
من سيدثر عشبات الليل من البرد اذا يشتد؟
من سيعلم (صدان) الماء مسارات الحب؟
من سيرتب أشياء الأحجار لكي لا نحرم من شدو نقيق الضفدع؟
من سيكيف حر تواريخ الأرض على برد الماء؟
من سيرينا ساقية الغزو الأولى كي نتجنب سقيا للحرب؟
من سيرتب حمل طحين الفقراء الجوعى؟
ليكون بريئا من موت يحمله كالطفل الماء
ويعيد (الطوبج) للوقت ليعرف
كيف يكون الأطفال بلا خبز
أو كيف سيكبر شيطان في قلب طفولتنا
ان غارت ساقية الماء وطارت رائحة الخبز
من سيرتب هذي الأشياء؟
يا ساقية الماء
أحتاج لأبقى في هذا النص....
قليلا منك.... وبعض هواء
* بدر الشيباني
* شاعر عماني
أعلى
"الوجود قائم على الازدواج واللغة خاضعة
لذلك"
الباحث اللغوي السوري الراحل محمد عنبر: القانون الذي اكتشفته ينطبق
على كل اللغات التي صدرت فطرة وسليقة
دمشق ـ من وحيد تاجا:يعتبر الباحث اللغوي السوري
محمد عنبر احد الباحثين المتميزين في هذا المجال.. انقطع للبحث والعلم
في قريته (معضمية جيرود) التي تبعد عن دمشق مسافة (40 كم)، وخرج بنظرية
في (ديالكتيك اللغة والواقع) ضمنها كتابه الصادر عن دار الفكر بدمشق
بعنوان (جدلية الحرف العربي: فيزيائية الفكر والمادة على أرضية منهج
الفطرة) ليصل به الى إنشاء نظرية شاملة لتفسير اللغة وطريقة الاشتقاق
فيها.
وقد لاقت نظريته تلك للأسف إهمالا شديدا من قبل المهتمين بالشأن الفكري
والثقافي واللغوي في سوريا وخارجها..
"أشرعة" اذ تعيد نشر حوارا أجراه مراسلها في سوريا مع الباحث
قبيل رحيله مؤخرا.. وتنشر بعض ماجاء في كتابه المذكور فإنها في هذا
تحاول رد الاعتبار الى هذا الباحث اللغوي المهم والى محاولة خلق حوار
حول نظريته التي تمثل فرضا مقابلا للمناقشة وخصوصا فكرته عن الجدل.
* هل لك بتقديم فكرة موجزة عن النظرية او الكشف الذي وصلت اليه؟
** يصعب ضغط النظرية في بضعة اسطر ولكن ما لا يدرك كله لا يترك كله،
لذلك أقول ان النظرية تقوم على المطابقة بين الألفاظ ومرموزاتها، بين
اللغة والواقع، بين الفكر والواقع، وهذه المشكلة الفلسفية القديمة
تحتل موقع الصدارة من الفلسفات الأولى الى يومنا هذا.
* ما المنطق الفلسفي الذي أوصلكم الى تركيز البحث بهذا الاتجاه أو
بهذا المنحى اللغوي؟
** لا يمكن للإنسان ان يحدد بدايات الدوافع لمثل هذه الأبحاث، ولكن
من الذاكرة القول ان الحرص الأساسي كان البحث في مقولة "ان ضد
الشيء قائم فيه" فأردت ان أتبين مدى انطباق هذه القاعدة على لغتنا
العربية وواجهت عقبات كبيرة تقوم في وجهي وتحجب عني ما أرمي إليه،
وبعد التوغل في الدراسات والتفكير والمقارنات وصلت الى السبب المعيق.
* هل بالإمكان تلخيص هذا السبب قبل ان نمضي في التعرف على جوهر الموضوع؟
*اجل ان الألفاظ العربية الكائنة اليوم هي غير تلك التي صدرت عن أصحابها
الأوائل، لقد لحقت بها زيادات حجبت عنها طابعها الفطري، إننا نجسد
أفكارنا في ألفاظ، ومن المعروف ان جسد الشيء مثال له وما نعلمه عن
أفكارنا هو ما تجسده ألفاظنا ..ان ذلك يعني شيئا بالغ الأهمية.. انه
قانون.
* أهو قانون يدخل في صلب نظريتكم ام انه نقطة انطلاق لها؟
** ساستخدم كلمة " ضابط" بدلا من قانون فالضابط الذي يحكم
الفكر هو الضابط الذي يحكم الألفاظ، فاللفظ اذا نظرنا كمثال للفكر
فانه يكشف عن طبيعة سير الحركة في هذا الفكر ولو نظرنا إليه كمجرد
هواء صادر عن تجويف الفم وتوابعه كانت النتيجة مادية ـ فيزيائية، فالصوت
هو مثال للفكر وهو مثال للواقع في آن.
* كيف ذلك؟
** ذلك هو الكشف الأهم في النظرية. ان الصوت كمثال للفكر وكمثال للواقع
المادي يحكمه ضابط واحد, قانون واحد يحكم الفكر، ويحكم الواقع .. وإذا
تصورنا جسرا بينهما، أقول انه كان مفقودا أو شبه مفقود، حتى وصلت إليه
النظرية من خلال دراسة الأصوات، وكانت الأفكار المعزولة عن الواقع
والواقع معزولا عن الفكر فاتخذ الإنسان الأصوات سبيلا لوصل الفكر بالواقع.
* أليست اللغة وسيلة للتفاهم، هكذا يعرفها بعض الباحثين واللغويين؟
** هذا تعريف خاطئ، قاصر، بل هو خطا منهجي، فاللغة جزآن.. جزء يوافق
هذا التعريف، وجزء مخالف لهذا المفهوم، والدليل ان الإنسان الأول عندما
صات كان صوته ينبئ عن حالته فحسب.. مثلما تنبئ أصوات الحيوانات عن
حالتها، فالصوت (كحركة فيزيائية) ينبغي ان نتعامل معه كأية حركة فيزيائية
في الوجود نخضعها للتحليل، ويمكن لنا ان ندرس "سر الحرف"
باعتبار ان اللغة مجموعة حروف ذات فيزيائية نطقية معينة، من هنا صرت
اهتم بفيزيائية "الحرف" فكل حرف له فيزيائيته الخاصة به،
وله صفاته حيثما وقع وفي أية لغة كان.
* حبذا لو تقدمون أمثلة على ذلك؟
** لو اخذنا كلمة (ل.ب) ـ لب ـ فاللام حرف تماد والباء حرف جزر ومعنى
(لب) أقام في المكان وضدها ( بل) سافر وانطلق (لب) اذا للإقامة و(بل)
للسفر، وفي ذلك تعبر الحروف عن فيزيائيتها من حيث الجزر او الاستطالة
اوالتمادي، فالصوت اذا يؤرخ للماضي في وجه المستقبل عبر الحاضر ويمثل
حركة في الوجود.
فلو قمت بتحريك القلم من هنا الى هناك فإنما يكون قد فرغ من هنا وزاد
هنا فنؤشر للحركة الأولى بإشارة سالبة (ـ) والثانية بحركة موجبة (+)
وكل حركة من حركات الوجود تحمل إشارتين (+,-) الحال التي كانت والحال
التي صارت، اما اذا أردنا ان نؤرخ الحال القائمة، فهذا تاريخ لسكون
لا لحركة.
* ما علاقة هذا الفكر باللغة؟
** اقول (لب) كانت في حالة الانطلاق باللام ثم انتقلت الى حالة التضام
والتجزء بالباء، حركة الانطلاق باللام هذه لم يصطنعها أي عربي او ناطق
بلغة أخرى وإنما أعربت عنها صفة اللام نفسها وفيزيائيتها، ففي كل اللغات
اللام متمادية والباء منقبضة. وكل حرف يؤدي وظيفته التمادي او التضام،
معنى ذلك ان اللغة عالمية، وجودية، موضوعية، وكذلك (فك,كف). (لف ،
فل).
والآن لو صنعنا حرفي (ل) و(ب) من الشمع ووضعناهما
على حامل لقرأنا (لب) من جهة و(بل) من جهة مقابلة، أي ان النقيض كائن
في الشيء نفسه فآخر (بل) هي اول (لب) واخر (لب) هي اول( بل) ولا تكاد
تنتهي الأولى حتى تبدأ الثانية.
وبذلك يتضح ان الله سبحانه وتعالى قد أقام هذا الوجود على التناقض
الزوجية (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون). من كل شيء حسب الآية
وكل شيء هي اعم كلمة في الوجود فكيف اذا أضفناها الى كلمة (كل)، (كل
شيء) اذا ليس ثمة (موجود) في الكون إلا وهو مزدوج. والفيزياء الحديثة
تقر بأن عالمنا عالم الازدواج وإننا لا نريد ان نلتمس للقرآن الكريم
دعما من مكتشفات العلوم المتغيرة يوما بعد يوم ولكن كتاب الله المسطر
لا يمكن ان يتناقض مع كتاب الله المخلوق (الكون).
* ما هو انعكاس هذا المفهوم او الاكتشاف على المدارس الفلسفية الإسلامية
من جهة والغربية من جهة أخرى؟
** أنا لا أقر بان هناك فلسفة إسلامية وأخرى غربية لان جميع الفلسفات
قائمة على ما تراه ثابتا، فالفلسفة عامة وللمسلمين صلة بها وكذلك للغربيين
واليونانيين وانا معجب بفلسفة اليونانيين، وخصوصا نظرية المثل عند
افلاطون وهي من اعقد النظريات إذ تلقي ضوءا على هذا البحث.
* هل ترى ان النظرية التي توصلتم لها تدرك بداهة؟
** انني لا اعرض هذا الأمر على انه طلاسم بحاجة إلى تفسير بل ان كل
إنسان يستطيع تفسيره بنفسه، هذا اذا وقف على طبيعة وصفة الحروف ومكان
الصيغة من سابق السياق ولاحقه. وواضح انه مقصور على الصيغ التي صدرت
فطرة وسليقة وطبعا كرد فعل على المؤثرات داخلا وخارجا.
وكذلك ينبغي ان ننظر إلى قلب الكلمة إلى فيزيائية- أعماق (رف) و(ف
ر) (ك ر) و(ر ك) وليس إلى ظواهر استخدامها فقط، إي ان ننظر إلى كل
من (ر ف)و(ف ر) و(ر ك) و(ك ر) على ما هما عليه في ذاتهما إذ ليس في
ذات (ر ف) الا مقلوبها ونقيضها وزوجها(ف ر) والعكس بالعكس، وليس في
ذات ( ر ك ) الا مقلوبها ( ك ر )، الذي هو نقيضها وزوجها، وهنا نصل
إلى ما وقف الفلاسفة دونه ولم يصلوا اليه ألا وهو معرفة ما هو الشيء
في ذاته؟
وانني اعتقد ان الخالق عز وجل قد أقام الشيء ونقيضه لان الوجود صدر
"مفسرا" لا يحتاج إلى تفسير ومن اجل ان نتعرف الأشياء ببداهة
على حد قول المتنبي "وبضدها تتميز الأشياء" والضد هنا هو
النقيض فعلينا ان نتعرف الشيء من خلال نقيضه القائم في ذاته ذلك لان
مثال هذا التعرف هو طريق معرفة الوجود والأصل.
فلو ان الله عز وجل قد جعل الليل سرمدا إلى يوم القيامة لما عرفنا
شيئا اسمه النهار، وكذلك لو جعل الله النهار سرمدا إلى يوم القيامة
لما عرفنا شيئا اسمه النهار ولا الليل . وقد جعل الله عز وجل النهار
والليل خلفة لمن أراد ان يتذكر او أراد شكورا.
* نريد ان نقف عند تعميم النظرية وخاصة على غير العربية من اللغة ما
قولكم بذلك؟
** ان هذا القانون ينطبق على كل اللغات التي صدرت فطرة وسليقة، وطبعا
فلو بحثنا في أية لغة عالمية في الألفاظ التي صدرت على مثل ما تقدم
آنفا لوجدنا القانون الذي يحكم سير الحركة فيه واحد لانه قانون ويقوم
على طبيعة وصفة حروفها. فهو كالجاذبية من المادة لا يمكن ان تسمى الكشف
قانونا ما لم يطبق على كل الألفاظ لغات العالم التي صدرت فطرة وسليقة
وطبعا ليست على المصطلح عليه منها.. الا ان اللغة العربية بل وكل لغة
في العالم لا تزال موصولة الرحم بالمعالم الفطرية التي قامت عليها،
ذلك لان الفطرة واحدة في كل اللغات وأقربها من الفطرة أبعدها من التأثر
بغيرها من جهة وبطغيان الاصطلاح على معالم الفطرة فيها من جهة أخرى.
* هل تعتبرون الأبحاث التي تناولتموها قد انتهت واتضحت ام ستتابعون
البحث اذا كان الجواب بالإيجاب فما مشاريعكم؟
** ثمة كتاب قيد الطبع عنوانه (وحدة الحركة والفكر والمادة) ولعل ذكر
عنوانه يلقي أضواء على نوعية المحتوى وهذا بدوره ليس إلا شرحا ومتابعة
للنهج الذي بدأته منذ عشرات السنين وهناك كتب أخرى منها (في الطريق
إلى لبى) إلى الحقيقة التي تقع في نهاية طريق لا نهاية لها وهي بين
أيدينا وقد قدر لنا ان نسلك إليها طريقها الطولي وعلى اية حال فاني
لم احصل من هذا الموضوع الذي قضيت به عمري الا بمقدار ما تحصل الإبرة
من ماء البحر اذا غمست به.
* هل يتقاطع هذا العنوان مع فكرة وحدة الوجود؟
** بل وحدة الموجود وليس وحدة الوجود لانني ابحث في الموجود لا في
وحدة الوجود نظرا لاني أقف عند حدود فيزيائية الصيغ ولا يمنع ان تكون
فيزيائية الموجودات التي يحكمها ضابط قيام الشيء في نقيضه طريقا الى
ما ورائها.
* مَن مِن الفلاسفة او علماء اللغة اوليتهم اهتماما مميزا؟
** مررت على دراسة كثير من الفلاسفة والاسلاميين والغربيين وكذلك علماء
اللغة العربية ووقفت عند الفيلسوف ابن رشد والفارابي وابن سينا والكندي
وغيرهم لا سيما عند العالم اللغوي ابن جنى وابي علي الفارسي.
* اين انصب اهتمامك في هذا؟
** العلامة ابن جنى من عباقرة الامة لأنه استشرف آفاقا لغوية لم يسبقه
بها احد واستطاع ان يأتي بأشياء عجيبة في تحليل الألفاظ، ولو اتخذ
من هذا القانون منهجا او طريقا له لاتانا بغير ما جاءنا به ، وربما
لم يكن الوقت قد حان في زمنه ليصل الى هذه النتائج فمعلوم ان الاكتشاف
في أي قانون ليس جهدا فرديا، انه حصيلة حضارة، لقد قال العلامة ابن
جني ان جميع تقاليب أي صيغة من الصيغ تتجه إلى معنى الصيغة التي جاء
منها اسمه (جني) من(ج ن) ومعروف انها في اصلها رومية ولكننا ننظر الى
حروفها في صيغتها العربية.
الشيء اذا استتر في صورة (الجنين) في بطن أمه وصورة الليل اذا(جن)
واظلم وصورة (الجنة) التي تستر الارض بظلال أشجارها وجدنا (جن) هذه
التي تتجه الى الستر نقيض مقلوبها وزوجها القائم في ذاتها (ن.ج) الذي
يتجه الى الظهور في صورة القرحة اذا (نجت) اي ظهر ما في باطنها من
قيح وعلى هذا فـ (ج ن) تتجه الى الستر و(ن ج) الى الظهور ولا تتجه
الى معنى واحد كما قال ابن جني.
* هل لبحثكم هدف آخر غير الدراسات اللغوية؟
** نعم فاللغة منه 10% وللفلسفة والعلم 90% لان التعرف على القوانين
الكامنة في الألفاظ يقودنا إلى التعرف على قوانين حركة الوجود في سيرها
التي منها وعليها تقوم جميع معارفنا، كما ان إثبات ان الشيء كائن في
نقيضه يجعلنا نعيد النظر بعمق في (منطق ارسطو) الذي ما زال يحكم العالم
من قرون بعيدة والأمثلة على ذلك كثيرة لا يتسع لها مثل اللقاء ومنها:
قول ارسطو الذي يقول باستحالة اجتماع النقيضين في شيء واحد من زمان
ومكان واحد مع ان بناء الوجود وبناء الفكر من الفهما الى يائهما يقومان
على حتمية اجتماع النقيض في نقيضه من كل شيء وكل ما تقدم من الأمثلة
اللغوية يقوم ضرورة وبداهة على قيام الشيء في مقلوبه الذي هو زوج ونقيض
له. ومن الغريب العجيب ان منطق ارسطو هو المناقض لبناء الوجود فكرا
ومادة ولا يزال يحكم الكثير من تفكيرنا الى يوم الناس هذا.
أعلى
قراءة انطباعية عابرة
(أبواب أغلقتها الريح) يفتحها سماء عيسى في إصداره الأخير
كتب ـ سالم الرحبي: في إصداره الأخير لا نعرف
ما الذي يقصد به سماء عيسى من العنوان الذي اختاره لنصوصه.. (أبواب
أغلقتها الريح)، هل يقصد ان رياح الأيام أغلقت أبواب الذاكرة ، ليعيد
هو فتحها بالكتابة، أم انه يقصد ان الأبواب التي تغلقها الرياح تحديداً،
هي الوحيدة التي لا نستطيع فتحها.
في إصداره الذي يختار لغلافه صورة شموع يصعب تحديد أعدادها تشتعل أسفل
العنوان يبدو وكأنه يقول لنا ان النصوص قد اشتغل عليها على نارٍ هادئة،
وبإمكاننا استنتاج ذلك من بعض النصوص التي قرأناها سابقاً متفرقة هنا
وهناك.
لا توجد مقدمات يحبذها الكثيرون لافتتاح اصداراتهم، بل حتى الاهداء
مقتضب كثيراً .. أربعة أبواب يشتمل الأول (ابواب اغلقتها الريح) على
تسعة عشر نصاً، ويشتمل الباب الثاني (العدم سيد الصحراء) على خمسة
نصوص، فيما يشتمل الباب الثالث (قطط في الذاكرة) على ستة نصوص، وختاماً
يشتمل الباب الرابع (الرائحة الاولى) على أربعة نصوص.
في هذا الاصدار نقف حائرين فيما يقصده سماء عيسى بتلك اللغة التي تحمل
الكثير من الحنين والألم والصراخ الذي يشبه الصمت في غموضه، مازجاً
فصحاه الضليع فيها بلهجته المحلية منتقياً منها أشجى العبارات وآلمها.
أكاد أجزم ان جميع من قرأ الاصدار تساءل ترى كيف سيعرف الآخرون ـ أي
القراء خارج السلطنة ـ معاني بعض الكلمات الدارجة ، والتي تأتي في
مواقع يصعب فهم النص دون معرفة معناها، ولكن سماء يسترسل في سردها
لا مبالياً تماماً بهذا الأمر، آخذاً بناء النص وتكوينه بدقة متناهية
سارداً تفاصيله بطريقة عذبة ومحكمة الأحداث.
الاصدار الذي صدر عن دار الفرقد للطباعة والنشر بدمشق يحمل غلافاً
جميلاً لو لا الغلطة الكبيرة في العنوان الخلفي للإصدار حيث تسقط اللام
من (أغلقتها).
في هذا الاصدار يغرق سماء كثيراً في الماضي، لا حاضر أبداً ، كل ما
يتحدث عنها هي أشياء مندثرة ، لا يوجد حس لها أو خبراً، وكأنه يقول:
لا تبحثوا عمّا كتبت ، فلن تجدوه ، ذلك زمن ولى بأناسه ، لهم مبادئهم
وحيواتهم ولكم مبادئكم وحيواتكم، لن يعودوا لأنكم ببساطة لا تستاهلون
عودتهم .. ويتجلى الالتصاق بالماضي كثيراً في احد نصوصه وفي وصفه لأحدى
الشخصيات بقوله.. (دوماً كانت تبحلق الى الوراء الى الماضي، إذ الحاضر
والمستقبل مخلوقان منه ولا وجود لهما دونه). اذاً فالماضي هو اساس
كل شيء وهو العمود الذي يرتكز عليه كثيراً في سرد نصوصه.
(1)
في الباب الأول (ابواب أغلقتها الريح) نحن أمام
ذاكرة فولاذية متينة ، أو هذا ما يتبدى لنا اذا ما افترضنا انها مجرد
نصوص من وحي الخيال.. ولكن لا يفتأ الشك مبارحتنا في انها ذاكرة (سماء)
المسبوكة بعناية فائقة، ولكن بشكل مموه متقن يشبه تمويه قصر بقليس
ملكة سبأ، لدرجة انها هي نفسها لم تستطع تبينه.
هنا السرد حنينيّ طافح، صارخ بالاشتياق. حكاياته قد تبدو قريبة جداً
منا ، وربما سمعنا بمثلها ، إن لم تكن مطابقة لها ، فهل هو اشتغال
على الواقعية وتحويرها كما يريد لها سماء لا كما وقعت ، أم هو سرد
متكئ على اللاواقعية تماماً، بل شخصيات من ابتكار الأثير لها، ولكن
في بعضها حقائق ووقائع مثبتة في الكتب او ذاكرة الكبار.. عموماً ستخرج
مشحوناً بالحنين من الباب الأول ، ليتلقفك الباب الثاني (العدم سيد
الصحراء).
(2)
إذاً لا فائدة مرجوة من زرعها او محاولة بعث الحياة اليها ، فسيدها
العدم لن يسمح بذلك أبداً ، ولن يجرؤ احد على مخالفة أوامره ، هو حاكمها
ومسيسها ومسير أوامرها.. درجة من التشاؤم قد تبدو مبالغة جداً حتى
في سير احداث نصوصها، ونهاياتها المفزعة التي توصلك من حيث بدأت..
مهما زرعت الصحراء لن تحصد سوى العدم.
(3)
اما بابه الثالث فيبرز القط بطلاً حين يحتل عنوان
الباب (قطط في الذاكرة).. هنا الاشتغال على المفردة البيئية واضح وجلي
وشرح تفاصيل الحياة اليومية الماضية بدقة يصعب ان يتصدى لها شخص إلا
من يملك ذلك المخزون الحكائي الرائع كسماء عيسى.
تبرز القطط كنموذج للوفاء والمحبة أكثر من الانسان أحياناً وكدليل
على الوحشية في أحيان اخرى خصوصا حين يسرق الباعث/الوشق الرضيع من
حضن أمه.
(4)
في بابه الاخير (الرائحة الاولى) يعود الشجن
والحنين ولكن بطريقة غاية في العذوبة والرقة والحنان والألفة مع المكان
والناس الذين فتحت ذاكرة الكاتب ابوابها الاولى على رائحتهم .. حيث
عثرات البداية تبقى ندوباً في الذاكرة .. ندوبٌ ليست بالضرورة مشوهة
وانما باعثة للذكرى الصافية.
في هذا الاصدار لا يمكنك إلا تتنفس عميقاً بعد ان تقرأه وذلك بعد ان
ادخلك الكاتب في دوامة ألقه الجميل.. ابداع بنكهة الحرقة، وشفافية
بطعم الاشتياق، وسلاسة برائحة الجمال والذكريات الجميلة التي هدمتها
فؤوس الأيام ودمرتها صروف السنين.
وبهذا الاصدار يكون سماء عيسى قد فتح لنا أبواباً من الحنين كانت قد
أغلقتها الرياح.
أعلى
اقترب الفن من الناس فحاورهم وحاوروه
(الدائرة) توثق تجربتها الرابعة (الشارع والمدينة)
نبش جمالياته ـ سالم الرحبي:اصدرت مجموعة (الدائرة
للفن المعاصر) كتابها الذي وثقت فيه تجربتها الرابعة (الشارع والمدينة)
والتي شارك فيها نخبة من المبدعين العمانيين والعالميين ضم بين دفتيه
خلاصة التجربة اضافة الى بعض القراءات والتعريفات بالأعمال والمشاركين
وقراءات في بعض الاشتغالات الابداعية اضافة الى تسليط الضوء على تجربة
الدائرة بشكل عام.
الاصدار يحوي تعريفاً بكل مشارك من المشاركين اضافة الى عرض بعض اعمالهم
التي تنوعت بين التصوير الفوتوغرافي وفن الفيديو آرت والتشكيل في تحاورية
رائعة جمعتها صفحات الكتاب ، كما يستعرض في الوقت ذاته التجارب الثلاث
السابقة للمجموعة.
قراءة نانورامية
وفي الاصدار يقدم الباحث المغربي عبدالفتاح الزين
قراءة بانورامية عامة لتجربة الدائرة في جميع دوراتها مركزاً على دورتها
الاخيرة في بحث بعنوان (الدائرة.. من الحياة والموت الى الشارع والمدينة)
يورد في بدايته مدلولات الدائرة بشكل عام وفي مختلف الاوجه التراثية
والحضارية والاقتصادية والحياتية.
فيما يستعرض في الاخير التجربة الرابعة بقوله: "لقد حققت الدائرة
قفزة نوعية منذ مراحل التأسيس سعياً منها للالتقاء بأكبر عدد من المتلقين
لتقريب الفن والثقافة من الناس.
وتجربة الدورة الرابعة من خلال موضوعة الدورة (الشارع والمدينة) هي
تجربة تروم العودة الى الجذور دون تنازل عن راهنية الهنا والآن كسؤال
وجودي لمجموعة الدائرة وكحضور فاعل في الاسهام لرفع تحديات العولمة.
وقد جاء الخروج هذه السنة الى الشارع متميزاً من حيث ارتكازه على جذور
الممارسة الابداعية في اعماق التربة الثقافية والفنية للمجتمع العربي
والممتدة اغصانها نحو اشعة المعاصر والحداثة. انه اقتحام لفضاءات يتسرب
فيها الفن بمعالجاته ومقارباته الى ثنايا وتجاويف الحياة اليومية ليعيد
تشكيل الفن بين الشارع والمدينة من خلال اشراك الجمهور لا كمتلقي فحسب
بل كمواد تشكيلية على مستوى الحضور في العمل ومن خلال الحركة التلقائية
والفرجة اليومية التي تستعرض فيها الذات وتستعرض الذوات: انها لعبة
اللعب كما يقول جون ديفينيو او مسرحة الحياة اليومية حيث الكل يتجمل
ويتهيأ ليلعب دوره في (فضاءات المدينة، الحواري، الشوارع، مراكز التسوق..
الخ) وقد تجلى ذلك في ممشى الصور الفوتوغرافية على ناصية سوق مطرح".
تجربتنا الرابعة
وفي بداية الاصدار يورد الفنان القائم على جميع معارض المجموعة حسن
مير والذي يسكنه هاجس الفن المفاهيمي ونشره في ارجاء السلطنة وتكريس
هذا المفهوم كشكل حداثي جديد يخاطب اعماق الاحاسيس البشرية ويلتقي
مع هم المتلقي في احايين كثيرة اضافة الى فلسفاته الرائعة التي يتكئ
عليها في تقديم مادته وفي الخروج بمادة ابداعية تساير المتغيرات والمستجدات..
يورد حسن كلمته عن الفعالية الرابعة لمجموعة الدائرة والتي يقول فيها:
"ها نحن نجتمع مرة اخرى وكلنا امل بأن تكون التجربة الرابعة لمعرض
الدائرة قد اضافت للتجربة الفنية المعاصرة في المنطقة بعداً آخر وهو
الانتقال الى فضاء (الشارع والمدينة).
ان تطلعات مجموعة الدائرة للفن المعاصر كبيرة. فقد تأكد في السنوات
الماضية اهمية التجريب في تطوير وصقل تجاربهم الفنية المعتمدة على
الفهم او الفكرة مع الحرية التامة في استخدام ادوات جديدة تضيف للتجربة
المحلية والعالمية مفاهيماً جديدة.
لقد تطرقنا في التجارب الماضية الى مواضيع مختلفة بعضها كانت تعكس
البعد الفلسفي للقلق الانساني المعاصر او الانتقال الى البعد الصوفي
الفلسفي واستطاع مجموعة منهم التطرق الى القلق الذي يساور الانسان
العربي تجاه المخاطر التي يواجهها من القوى الاخرى وكانت فلسفتنا اعطاء
الفنان حريته التامة للتعبير عن آرائه وتوجهاته.
ومع اختتام ونجاح التجربة الثالثة في النادي الثقافية اكد فنانوا الدائرة
على ضرورة الانتقال والتفاعل مع المجتمع واخذ التجربة حيث يتواجد الناس
في الاماكن العامة والاسواق الشعبية.
وكان اختيارنا لسوق مطرح القديم لما يحمله من مكانة تاريخية ومعمار
رائع لوضع تجارب الفنانين فيه وبيت البرندة وصالة بيت مزنة وقد تمت
التجربة بنجاح واستطاع الفنانون ان يتجاوزوا المساحات المقفلة وتفاعلوا
مع الهواء الطلق ومساحات الشارع ونتمنى ان تكون التجربة القادمة لمعرض
الدائرة امتداداً للتجارب العالمية وتواصلاً معها بكل جديد في عالم
الفن.
الكشف والابداع
الشاعر الرائع سماء عيسى وهو احد مؤسسي (الدائرة)
ومن المسكونين بهاجس تقديم الجديد على الساحة ورفدها بالكوادر الجديدة،
فهو أب للكثير من المبدعين المشتغلين في الساحة وهو مسكون بجمال التشكيل
بنفس القدر الذي يسكنه الشعر يقدم في الكتاب مقالة تشبه النص في ألقها
عن تجربة الدائرة بعنوان (لغة الكشف والابداع) قائلاً: "ما قدمته
الدائرة في عمرها القصير أي منذ بداية تأسيسها عام 2001. خدمة للحركة
الثقافية والفنية في بلادنا كبير هام جذري ومتميز في فكرته وطرحه.
إذ تؤسس لتجربة جديدة اعتمدت على تلاقي الفنون الابداعية المختلفة
وصهرها في بوتقة الابداع الخلاق.
وذلك بالطبع هو ما أرسى ثيمات تجربة ابداعية جديدة. خاصة في مراحلها
المتقدمة ، وهي تجربة الالتحام بالشارع ، حيث قدم الفنانون تجاربهم
بالأسواق والحدائق والمعارض لأول مرة في السلطنة كشكل من اشكال الالتحام
بالمتلقي وارتفاعاً بمستوى ذوق الانسان الفني في تمازجه اليومية مع
جماليات الفن ودهشته وطرح الأسئلة لتضع مداركه امام عالم جديد.
تسري الدائرة من عام لآخر وهي تضع تجربتها الرائدة امام محك الزمن
والتاريخ تدخل اليها كل عام عناصر جديدة وثيمات جديدة تساهم في دفعها
الى الامام ، محتلة الصدارة في العطاء الفني الثقافي الخلاق في بلادنا.
تنهار هنا فواصل الفروق بين اشكال الفن الواحد ، بل وبين فناني العالم
الواحد، تنهار المسافات بين الماضي والحاضر والمستقبل، المعاناة الانسانية
في جذورها البعيدة هي الثيمة الاساسية للتجربة وان اختلفت منطلقاتها
وآفاقها.
الفن هنا ما يدفع الانسان الى علاقة جديدة مع الطبيعة والوطن والانسان
بل الى علاقة جديدة مع نفسه إذ يرقى بممارساته لتكون نابعة من الجمال
متجهة الى الجمال، ذلك ما يساعد حتماً على تشكيل جديد ودائم لأرواح
عذبة يدفعها الفن دوماً الى الخلق والابداع.
دائما تتقدم لغة الفن الخالدة على قطيعة السياسية المختلفة لأنها تخرج
من حيز المكان والزمان وترتبط دوماً بالروح الخفية مصدر الابداع البشري
وهي تغذي العودة الى الجذ الانساني الواحد قبل تشكلاته العرقية والدينية
المختلفة عبر العصور.
رائحة مطرح
المصور الدكتور عبدالمنعم الحسني صاحب تجربة
ابداعية مختلفة يؤطر الجمال في زوايا عدسته ليطلقه لاحقاً سرباً من
حمائم الألق والتميز تجربته في الدورة الرابعة للدائرة يجملها في كلمة
له ضمن الاصدارا قائلا: "تفوح مطرح برائحة التاريخ وذاكرة المكان
تتشابك الافكار والاحلام والرؤى عبر لوحات لوجوه عبرت المكان وعاشت
في جذور تفاصيله.. تشربت منه كل اغاني البحر وممرات الترحال.. لتعود
من جديد.. ذاكرة في عمر الايام.. مطرح بكل الشوق وجراح السنين بكل
التباسات الامكنة وطفولة الذكريات.. اليك نعود.
هكذا بدأت الدائرة حلقتها الرابعة من سوق مطرح لتقرب الفن الى الناس..
يتحاور معهم ويحاوروه.. يتفق ويختلف معهم.. تجربة جديدة لأول مرة ينزل
الفن الى الشارع في عمان عبر مشاريع ولوحات مضيئة تجمل بين الاصالة
في مطرح والحداثة في الخوير.. مروراً بمتحف بيت الزبير وبيت البرندى
ومتحف بيت مزنة في تجارب جمالية معاصرة برؤى محلية وعربية واجنبية.
اجتمع مجموعة من ابناء النور ـ رغم اختلاف اشكالهم الابداعية ـ في
عرض فني مدهش قلما نرى له مثيلاً في بلادنا حيث عرض مجموعة من التشكيليين
(بالفرشاة او العدسة) وممن اشتغل بالكتابة واهتم بالموسيقى في عرض
سيمفونية ما تكاد تنتهي منه حتى يساورك قلق الدائرة لتبدأ من جديد
برؤية فنية مختلفة.
المشاركون..
شارك في تجربة الدائرة الرابعة عدد من المبدعين
الذي يوثق الاصدارا ابداعاتهم التي قدموها وهم: الدكتور عبدالمنعم
الحسني وعبدالرحيم الميمني وانس الشيخ واتنجي مانسير وانور سونيا وبدور
الريامي وحسن مير وابراهيم البوسعيدي وادريس الهوتي وكيل زكريا وخالد
رمضان وخليفة العبدلي ومنال الضويان وموسى عمر ورديكا كيمجي وسيني
كورث وسيف الهنائي وطارق الغصين.
مقتطفات
كما يقدم الكتاب نبذة عن آراء المشاركين في المجالات
التي يخوضون تجربتهم فيها نسوق بعضاً منها:
* انس الشيخ: "في الحقيقة لا أعلم بالتحديد ما هو (الفن) ولا
أريد ان استند على آراء الآخرين في هذا الامر ولكن ربما ما نسميه بـ(الفن)
ما هو إلا حاجة انسانية للتعربير عن موقف ما ، او رؤية ما ، او فكرة
ما ، او واقع ما.
بالنسبة لي لا يمكن طرح مسألة (الفن) إلا من خلال الاسئلة.. ثم الاسئلة..
ولا تتم الاجابة عليها إلا بمزيد من الاسئلة، فهل يمكن ان نعتبر (الفن)
هو نوع من التحفيز الذهني والعاطفي الذي يدفعنا نحو جعل اسئلتنا ان
تكون مرئية؟ وهل هذا المرئي الذي ننتجه نستطيع ان ندعي بأنه حقاً (فن)
قادر على اثارة الآخرين بحيث تحرضهم على خلق اسئلة جديدة او تحفزهم
لاستعادة اسئلة قديمة واستجوابها؟.. اعتقد ان (الفن) ينحو بنا عادة
نحو الفشل اكثر من ان ينحوا بنا نحو النجاح والوصول النهائي القاطع
لتثبيت فكرة ما او قناعة ما".
* انتجي مانسير: "تبوح الابتسامة بأكثر مما قد تبوح به مئات الكلمات
! فمن أين لي ان أجد مكاناً غير عمان التقي فيه اناساً رائعين وانظر
فيه الى وجوه فرحة؟ لا اشعر بأننين ملهمة وان رحمة الله قد نزلت بي.
لا اهمية لديّ للمكان الذي ولدت فيه ولا كيف عشت فيه، ما يعنيني هو
ما عملته حيث كنت.
ليس لي سوى عملي الفني الذي هو كل ما بوسعي ان أهبه لهذا العالم مقابل
ما منحني اياه".
* انور سونيا: "عندما نمعن النظر في الاشكال التي نراها من حولنا
كل يوم من خلال زوايا اخرى نكتشف فيها معاني وابعاد جديدة. لقد اعتدنا
على عدم التركيز على جماليات الاشياء التي من حولنا واصبحت الاماكن
التي نرتادها مبهمة في اعيننا لأننا لم ندرب انسفنا على النظر من خلال
الاشياء انما نكتفي فقط بالعبور امامها".
* بدور الريامي: "عليك ان تعري حقيقة ذاتك تعريف عاطفتك وافكارك
اما عيون عابرة.. متصيدة او غير مكترثة تماماً بحقيقتك.. يستلزم الامر
شجاعة حقيقية لممارسة الفن، شجاعة لإعلان اختلافك وشجاعة لإظهار اختلاف
الآخرين واحايناً لتجريد الحقائق التي استلزم اخفاؤها زمناً طويلاً
واناس كثر".
أخيرا..
تأسست تجربة الدائرة في عام (2001) وقدمت مجموعة
من التجارب والأعمال التي شارك فيها العديد من الشعراء والفنانين حيث
انتقلت تجاربها الى منطقة الخليج وأوروبا واستطاعوا أن يؤسسوا نموذج
لفن معاصر قادر على التأثير والتأقلم مع المستجدات الحديثة في عالم
الفن: كالفن المعتمد على الفكرة وفن الفيديو باستعمال وسائل متعددة
وفن التجهيز في الفراغ.
أعلى
تاريخها يمتد الي حوالي (2300)عام
مكتبة الإسكندرية منارة للعلم والحضارة ومركز
يشع بالفكر والأدب
أول مكتبة رقمية في القرن الحادي والعشرين
هندسة الهرم الرابع في مصر مستوحاه من قرص الشمس عند الشروق
جدارية المكتبة محفور عليها جميع أبجديات العالم الحديثة والقديمة
زارها ـ علي البادي:لم تقتصر أهمية مكتبة الإسكندرية
في اعتبارها صرح تاريخي وحضاري تميزه هندسة عمارته المدهشة لكل من
يرى هذا الشكل العصري البديع بإطلالة بحرية جميلة ، بل تمتد لاختزانها
عشرات الملايين من الكتب والعناوين والمراجع لكل الباحثين عن المعلومة
المفيدة والجديدة ولتبقى واحدة من أهم صروح الفكر والأدب في العالم.
كلما زرت هذه المكتبة العظيمة أو قرأت عنها أتذكر عبارة وجدتها في
المركز الإعلامي عام 2003 أثناء الافتتاح الرسمي للمكتبة "مكتبة
الإسكندرية هدية مبارك لمصر, وهدية مصر للعالم" أذ تشير هذه العبارة
إلي أهمية المكتبة بالنسبة لمصر وللعالم أيضا حيث أرادت مصر لمكتبة
الإسكندرية أن تكون مصدر اشعاع فكري وأدبي للعالم.
أهمية المكان والعمارة
تقع مكتبة الاسكندرية في منطقة الشاطبي بين البحر
ومجمع الكليات الجامعية التابعة لجامعة الاسكندرية وهو ما يجعلها تحتل
موقعا جغرافيا يليق بمكانتها الادبية والتاريخية, وتشير بعض المراجع
الى أن موقع المكتبة الجديد هو ذاته موقع البروكيوم (الحي الملكي القديم
الذي ينتمي للحضارة اليونانية والرومانية) وقد أخذ تصميم المبنى الجديد
للمكتبة شكل شمس ساطعة تنير الحضارة الانسانية تم بناء المكتبة بشكل
أسطواني دائري يميل الى ناحية البحر بحيث يسمح السقف المائل للمكتبة
لضوء النهار أن يتخلل غرف القراءة في المكتبة وفي الوقت نفسه ترى هذه
الغرف المسطح المائي للبحر بشكل أخاذ يضيف بعدا جماليا للمكان الى
جانب مكانته التاريخية والثقافية العظيمة , ويتكون المنبى الجديد للمكتبة
من 11 مستوى فيما يصل أرتفاع المبنى الى 33 مترا ويضم مجمع مكتبة الاسكندرية
المكتبة الرئيسية , ومكتبة الشباب , ومكتبة المكفوفين, والقبة السماوية
, ومتحف العلوم , ومتحف الخطوط, والمتحف الاثري, والمعهد الدولي للدراسات
والمعلومات , ومعمل الحفاظ والترميم , ومكتبة طه حسين , ومكتبة الوسائط
المتعددة , والموارد الالكترونية , وأرشيف الانترنت , والمخطوطات والكتب
النادرة , وقاعة الاستكشاف , ومركز دراسات الاسكندرية والبحر المتوسط
, ومركز المؤتمرات والخدمات الملحقة به , ذلك الي جانب وجود فراغات
لامكانية اقامة معارض ومناشط أخرى. وقد تم تزويد المبنى بنظام حماية
من الزلازل , ولعبت منظمة اليونسكو دورا كبيرا من خلال اداراتها وأعضائها
في أعادة أنتشار مكتبة الاسكندرية من جديد.
أهمية تاريخية
لمكتبة الاسكندرية تاريخ يمتد منذ عام 288 قبل
الميلاد أي حوالي 2300 عام حينما ولدت الفكرة على يد ديترموس الفاليري
واقنع بها بطليموس الاول لتخرج المكتبة الى عالم الوجود كمؤسسة علمية
يدين لها العالم بالكثير من الفضل لكونها اول مكتبة لها صفة مستقلة
بذاتها بعيدا عن القصور والمعابد وتعطي العلم بعدا ذا طبيعة خاصة تميزه
عن الارتباط بالكهنة , واحتوت في ذلك العهد على ما يقارب 900 الف مخطوط.
واستقطبت عددا من رجال الفكر والعلم والإبداع ومن هنا انطلق العلماء
فأبدعوا وابتكروا وهذا يدل على أن ملوك البطالمة عقدوا العزم على أن
تكون لمملكتهم في مصر الصدارة بين ممالك العصر الهلنسي وبذلك أصبحت
الإسكندرية منارة للعلم والفنون والآداب والحضارة وإذا كانت المكتبة
القديمة هي المحتوى العالمي للمعرفة والعلوم فانه مما لاشك فية أن
تكون مكتبة الإسكندرية الجديدة لها مشروعات رقمية خاصة بها تساير بها
دوران عجلة الزمن في عصر التحدي الرقمي وتأخذ مكانها كأول مكتبة رقمية
في القرن الحادى والعشرون خاصة وان المكتبة الرقمية هي المستقبل الحقيقي
للمكتبات في هذا العالم.
لقد نجحت المكتبة القديمة في ايجاد مصدر يجمع كل العلوم والمعارف القديمة
من لغات شتى وتخصصات متعدده حتى عدت اول مؤسسة خاصة تخرج منها روح
العلم بصوره جديدة وغير مالوفة ولذلك فهي اعتبرت رمزا للحضارة الهلينيستية.
وكانت مكتبة الإسكندرية القديمة في قرونها أولى مزيجا من كل الحضارات
وكان لفكر الفلسفة الإغريقية دور كبير في تكون حضارة الفترة الهلينيستية
التي تعتبر مكتبة الإسكندرية المنارة الفكرية لها.
أول حريق يصيب المكتبة
في عام 48 قبل الميلاد تعرضت المكتبة لأول حريق
يصيبها على يد يوليوس قيصر خلال حرب الإسكندرية وأثناء بحث قيصر عن
الجنرال الروماني بومبي حيث تمكن بومبي من محاصرة قيصر بعدد من السفن
المصرية وقطع الامدادات عنه مما دفع بقيصر إلى إرسال عدد من السفن
الحربية التي دمرت أسطول بومبي في ميناء الإسكندرية وامتدت نيران القصف
لتطال ميناء الإسكندرية ومكتبتها وخلف ذلك على المكتبة تأثيرا سلبيا
حيث شهدت اضمحلالا متزايدا في القرنين الثالث والرابع للميلاد وفي
عام 391م تم حرق كل ما تبقي في مكتبة الإسكندرية في السرابيوم وقتلت
هيباثيا عالمة الرياضيات وابنة اخر عملاء المكتبة المعروفين وهو "ثيون"
وذلك على يد الغوغاء عام 415م وهو ما يكون قبل دخول عمرو بن العاص
إلى مصر بأكثر من مائتين وثلاثين عاما وكانت المكتبة تضم قرابة 700
الف مخطوطة وبالرغم من مرور 1600 عام تقريبا على اندثار المكتبة إلا
أن تأثيرها على العلماء والمفكرين ظل قويا وواضحا عبر القرون وحتى
يومنا هذا على اعتبار أنها كانت مركزا للإشعاع الفكري والعلمي الذي
غير مسار التفكير الإنساني وقد انفتحت مكتبة الإسكندرية على كل الحضارات
حيث تم فيها ترجمة العهد القديم من
ة إلى اليونانية وحوت على كتب الديانة الفارسية
والديانة البوذية والتي أهداها للمكتبة الملك أزوتا الهندي.
جدارية المبنى
يتكون مبني مكتبة الإسكندرية الذي يصفه بعض الكتاب
بأنه الهرم الرابع في مصر من 11 دورا على ارتفاع 33 مترا وهو بشكله
المستدير المائل عبارة عن قرص شمس غير كامل الإشراق يرمز إلى الجذور
التاريخية والحضارية العميقة في التراث المصري ويشير إلى إطلالة يوم
جديد وألفية جديدة وقد نقش على جدارية المكتبة عدد من النقوش الجمالية
التي ترمز إلى تعدد الحضارات حيث حفر عليها جميع أبجديات العالم الحديثة
والقديمة بالإضافة إلى الرموز الموسيقية المختلفة حيث تم بناءها بعدد
4200 حجرة يتراوح وزن الواحدة منها بين 800 كيلو غرام الى طن واحد
ويضم المبنى المكتبة الرئيسية ومكتبة الشباب ومكتبة المكفوفين والقبة
السماوية والمعهد الدولى لدراسة المعلومات ومعمل الحفاظ والترميم ومركز
المؤتمرات وأماكن لتنظيم الاحتفالات والمعارض بالإضافة الى ثلاثة متاحف
هي متحف العلوم ومتحف الخطوط والمتحف الأثري المصري وتسعى مكتبة الاسكندرية
الي الوصول الى 8 ملايين مجلد على المدى البعيد كما تضم عدد 400 الى
1500 دورية وعدد 10 الآف الى 50 الفا من المخطوطات والكتب النادرة
وعدد 50 الف خريطة بالاضافة الى نظم المعلومات وقواعد البيانات المتكاملة
باستخدام الحاسب الآلى وشبكة الانترنت حيث تضم المكتبة اكثر من 250
جهاز حاسب آلي لمختلف الاستعمالات لاسيما منها القراءة.
القبة السماوية
القبة السماوية بالمكتبة تصميم فريد من نوعه
فهي على شكل كرة أرضية معلقة بأربعة محاور للتثبيت وداخلها يوجد مسرح
وصالة عرض تتسع لعدد 99 كرسيا وبها شاشة عرض عبارة عن نصف كرة قطرها
14 مترا ومصنوعة من مادة خاصة وطلاء خاص حتى لا تعكس الضوء على المشاهدين.
بالإضافة إلى مسرح تعليمي وتتضمن عروض هذه القبة عالم الإثارة والمعلومات
الغنية عن السماء وما فيها من أجرام فلكية والقمر والنجوم والكواكب
والمجرات وعروضا فلكية تصاحبها موسيقى ومؤثرات صوتية.
المركز الإعلامي
يوجد بالمكتبة مركز إعلامي متخصص يتولى عملية
التنسيق والمتابعة والتوثيق وهو مركز متكامل كما يشير الدكتور خالد
عزب رئيس المركز ويقوم المركز بالتواصل مع مختلف وسائل الأعلام العربية
والأجنبية وأرشفة المواضيع التاريخية والمهمة وتزويد الوفود الإعلامية
خلال زيارتها للمكتبة بكافة المعلومات والبيانات التاريخية عن الإسكندرية
ومكتبة الإسكندرية القديمة والجديدة.
ارشيف الأفلام
يقدم ارشيف الانترنت مجموعة تتكون من 1000 فيلم
تعكس حضارة ومجتمع الولايات المتحدة خلال القرن العشرين.
وترجع أهمية هذا الأرشيف الثري إلى انه يتيح الفرصة لزائري الموقع
لرؤية الأفلام الخاصة بهم من خلال مخزون الافلام ومحاكاتها مجانا كما
يمكنهم أيضا عمل الأفلام المتاح وذلك دون مقابل مادي كما يتيح هذا
الأرشيف أيضا عمل الفرصة للأطفال لعمل الأفلام الخاصة بهم وإعادة توزيعها
عبر الانترنت وهو ما سوف يؤدي بدوره إلى ظهور أشكال جديدة من التعبير
مختلفة تماما عن الشكل الذي تقدمه السينما والتلفزيون ألان وسوف يتم
تزويد هذه المجموعة أيضا بعدد من الأفلام الرقمية من جميع أنحاء العالم
وذلك خلال السنوات المقبلة.
علماء المكتبة القديمة
اجتذبت مكتبة الإسكندرية القديمة عددا من العلماء
والمفكرين وأرباب الإبداع العلمي والفكري حيث كان من أساطينها:
*ارستارخوس وهو أول من قال بدوران الأرض حول الشمس.
*هيبارخوس وهو أول من حسب طول السنة الشمسية بدقة.
*ايراتثنيس وهو اول من حسب محيط الكرة الأرضية.
*أقليدس وهو مخترع الطنبور وذلك أثناء زيارته لمصر.
كالمياخوس وهو أول من وضع قواعد الدراسة والتصنيف فهو شاعر وأديب كتب
سجلا للكتب وصنفه بالموضوع والمؤلف وسمي "بابو علم المكتبات".
أربعة محاورأساسية
يتمثل الدور الرئيسي للمكتبة في أربعة محاور
أساسية بحسب ما تؤكده سوزان مبارك قرينة الرئيس المصري ورئيسة مجلس
أمناء مكتبة الإسكندرية التي تقول: إن المكتبة بما تمثلة من ارتباط
بالماضي واستشراف للمستقبل أخذت على عاتقها أن تضطلع بدور حضاري فريد
يتركز حول أربعة محاور أساسية تتمثل في : 1-أن تكون نافذة العالم على
مصر , 2- أن تكون نافذة مصر على العالم ,3- ان تكون مكتبة العصر الرقمي
الجديد , 4- أن تكون مركز للتعليم والحوار.
وأشارت سوزان مبارك إلى أن بعض الكتاب وصف مبنى المكتبة بأنة الهرم
الرابع في مصر وهو يستحق هذا الوصف لأنة ناتج عن جهد العمال المصريين
الذين حفروا الأرض بالإسكندرية ونحتوا الحجر في أسوان وحققوا المعجزات
وان هذا المبني رغم ما يبدو علية من حداثة التصميم استلهم شكله المستدير
المائل من قرص الشمس عند الشروق وهو بذلك الرمز يربط نفسة بجذور حضارية
عميقة في التراث المصري كما يشير إلى إطلالة على يوم جديد وألفية جديدة.
أما الدكتور إسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الإسكندرية فيؤكد أن الحفاظ
على التراث الثقافي يعتبر جزءا لا يتجزأ من عملية الحفاظ على الهوية
الإنسانية والكينونة البشرية لأنة يؤكد أن الحاضر هو همزة الوصل بين
ماض عريق ومستقبل نرسم ملامحه بأقوالنا وأنشطتنا وتقوده طموحاتنا وتطلعاتنا
ومعنوياتنا الفطرية سواء على المستوى الشخصي أو الجماعي مشيرا إلي
أن التراث الثقافي يضم عدة مجالات منها الآداب والفنون المرئية والموسيقي
والأبنية والعادات والتقاليد والطقوس والشعائر بالإضافة إلى كل العناصر
المستخدمة بصفة يومية.
وأكد الدكتور سراج الدين أن المكتبة كانت درة التاج على جبين الإسكندرية
القديمة هذه المدينة التي أسسها الاسكندر المقدوني قبل 23 قرنا من
الزمن وكانت موطنا للملوك البطالمة العظام وموئلا لكليوباترا ومعقلا
للعلماء والمفكرين حيث أن مدينة الإسكندرية بواقعها المؤجج للعبقريات
الأدبية والإبداعات العلمية دونت تاريخها الخلاق الممتد من كاليماخوس
الى هيباثيا الى القرقوشي الى البوصيري الى كفافيس ولورانس داريل وها
هو ما كنا لنعرفة لولا تلك الآثار التي ظلت غارقة قرونا طويلة.
أعلى
أعدها وأخرجها عبدالمجيد شكير
مسرحية (نكاتيف).. تآلف الأضداد رغم كرهها لبعضها
البعض
العرض اقترب من أجواء المدرسة الكلاسيكية وتقاليدها العريقة
المخرج يفوز برهانه على ممثليّ العرض
في عرض مسرحية (نكاتيف)، تتآلف الأضداد، حيث
نجد الموت والحياة، القبح والجمال، البؤس والسعادة.. جميعها مفردات
صنعت حياة جندي مغمور، انقطع عن عالمه الخارجي لفترة طويلة من الزمن،
فأصبح مجرد ظل يقبع في زاوية منزله، ليتحول إلى مجرد (نجاتيف أو نكاتيف).
وهذه المسرحية من إعداد الدكتور عبدالمجيد شكير ـ كاتب ومخرج من المغرب
ـ، وموضوع العرض المسرحي مستوحى من مسرحية (مكان مع الخنازير) للكاتب
المسرحي الأفريقي (لاثول فوجارو). والعرض من بطولة نجوم فرقة أبعاد،
وهما: عائشة مناف، ومصطفى قيمي.
مسرحية (مكان مع الخنازير) مأخوذة عن قصة حقيقية وقعت إبان الحرب العالمية
الثانية في روسيا، وهي تسرد قصة الجندي (بفيل نافروتسكي) الذي فر من
ساحة القتال، عندما اكتشف أنه موجود هناك بالخطأ، ثم قام بالاختباء
في زريبة الخنازير بمنزله لمدة واحد وأربعين عاما!! حيث لطخ نفسه بالقذارة
والقرف بعد طول الإقامة في ذلك الفضاء المميت.. وهذا جعله فيما بعد
يقرر الاعتراف بخيانته العظمى أثناء الاحتفال بعيد النصر. وعزاؤه الوحيد
هو وزوجته (براسكوفيا) في ذلك، بأن ينعما بضوء الشمس الذي طالما كانا
يحلمان به ... وقد تبدو قصة المسرحية بسيطة في معناها الظاهر، ولكنها
تحمل العديد من القيم الإنسانية، كما سيتضح لنا بعد ذلك.
لقد استثمر مؤلف المسرحية لاثول فوجارو في مسرحيته (مكان مع الخنازير)
القصة الواقعية في تضخيم الصفات الإنسانية، والتي بدأت رائحتها تطفو
على السطح من خلال شخصية الجندي، مثل صفة: الجبن، والخوف، والشعور
بالقرف، والرغبة في التحرر من حظيرة الحيوانات.. إضافة إلى أن الكاتب
أسقط على مسرحيته الأحداث السياسية التي عاشها ، والتي تجسد ملحمة
النضال من أجل الحرية لكسر النظام العنصري في جنوب أفريقيا آنذاك.
كما أن العرض المسرحي ينبض بالحس الإنساني، الذي يجعله يتخطى الحدود
الجغرافية، ليضاف إلى النصوص العالمية، والتي ليست حكرا على مكان وقوع
الحداثة الحقيقية فحسب، وإنما يمكن تقديمها في أي مكان من العالم لتحسب
في رصيد الثقافة الإنسانية.
وبرغم من أن مدة العرض في النص الاصلي لم تتجاوز الثلاث ساعات، إلا
أن المعد والمخرج الدكتور عبدالمجيد شكير بذل مجهودا كبيرا في تكثيف
الزمن، ليتحول إلى زمن جديد من خلال أحداث مسرحية (نكاتيف)، والذي
لم يتجاوز ثماني وستين دقيقة.
لقد غامر معد العرض ومخرجه، عندما اعتمد على شخصيتين فقط، هما: شخصية
الجندي (بفيل نافروتسكي) وزوجته ( براسكوفيا) في إدارة الحوار والفعل
المسرحي، نظرا لاستمرارية الحوار الثنائي لفترات طويلة، مما ابطأ الإيقاع
العام للعرض المسرحي في بعض المشاهد، ولكن كان رهان المخرج على مستوى
الأداء التمثيلي لأبطال عرضه، والذين استطاعوا بالفعل أن يحدثوا نوعا
من التوازن بين النص والمنصة.. وعندما نعود إلى شخصية الجندي، نجدها
شخصية مفصلية لا يمكن الاستغناء عنها في العرض وكذلك الزوجة، ونلحظ
أن الحدث يتطور بنمو الصراع الدرامي في ذوات الشخوص، الأمر الذي جعل
المخرج يكسب الرهان في تحقيق المعادلة الصعبة، في جعل الجمهور يتعاطف
مع أبطال عرضه، برغم من قتامة أحداث المسرحية.
ومما لاشك فيه، بأن شخصية الجندي، كانت تعيش تعاسة حقيقية، تجعلنا
ندرك مدى المعاناة النابعة من حالة التماس الغريبة جدا بين عالم الانسان
وعالم الحيوان. حيث نلاحظ أن الجندي كان يعيش نوعا من الصراع والتناقض
مع ذاته الرافضة لواقعه. ولكنه في نفس الوقت، غير قادر على الانفصال،
فهو جندي محارب، سرق الزمن منه أجمل لحظات البطولة. لتكون حياته فيما
بعد مجرد نكاتيف!! ويعني ذلك، بأنه ليس إنسانا وليس حيوانا بالمعنى
الكامل!!.. فهو يتجرع الألم من العيش في حظيرة الحيوانات، حيث ينام
ويأكل ويتنفس معها.
ولقد ساعدت الاجواء العامة للسينوجرافيا على نقلنا إلى عالمها، لنشعر
بمرارة الحياة لدى الجندي الذي أصبح يبكي على الأطلال التي ضاعت مع
الزمن... فنراه يتقرب لزوجته التي تطل عليه من العالم الخارجي، فالباب
هنا الفيصل، الذي يربطه بالمجهول، فأخبار العالم الخارجي، تأتيه من
وراء ذلك الباب الموصد الذي تفتحه زوجته بين الحين والآخر. كما أن
الناس - حسب ما تخبره زوجته - يعتقدون بأنه استشهد في الحرب، لذا سيتم
تكريمه على إنجازاته التي قام بها.. بينما الحقيقة المؤلمة التي يتجرعها
الجندي، بأنه قام بالفرار من ساحة الحرب، والاختباء لمدة طويلة.. بمعنى
آخر، كان يفترض أنه قد ودع هذا العالم منذ فترة، لذا فهو يستحق التكريم
لأنه قدم حياته فداء لوطنه.
كما ساعدت الملابس على تجسيد الأجواء التاريخية والأحداث السياسية
في أوروبا الشرقية آنذاك. وضاعفت الإضاءة العامة للعرض الشعور بالقرف
ومدى عدائية المكان بالنسبة لشخوص العرض، حيث سادت الاضاءة الخافتة
والقاتمة للإيحاء بسوداوية الأحداث ومصير الشخوص المنتظر، إلى جانب،
توظيف الموسيقى الروسية التي ساعدت على تصوير فصول حياة بطل العرض
الذي قارب نجمه على الأفول.
ومن ناحية أخرى، تبدو المسرحية مغرقة في الرمزية، خاصة في اللحظة التي
بدأ فيها الحديث عن الفراشة التي اخترقت عالم القبح.. ويعتبر هذا المشهد
مؤثرا، لأنه يصور نقطة الجمال في عالم الوحشية.. وهذا التناقض بين
الأضداد يتضح من خلال العبارة التالية: "كل شيء باطل فراشة رقيقة
في فم خنزير نتن... الجمال والوحشية كل شيء باطل".. وهذا المقطع
الحواري، يعتبر جملة مفتاحية، حملت العديد من الدلالات، وهي بمثابة
المفارقة التي ينشدها الجندي، الذي كان يكن لأمه الحب والتقدير ويحتفظ
بالحذاء الصوفي الذي صنعته له ليرتديه في الحرب، فكان ظهور الفراشة
بالنسبة له فرصة ذهبية للولوج إلى عالم الجمال والحلم والحب.. لذا
فهو لم يتردد في قتل الخنزير الذي هو رمز للقرف عندما حاول الاقتراب
من الفراشة أو العالم الآخر الذي ينشده. وتبرز نبرة الحزن واليأس من
عالمه عندما يقول: "ترى هل ستعترض الفراشات الجميلة طريقي مرة
أخرى"... وهذه النبرة الحزينة تؤكد مدى افتقاد الجندي الاحساس
بالجمال والمرح في عالم يخلو من ضوء الشمس والدفئ والحب.
وهكذا يتضح بأن علاقة الجندي (بفيل نافروتسكي) بالجمال، الضوء، العالم
الخارجي، بدت مستهلكة وضعيفة، وذلك لأنه بات رهين القذارة التي لازمته
في محبسه الاختياري.. كما أن طبيعة علاقته بزوجته لم تتضح من خلال
المشاهد التمثيلية، حيث كانت تبدو بالنسبة له، مجرد نافذة ووسيلة إلى
العالم الخارجي.. ولا توجد أية إشارة توحي بالارتباط الحميم بينهما،
مما سيكون له أثر في تغيير نبرة الحوار السردي المغرق في التشاؤم،
ويوجد نوع من التدفق الانساني فيه.
وهكذا تبقى مسرحية (نكاتيف) لها أجواؤها الكلاسيكية الخاصة، والتي
أكدت ضرورة الالتزام بحرفية النص والخشبة. وهذا جعل العرض يقترب من
أجواء المدرسة الكلاسيكية وتقاليدها العريقة، والتي لا زالت تتمسك
بها المسارح العالمية في أوروبا والعالم أجمع.. كما أن التنويع في
اختيار النصوص العالمية من قبل المخرج الدكتور عبد المجيد شكر، أكد
استيعاب المسرح للحوار الثقافي والحضاري.. والجدير بالذكر، أن الدكتور
عبدالمجيد شكير، أستاذ أكاديمي في مجال الدراما، سبق وأن أخرج العديد
من المسرحيات منها على سبيل المثال، وليس الحصر، مسرحية (برتكول) والتي
تم عرضها في الأسبوع الثقافي المغربي بالسلطنة، بعد أن تم عرضها في
أكثر من قطر عربي.. كما قدم مسرحية (يوم من زماننا) لسعدالله ونوس،
ومسرحية (كلام الليل) المأخوذة عن مسرحية (بدرانه) لغنام الغنام. كما
حصل على العديد من الجوائز مثل جائزة بكطانيا، والجائزة الكبرى للمهرجان
الدولي لمسرح الهواة وجائزة السمكة والبهلوان بمهرجان هاليفاكس بكندا.
* عزة القصابي
* كاتبة وناقدة مسرحية
أعلى
"رف جناحا قلبي المثقل"
كتاب ألماني يقدم مختارات لشاعرات عربيات أوائل
ومعاصرات
المانيا ـ اشرعة:صدرت في ألمانيا مختارات شعرية
شاملة من شعر المرأة العربية منذ القرن السادس الميلادي وحتى اليوم
بترجمة ألمانية. تحت عنوان "رف جناحا قلبي المثقل". وقد
استل العنوان من قصيدة للشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان. ومن الشاعرات
العربيات الأوائل ضم الكتاب الأسماء التالية: ليلى بنت لُكيز، والخنساء،
وعشرقة المحاربية، وضاحية الهلالية، وصفية بنت خالد الباهلية، وأم
الورد العجلانية، وأم الضحاك المحاربية، وليلى العامرية، وميسون بنت
بحدل الكلبية، وليلى الأخيلية، ورابعة العدوية، والهجناء بنت نصيب،
وثواب بنت عبدالله الحنظلية، والزباء بنت عمير بن المورق، وأم جعفر
بنت علي الهاشمية، وليلى بنت طريف التغلبية، وعلية بنت المهدي، وعريب
المأمونية، ولبانة بنت علي بن المهدي، وعائشة بنت المعتصم، وفضل الشاعرة،
وحفصة بنت حمدون، وعائشة بنت أحمد القرطبية، وخديجة بنت أحمد بن كلثوم
المعافري، ومريم بنت أبي يعقوب الأنصاري، وأم العلاء بن يوسف الحجارية،
وقسمونة بنت اسماعيل بن النغريلة، وولادة بنت المستكفي، وسلمى بنت
القراطيسي، وصفية البغدادية، وشهدة بنت أحمد الدينورية، وحفصة بنت
الحاج الركونية، وشمسة الموصولية.
أما من العصر الحديث فقد ضمت المختارات قصائد للشاعرات: فدوى طوقان،
ونازك الملائكة، ولميعة عباس عمارة، وسنية صالح، وسعاد الصباح، وسعدية
مفرح، ودنيا ميخائيل، وايمان مرسال، وصباح الخراط زوين، وعناية جابر
، وفوزية أبو خالد ، وعائشة أرناؤوط، وحمدة خميس، وفوزية السندي، وميسون
صقر، ووفاء العمراني، ونجوم الغانم، وجمانة حداد، وسليمى رحال.
يذكر ان الشاعر العراقي المقيم في ألمانيا خالد المعالي هو من اختار
القصائد وقدم لها وترجمها إلى الألمانية بالتعاون مع هريبرت بيكر.
وقد صدر الكتاب لدى الناشر مانيسه، ضمن مجموعة راندومهاوس.
بعد منتصف الليل (7)
(39)
كان الدخول إلى مبنى المشفى باعثا للأمل وقليل
من الاطمئنان غير انه لم تعد مباني المشافي باعثة لديهما بالانبهار
كما كانت.
(40)
يجلس الطبيب بتراكم الخبرات لديه حاملا سجله
أمامها . يطرح عليها الأسئلة بشكل لم يعتاداه من قبل.
لم يشاءا تقديم تقرير مشفى بلدهم عن الحالة.
(41)
يسير خلف الطبيب إلى غرفة مكتبه على أمل الحصول
على بشرى أولية منه لكنه يبادره بقوله: أعتقد بأنها مريضة جدا لذا
يجب ترقيدها من الآن بالمشفى.
(42)
يتم تحديد غرفة لها حسب الاختيار .. تشاء الصدف
وجودها في الطابق الذي تقيم به خمس مريضات عمانيات أغلبهن مصابات بالمرض
نفسه ولكن في أماكن مختلفة من بينهن شابة حديثة الزواج أخبره أبوها
بأنه بعد اكتشاف إصابتها بسرطان الرحم في بلدها تقرر إجراء عملية جراحية
لها وأثناء عملية الإزالة حدث ارتباك للطبيبة الجراحة حيث اعترفت لوالدها
لاحقا بأنها لم تستطع إزالة كامل الورم نتيجة ذلك الارتباك. لذا أتوا
بها إلى هنا على أمل وجود أيد لا ترتجف أثناء العمليات!.
(43)
الهيموجلوبين ينخفض مرة أخرى بشدة . يبلغهم الطبيب
بضرورة نقل الدم إليها. حدث تردد لديهم من مسألة نقل الدم هذه هنا
مخافة عدم نقاء الدم بحكم إن معلوماتهم تؤكد بأن أغلب مشافي شرق آسيا
تحصل على حاجاتها من عبوات الدم عن طريق الشراء حيث يقبل الكثير من
مدمني المخدرات على بيع دمائهم من اجل الحصول على حقنة مورفين أو شمة
هرويين.
لكن الطبيب يبعث في أنفسهم الطمأنينة بتأكيده على نقاء الدم الموجود
بمشفاهم حيث يخضع لفحوصات دقيقة قبل إدخاله إلى بنك الدم التابع للمشفى.
رغم هذه الطمأنة ظل القلق يساورهم. ولكن وصول الهموجلوبين إلى مستوى
الأربعة يدفعهم للموافقة.
(44)
كانت الحاجة للعودة للغذاء الروحي جارفة وسط
ضغط نفسي لم يعشه من قبل وفي محيط كله دبيب تشعربه أحاسيسه بأنه لا
يفضي لشيء مثلما يشعر بأن ليس ثمة ما يستطيع رفع كل الثقل الجاثم على
صدره غير التضرع للسماوات العلا.
اكتشف بأن كتمان الأمر المهول سم يتغلغل ببطء.
لكنه اعتبر الكتمان ضرورة قبل اليقين التام. وبعد ظهور شبه اليقين
كاد أن يفضي لها ليس ليزيح تغلغل السم في أنحائه بقدر ما كان يراعي
كيف سيكون حالها لو علمت.
خليفة بن سلطان العبري
kfsul@yahoo.com
أعلى
بعد منتصف الليل (7)
(39)
كان الدخول إلى مبنى المشفى باعثا للأمل وقليل
من الاطمئنان غير انه لم تعد مباني المشافي باعثة لديهما بالانبهار
كما كانت.
(40)
يجلس الطبيب بتراكم الخبرات لديه حاملا سجله
أمامها . يطرح عليها الأسئلة بشكل لم يعتاداه من قبل.
لم يشاءا تقديم تقرير مشفى بلدهم عن الحالة.
(41)
يسير خلف الطبيب إلى غرفة مكتبه على أمل الحصول
على بشرى أولية منه لكنه يبادره بقوله: أعتقد بأنها مريضة جدا لذا
يجب ترقيدها من الآن بالمشفى.
(42)
يتم تحديد غرفة لها حسب الاختيار .. تشاء الصدف
وجودها في الطابق الذي تقيم به خمس مريضات عمانيات أغلبهن مصابات بالمرض
نفسه ولكن في أماكن مختلفة من بينهن شابة حديثة الزواج أخبره أبوها
بأنه بعد اكتشاف إصابتها بسرطان الرحم في بلدها تقرر إجراء عملية جراحية
لها وأثناء عملية الإزالة حدث ارتباك للطبيبة الجراحة حيث اعترفت لوالدها
لاحقا بأنها لم تستطع إزالة كامل الورم نتيجة ذلك الارتباك. لذا أتوا
بها إلى هنا على أمل وجود أيد لا ترتجف أثناء العمليات!.
(43)
الهيموجلوبين ينخفض مرة أخرى بشدة . يبلغهم الطبيب
بضرورة نقل الدم إليها. حدث تردد لديهم من مسألة نقل الدم هذه هنا
مخافة عدم نقاء الدم بحكم إن معلوماتهم تؤكد بأن أغلب مشافي شرق آسيا
تحصل على حاجاتها من عبوات الدم عن طريق الشراء حيث يقبل الكثير من
مدمني المخدرات على بيع دمائهم من اجل الحصول على حقنة مورفين أو شمة
هرويين.
لكن الطبيب يبعث في أنفسهم الطمأنينة بتأكيده على نقاء الدم الموجود
بمشفاهم حيث يخضع لفحوصات دقيقة قبل إدخاله إلى بنك الدم التابع للمشفى.
رغم هذه الطمأنة ظل القلق يساورهم. ولكن وصول الهموجلوبين إلى مستوى
الأربعة يدفعهم للموافقة.
(44)
كانت الحاجة للعودة للغذاء الروحي جارفة وسط
ضغط نفسي لم يعشه من قبل وفي محيط كله دبيب تشعربه أحاسيسه بأنه لا
يفضي لشيء مثلما يشعر بأن ليس ثمة ما يستطيع رفع كل الثقل الجاثم على
صدره غير التضرع للسماوات العلا.
اكتشف بأن كتمان الأمر المهول سم يتغلغل ببطء.
لكنه اعتبر الكتمان ضرورة قبل اليقين التام. وبعد ظهور شبه اليقين
كاد أن يفضي لها ليس ليزيح تغلغل السم في أنحائه بقدر ما كان يراعي
كيف سيكون حالها لو علمت.
خليفة بن سلطان العبري
kfsul@yahoo.com
أعلى
(ديار الأحبة)
دار العم سالم حبوه الغـول
عضة كلب ..
كانت البداية .
دفعتني للبحث ، عن علاج لها ، قبل أن تشرق شمس النهار ، ويسري في بدني،
داء السعار . سألت نفسي في حيرة ، من أين أبدأ ؟! . الزقاق ، الضيق
، الملتوي ، شبه المظلم . على قمته تقف دار الغول ، ونهايته الجامع
القديم.
طرقت الباب المتجهم . ذات مساء كئيب ، وأنا أعرف أن صاحبه ، لو قامت
بلدتنا وقعدت ، أو احترقت ، فلن يفتح باب داره بعد الغروب!!.
الدار تقف ناحية ذراعي اليمنى ، عندما بدأت دخول الزقاق . نطلق عليها
دار البغل ، فهو رجل جلف ، ضخم الجثة ، يدب على الأرض حافي القدمين
.. تشققتا عند نهاية العرقوب ، من كثرة المشي على التراب الملتهب وقت
القيظ ، وفي الأوحال ، أيام البرد والمطر . لم أشاهده مرة واحدة ،
في الأعياد أو الجنازات أو الأفراح ، يضع في قدميه نعلا أو خفا..
داره الواطئة لا ترتفع عن الأرض أكثر من قامته العالية ، إلا قليلا
.. ملمس الجدران الخشن يوحي بشظف العيش . السقف محمول على أعمدة من
الخشب وفروع الأشجار اليابسة ، تعلوه أعواد الحطب وقش الأرز . الباب
يطل الناحية البحرية ، نحو مدخل البلدة . هل يفتح الباب؟!.
انقبض قلبي فجأة ، عندما هاج الكلب بالداخل.. على أثر صوت الطرقات
، وعلا نباحه . تجاوبت الكلاب من بعيد مع النباح في الفضاء الهادئ
، شبه الساكن. والرجل لا يفتح الباب..
بدأ البقال يشعل الكلوب أبو رتينة . يضع السبرتو بداخله ، ويشعله ،
فتهب النيران تكاد أن تحرقه ، ثم تهدأ وتخبو ، فيحاول مرة أخرى ..
بعد أن انتهى ، علقه في سلك يتدلى من السقف . انتشر الضوء ، أنار البراح
الواسع الممتد أمام مدخل الدكان.
والغول لا يفتح الباب..
عندما يدخل ، مع الغروب ، يغلقه خلفه بالمزلاج الخشبي الطويل ، وتستقر
مقدمته بالجدار . يزحزح قطعة الحجر الأبيض الثقيل ، لتنام وراء الباب
وتحكم الإغلاق ، ولا ينفرج .. إلا مع تباشير الصباح.
جاء الصوت الغليظ من داخل الدار ، من أنت ؟!. أجبت بسرعة قبل أن يختفي
بالداخل ، أنا ابن الشيخ ... عادة يصمت . الآن ، ربما يفكر ويفتح ببطء
وحذر.. بعد قليل عاد يسأل بجفاء ، ماذا تريد في هذا الوقت ؟! . تعجبت
.. مازلنا في أول الليل . معظم أبواب الديار مفتحة أو مواربة . أعرف
أنه لا يقول لطارق المساء ، تفضل .. اشرب الشاي . لا ينطق بها أو يقولها
مجاملة . أجبت بضيق : كلبكم عضني...
خيم الهدوء ، لا صوت يأتي من وراء الباب ، كأنما يفكر .. كيف الخروج
من هذه الورطة ؟ . في فضاء الحارة البحرية ، ارتفع صوت رجل يهتف على
ولده ، الذي تغيب أمام الدكان ، لشراء باكو الدخان . من داخل دار البغل
، جاء الرد عليّ بضيق ، وماذا نفعل لك؟! . قلت بقوة : أريد خصلة شعر
من الكلب... وكأنما وقع من فوق سطح الدار ولم يجد من يتلقاه . هتف
بغيظ ليبعدني من أمام وجه الباب ، تعال الصبح .. عاجلته قبل أن يبتعد
عن ظهر الباب ، عبادة المزين طلب خصلة الشعر قبل الصباح .. لم يرد
. لصقت وجهي بخشب الباب . أخذت أراقبه من الفرجة التي بين الألواح
. تصفع وجهي ، رائحة روث الدواب ، تملأ أنفي ، تدوخني . الله يخرب
بيتكم . وتناهى إلى أذني أصوات الملاعق المعدنية وهي تصطك بآنية الطعام
النحاسية ، لابد أنه متعجل ليلحق الطعام قبل أن ينتهي . جاء صوته قبل
أن يتوارى داخل الجدران ، النهار له عيون ، وابتعد ، تلاشت خطواته
الحافية الثقيلة ، واختفى ظله من وراء الأخشاب ، صحت فيه: العم سالم
. افتح...
دار العائلة ، نصف الدار ، يقيم فيه سالم البغل ، أكبر أبناء الغول
. داره ، غرفة على اليمين ، بالطوب النيئ ، غرفة المعيشة . دهليز قصير
يؤدي إلى سقيفة الدواب ، باحة الدار مكشوفة على السماء ، وتحت العريش
يقف الزير الفخاري الكبير . على الشمال باب يفضي إلى غرفة كبيرة من
الطوب الآجر تستخدم للمبيت أيام الشتاء ، لأنها متينة ودافئة ، بابها
يفتح على ممر داخلي ، مشترك بينه وبين بقية العائلة..
لا أحد من أهل بلدتنا يذكر أن الرجل مشى في الزقاق حتى نهايته ، ودخل
من باب الجامع القديم . فهو لا يصلي ، ولا يعطي ربنا حقه ، ولاندري
إن كان يصوم الشهر أم لا؟! العلم.. عند علام الغيوب.
الغول ، يرتدي الثوب الخشن على اللحم ، ثوب قذر . قوارة الصدر تركت
أثرا واضحا على رقبته ، حيث صبغته شمس الغيطان باللون الأسمر، حرقت
الجلد الغليظ . الأكمام واسعة ومتسخة عند قبضتي اليدين السمينتين المشعرتين.
الثوب له جيب جانبي كالجراب ناحية يده اليمنى ، و فتحة ناحية يده اليسرى
تساعده على أن يحك بدنه ، وأحيانا يجذب طرف الثوب من أسفل ليعلقه في
هذه الفتحة ، يرتفع ذيل الثوب عن الأرض ولا يتسخ أثناء العمل في الزراعة
والري . فوق رأسه المكور طاقية متسخة لا تستوعب كل جمجمة الرأس الكبير..
سالم الغول ، بعد أن تزوج نجية العرسة ، احتاج إلى متسع من المكان
، فأقام الغرفة الجديدة وجعل باب داره ناحية الزقاق ، واستحدث بابا
آخر يطل على الطريق المؤدية للبلدة ، يفتح ناحية الغرب .. لخروج ودخول
الدواب ، وأقام بجوار السقيفة مخزنا للتبن ملاصقا لها.
الرجل ، يعمل من الصباح . يسحب البقرة ويركب الحمارة ويرحل إلى أرضه
البعيدة ، خارج حدود بلدتنا .. قرب عزبة العاقولة . يظل طوال النهار
في الأرض يعمل ويأكل من خضراوات الأرض، ساعة القيلولة ينام تحت شجرة
الجميز..
عندما تميل الشمس ناحية الحاجز الغربي ، يسحب البقرة ويركب الدابة
ويعود ، يصل إلى داره لحظة هروب آخر شعاع من حواري وأزقة بلدتنا .
يدخل ولايخرج . نجية تكون قد أعدت له العشاء . وهو لا يعترض على نوع
الطعام أو طريقة الطبخ . في الشتاء تعد له أوراق الكرنب المسلوق ،
وتحشيه بالأرز المخلوط بالخضرة وعصير الطماطم . وفي الصيف يأكل الجبن
مع اللبن الرائب والخبز اليابس والفلفل الأخضر المخلل في زلع المش
القديم . يأكل ويتجرع المياه من الجرة ويستعد للنوم..
نجية العرسة ، تسرق الطيور من حماتها ، وتخفيها وتذبحها ، تأكل مال
النبي ، وعندما تسألها عن الطيور الغائبة ، ترد بلا مبالاة ، تلاقوا
العرسه ، خطفتهم . تعقب حماتها بصوت مكتوم ، لاتوجد بالدار عرسة ..
غيرك أنت يا بنت فهيمة اللئيمة ، كانت أمها تسرق الخبز من ضرتها ،
وتقول الفئران أكلته..
ونجية تتمنى أن يرزقها الله بالبنت.. التي تساعدها في أعمال الدار
، فهي تتحمل العمل كله ، تنظف الدهليز وغرفة المعيشة ، تكنس الباحة
، تحمل روث الدواب والطيور إلى كوم السباخ على مقربة من مدخل الزقاق
، تفرد التراب الجاف الذي تنقله من الحارة ، في أركان حظيرة المواشي
، لتنام البقرة والحمارة في مكان يابس دافئ ، تضع الحبوب للطيور ،
تغير مياه المساقي ليشرب البط ، تربي الدجاج وتبيعه يوم السوق.
في الطريق تقول لكل امرأة قابلتها ولم تشتر منها الديك ، اذبحي للرجل
ديكا ، يغذيه ويشد حيله ، ويقدر يطلع النخلة كل ليلة . أنت خجلة مني
، كلنا حريم مثل بعض ، ولا أنت فيك حاجة ناقصة عن الحريم؟ اسأليني
أني .. وكل من تعاملت معها في السوق قالت عنها ، إنها إمراة مكشوفة
الوجه ، سفيهة ، لسانها زفر ، كلماتها فاضحة ، فهي تسأل النسوة عما
فعل رجلها ليلة أمس ، وعندما تخجل المرأة ولم تجب ، تسألها مرة أخرى
بهدوء ، هل كان غاضبا منك ، لأنك كنت عاصية عليه ؟. تتحاشى النسوة
مقابلتها في الطريق ، أو الشراء منها في السوق ، ويبتعدن عن مجالستها
أمام عتبات الديار أو الوقوف معها عند مورد المياه ، يهربن من إجابة
السؤال عن ليلة الأمس بهذه الألفاظ الفجة.
وفي الليل .. عندما تنام بجوار البغل ، تفوح رائحة العرق من تحت ثوبها
الخفيف الذي ترتديه كل ليلة ، لكنه يغط في النوم ، فتوقظه بحجة أنها
لا تعرف أن تنام على صوت شخيره المرتفع ، تتحايل عليه حتى يرضيها ،
يتعامل معها كالحيوان الذي يشبع غريزته ، بدون رغبة ، لكن إرضاء لها
.. لتصمت وتنام ، وتدعه هو الآخر ينام ، ويعود يغط في نومه بصوته المرتفع..
سالم الغول ، بعد أن أنجبت له نجية ولدان ، الأكبر يساعده في العمل
والثاني يذهب للمدرسة الإلزامية خوفا من البلاغ الذي يرسله ـ عن طريق
العمدة ـ حضرة ناظر المدرسة ، محمود أفندي حموده ، والغرامة جنيه واحد
وقرش صاغ ثمن ورقة التمغة..
هي ، حامل الآن..
وجاء المولود الثالث ذكرا ، أطلق عليه البدر ، ينادونه بدر ، بدون
الألف واللام .. كأنما هو نكرة !!. بدر هذا أصبح سمينا ، يمشي مثل
ذكر البط ، بالرغم أن الطعام هو، هو لا يتغير أو يتبدل .. إلا في المواسم
والأعياد.
الرجل الضخم الجثة .. في فترة معينة من حياته ، حدث له تحول كبير ،
سبحان مغير الأحوال ، نقطة التحول هي موت شقيقه الأصغر ـ حسين الغول
ـ في ريعان الشباب ، بعد أن ترك خلفه زوجة شابة وولدين صغيرين..
مشى أمام الجنازة ، وحدوا الله . لاإله إلا الله . في رمال جبل الدلاشي
، حفر له حفرة عميقة ، ساعده الرجال في الحفر ، وضع تحت رأسه قالب
طوب يابس ، ورش عليه الحناء والعطر ، ثم غطاه بأعواد قش الأرز الصفراء..
وصعد من الحفرة والدموع تملأ عينيه ، أهالوا التراب وزرعوا نبات الصبار
فوق القبر ، وكل من عليها فان . ولايبقى إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام..
عاد حزينا، صامتا ، طوال الطريق . عند مدخل الزقاق .. مشى ببطء ..
باب الجامع مفتوح دوما ، بالليل والنهار ، دخل .. واستحم . سأل عن
كيفية الوضوء .. وفي صحن الجامع وقف مع المصلين .. وبدأ في الصلاة
. هداه الله . لم يعد يكذب أو يسب أو يشتم أحدا أو يحلف كذبا .. أهل
بلدتنا أصبحوا يلقون عليه السلام و يدعونه في الأفراح والأحزان ، يشاركهم
في الجنازات ويساعدهم في إطفاء الحرائق التي تشب في الأجران أيام الحصاد
. وتعلية الجسور أيام الفيضان ، والمساعدة في إخراج البهيمة التي وقعت
في بئر الساقية وجمع المحصول.
وأخيرا .. فتح باب داره في كل الأوقات ، يدعو الطارق أو الغريب للدخول
.. ويصر على أن يتناول الشاي..
وأصبحنا نقول ، دار العم سالم حبوه الغول..
عبدالسـتار خليف *
* كاتب وروائي مصري
أعلى
محمد الحارثي يسجل حضور السلطنة
انطولوجيا للشعراء المشاركين في مهرجان لوديف
الشعري بفرنسا
باريس ـ (اشرعة):سجل الشاعر المتميز محمد الحارثي
حضور السلطنة في مهرجان لوديف الشعري بفرنسا ففضلا عن القراءات اليومية
مع شعراء آخرين، خصصت له أمسية شعرية خاصة به تخللها نقاش مع ناقد
أكاديمي وحوار مع الجمهور فضلا عن قراءة قصائده والتعريف ببلده عُمان
وعمقها التاريخي الذي بدا مجهولا لكثير من الفرنسيين.
واصدر المهرجان أنطولوجيا تضمنت قصائد الشعراء المشاركين لهذا العام،
والتي خصصت صفحتين للشاعر محمد الحارثي تضمنت قصيدة بلغته العربية
وترجمتها إلى الفرنسية، فضلاً عن التعريف بنشاطه كشاعر ورحّالة.
جدير بالذكر أن الشاعر العماني محمد الحارثي هو من مثل السلطنة في
هذا المهرجان الشعري الهام الذي حضره شعراء من ألبانيا، والجزائر،
والسعودية، والبحرين، والبوسنة، وكرواتيا، ومصر، والإمارات، وإسبانيا،
وفرنسا، واليونان، وإيران، والعراق، وإسرائيل، وإيطاليا، والأردن،
وكوسوفو، ولبنان، ومقدونيا، ومالطا، والمغرب، والجبل الأسود، وفلسطين،
والبرتغال، والصرب، وسوريا، وتونس، وتركيا والكونغو. وقد أتاحت له
لوديف الالتقاء بشعراء من البلدان المذكورة، فضلا عن شعراء فرنسيين
حظي بصداقتهم كما شاركهم في أمسيات شعرية، كالشاعرين هنري ميشونيك
وبرنار مازو.
وقد كان حضور شاعرنا العماني محمد الحارثي لافتا، لا سيما أنه آثر
حضور معظم الأمسيات بالدشداشة والمصر العماني اللذين لفتا أنظار بلدة
لوديف الصغيرة في الجنوب الفرنسي.
جدير بالذكر أن بيير فياجو، رئيس تحرير فصلية "رون-ألب"
Revue de la Maison de la Poesie Rhone-Alpes قد استمع لقصائد محمد
الحارثي، وطلب منه خمس قصائد مترجمة إلى الفرنسية كي تنشر في العدد
القادم من فصلية "بيت الشعر في رون-ألب" المرموقة، والتي
سيصدر عددها القادم في سبتمبر المقبل.
أعلى
نـَرْقـُصْنـَوا
عزيزتي، كانتْ رقصة فريدة لروحينا الظامئين.
والآن، لأنني أعانق تلك الروح الندفية وأسبح في عراء تلك الرقصة وفتنتها،
فإنني أرغب أن لا يلحق بها أذى الجميع والحشد. وعليَّ أن أجتهد في
اختراع فعل، نبقى فيه- أنا وأنتِ- في الرقصة، دون سوانا من البشر.
إذا استخدمنا- أنا وأنتِ- الفعل الحاضر "نرقص" أضفنا شخصاً
ثالثاً آخر، تلقائياً، شخصاً غير مرغوبٍ فيه، ألجأتنا إليه اللغة،
كائناً يقتحِمُ عـُزلتنا التي نمارسها، أنا وأنتِ، يحضر بيننا كرقيبٍ
مريض أو متفرجٍ فضوليّ أو صديق ٍ لا شأن لنا بصداقتهِ الآن.
إنهم يتحدثون عن دو سوسير وسيبويه والفراهيدي وابن خالويه والأصمعيّ
والثعالبي وغيرهم.. وليس أولاء الجليلون هنا: بقصتنا، أنا وأنتِ، ولا
بسجالنا معهم وحوارنا وإياهم.. وإنهم يقولون، ادعاءً غير مفهوم أبداً،
إنّ الفعل الحاضر، بصيغته "نفعل": هو لاثنين أو أكثر. وبهذا
سقطوا في البئر التي ادّعوها، فهذا الفعل، في حقيقة الأمر، هو لثلاثة
وأكثر، وإنَّ الاثنين لا يعملان فيه وحدهما، إلا بمعيَّة ثالث، أو
بصحبةٍ شاغرةٍ لآخر، حتـَّى ولو كان غير مرئيّ، لأنَّ اللُّغة توفر
حضوره وتستقدم شراكته.
أفهم أنَّ شخصاً ما يتكلم عن نفسهِ قائلاً: "أرقصُ": في
حالة التعبير عن حاضره، و"رقصْتُ": في حالة التعبير عن ماضيه،
أو أنَّ ثلاثة أو أكثر يقولون: "نرقص"، في حالة التعبير
عن حاضرهم، و"رقصنا" في حالة التعبير عن ماضيهم. لكنْ بمجرد
أنْ يقول اثنان "نرقصُ" في حالةِ الحاضر، و"رقصنا"
في حالة الماضي، يتورط الاثنان في الرقص بمعيَّة ثالث، أو بصحبة مجموعة
أو عصبة. يكتسب الاثنان بذلك رفقة أخرى، رفقة شخوص آخرين، لا تَمْنَحُ
فعلَهما: خصوصيَّة رقصتهما، وعذوبة لقائهما.
لذا أريدُ أنْ أَخُصَّكِ بفعلٍ يكون فيه رقصي ورقصُكِ فحسب، حاضراً
فعل الرقص كان أم ماضياً، نتحدَّث به، أنا وأنتِ. إنها لذاذة وشوقٌ
شخصيّ، مطرٌ شخصيّ، فعلٌ شخصيّ، ارتكبناه معاً، أنا وأنت، دون الآخرين.
لقد قلبتُ وجوهَ الرَّقصة، ودرستُ حضورينا نحنُ الاثنين، فانهمر الفعل
الحارق الحارّ الخاصّ جداً...
وعوضاً عن "نرقصُ" التي تـُحيلُ إلى أكثر من شخصين، وعـِوضاً
عن "نرقصُ أنا وأنت"، التي جاءتْ إضافة "الأنا والأنتِ"
فيها لتأكيد أننا اثنان وألا سوانا، مبقية الفعل محتشداً ومتورماً
وقابلاً للتضخم لثلاثة أو أكثر. عوضاً عن ذلك سألعبُ بالفعل كما ورد
بصيغته في المعاجم والقواميس، وكما ورد متواتراً على ألسنة العرب الذين
لم يتوقعوا، قطعاً، هذا الاستخفاف الرَّاقص من اثنين، لا من مجموع،
ذكوراً كلهم كانوا أم إناثاً، أم مختلِطِين من ذكور وإناث.
واحتكاماً إلى اعتباطية اللغة نفسها، حيث يقف المتداول المكرور المحنط:
جامداً كالإسمنت المسلح، ثقيلاً كالفولاذ المريض بداء العظمة، ذلك
الفعل الذي ألصقته اللُّغة القاموسيَّة على ألسنتا، وفي حلوقنا، ككتاب
مقدّس لا يمكن تعديل كلمة بين سطوره، ولا لمس حركة من حركاته، ولا
مدّ سكْنة من سكناته، ولا اشتقاق أو نحت حركة لنا فيه أو توقاً لنا
في ثباته المحكم..
احتكاماً إلى تلكَ الاعتباطيَّةِ ذاتِها سنفعلُ اعتباطيَّتَنا الطَّازجة
المبتكرة الوليدة، أنا وأنتِ. وعـِوَض "نرقص" أو "نرقصُ
أنا وأنت": سأحمِلُ الفعلَ الحاضر (المـُضارِعَ) كما هـُوَ، لكنَّني
سأضيف إليه قليلاً، سأمتطيهِ لكي أهيِّئَ مكاناً لكلينا فيه؛ كيما
يدلّ على رقصتينا أنا وأنتِ فحسب، دون أن يتجرأ علينا متجرِّئ، ودون
أن يهطل علينا جاسوس أو رقيب أو فضولي أو تفاهة بصّاصة أخرى من التفاهات
التي تملأ هذه الحياة.
في تعبير عن "حاضرِ" رقصتنا، سنكرر أنا وأنتِ "نرقـُصْنـَوا"،
أي نرقص أنا وأنتِ دونما أيِّ آخرَ أبداً. واضطراراً، كما تلحظين:
وضعتُ سكوناً على الصَّاد؛ كي يسلس القيادُ في التلقيح والتشذيب للفعل
الجامد لأنْ يصير ويتحوّل صوب رحلتنا الخاصة.
كانَ مِـنَ الصّعبِ بعدَ أنْ سكّنتُ الصّادَ أن لا أضيفَ نوناً؛ لكيْ
ألْحِقَ بالفعلِ لمسةً مواتية، تُروّضُه وتستميله للتحرُّك والتحوّل،
نوناً تؤكّدُ الحضورَ وتحضُنـُهُ وتستبقيه، حضوراً كنون، وقلم ٍ وما
يسطرون. لأذهبَ إلى نبأٍ عظيمٍ يُحقِّق لنا ثنائيَّة رقصتنا، مفتـَرِعـَيْن
ِ الفعلَ الحميم، ومُتشبِّثين بتلك الخصوصيَّة السِّرِّيَّة الشَّائقة
الحميمة.. لذلك سأضيف الـ"وَا" المنفتحة مثل صرخة فرح مذهل
تشمخ في الموسيقا، وفي الحضور الثرّ، وفي فتنة اللُّغة وأحراشها وسهوبها
الخصيبة.
وإذن، فأنا وأنتِ، يا عزيزتي الحلوة، "نـَرْقـُصْنـَوا"
الآن. إننا نرقـُصْنـَوا كمجنونـَيْن، متوَّجينِ معاً بالمثنّى الذي
لا يُجْمـَع، بالتَّجريدِ والصَّوت، بالقصيدة والموسيقا، بالمهموس
والمرموز، بالصَّائت واللَّون.
والآنَ، في إطلالتنا على "الماضي": هل تتذكرين عندما كنا
"نرقـُصنـَوا".. هل تتذكرين، في تلكَ الرقصةِ الصُّوفيَّة
الجحيميَّة، كيف صرنا وتحوّلنا، وكيف بلغنا المأوى، وارتقينا العـُشّ،
وطرنا في الفعل الجديد..
لا تبتئسي يا جميلتي، فقد خبّأتُ لكِ فعلاً أكشف فيه عن ماضي تلك الرقصة،
عن فعلها الشَّهيّ، دونَ أنْ يكونَ هناك حشد أيضاً.
سأقولُ عن ماضي اثنين يرقـُصان يتكلَّمان عن نفسيهما: "رَقصْنـَوا"
أي رقصنا أنا وأنتِ، كما يجري على اللِّسان ِالشائع، وهو اشتقاق، كما
ترينه، ليس بعيداً، عن الفعلِ الحاضرِ "نرقـُصْنـَوا".
وإذن كما ترين، فقد حللتُ معضلة "متكلّم مثنَّى" فحسب، سواءٌ
في الفعل الحاضر أو الماضي، دون أن أفصل بين ذكر وأنثى. إنهما اثنان-
دون تعيين مذكر ومؤنث- أو مؤنثان يرقصان معاً، أو مذكران. لكنَّهما
اثنان في النهاية، وليسا أكثر من ذلك. ولا أشكّ أنه في لحظةِ فعلٍ
أخرى، في الرّقصِ أو غيرِهِ، سيلجأ اثنان شفـّافان مارقان، يُقلّهما
قارب لُغويٌّ ثمل، إلى التمييز بين المذكر والمؤنث، في الفعل الثنائيّ
المشترك، إن أرادا أن يحملا لحظتهما للفرادة، وللانعتاق من قيدٍ أو
كِبْل ٍ أو إسمنت أو فولاذ للزمن اللغوي.
وكما تلحظين أيضاً، فلم أسرف في التمنِّي كثيراً في معالجة المثنَّى
الغائب.. فقد اقتصرت نزوتي الحميمة، على أن نتكلم، أنا وأنتِ، على
أن (نتكلمْنـَوا) عن فعلنا الحميم، حاضراً كنا فيه، أو ماضياً ذهبنا
عنه..
على صعيد آخر، سيشتغلُ اثنان "مُتكلّمان" عن نفسيهما بأفعالٍ
أخرى غير الرَّقص، سيجري ذلك في فعلٍ، كالأكل والشُّرب والغناء والقراءة
والكتابة والسَّفر والضَّحك والجلوس والقيام والهزيمة والانتصار والدفء
والترقب والانتظار والسؤال والحياة والموت.. سيقول اثنان في الحاضر
"نـُسافِرْنـَوا"، وفي الماضي"سافـَرْنـَوا".
ولن يضطرا بعد للقول عن حاضرهما: "نسافر، أنا وهو، أو نسافر أنا
وهي" أو عن ماضيهما: "سافرنا أنا وهو، أو سافرنا أنا وهي"...
تعلمين أيها الغالية أيضاً، أنَّ هناك أفعالاً لا يمارسها غير اثنين
فحسب، كما في فعل الحب، إلا إذا كان إباحيَّة حقيرة، أو استعراضاً
رخيصاً، أو اغتصاباً طافحاً بالنَّذالة.. ولذلك فمن الاعتباط السَّمج
عدم خلق اعتباط أفضل وأنبل، ومن مُجاجة الفعل أن يتكرَّر الفعل ما
دمنا قادرين على فعله بشكل آخر غير مكرّر.... ولذلك "كـَتـَبْنـَوا"
في تلك اللحظة المتجلية، في تلك الغرفة الحلمية، فعلاً لم يلمسه أحد،
وانتشاءً لم يبلغه الجميع.. ولم أفعل أنا شيئاً آخر سوى أنني قررتُ
صياغته وطرحه نظرياً على الورق، بينما في واقع الأمر "اشتـَرَكْنـَوا"
في "فعلـِهِ" الجميل!
لن أضيف ضميراً جديداً. لن أغير الضمير، فبعد "أنا، نحن، هو،
هي، هم، هن، هؤلاء"، رغم شغفي ليدخل ضمير "أنـَوَا"
أي (نحنُ الاثنين). وهو انزياحٌ عن الاقتراح بمتكلم مثنَّى بصيغة "نـَحْنـُوَا"
المفترضة، لأنّ المـُراد أصلاً أنْ نبتعد عن المجموعة، ونقترب من الواحد
والأنا... لكننا اثنان، اثنان لا ينخرطان في جمع، ولا ينزلقان، من
جانب آخر، في شهوة الغياب في واحد. بل اثنان، فاعلان، يفعلان، فـَعَلا
الفعلَ وتمكنا منه. إنه فعلٌ ذَهَبَ باثنين، لا بثلاثة، ولا بواحدٍ
فحسب.
سيشوقك حتماً في مقبل الأيام، بعد غيابي عنك، أن تفتحي "فعلاً"،
كالمشي مثلاً، تودين فيه أن تـَحُلـِّي معضلة المذكر والمؤنث، لأنكِ
تريدين (المذكر) بالتَّعيين: أن يتمشى برفقتك. وحين ذلك ستتورّطين
بالتَّفكير في مذكر، خصوصاً وأنك لا تعانين من رغائب غير متوقعة، في
اختيار شريكك. في المقابل، لن أضطر للجوء إلى اختراع فعل جديد، لأنني
مكتفٍ بفعلنا الثنائي المشترك، والله الخالق وحده يعلم أنني لا أجيد
إلا صحبتكِ أنتِ، وأنتِ مؤنَّثٌ بالضَّرورة، وأنتِ وأنا "اثنان"
لا ثالث لهما في مغارة اللغة وفي متاهتها السِّرِّيَّة الغامضة!..
صالح العامري
أعلى
محمود درويش.. صات شعراً
جَدَتي.. لا تقرأ الشعرَ
لا تفقه السياسة
ترددُ العجينَ..
وتتقن الفِلاحة
في عيدها العشرينَ..
بعد المئة،
تحلم بعاشقٍ..
يجيءُ بالخميرة
وتقول:
لا رثاءَ في الشعراءْ
لا مدحاً فيك ، ـ درويشُ ـ ولا هِجاءْ.
فيكَ،
اليأس الجميلْ،
وباب الدارْ.
منكَ،
يرشح الحبر المعتّقِ والمعطرْ
صيفنا،
منك فُلّه،
تنثر الياسمين المجفف
ودمعكِ،
فينا شتاءْ.
***
تجدّلُ الضفيرة.
وترسمُ:
ملامح وجهكَ.. وطنا،
لا تعرف الكتابة أو القراءة
وتنتظرُ.. اختراع الورق الأبيض المتوسط.
وتغني:
من حروفكَ تبدأ.. الحدودْ.
والأشواك والأسلاكْ..
المكهربة، حقلُ الألغام
وكلابُ.. الأخ اللدودْ.
خيالك ظلّنا..
(الدر) اول اسمكَ..
و(يش) سورتنا الأخيرة!
***
تقطع الفطيرة..
وتموتْ..
***
الصدرُ.. صَخرْ.
وتنفجرُ المياه.
الصدر.. بحرٌ
الصدر.. قبرْ.
والصبرُ..
عوسجةٌ أرضي في اللابحر واللاأسماء
والشظايا.
الدّرُ انت،
كل الوجوه والمرايا
وغزل الصبايا،
(يشفُ) لأهل العمةِ.. والوصايا.
***
السنونو.. أنتْ،
والحسون، والدوري، والبلابلُ
الطريدة.. والشريدة.
في.. قصيدة.. ما نطقت عن الهوى
وانما..
بحت بوحي الأنبياءْ.
وما زالت الرؤيا
في مهدها عنيدة
تبشرُ الوليدَ..
في مهده العتيدَ
بمليون صليب،
فلا تصدق انك.. مُتّْ.
***
انهض..
أغراك دفءُ النعشِ
لا تمشي.. على الماءْ.
سرُّ الأرض فيك
وسرّ السماءْ.. وما وراءْ.
فيكَ،
سرُّ الزرع والوعي
سرُّ الموت والوعي
لا تَمُتْ..!
لا وقتَ للموتِ في طروادة
لا وقت لقطف القلبِ
والأزهار
فيكَ الحصان والحصار
فيكَ (انكيدو).. وبابلْ
من عمرك القصير
تهرب ـ هيلانه ـ
لموتكَ الطويلْ
فأعذركْ
واشكرك
***
أسألكْ..
كيف قلبتَ المعادلة؟؟
كيف صار عندك الأبد
أقصر من وقت الظهيرة في يافا؟
كيف صارت ساعاتُ العصرِ
في حيفا..
ما كان وما سيكونُ
من الدهرِ؟؟
كيفَ اختصرت الأسئلة..
وكتبتَ.. قنبله
ورسمت.. سنبله..؟
***
القهوةُ ، فارت..
انهض،
لن نرى البخت في الفنجان
انهض،
فرَّ من سجنه السجان
انهض،
خلعت لونها الألوان
انهض،
يبكيكَ العدو..
فلا حبيب!
يرثيك العدو..
فكان لحربه معنى،
أما الآن..
فلا يريدُ أن يقاتل
العرايا والبغايا..
فسوف يرحلْ
***
انهض،
أعلمنا.. وعلمنا
سرّ القراءة في المهد
وكيف كتبت على الهواءْ
بريح الأرضِ
من رئتيكَ.. رائحة الترابْ
لونُ الزيت والسماءْ..
في عينيكَ..
وتنام!
جبانٌ
حصان.
طروادة تبكيك
وعكا والجليل
وأخيك.. يسألْ
الكونَ عن سرّه فيك..
لا تتماوتْ
تعبتَ.. نعم
نعسانُ.. ربما
سرحان.. أجل
وكنعان أنا
وعبد مناف يسكر
في حانات (تل الربيع)!
ويدعو.. هُبلْ
ولا زال أبو سفيان
يبحث عن صنمْ.
يناديكَ المؤذنُ..
لصلاة الصبح
في عيون العندليبْ
قُم..،
توضأ من نهر السجايا
ونم
أفقْ في العصر
الظلُّ.. وجهكَ
عناقٌ.. شقاقٌ.. قُبلْ
حنظلة.. يسأل:
كيف تعلمت الشغب..
كيف أشعلت الرماد..
كيف أتقنت الغضب..
كيف أطلقت الرصاص..
من القصب؟
***
سرُّ الوجد.. فيكْ
سرُّ الحب (ودمع العنبْ)
والتين والزيتون والرمان
على زاوية الرصيف
دكان..
للمنافي والمراثي السعيدة
لنشيده.. أو جويده
لم تكتب بعد..
انهض،
أكمل قصيدتك الأخيرة
رتل سورتكَ الأخيرة
ما.. أعندكْ،
الوحي بانتظارك..
انهضْ
احترق النهارْ
انهض
الليل.. فحمْ
انهض
احترق.. الليل
الشوار يملأ السماء
رؤىٍ.. أو انت
***
حائط مبكانا
جدار قلبك
البراق يعرج بالوصايا العشر
شعر الحصارِ،
لمدينة
ومقهى
ومعبد
ومتحف.. للجثث البرية!
قف واشهد
انّ الموت فيكَ حياة
فجعتنا مرتَينْ..
عند بوابةِ الموت..
ومرةً على بوابة العامود
***
الوحي منتظرٌ..
أخوك يتلو في المراثي
(بيوت الشهداء) الحنين للشهداء
وأسرار الرحيل!
ويكمل الترتيل..
لا تمش على الماءِ بعد اليوم
لا تمش على الغيمات
امش على جسدي
امش على هونك
امش الى بلدي
ما أجمل عيونك
في الشمس غائمةٌ
في الظل نائمةٌ
تهيم الأبد
***
ويسأل:
لمن تركت العشق والتراب
لمن تركت الخنادق والبنادق
والقنابل.. والسنابل؟
أنت الرحيل والمراحل
الشذى والبارود..
وعطر العذارى
أنت الجداول والحجارة
والمعاول
أسراب الحمام.. والمناجل
حصاد التناقض والتوافق
والرؤيا والمدى
الكتابة.. والصدى
انهض،
انهض قتيلاً
انهض قاتلَ.
دع عنك الموت
في الزقاق الضيف
وأسطح القرميد
والشوارع
وسياج اللوز والبرقوق
وتحت الطائرات الورقية
وأعشاش العصافير
وبيض اليمام
على الجبال والجباه..
والسنامْ.
الوحي بانتظارك..
اتنشر الألواح..
والأقداح
لا شيء محفوظ بعد اليوم.
اليوم..
نحن قتلاك..
نحن الرصاص الخفيف
والظل الثقيل
الدولار.. والبرميل
وأضعنا..
عود الثقاب الأخيرْ.
أشعل نار عينيك..
حدق.. احرق
اطلق..
قصيدتك الخطيرة..
ارقص (التونغو الأخير)
في كل العواصمْ.
ارقص.. فلامينغو
.. السامبا.. الوامبا
والدبكة والدلعونة
انفخ روحكَ
في الناي.. والطين،
أنفاسكَ ذخيرة
للمزمار واليرغول..
لا تموت
لا تموتْ.
املأ (الفلوت)
نفحات.. نسمات.. نغمات
هزّ الساحات بالرقصات
في كل المواسمْ
أمام عينيك..
كلَّ.. ملَّ.. ضلًّ
الدهرُ،
وتبَّ ذاك المريض الأبدي..
(الزمن)
* أحمد عوينة
* شاعر فلسطيني مقيم في السلطنة
أعلى
مات
فخجل من دمع أمه
أحنُّ إلى خبز أمّي
وقهوة أمّي
ولمسة أمّي..
وتكبر فيَّ الطفولة
يوماً على صدر يومِ
وأعشق عمري لأنّي
إذا مُتّ،
أخجل من دمع أمّي!
محمود درويش
(1)
وقد سال الدمع .. وارتحل الفارس تاركا الحصان وحيدا، كانت لحظة الفراق
هذه، بكائية كما هي البكائيات التي تضج بها كلمات الفارس، التي رغم
الحزن والألم الطافح فيها، تبقى شامخة، صامدة، مكابرة، لا تستكين للهزيمة
ولا ترضى بالذل والخنوع.
كان خبر الرحيل، صدمة كبيرة، أفقنا منها للحظات، ثم كان الخبر اليقين..
محمود درويش في ذمة الله..
هذا الشاعر الذي قدر له أن يعيش بين المنافي والسجون، يحمل على أكتافه
عذابات اغتصاب الأرض، وتدنيس الحرمات.. يحكي بإصرار الواثق من العودة
إلى الوطن، ليعيد تشكيل الطفولة والحكايات الجميلة.. يرحل هذه المرة،
رحيلا أبديا، وكأني بالموت يطرق بابه، ويتكئ قرب سريره، يستمع آخر
قصائده، قبل يطوقه، ويعلن ساعة الرحيل.
(2)
لم يكن يريد أكثر من طوق الحمامة وشارع ضيق..
لم يكن يريد أكثر من حياة حقيقية يعيشها متحررا من ضغط الواقع والأسطورة..
لكن ذلك كان بعيد المنال..
لكنه ليس بالمستحيل..
كان كما العودة الأزلية إلى الأرض المقدسة..الأرض التي بورك فيها..
هناك في الجليل، كانت تفوح رائحة الوطن، ورائحة الأم، وما بينهما ارتباط
وثيق، يكمل بعضهما بعضا.. بين الحنين للوطن، والحنين للأم، تبزغ قصيدة
تنطق عن هوى القلب، وشغافه، وتسابق لعناق دائم، يضم الجسد في الأرض
المباركة.. كان يزداد قربا من وطنه وأمه كلما ابتعد عنها.. لتكبر ملحمة
خالدة، تخلد بخلدوها قضية الوطن، الذي صار مغتصبا، والشاعر الذي صار
منفيا..
(3)
في أحد حواراته لم يخف محمود درويش خوفه من الموت.. لكنه عاد مؤكدا
إنه لم يعد يخشاه كما كان من قبل..
ثم نظر إلى الموت المتربص به، المتحاور معه، في ميتافيزيقية دينية
وفلسفية، كان الموت يحيط بمحمود درويش منذ أن قذف رصاصته/ كلماته الأولى،
منذ أن علا صوته جهارا بحق العودة، وحق الوجود.. صار مطاردا.. ومنبوذا
من العدو.. إطلالته كفيلة ببث الرعب في أعدائه.. وحين يواجهه الموت،
يشير إلى قلبه وهو يخاطب المنون: اقتل هذا، ولا تقتل كلماتي..
محمود درويش الذي كان يحب الحياة البسيطة، كان يخاف من الموت الذي
يشل القدرة على الكتابة، وعلى الحياة، وكانت في المخيلة ترتسم صورة
الشاعر معين بسيسو الذي مات وحيدا في الفندق، دون أن يعرف عنه أحد..
بعد ما أغلق غرفته، وحط على بابها إشارة "الرجاء عدم الإزعاج"..
فإزعجنا الموت برحيله..
أخشى موت قدرتي على الكتابة..
وغير ذلك لا شيء..
لا شيء يخيف الشاعر الذي ظل في مواجهة دائمة مع الموت، وظل الموت محورا
للكثير من اعماله وابداعاته.. وفيه كتب ابدع نصوصه.. "أيها الموت
انتظرني خارج الأرض لم، يعد أحد من الموتى ليخبرنا الحقيقة.. أيها
الموت انتظرني خارج الأرض انتظرني في بلادك ريثما أنهي حديثاً عابراً
مع ما تبقى من حياتي قرب خيمتك، انتظرني ريثما أنهي تدابير الجنازة
في الربيع الهش حيث ولدت حيث سأمنع الخطباء من تكرار ما قالوا عن البلد
الحزين وعن صمود التين والزيتون في وجه الزمان وجيشه".
(4)
لم تكن المرة الولى التي يفتح الأطباء فيها قلب محمود درويش.. وينظروا
صورة الوطن المحفور في شريانه.. كان في كل مرة يفوق فيها يكتب رائعة،
تشير إلى صراعه الأزلي مع الموت، ومقارعته له، يهزمه، فينتصر عليه..
في جدرايته الرائعة.. كتب ذات إبداع.. "هذا هو اسمك.. قالت امرأة
وغابت في الممر اللولبي.. أرى السماء هناك في متناولِ الأيدي.. ويحملني
جناح حمامة بيضاء صوب طفولة أخرى.. ولم أحلم بأني كنت أحلم".
كل شيء كان متوقعا لدرويش.. إلانا.. لم نعرف إن الأطباء بعدما فتحوا
قلبه للمرة الأخيرة، وجدوا أن وطن كبر، وما عاد البعد عنه يجدي.. لذلك..
آثر محمود درويش أن يموت الجسد، ليرقد في الجليل، حيث رائحة الأم ورائحة
الوطن.. مات محمود درويش، وبقيت الكلمات خالدة.. تقارع الأعداء.. خذوا
ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكرة.. وخذوا ما شئتم من صور، كي تعرفو..
إنكم لن تعرفوا.. كيف يبني حجر من أرضنا سقف السماء..
(5)
في لقاء يتيم جمعني به وجها لوجه، خانتني الكلمات، وتلعثم لساني عن
النطق حتى باسمه، وجدته هكذا فجاءة امامي، بقامته الشامخة، بكبرياء
الشاعر، وعنفوان القصيد الذي يكتبه، كنت احاول لم حروفي، وربط كلماتي..
ولم أستطع إلى ذلك سبيلا..
كل ما قمت به، إنني نظرت إلى وجهه، وقرأت في قسماته، ما أقرأءه في
قصيده، نظرت الى خبز أمي، والى يوسف واخوانه، والى المارون عبر الكلمات
العابرة، والى الحصان الذي ترك وحيدا.. والفراشة التي لم يعد لها أثر..
الى الحصار المرتسم في عينيه، الى المنافي التي تتقاذفه في دهاليزها..
وحقيبته التي يحمل بدخلها بطاقة هويته العربية..
ونظرت الى الأرض المقدسة.. والى الذين اسقطوا اسمها من جواز السفر..
وقرأت بين عينيه، لغة المنفى والبعد عن الوطن، وكأني بالدمعة التي
انساحت ذات صباح من عينيه، والتي هلت لأن ثمة وطن محفور في قلبه، لم
يعد في مكانه.. لأن بيته الذي شهد طفولته لم يكن هناك.. ولم يكن هناك
اصدقاء الطفولة، ولا وجد ضحكاتهم.. وحكاياتهم البريئة..
وحيدة..
امه تنتظره..
كما تنتظر عودة الأرض.. وازهار الياسمين والبرتقال.. يناجيها.. خذيني
أمّي إذا عدت يوماً
وشاحاً لهدبك.. وغطّي عظامي بعشب.. تعمّد من طهر كعبك.. وشدّي وثاقي..
بخصلة شَعر.. بخيطٍ يلوِّح في ذيل ثوبك.. عساني أصير إلهاً.. إلهاً
أصير..إذا ما لمست قرارة قلبك!.
(6)
كان محمود درويش ينظر إليّ في ذلك اللقاء اليتيم.. وهو ينتظر نزول
المصعد ليقله الى الطابق الرابع، حيث تلتئم اسرة "كتاب في جريدة"
التي كان واحدا من افرادها.. واعمدتها الذين يمضي المشروع التنويري،
شاقا طريقه نحو اهداف وغايات جليلة اقلها تنوير العقل العربي، ونشر
الثقافة المعرفية في الوطن العربي، واهداف أخرى عديدة..
كانت ارقام المصعد تتوالى.. وأنا بين الرقم والآخر.. ادعو الله تعالى
أن يتأخر وصوله إلينا، كيما أقرأ ما استطيع من كلمات.. واغوص في يمّ
المعاني.. واردد معه لاشعوريا.. سجل... انا عربي.. واعمل مع رفاق الكدح
في محجر.. واطفالي ثمانية.. اسلّ لهم رغيف الخبز والاثواب والدفتر..
من الصخر.. ولا اتوسل الصدقات من بابك.. ولا اصغر امام بلاط اعتابك..
فهل تغضب؟..
(8)
المصعد يفتح..
يدخل محمود درويش..
أدخل أنا..
ويتحرك المصعد.. لكن روحي ظلت معلقة في الجسد المقابل لي، أناظره،
قبل أن أتلقى ابتسامة وجيزة، أحضنها بتروي.. وأشم فيها انفاس المحارب
الذي لم يشاء أن يترك الحصان وحيدا، دون أن يشهر سيفه/ بطاقة هويته،
ويعلنها بكل اعتزاز.. أنا عربي.. ورقمُ بطاقتي خمسونَ ألفْا..
يآآآه .. أي قدر هذا يجمعك بقامة شعرية كبيرة، ولا تقوى على النبس
بنبت شفة.. والكلمات لا تفارق شفتيك، وكل ما تقدر على فعله، رسم ابتسامة
تحية، تتمنى لو لم تفارق وجهك.. تنظر جهة الأرقام.. تحسبها تمر مر
السحاب، وهي تتبدل كلمح البرق..1..2..3.. 4..
يتوقف المصعد..
يفتح الباب.. ينظر إلي ثم يمد يده مشيرا إلى الخارج
- تفضل.
- .....
(9)
لا أدري كينونة الأقدار التي تقذفنا للقاءات وجيزة.. في لحظات عابرة،
تغادر الذاكرة سراعا كما جاءت كذلك..
أعرف محمود درويش عبر اشعاره ونثرياته، وكثيرا ما استمعت إليه وهو
يقذف رصاصه جهة المغتصب، ويبث العزيمة والحماس في قلوب قراءه ومستمعيه،
كان يرفع يديه ـ المفارقة إن الصورة التي ارتسمت في خيالي، هي ذات
الصورة التي ذكرتين بموته ـ وهو يقول: كم كنت وحدك.. كم كنت وحدك..
هي هجرة أخرى.. فلا تكتب وصيتك الأخيرة والسلاما.. سقط السقوط، وأنت
تعلو.. فكرة . ويدا.. وشاما !.
وانهض من مكاني عن بعد..
اشعر إنه يستحثنا للإعتزاز بالنفس..
للوثوق بالغد القادم، الذي يندحر فيه المغتصب وتعود الأرض ترفل بثمار
الزيتون والبرتقال.. ويعود الفارس إلى الجليل، يسبقه شوق الحنين الى
خبز امه.. والى كرمات العنب ورائحة البنفسج والياسمين.. وحكايا الطفولة..
كأنّي أعود إلى ما مضى.. كأنّي أسيرُ أمامي.. وبين البلاط وبين الرضا..
أعيدُ انسجامي.. أنا ولد الكلمات البسيطة.. وشهيدُ الخريطة.. أنا زهرةُ
المشمش العائلية.. فيا أيّها القابضون على طرف المستحيل.. من البدء
حتّى الجليل.. أعيدوا إليّ يديّ.. أعيدوا إليّ الهويّة!.
(10)
في 10 اغسطس 2008 اختطف الموت شاعر آخر، بعد أن تربص به طويلا..
هزمه فانتصر عليه..
خلفان الزيدي
khmz@hotmail.com
أعلى
قراءة تذوقية في أعمال الفنان التشكيلي محمد
بن شمل البلوشي
تعد تجربة الفنان محمد شمل البلوشي من التجارب
الفنية الجميلة في الساحة التشكيلية العُمانية، فهو من جيل الشباب
الذين ظهروا على الساحة التشكيلية في مرحلة التسعينيات، ويتواصل عطاءهم
التشكيلي بمثابرة وإصرار لتتكاثف جهودهم مع من سبقهم من الفنانين لرفع
راية التشكيل العُماني. بدأ محمد مشوراه الفني بانضمامه لمرسم الشباب
في سنة 1993م ، حيث ألتحق بالعديد من الدورات وحلقات العمل الفنية
التي سيكون لها دور كبير في تطوير قدراته وتمكينه من أدواته التشكيلية
للوصول إلى أسلوب خاص يميزه عن أقرانه.
هذا الأسلوب يرتكز أساسا على التجريب المستمر على عدة مستويات منها
الخامة والإتجاه التشكيلي والمواضيع المطروحة. فعلى مستوى الخامة اشتغل
على إضافة العجائن في سطوح لوحاته لخلق ملمس مختلف يستثير المشاهد
ويؤكد العناصر بشكل أكبر ويظهرها بحيوية تنتقل وتتحاور مع المتذوق
بشكل سلس مع استنطاق مفرادت العمل بشكل أعمق وبتفسيرات عدة.
أما من حيث المواضيع التي يتناولها الفنان محمد فيميل إلى طرح إشكاليات
إنسانيه معاصرة يجدها تستحق الطرح. ولكي يقدم هذه المواضيع فهو يميل
إلى تركيب عدة لوحات صغيرة في لوحة واحدة أكبر وذلك لإيجاد أسطح أكثر
يحتضن كل منها موضوع أو عنصر يحاور العناصر الأخرى مع نثر بعض العناصر
الرمزية المرتبطة بالموضوع الرئيسي في العمل.
فهذه العناصر الرمزية لها دلالات مرتبطة بمكنونات الفنان ذاته ومستنبطة
من بيئته لا ينفك عن طرحها في معضم أعماله. أهم هذه الرموز هو الإنسان
الذي يظهرعلى شكل فجرات مجردة متفاعلة مع بعضها في علاقات مختلفة تلخص
الخير والشر والحب والكرة والأسى والأمل، أذا هي متناقضات دائمه يطرحها
الفنان محمد بغرض إيصال ما يساوره من أحلام ومخاوف بلغة التشكيل.
أما من حيث الإتجاه التشكيلي فيميل محمد إلى التجريد والرمزية مزاوجا
بينهما في كثير من أعماله، فهو بهذا يؤكد على فرادة أسلوبة وتميزة.
ورغم أن (بالتة) محمد دائمة العتمه وقليلة التنوع إلا أنها صادقة وعفوية.
فلا يعاب على الفنان التزامه بالألوان الغامقة دائما طالما أنها إنعكاس
مباشر لما يساوره من مشاعر وإرهاصات. يشفع له في ذلك القدرة على إيجاد
الهارمني اللوني في كل عمل. ويبدو أن محمد كغيره من الفنانين مسكون
بالبحث الدائم عن إجابات شافية لما يساوره من تساؤلات وخاصة حول الوسيط
المناسب لطرحها. هكذا يستمر الفنان محمد شمل البلوشي في مشوار التجريب
ليرفد حركة التشكيل العُماني التي تنوعت عطاءاتها وتعددت تجاربها.
* سلمان الحجري
* مدرس التصميم بجامعة السلطان قابوس
أعلى
أخرج (21) فيلما خلال (15) عاما، ثم رحل سريعا عن عالمنا
عاطف الطيب.. ذاكرة اختزلت تحولات المجتمع المصري
في عهد الانفتاح
إعداد ـ عبدالله خميس:يعد عاطف الطيب واحدا من
أبرز المخرجين في السينما المصرية خلال الأعوام من 1981 إلى 1995،
وهي سنة رحيله عن عالمنا. بدا الأمر كما لو أن عاطف الطيب كان يعرف
أنه لا يملك من العمر إلا القليل، لذلك كان أغزر مخرجي جيله.. فقد
قدم في أقل من خمسة عشر عاماً، واحداً وعشرين فيلماً سينمائياً.. هي
جميعا أفلام تسعى إلى الصدق الفني وتتطرق إلى الواقع، وتهتم بالمواضيع
التي تعبر عن الإنسان البسيط، وتناقش ذلك الواقع الصعب الذي يحيط بهذا
الإنسان.
أول أفلام عاطف الطيب هو (ضربة شمس)، تلاه (سواق الأوتوبيس) الذي تم
عرضه قبل عرض الأول.. بعد ذلك تتالت أفلامه ومنها (الحب فوق هضبة الهرم)،
و(الزمّار)، و(ملف في الآداب)، و(البريء)، و(الدنيا على جناح يمامة)،
وكذلك أفلام: (كتيبة الإعدام)، و(الهروب)، و(ناجي العلي)، و(ضد الحكومة)،
و(ليلة ساخنة) والذي كان آخر أفلامه المعروضة.
تعتمد هذه المادة التعريفية بالعالم الفني لعاطف الطيب، اعتمادا تاما
على كتاب الناقد السينمائي البحريني حسن حداد المسمى "عن ثنائية
القهر/التمرد في أفلام عاطف الطيب" وتتضمن مقتطفات كاملة من الكتاب.
* * *
عاطف الطيب، صعيدي المولد. كان يحلم بأن يكون
نجماً في التمثيل. في المرحلة الإعدادية بدأ يرتاد دور السينما، ولاحظ
أثناء متابعته للأفلام، أنه لا بد من وجود شخص يحرك هذا العمل، ولم
يفهم من هو.
أنقذه مدرس اللغة الإنجليزية بالمدرسة الثانوية، حيث كان يحدثهم عن
أهمية الفن في حياة المجتمع، وعرف منه بأن المخرج يمثل العمود الفقري
للفيلم السينمائي. عندها قرر عاطف الطيب أن يكون مخرجاً، ومن ثم التحق
بالمعهد العالي للسينما بالقاهرة في عام 1967.
تخرج عاطف الطيب من المعهد العالي للسينما ـ قسم الإخراج عام 1970.
وعمل أثناء الدراسة مساعداً للإخراج والمونتاج مع بعض المخرجين. بعد
تخرجه، التحق عاطف الطيب بالجيش لأداء الخدمة العسكرية، وقضى به الفترة
العصيبة من (1971 إلى 1975)، والتي شهدت حرب أكتوبر 1973. وخلال الفترة
التي قضاها بالجيش، أخرج فيلماً قصيراً هو (جريدة الصباح).
كانت فترة الجيش بالنسبة لعاطف الطيب فترة تكوين ذهني وفكري، حيث تمكن
خلالها من تكثيف مشاهداته للأفلام (بمعدل 4 أفلام يوميا). كذلك شارك
في العديد من نوادي السينما، حيث المناقشات الفكرية والفنية حول الأفلام،
والتي أفادته كثيراً.
في نفس الفترة أيضاً، كانت علاقته بالمخرج المتميز شادي عبدالسلام،
الذي عمل معه كمساعد للإخراج عام 1973 في فيلم (جيوش الشمس)، الذي
يتحدث عن حرب أكتوبر، حيث استفاد كثيراً من هذه التجربة. وبعد أن ترك
الجيش، عمل الطيب مساعداً لعدد من المخرجين، كما عمل في عدد من الأفلام
الأجنبية التي صورت في مصر. وقد كانت هذه التجربة مفيدة جداً له، خاصة
فيما يتعلق بالإعداد اليومي للعمل، والدقة المتناهية التي يدرس بها
المخرجون الأجانب كل شيء، حتى أدق التفاصيل الثانوية.
* * *
من أفلام عاطف الطيب اللافتة للنظر فيلم (سواق
الأتوبيس). يتناول هذا الفيلم التفكك الأسري والتفسخ الأخلاقي إزاء
التغير المفاجئ في العلاقات الاجتماعية في عصر الانفتاح. فالفيلم لا
يعتبر من أهم أفلام الانفتاح فحسب، وإنما يعد علامة بارزة في تاريخ
السينما المصرية. يكفي للتدليل على أهمية فيلم سواق الأتوبيس، أنه
اختير من بين أهم عشرة أفلام قدمتها السينما المصرية على مدى تاريخها
الطويل. هذا إضافة إلى حصوله على عدة جوائز، أهمها جائزة التمثيل الذهبية
لنور الشريف في مهرجان نيودلهي السينمائي الدولي.
يبدأ الفيلم بمشهد استهلالي، يظهر فيه سواق الأتوبيس حسن، وهو يتنبه
لحادثة سرقة في الأتوبيس، فيهم بمطاردة اللص، ولكنه يتوقف لحظة ويتابع
السير بلا مبالاة، تماماً مثل الآخرين. نهاية الفيلم ـ أيضاً ـ تكون
بمشهد مشابه لحادثة مشابهة، إنما موقف حسن يتغير هنا، ويصبح أكثر جرأة
وضراوة، إذ يقفز من مقعده ليطارد اللص حتى يقبض عليه. وبكل الألم والمرارة
والغيظ الذي يعتمل في داخله، ينهال على اللص باللكمات وهو يلعنه ويلعن
الآخرين، في صيحة غضب مدوية.
ترى ماذا حدث لحسن من تغيرات ما بين الحادثتين؟ ففعل السرقة واحد.
بطل الفيلم (حسن) شاب أنضجته أربعة حروب خاضها بالتوالي، حرب اليمن
وحرب 67 ثم حرب الاستنزاف وحرب 73. وبالتالي فهو شاب عاش أجمل سنوات
عمره بين البارود والنار يواجه الخطر في كل لحظة. وبعد عودته إلى أهله،
كان عليه أن يخوض حرباً أخرى حياتية تتمثل في الحياة وسط مجتمع تتغير
قيمه الأخلاقية بتسارع مخيف نحو الأسوأ، وذلك منذ دخول ما يعرف بعهد
الانفتاح في فترة حكم أنور السادات.
إن المعركة الاجتماعية التي خاضها حسن قد حققت انتصارا رئيسياً، حيث
اكتشف حسن فرسان المعسكر الآخر.. معسكر الشرفاء، أخته المتعلمة وزوجها
المثقف، زميل العمل الكمساري المهذب والإنسان، وبقية رفاق الحرب القدامى،
الذين تشتتوا كل منهم في مكان يبحث عن رزقه. إنما حين التقوا جمعتهم
الذكريات في مشهد بالغ الرقة والشفافية.
إن سر نجاح فيلم (سواق الأتوبيس) هو أنه يحدثنا عن الأشياء العادية
التي يتصور البعض بأنها ليست موضوعاً للسينما. ثم أن الفيلم قد تحدث
عنها بمرارة وبوعي وصدق وحرارة، دون الوقوع في المباشرة. لذلك فإننا
نظل مشدودين في متابعة الأحداث حتى النهاية. فعلى العكس من غالبية
الأفلام التي تناولت مرحلة الانفتاح، ففيلم (سواق الأتوبيس) لم يبذل
المجهود المعتاد في ابتكار أحداث كبيرة أو أشخاص ذوي شأن، بل صب كل
الاهتمام في تأمل التطورات والتغيرات الدقيقة في الأخلاقيات والمشاعر،
وكذلك الروابط العائلية والآثار النفسية المترتبة عليها، وكم هو صعب
حقاً الإبداع في هذه المنطقة الوعرة.
* * *
(ناجي العلي) فيلم آخر مميز لعاطف الطيب، يتناول
بعضا من سيرة رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي الذاتية والفنية،
من لحظة تهجيره من فلسطين الى لبنان مرورا بالأردن، وحتى سقوطه صريعاً
في لندن. وبالتالي فالقضية الفلسطينية هي الخلفية الجوهرية للأحداث.
يناقش الفيلم إذن مأساة شعب فلسطين، بين شراسة الاحتلال الإسرائيلي
وتفكك الصف العربي، وغياب الحرية والديمقراطية. ويحكي عن الحسابات
التي تحاصر حرية الرأي ولا تتورع عن التصفية الجسدية إذا إضطر الأمر
لذلك. والنتيجة هي شعب مشرد بلا وطن يحمل قضيته من بلد الى آخر ويصارع،
إضافة الى عدوه الأوحد إسرائيل، أعداءاً من بني جلدته. ولأن الموضوع
المطروح بهذه الخطورة والجرأة، فقد كان على كاتب السيناريو بشير الديك
أن يكون دقيقاً وحذراً، وحريصاً على الأمانة السياسية والتاريخية.
هذا من ناحية مضمون الفيلم المطروح، أما بالنسبة للفيلم كتقنية، فقد
نجح المخرج عاطف الطيب في إبراز قدراته الفنية والتقنية، متحدياً بفيلمه
هذا كافة الإدعاءات عن عجز السينما العربية عن تحمل مسئولية فيلم ضخم
التكاليف، متعدد المجاميع البشرية، مليء بالمعارك العسكرية، متدفق
بالحركة في أماكن تصوير مختلفة المستويات.
* * *
ينحصر اهتمام عاطف الطيب بصفة عامة في اختياره
لمواضيع أفلامه، وذلك وفقا للكاتب البحريني حسن حدّاد، في ثنائية واحدة
محددة، ألا وهي ثنائية: القهر/التمرد.. قهر السلطة والقانون والمجتمع/
والتمرد والرفض من الفرد تجاه السلطة والمجتمع.
كان عاطف الطيب حريصاً على أن يقدم أفلاماً تسعى دائماً إلى الصدق
الفني وتتطرق إلى مشاكل الواقع، وتهتم بالمواضيع التي تعبر عن الإنسان
البسيط.. الإنسان المحاط بظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية معيشية
صعبة غير آمنة. وما أراده عاطف الطيب قد وجده عند كتاب السيناريو الأكثر
بروزاً في الوسط السينمائي آنذاك أمثال وحيد حامد وبشير الديك.
إذا استعرضنا أمثلة من أفلام الطيب، فسنجد مثلاً، بأن فيلم (البريء)
يجسد ذلك القهر الذي تمارسه السلطة من خلال استغلالها لجهل المجند
العسكري في تنفيذ الأوامر. هناك أيضاً فيلم (الزمّار) حيث الحَجْر
على الآراء والأفكار من قبل السلطة. أما بالنسبة للقهر الاجتماعي،
فهو بارز بشكل واضح في أغلب أفلام الطيب. فمثلاً ، فيلم (سواق الأتوبيس)
يشكل علامة بارزة في رفضه لذلك التغيير المفاجئ في العلاقات الاجتماعية
والأخلاقية في عصر الانفتاح. أما فيلم (الهروب) فهو النموذج الأمثل
لنقد الكثير من الممارسات الخاطئة التي يعيشها الواقع المصري. فهو
يتطرق ـ بالتحديد ـ لتلك الجراح الغائرة في حياتنا، من عنف وتطرف وغيرها،
مؤكداً بأن بعض هذه الممارسات قد ساهم الإعلام وبعض أجهزة الدولة في
تكريسها وانتشارها.
في المقابل يبرز الجزء الآخر من ثنائية (الرفض والتمرد) في نهايات
أفلام الطيب، باعتبار التمرد النتيجة الحتمية للقهر، ويتبين ذلك في
المشهد الأخير لفيلم (سواق الأتوبيس)، وكذلك في فيلم (الحب فوق هضبة
الهرم) عندما أصر بطلا الفيلم على محاكمتهما، ليتمكنا من فضح كل الصعوبات
والإحباطات التي يتعرض لها الشباب. وهناك أيضاً المتهمات في فيلم (ملف
في الآداب) اللاتي لا يكتفين بالبراءة، بل يطلبن من المحكمة توفير
الأمان الاجتماعي العادل، حيث أن البراءة القانونية شيء، وصفاء السمعة
الاجتماعية شيء آخر.
أعلى
تراثيات
وهبت لظالمي ظلمي
إني وَهَبْتُ لظالمي ظُلْمـي
وشكرْتُ ذَاكَ له على عِلْمِي
ورأيتـه أسْـدَى إلــيَ يداً
لَمَّا أبان بجَهْلِهِ حِـلْـمِـي
رَجَعَتْ إساءتُهُ عليه، وَلِـي
فَضْل فعادَ مُضاعَفَ الْجُرْم
فكأنما الإحْسَـانُ كـان لـهُ
وأنا المسيءُ إليه في الزعْمِ
ما زال يَظْلِمُني وأرحـمـهُ
حتى رَثَيْتُ له من الظـلـم
محمود الوراق
دلائل الحصر
وصف العتابي رجلاً بليغاً فقال: كان يُظْهِر
ما غَمض من الحجة، ويصور الباطلَ في صورة الحقّ، ويُفْهِمك الحاجةَ
من غيرِ إعادة ولا استعانة. قيل له: وما الاسْتِعَانة؟ قال: يقول عند
مقاطع كلامه يا هناة، واسْمَع، وفَهِمت! وما أشبهَ ذلك. وهذا من أَمَاراتِ
الْعَجْزِ، ودلائل الحصَرِ! وإنما ينقطعُ عليه كلامه فيحاولُ وصْلَه
بهذا، فيكون أشدَ لانْقطَاعِه.
اشترِ نفسك ببعضها
دخل عمرو بن عبيد على أبي جعفر المنصور، فقال:
عِظْني، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنَ اللّه أعطاكَ الدنيا بأسْرِها،
فاشْتَرِ نفسَك منه ببعضها؛ يا أميرَ المؤمنين، إن هذا الأمرَ لو كان
باقياً لأحَدٍ قبلَك ما وصل إليك، أَلمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُكَ
بِعَادِ إرَمَ ذاتِ العِمادِ؟ قال: فبكى المنصور حتى بَل ثوبه. ثم
قال: حاجتَك يا أبا عثمان! وكان المنصور لَمَّا دخل عليه طرَح عليه
طَيْلَساناً، فقال: يُرْفَعُ هذا الطيلسان عني! فرُفع، فقال أبو جعفر:
لا تَدَعْ إتياننا؛ قال: نعم، لا يضمُني وإياك بلد إلاّ دخلتُ إليك،
ولا بَدَتْ لي حاجة إلاَ سألتُكَ، ولكن لا تُعْطِني حتى أسألك، ولا
تَدْعُني حتى آتيك، قال: إذاً لا تأتينا أبداً.
بَلَوْتُ بَني الدُّنيا فَلَمْ أَرَ فِيهمُ
الإمام الشافعي
بَلَوْتُ بَني الدُّنيا فَلَمْ أَرَ فِيهمُ
سوى من غدا والبخلُ ملءُ إهابه
فَجَرَّدْتُ مِنْ غِمْدِ القَنَاعَة ِ صَارِماً
قطعتُ رجائي منهم بذبابه
فلا ذا يراني واقفاً في طريقهِ
وَلاَ ذَا يَرَانِي قَاعِداً عِنْدَ بَابِهِ
غنيِّ بلا مالٍ عن النَّاس كلهم
وليس الغنى إلا عن الشيء لابه
إِذَا مَا ظَالِمٌ اسْتَحْسَنَ الظُّلْمَ مَذْهباً
وَلَجَّ عُتُوّاً فِي قبيحِ اكْتِسابِهِ
فَكِلْهُ إلى صَرْفِ اللّيَالِي فَإنَّها
ستبدي له مالم يكن في حسابهِ
فَكَمْ قَدْ رَأَيْنَا ظَالِماً مُتَمَرِّداً
يَرَى النَّجْمَ تِيهاً تحْتَ ظِلِّ رِكابِهِ
فَعَمَّا قليلٍ وَهْوَ في غَفَلاتِهِ
أَنَاخَتْ صُروفُ الحادِثَاتِ بِبابِهِ
فَأَصْبَحَ لا مَالٌ وَلاَ جاهٌ يُرْتَجَى
وَلا حَسَناتٌ تَلْتَقي فِي كتَابِهِ
وجوزي بالأمرِ الذي كان فاعلاً
وصبَّ عليهِ الله سوطَ عذابه
سيف الجلاد!
أمضى أشعب يجول في طرقات جيئة وذهابًا بحثًا
عن وليمة لكن دون جدوى فقد سدت كل الأبواب في وجهه وفي نهاية الأمر
جلس على رأس الطريق مطرقًا مطأطئ الرأس وراح يقول في نفسه: قاتل الله
التطفل! يذل صاحبه ويجعله في أسوأ حال . وبينما هو على هذه الحال سمع
جلبة تأتي من خلفه فالتفت فرأى عشرة رجال مجتمعين فقال في نفسه: أخيرًا
ضحك الحظ لك يا أشعب جاءك الفرج. ولم يلبث أشعب أن قام مسرعًا وتسلل
حتى اندس وسط هؤلاء وهو يقول في نفسه: أقسم أن هؤلاء ما اجتمعوا إلا
لوليمة أو عرس فيه طعام لأحد الأثرياء.. ولم يمض كثير من الوقت حتى
جاء رجل يقود هؤلاء الرجال ويمضي بهم في اتجاه زورق قد أعد لهم فقال
أشعب لنفسه: وليمة ونزهة في وقت واحد؟! أحمدك يا رب.ركب أشعب مع الرجال
الزورق وانطلق بهم يمخر عباب البحر، وفي وسط البحر قام الرجل الذي
كان يقود هؤلاء الناس وقيدهم بالحديد وبالطبع فقد قيد معهم أشعب. لم
يكد الرجل يقيد أشعب بالحديد حتى أيقن أنه وقع في شر أعماله وأن هناك
خطأ قد حدث ولم يمض وقت كثير حتى وجد أشعب نفسه في بغداد وجهًا لوجه
أمام الخليفة. أخذ الخليفة يدعو الرجال بأسمائهم واحدًا بعد واحد فيأمر
بضرب أعناقهم على الفور فقد كانوا من زعماء الفتنة في البلاد وفي الحال
كان السياف يقطع الرقاب كما لو كان يقطف وردًا من بستان! رأى أشعب
الرقاب وهي تطير من حوله فامتلأ قلبه رعبًا وأدرك أنه هالك لا محالة
بدون ذنب جناه. اقترب الخليفة من أشعب ونظر إليه بإمعان حيث لم يكن
من المطلوبين للعدالة وقال في دهشة: من هذا؟،فرد الجنود قائلين: و
الله ما ندري غير أنا وجدناه مع القوم فجئنا به! . ازدادت دهشة الخليفة
والتفت إلى أشعب وقال مستنكرًا: من أنت؟ وما هي حكايتك؟ تكلم قبل أن
أطيح برقبتك! لم يكد أشعب ينظر إلى وجه الخليفة ويرى الشر يتطاير من
عينيه حتى ارتعد من الرعب وارتعشت ساقاه وقال متلعثماً : والله يا
أمير المؤمنين أنا لا أعلم عن هؤلاء الناس شيئاً وليست بيني وبينهم
صلة! نظر الخليفة بغضب إلى أشعب وقال : إذاً ما الذي جاء بك معهم؟
وكيف التقيت بهم؟ سالت الدموع من عيني أشعب وقال وهو يُغالب دموعه
: إنني رجل طفيلي وقد رأيت هؤلاء القوم مجتمعين فقلت لنفسي : إن هؤلاء
ما اجتمعوا إلا لوليمة أو عُرس فيه طعام و أنا منذ يومين لم أذق طعم
الطعام! . لم يكد أشعب يُتم كلماته تلك حتى صاح الخليفة قائلاً : عذرك
هذا غير مقبول . ثم صاح صيحة أشد في حُراسه قائلاً :أيها الحراس اضربوا
عُنق هذا الطفيلي حتى يكون عبرة لكل طفيلي وليعلم كل إنسان أن من تدخل
فيما لا يعنيه طارت رقبته ولم يبق جزء سليم فيه!. رأى أشعب الجدية
على وجه الخليفة فصاح من شدة الخوف قائلاً: أيها الخليفة أعزك الله
لي طلب وحيد قبل أن تنفذ في حكم الموت والاعدام!
قال الخليفة: ما هو؟ .فأجاب أشعب وهو ينتحب: إذا كنت فعلاً قد قررت
قتلي فاضرب بطني بالسيف وليس عنقي!
اندهش الخليفة وقال: ولماذا يا رجل نضرب بطنك بالذات بالسيف؟ ، فأجاب
أشعب: لأن بطني هو الذي ورطني هذه الورطة ولذلك وجب الانتقام منه!
.وما أن أتم أشعب كلامه حتى انفجر الخليفة بالضحك و أيقن أن هذا الرجل
خفيف الظل ليس من دعاة الفتنة فأمر السياف أن يتركه وقال مخاطباً أشعب
:كاد طمعك يُوصلك إلى حتفك لولا لطف الله وكرمه بك ثم أقبل الخليفة
على أشعب بوجهٍ طلقٍ بعد أن تأكد من براءته وربت على كتفه قائلاً :هل
لك في (( ثريدة )) مغمورة بالزبد مشققة باللحم يا أشعب فرد أشعب قائلاً
: و أُضرب كم ؟ فكتم أمير المؤمنين ضحكة وقال : بل تأكلها من غير ضرب.فنظر
أشعب إلى الخليفة في ارتياب ثم قال : أخبروني- بالله عليكم كم الضرب
حتى أتقدم على بصيرة ؟ ضحك الخليفة و أحس بالسعادة تغمره وراح يتبادل
مع أشعب الحديث وكان لأحاديث أشعب ونوادره أكبر الأثر في التسرية عن
نفسه ثم سأل الخليفة أشعب : سمعت ُ عن طمعك فأحب أن أسمع منك بنفسي
عن مقدار ما بلغته نفسك من الطمع! ضحك أشعب وقال : والله يا أمير المؤمنين
ما رأيت اثنين يتساران فيما بينهما إلا ظننتُ أنهما يوصيان لي بشيء!
.ازدادت رغبة الخليفة في الحديث إلى أشعب و أحب ممازحته فأشار إلى
وزيره إشارة يفهمها وعلى الفور اقترب الوزير من أشعب وقال : يا أشعب
إنك سترحل بعد قليل وقد أحببتك و أحببت أن تترك لي ذكرى أذكرك بها
ويستحسن أن تهديني خاتمك هذا! .اضطرب أشعب وقال في ثلعثم : الأفضل
أن تتذكرني بأنني منعتك هذا الخاتم لأن هذا أبلغ في الذكرى من إعطائك
إياه. ابتسم الخليفة من فطنة أشعب وأراد أن يستزيد من الضحك فقال في
سخرية: ولكني سمعت أنك مشغول بالموائد والولائم ولا شأن لك بالعلم
والتعلم على الرغم من أن العلم نور! .رد أشعب في ثقة قائلاً:لا تقل
هذا يا مولاي فقد حفظت حكمتين عظيمتين تعلمتهما من أبي وفيهما فلاح
الانسان في الدنيا والأخرة سأل الخليفة في اهتمام:وما هما هاتان الحكمتان؟
شوقتني لمعرفتهما؟.شرد أشعب وأخذ يجيل نظره في كل اتجاه ويعصر ذهنه
كي يتذكر شيئًا ذا قيمة ولما رآه الخليفة شارد الذهن صامتًا سأله قائلاً:
ماهذا يا أشعب هل ستبقى ساكتًا هكذا طويلاً؟ رد أشعب في هدوء: معذرة
يا مولاي فقد نسيت واحدة!.ابتسم الخليفة ضاحكًا وقال: هذه واحدة نسيتها
فما بال الثانية؟،وفي ابتسامة ساخرة رد أشعب قائلاً:أما الثانية فقد
نسيها أبي.لم يكد أشعب يتم كلامه حتى انفجر الخليفة بالضحك وأمر لأشعب
بجائزة كبيرة. حمل أشعب الجوائز والعطايا عائدًا إلى بيته وهو يتفكر
فيما حدث وأنه كان سيفقد حياته ويدفع عمره ثمنًا لطمعه لولا لطف الله
وعنايته فقال في نفسه: هذه أخر مرة أعرض فيها حياتي للخطر. ثم ذرف
دمعة سالت على خده ومضى في طريقه مسرعًا حتى وصل إلى بيته !.قص أشعب
ما حدث على زوجته فحمدت الله على نجاته وعاتبتهُ على فضوله وتطفلهِ
الذي كان سيودي بحياته لكنه أكد لها أنها كانت تجربة قاسية تعلم منها
ألا يتدخل فيما لا يعنيه ولما انتهى أشعب من كلامه رأى جماعة كبيرة
من الناس تقف في صفوف ويلبسون أزياء موحدة فجرى مسرعا نحوهم وهو يقول
: والله ما خرج هؤلاء إلا لحفل أحدِ أبناء السلطان ! هرولت الزوجة
خلف أشعب الذي كان قد اختفى عن الأنظار وتسلل بين الصفوف فقالت وهي
تضرب كفاً بكف : حقاً إن الطمع آفة كبيرة لكن أكبر آفات الإنسان النسيان!
نصيحة الفيلسوف الكندي للخليفة المعتصم
ومن أوجب الحق ألا نذم أحداً ممن كان أحد أسباب
منافعنا الصغار الهزلية، فكيف بالذين هم أكثر أسباب منافعنا العظام
الحقيقية الجدية. فإنهم وإن قصروا عن بعض الحق، فقد كانوا لنا أنساباً
وشركاء فيما أفادونا من ثمار فكرهم، التي صارت لنا سبلاً وآلات مؤدية
إلى علم كثير مما قصروا من نيل حقيقته. وسيما إذ هو بيِّن عندنا، وعند
المبرزين من المتفلسفين قبلنا من غير أهل لساننا، إنه لم ينل الحق،
بما يستأهل الحق أحد من الناس بجهد طلبه، ولا أحاط به جميعهم، بل كل
واحد منهم إما لم ينل منه شيئاً، وإما نال منه شيئاً يسيراً بالإضافة
إلى ما يستأهل الحق. فإذا جُمِع يسيرُ ما نال كلُّ واحد من النائلين
من الحق منهم اجتمع من ذلك شيء له قدر جليل. فينبغي أن يعظم شكرنا
للآتين بيسير الحق فضلاً عمن أتى بكثير من الحق: إذ أشركونا في ثمار
فكرهم، بما أفادونا من المقدمات المسهلة لنا سبل الحق. فإنهم لو لم
يكونوا لم يجتمع لنا من شدة البحث في مددنا كلها هذه الأوائل الحقية.
فإن ذلك إنما اجتمع في الأمصار السالفة المتقادمة عصراً بعد عصر إلى
زماننا هذا، مع شدة البحث ولزوم الدأب، وإيثار التعب في ذلك. وغير
ممكن أن يجتمع في زمن المرء الواحد وإن اتسعت مدته واشتد بحثه، ولطف
نظره، وآثر الدأب ما اجتمع بمثل ذلك من شدة البحث وإلطاف النظر وإيثار
الدأب في أضعاف ذلك من الزمان الأضعاف الكثيرة. وينبغي لنا أن لا نستحي
من استحسان الحق، واقتناء الحق من أين أتى، وإن أتى من الأجناس القاصية
عنا، والأمم المباينة، فإنه لا شيء أولى بطالب الحق من الحق.
شتاء الباخرزي
قصيدة الشتاء هي من أشهر قصائد الباخرزي وقد اختارها كل من ترجم له
من القدماء، وأشهر أبياتها خاتمتها، وذلك قوله:
وإذا رميت بفضل كأسك في الهوا
عـادت عـليك من العقيق عقودا
يـا صـاحب العودين لا تهملهما
حـرّك لـنـا عودا وحرّق عودا
والمقصود بالعود الأول (عود الغناء) وهذان البيتان سائران في معظم
كتب المعاني والبديع والمختارات. وتذكرنا قصيدة الشتاء هذه بما حكاه
ياقوت الحموي عن برد خوارزم، قال: والذي (أنا شاهدته من بردها أن طُرُقَها
تجمد في الوحول ثم يمشي عليها فيطير الغبار منها فإن تغيمت الدنيا
ودفئت قليلاً عادت وحولا تغوص فيها الدواب إلى ركبها، وقد كنت اجتهدت
أن أكتب شيئاً بها فما كان يمكنني لجمود الدواة حتى أقربها من النار
وأذيبها وكنت إذا وضعت الشربة على شفتي التصقت بها لجمودها على شفتي).
أعيتـه الحيلــة
يعتبر أبو جعفر المنصور، رجل بني العباس، والمؤسس
الثاني لدولتهم، بعد أن انتقلت إليهم الخلافة من بني أمية، وكان إذا
دخل البصرة أيام الأمويين، دخل متنكراً متكتمـاً، وكان يجلس في حلقة
أزهر السمان العالم الثبت المتحدث؛ فلما أفضت الخلافة إليه، قدم عليه
أزهر فرحب به وقربه وقال: ما حاجتك يا أزهر؟ فقال: يا أمير المؤمنين،
داري متهدمة، وعليّ أربعة آلاف درهم، وأريد أن أزوج ابني محمداً، فوصله
باثني عشر ألف درهم، وقال له: قد قضينا حاجتك يا أزهر، فلا تأتنا
بعد اليوم طالباً، فأخذها وارتحل. فلما كان بعد سنة أتاه، فقال له
أبو جعفر: ما حاجتك يا أزهر؟ فقال: جئت مسلماً، فقال: لا
والله بل جئت طالباً، وقد أمرنا لك باثني عشر ألفاً، فاذهب ولا تأتنا
بعد اليوم طالباً ولا مسلماً. فأخذها ومضى؛ فلما كان بعد سنة أتاه،
فقال له: ما حاجتك يا أزهر فقال: أتيت عائداً. فقال: لا والله
بل جئت طالباً، وقد أمرنا لك باثني عشر ألفاً، فاذهب ولا تأتنا بعد
اليوم طالباً ولا مسلماً ولا عائداً، فأخذها، وانصرف. فلما مضت السنة
أقبل، فقال له: ما حاجتك يا أزهر؟ فقال: يا أمير المؤمنين، دعاء
كنت سمعتك تدعو به جئت لأكتبه. فضحك أبو جعفر وقال: الدعاء الذي
تطلبه مني غير مستجاب، فإني دعوت الله به ألا أراك، فلم يستجب لي.
وقد أمرنا لك باثني عشر ألفاً، وتعال إذا شئت، فقد أعيتنا الحيلة فيك.
أرى ما لا ترون
كان سديدُ المُلك، وهو أول من ملك قلعة شَيْزَر
من بني منقذ، موصوفًا بقوّة الفطنة. وتُنقل عنه حكاية عجيبة، وهي أنه
كان يتردد إلى حَلَب قبل تملّكه شيزر، وصاحب حلب يومئذ تاج الملوك
محمود بن صالح بن مرداس. فجرى أمرٌ خاف سديد الملك على نفسه منه، فخرج
من حلب إلى طرابلس الشام. فتقدّم محمود بن صالح إلى كاتبه أن يكتب
إلى سديد الملك كتابًا يتشوّقه ويستدعيه إليه. ففهم الكاتب أنه قصد
له شرّا، وكان صديقًا لسديد الملك. فكتب الكتاب كما أُمِر إلى أن بلغ
إلى (إن شاء الله تعالى)، فشدَّد النون وفَتَحَها. فلما وصل الكتاب
إلى سديد الملك عَرَضَه على من بمجلسه من خواصه، فاستحسنوا عبارة الكتاب،
واستعظموا ما فيه من رغبة محمود فيه وإيثاره لقربه. فقال سديد الملك
: إني أرى في الكتاب ما لا ترَوْن. ثم أجابه عن الكتاب بما اقتضاه
الحال، وكتب في جملة الكتاب: أنا "الخادم المقرّ بالإنعام"،
وكسر الهمزة من أنا، وشدَّد النون. فلما وصل الكتاب إلى محمود،
ووقف عليه الكاتب، سُرَّ الكاتب بما فيه، وقال لأصدقائه: قد علمتُ
أن الذي كتبتُه لا يخفى على سديد الملك، وقد أجاب بما طَيـَّبَ نفسي.
وكان الكاتب قد قصد قول الله تعالى: "(إِنَّ المَلأَ يأتمرون
بك ليقتلوك)، فأجاب سديد الملك بقوله تعالى: (إِنـَّا لن ندخلها
أبدًا ما داموا فيها)!
أعلى
الادب الشعبي
لنا
شعبيتنا ولكم كل شي
في كل بقعة من على هذه الأرض شاعر، وفي كل شاعرا
من القدرة على الكتابة بما يتفاوت مع الكثير من الكتاب الآخرين ، وهذا
شي مسلم لأمره وطبيعي جدا ، فالشاعر الشعبي في نظرة القاص بأن لا علاقة
له بكتابة القصة القصيرة .. والشاعر الشعبي في نظرة ( الفصحاء ) لا
يجيد كتابة ( الشعر الفصيح ) .. بينما الشاعر الشعبي في نظرته ان يكتب
الشاعر الفصيح او القاص شعرا شعبيا ، لا اود تفنيد ماذا سيكتبون هم
في الشعر الشعبي وكيف ؟؟ ولكننا نؤمن دائما بأننا لا يجب ان نستنقص
الآخرين لمجرد الفكرة على الأقل.
الكثير من الشعراء في منطلق بداياته كانت تستهويه كتابة الخواطر التي
كان يعتقدها شعرا ، وتدوين بعض الكتابات النثرية ويعتقدها قصا ، وحينما
تصل التجربة لمرحلة النضج يتجه الشاعر للجانب الأكثر ميولا له فيقدم
فيه ما يريد ، ومن الطبيعي جدا ان يسلك ايضا طريق كتابة القصة القصيرة
أو الشعر الفصيح ومن الطبيعي جدا ان يبدع أي شخص مثابر ومطلع لتجارب
الآخرين وان يستفيد مما هو متاح من دراسات نقدية وغيرها .. فلا يعتقد
شعراء الفصحى ولا كتّاب القصة ولا غيرهم ممن يعتبروا انفسهم بأنهم
الأوحد في الساحة .. ثم ماذا ؟؟ ، ماذا قدم الشعر الفصيح او القصة
القصيرة لكتابها الذين هم متذمرون اليوم من الشعر الشعبي ! ، ماذا
قدمت تجربتهم لوضع الساحة في محافل الوطن بمختلف اشكالها؟. هل تعتقدون
بأن الشاعر الشعبي حبيس المنامة والخيمة ؟؟.
هل هي غيرة على ما يفرضه الشعر الشعبي من قبول على مستوى عالي من الجمهور
و الجوانب الإعلامية وما يقدمه الشعر الشعبي لكتابه من تقدير وغيره
في شتى المناسبات ، ام هو استخفاف واستسهال لعملية كتابة الشعر الشعبي
كما هم يعتقدون ؟؟ .. إذن فأكتبوا .. الشاعر الشعبي مؤمن تماما بفكرة
ان الجميع يستطيع الكتابة في الشعر الشعبي ولكن بقدر هذا الإيمان ميقن
تماما بمستويات الكتابة واختلافها من شخص إلى شاعر ، كما هو المفترض
ان يؤمن به الآخرين في ان الشاعر الشعبي ايضا قادر على كتابة النص
القصصي او النص الفصيح بحسب قدرات معيّنة من المؤكد لو تم الأهتمام
بها لفاقت المستويات التي وصل لها ارباب الشعر الفصيح والواقفين على
الكراسي العاجية ويحسبونها ابراجا.
طرحت في مقال سابق هنا مقالا بعنوان ( لهذا سحب الشعر الشعبي البساط
) ، وكنت قد وضحّت النقاط المهمة التي سعى لها الشعر الشعبي منذ بدء
الأهتمام به حتى وصل إليه الآن ، وكنت على شفافية واضحة في ذلك الطرح
فلم اقزّم شاعرا فصيحا ولا قاصا ، بل في الكثير من المناسبات كنت سليطا
على الشاعر الشعبي وما يقدمه من نتاج .. ولكن حينما نقف على عموميات
الأشياء فأننا لا نقف على ذلك النتاج بخصوصيته انما نقف على المستويات
العامة التي وصلت لها الساحة الشعبية ، وحديثي هنا ما هو الا استكمالا
لحديثي السابق بعد ردود الأفعال التي سمعتها من الكثيرين ممن يقفوا
خلف ستار الأسماء المستعارة ، او اولئك الذين يقولون امامك ما هو مغاير
للواقع في قلوبهم ويحكونه للآخرين في مجالس مختلفة .
نحن هنا في هذه الأثناء .. سنترك لكم فصاحتكم ( شعرا و قصا ) وسنبقى
مكبلين في خيمة الشعر الشعبي وسنحصد ما يقدمه لنا .. إن شاء بعضكم
ان يقترب معنا ولديه الاستطاعة فليفعل ، ولكن اسمحوا لنا لن نقترب
إلى كراسيكم فلسنا بمستوياتها العظمى .. نبارك لكم ذلك ، ورفقا بأخوانكم
الصغار .. نتمنى الإستفادة فقط .
ومضة ..
تركت الخيط والمخيط لكم .. ما عادت يديني ..
تنادي اكبر مْن اللي كتبته في ذرى الفزعه
ابكتب بس ما هو قد بقى من شي يغريني
لأني ما نويت اوصل لقمّه تهوي الرجعه
لأني بأختصارٍ بس أقول احيان بإيديني ..
انا اعظم شاعرٍ ما زالت إيده تشعل الشمعه
- فيصل العلوي *
*fai79@hotmail.com
((حزن صالح الرئيسي))
ما سافر الحزن الا سافر بهمي
ولو سافر الحزن أصبح كل شي تافه
37 حزنا بين المفردة ومشتقاتها وردت في ( حلم ) صالح الرئيسي
رؤية ـ حمود الحجري : " يطاردني ، يتلبسني
، يضع يده في يدي ، كعاشقين ، ويجبرني على أن نرتحل معا كل يوم ، أحاول
أن أهرب منه ، أن أضيعه ... ، لكن ما أكاد أن أخطو خطوات ، إلا وأراه
كامنا لي في واحد من المنعطفات ! كان يمد لي لسانه بسخرية وتشف كأي
صبي قليل التهذيب ، ونترافق من جديد في شارع أو اثنين ، وفجأة التفت
إليه ، وأقول له بنزق أقرب إلى الشتيمة : " اتركني يا أخي ، حل
عني " وما نكاد نفترق ، متخاصمين ، وقد شعرت ببعض الحرية ، لأنني
تخلصت من هذا العبء ، حتى أجده ينتظرني على كرسي في الحديقة العامة
التي قررت أن أستريح فيها ، وحين تلتقي نظراتنا نبتسم لبعضنا ، نشعر
بضعف ، بشوق لا يوصف " (1)
هكذا هو صالح الرئيسي لا يستطيع من الحزن فكاكا " يقول لنفسه:
كن حازما ، ولو لمرة واحدة " ويقتنع ويبذل جهده للنسيان، لكن
الحزن " شديد البراعة " ،وهو يموه نفسه بأشكال وصور لا حصر
لها " انه مثل الهواء أو مثل ملامح الوجه لا يمكن أن ينتهي .
قد يغيب لكنه لابد أن يعود وإذا استطاع طرده أو نسيانه خلال النهار
، فانه في الليل وبحجة أنه يخاف الظلمة والأمكنة الغريبة يأتي ويتشبث
به كطفل طالبا منه أن يهدهده وأن يحميه فيوافق " (2)
يؤكد صالح الرئيسي بما لا يدع مجالا للشك بأنه سفير الحزن بامتياز
هذا الشاعر الإنسان الذي تصافحك ابتسامته من بعيد ، لا يبارحه الحزن
ولا يتركه لحظة يسافر .. يسافر معه ، يختبئ في حقيبة سفره ، بل وفي
أحايين كثيرة يقاوده يدا بيد وعندما يعود فانه يعود معه يحاصره في
أزقة القصيدة وحواريها ، يتربص به خلف كل كلمة إلى أن يصبح الحزن شباكه
الذي يطل منه إلى العالم الحزن وصالح صديقان حميمان عندما يذهب صالح
إلى مكان ما يأخذ الحزن بصحبته " آخذ الحزن " والحزن لا
ينسى أن يمر على صالح فهو يبادله حبا بحب ووفاء بوفاء " يمرني
الحزن " قد تستغربون عندما أقول لكم أو يقول صالح بالأحرى أن
كل شيء يغدو بدون الحزن تافها بلا نكهة وغير مستساغ " لو سافر
الحزن أصبح كل شي تافه ".
بين دفتي " حلم " هذه المجموعة الشعرية التي صدرت مؤخرا
ضمن مشروع وزارة التراث والثقافة بنشر إبداعات الكتاب العمانيين في
سلسلة إصدارات متتابعة للشاعر صالح الرئيسي سوف يجد القارئ نفسه وجها
لوجه أمام الحزن وبأشكال مختلفة فمرة هو ريح " ريح الحزن "
ومرة دثار" دثير الحزن " وأخرى سجين " سجنت الحزن "
فشباك " شباك حزنه " فمديه " نزفني الحزن مدية "
فمسافر" ما سافر الحزن إلا سافر بهمي " فطفل " شفت
الحزن طفل " فجلاد " الحزن جلاده " فضلا عن أن هناك
ثلاث نصوص تحمل مفردة الحزن أو مشتقاته وهي ريح الحزن ، وحزن ، وحزين
هالقلب ، هذا عدا وجود عناوين تحيلك إلى الحزن أو تهيئك له مثل : حديث
الأطلال ، وحشة مزار ، مضى عام ، عطش ، منفه ، جروح وأسئلة ، ذمة مسافر
، عين السراب ، ومنفاي في نص " ريح الحزن " تجد أن مفردة
" حزن " ومشتقاتها تكررت عشر مرات وفي نص " حزن "
تكررت المفردة ومشتقاتها ثمان مرات وفي نص " حزين هالقلب "
تكررت المفردة ومشتقاتها خمس مرات وهذا مرده إلى الحالة النفسية التي
يعيشها الشاعر والسلطة التي يمارسها الحزن على ذاته المنهكة وبالمجمل
فان المفردة ومشتقاتها وردت في المجموعة ككل سبعة وثلاثون مرة .
أي توحد بالحزن هذا الذي تولده المعاناة ؟! أي حزن هذا الذي يحطم سدود
الطمأنينة والدعة مشردا قبائل تعيش هانئة البال لتهيم على وجهها في
فلاة الآلام والضياع لكن ثمة شمس تلوح ، من خلف هذا الركام الكثيف
، من الغمام الداكن ، باعثة حزمة ضئيلة من الضوء ، تعقد عليها القليل
، القليل من الأمل ثمة فرح يولد من رحم الحزن وأنسجة المعاناة من هنا
أتت تسمية المجموعة بـ "حلم " ، رغم كل هذا الزخم من الحزن
والظلال والغياب والأنين والظمأ ، فالحلم هو التعويض النفسي للفقد
والغياب ، وبالحلم - وفي الحلم نبني ممالك لا حدود لها ولا آخر، هناك
لا وجود للخطوط الحمراء ، لا وجود للحواجز والعراقيل ، بكلمة واحدة
، فقط بكلمة ، تستطيع أن تحرك الصخرة الجاثمة على باب المغارة ، بل
بدعكة بسيطة على القمقم السحري يمتلئ فضاء غرفتك الصغير بضباب شفيف
ينبعث من تموجاته الأخاذة صوت أثير يقول لك : شبيك لبيك ، شبيك لبيك
، لتنزلق بعدها في استرسال حميم .
هوامش ..
(1) عبد الرحمن منيف
(2) عبد الرحمن منيف بتصرف طفيف
ع الورق ..
ع الورق_صرخة مسافر..
من سكب دمي عليه ؟!
من لمس جرح المشاعر ؟!
من شعل هالنار فيه ؟!
***
ع الورق وجه وطفولة ..
ترسم أكواخ الغيوم ..
تشبه الحزن وتطوله ..
كل ما طاحت نجوم ..
***
ع الورق سيل وأماني ..
وريش طيرٍ به حرير ..
وكل ما غبتي يعاني ..
كن قلبه صار طير ..
***
ع الورق شافت عيونه ..
جذوة أنفاس الصباح..
وطاف عطرك في ظنونه..
وصحى أحزانه وراح ..
***
ع الورق ظامي حنينه ..
مثل بحارن سجين ..
وكل ما شاخت سنينه ..
ذابت أشواقه حنين ..
***
ع الورق وجه المسافر..
بحر ـ وجراحه سفين ..
ملت أطرافه _المحابر ..
يكتب وتِمحه السنين ..
محمد الصالحي*
*malsalhi@live.com
الريح قنديل
* القصيدة الفائزة بالمركز الأول في الملتقى
الأدبي الرابع عشر .
بيتك رمل يا مشعل الريح قنديل
لا الصمت يشفعلك وهالسور كذبة
صدرك مقابر وهم والشك إزميل
كلٍ عرف من وجهتك كيف دربه
كانت لك العتمة من عيونك تسيل
وآنا نثرت الطيب في الصدر تربة
لو كان ينفعك العتب والمواويل
ما كنت تهديني من الشوك حربة
ما كنت تسمع فيني وشاية الليل
تضمى سنين طوال والصدق شربه
مدّيت لي جرح الخيانة مناديل
أتعبتني ما بين سهلة وصعبة
أدري قريت الطين فيني أناجيل
وأدري قريتك/ كنت للموت أشبه
وأدري تفوق إبريل يا كذبة إبريل
وأدري تعيش بداخلك ألف رغبة
إنك تكون إنسان يجرح تماثيل
وأكون تمثالك وبيديك لعبة
ما يشبعك حزني ولو يشبه النيل
شوف الحنايا من مواجعك رطبه
لكن وسط هذي الضلوع المناحيل
تتعب جراحي صبر والأرض خصبة
وأعيش راسي فوق كل الأقاويل
وأدري منافي الشعر بالحيل رحبه
بيتك رمل .. لا تشعل الريح قنديل
والعمر وأحلامك والأصحاب كذبة!!
حمد البدواوي
وغنت فيروز
غَنّي يا فيروز صار الِشعر بيت الدخيل
ونـزار يمشي لوحـده من فـصول أربعة
غَـنّي يا فيروز لك عـوج الـمـحاني تمـيل
الشعر مَعذور جَتْ عينه ف مسار اصبعه
غَـنّي وغَـنّي "جليد القطب" لجـلك يـسيل
يا صافي الـنـبع حـاس الـطين في مـنبعه
يا ذا القليل / الكثير .. أصبح كثيرك قليل
ومأذّنك لـو يـنادي الصُمّ مـن يـسـمعه ؟!
غَنّي يا فيروز درب الشعر قَفْر و طويل
يبست بساتينه الـخـضرا ف ذي المعـمعة
حـتى "غـرابينه العَـجْـما" تـعْـلـم الـهـديل
ما عاد به حَب يطحن للشعر .. يا جعجعة
نوارسه من "ثلاث أحزان" تنوي الرحيل
ومـوايـده تطـعـم الجـايـع .. ولا تـشـبـعـه
طاح اجْمله في مسار السَـبق / حِمله ثقيل
وتجمهر "البوم" من حـوله يبي يصرعه
هـبّي يا فيروز بأقداح "أخطلك والخليل"
واسـقـيه .. يمكن يـرد البوم عـن مطمعه
غنّي فـدا الشعـر يا فـيروز رمـشٍ ظليل
غـنّي وصُـبي قـراح الـنزف فـي مسمعه
غَنّي يا فيروز "كل الشعر" عَذب وجَميل
غـَنّي يجـوز انّ بعـد الضيق تاتي الـسـعـة
وغَنّي يا فيروز طَعْـم "الهيل والزنجبيل"
يمكن نزارك يجي والشعر رهـن اصبعه
سعيد الشحي
أعلى
سيرة الحجر
السيــل
يُسمي الناس في قريتنا علائم السحاب وقت الظهيرة
في فصل الصيف - أو ما نسميه مصطلحا قرويا أيضا بالقيظ - بالرايح، ويدرك
الناس من تلك العلائم التي تتكون صغيرة في البداية أن هنالك احتمالات
لسقوط الأمطار، لذلك نرى البعض منهم بين الفينة والأخرى يخرج ليمشط
أرجاء السماء لعله يلمح علامة يستبشر بها.
تمر الأيام بتراتيبيتها المعهودة، وربما تمر الأشهر والسنوات أيضا،
تمر بلا قطرة مطر تروي عطش الأرض، أو تغسل أدران هذا الحجر، لذلك يعتبر
القرويون هطول المطر عيدا يفرحون به بطريقتهم الخاصة، فعندما تبدأ
الغيوم تجتمع متراكمة فوق قمم الجبال، وعندما تبدأ أول صيحة للرعد،
نسمع في كل أرجاء القرية من يردد عبارة (كريم كريم ، الله يقربك من
بعيد)، وكأنها دعاء أو صلاة استسقاء، فإذا نزلت أول شآبيب المطر على
الجبال، نجد الكثير من الناس يخرجون صاعدين، يرقبون اتجاهات المطر،
فهم على دراية بكل الجبال المحيطة بالقرية، وأي الوديان سوف يسيل،
الكل يترقب، ومن العادة تولدت الخبرة في ترقب هبوط المياه ووصولها
القرية، لذا فبعد وقت محدد يتجه الأطفال والشباب والكهول إلى مشارف
القرية منتظرين السيل قادما بهديره ليغطي المكان، صاعدين إلى أمكنة
يستطيعون أن يرقبوا المياه قادمة من البعيد، والكل ينصت، الكل صامت
يترقب، وعندما يلمح أحدهم السيل سيركض معلنا وصارخا (والوااادوووي)
وهي كلمة اتخذها الناس رسالة يبلغونها لمن ينتظر هناك في القرية أو
للساهين عن أطفالهم وأشياءهم وأغنامهم المبعثرة هنا أو هناك في أطراف
الوادي.
يهبط السيل جارفا، يمتلئ الوادي بالمياه المنجرفة بسرعة، ذاهبة في
طريقها مع انحدار الوادي حتى تصل بعيدا إلى البحر، ويطيب للناس في
القرية أن يحتفلوا بالمناسبة، حيث يجتمعون في وسط القرية، في مكان
تلتقي فيه مصبات الوديان من كل جهة، وحيث بني برج قديم، أطلق على هذا
المكان (سوني) وسمي البرج ببرج سوني أيضا، هنا يبدأ الجميع في القفز
إلى الوادي، راكضين بعيدا صوب الجهة التي قدم منها الوادي، ثم يقفزون
في المياة الجارفة، لتأخذهم معها، مستسلمين لذلك الانجراف وتلك القوة
التي تدفعهم إلى الأمام، حتى إذا وصلوا إلى البرج، توجهوا برشاقة وخفة
المتمرسين إلى حافة الوادي، صاعدين بعدها عن المياه، ليعيدوا الكرة
مرة ثانية وثالثة حتى غروب الشمس، أو حتى يبدأ منسوب المياه في الانحسار.
عندما تجيء الوديان هادرة، تحمل معها أشياء كثيرة، من أشجار يابسة،
وأوراق وأتربة وصخور، وقد تدحرج المياة القوية صخورا كبيرة، لذا فهي
عادة ما تغير من شكل المكان بين كل مسيل وآخر، وقد تحفر الكثير من
الحفر العميقة أيضا والتي تتجمع فيها المياه بعد انتهاء السيل، مكونة
بركا رائعة للسباحة والاستمتاع.
حري بي الآن أن أهبط منجرفا إلى بطنك
فهنا يعذبني الماء بركضه
وتعذبني زرقته في الأفق
أتذكر أنه كلما جاء جارفا من الأقاصي
كنا ننام على تلة صخرية
ننام من التعب في ترقبه يثوي من هديره المخيف
ومن البرد وشدة حرارة الحجر
ننام وعلى جانبنا تنام أفعى أو عقرب هربت بنفسها لتتنسم الهواء المشبع
بالرطوبة.
وفي كل صباح
نغسل أحلامنا
مرة جرف السيل معه مالك الحزين
مرّ بالقرب منا كان يرفرف بجناحيه
يستنجد
لعل أحد ما ينتشله من الغرق
قفزنا وراءه وسحبناه
كانت أغصان الحناء اليابسة تتكوم على الضفة
اشعلنا النيران فيها
كانت تلتهم الريش
ونحن نحضّر الملح والليمون حالمين بوجبة وفيرة.
* زهران القاسمي
أعلى
هُناك....
صَلـوات بـرّيــة
لوحة من الفن البدائي
أبــد
ذات ليلة شتوية، أغلق علينا نحن الأطفال باب
الدار كي لا نرى مشهد الجنازة، كي لا نرى السيد المدعو: موت
أخذنا نتفتق من الضحك، فقال أكبرنا: "سكتوا حد ميّت"، وارتفعت
(قرقعات) الضحك أكثر فأكثر، وحين اقتربت الجلبة منا استرقنا النظر،
وعبر شقوق الباب رأيتها يا الهي:
(الطارقة-الجنازة)!
ما هذه الخشبة العجيبة (نجارة يديّ نجـّار) محمولة على أكف الرجال
تتبعها سُرج.
حينما كبرتُ، قرأت جوابا لحكيم قديم كان قد سأله تلامذته، ذات السؤال،
الذي سألناه نحن الأطفال حينما مرت عليهم /علينا، جنازة: ما هذا؟
فأجاب الحكيم: "هذا حبيبٌ تأخذه أهله إلى سجن الأبد".
مــلاك
ذات ليلة شتوية شاهدتُ في طفولتي أيضا، وعبر
وهج سراج، وكنت مختبأ خلف جذع نخلة أناسا، بدا لي أنهم يغسّلون طفلا
في الفلج، لم أكن أعرف معنى ما يفعلونه ومن كان ذلك الطفل الذي يدعونه:
ميت؟!
لم يكن من أقران طفولتي!
أكان طفلا غريبا؟
كل ما علق بعتمة الذاكرة أطياف همهمات وخرير مياه وأيدٍ تختلط بغبش
السراج وصلاة خافتة.
يبدو أن ذلك الطفل قد ذهب إلى الجنة كما يذهب الخيال الشعبي بالأطفال
الموتى إلى الجنة.
يبدو أن أجنحة قد نبتت له كملاك يطوف مزهوا بموته الرهيف الشفيف، أشبه
بموسيقا تصعد من المقابر، كالفراش حين تصعد من الأرض بعد المطر.
يبدو أن الشاعر الأسباني أنطونيو كولينياس قد عناه بقوله:
"وُلد للتو طفل يحتضر"،
وفــاء
الأعرابي الذي يطلع كما الشمس من ضلوع الجبال
ممتطيا (صهوة) حماره، زارني في المنام قبيل موته، لم تتغير هيئته مذ
عرفته في طفولتي: بوجهه الذي يشبه الزمان، متمنطقا حزاما جلديا تتوسطه
سكين موشاة بمقبض فضي في غِمدِ جِلد، يعتاش على حسنات الناس، (يتغدى)
في هذه الدار أو تلك من دور القرية، لا زوج له ولا ولد ولا تلد ويجهل
موته كما ميلاده، كم كان عمره حين رأيته أول مرة في طفولتي، أو كم
كان عمره حين رأيته آخر مرة ؟ ثمة أُناس لهم هيئة واحدة في الذاكرة
مهما تقادم بهم الدهر!
حماره صديقه الوحيد، قيل لي انه حينما توفي - وكنت في تلك البلاد البعيدة
حيث زارني في المنام- بأن حماره تبع الجنازة وحرن عند القبر ولم يغادره
حين غادره المشيعون، كان (ينعر- ينهق) كثيرا ودموعه تسيل على خديه،
بعدها امتنع عن الطعام والشراب وظل في جلسته تلك ساهما واجما يتأمل
القبر، بقي هكذا لعدة أيام حتى مات! حتى تبعَ الإعرابي في خِلوة النفسْ.
نــور
الشيخ الجليل الذي علمني القرآن، زارني في المنام
أيضا في تلك البلاد البعيدة قبيل موته:
رأيتنا صغارا نجلس تحت شجرة (النارنج) متحلقين حوله نقرأ القرآن، وثمة
ولد وهبه الله صوتا حسنا في التلاوة، طلب منه (المطوّع) أن يتلو:
"الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح
في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دُري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية
ولا غربية يكاد زيتها يُضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله
لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم".
الآية (35) من سورة النور.
أغمض المطوّع عينيه على صوت التلاوة وغفى في جلسته، وكان ثمة صوت خرير
لمياه الفلج مختلطا بكلام الله.
وصحوتُ.
"سقاك الله أبونا المعلم".
طفلـة
كان درس ذلك اليوم جد أسيان في تلك البلاد البعيدة،
عن الطفولة والموت، تركتنا المُدرسة نقرا الدرس بصمت، كنت أتأملها
ساهمة ترنو إلى البعيد عبر نافذة الفصل، اقتربت منها في نهاية الحصة
وسألتها عن تلك النظرة البعيدة، فأخذت تحدثني عن موت طفلتها قبل أكثر
من عام، حاولت تعزيتها بهذا المقطع الشعري لمحمد عمران.
ما الفرق؟
إن الشجرة التي نصنع منها المهد
هي الشجرة نفسها
التي نصنع منها التابوت.
ألــم
كان جورج تراكل يروح ويأتي عبر الغرفة التي تحتضر
فيها قريبته الصغيرة، كان عمه يقلب ناظريه بين وجه الطفلة وخُطى تراكل.
أطل تراكل على الحديقة عبر نافذة الغرفة، وتأمل الغروب، فأحس برعد
وبرق الموت، عاد سريعا وجلس بجوار الطفلة ضاغطا يديه الحارتين على
يديها الباردتين.
حينما أخذ تراكل يكتب بعد ذلك: "بلاد الحلم"، كان لا يزال
يعيش خِدر كلمات عمه في ذلك المساء البعيد:
"إنك تمضي باتجاه الألم يا ولدي".
فندت عنه آهة:
"صغارا سِرنا يوما نحاذي المساء لحظة المغيب".
قبــر
كان متمم بن نويرة الشاعر، كلما رأى قبرا تذكر
أخاه مالكا، فبكى، وفي إحدى رحلاته خرج مع رفيق له، وفي الطريق رأى
مقبرة فتوقف عندها وأخذ يبكي، فلامه رفيقه في ذلك، فرد عليه:
وقد لامني عند القبور على البُكا
رفيقي لتذراف الدموعِ السوافكِ
أمن أجل قبر بالبِلى أنت نائحٌ
على كل قبرٍ أو على كل هالكِ؟
فقلتُ له إن الأسى يجمعُ الأسى
فدعني فهذا هذا كلهُ قبرُ مالكِ
فأين القبور من عهد "مالكِ"؟
جَمـــال
الحق هو الموت
الخير هو الشِعر
أما الأُم النائمة فهي الجمال.
عبديغوث
أعلى
أفق
نحو نص جديد
.. وهذا التكبيل القديم لمخيلة الشاعر ووضعها
في شطر وعجز، ممدودين ألفاظاً ووزناً وقوافيَ، أكل الكثير من روح الشعر
غير أن الخلاقين من الشعراء كانوا يقفزون متململين هنا وهناك رغم صيحات
السلفيين والمعارضين.
كانت أرواحهم هي التي تتفجر ومخيلتهم هي التي تملي وما على الشكل إلاّ
أن يستجيب لمضامينهم الروحية، كسراً لعمود الشعر، لكن ضمن القواعد
العروضية نفسها غير أن عواصف التغيير والتأثر والتمرد التي شهدتها
الثقافة العربية باحتكاكها مع الثقافات الأخرى أدت إلى خلخلة بنية
القصيدة العربية باتخاذها أشكال الموشح والدوبيت والبند وغير ذلك،
ومن ثم سيقودها ذلك الافتراق إلى القصيدة الحرة، ومن بعدها إلى قصيدة
النثر، والنص المفتوح، والقصيدة الميكانيكية، والكونكريتية، وقصيدة
البياض، والخ، والخ.
وهذا الخروج من شرنقة اللغة والشكل جعل الشاعر طليقاً لا يحلق بالقصيدة
إلاّ إذا اكتمل جناحاه، دون الاعتماد على ريش اللغة وشمع الصنعة اللذين
ما إن يقترب بهما نحو الشمس حتى يذوب كل شيء ويسقط.
في رحم هذا الصراع يكمن جوهر قصيدة النثر.
ونتساءل:
على ماذا يستند الشاعر المعاصر؟
كيف يمكن أن يؤسس نصه الحداثوي؟
على لغة ماضوية تمتد جذورها إلى أبعد من عصر المعلقات؟ أم على لغة
عصرية لا تلتفت لتراثها الطاعن في السن؟
بل كيف ومن أين وماذا يمكن أن يهدم الشاعر المعاصر ليبدأ بالتأسيس؟
وإذا بدأ من حيث انتهى الآخرون، هل سيكون نصه محاكاة أم إضافة؟.. باللغة؟
أم بسواها؟ بالرؤيا أم بالتخيل؟ بالشكل أم بالمعنى؟.. و.. و.. وإلى
آخر الأسئلة، والكلام االذي "يفتح بعضه بعضاً" على حدِّ
قول ابن رشيق.
هذه الاشكالية التي واجهت الشعر العربي منذ أول ثوراته تواجهنا اليوم
نحن كتاب القصيدة الجديدة وإنْ بأشكال شتى.
إن قصيدة النثر كما يراها الشاعر الأميركي بروك هورفث "تتيح للشعر
أن ينتعش وسط نثر الوجود". فإذا خرجنا بأن الشعر رؤيا قبل أن
يكون لفظاً، فأي شكل ستأخذ هذه الرؤيا؟ وأية مفردات ستستوعب نثر الوجود
هذا؟
هنا لا بد من عين ثالثة قادرة على تلك الرؤيا المستحيلة، وهذا ما يصفه
جبران خليل جبران في إحدى رسائله إلى ماري هاسكل عن العين الثالثة
بأنها "تلك الرؤيا، تلك البصيرة، ذلك التفهم الخاص للأشياء، الذي
هو أعمق من الأعماق وأعلى من الأعالي". وهذا يحتاج إلى نزوح عن
المنطق في التفسير. يقول ابن عربي في الفتوحات: "من فسر القلب
بالعقل فلا معرفة له بالحقائق"، فالذهنية التي أعتمد عليها بعض
الشعراء المحدثين لم تفضِ بهم إلاّ إلى الحقائق المادية للشعر، أو
إلى "بوابات المعرفة الخمس" وهي الحواس كما يصفها انجلز،
بينما يذهب رامبو إلى عكس ذلك مطالباً تعطيل الحواس كلها إذ يقول في
أحد رسائله إلى بول دوميني: "الدرس الأول للإنسان الذي يريد أن
يكون شاعراً هو معرفته لذاته، كاملة، يستقصي نفسه، يتفحصها، يمتحنها،
يتعلّمها، منذ أن يعرفها عليه أن يثقفها (...) أقول يجب أن يكون رائياً،
أن يجعل من نفسه رائياً. يصبح الشاعر رائياً بتعطيل الحواس كلها، تعطيلاً
طويلاً، فائق الحد ومدروساً (...) أنه عذاب لا يوصف، يحتاج فيه إلى
الإيمان كله، إلى القوة الإنسانية الفائقة كلها، حيث يصبح بين الجميع
المريض الكبير، المجرم الكبير، الملعون الكبير - والعارف الأسمى -
ذلك أنه يصل إلى المجهول (...) أن الشاعر هو حقاً سارق النار، أنه
مكلف بالإنسانية، بالحيوانات نفسها. عليه أن يجعل ابتكاراته مدركة،
ملموسة، مسموعة، إذا كان لما يأتي به من المجهول شكلٌ يعطي شكلاً،
وأن كان بلا شكل يعطي ما لا شكل له يجد لغة ـ وبما إنَّ كلَّ كلامٍ
فكرٌ، فإنَّ زمن اللغة الكونية سيأتي (...) وهي لغة ستكون من الروح
إلى الروح"...
وبشكل آخر، يمكن أن نمتد بنظرية اختلاط الحواس لتشمل اختلاط الأعضاء
فنرى أيضاً: "إذا لم تكتب اليد فهي رجل" كما يقول معن بن
زائدة..
لكن ماذا تكتب اليد وقد كثرت الكتابة وتشعّبت حتى لم يعد ثمة مجال
لكثرة الخطى.
* عدنان الصائغ
* شاعر عراقي مقيم في لندن
أعلى
|