الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 


مبتدأ
سيرة حجرة
للصورة بعدان






مبتدأ
أمنية

تبزغ طوال اليوم شموسٌ من الأمنيات ، ولا تتوقف طوال لحظاته، مستعيرة من الأمل عكازه ، ومن الأحلام أجنحتها الفراشية الزاهية ، ولا يسعنا أمام تدفقها سوى أن نشرّع لها أبواب القلب ، تستحلّه وتستوطنه ، ليرسل الآخر مراسيله إلى العقل كي يسعى لترجمة الحلم إلى واقع .. وكم من الأماني أثبت التاريخ تحققها.
في القلب أمنية عزيزة .. أياً كان اتساعها أو ضيقها فهي أمنية تتراقص خلايا جسمك كلما لامست شغاف الاستحضار، لتومض كبرق يهدي السائرين السبيل في وهاد الحياة وجبالها.
تساءلتُ مرة عن حيّز الأمنية إذا ما حاولنا تحجيمها فوجدت أن بوتقتها تستوعب الأمل والحلم معاً.. ولكم أن تتخيلوا حجم الأمنيات حينها.
في القلب لهفة لتحققها، لا تملك ازاءها سوى إغماض عينيك والسفر في فضاءاتها التي تتسع في كل مرة تحاول فيها نسيانها أو تناسيها.. هي معك.. في قلبك ، عقلك ، كيانك .. حتى في جيب دشداشتك ، وفي كل ما حولك.
في القلب شوق لملامستها ، مضاحكتها ، والرقص معها على وقع فراشات متحلّقة حول مصباح ليليّ ساهر لوحده، دون المصابيح الأخرى، في ليلة غاب عنها القمر.
الأمنيات كائن يستبيح استيطاننا بملء رضانا ، بل نحن من نبحث عنه في غالب الأحيان ، ونتشبث بخيوط أسبابه علّها توصلنا إلى جزيرته الهانئة التي تقيل الحوريات على رملها الذهبي.
قد تبدأ الامنية صغيرة لتكبر لاحقاً كحلقات بركة كدر صفوها نقرة عصفور يشرب.. وقد تبدأ بحجم إعصار وتنتهي بحجم نسمة عابرة لا تكاد تحرك مفارق العذارى.. أما لماذا تكبر وتصغر فهذا اختصاص الحلم والأمل اللذين يمنحان نفسيهما ناساً دون آخرين..
وبما ان الأمنيات لصيقة البشر فللمبدع امنياته أيضاً التي سنقترب منها في هذا العدد بعيداً عن الأمنيات العامة التي نشترك فيها كبشر ، لنبحر معهم في امنياتهم الخاصة .. على ضفاف (أشرعة) يبوح بعض المبدعين بأمنياتهم التي اخترنا منها الأقرب الى قلوبهم، كي نقترب اكثر من هذه الفئة التي خلعوا عليها طويلاً حلّة الحلم ، أكثر مما قرنوها بالواقع.


سالم الرحبي

أعلى




مساءلات الثقافة الراهنة
الاختلاف معيار الثقافة

لا تستطيع ثقافة ما تقديم نفسها كحالة معيارية، مهما امتلكت من أدوات المعرفة، أو امتلكت أمتها من الممكنات والمعينات الحضارية، لأن الثقافة حالة تشذيب وصقل مستمرة، والتثاقف عملية تفاعل دائم بين الثقافات المختلفة، التي تشكّل رافدا مستمرا، يدعمه الاختلاف بين مشارب هذه الثقافات ومنابعها ومساراتها الفكرية والعلمية، القائمة على التباين والتداخل في تشكّلها الأساس.
ولكن - وللأسف- وبأبسط مستويات القراءة وآليات الاستقراء لملامح الثقافة العربية الراهنة نجدها ثقافة متطرفة بين تقديس الذات وتكفير الآخر من جهة، أو الولع بالآخر وجلد الذات من جهة أخرى، حيث لم تعد تؤمن بالإختلاف والتعددية، بل إن ركائز حتمية مثل (اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية) باتت مغيبة بشدة.
ولعل علة الأمر تكمن في أن الثقافة السماعية والشفهية هي الأكثر حضورا في الذاكرة والثقافة العربية بكافة مستوياتها، ففلان (عظيم) لما قيل عنه، وربما ممن لا يعي معنى ما قيل، والآخر (وضيع) لذات السبب. لذلك ظهرت حالة من تعميم الأحكام الجاهزة، فهذا(أعلم العلماء) وذاك(أجهل الجهلاء) من غير استناد إلى أحكام موضوعية، أو قوانين فكرية ثقافية كإصدارات قيّمة أو سجالات علمية، أو معرفة عميقة بثقافة ما أو فكر ما.
لذا وجدنا ثقافتنا أمام ظاهرة (الأصنام) الثقافية، ووجدنا أنفسنا نعاني من مشقة حمل الأسماء في ذاكراتنا، أكثر من تتبع النتاجات الثقافية والمعرفية والحضارية، ولا عجب فيما بعد إن برزت ظاهرة الأخويات والشلل الثقافية، والمجاملات والوساطات المعرفية، التي تقدم الرديء وتقصي الجيد، وتفرز شللا معرفيا وفكريا، ومن ثم بروز ظاهرة (التسلق) للهواة والكائنات الطفيلية الملتصقة بالثقافة، والمتتبعة للقمم والقامات الثقافية..
بل إن ظاهرتي التقديس والإقصاء لم تحكما الثقافة العربية بشكلها الكلي فقط، بل امتدت لتمجّد التقسيمات الجغرافية والحيزات المكانية، ولتخلق لكل بقعة (مهما كانت صغيرة) ثقافة مستقلة، وهوية خاصة تتباهي بها، وتقارع بها الثقافات الشقيقة في اللسان والهوية والتاريخ، وتخلق بذلك العصبيات الثقافية والانتماءات الضيقة التي تظهر مع أول ركون لفكرة المفاضلة، أو التماحك الثقافي المعرفي، المحكوم أصلا بالقيمة وليس بالهوية، ولكن العصبية والفزعة المكانية هي التي تظهر وتتسيّد بشكل يدعو للحزن والسخرية معا، كما لم تحكماها في نظرتها إلى مفرداتها المعرفية ورموزها الثقافية فقط، بمعنى لم تحكماها في نظرتها الداخلية، بل امتد الحكم ليشمل الآخر في ثقافاته، وتعدداته المعرفية، فانقسم الحال إلى مقدِّس لثقافة الآخر باعتبارها أنموذجاً أعلى، وبين مقصي لها باعتبارها بدعة وضلالة، وفي كلا النظرتين خلل بيّن، لأن الآخر هذا يشمل كل ثقافات العالم التي ما نحن إلا جزء منها، والتعامل معها ينبغي أن يكون من خلال النظرة العميقة، والدراسة الفاحصة، والتتبع الواعي لمخرجات هذه الثقافات لأخذ الجيد منها، أما فكرة تخريج أنفسنا خارج دوائرها، فهي حكم مسبق بالنفي الثقافي، والموت المعرفي للثقافة العربية التي تحتاج للتفاعل الثقافي مع الآخر في هذا العصر، ربما أكثر من أي وقت مضى.
إن ثقافتنا العربية تحتاج اليوم إلى غربال علمي، ونقدي لأوضاعها الراهنة، للقضاء على الكثير من الإشكالات الثقافية والمعرفية؛ كالتماثل في الفعاليات والأسماء الثقافية، وظاهرة الشللية، والتناحر والتباغض التي لا تليق بالثلة المثقفة أو النخبة التي هي- كافتراض - لسان حال الأمة وضميرها الواعي، كما تحتاج إلى إحياء التعددية، والاختلاف الذي هو دليل حيوية الثقافة، ونبذ أحادية الفكر، والتسليم المطلق الذي هو من أشد الظواهر السلبية، فالوعي الثقافي والفكري ينبغي أن ينطلق من لا ثبات ولا تنميط للفكر الحر، بل من اتساع وتعدد واختلاف، بحيث يشمل كل التيارات والتوجهات والمذاهب الثقافية والمعرفية، المقاربة لنا والمختلفة معنا، لنتعلم منها فلسفة الاختلاف الصحي الذي لا يفضي إلى الخلاف والفرقة والشقاق، ومنطق التباين الواقي من الثبات والنمطية، وتقبل الآخر كما هو، لا كما نريد، لنقضي على علل الثقافة، ونستأصل أورامها الخبيثة، لأنه كلما اشتد الاختلاف، واستوعب المثقف حقيقته، كثرت الأفكار الجديدة، فازداد جسد الثقافة صحة وبهاء.
فاطمة الشيدي *
* شاعرة عمانية

أعلى






الجميل المتوحش.. الآخر الأوروبي في منظور الذات
(ملاحِظ أولى على أدب الرحلة في شرق أفريقيا) (2ـ2)

تمثل لحظات الاتصال بالآخر، تصالحاً أو ارتطاماً ، من اللحظات المهمة في تاريخ الأمم، فغالباً ما تكون تلك اللحظة مرتكزاً لمشاريع كبرى فكرية واقتصادية واجتماعية تأتي بخيراتها المأمولة لأمم لم تنل حظها من التمدن أو التقدم. غير أن تلك المشاريع كثيراً ما تتأخر في الوصول إلى المأمول أو المنتظر ، بفعل العوارض السياسية والمثبطات الاجتماعية وغيرها من الموانع ، كما حدث لمشروع النهضة العربية الحديثة التي ما زالت تراوح مكانها. وقد تتحول تلك المشاريع الكبرى المشار إليها في أتعس حالاتها إلى "سراب بقيعة" ، ما يلبث أن يتهاوى ، ويصبح مستحيلاً حتى مجرد الحلم بها ، عندما تتهاوى العروش وتسقط الأمم وتصبح خبراً يتلى أو حديثاً يعاد ، كما هو الحال بالنسبة للوجود العماني في شرق أفريقيا ، الذي كانت نهايته الرسمية - و لا نقول الفعلية - في 12 يناير سنة 1964م ، عندما حدثت حركة التمرد في زنجبار.
من هنا بالضبط تكمن أهمية اللحظة التي نتوقف عندها متأملين بعض مساراتها ، من حيث أنها لحظة منتهية ، أي أنها مشروع مكتمل ، واضح الملامح والنهاية . الأمر الذي يفترض أن يمكِّن الدارسين من استقراء هذا التجربة بما لها وما عليها.
وتتبدى أهمية ثانية لهذه اللحظة من كونها الجزء المنسي من الذات ، ومن أسبقيتها في اتصالها بالآخر، وعمق معرفتها به - إلى حدٍّ ما - مقارنة باتصال ومعرفة روَّاد النهضة العربية الكلاسيكيين. تلك الذات التي ننظر إليها - لمنطلقات البحث والباحث - مبدئياً على أنها ذات محدَّدة بأبعاد ثلاثة: البعد العربي والبعد العماني والبعد الإسلامي.
ويهدف مشروعنا في طموحه الأبعد إلى جلاء صورة الآخر واستبطان طبيعة الموقف منه ؛ قبولاً أو رفضاً ، كما تبدو تلك الصورة في كتابات أربعة من الرحالة في فترة أواخر القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين تقريباً.
وهذه هي الكتب مرتبة بحسب الزمن الذي تمت فيه الرحلة التي يسجلها كل كتاب:
1- الدرُّ المنظوم في ذكر محاسن الأمصار والرسوم، للسيد حمود بن أحمد بن سيف البوسعيدي، مراجعة وتقديم د. محمد المحروقي (وزارة التراث و الثقافة: 2006م) ط1 .
2- تنزيه الأبصار والأفكار في رحلة سلطان زنجبار ، زاهر بن سعيد ، رتَّبه لويس صابونجي، راجعه د. إبراهيم عبده ، (وزارة التراث والثقافة: م) ط1.
3- رحلة أبي الحارث ، محمد بن علي بن خميس البرواني (مطبعة النجاح : 1915 م).
4- رحلة عظمة السلطان المطاع خليفة بن حارب - حفظه الله - إلى أوروبا لحضور تتويج صاحب الجلالة جورج السادس ، ملك بريطانيا العظمى ، سعيد بن علي بن جمعة المغيري (وزارة التراث والثقافة: م) ط 1. نشرت هذه الرحلة ملحقاً بكتاب جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار ، للمؤلف نفسه.
هذه هي جملة الكتب التي توصَّلنا إليها حتى الآن . ونحن نعتقد أنه من المحتمل جداً أن تكون هناك مخطوطات لم يصل إليها الباحثون بعد ، أو كتب مطبوعة - خاصة في مطابع زنجبار كالمطبعة السلطانية ومطبعة النجاح وغيرهما - لا تزال رهينة الضياع والاختفاء.
الآخر : الجميل المتوحش
أما الآخر المتمدن الذي تأتي إليه الذات للاستفادة من تقدمه في معظم المجالات العلمية والحياتية فيصفه السلطان برغش لمراسلي الصحف البريطانية أثناء لقائهم به على النحو التالي:
"بارك الله في بلادكم السعيدة وعمَّر دياركم الفريدة فإنِّي رأيت في هذه الحاضرة العظيمة منازل كبيرة جداً وجميلة البناء: إنها قصور ملوك أعزاء ، وقد قيل لي إنها منازل قد أعدها أصحاب الخير منها للفقراء والبائسين ، ومنها مستشفيات للمرضى والمقعدين ، فطابت بذلك نفسي واتسع صدري وقلت "هذه حسنة كبيرة عند الله".
ثم لمَّا جلت شوارع هذه المدينة العظيمة (مدينة لندن) وطفت في ضواحيها الجميلة و رأيت قصورها الباذخة و درت بين جنائنها و حدائقها النظرة تعجبت من كبرها و اتساعها و قلت حقاً هذه مدينة من أعظم مدن الدنيا كلها كبراً و أكثرها سكاناً و أحسنها خلقاً و أجملها منظراً ". 54
والذي يلفت اهتمام السلطان أكثر من غيره هو رحمة هذه الدولة بالطبقات البائسة من فقراء ومرضى وعجزة . وإن كان العدل قد شملهم فبالأحرى هو عدل عام ، يتفيأ بظله الجميع . والأمر الثاني هو حسن تنظيم المدينة و اتساعها و مظاهر الثراء و الرفاه المنعكسة على مبانيها . ولكنَّ عبارة ترد في الشاهد المقتبس السابق تثير تساؤلاً لدى القارىء ؛ ألا وهي عبارة "فطابت نفسي و اتسع صدري"، و كأن النفس من قبل لم تكن مطمئنة من أمر ما .
و قبل أن نستطرد في متابعة هذا الخاطر نشير إلى أن الذات نظرت إلى الآخر و إلى تمتعه بصفة أخرى هي صفة الجمال . ذلك الجمال المستتر في التمدن و الحياة الآمنة و ارتياد الحدائق الشاسعة للاستمتاع . و الجمال الظاهر في حسن تنظيم المدن وفي جمال الملابس ، و في أحايين كثيرة جمال البشر . و لكنه جمال غير جميل ؛ إذ هو غير مكتمل ، قد أفسدته الغطرسة و جعلت محاسنه قبحاً . و لنتأمل الشاهدين الآتيين أولاً ثم نعلق عليهما تاليا.
في زيارة السلطان برغش بن سعيد لولي العهد و أمير ويلز آنذاك أستقبله الأخير بمودة وترحاب ، لا مجرد لقاء رسمي "بوجه عبوس كعادة رجال السياسة" ، و دعى أنجاله الصغار للحضور للسلام على السلطان . و نترك للسلطان أو لكاتبه أن يحدثنا عن هذا المشهد الذي يفيض جمالاً و براءته: "... أخذ السرور مني كل مأخذ لما رأيت جميع أنجال الأمير واقفين أمامي كحور الجنان في حشمة و كمال لا مزيد عليهما . و لا أقدر أن أعبِّر عن شعائر (مشاعر) فؤادي لما رأيت هؤلاء الأنجال يقبلون والدهم واحداً بعد الواحد بحنو غريب . و كان ولي العهد يمد ذراعيه الأبويتين إلى أصغرهم و يرفعه عن الأرض و يقربه إلى فمه ليطبع على شفتيه العذبتين قبلة الحب الأبوي. فتحركت حينئذ شعائر الحنو في صميم فؤادي و كادت الدموع تطفح من عيني حنوا..." 60- 61
ثم ينتقل المشهد اللاحق ليصوِّر جانباً آخر من جوانب تلك الطفولة الجميلة حينما يلتفت إلى أن بعض الأنجال كان يرتدي زيا عسكرياً ، فيقول: "... و لما رأيت بعضاً من أنجالك المحروسين مرتدين ملابس على زي ملابس البحرية خطر ببالي أن مجد الدولة البريطانية وعزها وفخرها قائم في حبها لقوة الجندية البحرية حتى جعلت أنجال ملوكها يتوشحون بملابس البحريين .." 61
والشاهد الثاني الذي نود أن نسرده هنا يتصل بما شاهده أو بالأصح أحسَّ به السلطان أثناء زيارته لدوق كمبريدج وكبير قادة العساكر ، و هو ابن عم الملكة ، يقول: "و فيما هم كانوا سائرين قال السيد برغش لكبير وزرائه: ما رأيك في هذا الدوق؟ عندي ؛ هو جندي بطل ، و كل شعرة من شعره دليل على جبروته. ولكن لهذا الجندي البطل قلب حنون فإني رأيته يود أهله مودة قلبية ، و سار بي من حجرة الاستقبال إلى حجرة درسه .... فإن كان قائد الجنود الإنكليز هو هذا البطل فلا عجب أن تكون جنوده غير مقهورة . فعز الجنود قائدهم . بارك الله فيه و في أمته" 101
يدَّعي الكاتب في الشاهد الأول أن العبوس قد انتفى عن هذه "الزيارة الودادية" ، و أن ولي العهد استقبل السلطان استقبالاً خاصاً فيه الكثير من اللطف و الحميمية حين دعى أبناءه للسلام عليه . و لكن العبوس يتخفّى في مكان ما في تلك اللحظة . لقد كان حاضراً بكل أبَّهته في شيء هو - في العادة - أبعد ما يكون عن العبوس ، إنه مستتر في الطفولة المتشحة بملابس الجندية التي سترث يوماً ما مجد الإمبراطورية العظيمة التي لا يقل نصيبها في الغطرسة عن نصيب غيرها من الإمبراطوريات الأخرى.
و الشاهد الثاني هو - على نحو ما - شكل من الاكتمال للشاهد الأول ، إنه عن أبطال هذه الإمبراطورية وقد أخذوا مواقعهم و قاموا بواجباتهم . إن هذا الدوق و هو أحد قادة الجيش المهابين تتخيله الذات بعيداً عن معاني اللطف و الجمال و أكثر ميلاً إلى القسوة و الجفاء و التوحش ، "فكل شعرة من شعره دليل على جبروته" كما يقول السلطان . و لكن الجانب الأهم الإيجابي وسط كل هذا القبح هو ما يلتفت إليه السلطان هو أنه "لهذا الجندي البطل قلب حنون فإني رأيته يود أهله مودة قلبية" . إن إثبات السلطان للدوق هذا الجانب الإنساني يؤكد أنه هناك في الواقع من يشكك في صحة هذا الأمر . و عندما يطرح السلطان نفسه في صدر هذا الشاهد تساؤلاً عن هذا الدوق ليثبت أنه - أي السلطان - ليس بمعزل عن أولئك المشككين.
إن الآخر من منظور الذات ليس التمدن صفته الوحيدة ، بل هو متوحش أيضا ً. و هكذا تتساوق سمتان يبدو عليها التنافر في وصف الآخر . و قد يكون هناك من ينظر إلى أننا نبالغ فيما ذهبنا إليه. والشاهد الأخير الذي سنسوقه تالياً سيدحض كل تشكيك في دقة ما استنتجناه حتى الآن.
يطلب السيد برغش أن يزور معمل الأسلحة في ويليج ، و يتم له ما يريد . و هناك يرى كيف تصنع آلة الدمار الفتاكة من مدافع ثقيلة و دبابات حربية و غيرها من الأسلحة الفتاكة المهلكة . و عندما يشاهد السلطان المدافع الضخمة و بعضها مشقق و بعضها مكسور و أخرى معطلة من كثرة الاستعمال يصف الكاتب هذا المشهد فيقول: "وهذا المشهد المكرب يذكره (أي الزائر) بانكسار الجيوش و هزيمة عددهم و تحطيم أدوات دفاعهم و دمار ديارهم . و لكن متى توغل المرء في مخادع المعمل رأى هناك آلات ضخمة تعجز عن تحريكها جبابرة نمرود فتحركها قوة البخار العظيمة و تصهر المعادن في بوتقة ضخمة تحاكي حوضاً من نار ثم ترفعها من الأتون بكلاليب عظيمة ثم تسكبها في قوالب معدة آلياً في قلب الأرض ثم تخرج من بطونها مدافع عظيمة الحجم لا تتفرقع و دواليب متينة لا تتكسر و أسلحة جهنمية لا تقهر . و كل هذا الشغل العظيم يتولى أمر إدارته الكولونل كمبل فبلد والماجور متلند و أعوانهم".
وهو مشهد جهنمي مكرب فعلاً يستعير ألفاظه من معجم الجحيم ، فهناك "حوض من نار ، و أتون ، أسلحة جهنمية" ، ثم هناك مديرو هذا المعمل و هم كمبل و متلند و أعوانهم الموازين لخزنة جهنم مالك و أعوانه . إن هذا المشهد ليس الأقسى و لا الأبلغ في تصوير تلك الأسلحة الفتاكة التي تبذل دولة الإنكليز في صناعتها وتطويرها الغالي و النفيس ؛ فثمة مشاهد أخرى ، تنفتح على أبواب جهنم و العياذ بالله ، كما يقول الكاتب.
إن ذلك جزء من غطرسة الآخر وتوحشه ، وهذه هي الفكرة التي اختمرت في ذهن السلطان من سنين عديدة ؛ و إن غلفتها لغة الدبلوماسية أو أعجز إعلانها ضعف الذات ، الآن تأكدت لديه . يقول الكاتب: "ثم ساروا بسعادة السلطان إلى مخزن المدافع فشاهد فيها أصنافاً كثيرة كبيرة منها ... فتعجب السيد و من كان معه من تلك الأسلحة المهلكة لبني آدم التي قد أفرغت فيها العقول الذكية ما عندها من البراعة بحجة التمدن و ما ذاك لعمري إلا أقصى درجات التوحش قد جمَّله الطمع البشري برداء التمدن و التقدم ، و كان خيراً لو يفرغ المرء قوى عقله في اختراع آلات للعمران ، و يزهد فيما يهلك الإنسان و الحيوان ، و لكن طبع المرء أقرب إلى الشر من الخير" 152
إن الآخر ليس متوحشاً فقط بل قد بلغ "أقصى درجات التوحش" ، و هو مراوغ لا يسمي الأشياء بأسمائها ، فباسم المدنية و التقدم يفرض هيمنته على الآخرين و يمتص ثرواتهم ، و ذلك ما لم تقله العبارة المنقولة حرفياً و إن كانت قد أشارت إليه جملة.
وهذه الفقرة ينبغي أن لا تختم دون الإشارة إلى موقف طفولي حدث في معمل الأسلحة مما يذكر بأنجال ولي العهد في بزاتهم العسكرية ، و يؤكد على الصفة التي خلصنا إليها ؛ و هي "الجميل المتوحش" . يقول الكاتب: "... وفيما كان السيد سائراً في صحن ذلك المخدع كان نحو مائة نفس من الرجال والنساء والأولاد مصطفين عن يمينه ويساره فلاحت منه التفاتة إلى بعض من البنات الصغار وكن لابسات ملابس بيضاء زادتهن حسناً و جمالاً فوقف السيد أعزّه الله و التفت إلى من كان إلى جانبه و أشار بيده إلى الفتيات و قال يا للعجب كلَّ العجب إني أرى ملائكة السلام تجول في عرصات الحرب و هي آمنة لا خوف عليها". 153
وهكذا هو حال إمبراطورية الإنكليز التي تمثـِّل الجمال بتمدنها و التوحش بجبروتها.
لقد رأينا مجمل صورة الذات و مجمل صورة الآخر ؛ و السؤال التالي هو ما شكل التفاعل بينهما ؟
لذلك حديث يحتاج الى وقفة اخرى


المراجع :
1- الدرُّ المنظوم في ذكر محاسن الأمصار و الرسوم ، حمود بن أحمد بن سيف البوسعيدي ، مراجعة و تقديم د. محمد المحروقي (وزارة التراث و الثقافة: 2006م).
2- جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار ، سعيد بن علي بن جمعه المغيري ، وزارة التراث القومي و الثقافة ، 1979 ، ط1 .
3- تنزيه الأبصار و الأفكار في رحلة سلطان زنجبار ، زاهر بن سعيد ، رتَّبه لويس صابونجي، راجعه د. إبراهيم عبده ، (وزارة التراث القومي و الثقافة: م) ط1.
4- رحلة أبي الحارث ، محمد بن علي بن خميس البرواني (مطبعة النجاح : 1913 م).
5- رحلة عظمة السلطان المطاع خليفة بن حارب - حفظه الله - إلى أوربا لحضور تتويج صاحب الجلالة جورج السادس ، ملك بريطانيا العظمى ، سعيد بن علي بن جمعة المغيري (وزارة التراث القومي: م) ط 1. نشرت هذه الرحلة ملحقاً بكتاب جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار ، للمؤلف نفسه.

د. محمد المحروقي
اكاديمي وباحث عماني

أعلى





صخب

ذاتَ أرقْ أحسستُ أنني موصومةٌ باسمٍ مَا، تلفّتُ حَولي لأجدَ نفسَ الاسمِ يتكررُ في حزني وفرحي، غضبي وارتياحي، تارةٌ يضحِكُنِي وأخرى يُبكيني، وثالثة يَملؤُ طَعمَ دُنيايَ بالمرارة، مُعادلةٌ عجيبة أتعبَني حلُها.
حين كنتُ في العاشرةِ ونحنُ في زحمةِ (الرزحة) التي تُقامُ سنوياً في قريتي الصغيرة، وأثناءَ بحثي الدؤوبِ عن أخي ناديتُ بعلوِ صوتي "علي"، ففاجئَنِي وقوفُ ذلكَ العددُ من الـ"علي" أمامَ وجهي الُمحْرَج، أذكرُ أنني نسيتُ ما أودُ قولَه ورجعتُ غاضبةً لأمي، متسائلة عن سرِ تسميةِ معظمِ فتيانِ العائلة بهذا الاسمِ اللصيقُ.
في فترةِ مُراهقتي كان هناكَ لَغطٌ في العائلةِ مِحوَرُهُ اقتراني بابن عمتي (علي)، الذي -حمدتُ اللهَ بعد ذلك أنْ - كانَ من نصيبِ أختي فما كنتُ بقادرةٍ على احتمالِ صخبِ هذا الاسمِ طويلاً.
كان أقربَ زملائي لنفسي شَاباً خلُوقاً متديناً اسمُه (علي)، تزوجَ بعدَ التخرجِ بزميلَتِنا مها وأنجبا طِفلينِ جميلين.
كانا أقربَ الأصدقاءِ لحياتي، "يا ربْ تتزوجي رجّال اسمه علي" كان ذلكَ دعاءُ مها الدائمُ لي، وأنا استنكرُ في بؤسٍ "بسم الله على عمري، هذي مطاردة ما اسم"، ويضحكُ (علي) الذي أصبحَ زميلي بنفسِ الدائرةِ أيضاً.
في سنتي الثالثةِ بالدائرةِ عُيّنَ (علي) رئيساً للقسم الذي أعملُ به، بنفسِ الوقت عُيّنَ (عليٌ) آخر كموظفٍ جديد، كان يتصفُ بنوعٍ من الصلفِ المغرور، كنتُ استعيذُ باللهِ كلما صادفَ مرورُه بجانبي، ذلك أنه أثناء مُرورِي بجانبِ مكتبِه ذاتَ صباحٍ مشؤومٍ شاءَ حَظُه التعسُ أن يُلْقى بملاحظةِ في وجهي، فانفجرَ بركانُ صَمتِي ضده وتدخلَ "علي" زوجُ صديقتي لفضِّ التلافضِ الكلامي بيننا وتمت زمالتنا هكذا بين شدٍ وجذب.
تقولُ أمُي بأنها أرضعَت "عليٌ" اِبنَ جارتِنا صفية في جلسةِ قهوةٍ صباحيةٍ مع الجارات، كَبِرنا ولَعِبنا سويةً، ذكرياتُ طفولةٍ يحمِلُها القلبُ على هودجِ حبٍ خالٍ من شوائبِ الحياة، شَببنَا وتزوجَ (عليٌ) بابنةِ خَالتِي، وتزوجتُ أنا بعد تخرجي بابنِ خَالي وانفصلنا خلالَ سنة، بعدَ مشاكلَ طالت الأسرةَ بأكملِها، كنتُ صندوقُ "علي" الذي يخبئُ بداخلِه أسرارَه البريئة، يأتي بَحثَاً عني كفاقدِ ظلِه حينَ يتكورُ حجمُ الحُلمِ ويتوقُ للانفِلاتِ نحوَ أرضٍ شاسعٍ مدى خُضرتِها، وكانت زوجتُه تعلمُ مدى قربِه منِي، وحَجمِ الارتباطِ الموغلِ في العمقِ بيننا، كنت صبحَه ومسائِه، شمسَه وضيائِه، يرى الدُنيا من بؤبؤِ عيني، يتوقُ للحريةِ من خِلالي، يناكفُ الفرحَ من ثغرِ ابتسامتِي، يراوحُ ألمَ سنواتِ فَقدِه لأمِه بالانشغالِ بما هو آتٍ وتفصيلِهِ فوقَ خرائطِ حُلمي.
منذ شهرٍ و (عليٌ) على غَيرِ عَادَتِه، كانتْ علاقتُه بابنةِ خالتي مُتَوتِرَة، هي شديدةٌ الغَيرة، وهو شديدُ الاعتدادِ بنفسِه، غريبٌ أن تَظُنَ أنكَ بِمنأَى عنِ الخَطأِ رَغمَ كَونِك إِنساناَ مَعجوناَ بالتناقضاتْ، هيَ منْ لجأَتْ إليّ هَذِه المَرَّة، حاورتُها، أَزعَجَني أمرُ إِنصَاتِي لخصوصيةِ الحِكَاية.
ذاتَ مسَاء، تَوسدتُ الخواءَ هاجِساً، رنَّ هاتِفي "توأمُ الروحِ يتصلْ"، كعادتي بكلِّ مرح ودلال أجبتُه، كان غاضباً، ثائراً، ثورتَه وغضبُه حَطَما عُنفُوانَ نَفسِي التِي طَالمَا آمنتْ أنه يَسكنُ بينَ الضلوعِ بحنانِه وعطفِه، "اْخرجِي مِنْ حَياتِي، كَفَانِي دروساً مِنكِ" كانتْ هذِه آخرُ عِبارةٍ نَحَرَت عُنُقَ الأُخُوَة بَيننا.
تلكَ الليلةْ، نازعتْني نَفسِي دِفاعَا عَنهُ، وشوقاً لاتصالِه، فَتحتُ خطَ العودةَ فأغلقهُ في وجْهِي، بادرتُ بالاعتذارِ عن أمرٍ لمْ أفعَلهُ، فرفضَ اعتذاري بكبرياء، في الصباح، مع بزوغ ضياء الشمس حَولِي، اْنطَفأ وهجُ نورِه دَاخِلي، سحبتُ دفترُ يومياتِي، رسمتُ علامةُ استفهامٍ كبيرةْ (؟)، قلبتُ الصَفحَة!.

مريم النحوي


أعلى




لوحات بنكهة العنب ورائحة البحر
(المحرس).. مهرجان التشكيل بمجاديف من ضياء الشمس
أوراق عمل مختلفة أثرت المهرجان وألهبت الحوارات
تفاعل دينامكي جسدته الوفود عزز التأثير والتأثر

تقوم الجمعية العُمانية للفنون التشكيلية بدور فاعل ومؤثر في تطوير مهارات المنتسبين لها وتعزيز معارف الفنانين العُمانيين من خلال تدريبهم وابتعاثهم للدورات وحلقات العمل الفنية المقامة من حين إلى آخر في كل أرجاء المعمورة. فتواجد فناني السلطنة في مثل هذه المحافل والمهرجانات التشكيلية يساعد في إثراء المخزون البصري والمعرفي لديهم بالإضافة إلى تطوير مهاراتهم في التعامل مع أشكال الفنون المعاصرة استيعابا وتأثرا وتأثيرا. فكانت مشاركة الجمعية في المهرجان الدولي للفنون التشكيلية بالمحرس ترجمة لهذا الدور. حيث أوفدت كل من الفنان سلمان بن عامر الحجري والفنان فيصل بن جلال البلوشي للمشاركة في الدورة الحادية والعشرين لهذه الاحتفائية.
يقام المهرجان عادة لمدة أسبوعين بداية من تاريخ 22 يوليو من كل عام، وقد اعتاد المنظمون على إعطاء عنوان أو ثيمة في كل دورة من دوراته السابقة والتي أتت هذه العام تحت عنوان (من أجل قيم كوسمبوليتية مبدعة) والتي تشير إلى أهمية تأكيد الدور العالمي الذي يقوم به الفن في تعزيز الإبداع في الحراك الثقافي بشكل عام وفي تطوير الوعي التشكيلي بشكل خاص.
ولقد تم اختيار مدينة المحرس الساحلية الجميلة لتحتضن هذه التظاهرة وذلك لما تتميز به هذه المدينة الحالمة من مقومات سياحية واجتماعية وثقافية أهلتها بأن تكون المدينة المناسبة لتنظيم مثل هذا المهرجان. فشوارعها تفوح برائحة الألوان والزيوت وتعج بالمهاجرين والسياح العائدين من أوروبا في إجازات والمتعطشين لفنون هذه المدينة النابضة. ففي كثير من المساحات العامة منحوتات ومجسمات تم إنتاجها خلال الدورات الماضية. أما مطاعمها ومقاهيها فتتزين بالرسومات الجدارية الجميلة. كل هذه المظاهرالتشكيلية تبث في مدينة المحرس روح الفن المفعم بالحياة لتنعكس على ابتسامات المحرسيين المرحبين بضيوفهم الفنانين كل عام.
كان وصولنا لهذه المدينة بتاريخ 29 يوليو متأسفين على ما قد فاتنا خلال الستة أيام الماضية حيث افتتح المهرجان بتاريخ 23 ولكن حفاوة الإستقبال في مطار تونس قرطاج منحتنا شيئا من التفاؤل للأيام المتبقية من عمر المهرجان. كانت الرحلة من مسقط إلى تونس متعبة إلى حد ما وذلك لتوقفها في محطتين هما دبي والعاصمة الليبية طرابلس. وبدل أن تكون لمدة (7) ساعات أستمرت إلى (11) ساعة. ولكن متعة ركوب القطار من العاصمة تونس إلى صفاقس والتي تبعد حوالي (300) كلم جنوب العاصمة أنستنا إجهاد ركوب الطائرة. فكانت دهشتنا كبيرة عند تعرفنا على عدد من التونسيين في نفس الكابينة والذين تميزوا بالحفاوة ودماثة الأخلاق وحب تقديم العون مما ساعد على الإجابة على كثير من الإسئلة التي دارت في أذهاننا حول تونس وما يميزها عن غيرها من البلدان العربية.
استغرقت الرحلة بالقطار ما يقارب الـ(4) ساعات حيث مررنا على كثير من مزارع الزيتون والمساحات الخضراء الشاسعة والتي تجرك نحو أفق رائع ينام على سرير من السحب الركامية المتفرقة ومن خلفه تطل شمس متعبة لا تود مفارقة حضن هذه السهول المديدة مرسلة خيوطها من بين السحاب وكأنها تنسج لوحة تباهي بها كل ذي حسن مرهف وكل رسام مهاجر يصبوا إلى الإرتماء في حضن المحرس. غربت الشمس في حوالي الساعة التاسعة إلا ربع وهو وقت متأخر قليلا اعتاد عليه أهل المغرب العربي وخاصه في فصل الصيف.
وصلنا إلى مدينة صفاقس حوالي الساعة العاشرة والنصف وعند ترجلنا من القطار كان في انتظارنا شخصين في غاية اللطف والود. فكانت الدهشة كبيرة لحسن الترحاب.
مدينة صفاقس هي المدينة الثانية في تونس من حيث عدد السكان وهي المدينة الاقتصادية التي يفد إليها العاملون والتجار من كل أنحاء الجمهورية للعمل وللكسب، حيث تكثر فيها معاصر الزيتون والصناعات التقلدية وكل ما يتمناه السائح من منتجات لها طابع الأصالة. تتميز صفاقس بتمازج الحياة العصرية مع نمط الحياة التقليدية وخاصة في أرجاء البيت العربي وهي قلعة ضخمة لها سور عملاق يمتدد أكثر من (3) كلم مربع يحتضن الدكاكين والحوانيت القديمة ويلاصقة في تمازج رائع المقاهي العصرية التي تدب فيها الحياة في المساء فتجدها تكتض بالمرتادين إلى أوقات متأخرة من الليل.
أخذنا شكري ووليد بالـ(ميكرو باص) إلى مدينة المحرس وفي الطريق اشترى شكري وردتين صنعتا ببراعم الفُل صفت بطريقة جميلة عرفت فيما بعد أنها تقليد صفاقسي أصيل. ابتاعهما شكري من بائع متجول على الطريق يمضي وقته بالاستمتاع بالنسيم العليل المكلل بروائح الفل والياسمين. ورغم أن المسافة من صفاقس إلى المحرس الساحلية لا تزيد على (30) كلم إلا أن الطريق الذي يشق مزارع الزيتون والمزدحم بكثير من السيارات التي لا تتوقف أضواؤها الراقصة وأصوات الموسيقى المنبعثة منها احتفالا بزواج أحد أبناء المحرس بعروس صفاقسية أو بالعكس. أخبرنا شكري أن الزواج في هذه المدينة النابضة بالحياة لا يكاد يتوقف وخاصة في فصل الصيف حيث يعود كثير من أبناء المحرس العاملين في الدول الاوروبية إلى أرضهم الأم للزواج ولقضاء الإجازة الصيفية قبل العودة إلى شتاءات أوروبا الباردة.
وصلنا إلى (نزل تماريس) وهو الفندق الذي يستضيف المشاركين وفعاليات المهرجان في تمام الساعة الثانية عشر ليلا، وبعد استلامنا لجدول فعاليات المهرجان خلال الأيام المتبقية من المهرجان، استلمنا مفتاح الغرفة المشتركة وذهبنا في سبات عميق بعد رحلة مجهدة.
كان صباح اليوم التالي الخميس (30) يوليو أول أيام حلقات العمل التي تسمى المنابر، والتي من خلالها يتم إلقاء أوراق عمل حول بعض التجارب التشكيلية سواء للمشاركين في المهرجان أو غير المشاركين، ورغم أن التوجه كان حول إثراء هذه المنابر بالفكر التشكيلي المعاصر من خلال طرح قضايا ومفاهيم جديدة أو توضيحها للمشاركين إلا أن كثيراً من مقدمي الاوراق تكلموا عن تجاربهم التشكيلية فقط وهذا شيء أثار فيَّ الدهشة والتساؤل. على العموم كان الفنان الكبير الأستاذ سامي بن عامر مدير المعهد العالي للفنون التشكيلية بتونس هو مدير الجلسة في هذا اليوم، وبعد أربعة أوراق قام بتقديمي للجمهور والترحيب بي لإلقاء ورقة العمل التي أعددتها خصيصا لهذا المهرجان تحت عنوان (التصميم الجرافيكي من الخشب إلى الحاسوب، سيف العامري نموذجاً من سلطنة عُمان). وقد أطلع عليها مسبقا الأستاذ أسماعيل حابه (الكاتب العام للمهرجان) ورشحها للمشاركة. كانت الورقة تتناول تطور فن الجرافيك بداية من الحفر على الخشب إلى شكله المعاصر بإستخدام الحاسب الآلي موضحا المفاهيم المرتبطة به كالحفر والجرافيك وملخصا أهم مراحل تطوره وملخصا تجربة فنان عُماني أثرى الساحة التشكيلية بلوحات جرافيكية جميلة وهو الفنان سيف العامري وكان إلقائي للورقة متزامن مع عرض متواصل لبعض أعماله. وقد تعرفنا في هذا اليوم على العديد من الفنانين والمثقفين القادمين من أكثر من 47 دولة والذين عرفوا بأنفسهم من خلال العروض من أمثال الدكتورة المصرية أمل نصر والفنان الكندي نيكول راينفيل والفنان الجزائري حربان بالعيد والفنانة النرويجية مارشتاين قرات.
إن الإطلاع على تجارب هؤلاء الفنانين يعزز المعرفة التشكيلية ويوضح لمحات من مسيرة الفن المعاصر من خلال مجموعة من الفنانين المختلفي المشارب والثقافات. انتهت أوراق العمل لهذا اليوم في حوالي الساعة الثانية، وبعد الغداء وأخذ قيلولة خفيفة في نزل تماريس الهاجع على شاطئ محرسي جميل، انطلقنا في المساء بصحبة الفنانة النرويجية إلى المراسم والتي كانت قد افتتحت في أول أيام المهرجان وتعد بمثابة الحاضن الأول لأفكار المبدعين ومختبراً لتجاربهم التشكيلية المتنوعة. تم إعداد هذه المراسم بمدرسة إعدادية يخصص لكل مجموعة فنانين فصل دراسي مع توفير الخامات والحوامل اللازمة للرسم. كان التفاعل الاجتماعي بين هذه الفصول جميل ومحفز لكثير من الأفكار التشكيلية التي تستثار عادة بمثل هذه الأجواء.
وعند وصولنا للمراسم وتعرفنا على ما تحتويه، أسلتمنا اللوحات وألوان الزيت وبعض العجائن، عندها قفزت إلى ذهني فكرة لرسم لوحة قد ساورتني طوال رحلتي من السلطنة إلى تونس، فرسمت (فيجر) تجريدي مكون من خطوط أفقية لينة متراكبة بطريقة ديناميكية حية تعلوها بعض الدوائر المتقاطعة والمتداخلة. أعجبني التكوين فزاد من حماسي للرسم في مثل هذه الأجواء التشكيلية الرائعة. كانت فترة الرسم في المساء تستمر إلى وقت الغروب والذي اتفقنا أن وزميلي على الإستفادة منه في التجول في أنحاء مدينة المحرس والتمتع بمعرفة تفاصل حواريها وطرقاتها القديمة قبل أن نختتم جولتنا في مسجد في الجانب الاخر من المدينة لنعود إلى النزل لتناول وجبة العشاء والعودة إلى الاستمتاع بليالي المحرس الشاطئية الجميلة. فهذه المدينة لا تعرف النوم وقد اعتاد سكانها على السهر والتجوال والالتقاء في المساء في الساحات العامة والمقاهي المطلة على الشاطئ.
في اليوم التالي كنا متلهفين بشكل أكبر للاستماع إلى أوراق عمل جديدة افتتحها الفنان المصري الدكتور عبدالسلام عيد وهو فنان ذو صيت عال وشهرة واسعة في ميدان التشكيل المصري وقد أعجبني أسلوبه في تنفيذ الجداريات في الميادين العامة بالمملكة العربية السعودية ومدينة الإسكندرية التي خصصت مدخل مكتبتها العريقة ليكون متحفا دائما لهذا الفنان ولكل من يبحث عن فنه يجده في موقع إلكتروني أعده بشكل عصري يعكس المكانة التي وصل لها هذا الفنان.
الورقة الثانية كانت للفنان الفرنسي (جون مارك بورجوا) وهو نائب رئيس جمعية الفنانين الفرنسين وقد التقيت به في اليوم السابق مع سكرتيرته(ناتاليا) بعدما أدهشهما وأثار إعجابهما العمل الذي أنفذه والذي زاد فضولهما للتعرف على السلطنة وحركة التشكيل بها. أخبراني بأن مؤسسات رعاية الفنون في الدول الغربية كالجمعيات التشكيلية تحظى بكثير من الاهتمام والرعاية ليس من الجهات الحكومية فقط إنما من الجهات الخاصة والتي لها دور كبير في التكفل بتوفير الخامات المتنوعة وتحمل مصاريف سفر الفنانين من بلد إلى آخر لإقامة المعارض ولحظور حلقات العمل. من المؤكد أن المردود المتوقع من هؤلاء الفنانين سيكون بحجم هذا التنافس والتهافت على رعاية الفنانين وإلا لما كان هذا الإهتمام من قبل القطاع الخاص بالتشكيلين أو الموهوبين بشكل عام والذي تمنيت أن اراه في بلدنا في يوم من الأيام.
بعد الإستراحة تم تكريم الفنان السوري بشار العيسى وهو فنان مغترب عاش العشرين السنة الماضة مغترباً في فرنسا، وكان أحد المشاركين بأعمال مميزة في الدورة الماضية. بكلمات بسيطة ألقاها بعد تكريمه اختزل خلالها هموم كل المغتربين في المهجر فختم تكريمة بدمعة لازمت عبارته "كل ما أتمناه بعد هذا رؤية قبر أمي في بلدي".
بعد أن تأججت مشاعر الحضور بكلمات الفنان بشار العيسى نقلنا مقرر الجلسة إلى جو أكثر هدؤا بالتعرف على سيرة الفنانة (أبلوقون إيدويج) من جمهورية البينين وهي فنانة ترسم في لوحاتها صراع المرأة في بلادها لنيل حقوقها المشروعة وقد كانت معضم أعمالها تدور في فلك التجريد والرمز. أما الفنان (دوزووا دينونوير) والذي ألقى عرضا شيقا حول أعماله النحتية المميزة والتي ينحتها من خلال جذوع الأشجار ليشكل بها (فيجرات) ادمية تلخص قيم مختلفة وعلاقات متباينه.
في اليوم الثالث قدم الفنان المبدع رشيد الفخفاخ نفسه للحضور من خلال عرض أعماله. فهو فنان تونسي معروف في الأوساط الثقافية التونسية بمثابرتة وفنه الجميل الذي جعله في مقدمة فناني تونس اليوم. يأتي بعد جيل الرواد من أمثال الفنان الهادي التركي وأخيه الفنان الزبير التركي والفنان المرحوم ابراهيم الضحاك. ومن أبرز النحاتين التونسين الفنان الكبير ابراهيم القسنطيني.
تكلم بعده الفنان التونسي أبراهيم العزابي عن أعماله التي أنجزها خلال مشواره الفني الطويل فهو فنان متمكن شدني في أعماله التنوع والثراء التجريبي، حصيلة خبراته جعلت منه رئيسا لأتحاد الفنانين التونسين ومؤسسا لمهرجان المحرس ومهرجان السبيخة التشكيليين.
بعدها كان ختام المنابر بتكريم الفنان أبراهيم القسنطيني والناقد الفني محمد المحجوب. الذي ألتقيت به في إحدى صباحات المحرس على فنجان قهوة وبعد وجبة إفطار خفيفة أستمتعنا بها سوية، ظل هذا الكاتب التشكيلي الكبير يرصد حركة التشكيل التونسي منذ بداية السبعينات ويقّوم التجارب الصاعدة ويرفدها بالنقد البناء والتوجيه السليم مبتعدا عن الكتابة (الديباجية) التي تعاني منها ساحات النقد التشكيلي العربي المعاصر. من خلال حديثي معه أدركت مدى فائدة ملازمة الناقد للفنان والدور المهم الذي يقوم به لصقل الفنان وتقويم اتجاهاته وضخ روح التنافس الشريف بين الفنانيين كل هذا مبني على قاعدة معرفية قوية. تقول اللجنة المنظمة عن هذا التكريم "هو تكريم يهتم أولا بالذاكرة وعليه فهو تكريم لمن ساهموا في إضاءة شموعه. فالمهرجان يستمد كيانه من كيان فنانينه وفنانوه هم المهرجان إنها لفتة وفاء وإعتراف للسادة".
انتهت أيام المنابر والتي قُدم فيها حصيله معرفية كبيرة من قبل المشاركين وكانت حاضنة جيده لتفاعل ديناميكي بين الوفود المشاركة لتعزيز علاقة التأثير والتأثر فيما بينهم، هذا التفاعل تتعدد صوره وفوائده فبالإضافة إلى المعارف والإطروحات الجديدة كانت هناك مواقف كثيرة تعلمت منها الكثير كالتقبل للآخر وطرق المحاورة الفكرية والطرح المختلف لبعض المسائل التشكيلية المعاصرة وضرورة تقبلها.
في مساء نفس اليوم وبعد هذا الكم الكبير من أوراق العمل أخذنا قسطا من الراحة قبل أن نحجز الطاولة المطلة على شاطئ المحرس في مقهىٌ عتيق اشتهر بإعداد ألذ أنواع الشاي (الأتاي) و(الكبوسون) وهي تسمية محليه للقهوة المحلاة بالحليب. طاب لنا كل مساء الاسترخاء في هذه المقهى والتمتع بمشاهدة الشاطئ الرملي الفيروزي المكلل بكثير من المنحوتات جنبا إلى جنب مع الأشجار المحيطة بجزء كبير من شاطئ المحرس التي لقبها أهلها بالمدينة الحديقة. اتجهنا إلى المراسم في نفس المساء لنسلم الخامات والأعمال التي أنجزناها في الثلاثة أيام الماضية ورغم أنها كانت فترة قصيرة إلا أني سلمت عملي وأنا راض عنه.
وللتعرف على معالم تونس السياحية واكتشاف جمالها أكثر قامت لجنة المهرجان بإعداد رحلة ترفيهية إلى جزيرة قرقنة وهي أكبر جزيرة تونسية اشتهرت بقدمها وبثقافتها المختلفة بعض الشيء. ففي اليوم التالي أخذتنا الحافلة إلى مدينة صفاقس للتجول في سوقها الشعبي العتيق والذي وجدت فيه العديد من السلع التقليدية المحلية الصنع. أخذت في هذا السوق العديد من الصور لحياة الناس والحوانيت القديمة القابعة في قلب حصن البيت العربي. ابتعت بعض القهوة التنوسية وأغاني الحياة لأبو القاسم الشابي وقضيت بقيت الوقت باحثا عن تمور دجلة النور التي طالما سمعنا عن جمال مذاقها وشدة صفائها.
كانت العبّارة التي ستقلنا إلى جزيرة قرقنة قابعة على ميناء صفاقس في انتظار ركابها سواء من السياح أو من سكان الجزيرة العائدين من نواحي تونس المختلفة. فضلنا أنا وزميلي الكراسي العلوية رغم حرارة الجو في ذلك اليوم إلا أن متعة النظر إلى بيوت صفاقس القديمة الممتدة على طول الشريط الساحلي أنستنا حرارة الشمس وخاصة بعد ابتياعنا قبعتين ساعدتانا على كسر حدة أشعه الشمس. قبل الوصول إلى الأفق شدني منظر سعف النخيل المغروس على سواحل الجزيرة الضحلة وعلى شكل خلجان مثلثة وفي نهايته دائرة مفتوحة من مكان ضيق عرفت فيما بعد انها طرق أهل الجزر في صيد السمك وتسمى (شرفيا) فتعجبت من استمرارية هذه الطريقة التقليدية في الصيد.
وصلنا إلى جزيرة قرقنة في الساعة الثانية بعد الظهر، وهي جزيرة ملأى بأشجار النخيل وأشجار التين الشوكي. يتميز أهلها بمحافظتهم على هويتهم التقليدية التي ظهرت على ملابس الشخص الذي استقبلنا في بهو منتجع قرقنة السياحي والذي قضينا فيه نهار ذلك اليوم. اتجهنا في المساء إلى متحف تاريخ الجزر والذي أسسه أحد رواد الفن التشكيلي فحوله بجهود أهلية إلى متحف متكامل يوضح يوميات سكان الجزر وحضارتهم القديمة ونماذج مصغرة من المراكب التي يستخدمها أهل الجزيرة.
شدني في هذا المتحف هيكل عظمي هائل لحوت قد نفق على شاطئ الجزيرة وأخذه القائمون على المتحف وقاموا بترميمه. استمتعنا بغروب الشمس من على قمة سقف المتحف وفي المساء تناولنا (الكسكسي) التونسي الذي أعدته زوجة الفنان بشكل جميل قبل أن نستقل الحافلة عائدين إلى المحرس.
في الثالث من أغسطس كان الختام الرسمي للمهرجان في إحدى قاعات الاعراس القريبة فقام والي صفاقس بتوزيع الميداليات على المشاركين والجهات المساهمة. اتجهنا بعدها لافتتاح المعارض التي تحوي إنتاج الفنانين المشاركين بالمهرجان فكانت وسائل الإعلام تجوب المعارض وتلتقي بالفنانين وتجري معهم اللقاءات الصحفية التي نشرت في صباحات الأيام التالية. في نفس المساء أخذ المشاركون تبادل أرقام الهواتف والعناوين للتواصل وأجتمعنا أنا وزميلي بالفنان الهادي الطرابلسي وهو مدير سابق للجمعية التونسية للتربية الفنية بصفاقس ومؤسس لمجموعة رؤى التي عرض علينا الإنضمام إليها بغرض إثراء حركة التشكيل العربي وبث روح المبادرة بين أعضائها من خلال تنظيم المعارض الدورية من فترة إلى أخرى في بلدان عدة.
في اليوم الأخير توجهنا منذ الصباح الباكر إلى صفاقس مودعين المحرس وفي جعبتنا الكثير من الذكريات الجميلة شاقين الطريق بالـ(ميكروباص) عبر حقول العنب الوارفة ومزارع الزيتون الشاسعة التي تغازلها أشعه الشمس المشرقة في ذلك اليوم الممتع. أخذنا "ميكروباص" آخر من محطة صفاقس إلى العاصمة تونس عابرين من الجنوب إلى الشمال، عندها فقط شعرت بأن تونس الخضراء تسمية تستحقها هذه البلاد التي تلون آفاقها باللون الأخضر وتؤطر حقولها بأشجار الصنوبر والسنديان في أماكن كثيرة منها لتتزين كأنها عروس مغاربية على حوض البحر المتوسط لتزيد جمالا بأبيات شاعرها الأوحد ورمزها الأول أبو القاسم الشابي عندما يقول :
أنا يا تونس الجميلةُ في لج الهوى قد سبحت أي سباحة
شرعتي حبك العميق وإني قد تذوقت مُره وقراحه
ودعنا تونس عبر مطار تونس قرطاج في يوم تمتزج فيه مشاعر عديدة ففرحة العودة إلى أرض الوطن يكدرها ألم فراق أرض تونس الجميلة وشعبها الطيب المضياف، ممزوجة بآهات ابو القاسم الذي صاحبني ديوانه طوال رحلتي إلى أرض السلطنة.

* سلمان بن عامر الحجري

أعلى


 

المثقف العماني ودوره في إطار التنمية الثقافية المستدامة في المجتمع
الفكر العماني المنبثق من روح العقيدة الإسلامية السمحة علّم المثقفين العمانيين أن الثقافة والفكر لا تعرف الحدود ولا الإقليمية
التحدي الذي تواجهه البشرية اليوم وعلى رأسها مثقفيها يكمن في نظرتها إلى مفهوم تفاعل الثقافات والتواصل الثقافي

إن أهمية الحديث عن المثقف ودوره في إطار التنمية المستدامة إنما تنبثق من أهمية الثقافة نفسها وحاجة المجتمع إليها، وعند التطرق لدور المثقف في التنمية فمن المهم الإشارة إلى تباين آراء الباحثين والمفكرين بمختلف تخصصاتهم واهتماماتهم حول مفهوم المثقف، فالبعض يرى أن مفهوم المثقف بشكله المبسط يعني منتج الثقافة بأنماطها المتعددة، في حين أن البعض الآخر من الباحثين والكتاب يرى أن المثقف، هو الذي يمتلك قدراً من الوعي والرؤية والثقافة والاطلاع على الأنماط المتعددة للثقافة.
وهذا الأمر يتطلب جهداً متواصلاً من المثقف لمتابعة حركة التطوير والتحديث لأنماط الثقافة المختلفة. فالمثقف هو الذي يطور الأساليب والأنماط السلوكية والثقافية، ويزودها بالعناصر والمعطيات الجديدة التي تقتضيها ظروف الزمان والمكان، وتتطلبها حاجات الناس وضروراتهم في كل زمان ومكان فهو رقيب وهو صاحب موقف من القضايا الاجتماعية المطروحة، وهو مطور وقارئ جيد للمستقبل ولسيناريوهاته المحتملة في نفس الوقت، وهو قادر على التعامل بإيجابية مع ثقافة العولمة، وانتقاء العناصر الجيدة منها وترك العناصر الرديئة في ضوء المعايير المتسقة مع التصور الاجتماعي العام (علي مدكور، 2001: 160).
ولعل ما سبق يشير بوضوح إلى ضرورة أن ينطلق دور المثقف في التنمية الثقافية في المجتمع في الألفية الثالثة من أربعة جوانب رئيسة تشكل بمثابة معايير للمثقف المتميز وهي: مدى قدرة المثقف على المواءمة بين الأصالة والمعاصرة. ومدى إيمان المثقف بمفهوم التواصل الحضاري والثقافي وتقبل الذات والآخر. ودور المثقف في تعزيز الهوية الذاتية والثقافية. والإجراءات والمبادرات التي قام بها المثقف لتعزيز دوره في تحقيق التنمية المستدامة في المجتمع.


لماذا الحديث عن دور المثقف العماني؟
إن الحديث عن دور المثقف ينبني على مجموعة من المبررات، فلعلنا ندرك جميعا جوانب التطوير الحاصلة في المجتمع العماني في ظل العهد الزاهر لجلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ، وتأكيد جلالته على أهمية تحقيق التنمية المستدامة في جميع مجالات الحياة والتي يعتبر الإنسان العماني هو غايتها، مما يعني ضرورة أن يسهم الإنسان العماني بدور فاعل في تحقيق متطلبات هذه التنمية وتعزيز دور السلطنة في الحضارة الإنسانية المعاصرة، مما يعني ضرورة أن يقوم المثقف العماني بدور فاعل في خدمة قضايا التنمية المستدامة للمجتمع، وأن يكون له دور بارز في خدمة القضايا الاجتماعية والإنسانية والفكرية والاقتصادية في مجتمعه، سواء على المستوى المحلي أو الخارجي، ولا شك بأن المثقفين هم أول من يعنيهم شأن التطوير والتجديد وتعزيز قيم الانتماء والولاء لهذا المجتمع.
كما أنه من نافلة القول أن نعلم جميعا أنه لا يمكن وضع سقف للتقدم الثقافي في عالم سريع التطور، دائم التغير بل والتحول، فتصُّرف من هذا النوع يعني وقف نمو المجتمع وتطوره، والإخلال بشروط بقائه ونمائه. ويتفق الباحثون على أن البشرية تمكنت خلال العقد الماضي من تحقيق تقدم علمي هائل ربما يفوق ما استطاعت أن تنجزه خلال تاريخها على هذا الكون بأكمله، "حيث أصبح حجم المعرفة يتضاعف بمتواليات هندسية يصعب ملاحقتها ومتابعتها في كل التخصصات. كما أن العولمة الكونية والاتساع في مجال المعرفة والتكنولوجيا والاتصالات، وكذلك واقع التنمية المستدامة التي تشهدها السلطنة وعمليات التطوير والتحديث الجارية في كل مجالات الحياة ومنها المجال الثقافي أو التنمية الثقافية والتي بلا شك تعتبر ركيزة أساسية للتنمية الشاملة في المجتمع، والدور الذي ينبغي أن يقوم به المثقف العماني في سبيل تحقيق ركائز التنمية الثقافية، كل ذلك يشكل مبررات مهمة في سبيل تفعيل دور المثقف في تحقيق التنمية المستدامة في المجتمع.
ولعل تلكم التظاهرات الثقافية المتنوعة التي تشهدها السلطنة في إطار التنمية المستدامة والتي منها على سبيل المثال لا الحصر: مسقط عاصمة الثقافة العربية 2006م، مهرجان مسقط، معرض مسقط الدولي للكتاب والفعاليات الثقافية المصاحبة له، المنتدى الأدبي، ونادي الصحافة، ومهرجان الشعر العماني ومهرجان صلالة السياحي وغيرها، تحتم ضرورة أن يكون المثقف العماني على وعي بمتطلبات التنمية والاستجابة الواعية لمطالب المجتمع المتطورة.
ولا شك فإن هذه الاحتفاليات الثقافية تفرض دورا كبيرا على مستقبل الثقافة والمثقف العماني، وتفتح المجال أمام الشباب العماني نحو الإبداع والمشاركة الفاعلة والتميز الهادف والتألق في سماء النجومية، وفي نفس الوقت تسهم في تحقيق التواصل الثقافي بين المثقفين على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.
وفي ضوء الطرح السابق لمفهوم المثقف وخصائصه ومبررات الدور الذي يقوم به، يمكن القول أن تحقيق المثقف العماني لدوره في التنمية المستدامة، وفاعلية هذا الدور تتطلب منه أن يكون واعيا ومؤثرا في مجتمعه من خلال تبني مجموعة من الحقائق التي تشكل ثالوث التميز في أداء المثقف في الألفية الثالثة، وتعتبر دعائم التنمية التي ينشدها المجتمع ويجدها بين أبنائه، وما من شك فإن المسؤولية تبقى على المثقف أكثر من غيره فإنه منوط به ترسيخ مفاهيم الولاء والانتماء والحوار وتقبل الآخر.


المثقف العماني ومنهج تفاعل الثقافات:
وإزاء هذا الحجم المتنامي من المعرفة الإنسانية التي تميزت بأنها لا تتحدد في حدود معينة في ظل التقدم التكنولوجي ووسائل الاتصال الحديثة حتى أصبح العالم قرية صغيرة، يأتي أهمية انفتاح الثقافات المتنوعة المتباينة على بعضها، هذا الانفتاح الذي يسمح بالحوار وتقبل الآخر والتفاهم والمشاركة البنّاءة من أجل الإطلال على آفاق جديدة من عوامل الثقافة ومكوناتها. إذ أن هذا التفاعل الحر والحوار المشترك هو الذي يؤدي في حقيقية الأمر إلى الوصول إلى ثقافة عالمية، يتوحد عليها البشر في يوم من الأيام. ولعل شريعتنا الإسلامية التي تشكل المصدر الأساسي في التشريع في المجتمع العماني وما حملته من قيم التسامح والحوار والمشاركة الفاعلة وسلوك الرسول الكريم في تحقيق هذه المفاهيم أكبر دليل على الأثر الذي تحدثه هذه المنهجيه في تطوير المجتمعات ونقلها من حالة التخلف إلى حالة التطوير والمشاركة الفاعلة في الحضارة الإنسانية. فعلاقة المثقف بمحيطه الداخلي بما فيه من ثقافات وبالعالم الخارجي بما يحمله من قيم ينبغي أن تكون علاقة أخذ وعطاء لا مجرد أخذ فقط، ولا سيما أن لدينا الكثير مما يمكن أن نعطيه، إذا كنا واعين لما لدينا، وقادرين على استثمار ثمرات الماضي بأدوات المعرفة الحديثة، وعلى تجديد هذا التراث ثم الزيادة عليه عن طريق العمل المبدع الخلاق (محمود إبراهيم، 2006). وفي تأكيد مبدأ التواصل الثقافي للمثقف يأتي أهمية الفهم لثقافة الآخر وتأكيد ثقافة الحوار في تقريب وجهات النظر ومتابعة المثقف لكل جديد في المنظومة العالمية ومشاركته في صنع المستقبل المنظور لأمته ومجتمعه. فبالحوار أو التواصل الثقافي يمكن أن نحظى بهذا المستوى العالي من (الفهم المشترك)، وإذا استطعنا أن نحظى بهذا المستوى العالي من الفهم المشترك، يستطيع المرء منّا أن يمارس ملكاته الرفيعة من البداهة والحكمة والقيم الفاضلة، ويصبح من الممكن فحص جزئيات القضية المطروحة والانتقال من المنظور الضيق إلى الأوسع، ومن خلال تبني رؤية "الفهم المشترك"، يتأكد مبدأ التعاون المشترك الذي يزيد من التفاعل الخلاق ويعزز الاتجاه نحو صنع القرار المشترك (محمد الفيومي، 2003).، فالتحدي الذي تواجهه البشرية اليوم وعلى رأسها مثقفيها إنما يكمن في نظرتها إلى مفهوم تفاعل الثقافات والتواصل الثقافي.


المثقف العماني والمواءمة بين الأصالة والمعاصرة:
تأتي المواءمة بين الأصالة والمعاصرة من أهم التحديات التي تواجه المثقف ودوره في التنمية المجتمعية المستدامة، بحيث يجمع بين موروث أمته الحضاري والثقافي وينطلق منه نحو العالمية، بما يحفظ الثوابت الوطنية. كما أن ترجمة مفهوم الأصالة يرتبط بمدى معرفة المثقف بالأمة التي ينتمي إليها في ماضيها وحاضرها وما يتوقع لها، وذلك بغض النظر عن طبيعة اختصاصه، إذ من المهم أن يكون على بينة بالموروث الثقافي والقيمي والحضاري الذي يتميز به مجتمعه وأمته عبر القرون المتعاقبة، ثم الحالة الراهنة التي عليها مجتمعه وما يتطلع إليه في المستقبل، وإذا كنا ندرك أن العصر الذي نعيش فيه هو عصر تفجر معرفي لم يسبق له مثيل، فإن إلماما بقدر كاف من أنماط المعرفة المعاصرة، وإطلاعا كافيا على أحوال العالم الخارجي يصبحان ضرورة من ضرورات المثقف (محمود إبراهيم،2006). وإذا كانت الثورة الثقافية - كما يرى البعض- تعني أن تجعل من الماضي حياً من جديد، عن طريق دمجه بالممارسة الاجتماعية والحضارية الفعلية، فإن ذلك يتطلب توليد ثقافة جديدة تستطيع أن تستوعب العلم والتكنولوجيا اللذين يعدان من العناصر المحركة والمغنية للثقافة، وهذا لا يتم إلا إذا غدت قيم التراث واتجاهاته قيماً متحركة حركة حية، تتوافق مع ما يستلزمه التقدم العلمي التكنولوجي، فالتراث الثقافي شيء ثمين، تزداد قيمته عندما نجدده ونملأه بالديناميكية والحركة، ونجعل منه حافزاً على بناء حاضر جديد ومستقبل جديد، والماضي يظل مغنياً ما حافظ على هذه الرموز المحركة، ولا يغدو تخلفاً وجموداً إلا حين تفقد هذه الرموز معناها.


المثقف العماني وتعزيز الهوية الوطنية:
عندما تُطرح قضية الهوية الثقافية بجانبيها الخصوصية والعمومية الثقافية مقرونة بعنصري الأصالة والمعاصرة، يأتي دور المثقف في محاولة العمل الجاد والواعي في إيجاد تمازج في الفكر من أجل إحداث تغيير إيجابي وفاعل في عملية البناء الثقافي والاجتماعي في المجتمع. ومن المؤكد أن الثقافات الإنسانية درجت منذ فجر التاريخ إلى السعي بشتى الوسائل والطرق نحو المحافظة على تميز الهوية الثقافية، مما يجعلها تكتسب خصوصية تسمو بها عن سائر الثقافات، تلك الخصوصية التي تجعل أعضاءها يزدادون انتماء بها وإليها مهما علت درجة تلك الثقافة أو هبطت لأنها في النهاية جزء من الكيان الإنساني ذاته والذي يحرص الإنسان دوما على حمايته وصونه رغبة في حب الاستمرار وغريزة البقاء (محمد إبراهيم، 1999: 139- 142). غير أن قيام المثقف لشخصه بهذا الدور لن يتحقق إلا من خلال دعم مؤسسات المجتمع للثقافة والمثقفين، وتبصيرهم بأدوارهم، ومشاركتهم في عملية التطوير والبناء، وجعلهم في مقدمة من يعنيهم شأن التنمية المستدامة، وتجسير الهوة بين المثقفين والقيادة السياسية والمثقفين وفئات المجتمع. وعندما تتوافر لدى المثقف هذه القاعدة العريضة من الدعم والمساندة من جميع مؤسسات المجتمع وهيئاته، وعندما تتاح له فرص التعبير الهادف والرؤية الواعية في الاستفادة من قدراته وإمكاناته، وتهيئة الظروف الملائمة لعمل المثقفين، وذلك بمشاركة المثقفين جميعهم في عملية البناء والتطوير نحو مزيد من الخلق والإبداع والابتكار، وتوفير المناخ التشاركي الذي يتيح حرية التعبير وحرية الكلمة وفق رؤية اجتماعية واعية تتحمل المسؤولية بصدق وأمانة بمشاركة المثقفين وصانعي القرار ومنفذيه في المجتمع، فإنه وبلا شك سوف يساهم في نقل المثقف من مرحلة الجمود الفكري إلى مرحلة من النضج والانفتاح المتوازن الواعي.


المثقف العماني ورؤية التنمية المستدامة:
إذا كانت الثقافة في معناها الواسع تشمل جميع الإنجازات الاجتماعية والثقافية المتراكمة عبر السنين التي تكوّن تراث المجتمع، سواء كانت أعمالا فنية أو فلسفية أو أدبية أو علمية، فبلا شك فإن التراث العماني الضخم الذي تشكل عبر آلاف السنين من تاريخ عمان يعبّر عن صفحة مشرقة في تاريخ الثقافة والمثقف العماني على مر العصور. ويأتي الموروث الحضاري الثقافي العماني بما فيه من عادات وتقاليد وفنون شعبية أحد الدعامات الأساسية التي يقوم عليها التراث الثقافي العماني، فالمجتمع العماني يتميز بعاداته وتقاليده الاجتماعية التي تشكل عنصرا حيويا من ثقافته وتراثه الإسلامي والوطني والحضاري، وهو بجميع فئاته وأفراده تحكمه هذه السلسلة من العلاقات والأعراف والقيم والعادات والتقاليد الإيجابية التي امتزجت بفعل حركة الزمن وتطوره، وإلى جانب العادات والتقاليد التي يزخر بها التراث العماني، فإن هناك الثقافة الشعبية العمانية التي تتميز بكونها أصيلة حية ومباشرة تتميز بالشفافية والحكايات الشعبية والقصائد الشعرية. على أن الفكر العماني المنبثق من روح العقيدة الإسلامية السمحة، قد علّم المثقفين العمانيين أن الثقافة والفكر لا تعرف الحدود ولا الإقليمية فهو كالهواء والكلأ ملك عام للأمة، وأن كل فرد من هذه الأمة له الحق فيه، كما أنه على كل فرد أن يُخرج ما في مقدوره للآخرين، هذه الرؤية التي يؤمن بها المثقف العماني ساهمت بما لا يدع مجالا للشك في تحقيق الانفتاح العماني على العالم الخارجي، وتفاعل المثقف العماني بشكل لم يسبق له مثيل مع الأحداث المعاصرة له على مر العصور، مما ساهم في بروز قمم أدبية وثقافية على الساحة العمانية حق لها أن تتبوأ مكانها اللائق بها بين أقرانها في العالم العربي. وإذا كان للمجتمع العماني تلك المقومات الثقافية الكبيرة التي يمكن أن تشكل المنهج الذي يمكن أن يبني عليه المثقف العماني دوره الثقافي والحضاري والإنساني في النظام العالمي الجديد، فإنه لحري به أن يستلهم من تلك المقومات ما يسهم في تحقيق التواصل الثقافي مع الآخر سواء كان التواصل محليا بين المثقف وفئات المجتمع العماني، والمثقف والقيادة السياسية في الوطن والتي تقوم على تأكيد وتعزيز مفهوم الولاء والانتماء والتربية المواطنية المميزة.
وأخيرا يظل النطق السامي لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ في زيارته التاريخية لجامعة السلطان قابوس "نحن لا نصادر الفكر"، نبراسا يضيء الطريق ويستلهم منه أبناء عمان معاني التفاؤل والتجديد والأصالة والمعاصرة التي ينبغي أن يضعها المثقف العماني نصب عينيه، كما أن إيمان القيادة الحكيمة لباني نهضة عمان الحديثة بأن تحقيق الإنسان العماني الهوية العالمي الفكر والرؤية، الذي يدرك الأمور وينظر إليها بمنظور المستقبل مع التزامه بالثوابت هو غاية التنمية الوطنية؛ سوف يعّزز من دور المثقفين العمانيين في المجتمع نحو مزيد من الإبداع والإنتاج والمشاركة الفاعلة في تحقيق التنمية المستدامة، ويبقى هنا على المثقف جدية الرغبة في التواصل والتجديد واستخدام منهج التحليل في رصده للأمور والنقد الهادف البناء في تعاطيه لقضايا وطنه والتي يسعى من خلالها إلى تقديم البدائل والحلول وبناء أسس الحوار والفهم للذات والآخر.
* باحث عماني


المراجع:
إبراهيم، محمد( 1999م)، الثقافة العربية وتحديات العولمة، مجلة شؤون اجتماعية، العدد ( 61)، السنة( 16)، ص ص 133- 163.
إبراهيم، محمود ( 2006م)، المثقف العربي: الصورة المثلى له، المجلة الثقافية، عدد (20)، الأردن، الجامعة الأردنية.
خليل، زهير ( 2006م)، دور التنمية الثقافية في بناء المجتمع، مجلة الثقافة، العدد (3)، كانون الثاني، 2006م، ص ص: 58- 60.
السنوي، معتصم ( 1999م)، المثقف العربي والتحديات الجديدة التي تواجه الأمة العربية، المجلة الثقافية، العدد(46)، الأردن، الجامعة الأردنية.
الفيومي، محمد ( 2003م)، قيم الحوار وإشكالية التحدي الحضاري، سلسلة محاضرات ليالي رمضان لعام 2003م، الكتاب الأول، سلطنة عمان، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ص ص 78 - 100
مدكور، علي ( 2001م)، الثقافة في عصر العولمة، مجلة الأمانة، العدد(13)، أكاديمية السلطان قابوس لعلوم الشرطة، ص ص 158- 162.
الأنصاري، محمد جابر ( 1992م)، التفاعل الثقافي بين المغرب والمشرق، بيروت، دار الغرب الإسلامي.


د. رجب بن علي بن عبيد العويسي
باحث عماني

أعلى





قراءة في كتاب (رحلة طبيب في الجزيرة العربية) للطبيب الأميركي هاريسون

من الكتب الممتعة التي أصدرتها منذ سنين طويلة وزارة التراث والثقافة، كتاب (رحلة طبيب في الجزيرة العربية) هذه الرحلة التي يمكن أن يستشف منها القارئ تفاصيل اجتماعية عن المكان البكر للجزيرة العربية، قبل تشكل الوجهة الحداثية للمكان وامتلائه بالعمران.
ومن أهم ما يميز هذا الكتاب هو مراميه الإنسانية التي قصد منها الكاتب رحلته ، وتجشمه مشاق الطريق من أجل الوصول إلى مرضاه، إلى جانب ما يعتري هذه الرحلة من مفارقات وطرائف متفرقة.
يشير الكاتب إلى مقصده من هذه الرحلة في مقدمة كتابه بقوله "كان السؤال الأول الذي تردد في ذهني كثيرا في السنة الأخيرة لإقامتي في جونز هوبكنز، هو أين تنوي الإقامة؟ وكانت الإجابة: في الجزيرة العربية. وقد اخترت الجزيرة العربية بالذات حيث أن الأطباء هناك قليلون ، ولذا فهم يتخصصون كما يريدون ، ويباشرون من فروع الطب ما يشاءون. وهكذا وجدت نفسي في طريقي إلى هناك مرورا ببومباي، ومنها الى الجزيرة العربية ، وفي تلك المنطقة وجدت حاجة الناس أكبر بكثير مما كنت أتوقع".
كذلك ثمة ميزة إضافية للكتاب، وهو الجانب الإيركولوجي الذي يتميز به الوصف، حيث يتلمس القارئ صورا موحشة عارية للجزيرة العربية بصفة عامة ولعُمان بصفة خاصة، وذلك لأن الكاتب أقام في مسقط وتجول في مختلف أرجاء عُمان فترة كبيرة من الزمن حتى ولكأن القارئ يظن بأن الكتاب لم يكتب إلا عن عمان، أو ربما بأن الوزارة طبعت فقط الجزء المتعلق بعُمان وحذفت الباقي، يقول في ذلك: "أرسلتني الارسالية للعمل في مسقط ، وذلك بعد أن اعتاد لساني على مبادئ اللغة العربية. ومسقط هي عاصمة عُمان، وهي أول ميناء للجزيرة العربية ، إمبراطورية من الصخور العارية ، ومن سلسلة الجبل الأخضر الذي يرتفع إلى سبعة آلاف قدم، يستطيع الانسان أن يرى الكتل الكبيرة الممتدة إلى أقصى ما تستطيع العين أن ترى ، وتجري الوديان بين الجبال، ولكن شهرة مسقط العالمية تعتمد على حرارتها، ذلك أنها تقع على مدار السرطان. وتقوم الجبال الصخرية العارية الموجودة هناك بوظيفتين هما:
صد النسيم وإبعاده.
الاحتفاظ بالحرارة، ولذلك تعرف مسقط بأنها واحدة من أكثر ثلاث مناطق في العالم عاش فيها البيض.
ومن المواقف الطريفة المتعلقة بسياق الحرارة ، والتي تعرض لها الكاتب هو هذا المقطع الذي حدث له في مستشفى الرحمة بمطرح، وهو مستشفى تاريخي معروف ليس على مستوى عمان فحسب إنما على مستوى المنطقة بأسرها: "كنت اكتب خطاباتي أثناء الليل وأنا عار حتى الخصر بسبب الحرارة المرتفعة التي كانت تجعل جسدي يتصبب عرقا، وذات ليلة خرجت من انشغالي لكي اتحقق من احدى قطرات العرق وكانت تجري فوق ظهري ولكن الغريب انها كانت تجري لأعلى مما دعاني لتحري الامر وأشد ما كانت دهشتي حين شاهدت حشرة صغيرة تتسارع ضد تيار العرق واتضح انها سيئة الحظ ولذلك انقذتها وتركتها تذهب لأني تأكدت انها تجد صعوبة في مناخ مسقط".
يتميز الكتاب بصراحة شعوره ووصفه الأمين للمشاهدات والطقوس والناس، يقول واصفا تجار مسقط في ذلك الوقت: "والتجار هم أبرز مواطني مسقط، الذين لا يتكلفون في المظهر أو الحديث ، حتى إذا ماحادثهم الملوك ، وهم أيضا مهذبون ، يتصفون بضبط النفس مع الجميع ، ولا نظير لهم من حيث دماثة خلقهم ، وتصرفهم تجاه وجهات النظر الجديدة ، وايضا من حيث مقدرتهم على ابقاء خططهم على الكتمان ، وتحديد القرارات الخاصة بهم ، وهم مسلمون مخلصون، يملكون المناعة ضد الوطنية المحمومة التي زحفت الى العالم، حتى انهم ناقشوا نزاع فلسطين الحالي بلا تعصب أو تطرف على الإطلاق، وهم يؤمنون بأن هذا أفضل من الصراع العقيم الذي لا هدف له من أجل تحقيق المستحيل ، وهم واقعيون، يعرفون أن المدارس والتقدم الداخلي من خلال التعليم يجب أن يحدث أولا".
كما يتميز الكتاب بأمانته في تصويره للمشاهد التي شعرها وأحسها في رحلته الطويلة،الأمر الذي يضعنا أمام سجل ضروري لتلك المرحلة وألبوم صور تعبيرية وأحداث عنها، حيث لا يخلو الكتاب من تصوير للملابس التي يرتديها الناس، وانطباع عين الرجل الأجنبي واندهاشه منها. يقول متحدثا عن فقدان الأمن في تلك الفترة انعكاسا للقلاقل السائدة آنذاك: (وقد كان تاريخ المنطقة تكرارا مملا للدسائس والاغتيالات والتمرد والشغب والحروب، كبيرة كانت أم صغيرة ، وليس من قبيل المصادفة أن زي الرجل العادي يحتوي على البندقية وحزام الخرطوش، والخنجر المتقوس الرهيب. فحمل السلاح ضروري، ففي نفس هذه الزيارات إلى صحار طلبت من رئيس ادارة الجمرك أن يرسل رسالة ما الى صديق، فدعا واحدا من خدمه ، وأعطاه الرسالة ، فقال له الخادم: "ليس من الممكن أن أذهب الآن ، فقد تركت بندقيتي في البيت" فارتبك المدير للحظة ، إذ من الواضح أنه من المستحيل أن يخرج بدون هذا الجزء من بزته. وهنا قال المدير "حسنا ، خذ بندقيتي إذن" وهكذا أخذ الرسول بندقية سيده ، وأصبح قادرا على الخروج وحمل الرسالة).
وفي حديثه عن الصحراء يبرز لنا الكاتب عبارات لا تخلو من تأمل واضح وشعور قوي بالمكان من ذلك قوله: (فالشمس هناك تكفي مدينتين، بينما لا تكفي الأمطار مدينة واحدة ، لهذا ينظر الزائر الى عُمان وهو مشفق عليها).
وكذلك عبارة من مثل: ( عندما نرى الماعز، نعلم أن الراعي في مكان قريب).
وكذلك عبارة من مثل: ( لكن حياة البدو مليئة بالحرية، ورغم الحالة الاقتصادية السيئة فهم لا يهتمون بذلك بل يعيشون في سعادة ، وهذا انتصار للروح البشرية، واذا افترضنا ان الحرية والمساواة والاخاء هي أسمى قيم الحياة، يكون البدو، على صحة هذا الافتراض، هم أغنى الناس بهذه الصفات على الأرض).
ومن قوله كذلك في مكان آخر: (والبدو يتجولون أثناء النهار في درجة حرارة كبيرة، وهم لا يحملون معهم كسرة خبز، وقد اعتادوا على ذلك ، وحتى إذا حل الليل فإنهم يطلبون القهوة قبل أي شيء آخر، إذ أن البدوي لا يبدأ طعامه إلا بعد أن تختلط العصارة المعدية بقليل من القهوة ، وفي كل مساء كان طاهي العربة يشعل نارا ويصنع القهوة في إناء ، والقهوة هي شرابهم المنعش).
وفي حديثه عن النخلة وسلام ظلالها يقول: (عرب الواحات يعيشون بأشجار النخيل ومن أجلها. وإذا ماسألت هؤلاء الناس لماذا لا ينوعون محاصيلهم، ولماذا لا يهتمون بنوع آخر من الأشجار؟ فلن تجد الاجابة ، وان لم يكن هناك مجال للشك في أن أشجار النخيل في الجزيرة العربية تساعد على وجود حياة بشرية ، والبلاد ككل تعد صحراء خالية ، ودرجة الحرارة هناك مرتفعة للغاية، وتعتبر الواحة الموجودة حول الينبوع المتدفق مكانا جميلا جدا فهي موطن حقيقي للسلام).
فالكتاب رغم أنه لا يخلو من قسوة وتناقضات، ولكنه يرصد شعورا مباشرا لما تراه عين رحالة أجنبي، كما أنه يعكس بالدرجة الأولى جانبا من حياة الجزيرة العربية قبل اكتشاف النفط ، ونهوض دول الجزيرة بالعمران والإنشاءات الجديدة التي حولت حياة الصحراء القاحلة إلى حياة محتملة ومعاصرة.
محمود الرحبي*
* قاص عماني


أعلى






( ديار الأحبة)
دار الحاجة معزوزة الدرزية

الباب القديم ، المدخل الرئيسي للعائلة في الزمن الكريم ، هو التالي ، الذي يطل على مدخل الزقاق .. والنصف الآخر ، من الدار ، تقيم فيه الأم الكبيرة والشقيق الأصغر ، وأخته الصغرى . الدار ، كانت فيما مضي .. دارا واحدة ، كبيرة ، مترامية الأطراف . تخص الحاجة معزوزة حمدان الدرزية ، عندما تزوجت علي حبوه الغول ، في الزمن البعيد ، قبل مولدي.
حكاية هذه الدار اسمعها من الأهل والجيران ، عندما تأتي سيرة العائلة في سهرات المساء . عندما تزوج سالم الأخ الأكبر ، قسمت الدار بين الأخوين ، وظلت هي بعد موت زوجها تقيم في غرفة السطح مع ابنتها ، الغرفة العلوية.
تقع الغرفة في حصة ابنها الأصغر ، الذي حصل على غرفة كبيرة من الطوب الآجر ، عند تقسيم الدار. أغلق بابها من الممر الضيق المؤدي إلى شقيقه الكبير ، وفتحه ناحية الباب الرئيسي..
وغرفة كبيرة تطل على الزقاق ولها نافذة تفتح على البحري ، تظل النافذة مشرعة بالليل والنهار لدخول الهواء الرطب في الصيف . النافذة لها قضبان من الحديد الصدأ .. خلف الدار حجرة كبيرة مثلها ، يفصل بينهما دهليز ضيق. عتبة الباب من الأحجار البيض وفوق جبهة الباب خشب وأحجار وجانبي الباب من الطوب الآجر . الباب ثقيل وضخم ، لا يغلق طوال النهار وجزء من الليل ، يظل مواربا ، دوما . على يسار مدخل الباب الخشبي الكبير ، توجد غرفة المنظرة القديمة المقامة بالطوب اللبن ، والمونة من الطين والتبن ، السقف من الكتل الخشبية الغليظة .. كانت فيما مضى معدة وجاهزة لاستقبال الضيوف ، أيام المرحوم علي حبوه الغول..
هل يفتحون الباب للسؤال عن خصلات الشعر من الكلب الذي عضني ؟ عندما طرقت الباب جاء صوت أصغرهم ، بهيجة ، أجمل ما في العائلة !! الابتسامة المرحة لا تفارق وجهها الأبيض كاللبن الحليب . نشاهدها وهي في طريقها الى الترعة الجنابية لتملأ زلعتها بالمياه وتعود مع أترابها ، مبتسمة ، كلماتها حلوة ، هادئة ، مليحة ، ثيابها نظيفة ، شعرها طويل وناعم ، غطاء الرأس من الحرير الملون . لا أحد يصدق أن هذه الصبية هي أخت سالم البغل . له في خلقه شئون . فرع واحد من شجرة ، نجد فيه برتقالة حلوة وأخرى مرة ، لا مذاق لها . الأصل واحد والفرع واحد..
الأخ الأوسط ، اسمع عنه ، ولم أشاهده مرة واحدة في حياتي ، اسمه يتردد بين الرجال والنساء في رهبة وخوف ، أبو مناع غول الليل ، أعرف أن له دارا صغيرة .. تقف علي الجانب الآخر من الزقاق..
عندما وجدتني أمامها سألتني وهي تميل نحوي: أنت ابن من ياحلو ؟! أخبرتها .. وقبل أن تستكمل طرح أسئلتها ، جاء صوت أمها من الداخل : من يا بهيجة ؟ أجابت ، ابن الشيخ .. عقبت الأم الكبيرة : أدخليه . تعال يا ابني...
باحة الدار بها غرفة أخرى من الطوب النيئ ، وفناء للدار وزريبة للدواب وخن أرانب وعشة دواجن ، وسلم له درج خشبي عتيق للصعود لغرفة السطح ، وخلف الدرج يقف الكنيف. والفرن تفوح منه رائحة الأرز الدسم ، والدخان وبقايا النيران الخامدة.
في الداخل زوجة الابن الأصغر ، ترضع ولدها البكر، الأب يرتدي ثوبا فاتحا ونظيفا ، حليق الشعر ، تعلو رأسه طاقية مزهرة من القماش الناصع البياض ، قالت الأم الكبيرة تسألني : خيرا .. يا ابني ؟ . أجبت ، أريد خصلة شعر من كلب العائلة . كلبكم . سألت عن السبب ، أخبرتها بأنه عضني . قالت بهيجة : أرني العضة !!. كشفت لها عن فخذي من الخلف ، قالت بألم : يا حبة عيني !! . عقبت الأم البدينة بحذر : كلب العائلة ياضنايا ، أخذه عمك سالم ، الله يسامحه. ونظرت ناحية ولدها وسألته : والحل ياحسين ؟ . اعتدل الشاب في جلسته وقال : المشكلة ، هي قص خصلة الشعر من الكلب . سألت الأم : لمه ؟! أجاب : أين نجده الآن ؟ أجابت بهيجة بعفوية : الكلب فوق السطح .. قال حسين : نطلب من سالم يقص لنا خصلة منه . عقبت الأم بضيق : الآن ، تجده في سابع نوم وشخيره يصل إلى آخر الزقاق .. بمجرد رجوعه من الغيط ، ودخوله من الباب يملأ جوفه وينام ، نجية العرسه .. لا تتركه يخرج إلى الزقاق أو يسهر مع الرجال قدام الدكان ... قاطعها ابنها بهدوء : نحن الآن في مسألة حل الموضوع ياحاجة معزوزة ، ولسنا في وقت الحساب معه . الأم الكبيرة ، لاتحب الزوجة التي تركب فوق رقبة زوجها . كيف تتحكم فيه امرأته وتركب فوق أكتافه وتسيره كما تريد ؟! هذا لايزيد عن بغل !! وعندما تأتي سيرته في الحديث تقول : سالم البغل ، لم يرضع من صدري .. بل شرب من لبن الحمير . وهي التي أطلقت عليه لقب البغل بعد زواجه من العرسة ، وتظل طوال اليوم في نقار وشجار معها لا ينتهي ، ولا أحد من الزقاق يعرف من البادئ ، ومن التي على صواب ، ومن هي المخطئة..
نظرت تجاه ابنتها ، يا بهيجة يا ابنتي ، اسألي عنه العرسة ، إن كان نائما أم مازال يملأ جوفه ؟ ثم ينام في حضن بياعة الفراخ ويشم رائحتها النتنه حتى الصباح . قال الشاب في خجل وهو ينظر لي : لا داع لهذا الكلام أمام كل واحد يا أمه . قالت بضيق : هل أخوك رجل ؟! عندما كان المرحوم أبوك يزعق ، كانت المرة الواحدة ترعبني . الله يرحم أيام زمان . انتهى زمن الرجال!!.
بهيجة اقتربت من الدهليز الضيق وهتفت : يا أم هاشم .عدة مرات ، بعد مدة جاء صوت المرأة في ضيق : خير يابهيجة ؟. سألتها : سالم نائم أم صاحي ؟ قالت المرأة في لؤم : أنت أدرى به ، الرجل من لحظة مايحط رجله في الدار ، ينام مثل البقرة الفطيس . عقبت الأم الكبيرة على رد زوجته : مثل البقرة التي وقعت في بئر الساقية ؟! قالت نجية : سامعه كلام أمك يابهيجة .. قالت الفتاة : معلهش يا أم هاشم ، لأجل خاطري ، ادخلي عليه الأوضة وتأكدي .. قالت المرأة بزهق : أنا بالي طويل على الآخر . جاء رد الأم الكبيرة : طويل أو قصير هي المرأة السافلة نيتها تتعارك معي على المساء . تدخل الابن : خلي صدرك واسع ياحاجة لحين نحل المشكلة.الولد صغير ولايحتمل عضة كلب . جاء صوت بهيجه تنادي : ياحسين تعال ، سالم قام من النوم . هرول ناحية الدهليز وأختفى ولم اسمع سوى الأصوات والهمهمات المتداخلة ، جاء صوت البغل متضايقا ، أنا فكرت القيامة قامت ، تقوم تقول الكلب عض الولد . مدعوق الكلب والولد في ساعة واحدة . جاء صوت حسين في هدوء : إنه ابن الشيخ .. رد الجلف بغلظة : ابن الشيخ ولا ابن الجن الأزرق.. يندعق هو على أبيه !!. هس ياسالم ، أنت قائم من النوم مسطول !! . لأ ، أنا لا أخاف من أحد ، أنا في عز وعي . هذه البلدة غسلت وجهها من بولهاالنجس . يأتي صوت الأخ الصغير : وطي صوتك .. نصرفه بالإحسان واللين .. لو جرى للولد مكروه أبوه لن يتركك في حالك . أهله عائلة كبيرة لن تستطيع أن تقف أمامهم .. قال بحدة مستنكرا : هو أنا كنت سيد البشير ؟!. رنت الكلمات في أذني ، سألت نفسي ، من يكون سيد البشير ؟! ماهي حكايته ؟! جاء صوت الأخ الصغير يقول محذرا : اسكت ولا تكمل .. فكر بعقلك . مرت برهة صمت ثقيل كأنما يزن الأمور في عقله المكور كالبطيخة الخائصة . سأل بدهاء وصوت مكتوم : أعرف منه لون الكلب الذي عضه . جاءت بهيجة : مالون الكلب ؟. لون الكلب . بعد مدة أجبت : أحمر غطيسي . رجعت وأخبرتهما . ارتفع صوته بخبث ليصل إليّ : كلبي لونه رمادي فاتح . قال حسين : ياسالم كلبنا ونحن نعرف لونه ، إنه عضاض ، هذه ليست أول مرة . إنه يعقر خلق الله ، لأنك تتركه جائعا طوال النهار . رد بجفاء : خذه عندكم وتولي أنت أمره . قال الشاب : أنت تعرف انني لا أحب تربية الكلاب إنها نجسة وتنقض الوضوء وتجلب الشياطين للبيت . نحن انتهينا من هذا الأمر منذ زمن ولا داع لإعاة فتح هذا الموضوع مرة أخرى . حسين عند قسمة الدار والغيط والدواب ، ناله الجاموسة ، لأنه يعول أمه وأخته وفوق الجاموسة حصل على حمارة وتنازل عن الكلب . ونصيبه في الدار أكبر من أخيه ، لأن حصة أمه وأخته معه . قال الأخ الكبير : دعني أنام . من الفجر سوف أقوم بري الأرض بالساقية قبل ما أحد غيري يسبقني . سأله الأخ الصغير: وخصلة الشعر ؟ أجاب : من سوف يصعد فوق السطح ويحايل الكلب ليقف ، ويقص منه خصلة الشعر. وأين المقص ؟! قال يستشيره : نبعث بهيجة إلى وديدة الخياطة تطلب منها المقص ...رد عليه الجلف : وديدة البندرية.. هي طيبة مثلك ؟! تعطل شغلها وثياب الزبائن لأجل عيونك أو عيون ابن الشيخ .. تصبح على خير . وأغلق النافذه الصغيرة بينهما . عاد الشاب في حزن صامتا. عقبت الأم البدينة : هو جبان !! لا توجد عنده مروءة . ربنا يبتليه مثل ما ابتلى سيد البشير ... خيم الصمت والوجوم علي الجميع . قال الشاب بهدوء ليزيل التوتر من أنحاء الدار: الإبتلاء إمتحان من عند الله يا حاجة معزوزة . لم تتكلم ، ربما تذكرت وجودي بينهم . قال الشاب وهو ينظر نحوي : والحل الآن ؟ سألتني : أين عضك الكلب ؟. أجبت: في بطن فخذي . قالت لابنتها : ضعي على العضة بن مطحون بالزيت يابهيجة يابنتي ، ينوبك صواب . قالت زوجة ابنها: الطخي عليها عجينة الحنه أو ورقة الخروع . إعترضت : عبادة المزين قال شعر محروق من نفس الكلب الذي عضني . قالت الزوجة الصغيرة بذكاء : ربما كلب آخر .. كلبنا طول النهار والليل فوق السطح .. عقبت الأم الكبيرة : يمكن كلب رزيق البياع .. وأضاف الشاب بهدوء : احتمال يكون كلب رزيق ، يستحسن تقوم تسأله . قالت بهيجة وهي تملأ الكوز من الزير الذي يقف بجوار الباب وقدمته لي قبل أن أغادر الدار: اشرب .. حتى تخرج منك الخضة..
وخرجت وتركتهم يتجادلون حول سالم . سالم البغل . يعلو صوت الحاجة مرزوقة الدرزية بينهم في غضب ، الجبان لا توجد عنده إنسانية ولا شفقة أو رحمة. وصوت الابن يقول لها : هدي نفسك . الولد خرج ، والشر بعد بعيد.
كلب عائلة الغول مشهور في عموم الناحية.. بالدهاء والمكر مثل أصحابه . عندما حضر السمّاوي ، صياد الكلاب .. هرب الكلب خارج الديار وأختفي في غيظ الذرة حتى المساء تسسلل وعاد إلى الدار..
ولكن الأيام لا تسير على وتيرة واحدة ، بعد مولد الحفيد الثاني ، اختطف الموت ، الشاب الهادئ الرزين ، ترك الجلف والبغل ..أختار العاقل الذي يقوم على رعاية أمه وأخته وزوجته وولديه . وقال الأهالي : لايبقى على المذاود .. إلا شر البقر !! . في إشارة خفية إلى أخيه . وخرجت خميسة الأرملة الشابة تعمل في الغيط ..والبيت لتقيم أود العائلة . وتزوجت بهيجة ، إبراهيم الدرزي ، واسكنها بيت له خلف الجامع القديم شرق البلدة ، واستمرت تحافظ على حلاوة كلماتها وحديثها ومرحها ، بالرغم من الحزن الدفين في أعماقها منذ مات الأب ، ثم موت الأخ الحنون .. لكن معاملة زوجها لها وكرمه الدائم ، عوضها عن كل هذا..
وظلت الأم الكبيرة ومعها الأرملة الصغيرة بالدار ، وبدأ الابن الكبير يساعد أمه في أعمال الفلاحة ، وهي تعمل في صمت وترفض كل من يتقدم لها..
وعندما كبر ولدها البكر ، وأضحى يعتمد عليه ويتحمل المسئولية . كان عبدالباري الطيب ، يسكن خلف بيتنا ، بحري الزقاق . بعد وفاة زوجه العاقر ، تقدم إلى الحاجة مرزوقة يطلب يد خميسة .. على سنة الله ورسوله . وافقت الأم الكبيرة عن طيب خاطر . عندما أخبرتها أن عبدالباري الطيب ، الرجل الذي يعتمد عليه ، تقدم يطلبها ، وإنها راضية عليه وتنتظر موافقتها .. رفضت الأرملة الشابة . أضافت الجدة الدرزية البدينة : ظل رجل ولا ظل حائط . الزواج ستره للواحدة من كلام الناس .. والمرأة لاتملك سوى سيرتها وسمعتها ، أصرت على الرفض ، لكنها فوجئت بابنها الكبير يخبرها بأنه موافق على هذا الزواج . فهو رجل شهم وعنده مرؤه ... قالت الجدة بحزن : كمال ياولدي ، أنت الآن أصبحت رجلا !! ما قلته أراح صدري ، كنت أفكر فيك أنت وأخيك الصغير ، الآن ، اطمأن قلبي عليكما . ونظرت نحو الأرملة ، وجدتها تميل برأسها نحو الأرض في صمت وحزن ، كانت دموعها تتساقط على ثوبها الأسود ، قالت موجهة كلامها لحفيدها الكبير : يكفيها أنها فقدت زهرة شبابها ، وهي تعمل في خدمتنا.. ولم نسمع أحد يتكلم عن سيرتها إلا بالخير.. توقفت الجدة وهي تربت على حفيدها الصغير ، وتحبس دموعها ، وتتجلد في حديثها حتى لا يفضحها صوتها : يكفيك هذه السنوات التي مرت ، وأنت وحيدة بلا رجل يهتم بك .. أنا موافقة وابنك ساعدني على الموافقة . والصغير لا تنع له هما.. سوف يصير في غمضة عين رجلا ، إنه يشبه أباه الخالق الناطق .. ربنا عوضني بهما عن المرحوم ، وعوضك رجلا يحميك ويضعك في عينيه . مبروك يا خميسه يابنتي . ربنا يتمم على خير .. وقامت الجدة بهدوء ، بدت وهي تتحرك بصعوبة ، عجوزا ، أثقلت كاهلها السنون ، واختفت بالداخل . كانت تجفف دموعها.. برغم تمنع خميسة ، لكن عبدالباري كان يستحق القبول ، لما يلاقيه من الشكر والثناء من أهل البلدة . فهو رجل شهم وعنده مرؤة ، يمد يده لمساعدة الجميع ، لا يمتلك سوى قوة ساعديه ، وقلبه الكبير .الكل ـ من علم بالخبر من أهل الزقاق ـ ساعدها على المرور في هذه المرحلة العصيبة . وأيدها على الزواج..
وتزوجت خميسة ، عبدالباري الطيب ، انتقلت إلى داره القريبة ، بحري الزقاق..

عبدالستار خليف *
* كاتب وروائي مصري

أعلى




رمضان نهار وليل!


.. يأتي والجراح صراخ
والسنين التي قرأنها
أمطرت مالا يجب
أنا...
أنا...
أنا...
وقفة المتنبي ما تكررت
حين ساق روحه للسيف
لأن
الكلمة مبدأ
وحملها دم.

***

تنازلوا...
انكفوا على جيوبهم
وأخرى يسيل لها اللعاب
لبسوا الحق بالباطل
و"كتموا الحق
وهم يعلمون"

***

حين تنكفي القرى على أزقتها
يغدو الحراك مكشوفا
فيظهر ما لا يجب
أن
يكون فيهم
أمروا الناس بالبر
ونسوا أنفسهم.

***

كم عرفنا
باعوا ما يجب أن يشتروا
قلدوا الصورة
جاهدوا ليعوضوا
نقص
ما يشعرون
بيد أن
منعطفات الدروب
ُتجلي ما لا يراه
كل الناظرون

***

أنا...
أنا...
أنا...
لعل هذا الشهر العظيم
يوقفها أو ُيهديها
ويصبح السباق
لهم...
وله...
ولها...
إن كانوا من الصادقين.

خليفة بن سلطان العبري

أعلى



البحث عن قلب حي

لقد بحثت.. ركضت طوال الأمس ولم أعد إلا الآن... سألت في كل مكان، سألتُ في مراكز الشرطة عن أي شخص مات بحادث أو قُتل... فتشت في المستشفيات وفي بنوك العظام والدم والعيون وأعضاء البشر وفي غرف التشريح المرعبة... ووقفت عند منعطفات الشوارع أنتظر تصادم السيارات، سألت شرطة المرور شرطياً شرطياً... قلبتُ في الصحف عن محكومين بالإعدام... طرقتُ أبواب المحاكم بحثاً عنهم... درتُ على التجار... جميع التجار بأنواعهم فلم أجد عندهم قلباً واحداً يصلح لك فتسولت على الأرصفة ثم ناديت من يبيعني قلباً وبأي ثمن؟! من يُحسن إليّ بقلب حي أو يدلني عليه أينما كان.. من؟.. ألا يوجد قلب حي واحد في هذا العالم؟.
مازلت أذكر استصراخ أحبتي قاسم جلال عليّ وهم يبحثون عن قلب حي كقلب أخيهم الذي يرقد في العناية الفائقة ينتظر.
حينها كانوا يبكون ثم يرقصون بعدها يبتسمون ويهمسون ذكرى الطفولة ثم يضحكون بجنون تنوعت الأحاسيس بتنوع الكلمات التي صاغها الكاتب العراقي المغترب الدكتور محسن الرملي تحية إجلال لهذا الكاتب فلمسرحية "البحث عن قلب حي" وقع في قلبي وفي ذاكرتي وقع ليس بالهين يمخر عباب السنين للأبد ستظل مسرحية البحث عن قلب حي وسام شرف على صدر فرقة الفن الحديث وعلى صدري أنا فإخراج نص كبير كهذا يعني المجازفة بعينها وهو شرف للرفاق علي وجلال وقاسم لأنهم قاموا بأداء دور الباحث عن القلب رغم الأحاسيس القاسية المتضاربة المتداخلة التي رسمها النص.
( سعيدٌ من لا يملك شيئاً
ومع هذا يُعطي الناس
يمنحهم قلبه ليعود
إلى المنبع بلا وسواس)
عندما يتبين لنا أن نص "البحث عن قلب حي" مونودراما مهداة إلى حسن مطلك أخ الدكتور محسن الرملي ندرك حينها ما لهذا النص من أحاسيس صادقة لم تكتب لمجرد أنها تكتب ولكنها كتبت كرثاء وكتذكر وكفن وكذوق رفيع تابعوا قضية النص من خلال الكلمات القادمة: "إن الوقت يضيق.. يضيق ويحاصرني كهذا الممر الخانق.. كيف؟.. فمن ذا الذي يستطيع إحضاره في يوم واحد.. بل في ظرف سويعات (ينظر إلى ساعته) فلم يبق من يومك إلا أقله.. ولم يحدث شيء.. ولم أفعل شيئاً. ولم أستطع إحضاره.. ياه.. ما أبخلك يا دكتور!.. تطلبه مني في يوم واحد فقط.. بينما تحبل النساء تسعة شهور لتلد بعد فيض من الآلام قلباً صغيراً بحجم التمرة.. وأي قلب طلبت!.. قلب حيّ.. حيّ!؟ ما أندر ذلك!.. صدقني أيها العزيز.. لو أتيح لي أن أحبل بآلام مخاض تسعين شهراً في ساعة واحدة مقابل أن ألد لك قلباً لما ترددتُ..".
عندما يبحث الأخ عن قلب حي لأخيه الذي يرقد في العناية الفائقة ولا بد أن يحضر القلب في غضون الساعة وأي قلب يريد قلب حي ما أندر ذلك...
(صمت)
للكاتب هنا حديث عن المرأة التي كانت تحب صاحب القلب الكبير أخيه وكيف يصبح الحب إلى جب عندما يتعلق بالتضحية فيقول:
(بل حتى المرأة التي كانت تقول لك أنها تحبك أكثر من نفسها وأنها تفديك بروحها.. قالت: إنني حزينة جدا من أجله. ثم ابتسمت الحزينة واتجهت إلى صالون التجميل..
ولو بحثنا في جميع الكتب والمراجع الطبية والإنسانية والاجتماعية والمجلات والجرائد وجميع الصادرات والواردات والأعداد لمعنى أشفى وأجمل لمعنى الحزن فلن نجد مثل ما قاله الرملي في نصه:
"أتدرين حقاً ما هو الحزن؟.. إنه قاسٍ جدا.. أواه.. فيه يذوي الإنسان كما تذبل النبتة على مهل فتصفر وريقاتها ويبيض شعره.. إنه جفاف ومرارة حارقة في الحلق.. تصبح معه جميع الأطعمة بلا طعم وكأنني ألوك خرقة قماش.. أو تماماً كتلميذ يجاهد في ابتلاع ورقة الغش وبلعومه ناشف.. وفؤادي أشعر به كثمرة تعفن نصفها الأسفل.. أسود، نخر.. أحس حتى بأوجاع انتقال دودة فيه، فقلبي كدملة يا صديقته الحزينة؛ يؤلمني عند كل شيء.. عند الحب وعند التنفس أو الذكرى.. قد.. بل أنكِ لا تعلمين بأنني أحاسب نفسي حين أهم بالأكل وينتابني خجل قابض وكآبة ثقيلة حين أضحك: كيف آكل وهوجائع؟ كيف أضحك وهو يدنو من الموت".
تعالوا معاً نرى كيف صور الدكتور محسن مشهد البحث في نصه يقترب من مسرحية في انتظار جودو ويتفوق أحايين كثيرة ويقترب من أوديب عندما يبحث عن قاتل أبيه ولكنك عند الرملي تجد نفسك تركض حافيا وتبحث معه عن قلب حي حين يقول: ..ومرة أجوب الأسواق والحارات لاهثاً أدق الأبواب.. أتوسل بالمارة واحداً واحداً.. هل رأيتموه؟.. هل رأيته يا سيدي؟.. وأنت؟.. وأنتم يا أصحاب الدكاكين يا من تبيعون حتى الهواء.. أرجوكم، من منكم رآه؟. تمزق أعمدة الهواتف ثيابي.. الأعمدة التي قد يتحدث عبر أسلاكها عاشقان، أو مديران عامان، أو لصان.
وتقطع أحزمة نعلي المسامير فأهرول حافياً على الأرصفة الساخنة تفضحني مرايا الواجهات؛ منفوش الشَعر والروح.. أُقبّل الأيادي وأمسح الأكتاف.. من منكم رآه؟.. دلّوني عليه.
تعابير كثيرة وعديدة يصورها لنا هذا النص ومن المعاني الجميلة التي فعليا تجد فيها الصورة حقيقية والوصف يشبه الواقع كيف صور لنا الموت:...
فالموت نهاية.. دود يأكل.. تفسخ للخدود في تابوت مظلم تحت التراب (يرتجف) الموت ذلك السيف القادم مع اللحظات ليبتر حياتنا.. ذلك المجهول المخيف الذي يطاردنا منذ آدم.. لقد فعلنا كل شيء من أجل نسيانه أو فهمه أو تدميره.. عمّرنا الأرض وزيّناها ولم ننسه، اخترقنا الفضاء وتجولنا بين الكواكب كما نتجول في الأسواق ولم نهرب منه.. ارتقينا بالعلم حد تفاصيل أصابع النملة ولم نعرفه، اخترعنا أفظع وسائل التدمير المروّعة ولم ندمر إلا بعضنا (خائفاً) لا.. لا.. أرجوك ابتعد يا سيدنا الموت.. أعرف أنك لا تلين مهما توسلنا وإلا كرسّنا حياتنا للإبداع بالتوسل إليك أن تبتعد، أو لأبعدتك دموع الأمهات، فأنت مدمرنا جميعاً سواء أكنا بقلوب أو بلا قلوب، بضمائر أو بلا ضمائر، أثرياء أو فقراء.. ملوكاً كنا أو مساجين، وهذا فقط ما يعجبنا فيك.. إنك عادل لا تخاف أحداً في عدلك ولا يبلغ سرك الجبابرة.. وحدك من لا يُرشى ولا يغريه جمال، لا تخيف الجيوش أو الحراس، ولا تمنعه القلاع والبروج والأهرامات.. ولكنني أكرهك وأخافك، أكرهك لأي إنسان فكيف بي أرتضيك له؟..
يالك من مبعد أيها الأخ الفاضل الرملي فعلا أجد نصك فيه كل الوفاء لأخيك الشهيد في نهاية هذا العمل الجميل أن الاخ الباحث يعطي أخيه قلبه هدية له في عيد ميلاده.
ـ أهدي قلبي المتواضع إلى أخي بمناسبة عيد ميلاده، متمنياً له الشفاء العاجل ودوام العطاء.
(ويُثَبـّـت الورقة على قميصه، على الجهة اليسرى من صدره، فوق القلب.. ويُنشِد):
سعيد من لا يملك شيئاً
ومع هذا يعطي الناس
يمنحهم قلبه ليعود
إلى المنبع بلا وسواس.

مصطفى بن محمد العلوي*
*مخرج مسرحي


أعلى





التداول بين التشكيل والنص
رسمُ وردة ذابلة ذُكرت في النص لا يأتي بجديد ولا يعكس عمق القراءة البصرية
المسرح مكان يمنح الفنان القدرة على التعبير عن الزمان والمكان

سأبدأ في بحثي المتواضع من مكان أعتقده يمتلك النموذجية كي يكون الانطلاقة لمثل هذا الموضوع، لارتباطة ببدء التداول بين الإنسان والفن وليس بين التشكيل والنص وحسب.
فيدور في ذهني سؤال وجهته لنفسي قبل كتابة هذا الموضوع، فسألت، ترى أيهما سيكون مستحسناً.. أن يبدأ الإنسان منذ طفولته الأولى في تعليمه.. بالرسم أم بالكتابة؟.
في الحقيقة هي مسألة معقدة بعض الشيء وخاصة إذا نظرنا إليها من شكل الفهم السلبي للفن، حيث ينظر إليه على أنه جانب من جوانب التسليه أو زاوية للتنفيس في أحسن أحواله.
لكني وبالرغم من هذا لم أجد مناصاً من الإجابة عن هذا السؤال بـ "نعم".. أفضل أن يبدأ التعليم بالرسم، وكون فهمنا أو طريقتنا لفهم الفن بطريقة سلبية فتلك مشكلتنا علينا أن نعيد النظر فيها مرة أخرى.
فمثل هذا التوجه ينتقل التعليم من كونه تلقين بمعنى الكتابة والقراءة عن طريق معرفة الحروف إلى إيصال المعرفة من مداخل الفن التشكيلي، سيسمح للطالب على إتقان التعبير عن الذات والمكنون الداخلي ورؤيته هو للعالم، لا كما نراه نحن من خلال تعريفنا له للأشياء، وهذا سيعطي للمدرس ايضاً مساحة جيدة لفهم ما يفكر فيه الطالب.
وأتصور أن هذه البداية ستفسح المجال للطالب أن يرسم ويلون لتكون له منذ سنواته الأولى طريقاً معرفياً يتفتح من خلاله إبداعه الإنساني في تصوره للأشياء وتتطبيقه على الواقع الذي يرسمه على الورقة التي لا تلزم الطفل أن يتقيد بحروف وكلمات معينة ليقول شيئا ما، وسيكون لمجال الحرية في التعبير المتزن انطلاقة أولى من هناك.
وهذا الأمر لا يقف عند الممكن أو رفض نجاحة، ذلك لأن اللغة البصرية بما تحويه من لون هي لغة عالمية يمكن من خلالها الانطلاق للتعبير بالأفضلية حتى من ناحية الحرية والتقييد نفسه، فالكتابة الحرفية حين ترجمتها لا تصل بالضرورة لنفس الأحساس اللغوي والمعنوي في اللغة الأم، أما في لغة التشكيل فإنها لغة تسمح للجميع بترجمتها وما يميزها أن هذه الترحمة متاحة للجميع دون الحاجة إلى وسيط.
وهنا لا أعني الاستهانة بالتعليم التقليدي المعروف، لكنه مطلب في مُقابل ما نراه من إهمال لتدريس الفن التشكيلي كمادة تعريفية وتعبيرية مهمة وليست للتسلية كما سادت معرفتها.
وهذا الدخول أو الاهتمام الذي اردته يمكن أن يبني قاعدة صلبة أخذت علومها بطريقة محببة خاصة، واننا نعلم بأن الطفل يميل للتلوين وتعريف الموجودات والتعبير عنها برسمها، وذلك يجعل من الطالب مرتبطاً بما يتعلمه بنوع من الصداقة بدلاً من أن يكون في بدايته على الأقل مبنياً على التلقين.
أردت أيضاً ومن خلال ما قلته، أن أضيف بأن الإنسان يكبر مصطحباً معه فنانا منذ الطفولة، على اعتبار أن الطفل اكثر ما يحبه كتعليم هو الألوان والرسم بها، وأعتقد أنه ولذلك فإننا نجد أن الميل نحو الفن التشكيلي يرافق الإنسان في مراحل عمره سواء أكان مطالعةً أو ممارسة كميل فطري لديه، ولذلك فأنه ليس من الغريب أن نقول أن "أدولف هتلر" وهو من يعرفه الناس عموماً بأنه دموي وعسكري أن يكون رساماً، وهذا الأمر يثير لدى الكثيرين الاستغراب، كون أن هتلر كان رساماً، بالرغم من أن الأمر عادي جداً، وليس للفنان صفات وخصال معينة يتميز أولها بأن يصبح رقيقاً وطيباً حتى يكون فناناً تشكيلياً.
وعلى إثر ذلك فإنه ليس من الغرابة أن نجد الريشة والقلم تصطحبهما يد واحدة ليبدع بلون من فرشاة مرسمه أو بدفقة من حبر أفكاره المبدعة قلماً ولوناً.

****

ولقد كان لارتباط الفن التشكيلي بالنص الأدبي شكلاً متميزاً ، ولعل المحاورة بين الاثنين في أكثر من مجال أعطت زخماً واضحاً لهذا الارتباط، فنجد أن الأدب والفن كانا رفيقا درب شديدا الاقتراب من بعضهما، بل ان المستفز لنهضة الآخر كان أحدهما.
فـ "فن المنمنمات" كان وليد الكتابات الأدبية والعلمية التي نشأ كي يكون رفيقاً لمواضيع هذه الكتب. (شكل1).
والمدرسة السريالية في الفن التشكيلي، وهي من أهم المدارس الفنية كان مشجعها وراعيها الأول هو الأديب والشاعر "أندريا بريتون Andre Breton" فكان له الأثر والدافع الأهم في قيام هذه المدرسة.

****

ويرتبط الفن بالنص في مجالات متعددة، وذلك في مجال المسرح.. ففن الديكور بأشكاله وتنويعاته يعتبر عنصراً فنياً هاماً في العرض المسرحي.
والمسرح بالنسبة للفنان مكان يمنحه القدرة على تجسيد الزمان والمكان، ويتيح له استغلال المساحة الواسعة لتوزيع فكرته، من خلال عيش الفنان في عالم المسرحية من حركة وعبارات أو إيحاءات رمزية يحتويها النص.
والتصاميم المسرحية تعتمد منذ البداية على القراءة المتفاعلة لمحتوى النص، ليقوم مصمم الديكورات بترجمة إحساسه العام عن محتواه ومراده الذي يبتغي الكاتب والمخرج إيصاله للجمهور، لذلك فإن المصمم هنا يتوجب عليه أن يكون قارئا جيدا للعمل، وحذراً في أن يكون تصميمه طاغياً على العناصر المسرحية الأخرى كالإضاءة والممثلين أنفسهم، وواضعاً في اعتباره أن يكون عوناً لإظهار دواخل النص بتصاميمه.

****

وقراءة النص تكون أيضاً صورة جميلة لهذا الارتباط بين مجال الأدب والتشكيل، وذلك بقيام الفنان بصياغة أو قراءة عمل أدبي من خلال رؤيته التشكيلية الخاصة، وكما هو الحال في القراءة لأي نص من قبل القراء تكون القراءة الأدبية الجيدة هي عنصر رئيس في نجاح عمله التشكيلي الذي يفترض أنه في موقف الفنان المتأثر بالنص وليس الناقل.
ومثل تلك الرؤية التشكيلية تعطي للنص الأدبي زخماً أكبر في تفتيح زوايا جديدة من خلال التشكيل، ومساحة أوسع للانطلاق والقراءة الجديدة للنص، كما وصف ذلك الناقد - كاسيرر - سبب عظمة النص بقوله "النص العظيم هو الذي يُقرأ بشكل عظيم".

****

وهنا أود الإشارة إلى إشكالية يقع فيها الكثير من الفنانيين وخاصة المشتغلين بالرسم، حين ينفذون عملا يقرأون فيه نصا قد لا يقع في تلك الإشكالية الإنسان في طفولته إذا علمنا أن الطفل يرسم ما يشعر به وليس ما يراه.
فبعض الفنانيين يقومون بترجمة النص الأدبي بشكل حرفي مع الاختلاف في الشكل كونها تكون في العمل لوناً على سبيل المثال.. فرسم وردة ذابلة مثلاً كونها ذكرت في النص انها ذابلة لا تأتي بالجديد ولا تضيف للعمل أي قيمة بل يكسبه شكل من أشكال الرسوم التوضيحية وحسب.. فمثل هذا النقل حتى ولو كان من قصيدة يملؤها خيال ورمزية في الكلمات الأصلية هو كالنقل من الطبيعة الذي يختزل بأنه نقل للموجود وليس إضافة فنية، لذلك فإن هذا التوقف للفنان التشكيلي أمام النص الأدبي يتطلب منه خطوتين يتضمنان احساسه بالذاتية فيهما:
* معرفة المعنى.
* ومعرففة معنى المعنى.
فهنا ومصاحبة للمعرفتين يكون الفنان مشتغلاً على أساس نقل ذاتية خاصة به، تنطلق من شعوره بالدهشة لما يقرأه، وليس كأسلوب يمكن وصفه بالمقارنة بين أي الفكرتين أوضح أو نزولاً واستغناء عن ذاتية وإحساس الفنان ليكون مجرد مترجم حرفي للعمل الأدبي.
وبالتأكيد نجد أن هذه القراءة تتطلب من الأديب أيضاً أن يتقنها، فالفنان "ناجي العلي" يصف بطل رسوماته "حنظلة" بإنه ليس "توم وجيري" ، ويصفه في المقابل الشاعر "بلند الحيدري" ويقول: أنه يتطلع للأمام، يؤرخ، يسجل، يتبنى القضايا، يعرف أصدقاءه من إعدائه.. يجذب اهتمام الناس للقضايا لأنه يتفاعل مع الأحداث، والذي يستخف في موقف حنظلة قال بلند: إنه هو من يدير ظهره له. (الشكل 2)

****

وكما يصف الناقد العراقي "نزار الراوي" فإن هناك ثمة مشكلة أيضاً بين ربط الأدب والفن التشكيلي في أن يكون أحدهما عكازا للآخر.
وفي الحقيقة فإن هذا العكاز كثيراً ما نراه في المجلات الثقافية التي تتضمن النصوص الأدبية أشكال من الأعمال الفنية، وفي ذلك مضرة للنص الأدبي والعمل التشكيلي على حد سواء، فهو بالنسبة للنص يصبح وكأنه إكمال لفكرته التي لم يستطع الكاتب إيصالها، وهي بروزة لفكرة ما أراد قوله في عمله الأدبي، وهو أسلوب مربك للمتلقي حيث تسبب تشتيتاً لاستيعابه للفكرة، فالمتلقي يقوم وبطريقة لا شعورية بتحليل العمل الفني المصاحب، وهذا التحليل يصبح كالعودة لقاموس لمعرفة معنى في نص ما. وفي الجانب الآخر فإن هذا التخطيط في التضمين يكون سلبيا على العمل التشكيلي كونه أصبح مفسراً ووسيلة للإيضاح وذلك كون العمل التشكيلي قد اُشتغل عليه خصيصاً للنص المصاحب له.
وأود الإشارة هنا إلى أن هذا التداخل بين النص والعمل التشكيلي لم يكن أسلوباً حديث النشأة وإن اختلف شكله أحياناً، فهو فن قديم كان من أبرز أشكاله فن "المنمنمات"، وهو في العادة يطلق على الرسوم التصويرية التي تزين المخطوطات الأدبية والعلمية التي أزدهرت بين القرنين السادس والثامن للهجرة، وهذا الفن في الحقيقة استخدم كوسيلة للإيضاح لبعض الفقرات إلا انها أضافت عنصراً جديداً إلى جمال الحرف العربي، ومن الكتب المزوّقة بالتصاوير كتاب كلية ودمنة، ومقامات الحريري، وكتاب الأغاني.
وأتصور أن فن "المنمنمات".. كان سيصبح أكثر إبداعاً لولا ارتباطه بالمخطوطات في تلك الفترة، فهو وبالرغم من جمال الفكرة إلا أنها ظلت محصورة بفكرة النص ولا تمارس من خلاله إيجاداً لعالم تخيلي آخر تظمه ورقة أو خرقة الرسم آنذاك مضيفاً إليها الخطوط والزخارف التي كان يوجدها بكثرة في عمله.

****

ثمة ارتباط نلحظه في بين الحين والآخر يجمع العمل التشكيلي مع رفيق دربه النص الأدبي، وهي الكتابة عن العمل التشكيلي ، وينقسم هذا الإرتباط إلى ثلاثة أقسام:
* أولها : أن يقوم كاتب ببث مشاعره وتداعياته النفسيه لعمل تشكيلي، كشكل من التماثل الشعوري للمحتوى، وذلك بلغة أدبية، وهو أسلوب متبع في الصفحة الأخيرة في بعض الملاحق الثقافية، وهي كتابة تخلو من النقد والتقييم، وتنحو لتُجانب المناجاة أحياناً أو الشكوى لتكوين العمل وموجوداته، أو طرح تساؤل يقترب من الرغبة في استنطاق العمل بأن يتحدث ويقول ما يريد.
* وثانيها : فهي "القراءة الفنية"، وهي كتابة أدبية تتعامل مع العمل التشكيلي بأسلوب الناقد المحب المتغزل في العمل، وهي تعتمد على المعيشة وانطاق الموجودات في العمل بلغة نثرية أدبية، وهذا الأسلوب يستخدمه في العادة النقاد ذوي الاتجاه الأدبي في الكتابة، وكان الشاعر الفرنسي "بودلير" قد كتب كثيرا في هذا المجال ، من خلال لغته الأدبية. ولعل أحد الفنانيين العراقيين الذي وجدت مقولته ولم أجد اسمه.. والذي يكتب مثل هذه القراءات هو خير ما عبر عن ما هية هذا الأسلوب بقوله: "أنا لا أدخل إلى العمل التشكيلي مجهزاً بعدة الناقد بل متوضئاً بجماليات العمل نفسه لأصلي في محرابه".
* أما الثالث: فهو النقد المباشر عن طريق طرح النظريات والقواعد المعروفة أكاديمياً.
أما الجمع بين الثلاثة فهي مسألة حساسة وعلى الكاتب أو الناقد أن يكون حذرا في استخدام اللغة الأدبية والنقد المعروف خوفاً من طغيان أحدهما على الآخر وعلى الأخص طغيان اللغة الأدبية على النقد التحليلي الذي تقومه النظرية العلمية والقواعد التشكيلية.

****

ربما يكون الاتصال بين الفنان والأسلوب الأدبي... متواجداً بكثرة في لحظة تسمية العمل التشكيلي، الذي يختار الفنانيين في العادة أسماء ذات لغة أدبية، وهي مسألة لا يجب الاستهانة بها فهي تكون أحياناً ذات مردود سلبي بالنسبة للعمل عندما يحاصر بالأسم الذي أختصر المعنى الذي يحمله العمل، الذي يجب أن يكون الاهتمام بكل جوانبه كون العمل التشكيلي مشروع وليس عمل لحظة.. ينسف كل جهد فيه مجرد اسم، كان من الواجب الاهتمام به، أو اختياره ليكون توثيقي بدلاً من تسميته باسم توصيفي.

****

وأخيراً.. سأطرق بابا لشكل آخر من الارتباط بين الفن والعمل الأدبي.
هذا الباب والطرق الأخير هو: تصميم الأغلفة، وهو جانب إيجابي لمحاولة فهم الآخر. إلا أنها لا تخلو بالتأكيد من كونها تتجه لأن تكون تجارية أكثر من كونها انفعال أو دهشة للمقروء، وهي لا تخلو أيضاً من مجاملة كونها جاءت في الأصل عن طريق طلب المؤلف من الفنان أن يقوم بتصميم غلاف له. وأذكر هنا ما جاء على لسان فنان الكاريكاتير الراحل "ناجي العلي" حين أوضح أنه يرفض طلبات أن يقوم بالرسم بقوله: "كثير من الناس مش فاهميني كويس ، بعضهم يطلبوا مني أستاذ: ارسم لي رسمة! ، وأنا أرد عليهم: أنا أستاذ، وما برسم.. ما بحب حد يملي عليّ زي ما بقول المثل: "لا تقل للمغني غنيّ"، ولا بحياتي رسمت رسمة كاملة بناء على طلب من أحد ، رئيس تحرير، مدير، مش عن وقاحة، بس أنا أعيش حالة إنسانية عندما ارسم باضرب راسي بالحيط حتى تتطلع الفكرة".
وعلى الفنان في حال تصميمه للغلاف أن يكون حذراً في التعامل مع هذا الجانب حتى لا يصبح مادياً أو صنايعيا إذا صح التعبير، وتنتزع منه روح الإبداع الذاتية التي يتطلبها العمل الإبداعي بصفة عامة.
ومثل هذه التصاميم تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
* أولها: أن يتضمن الكاتب غلاف إصداره عمل تشكيلي من أعماله، وهذه أعتبرها من أرقى التصاميم كونها تحمل مصداقية أكبر حيث صدرت من الكاتب نفسه وأعني من الإحساس نفسه الذي كتب ما بين الغلاف والغلاف، وليس من إحساس وإنفعال غيره.. ولقد سررت كثيراً قبل شهر أن وجدت إصداراً لديوان للشاعر العماني "عبدالله البلوشي" الذي كان بعنوان "معبر الدمع" وكان غلاف كتابه متضمنا أحد أعماله الفنية.
* وثانيها: أن تتلبس الفنان التشكيلي فكرة ما من خلال تعايشه مع نصوص الكتاب المراد إصداره. ولكني أعتقد أنه من الإيجابية هنا أن يقوم الفنان بالاشتغال على المعنى و معنى المعنى - كما أسميته سابقاً - في عنوان المجموعة كفكرة مقترحة لاتجاه في طرح العنوان مع التصميم كمدخل للكتاب، لأن ذلك لا يضع الفنان في موضع محرج يكون فيه كالمفسر للنصوص، بل يتركز هذا التعايش مع العنوان الذي من خلاله يكون القرب من الكاتب وعالمه أكثر.. ويمكن ملاحظة ذلك في غلاف مجموعة "مازن حبيب" القصصية الذي أسماها "الذاكرة ممتلئة تقريباً" (الشكل 3)، والذي قامت بتصميمه الفنانة بدور الريامي، فازدحام اللون الأخضر بدرجاته وبإسقاطاتة المكونة للغلاف أعطى إيحاء للمشاهد بالإمتلاء أو ما شابه الامتلاء.
* وثالثها: أن يجد الكاتب شعور ما كالسعادة في زاوية أو الحزن في مكان آخر في عمل تشكيلي ، فيود أن يكون غلافاً لكتابه.. وكأن لسان حاله يقول: لو بحثتم عني ستجدوني في مكان ما هنا.

****

أما أنا.. فأتمنى أن تكونوا قد وجدتم في بحثي هذا وفي مكان ما أفادكم وأستفدتم منه.

يوسف البادي *
* كاتب وفنان تشكيلي


أعلى




"الفراشة التي لا تحترق"
كيف أصبح محمود درويش أهم شاعر فلسطيني؟!

في حضرة الموت الذي أخذ من الثقافةالفلسطينية احدى أعلى قاماتها، ننحني أمام كلمات الرثاء وخطب المديح، ونتردد في كتابة دراسة موضوعية عن الشاعر الراحل محمود درويش دون التأثر برياح الحزن التي هبّت على المجتمع الثقافي في التاسع من أغسطس 2008. من السذاجة القول إن المصدر الوحيد لنجومية أي شخص هو صفاته الذاتية أو المميزات الفنية لشعره. كذلك فإن حصر الأمر بالعوامل المساعدة فقط أكثر سذاجة. ومن نافل القول الحديث عن شاعرية محمود درويش، غير أن قراءة متأنية في تشكّل الصورة يمكن من خلالها ـ في محاولة ابتدائية ـ وضع النقاط على حروف هذه النجومية.
نجومية الثقافة تحتاج إلى الإعلام، لكن مقتلها في الإعلان، فـ"تسليع الثقافة" يهبط بها إلى مستوى "نجوم" الفن في هذه الأيام. والفرق هنا بين الإعلام والإعلان، أن الإعلام (الصادق) في مراحله المتوسطة يواكب الحدث ويروّج له بالنقل الموضوعي. أما الإعلان فهو يصنع للمنتَج وجهاً غير الذي هو عليه، أو يصعد بالمنتجات الرديئة إلى مصاف "نجوم الفن". من هنا نرى أن محمود درويش كان موجوداً دائماً تحت عين الإعلام، وحيثما كان الاهتمام بالحدث الفلسطيني وفي المكان الذي أمكن تجميع أكبر قدر من الإعلام المؤيد للقضية الفلسطينية من مصر إلى لبنان إلى تونس إلى رام الله، كان درويش موجوداً بموهبة فذّة وشاعرية نادرة وقدرة مميّزة على النظم وغزارة في الإنتاج، سببه التفرغ شبه الكامل للشعر، ضمن معادلة إنتاجية واضحة "المزيد من الوقت يعني المزيد من الإنتاج (الشعر)".
التشابه مع المتنبي
كثيرون، في حمّى الوفاة وحزن الفراق، بالغوا في اعتبار أن الثقافة العربية لم تنجب منذ المتنبي مثل درويش، متجاوزين عن آخر عمالقة العصور العباسية (المعرّي)، وأول عمالقة ما بعد الانحطاط (شوقي).
لطالما شغلني موضوع تشكّل صورة القيادي والنجم، وكان المتنبي أحد الذين كنت أضعهم في اعتباري دائماً عند الكتابة عن صورة الشاعر، حيث كان المتنبي يهتمّ جداً في إيصال الصورة الحسنة عن شعره.
وفي النقاط التالية سنجد غرابة التشابه في بناء نجومية المتنبي ودرويش:
أولاً: الكاريزما التي تبحث عن فترة بناء الشخصية دائماً، وتبحث في بدايات الشخص المقصود. شخصية الثائر المظلوم المنبوذ (لقب المتنبي جاء من بيت شعر شبّه نفسه بـ"صالح في ثمود" منبوذاً رغم أنه نبي). أما درويش فكان الفقير المكافح المنبوذ في ظل الاحتلال "طردوه من كل المرافئْ. أخذوا حبيبته الصغيرة، ثم قالوا: أنت لاجئْ" فحقق حريته بالخروج من فلسطين!
ثانياً: الوجود في مكان الحدث، وهذا ما فعله المتنبي، في بلاط سيف الدولة، قريباً من السياسيين المحبوبين، غير مخالف لهم مهما كانت ملاحظاته عليهم. وهذا هو ما نقل محمود درويش، من الداخل إلى مصر فلبنان فتونس فباريس فرام الله. وهذا ما يستدعي التفصيل في (ثالثاً).
ثالثاً: الوجود في مناطق السخونة (الحروب والكفاح) و(بقع الضوء الإعلام والثقافة والنجومية)، ولعل أكثر ما يشبه هذه الفكرة هو القنديل المضيء بالنار، يتميّز بالسخونة والضوء، ووجود الفراشات قربه يثير الانتباه إليها. إلا أن هذه الفراشات نوعان: فراشة تقترب أكثر مما يجب فتحترق (كأبي فراس الحمداني الذي قاتل وأُسر)، وكراشد حسين (الذي قُتل في نيويورك). وفراشة تعرف كيف تستفيد من الضوء والحرارة بعيداً عن اللهب (كالمتنبي ودرويش).
رابعاً: ولكن كيف استفاد هؤلاء من الحرارة والضوء بعيداً عن اللهب؟ ببساطة: تبنوا مشروع المقاومة والقتال ضد الأعداء. وكان هذا التبنّي هو خلاصة وسائل النجومية وذروتها، فالمقاومة هي ذروة جهد الأمة "ورأس سنام" دينها، حيث إنها تجبّ مساوئ قادتها وروّادها، وهذا هو الحال الذي كانت عليه الدولة الحمدانية. وهذا الحال هو الذي كانت عليه الثورة الفلسطينية في السبعينيات. وهذا ما حققه الشاعران النجمان حيث تكرّس الأول شاعر الدولة الحمدانية الأول، والثاني شاعر الثورة والقضية الأول.
لا أقول هنا إن الابتعاد عن اللهب يعني الابتعاد عن القتال، بقدر ما يعني ترك مسافة بينهم وبين المسؤول السياسي.
ما ذكرناه، هو ما يتعلق بالعوامل المساعِدة لموهبته وشاعريته. أما النقاط التي تتعلق بشكل شعره ومضامينه، فلها تأثير كبير، يدلّ على أن نظرية "الفراشة التي لا تحترق" قائمة أيضاً في الجوانب الإبداعية في شهرته.
خامساً: كان المتنبي يلقي الدروس النقدية في عرض مساجد الأمصار عن شعره الذي كان يحمله في مجموعة قراطيس فيها عدة نسخ من دواوينه، لم يكن يتردد في تنقيحها دائماً، ما يعني أن النسخة التي كان يحملها هو معه هي النسخة الأصلية والشرعية والمنقّحة والمعتمدة. وكان يمكنه التعديل عليها ساعة يشاء، في حين أن درويش خرجت منه صلاحية تعديل ما في أيدي الناس من الدواوين المطبوعة، فتبرّأ من نصف شعره، حين قال: "لو قدّر لي أن أراجع شعري لتبرّأت من نصفه". فقد اهتم درويش بتطوير مضامين شعره بشكل بات مع كل تطوّر يشعر بأن ما كتبه في الماضي مختلف عن مستواه الفني الحالي.
فضلاً عن أن درويش كان يجتهد من أجل تطوير شعره ويحرص على أن يتساوق مع تطوّر ثقافته التي كانت سريعة التوسّع بفعل القراءة. وقد أخذ البعض على حرصه هذا بأنه كان مصطنعاً أحياناً (رغم مستواه العالي) حيث كان يلزم نفسه به إلزاماً. إذ لم يكن من الضروري أن يكتب درويش عن ملحمة جلجامش لأنه قرأ عنها (فضلاً عن سعيه ليصبح شاعر إنسانية وليس شاعر فلسطين وحدها، فقد ضاقت عليه فلسطين في مراحله الأخيرة.. مع أن هذه تسجّل له - كما يقول الناقد إبراهيم العريس- حيث استطاع الخروج بالأدب الفلسطيني من ضيق القضية إلى فضاء التراجيديا الإسانية كالإغريقية وغيرها).
غير أن هذا التطوّر السريع، كان له علاقة -كما المتنبي في دروس المساجد- باتخاذ درويش من الشعر مهنة يخصص لها كل صباح عدة ساعات للكتابة، كأن الإلهام يأتي في أوقات معروفة وشيطان الشعر موظف يجلس على طاولتنا كل صباح.
سادساً: حمل المتنبي راية التجديد في معاني القصائد ومضامينها دون أن يخرج طبعاً عن الشكل والأوزان. وكذلك فعل درويش الذي حمل همّ التجديد، غير أنه بقي محافظاً على الوزن ولم يخرج عنه إلا نادراً.. وهنا نفرّق بين التجديد والحداثة التي حلّت كل ضوابط الشعر ومعاييره فقضت عليها ابنتها "ما بعد الحداثة".
محمود درويش أدرك أن التخلّي عن الوزن والتفعيلة بشكل أساسي والتخلي عن القافية بصورة أقل، سوف ينزع عن شعره الغنائية التي كانت أحد أهم أسباب نجاحه من خلال أغاني الفنان مارسيل خليفة (الذي خرج مثل درويش من دائرة القضية إلى الدائرة العالمية، التي يعمل لها بجدّ، ورفض -مثلما رفض درويش "سجل أنا عربي"- غناء بعض أشهر أغانيه الثورية في حفلات خصصها لـ"جدل" العود فقط). من "خبز أمّي" و"جواز السفر" و"ريتا" و"أحمد العربي" و"بيروت" و"تصبحون على وطن".
من أهم عناصر شهرة درويش هي الغنائية الفائضة في شعره، ولم تكن الغنائية ممكنة بهذا القدر دون التزام الأوزان.. فهو "الفراشة التي لم تحترق" بوهج الحداثة، ولكنه استفاد من ضوئها وحرارتها..
هذا الأمر، تنبّه له نزار قبّاني الذي لم يخرج عن الوزن والتفعيلة إلا نادراً، فكان الوحيد الذي تنافس مع درويش على النجومية التي وفّرتها لهما الغنائية الفائضة، وتميّز قباني بأغانيه التي أدّاها كبار الفنانين العرب (أم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم وغيرهم) وما زالوا "نجوم اليوم" يتسابقون على ودّ الورثة لغناء قصائده، فيما كانت أغاني القصائد الدرويشية مقصورة على اليساريين.
وهذان الشاعران هما الوحيدان اللذان عاشا من مردود مبيعات كتبهما. حيث كان لقبّاني دار نشر مستقلّة لمجموعاته، فيما حقق درويش في مبيعاته أكثر من مليون كتاب وترجمت قصائده إلى 22 لغة، ونقل طباعة ديوانه من دار العودة في بيروت إلى دار رياض نجيب الريّس، لأن دار العودة عجزت عن دفع 30 ألف دولار له كحقوق على الجزء الثالث من المجموعة الكاملة، علماً بأنهم نشرو حوالي خمس عشرة طبعة من الجزأين السابقين للمجموعة.
الانقسام الداخلي
التشييع السياسي الذي تمّ في رام الله، أثار غضب الجمهور الذي جاء للمشاركة في وداع الشاعر، حين منعتهم شرطة المقاطعة من دخولها، واقتصر الوداع في الداخل على الأقارب والأصدقاء والسياسيين.
وقد استغلّت سلطة المقاطعة الأمر، فأقامت له احتفالاً رسمياً عالي المستوى، وغمزت من قناة الحكومة في غزة، لأنها لم تتبنَّ الشاعر. واستُغِلت المناسبة بشكل غير لائق، وأبدى البعض اعتراضه لأن الإسلاميين الفلسطينيين لم يترحّموا على درويش في بيان النعي، حيث نعاه رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، وأقام رئيس الحكومة إسماعيل هنية للراحل عزاء في وزارة الثقافة بغزة، التي تعاملت مع الأمر من ناحية ثقافية.
ربما أبيات درويش في مجموعة "ورد أقلّ" - 1986، تعبّر عن هذه الظاهرة، حين قال:
"يحبونني ميّتاً ليقولوا: لقد كان منا، وكان لنا".
سؤال
هذا الحزن الكبير، وهذه المشاعر التي اجتاحت جمهور الشاعر الكبير، هل ستؤدي إلى ما بعدها؟ هل نحن ذاهبون إلى أسطرة الشاعر الراحل؟ وإدخاله في الرموز الوطنية الفلسطينية؟
بتقديري، أن الكاريزما الوطنية التي بناها درويش ستضمر، فيما سيبقى إبداعه الأدبي قائماً وراسخاً. فقد تعوّد شعبنا تقديس الشهداء، ولم يتعوّد تقديس من ماتوا في الفراش. حتى إن الرئيس الراحل ياسر عرفات، كرّست رمزيته عند محبيه الشكوكُ التي حامت حول دور شارون في قتله بالسمّ.
فلو أن درويش مات قتلاً، كما هو حال غسان كنفاني، لتحققت أسطرته ورمزيته تلقائياً على مستوى العالم كله وليس فقط على مستوى الشعب الفلسطيني. ولكنه مات على فراشه، لذلك ستتلاشى المبالغات في تقديس الرمز، ليقتصر لاحقاً على القيمة الإبداعية للشاعر، وهي ليست بالقليلة.

ياسر علي *
* كاتب من لبنان


أعلى



" ثقافات".. حلةٌ جديدة تُراهِنُ على مقاربةِ العالمِ من منظور ثقافي

البحرين ـ (الوطن):صدر العدد الجديد (21) من مجلة " ثقافات" البحرينية في حلةٍ جديدةٍ، مجددةً في محتواها وأبوابها، محتفظةً باسمها "ثقافات" لكونه اسماً يحمل دلالة قوية على انفتاح المجلة على مجال الدراسات الثقافية، فهو بصيغة الجمع يؤكد انفتاح المجلة على قيم التعدد والتنوع الثقافي، ذلك بعد أن أصبحت ثقافات مجلة علمية محكمة تتخصص في نشر البحوث والدراسات العلمية الأصيلة ذات الصلة بمجال الدراسات الثقافية.
وإنَّ المجلةَ إذ تعودُ إلى القراء ، فإنها تعود كما أشرنا مجلة علمية محكمة تُعنى عبر أبحاثها المدقّقة والمعمّقة بالدراسات الثقافية، وتنفتح عبر مقارباتها المتنوعة على كشوف المعرفة، والنظرية الثقافية، وتطبيقاتها الميدانية والتجريبية، وتسعى عبر هذه المقاربات بالتحديد للتقاطع مع مختلف العلوم الإنسانية والأجناس الأدبية وعلوم الاتصال، وغيرها في أقصى تجلياتها الجديدة، بل وفي أبعد ما تومئ به نحو المستقبل.
وقد جاء العدد الجديد من المجلة مرآةً عاكسة لتوجهها الجديد، ففي باب الأبحاث: استهل على بن تميم من الإمارات قسم الدراسات النسوية بدراسته الموسومة "بنت الماجدي بن ظاهر.. قراءة ثقافية نسوية"، وفيها يقارب بن تميم العالم الإبداعي لدى بنت الماجدي من منظور النقد الثقافي وكيف يتجلى الظاهر السوسيولوجي داخل الخطاب الإبداعي ويشكل تكوينه، ثمَّ جاءت دراسة خالد زغريت من سوريا موسومةً "جسد المرأة: قراءة أنثروبولوجية جمالية في نصوص الشعراء السود". وفي تلك الدراسة يفتح زغريت النصَّ الشعري الغزلي القديم لدى أغربة العرب ليستكنه البعد الاجتماعي الموجه لرؤية النصِّ الشعري لدى هؤلاء الشعراء لجمالية الجسد الأنثوي العربي . وفي قسم الدراسات التاريخية جاءت دراسة لؤي حمزة عباس من العراق موسومة "استراتيجيات الخبر وصياغة التاريخ: دراسة في كتاب الأصنام"، لتقرأ في فاعلية طرائق الخبر في صياغة التاريخ ، من مقاربة دور الثقافة الإسلامية في توجيه البنية الخبرية لكتاب الأصنام لمؤلفه أبي المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي ( ت204هـ ).. ثمَّ جاءت دراسة " صفحات من ثقافة التدوين التاريخي في البحرين لبشير زين العابدين من سوريا لتقرأ في أهم ملامح التدوين التاريخي في البحرين خلال السنوات الأولى من القرن العشرين باعتبار التدوين جزءاً من المنظومة الثقافية التي كانت تعمل في البحرين خلال تلك الحقبة الزمنية، وتأتي تلك الدراسة مرتكزةً على تحليل الكتابات التاريخية التي أنتجتها تلك الفترة. وفي قسم النظرية النقدية كتب إدريس الخضراوي من المغرب دراسته " السرديات او تحول الوعي بالخطاب الأدبي" ، والتي تناول فيها التطور الذي مرت بِهِ عملية قراءةِ النَّص الأدبي وطرائق تلقيه، وذلك في ضوء التركيز على التطور الذي مرت به السرديات بوصفها نظريةً لتحليل الخطاب السردي. ومن الدراسات بالإنجليزية كتب بيرس سميث دراسته بالإنجليزية حول "الفواق في الهتروتوبيا". والتي تناول فيها الهتروتوبيا بوصفها مدخلاً لكشف ما يحدث في أماكن أخرى في الفضاء الاجتماعي. أمَّا في قسم الدراسات الاجتماعية فقد كتبت وسيلة بروقي من الجزائر دراستها الموسومة " الزواج الداخلي من خلال الأمثلة الشعبية الجزائرية".وتناولت فيها الزواج من خلال الموروث الثقافي الشعبي الجزائري وذلك عبر مقاربة الأمثال الشعبية الجزائرية التي تناولت موضوعة الزواج.
وفي باب المقاربات: كتب عبد السلام بنعبد العالي من المغرب حول الترجمة الذاتية.. عندما يترجم الكاتب مؤلفاته، حيث تناول عدداً من إشكاليات الترجمة الذاتية و خصائصها في ضوء التطرق لترجمة الأستاذ عبد الله العروي لكتابه الموسوم "الأيديولوجية العربية المعاصرة" وفي الخطاب السياسي كتب عبد السلام المسدي من تونس حول اللغة والسياسة، حيث تطرق إلى لغة الخطاب السياسي وكيف ينتج هذا الخطاب لغته واستعاراته وكيف يتم استقباله. أمَّا في قسم النَّظرية النقدية فقد كتب سعيد بن كراد من المغرب دراسته الموسومة " التيارات النقدية الجديدة : الأصول النظرية وشروط الاستنبات" التي تناول فيها بالتحليل عدداً من مناهج وتيارات النقد الأدبي الحديث من حيث جذورها وطرائق مقاربتها للمنتج الأدبي.
وحول الاستشراق الجديد كتب السيد الأسود من مصر دراسته الموسومة:" الاستشراق الجديد: جدلية الثنائية الثقافية..." وقد تناول فيها ثنائية الغرب / الشرق، و الغرب/ الإسلام وكيف تتحرك تلك الثنائية في الخطاب الثقافي في ضوء مقاربة نشوءها وإلى أي مدى تتحكم الأيديولوجيا في انبعاثها . وكتب فخري صالح من الأردن حول " أكذوبة الصدام بين الإسلام والحداثة" مفنداً موضوعة الصدام أو الصراع الحضاري بين قيم الإسلام وقيم التحديث.
أمَّا خاتمة أقسام المجلة فقد كانت رحلة في عقل الناقد والمفكر تزفتان تودوروف جاءت موسومةً "حول الذاكرة" وقد استهلها منذر عياشي من سوريا بترجمته مقالاً لتودوروف معنوناً بـ "نظرة على تاريخ الفكر" تناول فيه تدوروف نظرة الفكر الفلسفي للإنسان، وللإنسانية والإنساني في ضوء مناقشة الفكر الفلسفي الأوروبي وتطوره فيما يتعلق بتلك الموضوعة ، واختتم الرحلة أحمد الويزي من خلال ترجمته حواراً بعنوان" الأدب والذاكرة والآخر مع تودوروف أجراه الثنائي اميلي نوف ايكليز، وسعد كمالي. وركزا فيه على نظرة تودوروف للآخر، وما يجب أن تكون عليه العلاقة معه في ضوء قراءته لعلاقة الغرب بإيران، حيث اجري الحوار على هامش زيارة تودوروف مؤخراً لطهران.

أعلى



في ظل المفاهيم شبه المغيبة
هل وقع النقاد في مأزق البحث عن ضوابط جديدة للنص الحديث؟
عيسى السليماني: النقد يحتاج إلى تدقيق رؤياوي سواء كان النص عموديا أم حرا
سعيد العيسائي: القول بأن المناهج النقدية قد تغيرت يحتاج إلى إعادة نظر
عادل المطاعني: لكل عصر أدبي مفاهيمه الخاصة بالشعر ولكل مرحلة تاريخية مذاهبها الأدبية

تحقيق ـ عبد الحليم البداعي:فيما سبق كان الوضع بالنسبة لتعامل النقاد مع النص الشعري أكثر مرونة لتوافر الضوابط التي يحتكمون إليها في تقييمهم لأي منجز إبداعي حيث كان الناقد أمام النص الشعري القديم يحتكم إلى القيود التي كانت تؤطر المناخ العام لأي قصيدة من سلامة لغة وفصاحة لفظ وبلاغة معنى وإقامة وزن وصحة قافية وصورة شعرية ..الخ أما في ظل النص الحديث (الشعر الحر ـ قصيدة النثر..) فقد تم كسر معظم هذه القيود وتجاوزها مما جعل آلية تعامل النقاد مع هذا النص تتخذ شكلا غاية في التعقيد نظرا للالتباس الحاصل نتيجة غياب المفاهيم التي ينطلق من خلالها في حكمه عليه...
(أشرعة) حملت هذا الموضوع الشائك وألقت به على طاولة النقاش مع نخبة من النقاد من ذوي الإسهامات الواضحة في تشكيل خارطة المشهد الثقافي العماني فكان تحقيقنا التالي..

زوايا مختلفة
البداية كانت مع الدكتور عيسى السليماني والذي يقول: الناقد القديم كان ينظر إلى النص من زوايا مختلفة، إذ نظرته للوزن جاءت بمعزل عن المعجم أو الدلالة ، وكانت الصورة عنده تعني الاستعارات أو التشبيهات منعزلة عن الصور الأخرى ، فهي مجرد صور جزئية . إلا أن الناقد الحديث اختلفت رؤيته ، فاعتبر النص وحدة متكاملة لا يمكن بتر أحد بناها عن الأخرى، سواء أكان النص قديما أو حديثا ، لكونه ينظر إلى المكونات البنائية للنص ـ "الإيقاع - التركيب - المعجم - الدلالة " ـ بأنها بنيات تداخلت مع بعضها البعض في تشكيل اللوحة الفنية للنص الأدبي . ولربما وجدنا من النقاد من ينظر إلى النص القديم بمنظار يختلف عن نظرته للنص الحديث ، وهذا لا يصل بنا إلى لغة قرائية نقدية ؛ إذ الوقوف عند الإيقاع بمعزل عن التركيب أو المعجم يؤدي إلى تمزيق لغة الصورة الشعرية؛ لكون الصورة الشعرية أعمدتها الإيقاع والتركيب والمعجم والدلالة.
إن اللغة النقدية الحديثة تنظر إلى النص "العمودي والحر والمنثور" بلغة تتناسب والنص، فالشعر لغة عالمية، حروفها ممتدة من فضاء النفس الإنسانية، فهي من ذلك الفضاء وإليها تنقلب وتعود. والشعر منذ كان لا تختلف في ماهيته ، لغة عن لغة ، أو أمة عن أمة ، أو حضارة عن حضارة . ذلك الشعر تعبير ذاتي نابع من مشاعر داخلية لا تختلف أبعاده الدالة ولو اختلف القالب الذي خرج به ، إذ الشعرية تتجلى من خلال ذلك.
لو أجرينا عمليات تحليل لنص عمودي، سواء أكانت مقاطعة قصيرة ، أم طويلة ، وحددنا أوزانا معينة ؛ لخرجنا بنغمات صوتية مختلفة ، حتى لو كان المقطع الصوتي يساوي المقطع الصوتي والموضوع يساوي الموضوع ، إذ المعتمد في ذلك ليست المقاطع وحدها ، بل تداخل تلك المقاطع الصوتية مع بقية البنيات الأخرى ، التي بني بها النص.
صحيح كانت سلفا محددات نقدية لنقد النص العمودي مثل - سلامة اللفظ ، صحة المعنى ، قوة الصوت - كل تلك الإشارات لا تعطينا سوى المعنى المنفرد غير المتصل بروح النص ، إلا أن النقد الحديث بأدواته المنهجية ، ومناهجه المختلفة ، استطاع أن يصدر حكما على النص من خلال تفكيك النص، ثم إعادة بنائه من خلال البنيات البانية له ، والمناهج النقدية الحديثة.
إذن ما هو جوهر الاختلاف بين النص النثري والعمودي ، هل ثمة تعقيد في نقد النص الذي خرق القوانين العروضية ، والنص الذي التزم بها ولو بشكل بسيط؟ ، نعم لكل نص شعري إيقاعه ودلالته وبعده التصوري، فذلك لا يختلف بين العمودي أو المنثور ، والنقاد في قراءاتهم للنص المرسل أو المنثور ربما يجدون التباسا في قضية الإيقاع ، إلا أن التماوجات الصوتية لا تصنعها البحور وحدها ، حتى في النص العمودي لا يستطيع معرفة الصورة الإيقاعية إلا من خلال تداخل البنيات الأخرى ، كالتركيب والمعجم والدلالة ، مثلها في النص الحر.
فالنص الحر ربما عوض تلك المقاطع صوت آخر مثل: التكرار للسطور الشعرية أو التكرار الإيحائي للصورة المكتنزة ، أو الروابط الصوتية مثل الضمائر وغيرها. وعليه فالنقد يحتاج إلى تدقيق رؤياوي سواء أكان النص عموديا ، أم كان حرا ؛ لكون الناقد يتعامل مع نص مكون من صور صنعتها مكونات لغوية وإيقاعية ودلالية ، والطرح القائل بسهولة ذا ، وصعوبة ذاك ، ينصهر أمام هذا الطرح ، نعم يوجد هناك فرق في وضوح الدلالة وغموضها ، وهذا قد نجده كذلك في النص القديم ؛ لكون الشعر كما أسلفت لغة تعبيرية نبعت من ذاتية المبدع في كل زمان ومكان.

التباس

وبهذا الصدد يقول الدكتور سعيد العيسائي: قبل أن نبدأ في الحديث عن هذه الإشكالية نود الإشارة إلى أن مفهوم الشعر لدى النقاد قديماً كان يشوبه شيء من الالتباس .. واستمر هذا الالتباس إلى أن تأثر به الكثير من النقاد والشعراء في العصر الحديث فظهرت بالتالي اختلافات في توجهاتهم ورؤاهم إلى هذا المتجر الشعري. والأمر الآخر الذي أود الإشارة إليه هو أن العلاقة بين النقاد والشعراء لم تكن صحية أو طبيعية بالشكل الذي يسمح بتبادل الآراء وتقبل الملاحظات بين الطرفين منذ القدم. وهذا الشعور بعدم الاطمئنان بين كل طرف وآخر خلف حالة من التوتر والتوجس الأمر الذي انعكس على النتاج الشعري الذي ظهر جله أو معظمه في شبه غياب عن النقد والنقاد بحجة أن كل نص شعري يكتب أو ينشر هو بالضرورة نص جيد وهذا غير صحيح ومناف للواقع.
الناقد الحق يحتكم إلى أسس ومعايير وضوابط تجعله أقرب إلى الموضوعية والحيادية وتنأى به عن الآراء الشخصية والأحكام الانطباعية المتسرعة.
والشاعر الحق عليه أن يرضى بهذه الأطر العلمية الواضخة حتى لا يختلط الحابل بالنابل والصالح بالطالح وندخل في فوضى الأهواء والمجاملات على حساب الإبداع.
وقد كتب أحد الزملاء حول هذه الإشكالية مقالة بعنوان "الود المفقود بين الناقد والمنقود" .. إن ما يثار اليوم بأن المناهج النقدية قد تغيرت يحتاج إلى إعادة نظر فالمناهج النقدية أضيفت إليها مناهج نقدية نابعة من التقدم الكبير في الكثير من العلوم التجريبية والإنسانية واللغوية.
وهذا بدوره انعكس حتى على المبدع ومنجزه الشعري فأدرك بعض المبدعين ببصيرة أنهم بحاجة إلى مواكبة العصر لكن ليس على حساب التراثين النقدي والشعري القديمين، بل بالجمع بين الجهود النقدية والشعرية للقدماء وما أسفرت عنه نتائج البحوث والدراسات النقدية الحديثة.
نحن اليوم بحاجة إلى ناقد مبدع يتلبسه الإبداع، وإلى مبدع ناقد يستشعر بحسه الفني هواجس وتوجسات النقد والنقاد، لتكتمل لدينا المعادلة الصعبة التي تصنع إبداعاً ونقداً حقيقيين.

مفاهيم خاصة

وحول هذا الموضوع يقول الدكتور عادل المطاعني: يختلف مفهوم الشعر باختلاف المراحل التاريخية. فمفهوم الشعر مرتبط بحياة الإنسان وليس منفصلا عما يجري من تحديد في المفاهيم الفلسفية والفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية.‏ فلكل عصر أدبي مفاهيمه الخاصة للشعر، ولكل مرحلة تاريخية مذاهبها الأدبية. وانني أتفق مع من يقول بأنه لا يوجد مقياس محدد للشعر نميز على أساسه بين ما هو شعر وما ليس شعرا، وإن كنا نميز بين قصيدة جديدة وأخرى قديمة في الشعر العربي. فالمقاييس متطورة وما يصلح لفترة ليس بالضرورة أن يصلح لغيرها، وما يصلح لمجتمع لا يصلح لمجتمع آخر بالضرورة. ان بعض النظريات الأدبية تركز على الموضوع، وبعضها الآخر يركز على الشكل، ومنها ما يهتم بموسيقى الشعر، ومنها ما يهتم باللغة الشعرية أو الصورة الشعرية. وما هذه في الحقيقة إلا عناصر مكونة للعمل الشعري لا معايير لتمييز الشعر عن سواه. فالموضوع عنصر مشترك بين العلوم والفنون، كما تشترك فيه الفنون الأدبية أيضاً بما فيها الشعر لهذا لا يصلح مقياساً نفرق به بين الشعر وغيره. والشكل يشمل المنظومات الفلسفية والعلمية والدينية إلى جانب الشعر وبهذا يختلط الشعر مع النظم. وقد نجد الموسيقى في الشعر، والكتب المقدسة، والفنون الأدبية الأخرى، كما نجد فيها لغة شعرية وصوراً فنية. ومن هنا لا أحد من هذه العناصر يمكن أن يكون وحده معياراً لضبط العملية االشعرية.‏ فنحن اليوم نقرأ نصوصاً شعرية قديمة جداً تختلف معاييرها عن شعرنا الحديث فنجد فيها متعة. وهذا يعني أن ثمة جامعاً مشتركاً بين الشعر القديم والشعر الحديث. فالشاعر مهما حاول التجديد يظل محتفظاً ببعض المقاييس التي تربط فنه بالقارئ أو السامع.‏ ثم إن المقاييس الجديدة في الفن لا تلغي المقاييس القديمة مثلما تلغي قاعدة علمية جديدة قاعدة قديمة، بل هي امتداد لها أو تحوير وتعديل لها.
فالشعر يصنع قوانينه ولا يخضع لمقاييس سابقة عليه. فالشنفرى مثلا لم يخضع لقانون مسبق وكذلك امرؤ القيس وغيرهما وإنما جاء الخليل ليستنبط من الشعر الذي سبقه هذه القوانين. إن النص الشعري الجديد يقوم على نصوص شعرية سابقة له. ولو كان لكل نص قانونه الخاص به لما اكتشف الخليل قانوناً مشتركاً يربط هذه النصوص. ولو لم يكن هناك قانون موسيقي لما استطاع الخليل الوصول إليه. إن النظام الشعري الجديد يخضع نسبياً لنظام سابق ولا يخرج عنه كلية. فالخروج الكلي للنص الجديد عن النص القديم هو نفي له، فلابد من وجود رابط بين القديم والحديث مهما حاول الشاعر الخروج عن المقاييس السابقة لأنه مرتبط بمجتمع معين وثقافة محددة ويكتب بلغة الجماعة ويكتب في جنس أدبي معين. لقد انطلق الشنفرى وامرؤ القيس من نصوص شعرية سبقتهما وعاصرتهما، ولم يقولا الشعر من عدم. فقد قاس بعض النقاد القدامى الشعر الإسلامي والشعر العباسي على الشعر الجاهلي وهذا ليس منطقياً لأن ما يصلح للشعر القديم لا يصلح بالضرورة للشعر الحديث. ومن ثم فإن ثورة رواد الشعر العربي الحر على المقاييس القديمة لا تهدف إلى إلغاء هذه المقاييس ذاتها بقدر ما تهدف إلى تغيير مفهومها. فهي تقدم فهماً جديداً للموسيقى والقافية واللغة الشعرية والصورة الشعرية، بل تقدم فهماً جديداً للقصيدة ذاتها وبهذا كان مفهوم الشعر لدى هؤلاء مختلفاً عن المفهوم القديم له.‏ فنجد أن رواد الشعر العربي الحر على المقاييس الموروثة في الشعر لأنها أصبحت تحول دون تطور الشعر في مواكبة حركة الحياة الجديدة. وقد بدأت هذه الثورة على يد نازك الملائكة في مقدمة (شظايا ورماد)، حيث دعت إلى تحطيم القيود الفنية الموروثة ومواكبة حركة الحياة. لقد ثارت على الأوزان والألفاظ القديمة التي لم تعد قادرة على التعبير عن الحياة الجديدة، ورأت أن القافية الموحدة قد خنقت أحاسيس كثيرة ووأدت معاني لا حصر لها في صدور شعراء أخلصوا لها. والشاعر في نظرها قادر على وضع قواعده الخاصة انطلاقاً من عصره، ومن حقه الثورة على القواعد القديمة التي أصبحت تشكل عائقاً أمام التعبير الحر عن معاناته الجديدة. ولكن هل في هذه الثورة دعوة إلى اطراح الوزن نهائياً والتخلص من القافية أم دعوة إلى التخفف من هذه القيود نسبياً؟ . إن نازك لا تهدف إلى هدم القديم وإنما ترمي إلى إيجاد طريقة جديدة توائم نفسية الشاعر وحياته الجديدة انطلاقاً من القديم ذاته.‏ أما السياب فيذهب إلى أن ثورة الحركة الشعرية ليست ثورة على القديم لأنه قديم بل تجاوز للفاسد وتطوير للصالح. ويرى في ثورة رواد الشعر العربي الحر على قيود البحر أو عدد التفعيلات أو القافية الموحدة امتداداً لثورات سابقة مثل الشعراء الأندلسيين حين كتبوا الموشحات. كانت الموشحات الخطوة الأولى إلى الأمام ثم شعراء المهجر لكن يجب التنبيه بأن هناك نوعين من الثورة: ثورة تهدف إلى تهديم القديم من الأساس لبناء شيء جديد مكانه، وثورة تهدف إلى ترميم ما تهدم من الماضي والإضافة إليه. وأحدد موقعي ضمن الثورة الثانية .‏ ويمكن تحديد أسباب ثورة رواد الشعر الحر على القافية في ثلاثة أسباب: أولها عدم القدرة على استعمال قافية واحدة إذ أصبحت كثير من القوافي أثرية. فإذا كان بوسع الشاعر الجاهلي أن يكتب قصيدة على قافية اللام مثلا تتألف من ستين بيتاً فإن الشاعر الحديث لا يستطيع استعمال كثير من هذه القوافي التي لم تعد مناسبة كالسجنجل، المتعثكل وغيرهما. أما السبب الثاني فهو أن الثورة الحديثة على القافية تتماشى مع الثورة على نظام البيت. لقد أصبح الشاعر الحديث يطمح إلى جعل القصيدة وحدة متماسكة الأجزاء بحيث لو أخرت وقدمت في ترتيب أبياتها لاختلت القصيدة كلها، أو لفقدت جزءاً كبيراً من تأثيرها على الأقل فهل يسمح الشاعر الحديث للقافية أن تكون حجر عثرة في سبيله هذا؟ . ويعود السبب الثالث إلى أن الشاعر الحديث مطالب بخلق تعابير جديدة، إن عليه أن ينحت لا أن يرصف الآجر القديم. فانه مما تفرضه القافية عليه كالجحفل الجرار، الشفير الهاري، النسيم الساري، الصيب المدرار، هذه الصفات والموصوفات التي يجمعها بحر واحد وروي واحد .‏ أما الثورة على الوزن فقد استدعتها أسباب أهمها تحطيم نظام البيت وتحقيق وحدة القصيدة. فعدم التزام عدد محدد من التفعيلات وعدم التزام قافية موحدة وقاموس شعري محدد، كل ذلك من شأنه أن يدفع إلى إبداع شعر جديد يواكب حركة الحياة الجديدة. فالشعر لم يعد صناعة وقوالب جاهزة وتعابير مألوفة، بل تجربة فنية تزخر بالحياة بل خلق جديد للحياة ذاتها.‏ وبالثورة على المقاييس الشعرية القديمة بدأ البحث عن مقاييس جديدة بديلة من الشعر الحديث والحياة الجديدة فظهر ما يسمى بالشعر الحر. وهو مصطلح استخدمته نازك في الدعوة إلى شعر جديد يقوم على أساس التفعيلة بدل البحر ويتخلص من القافية الموحدة تبعاً لذلك. والحرية عند نازك مقيدة لأن الشعر عندها مرتبط بالتفعيلة المأخوذة من البحور الصافية وإن كان حراً في استخدام عدد التفعيلات وتوزيعها على الأسطر بحسب ما يتطلبه المعنى أو الحالة النفسية. واستعمال نازك لهذا المصطلح بهذا الفهم يختلف عن استعماله عند الغرب حيث يعني في معظم الأحيان التحرر من الوزن والقافية معاً دون استناد إلى إيقاع معين. وأصبح الشعر الحر عندها تحرراً من موسيقى البحور الرتيبة عن طريق حرية استعمال عدد التفعيلات وحرية توزيعها على الأسطر وتحرراً من القافية الموحدة تبعاً لذلك. فالشعر حر في عرفها عندما يتحرر من بعض المقاييس الشعرية القديمة أو يتخفف منها وليس شعراً ما خرج على المقاييس جملة وتفصيلاً. من هنا سمت قصيدة النثر نثراً عادياً لأنها لا تلتزم بمقاييس محددة وإن اعتبرها الغرب شعراً. فما يعد شعراً في لغة ليس بالضرورة أن يعد شعراً في لغة أخرى.‏ ولكن هل الدافع إلى هذا التجديد معرفة عروضية فحسب؟ وهل الشعر الحر من حيث طبيعته مجرد ظاهرة عروضية؟ فانني أرى بأن الشعر الحر ظاهرة عروضية قبل كل شيء. ذلك أنه يتناول الشكل الموسيقي للقصيدة ويتعلق بعدد التفعيلات في الشطر، ويعنى بترتيب الأشطر والقوافي، وأسلوب استعمال التدوير والزحاف والوتد وغير ذلك مما هو قضايا عروضية بحتة. وهذا تأكيد على الشكل دون المضمون لأن الشعر الحر ليس مجرد إحلال التفعيلة محل البحر بل هو تعبير عن حياة جديدة. وهو نتيجة مفهوم جديد للشعر أبدعته مرحلة جديدة.‏ فنرى أن الشاعر الحديث يريد أن يثبت فرديته من خلال شق طريق شعري جديد يصب فيه شخصيته الحديثة ويعبر من خلالها عن حاجات العصر لذلك ثار على القوالب الشعرية القديمة.

أعلى



تـراثــيــات


أسفار خالدة:
أخبار النساء لابن الجوزي

كتاب مشهور، طبع لأول مرة بمصر سنة 1319هـ منسوباً إلى ابن القيم، والصحيح أنه من تأليف ابن الجوزي، اختصره مع تجريد أسانيده من كتاب النساء لأبي الفرج الأصفهاني، ولم ينبه إلى ذلك د. نزار رضا في نشرته للكتاب منسوباً لابن القيم (بيروت: مكتبة الحياة، 1979م). وطبع الكتاب منسوباً إلى ابن الجوزي، منشورات (مكتبة التراث الإسلامي: القاهرة 1983). انظر مؤلفات ابن الجوزي: عبد الحميد العلوجي، المادة (18). ومادة الكتاب تشهد أنه أبعد ما يكون من تآليف ابن القيم، الذي تبرز شخصيته العلمية والأدبية في كل تآليفه. والكتاب مبني على تسعة أبواب، بلا مقدمة. وهي في أوصاف النساء وأخلاقهن، وللسيدة منى الخراط مختارات من هذا الكتاب (بيروت 1998م) حذفت منه كما تقول ما لا يصلح أن تطلع عليه ناشئتنا من بعض القصص والألفاظ والأشعار .

ــــــــــــــــــــ

أشاقتك البوارق؟
قال أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي: قدم علينا أعرابي فسمع غناء حمائم بستان إبراهيم بن المهدي، فاشتاق إلى وطنه فقال:
أشاقتك البوارق والـجـنـوب
ومن علوى الرياح لها هبوب
اتتك بنفحة مـن شـيح نـجـد
تضوع والعرار بها مـشـوب
وشمت البارقات فقلت جـيدت
حبال البشر أو مطر القلـيب
ومن بستان إبراهـيم غـنـت
حمائم بينهـا فـنـن رطـيب
فقلت لها وقـيب سـهـام رامٍ
ورقط الريش مطعمها الجنوب
كما هيجت ذا حـزنٍ غـريبـا
على أشجانه فبكى الـغـريب

ــــــــــــــــــــ

الصقيل الصقيل!
قال أبو الغصن الأعرابيّ: خرجت حاجّاً، فلمّا ألممت بقباء تداعى أهله وقالوا: الصّقيل الصّقيل! فنظرت وإذا جارية كأنّ وجهها سيفٌ صقيلٌ، فلمّا رميناها بالحدق ألقت البرقع على وجهها، فقلنا: إنّا سفرٌ وفينا أجرٌ، فأمتعينا بوجهك؛ فانصاعت وأنا أعرف الضّحك في وجهها وهي تقول:
وكنت متى أرسلت طرفك رائداً
لقلبك يوماً أتعبتك المنـاظـر
رأيت الذي لا كلّه أنـت قـادرٌ
عليه ولا عن بعضه أنت صابر

ــــــــــــــــــــ

سخاء

قيل لقيس بن سعد: هل رأيت قط أسخى منك? قال: نعم، نزلنا بالبادية على امرأة، فجاء زوجها، فقالت له: إنه نزل بنا ضيفان. فجاءنا بناقة فنحرها، وقال: شأنكم. فلما كان من الغد جاء بأخرى فنحرها، وقال: شأنكم، فقلنا: ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا القليل، فقال: إني لا أطعم ضيفاني البائت. فبقينا عنده أياماً، والسماء تمطر وهو يفعل كذلك، فلما أردنا الرحيل وضعنا مائة دينار في بيته، وقلنا للمرأة: اعتذري لنا إليه ومضينا، فلما ارتفع النهار إذا برجل يصيح خلفنا قفوا أيها الركب اللئام، أعطيتمونا ثمن قرانا، ثم إنه لحقنا، وقال: خذوها وإلا طعنتكم برمحي هذا، فأخذناها وانصرفنا.


ــــــــــــــــــــ


شر المعاذير
كانت أم العلاء بنت يوسف بن حور المجلسي الحجارية شاعرة مجيدة ولها أشعار مستحسنة جرت على ذكرها الألسنة ذكرها صاحب (المغرب) وقال: من أهل المائة الخامسة،كما أورد ترجمتها الإمام السيوطي في (نزهة الجلساء) ومن شعرها:
كل ما يصدر عنكم حسـن
وبعلياكم تحلى الـزمـنُ
تعطف العين على منظركم
وبذكراكـم تـلـذ الأذنُ
ومن يعش دونكم في عمره
فهو في نيل الأماني يغبنُ
وعشقها رجل أشيب فكتبت إليه:
يا صبح لا تبد إلـى جـنـح
والليل لا يبقى مع الصبـحِ
الشيب لا يخدع فيه الصـبـا
بحيلة فاسمع إلى نصحـي
فلا تكن أجهل من في الورى
تبيت في الجهل كما تضحي

ولها:
أفهم مطارح أحوالي وما حكمت
به الشواهد واعذرني ولا تلـم
ولا تكلني إلـى عـذر أبـينـه
شر المعاذير ما يحتاج للكلـم
وكل ما قد جئته من زلة فبـمـا
أصبحت في ثقة من ذلك الكرم

ــــــــــــــــــــ

قتيل النار!
أورد الأبشيهي في المستطرف:حكي أن رجلاً كان يعرف بدينار العيار وكان له والدة صالحة تعظه وهو لا يتعظ، فمر في بعض الأيام بمقبرة، فأخذ منها عظماً، فتفتت في يده، ففكر في نفسه وقال: ويحك يا دينار كأني بك وقد صار عظمك هكذا رفاتاً والجسم تراباً، فندم على تفريطه وعزم على التوبة، ورفع رأسه الى السماء وقال: إلهي وسيدي ألقيت إليك مقاليد أمري فاقبلني وارحمني، ثم أقبل نحو أمه متغير اللون منكسر القلب، فقال: يا أماه مايصنع بالعبد الآبق إذا أخذه سيده? قال: يخشن ملبسه ومطعمه ويغل يديه وقدميه، فقال: أريد جبة من صوف وأقراصاً من شعير، وغلين وافعلي بي كما يفعل بالعبد الآبق لعل مولاي يرى ذلي فيرحمني ففعلت به ما أراد، فكان إذا جن عليه الليل أخذ في البكاء والعويل ويقول لنفسه: ويحك يا دينار ألك قوة على النار? كيف تعرضت لغضب الجبار، ولا يزال كذلك إلى الصباح، فقالت له أمه: يا بني أرفق بنفسك، فقال: دعيني أتعب قليلاً لعلي أستريح طويلاً، يا أماه إن لي غداً موقفاً طويلاً بين يدي رب جليل ولا أدري أيؤمر بي إلى ظل ظليل أو إلى شر مقيل، قالت: يا بني خذ لنقسك راحة، قال: لست للراحة أطلب، كأنك يا أماه غداً بالخلائق يساقون إلى الجنة وأنا أساق إلى النار مع أهلها، فتركته وما هوعليه، فأخذ في البكاء والعبادة وقراءة القرآن، فقرأ في بعض الليالي: "فو ربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون" الحجر: 92، 93،. ففكر فيها وجعل يبكي حتى غشي عليه، فجاءت أمه إليه، فنادته، فلم يجبها، فقالت له: يا حبيبي وقرة عيني أين الملتقى? فقال بصوت ضعيف يا أماه: إن لم تجديني في عرصات القيامة، فاسألي مالكاً خازن النار عني، ثم شهق شهقة، فمات رحمه الله تعالى، فغسلته أمه وجهزته، وخرجت تنادي: أيها الناس هلموا إلى الصلاة على قتيل النار، فجاء الناس من كل جانب، فلم ير أكثر جمعاً ولا أغزر دمعاً من ذلك اليوم فلما دفنوه نام بعض أصدقائه تلك الليلة، فرآه يتبختر في الجنة وعليه حلة خضراء، وهو يقرأ الآية: "فو ربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون"، ويقول: وعزته وجلاله سألني ورحمني وغفر لي وتجاوز عني ألا أخبروا عني والدتي بذلك.


ــــــــــــــــــــ


قمة الإيثار
قال حذيفة العدوي: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي في القتلى ومعي شيء من الماء وأنا أقول، إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به بين القتلى، فقلت له أسقيك، فأشار إلي أن نعم، فإذا برجل يقول آه، فأشار إلي ابن عمي أن انطلق إليه واسقه، فإذا هو هشام بن العاص، ففلت أسقيك، فأشار إلي أن نعم. فسمع آخر يقول آه، فأشار الي أن انطلق إليه، فجئته، فإذا هو قد مات. فرجعت إلى هشام، فإذا هو قد مات. فرجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات.


ــــــــــــــــــــ

ما نلت ذنبا
كان نصر بن حجّاج بن علاط البهزيّ من أجمل الناس، فدعا به عمر فسيره إلى البصرة بعد أن سمع امرأةً ذات ليلة تقول:
ألا سبيل إلى خمرٍ فأشـربـهـا
أم هل سبيلٌ إلى نصر بن حجّاج
(والقصة مشهورة) فأتى مجاشع بن مسعود السّلميّ فدخل عليه يوماً وعنده امرأته شميلة وكان مجاشع أميّاً، فكتب نصر على الأرض: أحبّك حبّاً لو كان فوقك لأظلك أوتحتك لأقلّك. فكتبت هي وأنا واللّه كذلك. فكبّ مجاشعٌ على الكتابة إناءً ثم أدخل كاتباً فقرأه، فأخرج نصراً وطلّقها - فقال نصر بن حجّاج:
وما لي ذنبٌ غير ظنّ ظننـتـه
وفي بعض تصديق الظنون أثام
لعمري إن سيّرتني أو حرمتني
وما نلت ذنبـاً إنّ ذا لـحـرام
أأن غنّت الذّلفاء ليلاً بـمـنـيةٍ
وبعض أمانيّ النسـاء غـرام
ظننت بي الظنّ الذي ليس بعده
بقاءٌ وما لي في النّـديّ كـلام
فأصبحت منفيّاً على غـير ريبةٍ
وقد كان لي بالمكّتين مـقـام
ويمنعني ممّا تمنّت تكـرّمـي
وآباء صدقً سالـفـون كـرام
ويمنعها ممّا تمنّـت حـياؤهـا
وحالٌ لها مع عـفّةٍ وصـيام
وهاتان حالانا فهل أنت راجعي
وقد خفّ منّي كاهلٌ وسـنـام

قال ابن قتيبة الدينوري في (عيون الأخبار) بعد إيراده للقصة والأبيات:" وأنا أحسب هذا الشعر مصنوعاً"..والخبر كله تغلب عليه الصنعة والله تعالى أعلم ولكنا نورده ها هنا استملاحا.

ــــــــــــــــــــ


من جوامع الخطب
عن شعيب بن صفوان، عن أبيه قال: خطب عمر بن عبدالعزيز بخُناصرةَ خطبةً لم يخطُبْ بعدها غيرَها حتّى مات رحمه اللَّه، فحمِد اللًَّه وأثنى عليه وصلى على نبيّه ثم قال: أيُّها الناس، إنّكم لم تُخلَقوا عبثاً ولم تُتَركوا سُدًى، وإنّ لكم مَعاداً يحكم اللَّه بينكم فيه، فخابَ وخَسِرَ من خرج من رحمة اللَّه التي وسعَتْ كلَّ شيء، وحُرِم الجنَّةَ التي عَرضُها السّموات والأرض، واعلموا أنّ الأمان غداً لمن خاف اللَّه اليوم، وباع قليلاً بكثير، وفائتاً بباق، ألا تُرَون أنّكم في أسلاب الهالكين، وسيخلِّفها مِن بَعدكم الباقون كذلك، حتى تُرَدُّوا إلى خير الوارثين، ثم أنتم في كلِّ يوم تُشَيِّعونَ غادياً ورائحاً إلى اللَّه، قد قَضَى نحبَه وبلَغ أجلَه، ثم تغيِّبونه في صَدْعٍ من الأرض، ثم تَدَعونه غير مُوَسَّد ولا مُمَهَّد، قد خَلَع الأسبابَ، وفارَق الأحباب، وباشَرَ التراب، وواجَه الحِساب، غَنيّاً عما تَرك، فقيراً إلى ما قدّم، وايمُ اللَّهِ إنِّي لأقول لكم هذه المقالةَ، وما أعلَمُ عند أحدٍ منكم من الذُّنوب أكثَرَ مما عندي، فأستغفر اللّه لي ولكم، وما تبلغُنا حاجةٌ يتّسع لها ماعندنا إلاّ سدَدناها، وما أحدٌ منكم إلاّ ودِدْت أنّ يده مع يدي، ولُحْمَتي الذين يلونني، حتى يستويَ عيشُنا وعيشكم، وايمُ اللَّه إنِّي لو أردت غير هذا من عيشٍ أو غَضَارة، لكان اللسان مني ناطقاً ذَلُولاً، عالماً بأسبابه، لكنه مضى من اللّه كتاب ناطق، وسُنّة عادِلَة، دَلَّ فيهَا على طاعته، ونهى فيها عن معصيته، ثم بكى رحمه اللَّه، فتلقَّى دموعَ عينيه بطرَف ردائِه، ثم نزل، فلم يُرَ على تلك الأعواد حتّى قبضه اللَّه إلى رحمته.

ــــــــــــــــــــ


وفاء بلغ الغاية
عن رجل من بني أسدٍ قال: أضللت إبلاً لي، فخرجت في طلبهنّ، فهبطت وادياً وإذا أنا بفتاةٍ أعشى نور وجهها نور بصري؛ فقالت لي: يا فتى، ما لي أراك مدلّها? فقلت: أضللت إبلاً لي فأنا في طلبها. قالت: أفأدلّك على من هي عنده وإن شاء أعطاكها? قلت: نعم ولك أفضلهنّ. قالت: الذي أعطاكهنّ أخذهنّ وإن شاء ردهنّ، فسله من طريق اليقين لا من طريق الإختبار. فأعجبني ما رأيت من جمالها وحسن كلامها، فقلت: ألك بعلٌ? قالت: قد كان، ودعي فأجاب فأعيد إلى ما خلق منه. قلت: فما قولك في بعل تؤمن بوائقه، ولا تذمّ خلائقه? فرفعت رأسها وتنفّست وقالت:
كنّا كغصنين في أصلٍ غذاؤهما
ماء الجداول في روضات جنّات
فاجتثّ خيرهما من جنب صاحبه
دهرٌ يكرّ بترحاتٍ وفـرحـات
وكان عاهدني إن خانني زمـنٌ
ألاّ يضاجع أنثى بعد مثـواتـي
وكنت عاهدته إن خانـه زمـنٌ
ألاّ أبوء ببعل طول محـياتـي
فلم نزل هكذا والوصل شيمتنـا
حتى توفّي قريباً مذ سـنـيّات
فاقبض عنانك عمّن ليس يردعه
عن الوفاء خلافٌ بالتـحـيّات


أعلى



الأدب الشعبي


بوح ..
فيما سبق ذكره

كنا قد تطرقنا ذات أسبوع نحو الحديث عن ندرة الكتابة في القصائد الدينية لدى الشاعر الشعبي، ومع نفحات هذا الشهر الفضيل كنا نطمح بأن تتجسد ملامح ذلك الحديث في قصائد مختلفة من الشعراء نستطيع من خلالها توضيح قدرة الشاعر الشعبي العماني الكتابة في هذا الجانب المهم في غرض قصيدته، لنقدم نموذجا مثاليا ومغايرا عما اعتادت عليه صفحات الشعر الشعبي خلال الأيام الخارجة عن رمضان، ولكن ما زالت القصيدة الدينية حبيسة لا ينطلق بها الشاعر إلا في حالات الصدام مع الآخر، او في حالات الثورة المناسباتية - لا أكثر -، في الوقت الذي من المفترض ان يخوض الشاعر تجارب مختلفة من الكتابة فيما هو متاح من إمكانية الزمان والمكان اللذين يشكلان في حد ذاتهما حالة من الحِراك النوعي للكتابة ولكنها غير مُستغلة الا لأغراض خاصة جدا، فهل اصبحت النزعة الصدامية فيما يتعلق بالدين هي الرافد الوحيد للكتابة الشعرية فيه؟، ام ان شعراءنا اساسا لا يجيدون الكتابة في هذا الجانب المهم من حياتنا؟

***

تناولنا في أسبوع ماض ايضا الفعاليات الثقافية في الشهر الفضيل، وقد تطرقنا في الحديث عن أهمية انتقاء العنصر الثقافي المهم للجمهور لضمان الحضور، او الاستغناء عن هذه الفعاليات في هذا التوقيت خصوصا في ظل ما تستغله شاشات الفضائيات من جذب جماهيري لافت نحو محتوياتها، وقد اكدت تجربة النصف الأول من رمضان عدم نجاح الفعالية الثقافية من النواحي الجماهيرية فقد أقيمت عدة فعاليات، بعضها لم يتعد الحضور عن خمسة وبعضها الآخر وصل للثلاثين كحد اقصى، والعدد الأخير في ظل ظروف الزمان هو مناسب نوعا ما، ولكن في المقابل يجب ألاَ نجامل أنفسنا ونصنع الأعذار لضمان النجاح فكل التجارب تؤكد العكس لذا من الواجب أن نراعي الجوانب المهمة في شهر رمضان ورغبة الجمهور حتى نقدم صورة ادبية مناسبة إذا ما اقتضت التنفيذ، ونخدم من ناحية أخرى الجمهور بحيث تعم الفائدة على الجميع .. اما التغريد خارج السرب بهكذا فعاليات اعتقد انه بحاجة لجرأة في اتخاذ القرار لا تبتعد عن التوقف .. فإلى متى نتذرع بالثقافة والعمل في وقتٍ ندرك به الحال وطبيعة الجمهور بمختلف المستويات ؟

***

تواصلا لما ذكرنا في الأسبوع الماضي عن مدى إمكانية البحث في حياة الشاعر العماني وتقديم مسلسل تلفزيوني يحكي سيرته الذاتية وتجربته الشعرية، وقد تعاطى مع مفردات هذه الفكرة الكثير من المتتبعين الذين تساءلوا .. ما المانع ؟، من وجهة نظري ان الكاتب العماني والباحث خصوصا قادر بشكل من الأشكال على توليف ما ممكن ان يتحول إلى سيناريو مليء بالإثارة والتشويق عن تجربة أي شاعر عماني راحل او احد الشعراء المعاصرين، ونقوم من خلال تجارب الآخرين بالانطلاق حيث انتهوا ونقدم التحديث المناسب بما يتواءم وطبيعة الحال في السلطنة، و ظروفه المحيطة وكلنا ثقة في كتَاب السيناريو بالسلطنة في ظل تواصلهم مع المثقف .. فمتى تبدأ هذه الخطوة التي من المؤكد انها ستقدم الجديد للدراما المحلية بعيدا عن صراعات الخير والشر المتكررة ؟


ومضة ..


مرت ثلاث سنين يا عمري يواريك الـتراب
ما جيت في عيدي ثلاث اعوام واليوم ( أربعة )
ما مرني وادي البكاء حبلٍ على وجه الشــباب .
إلا تذكّرته الم لابــد إنــي اقطعــه
يا هيه تتناصف حياتي بين حيطان وخــراب
والوقت في عمري قضى ما بيننا ضيق وسعه

فيصل العلوي *
*


ــــــــــــــــــــــــــ

سدر ومعارج

محتاج أبث الهم يابيض الأوراق
بي حاجة لين الشعر تكتويني
نفسي أفضفض دامه الصبح مافاق
وأنسج من الظلمة خيوط لحنيني
أسري بشعري للفضاءات وأنساق
خلف السحاب،، أروي وطن يرتويني
وأدمي صفى طرسي وينراق هراق
حبر ٍ يحاكي دمعة وسط عيني
وتفيض/ وإن ساحت تنفست بإشهاق
تنهيدة ٍ تسحب خطايا سنيني
ذا الليل رحب ٍ كل ما هالفضاء ضاق
أرمي بصدره بعض همي //أنيني
أشكي له أوجاعي، يطوقني عناق
وأبصر والأقي النجم في راحتيني
آه يابعد كلي،تبليت الأعماق
أزريت فيني لين ماعاد فيني
قدرة على تمرير لحظات لفراق
في ذاكرة شاعر شكى الهجر حيني
أسرج خياله للمعارج والأفآق
ياسدرة البعد الأخير أحتويني
للبوح روح وبثها ذكر الأشواق
وأزهاقها كضم يكبل يديني
وأنا أمتطيت الشعر واشددته اوثاق
وأطلقت لعنان القصايد حنيني
نفسي ابث الهم يابيض الاوراق
بي الف حاجة للبكاء تكتويني

خميس الوشاحي

ــــــــــــــــــــــــــ


ظل النار

عطيني للوداع الشمع هدية روح هالليلة
بقى من عمرنا الشي القليل الا الذنوب كثار
أعلق شمعتين للظلام وأحرق اكليلة
رماده أجمعه ارسم عليه جرح ووطن وجدار
وداع ملحه أحضان السفر والشوق قنديله
وظل يتعبه قلب المسافر والحدود النار
عطيني ما بقى الا المساء يضعف على حيله
وباقي صحوة غبار وصوت الفجر والسحار
عسى لا ضمني يوم اللقا بك تفترق ليله
فلا قلتي الصباح اليوم تنسى اللي مضى ما صار
عطيني قبل لا يصبا النهار ويعثر بخيله
قبل لا ننفضح بثيابنا وترابنا والعار
لعنت بلحظة الميلاد يوم مثل هالليلة
تموت أحلامنا قدامنا وأعمارنا تذكار

صالح الرئيسي

أعلى





رؤية انطباعية للقصائد المشاركة بالملتقى الأدبي الرابع عشر بصلالة ( المستوى الثالث )

رؤية - حمد الخروصي : الشاعر الناجح هو من يتقبل آراء الآخرين ويحاول أن يجهد نفسه من أجل إثبات تفرده وإبداعه، ومهما كانت بعض الآراء حادة وقاسية وعنيفة إلا أن الشاعر الحقيقي هو من يستطيع البقاء في ذاكرة الناس بأبياته الشعرية القوية وبما أنجزه خلال تجربته الشعرية. إن الشاعر لا يملك أية وسيلة لإثبات شاعريته غير القصيدة، فليس من حق الشاعر أبدا أن يثبت تطوّره وتميّزه وإبداعه بالحديث والجدال مع الآخرين والتحدث عن نفسه بزهو وغرور وسذاجة بل عليه أن ينتقد نفسه قبل أن يُنتقد، حتى يتطوّر ويظل في قلق ٍ دائم مع الكتابة ..
في مسابقة الملتقى الأدبي الأخير حصلت على النصوص المشاركة وعددها أربعة عشر نصا (باستثناء قصيدة واحدة للشاعر علي الراسبي) وقد تمعنت في نتائج المسابقة ووجدت من الضروري أن يكون لي رأيي الخاص في جميع القصائد المشاركة، وما هذه القراءة سوى رأي شخصي وانطباعي بحت يعتمد على ذائقتي البسيطة محاولا تبرير هذا الرأي ودعمه بما أعرفه عن الشعر أو بما قد تعرفت عليه خلال تجربتي القصيرة، متمنيا أن يتقبله الأخوة الشعراء بصدر رحب. وأولا، لابد أن أقدم بطاقة شكر إلى الأساتذة أعضاء لجنة التحكيم الشاعر محمد البريكي والشاعر سالم بن بخيت المعشني (أبو قيس) وهما من أعمدة الشعر الشعبي في السلطنة ولهما دور كبير وجهد عظيم في تطوير القصيدة العمانية وتفعيل الساحة الشعبية .

نظرة عامة

لقد قمت بتقسيم القصائد إلى ثلاثة مستويات واعتمدت على أساسيات شعرية معروفة منها : صحة الوزن و القافية ، وعدم وقوع الشاعر في الأخطاء البديهية والمسلمات الشعرية والفنية ، و رقي الموضوع وإمكانية تأويله للقارئ رغم غموض ورمزية اللغة الشعرية ، وسلاسة اللغة الشعرية وعمق المعنى وقوته وغزارة العاطفة وتدفقها في القصيدة.. ، وترابط الصور الشعرية وتناسق الأفكار .. ، ونجاح الشاعر في التشبيه و الاستعارة والتمثيل والرمز وابتكاره لما هو جديد وأصيل. وبعد أن خضعت القصائد إلى المعايير الفنية جاء توزيعها على ثلاثة مستويات متفاوتة بشكل تصاعدي فجاء في المستوى الثالث القصائد التالية: (مجد الحضارة) للشاعر هزاع السعدي ، و(شموعي) للشاعر يوسف البلوشي ، و(منهج الغابة) للشاعر محمد الغافري ، و(تباشير الصباح) للشاعر قاسم الحضرمي ، و(أمل نافذ) للشاعر سعد اليحمدي ، و(بسملة عمر) للشاعرة أصيلة المعمري ، و(قول لهم أغيب) للشاعر مرهون العلوي.

المستوى الثالث

في هذا المستوى جاءت القصائد التي افتقرت إلى اللغة الشعرية الجميلة وذلك بتوظيفها لمفردات مستهلكة وربما منقرضة ، ليس بها روح؛ بسبب الاستخدام والتداول فانحدرت إلى مستوى الكلام العادي الذي لا يؤثر في النفس ولا يستفز الذهن فأزعجت القارئ بركاكتها وبساطتها فنفر منها، متمنيا من أصحابها الاهتمام بهذه النقطة تحديدا فاللغة هي روح القصيدة ولابد أن تكون هذه الروح متمردة ثائرة أو خفيفة ناعمة كالحرير ومن الأمثلة ما جاء في قصيدة يوسف البلوشي بعنوان "شموعي":

كم زرع شوقه في قلبه ولا أرتشف منك رحيقه
بس حلات الحب مرة وأنا بأحزاني قنوعي

فمفردات مثل: (حلات الحب) و(صبوعي) أو( كيف أبحكي عن غلاتك) و(حاشا) وشبيهاتها قد أنطفئ بريقها ولم تعد مغرية للقارئ ، وهذا الحديث ينطبق على قصائد أخرى ومنها قصيدة محمد الغافري "منهج الغابة":

فراق الزين جنني وأنا يا صاحبي منصاب
أو
إذا كان الأسد راقد طبيعي للذياب أنياب
وإذا عين الصقر نامت ترى الغربان نهابه

أو هذا البيت:
أنا يا صاحبي عاشق رماه الدهر في الأتعاب

هذا لا يعني أن الشعراء يعيبهم استخدام مثل هذه الألفاظ ولكن لابد من توظيفها بطريقة جديدة أو في قالب شعري يدهش القارئ ويفاجئه، ويكفي أن نتذكر غراب البين وكيف استخدمه بعض الشعراء بطريقة رمزية فيها الكثير من الذكاء والفطنة.
وبجانب هذه القصائد أي التي افتقرت إلى اللغة الشعرية الجميلة هناك قصائد تميّزت مفرداتها بطراوة وعذوبة ولكنها اصطدمت بجدار القافية الخشن فلم تنجح في تجاوز هذا الجدار العازل فترهلت وفقدت نضارتها وحيويتها وسلاستها كما في قصيدة أصيلة المعمري الفائزة بالمركز الرابع والتي كان من أكبر عيوبها قافية الصدر :
رزنامتك، كذبتك، سجدتك، ركعتك، طينتك، ساعتك، نيتك،.......
ورغم أن الشاعرة تمتلك لغة شعرية جميلة وخيال خصب وتتحدث عن موضوع فلسفي إنساني وهو الموت وما بعده إلا أنها لم تكن موفقة في توظيف إمكانياتها بالطريقة المثيرة والناجحة، فعاب القصيدة ضعف الصور الشعرية وضمورها، والملاحظ أن بداية أي شطر في القصيدة تكون متوسطة ولكن النصف الثاني من نفس الشطر يكون ضعيفا جدا بسبب القافية :

مهما نفخ هذا الملك (روحه يبلوّر وحشتك)
خوفي تسولف للزمن عن جنتك و السوسنة

فمفردة (يبلور) غير مستساغة وجافة وتحمل طابعا علميا وقد أضرت بالجملة الشعرية وكان لدى الشاعرة الكثير من الخيارات المناسبة. حتى حينما تحاول الشاعرة تعريف (البسملة) التي ذكرتها في بيت سابق فأنها تقع في فخ ركاكة المعنى و بساطته:
البسملة ما هي زمن يكتم مواجع ساعتك
البسملة: تغفر ذنب رزنامتك في دوزنة
ولا أعرف ما علاقة هذا الشطر بالشعر، إن محاولة قراءة (رزنامتك في دوزنه) لأكثر من مرة محاولة مزعجة، فالجملة لا تصلح بأن تكون شعرا ! ،وفي القصيدة الكثير من الأبيات العادية، ويجب على شاعرتنا أن تتمهل في كتابة القصيدة وأن تختار ما يساعدها على اختراق مجاهيل الشعر وأن تجهد ذهنها وروحها حتى تصل إلى ما نتأمله منها ونتوقعه من شاعرة بإمكانياتها . كما اعتقد بأن فوزها بالمركز الرابع جاء كدافع وتشجيع من لجنة التحكيم لها وذلك لمشاركتها وجرأتها وحتى يكون تكريمها دافعا لزميلاتها المبدعات للمشاركة في المستقبل حيث أن مشاركتها كانت هي المشاركة النسائية الوحيدة وعليها أن تستفيد من هذا التكريم وتحاول أن تكتب الأفضل. ومن القصائد التي لم تتجاوز المستوى الثالث قصيدة بعنوان : "تباشير الصباح" للشاعر قاسم الحضرمي والتي تبدأ بهذا البيت: (لاحت الدمعة خجول أول تباشير الصباح )

أعاب بعض الشعراء في هذا البيت أن الشاعر لم يستخدم تاء التأنيث في خجول وهي صفة للدمعة فاصبحت مذكرا ، وقد اعتقدوا ان الشاعر حذف التاء المربوطة لكي يستقيم الوزن لا أكثر، ولكني أخالفهم في ما ذهبوا إليه فالشعر الفصيح به الكثير من هذه الأمثلة والتي تأتي على وزن فعول مثل : امرأة عجول وبقرة حلوب و.......... يقول امروء القيس:
ومثلك بيضـاء العـوارض طفلـة
لعوب تنسينـي إذا قمت سربالـي

فأمروء القيس لم يقل طفلة لعوبة مثلا !!.. فهل كان شاعرنا يعلم بذلك؟ ، البيت الثاني يجيب على السؤال السابق فالشاعر قد وقع في خطأ لا مبرر له عشوائية الكتابة وعدم وضوح الفكرة في ذهن الشاعر فعجز عن توصيلها للقارئ بالصورة الشعرية المناسبة ,,(جيت في قلبي هدية تحملي وردك نجاح ) ، فهنا لا نعرف لمن تعود (الياء) في تحملي رغم أن الذي جاء حاملا الهدية في قلبه هو الشاعر نفسه !!. ويجب أن أشير إلى أن في قصيدة الحضرمي بعض الأبيات الجميلة والتي تدل على شاعرية تحتاج إلى بعض التركيز، ويكفي أننا نقرأ في نفس القصيدة:

ما انهزم قلب المدينة قبل طعنك بالرماح
أو
من يشد النور بيده قال حي على الفلاح

من كتب مثل هذه الأفكار لابد أن لا يتنازل أبدا عن مستواه ولا يكتب مثلا أبياتاً مجانية لا تحمل معنىً شعريا وجزالةً لغوية وفكرا وبعدا جماليا ، فأستغرب من شاعرنا أنه كتب مثلا:
لا تزيدي الهم فيني و أتبعثر في المزيد
أو
حرم الله قتل مسلم وأنا أنزف لك جراح
أو
لا يموت الحر مثلي والبكاء لأم الوليد

أيضا في هذا المستوى تنجد قصيدة هزاع بن دانوق السعدي وهي قصيدة وطنية ورغم سمو موضوعها إلا أن الشاعر لم يوفق في التعبير عن حبه بطريقة شعرية قوية فجاءت القصيدة بسيطة. وأجمل ما في القصيدة أنها تتحدث عن عمان وعن باني نهضتها.. نقرأ في القصيدة أفكارا كتبت بسهولة وبساطة وعفوية الإنسان العادي:

و أخبيها عن العين وعن الحاسد وأداريها
لأن العين ما تعلى عن الحاجب وأنا إنسان

كل ما قاله الشاعر لا يتعدى كونه صف كلام وحشو لا أكثر، على الشاعر أن يفجّر اللغة ويستخرج من أعماقها صورا خالدة وعبارات جديدة لا يصل إليها سوى الشاعر المبدع الذي يحب التجريب ويهوى السفر في دروب لم تُعبّد بعد، وهذا ما ننتظره من الشاعر هزاع السعدي الذي يتلّمس الخطوات الأولى في طريق الكتابة. ومن القصائد التي حملت من العاطفة والحزن الشفاف واللغة الجميلة ما يستحق الثناء قصيدة مرهون العلوي (قول لهم أغيب) ولكن شاعرنا أيضا وقع في أخطاء أضعفت القصيدة فظلم نفسه بنفسه رغم بصيص النور الذي يشع من بعض الأبيات والذي نلمح منه شاعرا جميلا يمتلك مقدرة أكثر من ذلك ، فالعلوي يقول: (يالغريب الممتلي في داخلك هذا الزحام).

هذا البيت الذي يحمل بعدا فلسفيا شعريا جميلا، لم يوفق الشاعر في إكماله بنفس القوة والتفجّر فجاء الشطر الثاني منه باهتا: (أسئلة بتزاحمك وتغيب في وقت المغيب) ، أيضا من الأبيات الجميلة التي حملت صورة شعرية رائعة البيت الذي جاء فيه:

(تشعل شموعك على دربك ويطفيها الظلام
تفسل بقلب الأوادم حب من نخلك يطيب)

إن شاعرا نجح في التقاط هذه الصورة الجميلة ووظف مفردة دارجة تحمل هوية الأرض و الإنسان يستطيع أن يتغلب على نفسه ويكتب الأجمل. فشاعرنا استعار مفردة (تفسل) وهي الطريقة التي يستخدمها الفلاح العماني في تنبيت النخيل حتى يجني بعد ذلك ثمار نخيله. الشاعر وظّف فعل التفسيل في قلوب الناس وهذا التفسيل يكون بالحب وهي إلتقاطة ذكية عابها فقط الجزء الآخر من الصورة، فجملة ( حب من نخلك يطيب) لم تكمل الصورة الجميلة للنص الأول (تفسل بقلب الأوادم) إن هذه الصورة العقلية الجزئية ضَعُفت حينما اجتمعت مع الجملة التي تكمل البيت,, فتلاشى تأثيرها وأنطفئ بريقها . ومن القصائد التي احتوت على صورا ضعيفة وباهتة قصيدة (أمل نافذ) للشاعر سعد اليحمدي فبرغم ترابط أفكار الشاعر وتتابعها وبرغم وضوح الحالة النفسية للشاعر في القصيدة إلا أن شاعرنا لم يوفق في اكتشاف صورا شعرية تجذب القارئ و تدهشه ومن الصور الضعيفة : (سنين أغرس أمل نافذ وآثاري تربتي أوهام ) . إن مفردة (نافذ) ليست سوى حشو، فمفردة نافذ تعني عابر ومخترق فكيف للشاعر أن يزرع أمل مخترق!!، و يتفاجأ بعد ذلك بأن الأرض أوهام ولا تصلح للأحلام!!، ويقول أيضا في بيت آخر :
(تركتيني مثل طفل يتيم ٍ من قبل لا ينام
وسط وحشة وبين أشباح ترسمها شياطيني)

كان على الشاعر أن يصوّر معاناته في صورا شعرية أكثر تأثيرا وفعالية وأن تكون استعاراته وتشبيهاته أقوى وأجمل وقد نجح في هذا الشطر : (حمم وادي تجر سمومها تتلف بساتيني ) ،وبعد أن مررت على قصائد المستوى الأول، وحاولت كشف عيوبها وبعض جمالياتها سوف أنتقل بكم إلى المستوى الثاني حيث تضمّن هذا المستوى نصوصا أكثر جراءة وتجريبا، وأقل أخطاء وعيوبا لذلك سوف نقرأها بتمهل وتركيز أكثر وسوف نقارن ما بينها ونتفحصها حسب المعايير الفنية المقررة .

*

أعلى




سيرة حجر
مُصلـّى العابد

هذه ليست المرة الأولى التي ينام فيها في هذا المكان، فلقد تعود أن يجيء إلى هنا بعد سهرته المعهودة، خصوصا عندما يكون الدور عليه ليلا في سقاية النخيل، ولأن هذا المكان مفتوحا وطلقا، فهو يحب أن ينام هنا منتظرا دوره، حيث سيوقظه زعيق الذي سبقه، فالمكان يتسم بتلك النسمات التي تمر عليه، بعد مرورها بالمساحات المزروعة بالنخيل والمانجو والليمون، وعلى ضفاف كل هذه المزروعات، تصطف مزارع ألقت بمحاذاة الوادي، مما يجعل النسمات باردة في هذا الوقت من الصيف.
في تلك الليلة الحالكة، وبعد أن أطفأ شمعة قنديله، نام، كان المكان هادئا، لا يُسمع إلا حفيف الأشجار وصرير الحشرات الليلية، كل شيء كان مهيأ لنومة عميقة، الرملة الناعمة تلك، بلورات الوادي التي صقلتها مياه السيول منذ ملايين السنين، تعبه النهاريّ، النسمات اللطيفة الباردة، وما هي إلا لحظات حتى غرق في سباته العميق.
لم يكن يحلم، لقد فتح عينيه واستمع جيدا لما يحدث، كانت هنالك في تلك الظلمة خطوات تهبط من الجبل، يتضح صوتها شيئا فشيئا، قادمة نحوه، كانت هنالك عكاز تدق على الصخر بإيقاع موزون، اتجهت الخطى صوب الوادي، سمع طرطشة الماء وشعر بأحد وكأنه يتوضأ، كل شيء كان يشعره ببطء، كانت الخطوات بطيئة ومتمهلة، خطوات واثقة من نفسها، تمشي في هذا الوادي المليء بالصخور والعثرات، خطوات لا تستعين بقنديل، جاءت فأيقظته، وما هي إلا فترة زمنية حتى اتجهت هذه الخطوات ناحية مرقده.
كان عليه أن يقرر ما يفعله، لم يكن خائفا لذا قرر أن يمثل بأنه نائم، حتى يدرك سرّ هذا القادم الليلي، الذي وقف على رأسه، وبدأ بصوت أجش وهادئ في إقامة صلاته.
لقد شعر بكل شيء لكنه لم ير شيئا، شعر بالهمس، وبالركوع والسجود والقيام، تابع كل حركات هذا المصلي لكنه لم يلمح لا سوادا ولا بياضا، كان المكان فارغا، إلا من تلك الظلمة، والتي لم تكن حالكة بالمعنى، فهو يستطيع أن يرى فيها أشباح النخيل وحركتها بسبب النسمات الطفيفة، حبس أنفاسه أكثر، شعر بحرارة الجسم الذي يقف بالقرب منه مؤديا صلاته، سمعه ينهيها، ثم يقوم متجها بخطواته مرة أخرى صاعدا ناحية الجبل.
يطلق على المكان الذي نام فيه، مصلى العابد، وكثيرة هي المصليات بين الجبال وعلى ضفاف الوديان وأحيانا تكون على القمم، وكثيرا تدور حول هذه الأمكنة حكايات وحكايات، فبعضهم أقسم أنه سمع من يؤذن ويقيم للصلاة، بصوت مسموع، وبعضهم قال أنه رأى في الضحى وهو يهبط إلى الوادي رجلا يلبس ثيابا بيضاء، يجر أمامه لحية بيضاء طويلة كان يتمشى بالقرب من المصلى، ومنهم من قال أنه كان نائما هناك وقد أحس بقرع العصى على رأسه، لأنه كان ينام مستعرضا المصلى، كثيرة هي الحكايات، ولكنه لم يكن يصدق كل ما قيل، حتى تلك الليلة، التي شعر بعدها بشعر رأسه يقف، وأحس بجسده ينتفخ، حتى أطلق ساقيه راكضا، يتعثر بين الصخور حتى دخل ناحية النخيل، وهنالك أشعل شمعة قنديله مرتبكا، وعاد إلى بيته.

زاهر القاسمي

أعلى



الصوت والصوت الآخر

يتكوّر الصوتُ الآخر كجنين يتوجب إجهاضه، ويتعلّق كالصدى الذي لا يُفتَحُ له باب، ولا تقبله مدينة...
في ظل ثقافة دأبها أن تكون صوتاً واحداً، ونظراً واحِداً، وسمعاً واحِداً، وبلاهة واحدة، تتقطع السبل وتنهار الجسور وتتكسر المائدة...
في مناخ الاختلاف، تتكوّن مدينتنا الحلمية، كي لا تمطرنا السماء بضفادعها وسحاليها، وكي لا تهزأ بنا الأرض وتقذف لنا بخراباتها وأوبئتها التي لا ترحم..

في ظل ثقافة سائدة، أحادية البعد، مهادنة، محايدة، مدائحية، متملقة.. تتحوّل المدينة إلى كارثة وتندفع بشكل حثيث إلى قباحة، ولا يصير للخطاب إلا زخارفه وتنميقاته، ولا يتبقى للكائن إلا مظهره ومسوخاته..

في مهد ثقافة كهذه، وفي حرمها وحوزتها، ترغي الكلمات وتزبد، لكنها لا تقول إلا ما تقول. ويكبر النصّ ويستطيل، لكنه بلا ظلال ولا أشواق. وتتساقط الخطب والمواعظ كالحصى من الجبل، لكنها تمرح في مكان ضيق معبأ بالتفاهة والأحابيل، بينما روح الإنسانية وانتباهاتها وطفولاتها وكنوزها الشفيفة، تجأر بالنداء والرجاء والشكوى، في مكان آخر...

في ظل ثقافة دأبها أن تكون صوتاً واحداً، ونظراً واحِداً، وسمعاً واحِداً، وبلاهة واحدة، تتقطع السبل بالجميلين، وتنهار الجسور وتتكسر المائدة...

في ظلّ ثقافة تحيي الميّت، وتقتل الحيّ. في ظلّ ثقافة ترتدي الجحود والنكران لحساسية جديدة، وفكرة جديدة، وشرفة جديدة: يختفي الصوت الآخر، ويُقبَرُ الاختلاف..

في المزاج الأجوف والصلابة المفتعلة، الذين يسوسان العلاقات، ويسترشدان بالصلادة والتلادة، وبالمعركة والحرب، وبالشطرنج والنارنج، وبالأسود والأبيض، وبالخفير والوزير، وبالعالي والواطي، تتسمّم المدينة ويتلوّى الحلم من الألم..

يقف المزاج الأجوف، في رؤوس العماليق الطاعنين في اليباس، مثل دبّابة أمام طفل، وتتصعّد فكرة الالتزام لتصبح إلزاماً مريضاً خالياً من القيم الجمالية بل والوطنية التي يتم استدعاؤها ما لزم الأمر وما لا يلزم.. كما لو أن التاريخ تتم كتابته بنكتة، والجغرافيا يتم رسمها بمشرط، والأفق يتم تدبيجه بكرسيّ أو وظيفة أو أمر..

تتمشّى الرساميل والأدمغة المنتفخة، للفتك المنظم والمبرمج، بالقلوب والعقول، ليتحوّل ابن آدم إلى كومة من النقود ليس غير، وإلى عربة صقيلة من المعادن ولا شيء آخر، وإلى عمارة من الحديد والإسمنت المسلّح ليس إلا، وإلى تدرّجٍ وظيفيٍّ محمومٍ لنيل مجد سخيف، وتعزيز "روبوت" جديد..
وليست الملامة على الحجارة أو العمارة أو العربة أو العمل، بل على القبضة والأرض مفتوحة، وعلى الفجاجة الآلية التي تقتات من الضحالة الروحية، وعلى الفرمانات والقرارات التي لا تختزن مجد الفلاح ولا تتعلم من قصة النملة.. ذلك الفلاح الذي يعتمر النشوة بينما يكدّ ويعرق، وتلك النملة التي تفطن إلى الفصل القادم، والضياع القادم..

في بيئة ومناخٍ كهذين، لمدن ناشئة، تحتكم في ماضيها التليد إلى التاريخ، وفي مستقبلها المضيء إلى المريخ، تصاب بالكهولة في ميعة الصبا، وبالشيخوخة المبكرة في عزّ الفتوّة، حين لا تعدّد ولا اختلاف، بل ائتلاف محسوب، وعدالة محسوبة، وانتظام محسوب، وثقافة محسوبة..

في صحصحان كهذا، لا يُشار إلى التناقضات ولا إلى المستويات المتعددة ولا إلى الخطابات الشتّى ولا إلى الافتراقات والمفارقات ولا إلى التجليات والانحطاطات. بل يُشارُ بالقبضة والسبّابة، وبالعصا التي أخذها معه موسى، والسيف الذي ذهبت ذكراه مع معدي كرب وابن أبي طالب والإسكندر المقدوني.. إلى الصفّ الواحد، والحلق الواحد، والخيط الواحد، والمتاهة الأولى والأخيرة..

على الأرجح، في هذا الحقل الذي لا تنبت فيه إلا شجرة الحصرم والرماد، وفي الزمان الذي لا يحبل بفصول متجددة ومتغيرة، لن نعرف رعداً وبرقاً وغيماً ومطراً وصحواً وأشجاراً لا تخيّب الظنّ..وفي زمان أعجف كهذا لن يُغاثَ فيهِ الناسُ ولن يَعْصِرون...

في مناخٍ لا يدعمه اختلاف، ولا يشفع له إخاءٌ خلاق نبيلٌ متعدِّد، وحساسية تَخِزُ وتوجِع وتنقد وتشيرُ إلى الجُرحِ والمرضِ الحميد والخبيث: يأكل الناسُ أنفسهم، ولا يعودون يعرِفونَ أنّ رؤوسهم تتطاير، وأنّ مدينتهم ستندرج في خبر كان، لا في خبر ما سوف يتحقق ويكون..

في مناخ التبريرات المسلوقة والأطر السلطوية والقوالب ذات الوصفات الجاهزة، وعوض أن يصبح الاختلاف هو الصوت الذي يضفي على الحياة إنسانيتها وسلامة تفكيرها وتعبيرها...يتكوّر الصوتُ الآخر كجنين يتوجب إجهاضه، ويتعلّق كالصدى الذي لا يُفتَحُ له باب، ولا تقبله مدينة...

في مـُناخ الاختلاف والتعدد، لا يصبح موسيقارٌ كموزارت وشاعر كجوته طارئين على ثقافتنا، ولا كافَرَيْنِ كما في أعين الفقهاء، بل حالة لقاء خصب مع الآخر، وزوّادة عالمية نطعم منها زادنا الروحيّ المتنوع..

في مناخ الاختلاف لا تُحاك الدسائس لأبي نُواس كي لا تقرأ أشعاره وحياته التي عاشها بالعرض والطول، ولا تُغلق الأبواب على ألف ليلة وليلة كي لا يقرؤها الناشئة، ولا على الحسن البصريّ كي ينفحنا من صوفيته ولا حتّى على ابن تيمية كي يرشقنا بفتاواه!..

في مناخ الاختلاف، نعرف أنّ الميّت فينا فحسب، هو ما يموت، أو ما يفصح عن موته، أو ما يحرضنا على الموت، الذي ليس حياة أبدا...

في مناخ الاختلاف يكون الدفاع عن القرية والمدينة والقلعة والبحر والفلج والجبل والضوء والظلّ والمصباح والشارع والإنسان هو ضميرنا المتحرّك الجوّال ضدّ الزيف والمصلحة الشخصية المتورمة كقرن بلا وحيد وكناب بلا فيل وكشوكة سامة لا حيوان لها!.

في مناخ الاختلاف، الذي تباركه الأنسام والأيّام، ستتكوّن مدينتنا الحلمية، دون أن تمطرنا السماء بضفادعها وسحاليها، ودون أن تهزأ بنا الأرض وتقذف لنا بخراباتها وأوبئتها التي لا ترحم..

صالح العامري*
* شاعر عماني

أعلى



للصورة بعدان
خارطة المائدة الدرامية

تبدو خارطة المائدة الدرامية العمانية في شهر رمضان المبارك مصابة بالتخمة كغيرها من موائد الدراما الخليجية والعربية، على الصعيدين، المرئي والمسموع.
ولكنها بحق، تخمة سلسة ولطيفة، خفيفة وسهلة الهضم. ولا يعني هذا أنها لا "تعورْ" الرأس وتصيبه "بفلعات" بعض الأحيان، إنها تفعل ذلك بتؤدة وبسياسة تدريجية قلما نجد لها ما يشابهها!
فالمتابع لخارطة الأعمال الدرامية المرئية لهذا العام، يجدها أعمالا ثلاثة (درايش، اليرام، وورد وشوك)، ربما تكون قابلة للزيادة في رمضان العام المقبل، وفي غياب مساهمة قطاع إنتاجي هام كشركات الإنتاج، يبدو الكلام عن جودة الأعمال الدرامية العمانية وارتفاع مستواها الفني والدرامي هو تحصيل حاصل، فلا أتوقع أن ننتظر منافسة بين قطاعين أحدهما حاضر بقوة، والثاني غائب بالفعل. يُمثل الأول وزارة الإعلام التي يقع على عاتقها الوطني إنتاج الدراما بكل أشكالها ومستوياتها، بينما يُمثل الثاني القطاع الخاص، وهو القطاع الغائب لكنه يظهر على مضض واستحياء ليدلو بدلوه _ كيفما اتفق _، وبناء على غياب شركات الإنتاج غير المبرر من ناحية، والمبرر من ناحية ثانية، يبدو لي شخصيا أن لون الدراما العمانية يظل باهتا إن لم يكن شديد القتامة. ففي غياب عناصر كثيرة هامة يستند عليها العمل الدرامي المتكامل؛ كعدم توفر النص الدرامي الجيد، وعدم توفر جاهزية عالية لممثلين من الصف الثاني، على اعتبار أن ممثلين الصف الأول الكبار (صالح زعل، سعود الدرمكي، فخرية خميس، أمينة عبد الرسول، محسن البلوشي، وشمعة محمد)، حسب تقديري الشخصي، لم يؤدوا كل الأدوار التي يستطيعون تأديتها، لأسباب تتعلق بالنص، بالإضافة إلى ذلك، عدم توفر مخرجين متفرغين، وعدم توفر فنيين محترفين، وعدم ظهور ملامح أكيدة تسهم في تغيّر لائحة الأجور المعمول بها منذ السبعينات، فكيف السبيل إلى الخروج من عنق الزجاجة؟ بل وكيف يمكن أن تتطور أدوات النقد الفني الدرامي لنقاد مختصين غير انطباعيين تتحكم عواطف كالغيْرة والانفعال والمحبة في نقدهم _ ولا أستثني نفسي من هؤلاء إن لم أكن على رأس القائمة _ فنقد العمل الدرامي بلغة العواطف والشحنات الخبيئة في النفس البشرية لا يمكنه أن يطور، لا من النقد ولا من الكتابة الدرامية، فنحن نتعامل مع إنتاج أحادي الشخصية والتوجهات والرؤى، وضمن معايير وقوانين ولوائح غير واضحة، وليس من سبيل مبدأي للخروج من عنق الزجاجة إلا بتوفر قسط كبير من الحريّة في الكتابة، ودعم مالي يقدر بالمليون ريال أو يزيد، تتولاه شركات الإنتاج، فهل هذا ممكن؟ هل يمكن أن تتسع دائرة المحظور وأن تضْيق دائرة المسموح، فلا يتقنع الكاتب بالتراث الشعبي أو بالبيئة التراثية ليقول موقفه في وجه المؤسسات، وهل يمكن أن يتمدد هذا الطموح وتدخل الكتابة أروقة ودهاليز وغرف وسبلات وحواري وشقق وفلل الأسرة العمانية لتسفر عن وجوهها المتقنعة بالحداثة المزيفة بشكل جلي؟ الحلم بأعمال درامية عمانية تود أن تقول كل ما تريد، لا تترفق بالسلبيات ولا تُجّمل القبح بل تستنكره وتزدريه ليس من باب الأمنيات المستحيلة أو الآمال العظام، إن التغير هو القاعدة الثابتة في كل العصور، والتطور المُلحق بالتغير والديناميكية، يمكنه أن يكشف عن منعطفات كثيرة شريطة أن يحرص المجتمع على إنسانيته في الحياة، والدراما التي تعمل كقوة ناعمة في السير نحو التغيير، وحدها القادرة على تثبيت كتابة ما يجري في المجتمعات من متغيرات تعصف به، وفي تقديري الشخصي، تقدم الدراما في المجتمع مرتبط بقضية الحرية إلى حدّ كبير، وأن هذه الحرية مرتهنة بمستوى التعبير والقدرة على خلق الموضوع الدرامي والجرأة الفنية القادرة على أداء الفكرة.
حين أصف الدراما العمانية بأنها سلسة ولطيفة، خفيفة وسهلة الهضم، أريد أن أكتفي بتقديم التحايا الجميلة فحسب؛ عودة الفنان (صالح زعل) في مسلسل درايش، عودة حميدة تثلج الصدر، ومن باب الصدق أن وقوف الفنان (سعود الدرمكي) إلى جانبه، يعود بنا لذكريات قديمة جميلة نبعت من مشاهدات أعمال درامية كانت بسيطة دراميا وفنيا في زمنها، لكنها أخذت تعرّفنا على شكل البدايات للدراما في عُمان، ولا بد من التأكيد على جزئية هامة، أن جيل الممثلين الصغار هو بحاجة لهؤلاء الآباء، فمهما لجأ الفنان المبتدئ إلى المكياج لتأدية دور الجد أو الأب، هناك ما يفضحه على صعيدي المصداقية والتمثيل، لاسيما، في غياب محترف كفني المكياج. ويبدو درايش في جزئه الثاني أكثر مقدرة في النفاد لمشكلات المجتمع، وأقرب تفاعلا، لاستفادته من نجوم الصف الأول، ولتنوع حلقاته بين أكثر من كاتب ولطرحه لأكثر من معالجة، إلى جانب تطور أداء بعض الممثلين الشباب الذين أثبتوا جدارتهم الفنية. وتحية أخرى أوجهها للكاتبة (شيخة الفجري) فعلى الرغم من عدم حماسي لقصة المسلسل (اليرام) لهفوات درامية وفنية واضحة وقع فيها النص، إلاّ أن الكاتبة تُبشر صدقا بقلم واعد، وحسّ درامي معقول في تناميه. وتحية أخرى للمعدّة المتميزة (ختام السيد) في سيرتها الهلالية التي تُعدّ أحد الأعمال المشرقة على الخارطة الإذاعية، أما التحية الأخيرة فأوجهها لثلاثة برامج إذاعية: (فوانيس) للمذيعة المتألقة والمشاكسة (سهى الرقيشي) و(مشاهدات مسموعة) إخراج الفنان (طالب محمد) وتقديم المذيع (هلال الهلالي) و(قهوة المكان) مع المذيع المتميز جدا خالد الزدجالي، لما يتمتع به هؤلاء من حيوية في طرح الموضوعات وجذب المستمع، وتفاعلهم معه، يجعله يُحس بأنه في قلب الحدث الدرامي، المحلي والخليجي والعربي، وأنه أكثر قربا من قضاياه الفنية والإنتاجية والفكرية. وبغض النظر عن وجهات النظر المختلفة التي تلازم الأعمال الدرامية في شهر رمضان يَظّل التأكيد على مبدأ يتعلق بفلسفة جمالية تقول إن مشوار ألف ميل النجاح يبدأ بخطوة، ويتسع بخطوات لا نهاية لها، آمل النجاح والتوفيق للجميع، ودمتم بألف خير ورمضان يجمعنا.

آمنة الربيع

أعلى

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept