الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 


سيرة حجر
للصورة بعدان






مبتدأ

تمثل قيمنا الإسلامية ركيزة أساسية تقوم عليها تعاملاتنا مع أنفسنا ومع الآخر، كما تشكل في جانب كبير أيضا نظرتنا تجاه الحياة والكون بشكل عام، ومن هذا المنطلق علينا أن نغرس هذه القيم في الناشئة منذ الصغر وأن نطلعهم عليها ونعودهم التزامها والحفاظ عليها، لذا فقد ارتأت وزارة التربية والتعليم تجميع معظم المقالات التي نشرها الكاتب والشاعر صالح الفهدي في صفحات جريدة (الوطن) في اصدار واحد يكون مرجعاً لطلبة مدارس التعليم الاساسي في السلطنة.. ولنقترب أكثر من هذه التجربة حاورنا مؤلف الإصدار وحاولنا سبر أغوار كتابه وأهم سماته، كما عرجنا في الحديث على بعض النقاط التي تشغله كمثقف له اشتغالاته في الشعر والمسرح.
وتواصلاً في الحديث عن الناشئة من المؤمل أن يشهد صيف عام
(2011) افتتاح "مكتبة الأطفال العامة" والتي دشنت في الأول من نوفمبر من العام الجاري، لتكون بذلك خطوة نحو إيجاد قاعدة متينة ينطلق منها الطفل نحو فضاءات المعرفة والاطلاع.
فجميعنا يعلم مدى الأهمية الكبيرة التي تحظى بها تنشئة الأجيال، وأن وجود مصادر تساعد الطفل على اكتشاف ما حوله والإجابة على تساؤلاته، بأسلوب يقترب ويتماشى مع قدراته وسنّه من شأنه أن يوفر أشواطاً كبيرة ويختزل خطوات عديدة في مسيرته الحياتية. ولكن يبقى التحدي الأكبر هو كيف نغرس حب القراءة في نفوس أطفالنا، وكيف نولد حالة من التوحد بينهم والكتاب.. كيف نرشد الطفل إلى القراءة والاطلاع، كل هذا يحتاج إلى وقفة جادة يحاول الزميل ناصر عبدالفتاح أن يجيب عليها في الجزء الأول من موضوعه النهوض بثقافة الطفل.
ثقافة الصورة هي الأخرى حاضرة في هذا العدد من "أشرعة" حيث يعلق الزمن صورة كبيرة على صدره تستوقف المارة.. هذه الصورة يبحث عنها صغرون الحمادي في كل مكان ملتقطاً ما يشاهده وما يرتئيه قادراً على الصمود في وجه تقادم السنون.
كيف نقرأ ونكتب في عصر الفضائيات؟.. هذا التساؤل يكتبه الزميل عبدالستار خليف في "دعوة على فنجان شاي" قضاها مع الروائي سعود المظفر، حيث الحديث يتشعب ويتكاثر ولكن تبقى القراءة وهمومها هاجس الاثنين بعد أن ابتلاهما بها القدر.. ولكن هل هي ابتلاء حقاً؟.. هذا التساؤل يجيب عليه عبدالستار بين سطور رؤيته الأدبية التي تحتاج الى من يلتقط حروفها المتشظية بتأن كبير.. "أشرعة" أيضا مفعم بالعديد من المواضيع التي يقدمها للقارئ في بطن هذا العدد.
المحرر

 

أعلى




عبدالكريم جواد يسلط الضوء على "البعد الأسطوري" في ندوة النص المسرحي بالأردن

(وظيف البعد الأسطوري في النص المسرحي العربي المعاصر) هو عنوان ورقة العمل التي سيلقيها الدكتور عبدالكريم جواد ضمن مشاركة جمعية الكتاب العمانية في (ندوة النص المسرحي العربي المعاصر) والتي ستقام على هامش المؤتمر الاستثنائي للمكتب الدائم لاتحاد الكتاب العرب بالأردن ويرأس الوفد رئيس جمعية الكتّاب القاص سليمان المعمري.
تتطرق الورقة إلى تعريف الاسطورة والمقصود بالبعد الاسطوري والكيفية التي يتم فيها توظيف الاسطورة في النص المسرحي الحديث بتفسيرات علمية حديثة مختلفة عن التفسير التقليدي للأسطورة.
كما ستعرج الورقة الى خواص البعد الاسطوري التي تجعل من توظيفه مسرحياً إثراءً لأي نص أو عرض مسرحي ، ثم تعرج الورقة الى موقف الثقافة العربية من البعد الاسطوري ومن الاسطورة عموماً والكيفية التي يتطلع اليها الدكتور عبدالكريم جواد ككاتب ان يتغير فيها هذا الموقف من سلبي الى ايجابي لإيمانه بأن البعد الاسطوري يضفي على النص المسرحي عمقاً محلياً أصيلاً وبعداً عالمياً.
وستتضمن الورقة أيضا رؤية نقدية للمسرحية العمانية "المسحورة" التي ألفها سعيد المعمري تتضمن تحليلاً للبعد الاسطوري في هذه المسرحية وكيف ان هذا البعد الاسطوري قد منح المسرحية عمقاً ودلالة ورمزاً ثقافياً أصيلاً.
يعقد المؤتمر خلال الفترة من 15 ـ 17 ديسمبر القادم ومن المؤمل أن يناقش تعديل بعض المواد في النظام الأساسي لاتحاد الكتاب العرب.

 

أعلى







يراقب كل دمعة طفل من أجل مشهد ينتظره
صغرون الحمادي لـ (أشرعة): أرى أمامي صورة كبيرة معلقة على جدار الزمن تستوقف المارة.. لا يغادرونها!
* نتمنى تكريم المختفين من المصورين الذين ساهموا في توثيق تاريخ السلطنة وثقافتها
* نادي التصوير الضوئي قدم مواهب متميزة وأصبح يكررها في كل المحافل
* المصور الصحفي يجب أن يطلع بشكل جيد ليفك الربط بين الموهبة والعمل
* ما ظهر من العناصر النسائية في التصوير لا يمثل التجربة
* جمهورنا ما زال يحبو في ثقافة الصورة البصرية
* الصورة الرقمية ألغت جماليات ولذة المفاجأة في الصورة التقليدية

حاوره ـ فيصل بن سعيد العلوي:ينتظر دمعة طفل يبكي ببراءة لا يرتجيها حزنا، يتمناها فرحا يلتقط خلالها صورته التي يحلم بها، هو الذي يرى الصورة معلقة على جدار الزمن تستوقف المارة فلا يغادرونها.. هو يحمل الأمل دائما لمستقبل الصورة، يحمل الحب في قلبه تجاه من ساهم في توثيق ثقافة وتراث بلده.. يطالب بتكريمهم، او بتعريفهم للجيل الحالي على أقل تقدير..
صغرون الحمادي.. يحمل عينه وفكره تجاه صورته فيلتقطها بمخيلته ويعاودها مرة أخرى بزمن آخر ليسلمها عدسته، هو نفسه الباحث عن مراعاة لدعم المصور ليقدم إبداعه ممثلا لبلده.. هو الحالم دائما بالإجابات يبحث عن واقع لها بين هذه الأسئلة هنا.. ماذا سيحصد من المتاح يا ترى؟ لنتأمل صورته..


* من هو المصور؟
** المصور هو (الشاعر) يحمل رسالة لا بد ان تجسدها المصداقية والثقافة، فلكل مصور اتجاهات واختلافات معينة في كيفية النظر للأشياء، وثمة مصورون ينظرون للسطحي من زوايا المكان وبالتالي الصورة، على غرار وجود آخرين يجسدون الواقع بحرفنة أيضا.
* ماذا تمثل لك الصورة؟
** الصورة هي المصداقية، هي من تجسدني لما أود طرحه كموضوع حينما تعجز كل التعابير عن تقديم الواقع، الصورة هي القصيدة.. للمصور ان يلتقطها كيفما يشاء معبرا عما في خوالجه من شعور، ولكن هذه الكيفية التي أعنيها لا يجب ان تكون إلا بدراسة متأنية لطرح الموضوع والفكرة، فهي بمثابة الإحساس المنبعث من الداخل.

* المدارس وتخصصات الصورة.. كيف ترى أهميتها؟

** أولا يجب على المصور أن يتخصص في جانب معين لكي يبدع ولا يتشتت في مختلف المجالات ولكن يجب على المصور ان يكون شمولي في المعرفة بحيث لا تتعضل عليه إشكالية معينة في حال فرضت اللحظة موضوع معين من التجريدية والواقعية والفنية والصحفية والطبيعية من الصور.

* أين تجد نفسك؟
** الصورة الفنية الواقعية هي الحدث الذي أعيشه واتعايش معه، لذا فإن عشقي ينحني كثيرا باتجاه التصوير اللحضوي المباشر للوقائع، اعشق الحركة والتقاطة اللحظة والبورتريهات، ولا تستهويني الطبيعة الصامتة، واعشق كل ما يجسد فعاليات الإنسان واحداثه. فمعظم صوري تفاعلات إنسانية وصور أطفال.

* على صعيد الجمهور من المتابعين هل ترى بأن ثمة وجود لثقافة الصورة لدينا؟

** في مختلف المجالات لا يوجد كمال من الناحية الجماهيرية في السلطنة، وبالتالي لا استطيع تحديد الكفة الأكثر رجاحة من ناحية هذه الثقافة هل هي اكثر ام أقل، ولكن ما استطيع تأكيده هو ان ثمة من ينظر بعمق تجاه الصورة، كما تعبر الصورة مرور الكرام عند آخرين ايضا، فحينما يجادل الشخص المستهدف في الصورة ـ المصورـ هذا دليل عدم تقديرها، لذا استطيع القول بأننا لا زلنا نحبو في ثقافة الصورة البصرية.

* إذن يجب على المصور أن يرتقي بالمشاهد قبل أي جهات أو شخوص آخرين.. ماذا أعددت لذلك؟
** بالفعل أنا مع هذا الرأي، فحينما يعجز المشاهد عن الوصول للصورة بمحتوياتها الفنية يجب على المصور ان يرتقي به من أجل تحقيق الثقافة البصرية التي تحدثنا عنها، لذا فانه من الأولويات الاهتمام بالصورة من الناحية الفنية، وعدم عرض الصورة الا حينما يستطيع المصور معرفة بل تأكيد إعجابها بالمشاهد إذا ما اتيحت للعرض. وفي السلطنة توجد صحوة وارتقاء باجتهادات شخصية من المصورين انفسهم لأجل إبراز التنافس على الصعيد الدولي.

..وماذا ينقص المصور إذن نحو تقديم ذلك؟

** الاهتمام الشخصي هو أهم دافع ينقص المصور العماني، ربما لظروفه، ولكن يجب ان تبدأ مراحل الاهتمام من مراحل الطفولة ونقوم بتطوير انفسنا قبل كل شيء وبالتالي نفرض على الجهات الرسمية ان تصقلنا بعد ذلك.

* إذن ما هو دور نادي التصوير الضوئي ؟

** نادي التصوير الضوئي قدم وأبرز مواهب ونشر أعمال الكثير من الهواة والكثيرون استفادوا منه، وأنا شخصيا احد اعضائه، ولكن كما اسلفت لا يجب ان نتكئ على دور المؤسسة الرسمية قبل ان نطور انفسنا، حينما نصل لمرحلة من الثقافة في تقنية الصورة ساعتها يجب على نادي التصوير الضوئي أو أي جهة رسمية أخرى ان تتبنى المصور بأكبر منذ الإبراز والمعارض، فآليات المصور الفنية آلة التصوير وعدساتها وغيرها تحتاج لمبالغ طائلة لا يمكن ان يوفرها المصور بمجهوده الشخصي فقط إضافة لمسألة التنقل من مكان لآخر لمواكبة الأحداث.. هنا يجب المراعاة وهنا يجب ان تتدخل الجهات الرسمية من أجل تقديم المساعدة في ذلك، وما يحصل بصراحة هو تكرار أسماء معينة أصبحت معروفة ومحسوبة على النادي، ويجب أن نرتقي للأفضل من خلال تقديم الجديد الأفضل والمختلف دائما.

* هل تستطيع الصورة أن تقدم شيئا أكبر من المقروء؟

** الصورة هي 70% من الخبر وصيغة الكلام، الصورة تجسد الواقع كما هو والكتابة وإن نقلت الحدث فلن تبلغ مبلغ الصورة، فمن خلال الصورة ندرك حجم المعاناة أو السعادة، لذا فإن الصورة الحقيقية هي الأهم في إبراز الحدث والواقع وهي وحدها القادرة على بلوغ التعبير حدّه وواقعيته.

* متى يلتقط صغرون الحمادي صورته؟

** حينما أكون خالي البال، مهيأ نفسيا ومرتاحا، أعشق أوقات الغروب ووقت الصباح الباكر، وتمر علي الشهور أحيانا ولا استطيع أن أمسك العدسة، أصور اللحظة والوقت، وكثيرا ما أزور المكان الذي استهدفه للتصوير ولكني لا أجد في مخيلتي الصورة التي أريدها في تلك اللحظة فأنصرف وأعود في يوم آخر، فالصورة المحترفة يجب أن يلتقطها المصور في عقليته قبل الضغط على زر أمر التصوير.

* أُشيع لحظة من الزمن بأنك (مصور مناسبات) ماذا تعلق؟

** المناسبات الوطنية تجمع أطياف مختلفة من البيئة والإنسان العماني وتجسد عراقة وتراث السلطنة لذا فإن مشاركتي فيها حتمية ومهمة جدا، ولم تغفل عدستي عن ذلك أبدا ولن تغفل بإذن الله، أما المشاركات الشعبية الصغيرة لا تحتاج لمصور يحمل عدته الكاملة ليقدم صورة أقل مستوى من الحدث نفسه، رغم تقديمي بعض التنازلات في ذلك الا اني لا احبذها وهي التي يطلق عليها المتابع (مصور المناسبات) وأنا لست كذلك.

* صورة التقطها لغيرك تمنيتها لك؟

** صورة التقطتها عدسة المصور الذي انهل العلم من مدرسته عبدالرحمن الهنائي، (طفل يتوسد يده نائما على سنام الجمل) الصورة بحرفنتها ولحظتها كنت اتمنى لو التقطتها عدستي.

* صورة لم تلتقطها بعد؟

** لا احبذها حزنا بقدر ما ارجوها فرحة أو براءة الطفولة، ابحث عن لحظة بكاء ودموع طفل، هي التي انتظرها!

* أين صورتك من الجمهور؟

** أنا من الناس الخجولين بالصور لا أحبذ نشر صوري ولكن، مشاركاتي في البدايات كانت بكثرة ولكنها توقفت بحكم ظروف العمل، وما عقب ذلك فجميع أعمالي ما زلت احتفظ بهن لغاية في نفسي من المؤمل أن ترى النور قريبا.

* كيف تؤثر الثقافة بشكل عام في عدسة المصور؟

** المصور أولا هو جزء من الثقافة، يجب أن يتأثر قبل كل أحد بالإحساس والعاطفة، ويفترض أن يتفاعل مع الاحداث لإبرازها، لذا فإنه يجب ان يكون مثقفا ومدركا بما حوله ويجب أن يطلع على كل المجالات وليست التخصصية في التصوير فقط التي هي في الأصل يعرفها المصور المُجِد، ولكن الثقافات الاخرى لا يعرفها لذا لا بد ان يدركها.

* كيف تقيّم صورة العدسة الصحفية بما تراه محليا؟

** بصراحه ان الصورة الصحفية يفرضها الحدث وهي في إطار مغلق إن وجد به شيئا من الحرفنة فهو لا يتعدى النسبة البسيطة من المائة، فأحداث السلطنة من الفعاليات لا تتطلب أكثر من الصور التوثيقية فقط فنحن مغلقون على ذلك فقط، ولا توجد على ساحتنا أحداث قويّة تستطيع ان تفرض على المصور الصحفي تقديم إمكانياته الحِرفية لاستخراج صورة محترفة، وعموما، والإشكالية العظمى حينما يربط المصور عدسته بعمله وبين العدسة الموهبة وهذه فروقات يجب ان يدركها المصور، وخلاصة لذلك استطيع القول بأنه لا يوجد مصور صحفي مطّلع بشكل جيد!

* أين يجد المصور نفسه بين الأدباء والمبدعين في الوسط الثقافي؟

** هو موجود ولكن ليس بالمستوى المطلوب منه، والإشكالية أن المتكرر من الأسماء لا يظهر إلا لاسمه وعليه يجب ان يركز من اجل إبراز القوة في حداثة الصورة بحيث تكون الصورة هي الهدف الأول والأخير.

* الصورة الرقمية بدأت تزيح صورة (الفيلم) التقليدي.. هل أثر ذلك عليك كمصور؟

** إشكالية الصورة الرقمية جعلت الكثير من المصورين لا يعو الأمر الفني للصورة التقليدية وهي الأبقى التي لن تصل لمستواها الراقي الصورة الرقمية ابدا، فالصورة الرقمية الغت الفنيات والجماليات ولذة المفاجأة في الصورة التي كنا ننتظر ولادتها، شخصيا لا تستهويني الصورة الرقمية ولكن من غير الطبيعي أن لا أواكب العصر فحينما أضع الصورة في مخيلتي أحدد طريقة التقاطها فجزئي تقليدي والآخر رقمي.

* مهرجان مسقط يعني الكثير للمصورين في السلطنة.. ماذا يمثل لك؟

** جريدة (الوطن) هي من أظهرتني وقدمتني للجمهور من مهرجان مسقط منذ عام 1999م، ومن هنا قبل الحديث أقدم لها الشكر الجزيل على ذلك، أما مهرجان مسقط فيراه المصور المكان الذي يحتوي على تفاصيل ويضم ثقافات واتجاهات متعددة من الصورة فكل مصور يجد مبتغاه في هذا المكان والزمان.

* هل يخشى صغرون الحمادي على صورة من الضياع في تقنيات العصر؟

** إن كنت تعني شبكة المعلومات العالمية فهي لا تحفظ حق أي مبدع كان كذلك المصور ولكن حقوق الملكية الفكرية التي بدأت فاعليتها مؤخرا تقدم الحماية الكافية فيما لو تكاتفت الجهود بين المبدع والمسؤولين على ذلك من أجل تفعيل تلك الحقوق، وشخصيا احتفظ بعملي بعيدا عن التقنية اقله في الوقت الحاضر.

* المرأة هي النصف الآخر من الحياة، هل أكملت نصفها الآخر هي الأخرى لنطلق عليها لقب (مصوّرة)؟

** ثمة أسماء وعناصر نسائية بارزة على مستواهن الفني ولكن مسألة ظهورهن اعتمدت بشكل أو بآخر على طبيعتها كأنثى ولكن في واقع الأمر بأن مستوياتهن لا تمثل التجربة، ولكن رغم ذلك هن الأكثر استحبابا لشغف الظهور وهُن حققن ما يردن لا ما تريد الصورة.


* جائزة السلطان قابوس للإبداع الثقافي.. ماذا تمثل لك؟

** هذه المسابقة وسام على صدورنا جميعا، شاركت فيها ولكن طبيعة المسابقة يجب أن يبقى الاختيار لشخص واحد، أنا شخصيا مقتنع أن من فاز هو أفضل مني، لذا فإن تجربة المشاركة هي بحد ذاتها فوز لي.

* هل ينتظر المصوّر العماني التكريم؟

** هو طموح ليس لي أنا كصغرون الحمادي أو لتجربتي المتواضعة ولكن لعدد من الأسماء التي صوّرت ووثقّت التاريخ من المصورين الذين اختفوا عن الساحة الآن ربما لم تخدمهم فترتهم آنذاك في الظهور.. هم هؤلاء يجب ان يعرفهم الجيل الحالي ويجب ان يكرموا خير تكريم، لا يجب أن تتم عملية التكريم عن طريق اجتهادات شخصية للجان لا تعرف تاريخ المصّورين أصلا.

* طموحك الشخصي؟

** أطمح لعمل كتاب عن السلطنة أوثق فيه الفنون الشعبية والإنسان العماني، وبالنسبة للمعرض الشخصي فما زلت لم اقتنع بوجود الصور التي تستحق أن تكون كما وكيفا لتقديمها للجمهور.

* أخيرا كيف تقرأ مستقبل الصورة؟

** أرى أمامي صورة كبيرة معلّقة على جدار الزمن تستوقف المارة لا يغادرونها.. هكذا ستكون الصورة وهكذا سيكون الوعي.

أعلى







القلعة الثانية .. لماذا ؟

رغم حداثة القصة نسبياً في الحياة الثقافية العمانية إلا أنها لا تخلو من القوّة والحيوية والرغبة الجامحة في التعبير عن الواقع المعيش بتفاصيله المتباينة وأشكالاته
لا يوجد في تاريخ القصص العماني كاتب واحد يبلغ به التميُّز حدوداً غير متنازع عليها

من ضمن مشروع النادي الثقافي للإصدارات يصدر قريبا عن مؤسسة الانتشار العربي ببيروت كتاب "القلعة الثانية" للناقد العراقي المقيم في السلطنة ضياء خضيّر .. يحوي الكتاب دراسات نقدية عن القصة العمانية متناولاً بالنقد والتحليل العديد من المجموعات القصصية العمانية، إضافة إلى مختارات قصصية بلغت أربعاً وأربعين قصة لأربعة وأربعين كاتبا عمانيا.. احتفاءً بهذا الإصدار "أشرعة" تنشر مقدمة هذا الكتاب.

العنوان الذي يحوي هذه الدراسات هو القلعة المجازية الثانية التي تمثّلها مدوّنة القصة العمانية القصيرة بكل تنوّعها وغناها وطموح أصحابها ورغبتهم في البحث عن فضاء للحريّة تضيق به جدران قلعتهم القديمة.
وهي القلعة التي جسّد نموذجها التاريخي القائم حتى الآن في كل المدن العمانية، منطقة الدفاع الأولى عن الذات في وجه العدوان بأشكاله الداخلية والخارجية، فضلا عن وظيفتها الثقافية التي ارتبط بها كثير من علماء الدين والشعراء العمانيين في عصور سابقة.
وهي (ثانية) لأن الشعر كان ولا يزال يحتل موقع القلعة (الأولى) ويتوزع على غرفها ومداخلها الكثيرة، على الرغم من أن بعض الساكنين فيها من الشعراء قد بدأوا منذ زمن ليس بالقصير يهجرونها أو يفتحون نوافذ يطلّون من خلالها على عوالم إبداعية أخرى تختلف في طبيعة بنائها ومعمارها ومضامينها وهندستها الداخلية، عن معمار القلعة الأولى ذات الطبيعة التراثية المتماثلة في أشكالها وتصاميمها العامة.
ولئن كان الشعراء العمانيون الجدد يجدون في تراث الشعرية العربية ما يجعلهم غير قادرين على مغادرة قلعتهم القديمة من دون التزّود بشيء من صورها وهندسة بنائها المعروفة، وهم يحاولون إنشاء مساكنهم الشعرية الجديدة، فإن القاص العماني يبدو أكثر تحرّرا وقدرة على الانفلات من أسر التقاليد السردية العربية التي توفرها قواعد كتابة هذا النوع من الصوغ اللساني الجديد على تقاليد الكتابة النثرية العربية، والعمانية منها على نحو خاص.
فما زالت كتابة القصّة جديدة نسبيّا على الحيـاة الثقافية العمانية الحديثة، ومازالت المماثلة بين الحياة والسرد تطرح على الكاتب العماني مجموعة من المشكلات التي يحاول هذا القاص التعامل معها ومعالجتها بأشكال وطرق متباينة في مستوياتها، ولكنها لا تخلو من القوّة والحيوية والرغبة الجامحة في التعبير عن الواقع المعيش بتفاصيله المتباينة وإشكالاته ومتغيراته الكثيرة، وملامسة الجوانب الإبداعية الأكثر جدّة ونجاعة في كتابة هذا النوع من الأداء النثري.
والملحق الذي وضعناه في هذا الكتاب عن (المقامات العمانية) و(مذكرات أميرة عمانية) لا يمثّل بالضرورة مرجعيّة من مرجعيات القاص العماني الحديث قدر تمثيله لجانب من التراث السردي الموجود في هذه البلاد قد يهمّ البعض معاينته والاطلاع عليه وفق الرؤية النقدية التي تناولناه بها، من أجل التوثيق والدراسة أو الإفادة من بعض إمكاناته الشكلية والموضوعية.
ولعلّ مذكرات الأميرة سالمة بنت السيد سعيد بن سلطان أن تكون أكثر حميمية وصلة بالمدوّنة السردية العمانية الحديثة، لولا أنها قد بقيت، هي الأخرى، معزولة بسبب خصوصيتها وبعدها الزمني النسبي، وكتابتها لأول مرّة باللغة الألمانية، وليس العربية؛ بحيث يبدو اطّلاع الكاتب العماني عليها نوعا من الاكتشاف لتراث وطني وقومي لم يكن معروفا بالنسبة إليه، مع أنه جدير بالدرس والمعاينة وتوجيه الانتباه، وما يتبع ذلك من الشعور بمشاعر الاعتزاز بالماضي وبناء الثقة في الحاضر على أسس لها جذور وامتدادات قريبة وبعيدة.
وربما كان من اللازم أيضا أن تمرّ الدراسة على بدايات القصة العمانية الحديثة وروادها الأوائل ومن جاؤوا بعدهم في مرحلة زمنية تالية، غير أن ما منعنا من ذلك ليس فقط تواضع هذه البدايات وتواتر الكتابة عنها من قبل الباحثين الأكاديميين وغير الأكاديميين، وإنما أيضا لأن هدف هذا الكتاب، كما كان هدف كتابنا الآخر عن الشعر العماني الحديث، ليس التأريخ للقصّة العمانية القصيرة، وإنما وضع مشروع نقدي لقراءة هذه القصّة أو جوانب أساسية منها في واقعها الراهن قراءة داخلية تُطلعنا على ما تحقق من إنجازات أصحابها على صعيد اللغة والرؤية المرافقة، والتعبير عن واقع العصر، والحياة الداخلية للراوي، ونوع المروي، ومدى الوعي بضرورات الكتابة السردية الحديثة.
ومع أن عملية الاختيار للنصوص والأسماء والمجموعات القصصية المدروسة هنا ليست بالأمر السهل، فإن طبيعة الدراسة النقدية يمكن أن تدلّ بذاتها على أسباب الاختيار وأهميته.
ونحن لا نشك أبدا في أن قاصين عمانيين مثل سليمان المعمري ومحمود الرحبي وعبدالعزيز الفارسي وآخرين غيرهم ممن شملتهم الدراسة، يرتقون في كثير مما كتبوه إلى أعلى المستويات التي بلغها السرد العربي الحديث رؤية وبلاغة خطاب ومعرفة بآليات القص وأساليبه.
وأرجو أن يتبيّن القارئ أن ما كان يهمّنا بالدرجة الأولى ليس عدد القصاصين الذين يُدرسون وتُحلل نصوصهم في هذا الكتاب، وإنما رؤية الكيفية التي أنجزوا فيها أعمالهم الإبداعية وحقّقوا شيئا من التميّز والخصوصية في لغتهم ورؤاهم الفكرية والاجتماعية. وذلك لا يعني أبدا أن المجموعات القصصية والأسماء الأخرى التي لم يجر التطرق إليها، وهي كثيرة، لا تمتلك مثل هذه الخصوصية والتميّز؛ إذ على العكس من ذلك تماما، هناك عديد من القاصين والقاصات العمانيات الشباب والشابات من الذين يستحقون مثل هذه العناية والاهتمام. غير أنني لا أستطيع، في هذه المرحلة من المتابعة النقدية للقصص العماني، أن أتناولهم جميعا بحركتهم الدائبة وإنتاجهم الإبداعي المتوالي. فهو أمر صعب وحتى مستحيل بالنسبة إليّ الآن في أقلّ تقدير.
ولعلّ النصوص المختارة في الملحق الثاني من الكتاب أن تعطي القارئ فكرة عن حجم الجهد الإبداعي الذي بذله هؤلاء والمساحة التي يحتلونها في المدوّنة السردية العمانية والعربية الحديثة. وهي مختارات واسعة تشمل عددا كبيرا من القصاصين العمانيين، وتؤلّف ما يشبه الانطولوجيا للقصة العمانية القصيرة. وقد حرصنا في اختيارها على أن تكون ممثلة قدر المستطاع لأساليب أصحابها ومناهجهم ورؤاهم في الكتابة السردية . أي أن عملية الاختيار لم تكن عشوائية، وقد حاولنا الأخذ برأي بعض القصاصين أنفسهم فيها.
ومن شأن ذلك أن يسهل الأمر على القرّاء والدارسين، ويقوم بمهمة الربط الضرورية بين النص الابداعي والنص النقدي الموضوع عليه . مع العلم أن القارئ قد لا يجد في هذا الملحق كل النصوص القصصية التي جرى تناولها في الكتاب ، فيما سيرى نصوصا أخرى كثيرة غيرها، على نحو يتيح له، كما آمل، أن يرى الأشكال والمضامين التي تنطوي عليها هذه النماذج المختارة، ويقدّر مدى أهميتها وقدرتها على عكس النشاط الإبداعي الذي يمارسه عدد غير قليل من الكتاب العمانيين خلال السنوات الأخيرة في هذا المجال.
لقد قلت إن ما يعنيني هنا، أكثر من غيره، هو أن أقدم أنموذجا لدراسة نقدية جادة تنطوي على أكبر قدر ممكن من الفهم النقدي للنصوص المدروسة والفضاء التاريخي والفني الذي تتحرّك فيه، مع توفير أكبر قدر من الموضوعية اللازمة للحكم والتقدير، والرؤية التي تطمح ، قدر المستطاع، إلى أن تكون كلية وشاملة لما كتبه القاص وفكّر فيه أو سكت عنه، في ضوء معطيات النص وشفرته أو شفراته التأويلية المناسبة. الأمر الذي يبقي الدراسة، كما أحسب، على شيء من الصلة الضرورية ببعض الجوانب السوسيولوجية والسايكولوجية وحتى الأخلاقية، وليس الجوانب الفنية والنقدية الخالصة وحدها.
فرؤية مدى إخلاص الكاتب وصدقه في عمله الإبداعي تبقى أساسية عندنا، ومن شأنها أن تنفي عن الساحة الثقافية عددا غير قليل من المندسّين والمزيّفين الذين أرادوا أن تجوز على القرّاء فذلكاتهم وألاعيبهم الفنية المشكوك في أصالتها وصدقها، بما يعتورها من خلل في الكتابة، ناتج عن خلل مقابل في قراءة الواقع وزيف الوعي به من قبل القاص، وبعض ناقديه وقارئيه، أحيانا.
ولعلّ جانبا من سوء الفهم المقصود وغير المقصود الذي وُوجِه به كتابي السابق عن الشعر العماني الحديث في الساحة الثقافية العمانية (وهو نفس ما أحدثته بعض كتبي الأخرى لدى بعضهم في الساحة الثقافية العراقية والأردنية قبل ذلك) (1)، يعود بالذات إلى هذه الناحية التي كنت حريصا فيها على البقاء بعيدا عن روح المجاملة والميل إلى التغنّي بأمجاد إبداعية زائفة وغير موجودة في غير رؤوس أصحابها وبعض من يقرؤونهم ويكتبون عنهم من النقاد والباحثين، دون فهم كاف لجدل العلاقة القائمة بين وعي المبدع وحاضنته التاريخية والفنيّة الملازمة، ودون تقدير الدور الذي يحتله القاص بين أقرانه العمانيين والعرب، على اعتبار أن تقدير المستوى الفني للنص القصصي لا يمكن أن يفهم بذاته، ولا يتم بمعزل عن غيره من نصوص مماثلة، وإنما عبر العلاقات التي يقيمها مع هذه النصوص، لاسيما ما هو راهن ومعاصر منها. وهذا هو الذي جعلنا نركّز في اختياراتنا في ملحق الكتاب على النصوص الحديثة، وتجاوز النصوص القصصية القديمة نسبيّا، من التي تمثّل البدايات والكتابات الأولى ذات الطابع التجريبي غالبا، واختيار ما نعتقد أنه يمثّل، أكثر من غيره، الحسّاسية الراهنة في هذا النوع من الأداء الإبداعي.
وقد قلت في حديثي عن (مسألة الوعي) في القصّة العمانية إنه لا يوجد في تاريخ القصص العماني كاتب واحد يبلغ به التميُّز حدوداً غير متنازع عليها. وليست تلك قضيّة شكلية فيما أظن. لأن من شأن هذا الكاتب، لو وُجد، أن يؤلف نواة تلتمُّ عندها، وتتفرّع عنها الجهود الإبداعية والنقدية الخاصة بهذا النوع الأدبي. نعم لا يوجد مثل هذا الكاتب الفرد في سماء القصة العمانية. هناك فقط هذه النجوم المتباعدة تمثّلها أسماء عديدة صاعدة في مجرَّة أدبية حديثة التكوين، ولكن ضوءها لا يكاد يبين للساري إلا بصعوبة. وكأن هناك ثقوباً سوداء تمتصُّ هذا الضوء، وتغيّبُه في سديم واقع لا يكتفي بهذا الضوء الشحيح، ولا يكشف عن طيّاته المتراكمة إلا في لحظات خاطفة تغمرها بروق حداثة ملتبسة مؤلفة من كتابات باهرة أحياناً، ولكنها سريعة وعابرة شأن البرق الخلّب.. فهي تومئ بالمطر ولا تنزله، أولا تنزل منه غير قطرات على أرض عطشى تنتظره منذ سنين بفارغ الصبر.
والنتيجة هي بقاء الجفاف في الواقع الأدبي العماني سمة عامة على الرغم من كل مظاهر الخصب وشاراته الكثيرة.
ورغم أن هذه الصورة قد أصبحت عرضة للتبدّل والتغيّر مع مرور الوقت، فإن ذلك لا ينبغي أن يذهب بنا إلى حدّ الإسراف في الأحكام المبالِغة في تفاؤلها أو تشاؤمها، ورؤية الصورة بوجهها الأبيض أو الأسود فقط.
وأنا سعيد أن تكون بعض الأوراق النقدية التي قدمتها في مسقط عن بعض القصاصين العمانيين الشباب خصوصا قد لاقت قبولا واستحسانا من قبل هؤلاء القصاصين أنفسهم قبل غيرهم، على ما فيها من قسوة وعنف أحيانا. لقد كانت باعترافهم دافعا لديهم من أجل إعادة النظر في بعض تجاربهم التالية والتأني في الكتابة لتحقيق الحد الأدنى اللازم من شروط الضبط والتوازن في النصوص السردية القصيرة التي يكتبونها.
وقد رأينا كيف أن بعض موضوعات هذه النصوص الشابة تدور حول إنسان مكبوت مشتت يعيش خبرة العالم بوعي زائف، لا يستطيع معه أن يرى ما يوجد أمامه، بل يراه ممزوجا برؤيته الخاصة المحرّفة في بعض أجزائها. الأمر الذي يعمل على تزييف بعض العواطف ويوجد بواعث القلق. وبدلا من أن يخبر القاص الأشياء بنفسه نجده ميّالا إلى اختبارها بفكرته عنها، أو الفكرة التي يعتقد أنها فكرته. وهو ما يجعله خاضعا لوهم كونه على صلة بالعالم، في حين أنه ليس على صلة حقيقية بغير الكلمات والأوهام. ولذلك فهو إنسان مغترب بالمعنى السلبي للكلمة، لأنه يسقط ما في داخله المضطرب على العالم. وهو لا يعيش خبرته الشخصية العميقة بوصفه فاعلا لمشاعره وساردا لأفعاله، بل تحكمه أشياء وإشارات أخرى من الوعي واللاوعي، محملة بهذه المشاعر والانفعالات.
والقاص قد يخون بذلك مهمته الفنية والأمانة التي يتحملها بوصفه شاهدا على عصره ومرحلته التاريخية ودوره في ترجمة ما يجري فيها بطريقته الخاصة البعيدة عن التقليد والنسخ. وهو ما يجعل أية قراءة جادة أو استقصاء نقدي يهدف إلى الوصول للمعنى، باعتباره تجسيدا للبنية العميقة للوعي الذي أنتجه، صعبة أو غير ممكنة؛ ما دمنا نشعر أحيانا أن ليس ذلك بالضبط وعي المؤلف ولا بلورة حقيقية لقصده.
وذلك، في ظني، جانب من المهمة الأخلاقية والتربوية للنقد، إلى جانب مهامه الأساسية ذات الطبيعة الجمالية والمعرفية . فنحن بحاجة دائمة إلى البحث عن بنية النص، وإجراء نوع من (التصفية النقدية) التي تنفي عن الساحة الثقافية ما هو دخيل عليها، ووضع ما يرتفع بنفسه عن ذلك في مكانه الصحيح، في ضوء ما يكشف عنه التحليل النقدي فيه من حمولة عاطفية وفكرية وفنيّة، وفي ضوء منهج نقدي هدفه الأول قول الحقيقة ورؤية النص مجرّدا من كل اعتبار غير ما يتكشف عنه من حقائق جمالية ونفسية واجتماعية ضمنية أو ظاهرة.
والكتاب يبقى، في الأحوال كلها، مشروعا بعيدا عن الاكتمال أو التوقف عند نماذج سرديّة عمانية قصيرة دون غيرها. نعم مشروع يشعر صاحبه، قبل غيره، بمقدار النقص الذي يعتوره. ولئن كان من الممكن أن يظهر الكتاب من دون ذكر لكتاب قصة عمانيين كبار مثل محمد اليحيائي وحسين العبري، وشباب مثل حمود الشكيلي والخطاب المزروعي وسلطان العزري، على أمل تناولهم في فرصة أخرى، فلا أظن أن هناك مبرّرا لإغفال كاتبات قصة عمانيات مهمات مثل هدى الجهوري وجوخة الحارثي ورحمة المغيزوي وفائزة اليعقوبي وأخريات غيرهن، سوى التفكير بضرورة وضع دراسة مستقلّة عن القصة النسائية في عُمان في وقت لاحق إن شاء الله. أما الدراسة الموضوعة عن بشرى خلفان فليس ثمة من تفسير لوجودها في الكتاب سوى أنها مكتوبة من زمن ليس بالقصير، مع أنها ليست مكتملة هي الأخرى لأنها لم تتناول كل أعمال هذه القاصة العمانية المتميزة.
والمهم لدينا أن الكتاب لا يريد أن يكتفي بإلقاء حجر في مياه الثقافة النقدية الراكدة، كما يمكن أن يقال . فهو يطمح، على نقصه وعدم اكتماله في صورته الحالية، إلى تأسيس حوار نقدي فاعل لا يقف عند الحدود الخارجية للنصوص المدروسة، وإنما يتجاوز ذلك للدخول في بنيتها العميقة وعوالمها السردية وفضاءاتها الدلالية، ورؤية المسافة التي تفصل المروي فيها عن رواته الحقيقيين والوهميين، على نحو يمكن أن يفيد منه الكاتب نفسه، وليس الدارس أو القارئ العام وحده.

****

وفي الختام يسرّني أن أوجّه شكري وامتناني العميقين لكلّ زملائي وأصدقائي وتلاميذي الذين قدموا لي العون والمساعدة في إنجاز هذا الكتاب، وفي مقدمتهم زميلتي الدكتورة مي الجبوري التي شاركتني في الحديث عن عديد ممن درستهم في الكتاب، وزميلي الدكتور كامل يوسف عتوم من جامعة صحار الذي راجع معي تجارب الطبع وتحمل كثيرا من العناء في التنسيق والضبط ، وتلاميذي حمود الشكيلي، وحمود الراشدي، وعبد الله الوهيبي، الذين شاركوني في اختيار النصوص القصصية وطباعتها، وأصدقائي عبدالرزاق الربيعي وناصر صالح الغيلاني وعلى المعمري وحسن البشّام وغيرهم ممن وفّروا لي عددا غير قليل من المجموعات والنصوص القصصية، وشكّلت حواراتي المستمرّة معهم أفكارا وملاحظات أغنت الكتاب وحفّزت صاحبه على إعادة النظر، وتوجيه الانتباه إلى جوانب لم تكن واضحة فيه دوما.
وسيظل عدد غير قليل من طلابي وطالباتي النابهين والنابهات بقسم اللغة العربية في كلية التربية بصور، وجامعة صحار ضمن من يستحقون الشكر أيضا في هذا العمل الذي ناقشت معهم بعض جوانبه في صورها الأوليّة، وأخذت بعدد من تساؤلاتهم وملاحظاتهم عليه أثناء تدريسي لمقرّرات النقد، وتحليل النصوص، والأدب العماني.
وأنا آمل أن تكون قراءتهم له واهتمامهم به، بعد إخراجه، إسهاما ولو بسيطا في تعميق الوعي الإبداعي لديهم، ولدى غيرهم من الأجيال العمانية الشابة، وترصين الثقافة النقدية القائمة على أسس علمية وموضوعية من شأنها إضاءة النصوص الإبداعية المقروءة، وإعادة النظر في تقاليد النوع الأدبي، بما يشجع على الفهم الصحيح والكتابة الجادة التي يستطيع الناس أن يعبرّوا فيها عن أنفسهم في ذات الوقت الذي يتناولون فيه واقعهم والحياة من حولهم.


(1)ـ (انظر، بهذا الصدد، كتابنا الذي نشرته وزارة التراث والثقافة عام2006م تحت عنوان وردة الشعر وخنجر الأجداد - دراسة في الشعر العماني الحديث.
وانظر، كذلك، كتابنا التشكّل التاريخي الكاذب، الصادر عام1996م عن دار الكرمل بعمّان، وكتابنا الآخر حكاية الصبي والصندوق - الجنس عند غالب هلسا، الصادر عام 2003م عن دار أزمنة الأردنية).
* أ.د ضياء خضير
ناقد عراقي مقيم في السلطنة


أعلى





تلصّص على دفتر رجل نائم على كرسيّ في حديقة (5)

تضادّ
مع استبعاد الحمق والعشى، هل اختلط الأمر على هذا الرجل العجوز فصار الصوتُ صمتاً، والصمتُ صوتاً؟، هل السكون المطبق ضجّة لا يتحمل أن يدخل فيها، والجلبة والدويّ والأزيز رغبة حثيثة للدخول تتجاذبه وتستدعيه وتناديه؟.. وإلا فما بال هذا العجوز الذي يريد قطع الشارع العموميّ إلى الضفّة الأخرى، يهمّ بالعبور عندما تقترب منه السيّارات، ولا يحاول أن يمضي ولو قليلاً عندما لا تكون ثمة سيارات في الشارع أصلاً!..

يُــتـْم

عندما تنسلّ الروح من الجسد، أو عندما ينزلق الجسد خائراً منهاراً من مقام سيدته الروح، آفلاً نحو عناصره الأزلية، نحو الضعضعة الكبرى، نحو العدم المشرّد بين الطلع والاندثار وبين النبع والانمحاء.. عندما يحصل ذلك: تبدأ الروح في الابتسام في الظلام، تبدأ الروح بالرفرفة في الدياجير، في المكث في الكينونة الصائتة، في النواح الناعس، بينما الليل البهيم ينصت إلى حكايا الجدّات الراحلات، والطيور تحزم أمرها لمغادرة أوكارها إلى هجرة حرّة، والجراد يجهّز مناشيره لمباغتات وحملات ضارية...

تكاثر

كَثُرَ اللطفاء المخاتلون الذين لا ترى منهم أيّ لطف! كَثُرَ المساكين الراتعون في المسكنة إلى أن تتبيّن أنيابهم اللمّاعة!، كَـثـُرَ الطيّبون جداً حتّى تتعرّف على الشرَّ النابت في أصداغهم ومناخرهم ومخابئ حلوقهم السرّيّة!. كـَثُروا في الإشاعة وفي الموعظة وفي أفواه البحّارة والمناطقة. لهذا تبني الشمس أبراجاً بعيدة عنّا، والمطر يذهب إلى الأعلى!..

كابوس اليد

كانت المرأة إلى جواري، وكنتُ أضع يدي اليمنى في يدها اليسرى وأفرك أصابعها وأربت عليها في حنان. بعد قليل جاء شخصٌ آخر، ليس صديقاً لي، وإن كنتُ معتاداً على رؤيته بين الحين والآخر. اقتعد الأرض، وجلس إلى جوار المرأة من الجهة الأخرى.. ثمّ وضع يده اليسرى على يدها اليمنى.
امتعضتُ إلى أقصى حدّ، ورفعتُ رأسي مستنكراً، فأومأتْ المرأة لي -وهي تبتسم- بهيئة من لا يكترث لما يفعله ذلك الصفيق. صرختُ في سرّي، وتبلّل جبيني من العرق والألم. صرختُ في صمتٍ لزجٍ متقيّح، ضدّ عدم الاكتراث، وأنا أحدّق في وجهها. صرختْ حُمّاي المتذائبة الواهنة في وجهه الخبيث الطاريء.
لا تقولوا لي أنّه كان عليّ أن أفعل شيئاً آخر، لأنّ الكابوس يمزّقني، لا تقولوا لي أنّه كان عليَّ أصرخ مثلما يفعل الرعد، أو أن أنتقم مثلما يرمي ملاك البرق رماح الشواظ الطويلة.. لا تقولوا ذلك لأنّ الكابوس يخنقني، ولأنه لم تكن لديّ أدنى رغبة وحماس في توريط الكون في عدوانيتي وضغينتي المكتومتين.. متسائلاً: كيف ينبني الكابوس؟ وكيف ينهار؟. كيف يشمخ دون أدنى سبب؟ وكيف يتداعى ويخرج من بوّابة اليقظة التي أحرجها النوم؟...
لم ينته الكابوس بعد، ولهذا قمتُ وأنا أدخُلُ في فقاقيع بيضاء ذات بؤر رماديّة مجنونة، كتلك التي تـتفاقم في غليان القدور بعد أن تـُصلب على هَـوَج النيران.. وها أنا أشكّ في العيون الأخطبوطية الزلقة، داخلاً في نسيجها المتحرّك، دافعاً أساي وأزمنتي النوّاحة إلى هناك.. إلى تلك البقعة المروبصة، إلى تلك الجهة التي لا يفسّرها هربٌ ولا جنون ولا يأس مطبق... كنتُ أفعل ذلك، وأحدسُ عميقاً أنّ المرأة من ورائي، تحاول أن تفعل شيئاً لي وأن تحبني وهي تنتحب. لكن لم يكن بمقدورها أن تفعل شيئاً غير أن تتحوّل إلى ظلّ أو ذكرى، وأن ترتطم بأخلاق فضيّة لمّاعة، متروكة في الهواء، علامة على حفلة مفقوءة بنيران الوجد المندلعة في صدري، كحديقة نشبتْ فيها الحرائق من كلّ صوب..
وماذا إذن بمقدورك القول أيّها الرجل النائم على كرسيّ في حديقة، بينما يتلصّص عليك من يتلصّص بعد قليل؟. بمقدوري القول أنه في عمري الرماديّ الطويل كانت لي حبيبتان: الأولى لم أعرف اسمها ولم تعرف اسمي طوال الأعوام التسعة التي استغرقتُ وإيّاها في مجد الحبّ. والثانية تحدثني في الهاتف بضع دقائق في اليوم الأوّل من ديسمبر، ثمّ ما تلبث ان تختفي سائر الأشهر التالية!...

الميّت في الحيّ

"البقيّة في حياتك" قلتُ ذلك لصديق طفولتي.. وداهمتني -وأنا أمضغ تلك الكلمة الشائعة - سيرة الميّت في الحيّ.. عارفاً بضآلة العزاءِ في خَطـْـبٍ لا تنفع معه كلمات أو مقولات سيّارة... وهكذا أيّها الصديق كنتُ أقول لك كما يقول الآخرون تماماً: عليك أن تحمل ميـّـتك في حياتك، وعندما ستموتُ أنتَ يا صديق الطفولة سيحملك الحيّ الذي يبقى بعدك، والذي سيذكُرُكَ حتى يموت هو الآخر... وهكذا أيضاً أيها الصديق سيذهب الميّتُ إلى الموت، وستذهب الحياة في طريقها إلى أحياء محتملين... "البقيّة في حياتك" حتماً، و"البقيّة في حياة من سيتذكرك" بعد أن تمضي أنت!..

الشاعر الكبير

يحقق البسطاء والناس العاديون أكبر المعجزات وأشهاها في حياتنا، إنهم يصنعون أساطيرهم الشخصية بلا نفاق ولا تملق ولا توسّل رخيص. أما القامات الكبيرة، في الفنّ والاجتماع والسياسة والتاريخ والأدب والميثيولوجيا، فإن أساطيرهم غالباً ما يصنعها الببغاوات الكبيرة، وجوقات المنشدين، والمنظرون المتقلدون للحواشي والتعقيبات، أكثر مما يصنعونها هم بأنفسهم...
ولأنّ مادة الشعر هي الانكسار والخيبة والفقد.. فما من كاتب لجأ إلى عجرفة النصر إلا وذبح نصّه، وما من شاعر ارتكب الحظّ السعيد إلا ومضى سيء الحظّ، وما من شاعر تبجح بالنجاح والتوفيق الكبيرين إلا وزايلته الرهافة والحُمّى الصديقة...
وأتصوّر أيضاً، أنا المخطئ النسّاء، أنّ الشاعر الكبير يمكن أن يتحقق في ذلك الكائن الذي كتب أجمل القصائد وأرقها وأصدقها في معتزله ومعتكفه البعيد، ولم يكن يعرف أحد عنه شيئاً إلا قبعته أو انحناء ظهره أو شكل حذائه الغريب أو ابتسامته المفعمة بالمرارة أو ظلال مشيته الملقاة على الطرقات، ثمّ بعد أن يموت بمائة سنة تطير قصائده في الريح ويقرؤها العطاشى المتضورون للنور النادر.. ولهذا ستقولون عني: "يا للروح المفرطة في الرمنسة!"..

قـدر الوحدة

حتّى في المذابح الجماعية: دائماً يموت المرء وحيداً، بمعزل عن صرخة من إلى جواره!.

خرابيط

عزيزتي الجميلة، أحيي تواضعك الجمّ، كما أحيي فيكِ نزقكِ الحرّ، وبحثك عن مستحيل لا يوفره ممكن. كما أحيي دُعابتك ونزوعك إلى طرافة يجهلها حتماً أولئك المتنطعون بأقلامهم وحضوراتهم المؤكدة وخطاباتهم القطعية المهووسة بالتعالي المَرَضِيّ...
ومع ذلك، فقد رأيتُ اليوم صياغة أفضل لكلمة "خرابيط"، تلك الكلمة الصادقة التي تستخدمينها، الكلمة التي لا تـُسَخـِّفُ شيئاً فيك، بل تـُعلي من شأنكِ، لأنها الكلمة التي تنتحين بها في التعبير جهة عزلتك النادرة، والتي تقذفين بها صوب من أراد أن يـُقـَيـِّمَ ويـُنـظـِّر، ويلوك ويمضغ، ويستملح ويستطرف، ويستسخف ويتبجح..

ما رأيكِ يا عزيزتي، في هذا الشرح الحميم، لكلمتك الأثيرة، "خرابيط"، إنه تأويلٌ قام به وتولاهُ شاعرٌ هو فيرناندو بيسوا، الذي حمل الـ"الخرابيط" كالتالي في قاموسه:
"إنـّها تأملاتٌ اعتباطيةٌ ولا مـُجدية، أشعـُرُ بالحزنِ من صوغِها. معها لا تتناقص قيمة الإنسان؛ ولا يزيدُ معها تعبير جسده. لكن في الحقيقة، لا شيء يبدل شيئاً، وما نقوله أو نفعله يلامس فحسب قمة الجبال التي على سفوحها (أو في وديانها كذلك) ترقد الأشياء".



أعلى


 


لست قادراً على أن أعفو

عشت تحت الاحتلال منذ أكثر من أربعين عاماً وما أزال. ليس هناك أسوأ من ذلك ولا أبشع. الحياة تحت الاحتلال أسوأ من انكشاف العورة، وأكثر خزياً من أن تضبط وأنت تسرق. هذه الحياة تماماً هي التي أعيش وهي التي أحيا. ولهذا لم أكتب شيئاً حتى اللحظة بعيداً عن هذا الشعور الطاغي، ولا أبالغ هنا، ولا أدعي، وحتى عندما ذهبت إلى التاريخ، فقد ذهبت إليه لأن هناك لحظات في الحاضر لا تفهم إلا بسياقها التاريخي، بكلمات أخرى، لا يمكن فهم الحاضر دون أن نفتش عنه في الماضي. ولأعترف أكثر، الحاضر كريه وثقيل ومقيت، لا بطولات صافية ولا موت مشرف ساطع.
والحاضر ضيق ومحفوف بالمخاطر والأسئلة التي تصعب إجابتها حتى على المستوى الشخصي. الرواية تعطيني ذلك السياق المداور والمخاتل واللئيم والقاتل أيضاً. السرد هو موقفي من العالم، وموقف العالم مني، السرد هويتي أيضاً. والسرد وجهة نظري، وترتيب الحكاية من جديد هي إعادة هيكلة ما يجري. في بعض الأحيان أشعر أنني لا أخترع روايتي بل يخترعها ظرفي وشرطي، وبهذا المعنى فالرواية ـ والفن عموماً ـ فيها وفيه جز موضوعي أكبر مما نظن ونتوقع أقول ذلك كله لأخلص إلى القول أنني انشغلت طيلة الوقت بأخري، آخري النقيض.
في العام 1994، نشرت جزءا من يومياتي تحت عنوان "وجوه من تل أبيب" وقلت فيها أنني لست رفاعة الطهطاوي ولست أسامة بن منقذ، لست المنبهر بآخري كما كان الطهطاوي، ولست المشمئز منه أيضا ً كابن منقذ كما أنني لست مثقفاً من مثقفي أوائل القرن العشرين الذين ابتلعوا فكرة التنوير وفكرة الاحتلال في ذات الوقت. أنا أعيش في أوائل القرن الواحد والعشرين حيث الصورة أشد قتامة وأصعب تحليلاً.. الآن لا تحتل الأرض فقط، وإنما يحتل الوعي أيضاً. الآخر المعتدي والمحتل المستعمر لا يعيد تشكيل الحدود ولا يفجر الاثنيات أو العرقيات أو المذهبيات وإنما يدمر صورتنا عن أنفسنا ويشوه نماذجنا باسم عدم الصلاحية أو قوة التكنولوجيا أو رعب الإرهاب أو رهافة المجتمع المدني وحساسياته.
العولمة هنا فكرة الأقوياء وسلوك المتوحشين، حيث يصغر العالم اقتصادياً ويتفجر بالهويات الصغرى والكبرى، وحيث صدام الحضارات تاريخا جديدا لا نهاية تاريخ كما قيل. والأفكار التي تنتصر تنتشر ويصفق لها ويصبح عيبها فناً وجنونها فنون وعهرها جرأة وانحلالها مدارس فنية وفكرية.
أنا أعيش في زمن سقوط العواصم وحصارها، وأعيش زمن الموت المجاني والتطبيع المجاني والعهر المجاني، ولهذا فإنني وبكامل وعيي وكل شعوري بالمسؤولية الأخلاقية والفنية والإنسانية أقول أنني لا أريد إطلاقاً ولا أرغب ولم أرغب أن أبحث عن النقاط المضيئة في وجدان عدوي، ولا أريد أن أشفيه من أوهامه، ولا أريد أن أسمعه ولا أن أفهم ولا أرغب أن أدعي الإنسانية الكاذبة التي تصبح بالتأكيد عليها مجرد رخاوة فكرية وعقائدية، أنا لا أريد أن أصبح أرض المعركة، أريد تماماً أن أكون أحد المحاربين، ولا أريد أن أتحول إلى ضحية تفهم جلادها، ولا أريد أن أساهم في حل إشكالية الشرق والغرب، أو العلم، أو الدين، أو الأخلاق والمنفعة، لا أريد أن اشمئز ولا أريد أن انبهر، أريد أن أغضب وأن أكره، لا أريد أن أكون صلاح الدين الأيوبي، النبيل الغامض الذي كرهه ابن الأثير، أنا أريد العدل الذي يضمر بشكل ما الرغبة في الانتقام، أو ذلك القصاص الذي يكتسب صفة القبول الداخلي ، العدل هو انتقام أيضاً.
وبالمناسبة لا أريد أن أكون إنسانياً على حساب روحي ولحمي وأرضي وشعبي. ولا أريد أن أنبهر بكلاسيكيات الغرب الكاذبة، لا أستطيع أن أفصل دوسوسير عن استشراقيته وتقاريره السرية، ولا أستطيع أن أفصل هيجل عن شوفينيته الأوروبية ولا كافكا عن يهوديته أو صهيونيته، السرد ليس ملكاً للغرب وليس اختراعاًَ من الغرب، الشعوب تسرد دائماً، وكبرى السرديات هي مشرقية، والتاريخ لم يبدأ بصحوة الغربي، والتاريخ ليس متمركزاً حول الغرب والغربي، وإذا كان فيما أقول نوعاً من الانفعال العاطفي أو الطفولي، فالتاريخ ليس عقلاً ولا حساب في التكامل والتفاضل. التاريخ جنون وغضب وتمركز حول الذات. ولأن تاريخنا الحاضر مشوه ومقموع وغير طبيعي فإن تقديرنا للأنا خاطئ وتقديرنا لصوت الآخر خاطئ أيضاً.
وربما أكون بهذا قد اقتربت من ملامح مشروعي الثقافي الشخصي كما ظهر ويظهر في ما أكتب، لا أحد يمتلك التاريخ ولكن كلنا نتوهمه، وكلنا نعيد صياغته. التاريخ أحلامنا وأوهامنا، وهو نصيبنا من القوة والضعف. وهو المفاجئ والمدهش والمخاتل والعصي والدوار والغدار واللا متوقع.
فيما كتبت، لم أصغّر الآخر ولم أضخمه، أسمعته وسمعت منه، لم أسخر منه ولكنني أحترمه، في روايتي "قدرون" كان الآخر الصهيوني متعدداً ومختلفاً ومرتبكاً ومجوفاً ويبحث عن الأجوبة، تماماً كما هو، وفي "مقامات العشاق والتجار" كان الآخر كما هو أيضاً رجل المخابرات الذي لا يتورع عن فعل أي شيء من أجل أن يصل إلى مبتغاة، وفي "القرمطي" كان الآخر هو الآخر الداخلي الذي يهدم متكئاً على أجندات غريبة وبعيدة، وفي "عكا والملوك" كان الآخر هو الآخر الحضاري والثقافي، الآخر الكبير الذي يملك ارثاً عريضاً يؤهله للخصام والكراهية والقتال. وفي "بلاد البحر" كان الآخر النقيض، الصهيوني، يتوحش أكثر وأكثر. أما في مسرحيتي الأخيرة "الملك تشرشل" فقد توحد الآخر النقيض الصهيوني بالآخر المستعمر فصار وحدة واحدة متوحشة ولا يمكن التفاهم معهما. ماذا أفعل هنا، أقول كما قال الدكتور يوسف رزقة أنني لا أحاول أن أفهم الآخر ولا أستوعبه، وإنما أرغب في أن أخرجه من عالمي.
في روايتي "بلاد البحر" كتبت تحت الإهداء هذه الكلمات "إلى المتحضرين الكذبة" لم ولن اندم على ذلك. الغرب بكل ادعاءاته حول الديمقراطية والحداثة وحقوق الإنسان تعني لي في فلسطين: "المزيد من الاستيطان والمزيد من الحواجز والمزيد من القتل". الغرب يصدر لي قيمه المضحكة وآلاته المحكمة وفنوناً يفرضها علي فرضا. ثم يطلب مني بكل صفاقة أن أتعايش معها وأن أقبلها وقديماً قيل "العفو عند المقدرة" أي أن العفو والتسامح يكون للأقوياء، أما إذا فعل الضعفاء ذلك فإنما هو مجرد استسلام كريه، وأنا لست قادراً حتى أن أعفو..
د. أحمد رفيق عوض
*روائي وكاتب من فلسطين

أعلى







ظواهر لغوية
هاء السكت بعد ياء المتكلم

كنّا ولا نزال نلتقط الطريف من حديث الناس في هذا الوطن الثريِّ بكل معنى الثراء: وهو ثراء يتجسّد في المحصول اللغوي الذي يُعدُّ أحدَ مكونات النسيج الاجتماعي في هذه الأرض، وفي وطن يُعَدُّ موطئ قدم ومستقراّ للجمّ الغفير من القبائل العربية شكّلت منظومته الاجتماعية والفكرية.
وإن أنسى لا أنسى أن من بين ما شنف أذني ما سمعته من بعض أهل السويق وبعض أهل المصنعة، وبعض سكان منطقة الظاهرة قولهم: (أنا أدرس المادة وحديَه)، (وهذي أخْتيَه وأمْيَه)، (وهذا دفتريَه) وغير ذلك من المفردات.
وهذا الاستعمال يطّرد عند كبار السن ومن خالطهم أكثر، وقد يقل عند من أخذوا بحظ وافر من التعليم.

وقد كنّا قبلاً نأخذ هذه الألفاظ على سبيل التملّح والدُّعابة، وقد كشف لي الغوص في كتب اللغة بعداُ بأن هذا التغيّر في البنية الصرفية إنما هو: إلحاق هاء السكت الساكنة بياء المتكلم المفتوحة.
وقد صرّح سيبويه بأن إلحاق الهاء الساكنة في الوقف بعد ياء المتكلم المفتوحة لغة(i)، ولم يعزُ سيبويه ولا غيره من العلماء القدماء هذه الظاهرة إلى قبيلة معينة.
وإلحاق هاء السكت متناول علماء اللغة القدامى فهم يقررون لها مواضع في لغة العرب، ومن بين مواضعها : أسلوب النُدبة نحو: (وازيداه)، وفي أسلوب النداء في حالة المنادى المضاف إلى ياء المتكلم المبدلة ألفًا، نحو: يا غُلاماه، وذلك في حال الوقف(ii)، . وبعد ياء المتكلم المتحركة وقبلها متحرك، نحو: ( هذا غلاميَهْ)، (وجاء من بعديَه)، وبعد ياء المتكلم المسبوقة بألف أو ياء ساكنة، نحو: ( عصايَه ) و(بشرايَه ) (iii)
وبعد هو وهي، فيقال: (هوهْ)، و( هيهْ) (iv) وبعد كاف الخطاب المذكر، نحو: (خذه بحُكْمِكهْ) (v)
وهذه اللغة حاضرة في كتاب الله العزيز، يقول تعالى في سورة الحاقة: ?فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ (20)?، وقوله تعالى : وقوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26)?، وقوله تعالى: ?مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29)? (vi)
وجاء في كتاب النوادر في اللغة قول الشاعر:
أودَى بنعليّ وسِرباليَهْ (vii)


مَهْما لِيَ الليلةَ مهما ليَهْ

وقد عَجِب أبو عمرو بن العلاء من هذه الهاء في شعر عبيد الله بن قيس الرقيات :
أوجعْنني وقرعْن مرويتيَه (viii)

إنّ الحوادث بالمدينة قد

وهو بيت من قصيدة في خمسة عشر بيتا، مطلعها :
وأى الغواني شيب لمتيَه

ذَهب الصِبَى وتركت غيَّتيه


تنتهي جميعها بهذا الروي والوصل (يَه) مثل : بيَه، مرويتيَه، أقاربيَه.. لكن هذا العجب يذهب عندما يتردد في سمعك الكلمات من قوله تعالى في سورة الحاقة : (كتابيَه، حسابيَه، ماليَه، سلطانيَه)
وقد انتهر أبو عمرو بن العلاء رجلا من أهل المدينة أنشده بيت ابن الرقيات قائلا: "مالنا ولهذا الشعر الرخو؟ إن هذه الهاء لم توجد في شيء من الكلام إلا أرْخَته! " ولمّا رد عليه المدينيّ بقوله: "قاتلك الله! ماأجهلك بكلام العرب ! قال الله عز وجل في كتابه: ?مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29)?.. " انكسر أبو عمرو انكسارا شديدا " (ix)
وهذه الهاء متناول قرّاء القرآن الكريم أيضا، فقد قرأ الجمهور (كتابيه) و(حسابيَه) في موضعيهما (ماليَه وسلطانيَه ) من سورة الحاقة، بإثبات هاء السكت وقفا ووصلا.. وقرأ ابن محيصن بحذفها وصلا ووقفا وإسكان الياء: (كتابي، وحسابي، ومالي، وسلطاني) (x)
وفي التحليل المقطعي لهذه الهاء يحسن القول بأن هذه البنية مكونة من :
اسم منته بمقطع مغلق، (ساكن الآخر) كتابْ = ص ح ح ص + مقطع متوسط مغلق مكون من : ياء المتكلم + حركة + حركة + هاء ساكنة ( يَه ) = ص ح ح ص
وإلحاق هاء السكت ديدن الناس في أجزاء من هذا الوطن، وليس هذا الإلحاق في حديثهم قصرا على ما بعد ياء المتكلم، فمن الناس من يتوسع في استخدام هذه الهاء فنسمعهم يقولون (أعرفكه = أعرفك)، و(هناهوه = هناهو)، (وكذاهوه = كذا هو) وأمثلة غيرها بوسع المرء سماعها وهو يمتاح أرجاء السلطنة.
وقد ألمعنا على أمثلة من هاء السكت ذكرها سيبويه في الكتاب، ونضيف هنا ما ورد عن أبي زيد في كتاب النوادر، قال : وسمعت أعرابيا من أهل (العالية) يقول : (هولكَهْ ) و(عليكَه )، يريد (هو لك) و(عليك) . و( جعل الله البركة في داركَه )، وسمعت نميريا يقول: (ما أحسن وجهكَهْ) في الوقف، و (ما أكرم حسبكَهْ) في الوقف ويطرحها في الإدراج " (xi)
وصفوة الحديث نصل بما أفضينا من شواهد وأمثلة إلى أن هذه الظاهرة اللغوية حية لا تزال أصداؤها تتردد في أرجاء من أرض عمان، وقد آثرنا التركيز على هاء السكت التي تلي ياء المتكلم لما فيها من عذوبة ورونق استحقت أن يضمنها ابن الرقيات بعض شعره .


* باحث في اللغة واللهجات


الهوامش:


(i) كتاب سيبويه، أبو بشر عمرو بن عثمان بن قَنبر، تحقيق : عبدالسلام هارون، دار لجيل، بيروت ( الطبعة الأولى )، 4/162
(ii) المصدر السابق، والصفحة نفسها .
(iii) كتاب سيبويه، 4/163
(iv) المصدر السابق ، 4/163
(v) المصدر السابق ، 4/163
(vi) الآيات : 19، 20، 25، 26، 28، 29 من سورة الحاقة
(vii) النوادر في اللغة، لأبي زيد الأنصاري . نشر : سعيد الخوري الشرتوني، دار الكتاب العربي، بيروت، ص 62
(viii) ديوان عبدالله بن قيس الرقيات، 97
(ix) الخصائص لابن جني، 2/488
(x) البحر المحيط، 8/319
(xi) النوادر في اللغة، لأبي زيد الأنصاري، 472

د. سالم بن عبدالله البلوشي


أعلى







رؤية أدبية
(دعوة على فنجان شاي)
القراءة والكتابة في عصر الفضائيات..
حديث على نيران هادئة!!

* دعوة...
ذات مساء .. وعلى ماتعيه الذاكرة، كان يوم الخميس الأخير من شهر أغسطس. دعاني صديقي الروائي ـ سعود المظفر ـ على تناول فنجان من الشاي في مقهى يديره لبناني، بمجمع زاخر بالخوير. قبلت الدعوة شاكرا المبادرة من جانبه...
* المقهى..
لأول مرة، اجلس على هذا المقهى، كنت أمر عليه مرور الكرام، أدخل وأخرج من وسطه كعابر سبيل، ولا أفكر بالجلوس فيه.. هذا المساء أخذت أتفقد المكان. المكان شبه خال، يسبح في الهدوء، المقهى قليل الرواد، له باب زجاجي من الخارج يطل على موقف المركبات، ومن الداخل حدود مقامة بالألواح الزجاجية والخشب، وفتحات للعبور إلى ردهة واسعة، ناعسة في الظلال، مكان أشبه بدوحة المحبين، ولقاء رجال الأعمال والكتّاب والأدباء، ولم اشاهد فيه وجها مألوفا عندي من وجوه الساحة الثقافية.. سوى صاحب الابتسامة العريضة والوجه الأسمر الذي لوحته شمس أغسطس القاسية. عندما استوى على المقعد الذي أمامي، قال كأنما يسألني مقدما:
ـ شاي بالحليب؟
فقلت بوضوح:
ـ شاي سليماني..
ابتسم:
ـ من عاشر القوم ثلاثين يوما..
وصمت لاستكمل بقية المثل.. لكنني عقبت مصححا:
ـ ثلاثون عاما..
ضحك وتفحصني وبعد برهة سأل: هل طلبت الجنسية؟ أجبت: لم أفكر في هذا.. عقب: قدم طلبا.. وستحصل عليها.. قلت بهدوء: سأفكر في الأمر..
ولم يأت النادل بعد..
* وجها لوجه..
سألته بدون مقدمات قبل أن يأتي النادل والشاي والسكر والحليب:
ـ ماذا تفعل الآن؟.
أجاب باقتضاب:
ـ أصطاد سمك..
عدت اسأله: هل تقرأ..
عقب على سؤالي: أنا لا أتوقف عن القراءة والكتابة...
صمت برهة وأضاف: مثل السمك إذا خرج من الماء، مات .
سألت: وماذا تقرأ الآن..
وضع ذراعيه على المائدة الصغيرة، وشبك أصابعه معا وقال:
ـ الكتب والملاحق الثقافية الأسبوعية...
سألت: والكتابة؟
أجاب: استكمل ثلاثية رجال من جبال الحجر..
سألته: ألم تنته هذه الملحمة بعد..
عقب وهو يضغط على مخارج الحروف:
ـ الرجال مازالوا أشداء، لم يقهرهم الموت...
ولم يأت الشاي بعد..
* القراءة..
حضر النادل اللبناني النحيل وطلبنا الشاي..
بعد أن انصرف سألت المظفر بعيدا عن حوارات العمل الصحفي: هل تذكر أول كتاب طالعته خارج إطار الدراسة؟
صمت، سرح بعيدا وهو يتذكر مقطبا.. بعد لحظات قال بصوت هادئ كأنه في حوار أدبي: الحقيقة عندما بدأت اقرأ.. كنت أحب القراءة كثيرا. وأظن أن هذه كانت هي الأرض الخصبة لجني ثمارها الآن. واذكر أن بدايتي كانت مع سلسلة (الألف كتاب).. ولا أنسى (كتابي) تلك السلسلة المتنوعة من الاصدارات من رواية وقصص قصيرة.. بعد ذلك بدأت قراءة الروايات المترجمة التي كانت تصدر من بيروت (روايات الجيب) وشدني روايات أجاثا كريستي وشرلوك هولمز..
قاطعته متسائلا: هل تتذكر الكتاب الذي طالعته وعلق بذهنك إلى الآن؟
أجاب: الأيام للدكتور طه حسين..
سألت: كيف كنت تحصل على الكتب في ذلك الزمن البعيد؟
أجاب بهدوء وكأنما يتذكر: مازلت اذكر (حصة المكتبة) كانت حصة ملزمة، وكانت من أحب الحصص إلى نفسي..
صمت برهة، واستطرد: كنت انتظر هذه الاصدارات للذهاب إلى المكتبة للحصول عليها.. لدرجة أن صاحب المكتبة. كان يحجز لي نسخة من هذه الأعمال..
سألت: هل استمر الحال على هذا المنوال..
قال: هذا قادني بعد ذلك إلى روايات الهلال، وكتاب الهلال وكتاب اليوم لأنه لم تكن توجد إصدارات خليجية بعد..
سألت: والمرحلة بعد ذلك من القراءات..
قال: كتاب الأيام الذي قرأته فتح عليّ عالم طه حسين وتوفيق الحكيم وأيضا محمد عبدالحليم عبدالله والمنفلوطي، ثم بعد ذلك انتقلنا إلى نجيب محفوظ ويوسف إدريس..
جاء النادل يحمل صينية الشاي..
وضع ما عليها بهدوء على الطاولة كل حسب طلبه، وانصرف..
* المكتبة الخاصة..
تأملت فنجان الشاي الأحمر الساخن، البخار ما زال يتصاعد منه..
سألت: تكونت لديك مكتبة خاصة من اقتناء هذه الكتب؟
قال: كانت الكتب زهيدة الثمن.. ونشتريها من المصروفات اليومية.. كنت في ذلك الوقت أدرس بدولة الكويت وجمعت العديد من الكتب العربية والمترجمة، ولكن...
وتوقف قليلا.. بعد كلمة ولكن هذه.. أصغيت باهتمام فواصل حديثه:
نظرا لكثرة تنقلاتي..
أجبت أنا عنه: فقدت الكثير من الكتب..
وأضفت أيضا نيابة عنه: هذه مأساتنا جميعا. فأنا أهدي الكتب بعد القراءة إلى المقربين من الزملاء والأصدقاء والمعارف. أهديها إلى الإنسان الذي يحترم الكتاب ويقدره.. خاصة طوال سنوات الغربة هنا. الكتب التي تزيد عن الحد خلال ربع قرن من الزمان...
ابتسم ولم يعلق على كلامي وقال موضحا: نظرا لكثرة تنقلاتي.. من مكان إلى آخر.. فقدت الكثير من الكتب القيمة وربما كانت تضيع مني بشكل أو بآخر.. وصمت.. ابتلع ريقه ورشف رشفة من فنجان الشاي بالحليب واسترسل مستكملا: عندما رجعت من دولة الكويت بدأت في تكوين مكتبتي الخاصة مرة أخرى، خصوصا وإنني بدأت أمارس الكتابة...
توقف.. ونظر إلى الأكواب التي أمامه ورفع الكوب بيده ورشف رشفة من الشاي بالحليب مرة أخرى، رشفت بدوري من الشاي الأحمر..
* مرحلة المخاض..
قلت: هذه هي مرحلة المخاض بعد القراءة.. ماذا عن مرحلة الكتابة..
قال: على الكاتب أولا أن يقرأ بنسبة 90 % من وقته حتى يبدأ يعرف كيف يكتب.. مثل الأرض الخصبة لا بد من تنظيفها أولا وحرثها لإعدادها لاستقبال البذور.. لأن الأرض البور كالعقل الفارغ كيف ستعطي ـ ارتفعت نبرة صوته قليلا واستطرد ـ وكيف سيعطي ما دام هو خواء؟!
قلت: ما رأيك فيمن يكتبون قبل أن يقرأون..
قال: للأسف هذه آفة كتابنا الآن.. إنهم يكتبون ولايقرأون..
اعترضت: لا يقرأون مطلقا..
قال مستدركا: لايقرأون القراءة الكافية.. بدليل إنهم يكتبون أشياء لا يفهمها إلا أنفسهم..
عقبت مرددا: لا يقرأون!! ويكتبون لأنفسهم. هل هذا الكلام للنشر..
قال بدهاء: هذا الكلام لك أنت..
قلت: ماليَّ. ليس لي. الكاتب وماله وما عليه للقراء، سواء كانت الأشياء الخاصة أو العامة، لا خصوصيات عند الكاتب، لأنه ليس ملك لنفسه، إنه ملك للقراء. لن تستطيع أن تغمض عين الكاتب الفنان عن الرؤية. لن تصم أذنيه من الرصد. لن توقف عقله عن الاختزال. لن توقف إنتاجه وخبرته عن النشر. أو تمنع قلمه عن الكتابه. عقل الكاتب مثل مطحنة البن الصغيرة، كلما وضعت حصوات البن في داخلها سوف تقوم بطحنها بالداخل. عقله، مطحنة البن هذه.. لتقديم النتاجات الجيدة في صورة ناعمة للشارب الذواقة...
قال: هذه قضية كبيرة ـ الهموم العامة والهموم الخاصة ـ وهي تحتاج إلى لقاءات كثيرة نتحدث فيها فيما بعد. ما للنشر وما ليس للنشر..
سألت بهدوء: من أين كونت مكتبتك الخاصة؟
أجاب: عندما بدأت المكتبات تنتشر كنت أبحث عن الكتب القديمة القيمة. كتب التراث التي كنت أعرفها من قبل ـ بالإضافة إلى معرض الكتاب عندما يقام بدأت بتزويد مكتبتي من جديد..
استقر نظري على النادلة الفلبينية الضئيلة الحجم وهي تقف تعد العصائر بالركن الداخلي في مكان مجاور للمقهى.
* النتاجات...
عدت إلى رشف قطرات الشاي الأحمر الفاتح من الفنجان الذي أمامي..
سألت: ماذا عن الكتابة، بعد هذه القراءات..
قال: مجموعتان قصصيتان..
سألت: ماهما؟.
أجاب: يوم قبل شروق الشمس، واشرقت الشمس..
قلت مبتسما: أي قبل الشروق وبعد الشروق.. ثم ماذا أيضا؟
قال: من الروايات: رمال وجليد. المعلم عبدالرزاق. رجل وامرأة (وهذه ترجمت إلى اللغة الإنجليزية).. ثم رواية الشيخ. ورواية 1986. ورجال من جبال الحجر (ثلاثة أجزاء). إنها تمطر في إبريل. وعاطفة محبوسة.. وإن شاء الله في المستقبل سأصدر المزيد...
وصمت، ولم أعقب.. نظرت إلى فنجان الشاي، ما زالت به بقايا.. ضم قبضتي يديه معا واسترسل بهدوء يحسد عليه: وكما ترى، لو لم أتهيأ وأهيئ عقلي ونفسي.. وكانت لدي حصيلة من القراءات المتعددة المتنوعة الغنية باللغة والأساليب مع وجودي في المجتمع العماني الحديث المثابر والذي ينظر إلى حياة أفضل لما استطعت أن أكتب شيئا لأن كل رواية لها موضوع خاص بها يختلف عن الرواية السابقة أو القادمة.. فالقراءة هي عصب الكتابة.
سألت: ألا تقرأ لغير الكتاب العرب؟
أجاب: اقرأ الأعمال الأدبية المترجمة، خصوصا الروايات.. أي كاتب يعجبني وتجذبني رواياته أقتنيها.. واقرأها لأنني اسعى من وراء ذلك إلى اكتشاف أساليب جديدة ومفاهيم في الرواية الحديثة قد لا يتطرق إليها الروائي العربي.. ربما خوفا من مجتمعه أو من قيود الأعراف التي تكبل الروائيين العرب والتي علينا أن نحطمها ونجعل الرواية هي ديوان العرب الجديد..
* كتب التراث..
عدت انظر على كوب الماء البارد..
نظرت نحو المظفر وقلت: وكتب التراث العربي، هل لها مكان في مكتبتك؟
قال: كتب التراث التي تخدم تخصصي، لأن الأساليب العربية القديمة بعضها تشعر أنها كتبت في عصرها لسهولتها وبساطتها.. وأنا اقتني كتب التراث لكن.. التي تخدمني.
سألت: هل تقرأ الشعر؟
قال: اقرأ كل شيء. كل ما تقع عليه يدي واقرأ للكتاب العمانيين والكاتبات العمانيات وكتاب الخليج الذين أحصل على كتبهم من المعارض.. والذي يؤسفني أن القطيعة بيننا.. نحن كتاب الخليج مع الأسف كبيرة وهوة عدم التعارف بيننا عميقة ولا يوجد تواصل بيننا وأتمنى ثلاث مرات أن يكون لكتاب الخليج وكاتباته لقاء تعارف سنوي في كل مرة في دولة من دولنا الخليجية دائما لنعرف بعضنا البعض ونتبادل اصداراتنا ونتكلم في مواضيع تهم مجتمعنا هذه اللقاء هي ثقافة كبيرة وحضارة...
سألت: لمن تقرأ من الشعراء؟
قال: الشاعر الكبير الشيخ عبدالله الخليلي. اقرأ للشاعر عبدالله بن صخر العامري، وذياب بن صخر العامري، اقرأ أشعار سيف الرحبي وسماء عيسى وطالب المعمري. والشاعر مبارك العامري والشيخ هلال العامري وسعيد الصقلاوي..
قاطعته: ومن الشاعرات العمانيات..
قال: أقرأ للشاعرات العمانيات. منهن د. سعيدة خاطر الفارسي والشاعرة تركية البوسعيدي.. اقرأ اصداراتهن وأتمنى لهن الاستمرار..
قلت: وآخر كتاب قرأته، هل تذكره؟
أجاب: آخر ما قرأت (بنو اسرائيل في القرآن) لشيخ الأزهر فضيلة الإمام الأكبر محمد سيد طنطاوي، بالإضافة إلى روايات لبعض الكتاب العرب.. وروايات مترجمة.
* السلام، ختام..
سألني بلطف: تود أن نشرب شيئا آخر بعد الشاي..
أجبت: نسكافيه بالحليب..
سأل: تشرب كابتشينو..
قلت: بارد..
قال: لا. أظنه ساخنا..
قلت: لا أحبه ساخنا.. دوما كنت أشربه في محطة الرمل باردا وأنا جالس داخل التريانون.. أشاهد ميدان سعد بك زغلول. وأرى قلعة قايتباي وهي تقف على اللسان الممتد داخل المياه المالحة الزرقاء. وشجيرات النخيل الملوكي وهي تقف على مقربة من الميدان.. في الشتاء كنت اشربها ساخنة، لكن في شهر أغسطس هذا أحب اشربها مثلجة. المشروبات الساخنة والباردة.. أخذتنا معا وذهبت بنا بعيدا إلى الأسكندرية..
قال بدوره: أعرف مقهى على شاطئ مطرح في حضن الجبل، يقدم طعاما حارا ومشروبات باردة وساخنة..
قلت: دعنا من الحار والبارد، العذب والمالح.. كتبك الخاصة هل تعيرها للاصدقاء؟
أجاب: أنا أصلا لا أعير كتبي الخاصة إلى أي فرد إلا إذا كنت واثقا فيه جدا، وأحيانا آخذ عليه (رهنا) مقابل الكتاب، وفي حالة عدم الرد اشتري كتابا مثله أو غيره..
سألت: معنى ذلك أن استرداد الكتب تمثل مشكلة لك؟
أجاب: نعم، لأن الناس يستعيرون منك الكتاب ولا يقرأونه، إنما مباهاة.. مظهريا فقط!! حتى يشعروك أنهم مهتمون بالقراءة وأنهم معجبون برواية في مكتبك ويريدون القراءة أو حب التملك لكتاب عندك وليس عندهم، ولذا لا يردونه..
قلت: لا بد أنك تفعل مثلهم...
اعترض قائلا: إنني (وأقسم) عندما استعير كتابا من أي شخص أقرأه وأرده له حسب الاتفاق، إذا قلت له بعد أسبوع أرده له في نفس الوقت..
سألت: لكن.. لماذا التشدد من جانبك..
قال: اذكر لك السبب. أحد الأصدقاء المقربين لي استعار مني كتابا تراثيا نادرا وأخذه وسافر ولم يرده.. فهل أعير كتبي بعد ذلك لأحد...
قلت: نحن في عصر الفضائيات. هل مازال الكتاب خير رفيق وجليس؟
أجاب: في الحقيقة.. الكتاب يحوم حوله الخطر من الفضائيات، لكن.. الذي يريد أن يقرأ سيقرأ.. لن تلهيه الفضائيات.. سيبقى الكتاب مهما تعددت وسائل إلغائه.. ثم إن الفضائيات كالمواد الاستهلاكية لا ترسخ في العقل، إنما متعة القراءة ترسخ في العقل والوجدان وتحسن اللسان وتجعلك حضاريا.. لا أظن أن الفضائيات ستغلب الكتاب..
قلت: ربما يحدث هذا..
قال بحزن: إن حصل ذلك، فقل علينا السلام..
قلت بهدوء: علينا السلام..
عبدالسـتار خليف*
* كاتب وروائي مصري

أعلى








بعد صدوره كتابه الجديد (نحو قيم تربوية وتعليمية)
صالح الفهدي: "تفعيل القيم" هو الطريقة الوحيدة لمواجهة هذا الزخم الهائل من الأفكار التي قد يكون الكثيرُ منها هدّاماً
لدينا مشكلةٌ في الأسلوبِ والحوار ويجب أن نواجهها بكلِّ شجاعة
أربعةٌ مجلّدات تضم عدداً من نصوصي المسرحيّة تنتظرُ الفرصة كي تخرج للنورِ
أول ما علينا بذله لإقامةِ قاعدة مسرحية هو صدق النوايا والنظر إلى المصلحةِ العامّة قبل الخاصة

حاوره ـ سالم الرحبي:صدر مؤخراً للكاتب والشاعر صالح الفهدي اصداره الجديد "نحو قيم تربوية وتعليمية" والذي تكفلت وزارة التربية والتعليم بطباعته ليكون مرجعاً لمدارس التعليم الأساسي..
ضم الإصدار بين دفتيه أكثر من سبعين مقالاً نشرها الكاتب في صفحات (الوطن) تطرق من خلالها الى العديد من القيم التي يسعى الى تكريسها في المجتمع ، من منطلق توجيهات ديننا الحنيف.. في السطور التالية حاورنا صالح الفهدي حول إصداره، ولأنه مسكون بالمسرح والشعر أيضا لم نفوت الفرصة كي نعرج اليهما ونسبر أغوارهما أيضاً.. وهو بدوره لم يبخل علينا بإجاباته التي لم تخلو من طرقات على أبواب الجرأة..

قيم سليمة

* بداية نبارك لك صدور كتابك الجديد "نحو قيم تربوية وتعليمية" والذي أصدرته مؤخّراً وزارة التربية والتعليم .. كما نود منك إطلاع القارئ على مادته ومحتواه؟
** في البدءِ لا بدَّ لي من تقديمِ الشكرِ الجزيل لمعالي وزير التربيةِ والتّعليم على توجيهاته بإصدارِ هذا الكتاب، وهو دليلٌ نفتتخرُ به على الفكرِ الرّاقي المشجِّعِ للكلمةِ ذات الأثرِ الجميلِ في النّفس. لقد كانت توجيهات معالي الوزير بأن يكون الكتابُ مرجعاً لمدارس التعليم الأساسي، وهو ما يعني لي الشيءَ الكثير، فليس أوّل ذلك الفخرَ بكون الكتابِ مرجعاً وحسب وإنّما لأنّ القيم التي سعيتُ لإبرازها والتأكيد عليها قد أصبحت مرجعاً للناشئةِ من الأجيالِ وهو ما يجعلُ مشروعي الفكري فاعلاً، يسقي براعمَ التفكيرِ، ويغذِّي زروعَ التأمُّل ، ويحفّزُ السلوكَ الواعي.
لقد توصّلتُ إلى قناعةٍ فكريّةٍ منذ سنوات ؛ بأنَّ المجتمع الرّشيد هو الذي يجبُ أن تسودَ فيه القيم السليمة ، ولهذا بدأتُ هذا المشروع الفكري ، الذي وإن بدا على شكلِ مقالاتٍ أسبوعيةٍ إلاّ أنّها أجزاءٌ منه، ويسعدني أن كثيراً من القرّاء العمانيين متابعين من أعوام لهذا المشروع حتى وإن بعدوا لظروف السفر فعادةً ما يخاطبني قرّاءٌ عمانيون من استراليا ، والولايات المتحدة، وبريطانيا وغيرها من الدول مؤكّدين متابعاتهم الوثيقة بمقالاتي وهو ما أحمدُ الله عليه.
ولقد حقّق هذا الإصدار حُلماً كم طالبني به الكثيرُ من القرّاء المتابعين لمقالاتي ، وها هو اليوم قد أصبحَ واقعاً في متناولِ البصرِ والبصيرة. هذا الكتاب يحتوي ما لا يقلُّ على سبعين مقالاً نشرتها في جريدة (الوطن)، لكنّها كانت لبناتٍ لمشروعٍ بدأتهُ منذُ سنوات عديدة..
لقد وجدتُ أنّنا نعاني كمجتمعات من مشكلةِ الإزدواجيّة ، فلدينا تراثٌ أصيلٌ من القيم العربيّة الإسلامية التي تشكّل ذاتاً إجتماعيّةً فاعلة في حال تطبيقها أو تفعيلها بالمعنى الصحيح ، لكننا في كثيرٍ من السلوكيات نفتقدُ إلى هذه القيم.. وهذا ما شكّل الإنفصام في الشخصية، وسبّب مشكل التعامل الحضاري ، والنظرةَ غير القويمة تجاه النفس والمجتمع بشكلٍ عام، إن كتابي الآخر والذي آملُ صدوره أيضا حول "القيم المعطّلة في المجتمعات العربيّة" قد انطلق من هذه الإزدواجيّة التي انطلقت من مشهدٍ بسيط التقطه من الجامع: بين الصفوف المستويةِ ، الهادئة ، المتراصّة ، داخل الجامع ، وبين الفوضى العارمة المتمثّلةِ في الأحذيةِ المتراكمةِ ، والسلوكيات المعوجّة خارج الجامع!!..
المشكلةُ التي تعاني منها مجتمعاتنا تتلخّصُ في "تعطيل القيم" ولهذا سعيتُ إلى إبرازِ تلك القيم السليمة بقدرِ ما أستطيع ، وقد أسعدني جداً أنّه هناك من القرّاء المتابعين عن كثب أفادوني بأنّهم قد بدأوا تفعيل بعض القيم التي ناديتُ بها والتي تثقل على طبيعةِ الإنسان في مجتمعاتنا ، وعلى سبيل المثال، كتبتُ ذات مرّة عن الكلمات الساحرة الثلات: شكراً ، آسف ، ولو سمحت .. وبالرغم من بساطةِ هذه الكلمات وسهولةِ نطقها لكنّها ثقيلةُ على النفس الإنسانية في مجتمعاتنا ، فقليلاً ما نسمع كلمات الشكرِ في البيوت .. وقليلاً ما يصدرُ أسفٌ من إنسانٍ أخطأ ، وقليلٌ من يطلبُ مستهلّاً بكلمةِ لو سمحت، ولهذا حينما انتهيت من جلسةٍ دُعيت لها في إحدى المدارس واستمرت قرابة الساعتين قلتُ للجميع ، إذا كنت ستنسون ما تناقشنا حوله طوال الوقت فأرجو أن تتذكروا فقط ثلاث كلمات ، تذكرّوها وطبّقوها في حياتكم!!..
وحينما يعيشُ المرءُ في مجتمعٍ آخر غير مسلمٍ فيجدهُ يطبّق هذه الكلمات، وهي منبثقة عن قيم، فإنّه يشعرُ بالغيرةِ، ويحزُّ في نفسهِ أنّها غير مفعّلةٍ في مجتمعه المسلم وهو الأحرى بتطبيقها..!! إن الخروج من دائرة المجتمع والالتقاء بالشعوب الأخرى ومراقبة قيمها لضروري، وهو الأمر الذي دفع بالإمام محمد عبده للقول في باريس: لقد وجدتُ الإسلام ولم أجد المسلمين، وهو الذي دفع بعائض القرني بأن يجهر من باريس أيضاً: نحن العرب قساةٌ جفاة..!! وهو الأمر الذي يدفعني وأنا أعايشُ حياة الغربِ ، وأنادي بتفعيل الكثير من القيمِ في حياتنا كي نستطيع بالفعل أن نتقدّم على الصعيد الإنساني، فإذا كان رسولنا المصطفي الكريم يقول "إنّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" فإن هذه الأخلاق لم تتم إلاّ بتفعيل القيم التي جاءَ بها الإسلام أو أكّد عليها.
* لا يختلف اثنان على ان القيم التربوية والتعليميّة تختلف باختلاف الأزمنة وظروف معيشتها.. فما هي القيم التي ركزت عليها في اصدارك الجديد ، والتي تعتقد بأنها قادرة على مواجهة الراهن؟
** هناك ثوابتٌ أصيلة تشكّل خصوصية ثقافة الشعوب ، وتؤسّس لهم إرثهم التاريخي الذي يوسمون عليه ، ولهذا فإن القيم التي تعتبرُ خلايا الثقافةِ هي في الغالبِ ثابتةٌ لأنَّ جذورها راسخةٌ ، ونقول راسخةٌ لأننا في مجتمعاتنا المسلمة نستمدها من مصدرين: القرآن الكريم ، والسنّة النبويّة الطاهرة. ولستُ أستطيعُ هنا أن أحصي القيم التي تناولتها في الكتابِ بشكلٍ مفصّل ولكنّها تلك القيم التي تتعلّق بالسلوك الإنساني ، والأسلوب الذي يتعاطي به مع نفسه ومع الآخرين ، الأخلاقيات السامية التي من المفترض أن تسود معاملات الناس ، الحوار مع الآخر ، عدم الإقصاءِ ، إشتراطات النقاش ، النظرة الصحيّة إلى الآخر ، عدم تقزيم الآخر ، السّمات الإنسانيّة الرفيعة ، وقد تطرّقتُ كثيراً إلى نماذج متنوعة - ولا زلت - من الناس الذين يعانون من نقصٍ داخلي ، أو مرضٍ نفسي ، أو خللٍ فكري يؤديّ بهم إلى الإنتقاص من الآخر. إن لدينا الكثيرين حتى بعض أولئك الذين يظهرون في مظاهر المتديّنين يعانون من مشكلةٍ التعامل السليم ، والأخلاقيات الإجتماعية القويمة التي تضعهم على المحكِّ في تعاملاتهم .. وبشكلٍ عام فإن هذه القيم هدفها "رجرجة" الفكر ، و"تحريك" الراكد من المعتقدات ، والقناعات الشخصيّة ، والتحفيز على المراجعات للكثير من الشؤون التي تتعلق بالشخصية الإنسانيّة، وذلك بأسلوبٍ ينحو نحو سرد الأمثلةِ من الواقعِ المعاشِ لإنسان مجتمعاتنا.
إن "تفعيل القيم" هو الطريقة الوحيدة لمواجهة هذا الزخم الهائل ، والتيّار الهادر من الأفكار التي قد يكون الكثيرُ منها هدّاماً ، لا يمكنُ للمرءِ أن يقفل أبوابَ بيته ونوافذه ، فهو لن يستطيع أن يعزل نفسه، ولكنّه يستطيع أن يتسلّح بالقيم التي لن تقتلعه من مسكنه ، ويحضرني هنا ما قاله المهاتما غاندي عام 1958 "لا أحبُّ أن تسدُّ الجدران المنيعة بيتي في كل جهة، وتغلق نوافذي ،إنّما بدلاً من ذلك، أحبُّ أن تهبّ ثقافات الأرض المختلفة في بيتي قدر المستطاع، لكنني أرفض أن تقذفني أيّاً من هذه الثقافات خارج بيتي" إن الرّفض لا يعني عدم التفاعل ، ولكنّه الفعلُ الذاتي ، والعدّة الشخصية التي يجب أن تكون ضامنةً على عدم الإنصهار في ثقافاتٍ غريبةٍ ، وهذا لن يحدث إلاّ بتفعيل القيم التي تعطّل الكثيرُ منها في مجتمعاتنا!!..

أثافي الشخصية

* "أخلاقيات وطباع بين الرقة والغلظة"، "رقي الاسلوب وقيمة الحوار" ، "نظرات موضوعية" هي فصول كتابك الجديد .. لماذا هذه المحاور تحديداً؟
** هذه المحاور تشكّل الأثافي التي تقومُ عليها شخصيةُ الإنسان ، إذ أن في الطبيعةِ البشريّة والأسلوبِ والعقلِ تكمنُ شخصية الإنسانِ ، ولننظر إلى الأمثلة والمقولات نجدها تعكس ذلك ، مثلا "المرءُ مخبوءٌ تحت لسانه" ويقول الدكتور إبراهيم الفقي "إن عينيك ليست سوى انعكاساً لأفكارك".. من هنا حاولتُ أن أركّز على تغيير بعض الطبائع المنهزّمة، المريضة، التي تعاني من الخلل وذلك بتنبيهها إلى القيم التي ترفع من ذاتها ، وتحفّزها إلى النظرة الأفضل لذاتها ، والإنسانُ في هذا الصدد يملكُ مخزوناً وافراً، يقول الفيلسوف الصيني كونفوشيوس "إن ما يسعى إليه الإنسان السامي يكمن في ذاته هو، أما الدنيء فيسعى لما لدى الآخرين".
وحاولتُ أن أركّز على القيم المتعلّقة بالأسلوب وقيمة الحوار ، فنحنُ نعاني في مجتمعاتنا من مشكلةِ الأسلوبِ وقيمة الحوار ، ويدهشني أن الأجيال التي تعلّمت قليلٌ منها من أدرك قيمة الحوار أكان ذلك داخل البيت ، المدرسةِ ، الجامع ، المقهى أو المكتب.. لدينا مشكلةٌ في الأسلوبِ والحوار ويجب أن نواجهها بكلِّ شجاعة ، هذه المشكلة تتعلّق بالطبائع ، وفي هذا الصدد لم يحبطنا المثل الشعبي القائل "قص صبع ولا تقص طبع..!!" لأن الطبائع الإنسانيّة يمكن تغييرها .. وذلك ببرمجة العقل ، أو بالأحرى ببث القناعات فيه ، فالله سبحانه وتعالى يقول "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" الرعد-11 ، التغيير إذن يتم عن طريق العقل وهو ما كنت أعالج بعضه في محور "نظرات موضوعيّة" ، ولكنني أعترفُ بتواضع معرفتي الشديد ، وقلّةَ علمي ، وجهلي بالكثيرِ وما أنا إلاّ مجتهدٌ بسيطٌ يحاول أن يشعلَ قناديل في دروب الكثيرين وأولّهم نفسي!..
* بعيداً عن الاصدار.. فإن لك نشاطاً متواصلاً في فرقة الصحوة المسرحيّة التي ترأسها ، وقد قدّمتم مؤخراً عملين في دولة قطر ، وفي المملكة المتحدة وتحديداً في مانشستر ، فماذا تقول عن نشاطك المسرحي؟
** المسرحُ بالنسبةِ لي أُفقاً للإبداعِ ، والتّجليات الجماليةِ والفلسفيّة التي أشكّلُ من خلالها رسالةً أخرى ، عبر نمطٍ فنّي ، يتلاقى عن كثبٍ من الجمهور ، وهذه هي لذّته الكبرى ..!! وقد وجدتُ في فرقة الصحوة المسرحيّة متنفساً جميلاً لي: فكراً وإبداعاً .. كما أنني حاولت تكوين جيلٍ من المسرحيين الشباب من الجنسين ، أستطعنا جميعاً أن نكوّن خصوصيّة ذات تجربة فريدة ، حتى تحوّلت فرقة الصحوة إلى معنى عاطفي حميمي، فأصبحت "أسرة الصحوة" وبالفعل فإن الأجواء في هذه الأسرة قد ملأت فراغاً عاطفيّاً لدى الكثيرين ، وأشبعتهم من الناحية الشعورية ، وقادنا ذلك إلى ابتكار أعمالٍ مسرحيّة وإلى الإستمراريّة المتواصلة في النشاط المسرحيّ ، وقد أعلنت منذ عام أن مهرجان الصحوة المسرحي سيكون سنويّاً وهو ما نسعى له ، وقد نجحنا في إقامتهِ صيف هذا العام ، وبإذن الله سيستمر وذلك بمساعدة الداعمين لنا وللشباب ، وكم كنتُ أودّ أن تدعمنا وزارة التراث والثقافة في مشروعاتنا المسرحيّة ، ولكن للأسف - وهذا ما يحزُّ في نفسي كثيراً - لم تحصل فرقة الصحوة المسرحية من وزارة التراث والثقافة على فرصة المشاركة الخارجية في حين نجد أن دعماً قدّم للبعضِ وهذا يشيع الشعور بعدم الإرتياح ولا يساعدُ في تحفيز النفوس لبذل الجهد .. لكن لدينا أهدافنا وأجندتنا التي سنعمل من أجلها لأننا نحبُّ هذا الوطن ونحب قائده المفدى ونريد للمسرح أن يكون له شأنٌ في السلطنة.. وما تقديمنا للعروض المسرحيّة بمساهماتٍ ماديّةٍ منّا لكي نشارك في الحفل الوطني الذي احتفل فيه طلبة وطالبات السلطنة في بريطانيا بمناسبة العيد الوطني الثامن والثلاثين المجيد ، وبالرّغم من قلّة الإمكانات الماديّة التي تمتلكها الفرقة فقد حرصنا على المشاركة ودفع جزءٍ من المصاريف..!! هذا يذكرني بالمشاركة مذن أعوام في الأردن حيث شاركنا دون أيّ دعم رسمي ثم قمنا بتكريم كلّ الوفود والفنّانين من مساهماتنا الذاتيّة!!..

عُمان ملهمتي

* صالح الفهدي شاعر وكاتب ومؤلف مسرحي.. السؤال هنا أين اصدارات الشعر والمسرح الجديدة؟
** لقد أصدرت ديوان شعرٍ موسوم بـ "مدرات الحبيب" وهو تجربةٌ شعريّة ذات خصوصيّة معيّنة ، وللأسف الشديد كنتُ آمل أن يسقط الكتابُ في يدِ ناقدٍ ، حاذق البصيرةِ ، ذي رؤيةٍ واسعةٍ في الشّعر ، ولكن الديوان كغيره ما إن يصدر حتى يذوي في أدراجٍ خليّة ، مظلمة.. إن فقرنا النقدي هو جزءٌ من التراخي الثقافي الذي نعانيه.. وأعلمُ أن كثيراً من النقّاد لا يلامون فقد جرحوا بما فيه الكفاية ، حتى أن أحدهم قال لي منذ أيام: توقّفت عن النقدِ لأنني فقدت الكثير من أصدقائي..!! هذه هي مصيبتنا في هذا الصدد ، مصيبة مكوناتها: نقدٌ هدّامٌ لاذع ، أو نقدٌ بنّاءٌ ونفسٌ لا تستطيبٌ إلا المدح والثناءْ ، أو إعلاءٌ لشأنِ عملٍ لا يستحقُّ الإعلاءْ..!!
أما إصداراتي المسرحيّة فلديَّ أربعةٌ مجلّدات تنتظرُ الفرصة كي تخرج للنورِ ، وقد أجيزت جميعها من قبل وزارة الإعلام وبقي عليَّ أن أجد الفرصةَ والدار المناسبةَ للطباعة.. وهذه المجلّدات تحتوي على عدد من المسرحيّات.
* هل ألهمتك بريطانيا ، نصوصاً جديدة؟
** ألهمتني عُمان في بريطانيا .. فكتبتُ العديد من النصوص الشعريّة (الوطنيّة تحديداً) وكتبتُ مسرحياتٍ عدّة، منها المسرحيّة التعبيرية "نوء" والمسرحية الشعريّة "وطن" وغيرها من المسرحيّات ، وحالياً أعكفُ على عمل مسرحيّ شعري بعنوان "أرجمند .. ملحمة الحب والخلود"..

صدق النوايا

* عقدت ندوة تطوير الدراما والمسرح مؤخراً.. كيف كانت متابعتك للندوة ونظرتك تجاه ما خرجت به من توصيات؟ وما هي تطلعاتك انت في هذا المجال، خصوصاً بعد صدور الأوامر السامية بتشكيل لجنة عليا لدراسة وتطوير الدراما والمسرح في السلطنة؟
** كنتُ أتابعُ عن كثب وبشكل يومي تقريباً من خلال بعض الأصدقاء الذين يوافونني بما تم من استعدادات ، وما تم لاحقاً من قراءة لأوارق ، وطرحٍ لأفكارٍ .. وبالطّبع فإن هذه الندوة ذات هدفٍ يصبُّ في المسعى الذي سعيتُ كثيراً - كسعي آخرين في هذا المجال - لتحقيقه ، وهو قيام مكوّنات مسرحٍ فاعل ، وحركةٍ دائبةٍ ، أصيلةَ الرؤى .. وقد سبق وأن أقمنا منذ عدّة سنوات من خلال فرقة الصحوة المسرحيّة الندوة الأولى لمسرح الفرق الأهلية المسرحية في نادي الصحافة ، وقد رعاها معالي السيد عبدالله بن حمد البوسعيدي، وبالمناسبة هو الذي رعى الندوة الأخيرة ، وهو رجلٌ مثقف أكنُّ له التقدير .. وإقامتنا لتلك الندوة منذ ما يقارب الثمانية أعوام دليلٌ سابق على أننا كنّا نريد أن نقول كلمة في حق مسرح الفرق الأهليّة .. بالطبع لدينا ثلاث مشكلات أساسية: الأولى هي مشكلة من يدّعون الإهتمام بالمسرح من (المسرحييّن) ، أما الثانية فهي مشكلة الجهة الرسمية الراعية للمسرح ، المشكلة الثالثة هي عدم توفر العناصر المادية ، كالدعم المادي والمقر وغيره .. وأول ما علينا أن نبذله لإقامةِ قاعدة مسرحية هي في صدق النوايا ، والنظر إلى المصلحةِ العامّة قبل الخاصة ، فكم هم المعرقلون ممن يدّعون دعم المسرح!! وكم هم المثبّطون وهم محسوبون ظاهرياً على المسرح ورجالاته ..!! أن نكون صادقي النوايا ، أن تصفو نفوسنا ، وأن نتطلع جميعاً لهدف واحد وهو تكوين قاعدة مسرحيّة سليمة من ايّة مصالح شخصية ، أو مآرب آنيّة .. كما أن على المسرحيّن أن يطّلعوا مسرحيّا ، ويوسّعوا مداركهم المعرفية في هذا الجانب بحيث لا تكون تجاربهم المسرحية مبتورة من الرؤية الفلسفية ، أو الموقف الفكري ، أو الطرح المسرحي المترابط!! أما الجهة الرسمية الراعية للمسرح فكم نتوق لأن تكون قريبةً منّا ، من الفرق الأهلية المسرحية ، وأن لا يملي علينا بعض القائمين على المسرح فيها توجيهات وتعليمات من بعيد لأننا مجتهدون من الواجب أن تقدّر جهودهم لا أن تثبّط ، نتوق إلى دعم الجهة الرسميةّ وإلى إعطائنا فرص المشاركة بحسب الجهود التي نبذلها ، أمّا أن تفرق بيننا المسافات ، وتصدر البيانات دون مقدّمات ، ولا تكاد العلاقات الحميمة تقوم بين هذه الجهة والفرق الأهلية المسرحية فإن ذلك لا يمكن أن يساعد على وجود حركة مسرحية في البلاد.
ولقد استبشرنا خيراً بلفتة حضرة صاحب الجلالة- حفظه الله ورعاه - بتشكيل لجنة عليا لتطوير المسرح والدراما.. وليس غريباً ذلك على جلالته فكم أثرنا بالمكرمات ، وواسع الفضل ، وكريم العطاء ، ودافع الفكر في كثير من الأصعدة .. إن هذه اللّفتة لترمي إلى تحديد أوجه القصور وهو ما يعني تشخيص الواقع ، وتشريح متعلقاته .. ومن ثم رسم الطريق أمام التوصيات التي تُعنى بوضعه في الطريق السليم. إن تطلعاتنا في هذا المجال كبيرة لكنها واقعيّة ولا يتّسعُ المجال لسردها .. لكن في الأعم الغالب نأملُ أن تراجع الكثير من القناعات التي ثبّطت المسرح ، وأعاقت نشأته ، وقيّدت الدراما .. التطوير بحاجةٍ إلى: عقولٌ تفكّر ، مواهبَ تفعّل ، نوايا تصدق ، نفوسٌ تعمل .. لأن العناصر الماديّة بعد ذلك من السهل توفرها.
* أخيراً.. ما الذي تأمل أن يحققه صدور كتابك الجديد؟
** آمل أن يكرِّس الأهداف التي سعيتُ من أجلها ، وهي تفعيل القيم في مجتمعنا ، بحيث أن يكون مرجعاً عمليّاً ، يطبّقه الفردُ في حياتهِ ، ويكون بالنسبةِ إليه برنامجاً يتقيّد به ويلتزم .. الكتابُ هو انبثاقٌ من أفكارٍ سامية جاءَ بها الإسلام ، وبالتالي فإن شخصيّة أخرى نموذجية ستتشكّل في حال الإلتزام بما جاءَ في مضامينه من قيم. والله هو الموفق من قبل ومن بعد .. ولا يزال هذا المشروع مستمراً بإذن الله ، وأخيراً أقول اللهم "لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ" البقرة/32.


أعلى





النهوض بأدب وثقافة الطفل (1-2)
تنمية عادة القراءة عند الأطفال
علينا ان لا ننتظر الطفل حتى يفد إلينا بل نذهب إليه حاملين معنا مختلف وسائل الثقافة من كتب ومجلات وأشرطة
"مكتبة الأطفال العامة" نقلة حضارية متميزة ستسهم في النهوض بأدب وثقافة الطفل العماني
تفعيل دور المكتبات المدرسية وجماعات الأنشطة من أهم ركائز النهوض بأدب وثقافة الطفل

(انطلقت حافلة كبيرة صوب إحدى القرى النائية وعلى وجهها رسومات مبهرة الألوان وفي جوفها مفاجآت للبنين والبنات.. توقفت الناقلة في احدى القرى.. نزل شاب أنيق منها .. صاح الشاب: "أبغي مكاناً خالياً من الزحام ولا يقع في منتصف الطريق فيسبب للمارة ضيق".
أشاروا عليه أهالي القرية قائلين: تفضل هنا على الرحب والسعة.
اصطحب الشاب حافلته الضخمة وأوقفها في منتصف الساحة وسرعان ما تجمع الأطفال وقد ارتسمت على وجوههم مئات من علامات التعجب ودارت في أذهانهم أسئلة كثيرة.
نزل الشاب من سيارته ثم فتح الباب الخلفي للسيارة .. التف الأطفال حول الحافلة وقرأ بعضهم عبارة: "مكتبة متنقلة".
ازداد التعجب على وجوه الأطفال المشبعة بالبراءة حين رأوا داخل صندوق الحافلة مكتبة ذات أرفف كثيرة وفوق كل رف عشرات الكتب والمجلات المتنوعة الأحجام والألوان وأمام المكتبة منضدة كبيرة يصطف حولها كراسي صغيرة.
وضع الشاب سلم صغير أمام صندوق الحافلة ثم قال للأطفال:
تفضلوا إلى المكتبة المتنقلة .. استمتعوا بقراءة القصص الشيقة والمجلات الرائعة.
تسلق الأطفال السلم الصغير وقفزوا داخل العربة واختار كل واحد منهم قصة ملونة وانهمك في قراءتها .. مرت ساعات النهار وأوشكت الشمس على المغيب .. ودع مشرف المكتبة المتنقلة أطفال القرية وغادر المكان وسط تلويح الأطفال له وحزن بعضهم لكنهم أخذوا وعدا من مشرف المكتبة بالعودة مرة أخرى).
هذه هي الصورة التي رسمتها بمخيلتي لما أتمنى أن أراه في المستقبل لأننا لن ننهض بثقافة الأطفال إلا بعد تنمية عادة القراءة لديهم والاهتمام بكتّاب الأطفال الذين يعدون الوجبات الثقافية الشهية.
ويجب أن ندرك أن النهوض بثقافة الطفل كما أنها غاية فإنها وسيلة إلى غاية أسمى ألا وهي بناء جيل مثقف واع قادر على تولي مسئولية بناء وطنه في المستقبل.
إذن فالبداية هي تنمية عادة القراءة لدى أطفالنا كي ينهلوا من المعارف والعلوم التي توسع مداركهم وتطلعهم على العالم الخارجي وتزرع في نفوسهم القيم الأخلاقية.
ولكي ننجح في هذا لا يجب أن ننتظر حتى يفد علينا الأطفال بل نذهب إليهم أينما وجدوا حاملين معنا مختلف وسائل الثقافة من كتب ومجلات وأشرطة مسموعة ومرئية وينبغي أن نشوقهم ونبهرهم بالأغلفة الجذابة والرسوم المبهرة والإخراج الفني الرائع .
والطفل سريع الملل وغير مجامل لذلك فلا بد من أن تكون أحداث القصص مشوقة وأن يكون الأسلوب سلسا والحبكة قوية ويجب ألا يستهين الكاتب بذكاء الطفل وأذكر أنني حين كنت مشرفا على أحد اندية الموهوبين بمصر أقمت مسابقة في الرسم بين مجموعة من الأطفال تتراوح أعمارهم بين 9 - 12 سنة وحددت وقتا للمسابقة ولكن في منتصف المدة المحدة فوجئت بطفل يسلم لوحته الفارغة إلا من سيارة في جانب منها.
سألت الطفل : لماذا لم تكمل لوحتك؟
أجاب : إنها مكتملة يا أستاذ؟
تساءلت متعجبا: كيف هذا وأنا لا أرى سوى سيارة؟!
أجاب الطفل : لوحتى عن حرب 1973.
تساءلت: وأين الجنود والسيارات والدبابات؟
قال الطفل: جنودنا نصبوا كمينا للأعداء واختبأوا ، لذلك فنحن لا نراهم.
أذهلني ذكاء الطفل الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره وأعطيته جائزة ليس على رسوماته بل تقديرا لذكائه خاصة بعد أن علمت بنبوغه في مدرسته.
إذن قبل أن نقدم للطفل العماني وجباته الثقافية الشهية يجب أن نحسن إعداد الوجبة حتى لا يصاب الطفل بوعكة أخلاقية تصاحبه في مراحل عمره فتنمو معه وتترك أثرا سيئا في نفسه. وكم من طفل تركت قصة ما أثرا عميقا في نفسه لم يستطع الزمن أن يمحيها.
وأذكر أنني حين كنت صغيرا استمعت لقصة مؤثرة انتهت بسقوط أحد أبطالها من مكان شاهق. وفي ذلك اليوم نبتت داخلي بذرة الخوف من الأماكن الشاهقة وترعرعت مع تقدم عمري حتى أنني أشعر بدوار حين أطل من شرفة الطابق السادس.
ولهذا يجب أن يقوم مجموعة من الخبراء والمتخصصين في مجال أدب الأطفال بدور فعال في انتقاء الكتب التي تناسب مجتمعنا العماني وتتلاءم مع عاداته وتقاليده الراسخة وأن تتناول هذه الكتب المثل والأخلاقيات الإسلامية ويفضل أن تقدم تلك المثل في قالب قصصي مشوق.
فمكتبات العالم تزخر بملايين الكتب التي لا تصلح للأطفال لأنها لا تهذب الأخلاق ولا تدعو إلى الفضيلة ومنها على سبيل المثال لا الحصر: سلسلة كتب "هاري بوتر" التي تدور أحداثها عن السحر.
وهناك سلاسل القصص التي يمتلك أبطالها قدرات خارقة .. تلك القصص تزرع العنف داخل أطفالنا وتصيب كثير منهم بالإحباط لأنه لا يمتلك بعضا من قدرات هذا البطل الخارق وهذا طبيعي لأن الطفل يحاكي ما حوله ويقلد ما يراه دون أن يعرف عاقبته ، وكم من طفل أصيب بجراح بسبب محاكاة المخلوق الخارق الذي يحبه.
إذن مرحلة انتقاء الكتب هي الخطوة الأولى التي نبدأ بها من أجل النهوض بثقافة الطفل ثم يأتى دور المكتبات العامة والتي تحتضن القصص والمجلات الشيقة التي تم انتقاءها بعناية وتم ترتيبها حسب المراحل السنية المختلفة.
ولأهمية هذا الدور فقد تم تدشين "مكتبة الاطفال العامة" في حفل اقيم في الأول من نوفمبر من هذا العام ، تحت رعاية كريمة من صاحب السمو السيد هيثم بن طارق آل سعيد وزير التراث والثقافة وبدعوة من صاحبة السمو الدكتورة منى بنت فهد آل سعيد الرئيس الفخري للمكتبة.
وقد صممت المكتبة بطريقة يستطيع مختلف أفراد العائلة الاستفادة منها، فهناك قاعات مخصصة للتواصل بين الأهل وأولادهم كما أن هناك أماكن مخصصة للتعلم المبكر واخرى للاطفال والشباب مقسمة بحسب الأعمار بالاضافة الى كومبيوترات وقاعات لمشاهدة الافلام المصورة. وستضم المكتبة اماكن مخصصة للاطفال ذوي الاحتياجات الخاصة والكفيفين. وستحتوي مكتبة الاطفال العامة في البداية على اكثر من 12000 كتاب ومن المقرر ان تفتح المكتبة ابوابها في صيف عام 2011.
هذه المكتبة نقلة حضارية متميزة ستسهم في النهوض بأدب وثقافة الطفل العماني ولأهمية هذا الدور قالت صاحبة السمو الدكتورة منى آل سعيد، الرئيسة الفخرية للمكتبة، في كلمة لها خلال الحفل: "إن مكتبة الاطفال العامة ستؤمن عالما من الفرص للاطفال وذويهم. فهي ستساعد جميع افراد الاسرة على التعلم سوية وتعزز ثقتهم بأنفسهم وبالبيئة المحيطة".
ونظرا لدور المكتبة العظيم الذي أبرزته صاحبة السمو الدكتورة منى آل سعيد فإنني أتمنى أن تنتشر المكتبات الصغيرة في الحدائق العامة التي تزخر بها السلطنة بحيث يكون الكتاب بجوار الارجوحة وكي يشبع الطفل نهمه بغذاء ثقافي شهي بعد اللعب واللهو.
إنني لا أطمع في مكتبة ذات حجرات كثيرة وطوابق متعددة بل أتمنى وجود مكتبة نموذجية ذات حجرة واحدة في كل حديقة عامة.
وهناك إشكالية أخرى.. ماذا عن الأطفال الذين يعيشون خارج نطاق الخدمة المكتبية أو في أماكن بعيدة؟!
لا يمكن توصيل الوجبات الثقافية إليهم إلا عن طريق المكتبات المتنقلة والتي تزور الأحياء البعيدة حاملة معها أشهى وجبات الفكر والثقافة وبهذا يتساوى أطفال المجتمع في تحصيل الثروة المعرفية.
وتعود البدايات الحقيقية للمكتبات المتنقلة وبالمفهوم المعاصر إلى القرن الماضي حيث كانت المكتبات المتنقلة على شكل وسائل بسيطة تتمثل في العربات التي تجرها الخيول لنقل الكتب في المناطق الجبلية والمسالك الوعرة ، وكذلك تستخدم الزوارق في المناطق التي تكثر فيها البحيرات والمستنقعات.
حيث ظهرت أول مكتبة متنقلة في العالم في انجلترا عام 1858م وكانت عبارة عن عربة بها بعض الكتب يجرها حصانان. وظهرت المكتبات المتنقلة في أميركا في ولاية ماريلاند عام 1905. وكذلك انتشرت في أوربا في تلك الفترة. وقد عرفت الهند المكتبات المتنقلة بفضل منظمة اليونسكو في عام 1953. أما في الدول العربية فقد بدأ استخدام المكتبات المتنقلة في النصف الثاني من خمسينيات القرن المنصرم.
وقد أثبتت تلك التجربة نجاحها في كثير من بلدان العالم وأتمنى أن أرى تلك المكتبات وهي تجوب أنحاء السلطنة وتنشر الثقافة في ربوعها.
ويطل علينا دور الأسرة البارز في تنمية عادة القراءة لدى الأطفال وهو من أهم الأدوار حيث تضطلع الاسرة بمهمة تربية الأطفال منذ السنوات الأولى فيقوم الوالدان بتثقيف الطفل منذ نشأته بدءا من تعريفه على البيئة الخارجية وإكسابه المفردات الجديدة ومرورا بإحضار الكتب والمجلات الثقافية الهادفة وانتهاء باصطحابه إلى المكتبات العامة والندوات المفيدة.
وتكمن أهمية دور الاسرة في هذا المجال لكونها أول مؤسسة اجتماعية تربوية تقوم بتوجيه الطفل وتثقيفه.
ولا يمكن أن ننسى دور المدرسة للنهوض بأدب وثقافة الطفل ، فالمدرسة كمؤسسة تعليمية يمكنها أن تقدم الكثير والكثير من الخدمات الثقافية وذلك بتفعيل دور المكتبة المدرسية وجماعات الأنشطة التي تشجع الطلاب وتنمي مواهبهم.
لا يكفي أن يكون التشجيع قولا بل يجب أن يترجم إلى مسابقات وجوائز وتكريم. وأذكر أنني حين كنت طالبا بالصف الثاني الابتدائي لم أكن مهتما بالقراءة وحدث أن حكى لنا معلم اللغة العربية حكاية شيقة عن طفل يدعى أزندي تاه في الغابة لأنه لم يستمع لنصيحة أبيه وتجول في الغابة وحيدا.. أخذ الأب يبحث عن أزندي حتى عثر عليه في جوف الغابة.
عدت إلى البيت ورسمت الحكاية على صفحات كراسة بيضاء من مخيلتي وكتبت على الغلاف : "أزندي في الغابة" وقدمتها لمعلمي في صباح اليوم التالي.
استقبلني المعلم بحفاوة شديدة وهنأني على تلك القصة ومنحنى جائزة قيمة ومنذ ذلك اليوم وطدت علاقتي بالكتب ونشأت بيننا صداقة حميمة.
كي ننهض بأدب وثقافة الطلاب لا بد أن نفعل دور المكتبات المدرسية أثناء الأجازة الصيفية ونشجعهم على القراءة والاطلاع ونجري العديد من المسابقات بينهم كي نحثهم على التهام الوجبات الثقافية الشهية.

* ناصر عبد الفتاح

أعلى





هل تفقد جوائز الأوسكار بريقها مع تأثر السينما بالأزمة المالية العالمية ؟

بعد احتفال جوائز الأكاديمية هذا العام بات فكرة طرح السؤال عما إذا كانت جوائز الأوسكار ما تزال تتمتع بذلك الحضور القوي أم أنها تسير في اتجاه المعارض الفنية والرقص الحديث على أنها نخبوية وأبعد ما تكون عن أن تجد لها قبولا لدى الجماهير.
ومن بين أفضل عشرة أفلام كانت مرشحة العام الماضي للفوز بالجائزة لم يكن هناك أي منها في قائمة أفضل عشرة أفلام في مبيعات التذاكر ولم يكن سوى واحدا فقط ( جونو ) الذي حقق 100 مليون دولار. وهناك أسباب عديدة يمكن أن نسوقها لتفسير ذلك ومنها توجيه الاستوديوهات تركيزها على الأفلام التي تحقق الأرباح الضخمة بصرف النظر عن التقييم الفني وكذا وجود شركات الإنتاج الصغيرة التابعة مثل "باراماونت فانتاج" و"ورنر إندبندنت بيكتشر".
بيد أن الشيء الهام هو ان حفل أوسكار 2009 ربما يأتي مختلفا تماما. وليس المقصود هو أننا سوف نشاهد فجأة فيلم " هارولد وكومار يهربان من خليج جوانتانامو" وهو ينافس على جائزة أفضل فيلم او أي شئ من هذا القبيل.
غير أننا قد نجد باتمان يفعل ذلك. ويجري الحديث عن ترشيح قوي للممثل الراحل هيث ليدجر ـ الذي رشح من قبل لجائزة أحسن ممثل عن دوره في فيلم " جبال بروكباك" ـ للحصول على جائزة أحسن ممثل عن دوره في " ذا دارك نايت " أو فارس الظلام. هل ترى أن ذلك أمرا يبعث على السخرية ؟
هناك كثيرون يعتقدون أن روبرت داوني كان هزليا للغاية بعد أن قام بصبغ بشرته باللون الأسود ليلعب دور جندي أسود في " تروبيك ثندر " أو الرعد المداري للمخرج بين ستيلر. والآن يتنافس بقوة على جائزة أفضل ممثل مساعد في شباك التذاكر بعد أن حقق الفيلم 110 ملايين دولار إيرادات.
كما أن فيلم فارس الظلام يتنافس بقوة على أحسن فيلم وأحسن مخرج الى جانب العديد من الترشيحات للفوز بجوائز تقنية ما يجعله يتربع على قمة شباك التذاكر هذا العام بل ومن المتوقع أن يواصل تربعه عليه والسبب هو انه خلال فترة الصيف كان الفيلم يهدد " تيتانيك" في انفراده المطلق باعتلاء عرش ايرادات شباك التذاكر بالرقم القياسي 600 مليون دولار بيد أن توزيع فيلم " بات مان" على أشرطة فيديو في 9 ديسمبر يجعل احتمال حدوث ذلك بعيدا للغاية.
وفيلم تيتانيك الذي فاز بجائز أفضل فيلم عام 1998 كما أنه كان آخر فيلم أثار نوعا من الهستيريا الجماعية الحقيقية في وقت الأوسكار يعود بطلاه معا هذا العام في فيلم " ريفوليوشوناري روود" أو الطريق الثوري. ومن غير المتوقع أن يتنافس الفيلم الذي يدور حول مؤامرة يغلفها طابع التشاؤم حول انهيار زواج في الخمسينيات مع ذلك الزخم الذي تضمنه " تيتانيك". والشئ الذي يقدمه الفيلم الجديد هو جمعه للبطلة والبطل : كيت وينسلت وليوناردو دي كابريو.
ومن المرشحين في القوائم القصيرة للمنافسة على جوائز الأوسكار : نيكول كيدمان وبراد بيت ولكينت وايستوود وويل سميث وأنجيلينا جولي بالإضافة الى بيونسيه نولز عن دورها في فيلم "كاديلاك ريكوردز".
وهذا في حد ذاته لا يعد جهدا منظما يمكن ان يساعد أوسكار في تفادي الذهاب في طريق جوائز توني من ناحية تركيزها الوطني. بيد أن هناك بعض التوجهات ربما تسهم في تعزيز قوة نجم الجوائز وموقفه في شباك التذاكر هذا العام وفي السنوات القادمة.
إنه الاقتصاد بالطبع. وإذا لم يكن قد سبق لك الذهاب الى هوليود فمن الصعب أن تتخيل حجم المصروفات التي تقلصت. وقد أثر هذا على صناعة الأفلام المستقلة وعلى وجه الخصوص في قسم التوزيع.
ووفقا لما تضمنه تحليل في لوس انجلوس تايمز بتاريخ 6 نوفمبر الجاري فأزمة الإئتمان قد جعلت من الصعوبة على صناع السينما إيجاد التمويل وعلى أصحاب النشاطات الأقل والموزعين الأجانب صعوبة في شراء حقوق الأفلام.
وهناك استوديوهات كبرى انتهى بها الحال الآن الى الإغلاق أو الى تقليص نشاطها. وقد قام "وارنر بروس" بإغلاق "وارنر اندبندنت" التابعة لها وهي المؤسسة التي أنتجت " جود نايت وجود لاك " أو "تصبح على خير وحظ سعيد" لـ جورج كلوني. وكان الحال كذلك بالنسبة لـ " بيكتشر هاوس" في بداية العام الجاري.
ومن ثم فالمصادر الفنية التي كانت تجتاح السوق والأوسكار أيضا قبل سنوات قليلة قد تقلصت. وفي ملاحظة أكثر ايجابية هناك المزيد من الطموح الفني هو الذي يقف وراء الأفلام هذه الأيام.
ومخرج فيلم " فارس الظلام" كريستوفر نولان كان قد صنع اسمه بفيلم " ميمنتو" أو تذكار عام 2000. وذاعت شهرة نجم الفيلم كريستيان بايل الذي أصبح يعرف كممثل قبل أن يكون نجما سينمائيا.
والفيلم الجديد لـ جيمس بوند " كوانتم أوف سوليس" للكاتب الحائز على الأوسكار بول هاجيس مع المخرج مارك فوستر المرشح لجائزة الأوسكار الذي يقوم بإدارة التصوير. وقد أصبح ينظر الى الأعمال الأخيرة لـ بوند وباتمان على أنها دراما أكثر منها أعملا كوميدية.
وهو اتجاه يمكن أن نلمسه أيضا في أعمال أخرى كبيرة ومنها " الرجل الحديدي" ومحاولات أخيرة لـ استوديوهات بيكسر التي تأمل الدخول في سباق أفضل فيلم بـ " وول - إي". وهو أيضا اتجاه له ما يفسره. فإذا كان باستطاعتك أن تحقق ربحا بعدة مئات من ملايين الدولارت وأن تفوز بالأوسكار فلما لا ؟
ريتش كوبلي *
خدمة ام سي تي خاص بـ (الوطن)


أعلى




آخر أفلام " بوند " يجهز على تاريخه العريق

رجلان اشتركا في قتل " جيمس بوند" : أوستن باورز وجايسون بورن. هذا هو على الأقل الانطباع الذي تركه فيلم " كوانتوم أوف سوليس" Quantum of Solace أو قدر من العزاء وهو أحدث الأعمال السينمائية بدأ عرضه في الاول من نوفمبر. وكان دانيال كريج قد أثبت في أدائه دور العميل 700 في فيلم " كازينو رويال" عام 2006 أنه قادر على خلافة صاحب هذا الدور " شون كونري". بيد أن التتمة جاءت مفتقدة كل الإندفاع والحماس ولم يترك لبوند سوى ذلك القاتل المهندم الذي يرتقي قليلا عن الشخصية المخبولة المشوشة.
وفيلم " كوانتوم أوف سوليس" يعرض شخصية يصعب التعرف عليها وتمييزها على أنها "بوند". فالجاسوس إم آي إف الذي يسيطر عليه هاجس قتل حبيبته في " كازينو رويال" ويبحث عن إجابات ويسعى للإنتقام يتحول الى فرس متمرد خرج عن عقاله وأصبح في مهمة أكثر منه اندفاعا نحو القتل ، وذلك أنه يقتل مجرمين عشوائيا.
ويختفي من الفيلم المشاهد المؤلمة والشبق الجنسي التي ارتبطت تاريخيا بأفلام جيمس بوند كما اختفت أيضا تلك الأسلحة التي جرت العادة في أن تمتلئ بها أفلام بوند.
وفي محاولة واضحة لإنهاء استخدام الذخيرة في أي محاكاة قادمة في المستقبل من أوستن باورز وقد قرر صانع الفيلم أن يقدم عرضه بشكل مباشر ما جعل " كوانتوم أوف سوليس" محاولة اكتشاف مفاجئة للظلال النفسية في شخصية بوند وكذا من بين الكثير من الأشياء جاءت أطروحات التظاهر بالورع إزاء السياسات البيئية.
وفيلم " كوانتوم أوف سوليس" الذي أخرجه مارك فورستر ( صاحب فيلمي : ذا كايت رنر ومونسترز بول ) يبدأ في تشابه كبير من حيث انتهى " كازينو رويال" فبوند ما يزال في حداد على فقدان محبوبته الجميلة "فيسبر" وما يزال غير متأكد أي جانب كانت مخلصة له ويواصل بقوة مطاردة القاتل. وبعد مطاردة مثيرة بالسيارات في سيينا في إيطاليا وعملية استجواب تخفق تماما وكذا بعد زيارة الى المقر الرئيسي في لندن (الذي يبدو أنه قد استعار ذلك الجدار السحري لـ CNN ) يغير بوند بوصلة تركيزه إلى هاييتي حيث يوجد ذلك القطب الغامض الذي يدعى دومينيك جرين (ماثيو أمالريك) الذي يقوم بتغطية نشاطاته الشريرة بالتظاهر بالقيام بالأعمال الخيرية.
وفي هاييتي يتقابل بوند مع كاميل ( الفاتنة أولجا كوريلنكو) التي تركز في مهمة عمل خاصة بها. وكما يتفاخر منتجو فيلم " كوانتوم أوف سوليس" في عرضهم الترويجي للفيلم فكاميل هي أول فتاة تشارك بوند البطولة ولا يجمع بينهما لقاءات حميمة. وهو شيء جيد.
والفيلم بما يحتويه من افتتاحية غير متسقة في متوالياتها بما تضمه من عرض ممل لنزعة بوند إلى الانتقام يعد سلسلة من مشاهد القتال المحشوة بعروض كلامية يغلب عليها طابع الثرثرة.
حتى مواقع التصوير التي جرت العادة أنها تمنح أفلام بوند قدرا من المتعة بيد أنها جاءت مفتقدة لهذا العنصر. كما أن الفيلم يفتقر الى أسلوب الحبكة والعرض الجيد الذي ما يزال محفورا في الذاكرة لألعاب البوكر في فيلم " كازينو رويال". فالجزء الأكبر من الأحداث يدور في طائرات تأخذ طريقها إلى أماكن جافة للغاية ثم تبلغ ذروتها في النهاية في مكان حصين في فندق في بوليفيا.
وفي محاولة يائسة لتقديم تلك السرعة المتلاحقة التي شهدناها في " ذا بورن أيدنتيتي" وأفلام جاءت بعده نجد " كوانتوم أوف سوليس" ينتهي وهو يبدو مجرد فيلم حركة مبتور. وربما يكون الممثل كرياج قد أهدر فيه كل تلك الشهرة التي حازها عن جدارة واستحقاق في " كازينو رويال" حيث جاء أداؤه لشخصية بوند دون المستوى.
أما باقي طاقم الممثلين فقد جاء أداؤهم متأرجحا بين النجاح والفشل. فالممثل أمالريك الذي اشتهر بأدائه المتميز والفذ لشخصية البطل المشلول في " ذا ديفاينج بيل آند ذا بترفلاي" فقد خفت أداؤه هنا أيضا. أما كوريلنكو وجودي دنش فقد قدمتا اللحظات الوحيدة الجيدة في الفيلم. وهناك جيفري رايت الذي يعيد تقديم دور عميل السي آي إيه.
والواقع فإن شخصية رايت أضافت الى فيلم " كوانتوم أوف سوليس" بعدا آخر للأداء السياسي الزائف ولكن في هذه الحالة يهيمن نوع من الغموض الأخلاقي على واقع السياسة العالمية. والذي يقدم ليس هو الجانب المظلم من شخصية بوند ولكنه بالأحرى " ديك تشيني" أيضا.
ويقدم " كوانتوم أوف سوليس" محاولة محمومة للإيماء الى الواقع حيث يحفر في السياسة الخارجية الأميركية إلى جاك وايت وأيسيا كيز التي تؤدي أغنية الفيلم الأساسية ولكن في النهاية يخرج علينا الدور يحمل طابع الكآبة والملل.
مدة عرض الفيلم 106 دقائق ويصنف بي جي - 13 لما يحتويه من عنف وإثارة متتالية.
آن هورناداي *

خدمة لوس انجلوس تايمز وواشنطن بوست خاص بـ (الوطن)


أعلى





تخريب الفنون الجميلة

تعيش الفنون الجميلة في زمننا حرية غريبة لم تعرفها من قبل حياة الكثير من الفنانين بدءاً من مايكل أنجلو ورفائيل ودافنشي مروراً بأصحاب النزعات والمذاهب الفنية أمثال بيسارو وماتيس وسيزان وجوجان وفرانز مارك وباول كليه ودالي وبيكاسو وغيرهم ، وإذا سلمنا بأن أولئك الفنانين بنوا فكرهم الفني عند إنتاج أعمالهم التشكيلية الخالدة على أساس عالٍ من القيم الحقيقية للفن التي تحمل مضامين الفكر الإنساني السليم مؤمنين في الوقت ذاته باختلاف ذواتهم المطلقة التي تؤمِّن لهم حُرية التعبير لتحقيق قدراتهم الابتكارية وأدركوا بأن الفنون التي أنتجوها هي لغة تعبير إنساني نابعة من النفس الإنسانية الخالدة التي يدرك مفهومها وأهدافها الإنسان في كل مكان ، وهي لغة منظورة تقوم أساساً على صدق الإيمان وصدق الانفعال وصدق الحدس وصدق الإلهام.
غير أننا وفي زمننا الحاضر رأينا الكثير من الفنانين ينطلقون على غير وعي وراء نوازع أنفسهم ، مقدمين نتاجات تشكيلية أشبه بالفوضى التي تضيع في متاهات القيم الحقيقية للفن التي تحمل مضامين الفكر الإنساني السليم التي ذكرتها آنفاً، وأصبح الفن التشكيلي الجميل لديهم ضرباً من ضروب الاستفزاز والعبث والاعتداء على الشعور الإنساني في الذات الأخرى التي يسعى الفنان إلى الاتصال بها، هذا إذا أدركنا أن وظيفة الفن تتطلب حسن التعبير وحسن الاتصال.
فعندما يفتقد الفن موضوعية المعاني ذات الأهداف الإنسانية أو التاريخية أو الثقافية، يصبح من لغو الحديث الادعاء بأنها فنون جميلة، وبالتالي تنعدم الصلة بينها وبين الناس، ومن الغريب حقاً أن نجد بين صفوفنا فنانين يصفون العبث بحطام الأشياء أو يتعللون بعلاقات جمالية في شباك من الخيوط والحبال وقطع الأخشاب والمسامير وكتل المكعبات والمستطيلات الخشبية والمواسير الحديدية وأشياء تبدو كأنها حطام زلزال مدمر، بأنها إبداع فني يرقى بمستوى تذوق الجمال عند الإنسان ، ونجدهم يتمسكوا بمبتدعات طارئة عليهم ، اختزل فيها مبدعوها إنسانيتهم وأصبحوا يعملون كالآلات التي تطمس معالم الجمال الفني والفكر الإنساني والأحلام الجميلة ، ويدّعي البعض أنها تراجم لسلوك نفساني يمارسه صاحبه في حياته الخاصة ويستوي فيها النجار بالحداد.
فهذه المحاولات التخريبية الفاشلة بريئة من الفنون الجميلة ، وهي أشد خطراً على سمو الذائقة الجمالية ويجب علينا أن نتكاتف جميعاً في سبيل نبذها وإخراجها من دائرة الفنون الجميلة.. فالفنان التشكيلي عندما يحول خواطره ومشاعره وأحاسيسه إلى أشكال تُرى وتُلمس لابد له أن يمارس نشاطه هذا بمنطق العقل الذي يدرك ويعي خطورة ما يخرجه من فن على أذواق الجماهير في كل مجالات الإبداع لكي يصبح فنه قوة معبرة عن العلاقات التي تربطه بالمجتمع.
* عبدالكريم الميمني

* فنان تشكيلي


أعلى



الشاعر الفلسطيني يوسف الخطيب: أحقق التحديث على قاعدة مكينة من التأصيل
ذكريات طفولتي لا تختلف كثيراً عمّا تختزنه ذواكر أطفال مطلع الثلاثينيات

دمشق ـ من وحيد تاجا:يعتبر الشاعر المبدع يوسف الخطيب أحد كبار الشعراء الفلسطينيين الذين أثروا الشعر العربي بأشعارهم وأعمالهم. والشاعر من مواليد فلسطين عام 1930 عمل لمدة طويلة في عدد من الإذاعات العربية ثم عين مديراً لهيئة الإذاعة والتلفزيون في سوريا، أنشأ مؤسسة دار فلسطين للثقافة.. انتخب عضواً في المجلس التشريعي الفلسطيني منذ عام 1968، صدر له عدد من المجموعات الشعرية ومجلد ديوان الوطن المحتل فضلاً عن مجموعة قصصية..
التقيناه في دمشق وحاورناه حول بداياته وحول تجربته الشعرية. وتطرق الحديث الى اثر النكبة ومعايشتها في شعره والى ديوان "عائدون" الذي اصدره عام 1959..
* بداية، هل يمكن العودة إلى البدايات.. كيف كانت؟. وما هي المؤثرات التي لعبت دوراً في توجهك إلى الشعر تحديداً؟
** لا أظن أن في ذكريات طفولتي الأولى ما يختلف كثيراً، أو حتى قليلاً، عما تختزنه ذواكر جيل فلسطيني بأكمله من مواليد مطلع الثلاثينيات من القرن المنصرم.. فعلى اعتبار أنني شهدت نور الحياة لأول مرة في سنة 1931، في بلدتنا الجبلية الرائعة "دورا الخليل"، فمعنى ذلك هو أن الإرادة الإلهية قد ضربت لي موعداً مسبقاً مع أحداث الإضراب الفلسطيني الكبير عام 1936، إذ أنا ما أزال في سن الخامسة بعد، ثم مع أتون الثورة الفلسطينية الكبرى في السنة التالية لها مباشرة، ثم مع جائحة الحرب الكونية الثانية بعد ما لا يزيد عن سنتين.. فهذه إذن، وبصورة إجمالية سريعة، هي المرافقات الرئيسية التي اكتنفت طفولتي في ذلك الزمان من جانب الشأن الوطني العام..
بينما على المستوى الخاص، نشأت في أسرة فلسطينية متوسطة الحال كغيري من ألوف الأطفال الآخرين، وإنما الذي حدث فعلاً، ولسببٍ لا أدريه، هو أنني كنت أختلف عن جميع من أجايلهم من أتراب الطفولة أولئك بدرجة انفعال حادة، وحساسية مفرطة عالية، إزاء ما كان يتعاقب علينا يومياً من أحداث الثورة، ووقائع الحرب، وسائر مفردات الشأن العام.. ولعلي من داخل ذلك الواقع المتجهم والقابض للنفس اهتديت إلى أول الطريق للشعر، بوصفه توقاً إنسانياً فطرياً للخلاص، ونزوعاً، أو حتى هروباً أيضاً، للأجمل والأكمل والأمثل..
وإذا كان هنالك من مؤثر خارجي آخر مَهَّد لي طريق الطفولة لاقتراف الشعر في وقت لاحق، فهو دون ريب تلك القطعة من الجمال والروعة التي رسمها رب العزة على سطح كوكبنا باسم "فلسطين"، والتي كان من أول ما وعيته في سن الطفولة الباكرة تلك هو أن هنالك أفواجاً متدافعة من اللصوص الأجانب وأشباه الشياطين يعملون على انتزاعها من بين يديّ.. فلم أجد ما أدافع به عنها غير معصية الشعر!!..
** كيف عايشت صدمة النكبة؟ وكيف انعكست على شعرك؟
** دعنا نتفق أولاً على أنني لم أعايش صدمة النكبة كمؤثر خارجيٍ منفصل عن الذات، بل عشتها بكل جوارحي، من داخل النفس وحتى أعماق القلب، وما زلت أتجرع كأسها المرة حتى يومنا الراهن هذا على مشارف الثمانين من العمر، وإنما بذلك القدر من الصبر "الأيوبي" المعاند الذي لم يعد يملأ سنواتي العديدة هذه إلا مزيداً من الصمود والإصرار وقوة المجالدة..
ثم دعنا نتفق، ثانياً، حول أية "نكبة" نتحدث؟!.. فإذا كانت نكبة عام 1948 هي المقصودة في السؤال، فلا شك أن هذه - (عندي على الأقل)- هي الحلقة الصغرى إطلاقاً ضمن سلسلة بأكملها من النكبات المتفاقمة، أو المتوالية هندسياً، التي أعقبتها على امتداد العقود الستة اللاحقة عليها..
خذ مثلاً ما حدث في صبيحة الخامس من يونيو من عام 1967.. فعلى الرغم من أنه يمثل أكبر هزيمة "عسكرية" كارثية مرت بمجمل تاريخنا العربي المديد، فإن أشهر فقهاء زماننا، من أراد أن يخفف من وقعها الجهنمي على معنويات الملايين، فلقد ابتدع لها تسمية "النكسة" عوضاً عن "الكارثة العظمى"، وربما لو أسعفته قريحته السلطانية بما هو ألطف من ذلك لكان قد وصفها "بالنكيسة" بصيغة التصغير.. أو حتى "بالنكيكوسة" بتصغير التصغير!!..
زد على ذلك ما شئت من الكوارث والنكبات الفاجعة التي تتعدى كثيراً مسألة احتلال هذا الجزء أو ذاك من جغرافية الوطن إلى مستوى احتلال النفس العربية من داخلها بالكثير من الإحباطات والانكسارات، وتجريد إنساننا العربي المعاصر، ليس من سلاحه المادي الآن، بل ومن ثوابته الوطنية وأقدس مقدساته المعنوية، وكرامته الإنسانية.. فعلى السطح فقط يمكن أن يتجسد "مفهوم النكبة" للكثيرين بمقدار ما قد ابتلعته هذه الدويلة اليهودية من أرض الوطن، بينما يبدو لي شخصياً، وفي العمق الأخلاقي لهذا المفهوم، أن انتظار طفل فلسطيني مريض قرابة سنة على "معبر رفح" من دون أن يؤذن له بالوصول إلى أقرب مستشفى ، لئلا تنزعج تل أبيب من جراء ذلك، إنما يمثل في حد ذاته "نكبة أخلاقية" كاملة، وقائمة بذاتها، وليس من العدل أو الشرف أن نضعها في منزلة أقل مما حدث في نكبة عام 1948!!.. وأما عن الكيفية التي انعكست بها جملة هذه الصدمات على قصائدي، فلا شك أن قصائدي ذاتها هي المنوط بها وحدها أن تُجيبك على مثل هذا السؤال..
* عشت في بلدان عربية عديدة.. كما تغربت في هولندا.. كيف انعكست غربتك تلك على قصائدك إن في المضمون أو في الشكل؟
** نعم، تنقلت طيلة عقد الخمسينيات، وجزء من عقد الستينيات من القرن الماضي عبر ستة أقطارٍ من مشرقنا العربي خارج فلسطين، هي الأردن، فسوريا، والسعودية، فمصر، فالكويت، فلبنان، وكان ذلك من أجل تحصيل العلم، أو طلب العمل، إلى أن جاء يوم أصبحت فيه ممنوعاً من حق الإقامة، أو مطلوباً للمحاكمة العرفية ، فما كان إلا أن قرأت ذات يوم ذلك الإعلان الصغير في أسفل الصفحة في جريدة لبنانية، عن حاجة القسم العربي في إذاعة هولندا العالمية إلى مذيع عربي متمكن، فأحسست على الفور كأن هذا الإعلان لم يكن إلا بطاقة دعوة تخصني شخصياً.. وهكذا لم تمض إلا أسابيع قليلة حتى كنت قد التحقت بعملي الجديد هذا على تخوم القطب المتجمد الشمالي.. وحقيقة الأمر أنني خلال هذه الغربة القسرية العجيبة التي تختلف تماماً عن أية غربة عادية أخرى توخيت أن أقول شعراً يختلف بدوره عن أي شعر عادي آخر مما كنت قد خلفته وراء ظهري من سجالات أدبية شبه صبيانية حول التقليد والتجديد.. أو ما يدعى اعتباطاً بالقصيدة "العمودية" في مقابل ما يدعى زوراً وبهتاناً أيضاً "بالقصيدة الحرة" مرتقياً هكذا من قعر الأراضي الهولندية إلى أعالي ينابيع الشعر العربي الأصيل عن طريق استحداث "فن التدوير" في بُنية القصيدة العربية المعاصرة، مما لم يسبق لشاعر عربي آخر أن استحدث مثله في مطلق تاريخ شعرنا العربي.. وللأسف الشديد لن أستطيع في مثل هذه المقابلة الصحفية، السريعة بطبيعتها، أن أدخل في تفاصيل مثل هذا الإنجاز الذي يحتاج إشباعه إلى قرابة "رسالة" مطولة قائمة بذاتها.. على أن أي ناقد أدبي ذي صلة مكينة بعبقرية اللغة العربية، وأسرارها "العروضية" الفريدة من نوعها، وإنجاز عملاقنا العماني الخلاق الخليل بن أحمد الفراهيدي في هذا المجال، يمكنه أن يلاحظ بسهولة بالغة ما كانت عليه قصيدتنا العربية المعاصرة قبل أن أضع قصيدتي الملحمية المرسلة المستدير بعنوان "دمشق والزمن الرديء"، عام 1961، ثم ما أصبحت عليه قصائد أغلب الشعراء العرب المعاصرين بعد ذلك التاريخ، إذ لعل في ذلك ما يغني عن كثير من التفصيل في "فن التدوير".
* توقفت فترة طويلة عن نشر مجموعاتك الشعرية (منذ عام 1964 إلى عام 1988). لماذا؟
** ولكن، لمن أنشر؟.. ولماذا أنشر؟!.. لقد قضيت حتى الآن نيفاً وستين سنة من العمر كدحتها في فلاحة حقل الشعر.. ولقد أنجزت عدداً من الأعمال الشعرية التي كلما استعرضتها كاد أن يريبني الظن في أنني فعلت ذلك كله.. ومع ذلك فإنني أتحدى - (وأرجو أن تعتبر هذا التحدي بمنزلة الإعلان المفتوح لكل الناس) - أن يوجد عبر هذه القارة العربية العملاقة صاحب مكتبة عرض لي ديوان شعر واحد على امتداد هذه السنوات الستين!!.. فلمن أنشر؟.. ولماذا أنشر؟!.. ما دامت قصائدي مدموغة بخاتم الرقيب الأحمر.. اللهم باستثناء هذا الحي في كل من دمشق وبيروت!!.. وللعجب العجاب حقاً فإن عديدين جداً من شعراء ما يدعونه الحداثة، أو قصيدة النثر "المبندقة" هذه، لا يزالون يجأرون بملء أفواههم بأنهم محاصرون تماماً من قبل الرقابة المعادية لقرائحهم وإبداعاتهم الشعرية الجهنمية، ومع ذلك تجد دواوينهم وسائر كتاباتهم وتنظيراتهم السقيمة والعقيمة منتشرة كبثور الجدري على كامل السطح من حياتنا الثقافية المعاصرة، لأنهم أدركوا جيداً شرط اللعبة الأساسي وهو أن يتركوا ما لقيصر لقيصر، ثم أن يلعبوا بعد ذلك كما يشاؤون بالشعر والنثر والفكر، وإنما في أبعد موقع يستطيعونه عن أسلاك قيصر الشائكة المكهربة، فيكتسبون بذلك الحسنيين معاً: حسنى مقاطعة السلطة من حيث المظهر الشكلي الخادع، وحسنى الترفُّع (بابتذال وصفاقة) عن جميع مفردات الشأن الوطني والقومي، وحتى الإنساني أيضاً، بدعوى أن ذلك نوع من الهبوط المريع بالإبداع إلى درك السياسة السفلي..
أقول، ما دام هنالك من يبتذل القيمة الشعرية العليا إلى مثل هذا الدرك من ممالأة السلطة، فإن على الشاعر الأصيل حقاً أن "يغترب" نهائياً عن أمثال هؤلاء، بقدر ما "يقترب" بالمقابل من جميع أسلاك قيصر الشائكة، المكهربة، الخطرة، مضحياً في الوقت نفسه بجميع بهارج الحضور في واجهات المكتبات، أو حتى دفعاً عن طيب خاطر لضريبة العصيان.
* يلاحظ "تقوقع" العديد من الشعراء الفلسطينيين بشكل خاص، حول ذاتهم، وهروبهم من الموضوع القومي، حتى أصبحنا نفتش عن كلمة فلسطين في أشعارهم فلا نجدها؟
** الظاهرة الخطيرة التي يمكن أن تستوقف الناقد الأدبي، أو حتى القارئ العادي، الآن، لا تتعلق بمجرد مسألة "التقوقع" هذه، ولا تنحصر أيضاً ضمن دائرة الشعراء الفلسطينيين دون غيرهم من الشعراء العرب الآخرين، بل هي ظاهرة عامة وشاملة .. حين نرى أن احتلال فلسطين الجزئي الأول في عام 1948 قد استولد على الفور من وقوعه جيلاً بأكمله من الأدباء والشعراء الرافضين له، والغاضبين الحانقين على أسبابه ومُسبِّبه، والداعين جهاراً نهاراً إلى ضرورة (أو حتى حتمية) إزالة هذا الكيان الصهيوني اللعين.. فإننا على العكس من ذلك تماماً، وبافتراق مئةٍ وثمانين درجة دفعة واحدة، رأينا أن احتلال الجزء المتبقي من فلسطين، في شهر يونيو الأسود من عام 1967، قد استطاع أن يستولد، وفي ستة أيام لا أكثر، جيلاً آخر من أشباه الأدباء والشعراء وحتى المفكرين السياسيين، ممن أصيبوا لا بمجرد "الصدمة" كما يصطلح الكثيرون، بل بما يشبه "السكتة القلبية والعقلية معاً"، وهي التي فقدوا معها أية استجابة إنسانية مُتَّزنة ومتحضرة إزاء هول الكارثة، متغافلين، أو حتى غافلين أيضاً، عن أن مجمل التاريخ البشري ما هو في حقيقة الأمر إلا هذه السلسلة اللانهائية من "التحديات- challenges" في مقابل ما للإنسان حيالها من "استجابات- responses" متراوحة، قد تصدُّها بقوة غالبة، أو قد تتكافأ معها، أو -(كما هو مثالنا العربي الراهن مع الأسف العميق)- قد تقع أمامها مترنحة، وخائرة، وغائبة عن الوعي.. ولاشك أن هذا على وجه التحديد هو الذي حدث لتلك الطائفة من المشتغلين في حقل الشعر، وأحب عادة أن أدعوهم "شعراء حزيران"، لأنهم أخذوا يحسون بروحٍ مازوكيةٍ بمتعة الانسحاق والدونية أمام هذا "الفاتح اليهودي القاهر الغلاَّب!!"، بما يعني بالنتيجة (وفي قناعاتهم وحدهم بطبيعة الحال) أن السبب في تلك "الهزيمة العسكرية" حقاً، ليس المؤسسات ، ولا وزارة الدفاع، ولا هيئة الأركان.. بل هو الأمة بقاطبتها، ومن أعمق جذورها، وبكامل منظومة القيم والمثل العليا التي يحفل بها تاريخها الطويل!!.. فمثل هذه الإحالة، أو "الحَوَل" إن صح التعبير، تظل أسهل ألف مرة على الشاعر الهروبي أو المتقوقع من هذا القبيل، من أن يشير ولو بالتلميح إلى المسؤول الحقيقي عن تدمير كامل سلاحه الجوي في نصف الساعة الأول من يوم العدوان.. لأن مثل هذا المسؤول قد أصبح في سدة الرئاسة الآن!!.. ولك أن تقول الشيء نفسه عن بعض شعرائنا الفلسطينيين الذين "ناسبوا الحكومة - بتعبير الممثلة شادية - في مسرحية رَيَّا وسكينة".
* تكتب الشعر الحديث، كما تكتب الشعر التقليدي فأين تجد نفسك؟ كما تلجأ لاستخدام أساليب عديدة في القصيدة من الأسلوب السردي أو القصصي أحياناً، إلى أسلوب الحوار أحياناً أخرى، أو أسلوب الاستذكار (الفلاش باك). والسؤال ما الذي يحدد شكل القصيدة عندك، ولماذا تؤكد كثيراً على أسلوب الاستذكار؟
** هذا سؤال ذكيٌّ، وهامٌ، في نفس الوقت.. ذكيٌّ لأنه ينم عن ملاحظة نقدية دقيقة لوفرة التنويعات البنيوية والفنية التي اعتمدتها في مجمل عمارتي الشعرية، وإنما بروحٍ عامةٍ واحدة في مشهدها الإجمالي الفسيح.. وهو سؤال هامٌ أيضاً لأنه سيتيح لي فرصة التطرق إلى عيب الرتابة والإملال الذي يطبع الشطر الأوفر من نتاجنا الشعري المعاصر، فإنه لمن الرائع حقاً أن يسعى الشاعر العربي لأن تكون له "لغته الشعرية" الخاصة به، نسبياً، لدرجة أن القارئ اللماح سيدرك على الفور، ومن لغة القصيدة ذاتها، ومن بين مئة من الشعراء الآخرين، أنها لشاعرنا الراحل عبدالوهاب البياتي على سبيل المثال، أو لعزيزي أدونيس، أو غيره، أو غيرهما.. فهذا في الحقيقة إنجاز إبداعي رائع، ولكنه مع ذلك لا يمثل إلا نصف الحقيقة فقط، لأنك لو وضعت هذه القصيدة نفسها بين مئة قصيدة أخرى للشاعر نفسه، فإنها ستفقد "خصوصيتها" كعملٍ شعري قائم بذاته، وستبدو لك مجرد امتداد أفقيٍ مستوٍ لقصيدة مستمرة واحدة، من الغلاف إلى الغلاف.. فهذه في اعتقادي هي "الخصوصية العرجاء" التي تقيم وزناً كبيراً لاستقلال اللغة، ولكن على حساب استقلال العمل الشعري نفسه كقطعة فنية قائمة بذاتها.. وهذا أيضاً هو العيب الفني الصارخ الذي حاولت أن أتجنب الوقوع فيه على الدوام.. إذ لا أذكر مرةً واحدة عزمت فيها أن أضع قصيدة جديدة، إلا وسألت نفسي عن الحلة "الجديدة" التي سأبرزها فيها.. عن الشيء المختلف.. أو الخاص.. أو شبه المستقل الذي سيبرر لي مبدأ الظهور بها أمام هيئة الآخرين المتلقِّين.
لذلك، تجدني في إطار هذه "اللوحة الشعرية" التي تخصني، أعتمد جميع التلاوين والأساليب والاستطاعات العروضية المذهلة التي اكتشفتها، (بالاستهداء بخارطة الطريق التي رسمها لنا شيخنا الفراهيدي)، بسبيل أن أضع أخيراً، ليس القصيدة الدَّالةَ على قائلها وحسب.. بل والمُدِلَّة بذاتها في نفس الوقت..
* القارئ لقصائدك يلحظ الاعتناء الفائق بمفردات اللغة.. والمزاوجة بين التراث والمعاصرة فيها ببساطة. والسؤال، كيف تفهم هذه الثنائية؟
** تعلم دون ريب أن "فن الشعر" يستحيل أن يشتمله تعريف واحد، جامعٌ مانعٌ في نفس الوقت، فهو إذنْ فوق مبدأ التعريف القطعي، وإنما يمكن التعرف عليه وتمييزه عن غيره من سائر الفنون الأخرى من خلال بعض الملامح أو الخصائص الجزئية التي يتَّصف بها دون سواه، كأن ترى ابن رشيق، مثلاً، وهو يستعير لك في صدر كتابه الشهير "العمدة"، مثال "الدُر" المستخرج من أصداف البحر، بين أن يكون "منثوراً" هكذا بدون أية عناية أو اكتراث، وبين أن يكون "منظوماً" في قلائد وحُلِيٍّ بجمالية عالية، فهذا هو الفرق عنده ما بين النثر، والشعر.. مع أن حبات الدر، كمفردات اللغة، هي ذاتها على الحالين، ولكن التدخل البشري بوسائل فنية محددة، هو الذي يقيم الفرق ما بين هذا وذاك..
أو خذ مثلاً ما يمكن أن تقدمه لك موسوعة "برنستون- Princeton" المتميزة للعلوم الشعرية، ليس من تعريف للشعر بطبيعة الحال، وإنما من توصيف خارجي له، بأنه تلك اللغة الرفيعة التي يمكن التعبير بها عن معانٍ أو مشاعر أو تجارب ذات قيمة عالية..
فهكذا إذن، وفي كل الأحوال، يتوجب على الشاعر الحق، أن يخاطب هيئة الآخرين المتلقين بكلامٍ ليس كأي كلام، وبلغةٍ أخرى، أرفع وأسمى من أن تقع في مستوى الشيوع العمومي بين الناس.. ولهذا.. نعم أنا أعترف لك بصحة ما ورد في سؤالك حول عنايتي الشديدة بتجويد لغتي الشعرية إلى أبعد حدٍ أستطيعه، وإنما باجتناب التعقيد، وتحريم الاستعلاء على الآخرين، حتى إذا ما سألني أحدهم يوماً: "لماذا لا تقول ما يُفْهم؟!" فلن أستعير على الإطلاق إجابة شيخنا أبي تمام للرد عليه: "ولماذا لا تفهم ما يقال؟!".. بل على العكس تماماً سأعود إلى لغتي الشعرية ذاتها، أزاوج فيها ما بين أعلى درجات التجويد والتهذيب، وأقصى ما أستطيعه من التسهيل والتقريب.
وأما عن تلك المزاوجة الأخرى ما بين التراث والمعاصرة كما وردت في سؤالك.. أو في حقيقة الأمر ما بين "الأصالة- والمعاصرة" كما هي مطروحة في ساحة النقد الأدبي، عندنا، كضِدَّين متنافرين متشاكسين في أغلب الأحيان، وأستدرك بالقول.. عند جُلِّ النقاد، لا كلهم.. فهي على العكس، عندي، ربما كانت أشد الثنائيات التي أدركها العقل البشري تلاحماً وترابطاً إلى قرابة التوحد المطلق فيما بينهما، بحيث لا أستطيع أن أتصور -(في تجربتي الشعرية على الأقل)- أن يكون هناك عمل أدبي "أصيل-Original" من دون أن يكون معاصراً، وحديثاً أيضاً، في نفس الوقت، وذلك بحسب الملكة الفكرية، أو الزاوية العقلية، التي ننظر من خلالها إلى مفهوم "الأصالة" من داخله، لا بوصفه مرادفاً "للأصولية" أو السلفية الماضوية كما يحب تلاميذ المدرسة الأدونيسية أن ينظروا إليه عبر العديد من فجاجاتهم النقدية الصحفية، وإنما بوصفه الحقيقي بمعنى "الأصل"، البكر، الذي لا نظير له من قبل.. والذي لا يُقَلِّد بل يُقَلَّد.. ولا يَتَّبِع بل يُتبَع.. وهذا في حقيقة الأمر هو المفهوم الصحيح الذي يعتمده الناقد الغربي، بل والعالمي أيضاً، عندما يختار مصطلح الأصالة هذا "Originality" للإشارة به إلى أي خلق أو إبداع أدبي أو فني يراه بمنزلة "الأصل" الفرد القائم بذاته!!.. فأنا هنا.. نعم أيضاً.. أعترف لك للمرة الثانية بأنني ضمن مشروعي الشعري المستقل هذا قد توخيت دوماً أن أزاوج ما بين المعاصر والأصالة.. أو بتعبير آخر. أن أحقق التحديث على قاعدةٍ مكينة من التأصيل.

أعلى





تـراثيـات

تسول الأشعار!


يحكى عن أبي تمام أنه لما نظم قصيدته البائية التي أولها‏:‏ على مثلها من أربعٍ وملاعب انتهى منها إلى قوله‏:‏ يرى أقبح الأشياء أوبة آملٍ كسته يد المأمول حلة خائب ثم قال‏:‏ وأحسن من نورٍ يفتحه الصبا ووقف عند صدر هذا البيت يردده وإذا سائل يسأل على الباب وهو يقول من بياض عطاياكم في سواد مطالبنا فقال أبو تمام‏:‏ بياض العطايا في سواد المطالب فأتم صدر البيت الذي كان يردده من كلام السائل‏.‏


ـــــــــــــــــــــــ


بين الحقيقة والمجاز


قال عز الدين بن الأثير في (المثل الثائر): اعلم أن المجاز أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة لأنه لو لم يكن كذلك لكانت الحقيقة التي هي الأصل أولى منه حيث هو فرع عليها وليس الأمر كذلك لأنه قد ثبت وتحقق أن فائدة الكلام الخطابي هو إثبات الغرض المقصود في نفس السامع بالتخييل والتصوير حتى يكاد ينظر إليه عياناً ألا ترى أن حقيقة قولنا ‏"‏ زيد أسد ‏"‏ هي قولنا ‏"‏ زيد شجاع ‏"‏ لكن فرق بين القولين في التصوير والتخييل وإثبات الغرض المقصود في نفس السماع لأن قولنا‏:‏ ‏"‏ زيد شجاع ‏"‏ لا يتخيل منه السامع سوى أنه رجل جريء مقدام فإذا قلنا ‏"‏ زيد أسد ‏"‏ يخيل عند ذلك صورة الأسد وهيئته وما عنده من البطش والقوة ودق الفرائس وهذا لا نزاع فيه‏.‏ وأعجب ما في العبارة المجازية أنها تنقل السامع عن خلقه الطبيعي في بعض الأحوال حتى إنها ليسمح بها البخيل ويشجع بها الجبان ويحكم بها الطائش المتسرع ويجد المخاطب بها عند سماعها نشوة كنشوة الخمر حتى إذا قطع عنه ذلك الكلام أفاق وندم على ما كان منه من بذل مال أو ترك عقوبة أو إقدام على أمر مهول وهذا هو فحوى السحر الحلال المستغني عن إلقاء العصا والحبال‏.‏ واعلم أنه إذا ورد عليك كلام يجوز أن يحمل معناه على طريق الحقيقة وعلى طريق المجاز باختلاف لفظه فانظر‏:‏ فإن كان لا مزية لمعناه في حمله على طريق المجاز فلا ينبغي أن يحمل إلا على طريق الحقيقة لأنها هي الأصل والمجاز هو الفرع ولا يعدل عن الأصل إلى الفرع إلا لفائدة‏.‏


ـــــــــــــــــــــــ


خمر العيون


بشار بن بردوكأن رَجْـعَ حـدِيثـهـا
قِطَعُ الرِّياض كُسِينَ زَهْرَا
حَوْراءُ إنْ نظـرتْ إلـيك
سَقَتْكَ بالعينين خَـمْـرَا
تنسي الـغَـوِيَ مـعـادَهُ
وتكون للحكـمـاء ذكْـرا
وكأنـهـا بـردُ الـشـراب
صفا ووافقَ مِنْكَ فطرَا
وكأن تحـتَ لِـسـانـهـا
هَارُوتُ يَنْفُثُ فيه سحـرَا
وتخال ما جمعتْ عـلـيه
ثِيابَهَا ذهبـاً وعـطـرا

ـــــــــــــــــــــــ


شبهات الشعر!


كان بنو العَجْلاَن يَفْخَرون بهذا الاسم، ويتشرّفُون بهذا الوَسْم، إذ كان عبدُ اللّه بن كعب جدُّهم إنما سمّي العجلان لتعجيله القِرَى للضيِّفَان؛ وذلك أن حياً من طيء نزلوا به، فبعث إليهم بقرَاهم عَبْداً له، وقال له: اعْجَل عليهم، ففعل العبدُ، فأعتقه لعجلته، فقال القوم: ما ينْبغي أن يسمَى إلاّ العجلان؛ فسمِّي بذلك، فكان شرفاً لهم، حتى قال النجاشي، واسمه قيس بن عمرو بن حرن بن الحارث بن كعب يهجوهم: أولئكَ أخوالُ اللَـعِـينِ وأسـرةُ ال
هَجِين ورهْطُ الواهِن المـتـذلّـلِ
وما سُمي العجْـلان إلاَ لـقـولـهِ
خُذِ القَعبَ واحلب أيها العبد واعْجلِ
فصار الرجل منهم إذا سئل عن نسبه قال: كعبي، ويكنى عن العجلان.وزعمت الرواة أنّ بني العجلان استعدَوْا على النجاشي - لما قال هذا الشعر - عُمر بن الخطاب، رضي اللّه عنه، وقالوا: هَجَانا، قال: وما قال فيكم؟ فأنشدوه قوله: إذا اللَـهُ عـادىَ أهـلَ لـؤم ورِقَّةٍ
فعادَى بني العَجْلاَن رهط ابنِ مقْبِلِ
فقال: إنَّ الله لا يُعَادي مسلماً، قالوا: فقد قال:قُبـيلة لا يَغْـدِرون بِــذِمَّةٍ

ولا يَظْلِمُون الناس حَبّة خَرْدَلِ
فقال: وددت أن آل الخطاب كانوا كذلك! قالوا: فقد قال:تَعَافُ الكِلاَبُ الضارِيَات لحومَهُـمْ
وتأكلُ من عَوْفِ بن كعب بن نهشلِ
فقال: كفى ضَياعاً مَن تأكل الكلابُ لحمه! قالوا: فقد قال:ولا يَرِدُون الماءَ إلاَ عـشـيةً
إذا صَدَر الوُرَادُ عَن كلِّ مَنْهَل
فقال: ذلك أصفى للماء، وأقل للزّحام! قالوا: فقد قال:وما سُميَ العَجْـلانَ إلاَّ لـقـولـه
خُذِ القَعْبَ واحْلُب أيها العبدُ واعْجَلِ
فقال: سيّد القوم خَادِمُهم! قال عز الدين ابن الأثير:وكان عمر، رضي اللّه عنه، أعلَم بما في هذا الشعر، ولكنه دَرَأَ الحدودَ بالشبهات.


ـــــــــــــــــــــــ


أفضل الكلام


قال الجاحظ:أفضلُ الكلامِ ما كان قليلُه يُغْنِيك عن كثيره، ومعناه ظاهراً في لَفْظِه، وكأنَ اللّه قد ألْبَسه من ثيابِ الجلالة، وغشَاه من نُورِ الحكمة، على حَسَب نِيَّة صاحبه، وتَقْوَى قائله، فإذا كان المعنى غريفاً، واللفظ بليغاً، وكان صحيح الطبع، بعيداً من الاستكراه، منزَّهاً عن الاختلال، مَصُوناً عن التكلف؛ صَنَع في القلوب صَنِيعَ الغَيْثِ في الترْبَةِ الكريمة، ومتى فصِّلَت الكلمةُ على هذه الشريطة، ونَفَذَت من قائلها على هذه الصفة، أصحبها اللّه، عزَ وجل، من التوفيق، ومنَحَها من التَأْييد، ما لا يمتنعُ من تعظيمها به صدورُ الجبابرة، ولا يذهل عن فَهْمِها معه عقولُ الجهلة.


ـــــــــــــــــــــــ


كالمهريق فضلة مائه..عمر بن أبي ربيعةقالت سُكَيْنَةُ والدمـوعُ ذَوَارِفٌ
تجْرِي على الخدَيْنِ والْجِلْبابِ
ليتَ المُغِيرِيَ الذي لَمْ أجْـزه
فيما أطال تَصَيُّدِي وطِلابـي
كانت تردُ لنا الْمُنَـى أيَّامـنـا
إذ لا نُلاَمُ علَى هوًى وتصابي
خُبرْتُ مَا قالتْ فَبِتُ كأنـمـا
يُرْمى الحشا بنوافِذِ النّشَـابِ
أَسُكَيْنَ، مَا ماءُ الفُرَاتِ وَطِيبُهُ
مِنِّي عَلى ظَمَأ وَفَقْدِ شَـرَابِ
بألذَ منكِ، وإن نأيتُ، وقلَـمَـا
ترعى النساءُ أمانةَ الـغُـيَّاب
إنْ تَبْذُلِي لي نَائلاً أشفـيِ بِـهِ
داءَ الفؤادِ فقد أطَلْتِ عَذَابـي
وعصَيْتُ فيكِ أقاربي وتقطعتْ
بيني وبينهمُ عُرَى الأسـبـابِ
فتركتني لا بِالوصالِ مُمَتَّـعـاً
منهم، ولا أسْعَفتِني بِـثـوابِ
فقعدتُ كالمُهْرِيقِ فَضْلَةَ مائِهِ
في حرِّ هاجِرَةٍ لِلَمْعِ سَـرَابِ

ـــــــــــــــــــــــ


إخوانياتقال ابن المقفع في (الأدب الصغير): إن رأيتَ صاحبكَ مع عدوكَ فلا يغضبنكَ ذلك، فإنما هو أحدٌ رجلين: إن كان رجلاً من أخوانِ الثقةِ فأنفعُ مواطنهِ لك أقربها من عدوكَ لشرٍ يكفهُ عنكَ، أو لعورةٍ يسترها منكَ، أو غائبةٍ يطلعُ عليها لكَ، فأما صديقكَ فما أغناكَ أن يحضرهُ ذو ثقتك.وإن كان رجلاً من غيرِ خاصةِ إخوانكَ فبأي حقٍ تقطعهُ عنِ الناسِ وتكلفهُ ألا يتصاحبَ ولا يُجالسَ إلا من تهوى? تحفظ في مجلسك وكلامكَ من التطاولِ على الأصحابِ، وطب نفساً عن كثيرٍ مما يعرضُ لك فيهِ صوابُ القولِ والرأي، مُداراةً لئلا يظن أصحابكَ أن دأبكَ التطاوُلُ عليهم.


ـــــــــــــــــــــــ


لم يبق إلا خياله


عن يونس بن حبيب قال: انصرفت من الحج فمررت بماويه وكان لي فيها صديق من عامر بن صعصعة، قصدت إليه مسلماً، فأنزلني. فبينا أنا وهو قاعدين بفنائه، فإذا نساء مستبشرات وهن يقلن : تكلم. فقلت: ما هذا? فقالوا: فتى منا كان يعشق بنت عم له ، فزوجت وحملت إلى الناحية بالحجاز فإنه لعلى فراشه منذ حول، ما تكلم ولا أكل إلا أن يؤتى بما يأكله ويشربه فقلت: أحب أن أراه، فقام وقمت معه، فمشينا غير بعيد، فإذا بفتى مضطجع بفناء بيت من تلك البيوت، لم يبق منه إلا خياله. فأكب الشيخ عليه يسأله وأمه واقفه، فقالت: يا مالك هذا عمك أبو فلان يعودك. ففتح عينيه ثم أنشأ يقول: ليبكني اليومَ أهل الود والشـفـقِِ لم يبق من مهجتي إلا شفا رمقي اليوم آخر عهدي بالحـياة فـقـد أطلقت من ربقة الأحزان والقلقثم تنفس صعداء، فإذا هو ميت. فقام الشيخ وقمت معه فصرت إلى خبائة، فإذا جارية بضة تبكي وتفجع، فقال لها الشيخ: ما يبكيك أنت? فأنشأت تقول: ألا أبكي لميتٍ شفَّ مهـجـتـه طول السقام وأضنى جسمه الكمد يا ليت من كلَف القلب المهيم بـه عندي فأشكو إليه بعض ما أجـدأنشرُ برديك أسرى ليَ النسيم بـه أم أنت حيث يناط السهد والكبد?ثم انثنت على كبدها وشهقت فإذا هي ميته.


ـــــــــــــــــــــــ


ما أضر الوفاء بالإنسان!عتبت متيم على علي بن هشام فهجرته، وترضاها بكل شيء فلم ترض، فكتب إليها: الإدلال داعية الملال، والتغضب مقدمة التجنب، ورب هجر يدعو إلى صبر، وإنما سمي القلب قلباً لتقلبه، وما أحسن ما قال العباس: ما أراني إلا سأهجر من لـي
س يراني أقوى على الهجران
ملني واثقاً بحـسـن وفـائي
ما أضر الوفاء بـالإنـسـان


أعلى



الادب الشـعبي

بوح..
تشتت نزوة الشعر!

نزوة الشعر الشعبي بثقلها وحركتها الكبيرة خلال السنوات الماضية قدمت صورة حقيقية لتجربة الشعر كحركة ثقافية وأظهرت الشاعر أمام الجمهور، كما هي نفسها فلتت من قبضة اليد وأصبح يخوص بها كل من له علاقة وليس له علاقة في الشعر فأستفاد الكثيرون على حساب الشعر الشعبي منهم الشاعر والقنوات الفضائية وشركات الإنتاج والعديد من الشركات المنفذة للبرامج الشعرية المسابقاتية المختلفة، واثر ذلك الحراك بشكل أو بآخر على الإبداع في النص الشعري ولكنه قدم اسماء بعضها معروفة على صعيد محلي لبلد الشاعر وأخرى مخفية تماما بصورة سريعة جدا، فذات تلك الحركة السريعه كما هو نظامها صناعة أسماء من العدم سنويا هي ذاتها من يطفئ شموع اولئك الذين أشعلوا عاما ماضٍ لم ينشغل الجمهور الا بهم، فكان لزاما أن توجد تلك الحركة آلية أخرى في الوقت الذي تخرّج به فوجا جديدا من الأسماء ان تحفظ حقوق الخريجين السابقين.
اخذت الكثير من المسابقات منحى تجاريا بحتا لم يقدم الشعر عن الشاعر، او الشعر عن المادة لذا كان حريا في مسألة الاختيار انتقاء العوامل المساعدة لجذب الجمهور نحو التصويت من عدة جوانب، فكما يأخذ الشكل دورا بارزا في نسبة الاختيار، تأخذ المنطقة الجغرافية المؤثرة ايضا نسبة أخرى، كما يخضع جنس الشاعر هو الآخر لانتقاء وموازنة دقيقة في آلية الاختيار بحيث يتم اختيار الشاعر الذكر أو الشاعرة الأنثى من المنطقة التي قد يؤثر جمهورها في ميزانية التصويت مستقبلا، وهذا ما انتج الكثير من الفوضى في الوسط الشعري واهتزت على إثره ساحات مختلفة لسبب واحد هو ان الذين يتم اختيارهم وإن كانوا يشكلون جزءا من التجربة في ساحة بعينها الا انهم بشكل أو بآخر لا يمثلون التجربة بعمومها ولا يعكسون التجربة الحقيقية لتلك الساحة، في الوقت الذي يمضي الشاعر المشارك اساسا لتمثيل نفسه لا (الساحة) المشارة والمتأثرة أولا وأخيرا، واعني هنا بالساحة (الشعر) قبل المحتويات الأخرى التي تضمها.
هذه اللعبة التجارية اكتشفها جمهور السلطنة بصورة سريعة في برامج ومسابقات تعني الجانب الغنائي قبل الشعري لذا فإن الشعر في تلك المراحل لم يكلّف الجمهور الكثير من الوقت في البقاء أمامه او تفريغ أرصدة الهواتف له، ومرحلة الوعي لهذه اللعبة من ناحية الجمهور العماني جاءت في وقتها وأثرت بشكل أو بآخر على تلك المسابقات التي آثرت في دوراتها التالية إيجاد طرق إلتوائية أخرى لجذب الجمهور، ولكن لم يفلحوا في ذلك، وطالت مراحل الوعي الجمهور الخليجي الذي تأخر كثيرا في إدراك تلك اللعبة، وبدأت نسبة الجمهور تقل بشكل واضح امام المستفيدين التجاريين من التجربة، لذا تحولّت بعض القنوات الفضائية الشعرية المتخصصة لتحمل طابع المنوعات المكسو بالشعر، ولم يعد الشعر هو الأداة الثابتة والمحرك الاساسي لتلك القنوات، وهذا ما دفع البعض للوقوف بنظرة المتأمل لما يحدث فكما تحولّت بعض القنوات بعيدا عن الشعر أغلقت قنوات أخرى تماما وجاري العمل على قنوات أخرى يفكّر أصحابها في آلية أخرى يستفيدوا منها بشكل أو بآخر بعيدا عن الشعر الذي أنتهت نزوته.
يا ترى هل الشعراء انفسهم ما زالوا لا يأبهون لتلك الأحداث، أم انهم بلا حيلة يسعون لرمي أنفسهم بين عتبات الشهرة وأبواب المال دون الالتفات لِعظم ساحتهم وإن سادها بعض الركود من الناحية المرئية؟، هل ما زال شعراؤنا بعد ان تم استبعادهم واختيار اسماء يرى الكثيرون بانها اقل تجربة من تجاربهم يقفون على صواب رأيهم؟ ام انهم يؤكدوا بأن الذين تم اختيارهم هم الأفضل ، شعرا وتجربة ؟ ، ام ان هذه الضربة على الرأس أوجعتهم كثيرا فأدركوا خطأهم ولكنهم لا يحبذون الاعتراف بالهزيمة..؟، نحن لا نريد استسلاما أو رفع رايات الانتصار، ولكننا نود ان نظهر الصورة التي قد تكون غائبة عن المتلقي وبالتالي إداركهم لها يعزز من الرأي الذي بدوره يؤثر على عقلية الساعين لذلك نحو التراجع وبالتالي احتوائهم في مؤسسات تخدم الشعر قبل كل شيء، وهذا هو الأهم، وهذا ما نسعى له وما نتمنى ان يساندنا به الغيورون على ساحة الشعر الشعبي اقله في محيطنا المحلي. فمن وراء السبيل ليس الا ذلك.. ولكن هل من مساند؟

ومضة ..

طلّة (أمل) تحكّي براءة من الحب ..
ما مرّت إلا تمتلي الأرض بســــمه
وهي نفسها لما تْـّنفس من القلب ..
تنثر صباحات العشق دون كلمــــه
ما تنب الأرض التي لو مَلَت عشب..
الا بـ (أمل) تروي ضمأ الأرض نعمـه
فيصل العلوي*

ــــــــــــــــــــــــــ


جـمـر السمـر

لا لا تــزيـد الـلــوم يـا صـــاح وَتــــزجّـــه
لا لا تصـب آجـاجـهـم في نُـخــب راحـــي
إن شفـتـنـي يــا سـايـق الـلـوم في سَجّــه
غـيّـر مسـار الريح جمـر السمـر صـاحـي
ضاقت عـروق الحـلـم من عصّـفه وعجّه
ضاقت ولكـن ما خــذل ضـلعـي اجــنـاحــي
سيـنـا جـبـْلهـا الـعـصـف لىَ مـرّ ما رجّـه
هيـبـة جَـبَـلْـهـا عـانـقـت هـيبة اجـراحـي
تـدري بْـلـعـاب الـلـيـث هَـالـثـعـل ما ثجّه
وتدري على راس الثريا أركز أرمـاحـي
والحَيـّه الّلي في جَحَرْها طـالت الضجّه
صدّيـت ياما عن جَحَرْهـا ثـورة ارياحـي
مـــجّ الـــدوا لـِلــداء يــا لايـمـي مــجّــه
فـي صمـتي التلميـح يغني عن اصياحـي
ذاك المحـيـط اسنـيـن اغـوص في لـجّـه
في داخـلـه أصـداف ما تـغـري ألـواحـي
فـي ساحـلـه صنـفـيـن وَاحـد بِـِلا حـجّــه
والثاني الّلي في خشوعي فضّ مسباحي
بعض الورق يا صاح ما ينـفـتـح درجـه
أخفيت عن عين الفضول بْعمق مفـتاحـي
مهـمـا يـطـول الـلـيـل ديـجـوره ْبْـفـجّــه
يبـقـى السنا للصبـح من زيـت مصباحـي


بدر الشحيمي


ــــــــــــــــــــــــــ

علياء ..


خميس السلطي

وجهي ارق والليل يطعن بقاياه
والصبح شاحب ما لبس للدجى نور
والوقت شارد في محطات دنياه
قصة غيابي تنبش العذرْ مقهور
في داخلي ضحكة مراجيح من آآآه
في داخلي ضجة عنا وقلب مكسور
ها ذاك لمّا الهم باسم محيّاه
ها ذاك لمّا الصخب فاقع ومغرور
وابقى انا لين اصطفتني مزاياه
نبع الأمان ويضحك الصبح بلور
علياء تصب النور وتفز مشكاه
علياء تهد الليل من معمعة جور
علياء تشق القفر سكة مطر فاه ..
يسقي بقايا خطوتي عشق وشعور
تضحك مدينة حلم اعذب عطاياه ..
طفلة رياض ويورق الحلم عصفور
تضحك تشاغب عطر فاحت نواياه
تملا حوالي الأمكنة طيش مبهور
ويطيح وجه الليل ويصير محلاه
لمّا يموّت خطوته رمح وجسور
هذا أنا وجه الحضور وتمنّاه ..
قلبي الذي لا ضاق قد صار معذور


ــــــــــــــــــــــــــ

تـحياتي

غلط تتصوري اني جريح وطالب شفاتك
غلط ما تفهمي معنى السقوط فـ كبوة الخيال
ترى هذا الجواد اللي سقط معذور وحياتك
طــبيعي كلما زاد الغبار تغـيرت أحـوال
تحياتي قبل ماتبعثي لاجلي تحياتك
ترى هالقلب وحياتك على كتفه يشيل جبال
وشالك من قبل عينك تشوف دروب خطواتك
خذاك بزفرة احساسه وشاف بعشرتك أهوال
تحياتي وانا ما عدت أقراء حبر كلماتك
ولارديت أناديـلك بنفس الصوت والموال
قتلني البارحه معنى الغرام فـ كذب آهاتك
قتلني حيل ياست الشعور الكاذب المحتال
أنا ما كنت متسول على أبواب دنياتك
ولاهالنبض في قلبي يجر العار كالأذيال
ولامريت بك سوق الكلام وخنتها ذاتك
أنا ياسيدة هذا العمر لاجلك قطعت اميال
متى ياراحلة عني يهز البعد لحظاتك؟
وتلقي في البعد أني أصيل الحلم والآمال
متى تنشق بك هالأرض تشرب فيض عبراتك
متى تنزاح أنفاسك هنا من داخلي وتنشال
متى تتوسلي طيفي يبرد نار لوعاتك
ويملاكي الندم في يوم بعتي فارسٍ ٍ خيال
على نعش الوداع وصوت هذا الليل فـ رفاتك
تموتي داخلي واليوم شلتك من على هالبال
غلط تتصوري أني جريح وطالب شفاتك
غلط ما تفهمي معنى السقوط فـ كبوة الخيال
تحياتي قبل ماتبعثي لاجلي تحياتك
ترى هالقلب وحياتك على كتفه يشيل جبال

عبدالله البطاشي

ــــــــــــــــــــــــــ

أصعب قرار ..

صمتي تركته في فمي لجل أتخذ آخر قرار
لكنني أو أنني لا صمت .. يحلى لي معي
يا قصتي أو ملحمة كل الطرق بالإختصار
إبقى هنا _ لا لن أعوفك أوأخونك تسمعي؟
.........
كنتي تقولي لي تعال البارحة
وأنتي تجي وأنا بعد مثلك أجي
والليله وين أنتي ووين البارحه
تدرين وش أكبر مصيبة بينا؟
لما تروحي / .. وأحترق لما تجي
والأكثر أنك من تروحي أحترق
حظك على كيفك تسمينه فراق
وإلا أنا أصلا عيوني حالفه
الحب عمره ماصدق بالأختلاق
الحب أكبر من مشاعر زايفه
ماكنتي إلا في بساتيني ورد
وماكنت انا إلا على شانك أغار
أخاف لامن مرتك عيني بعمد
أشوف عيني هايمه بعينك وأغار
..........
صمتي وعلمته الحكي واليوم من بعد أنتظار
ماخانني لجل السكوت ويخونني لجله فمي
لكنني ياقصتي دام بيدي آخر قرار
اليوم /.. هذا اليوم أول يوم ويخونك دمي
تدرين ... وش أصعب قرار؟
أنك هنا لجلي أنا
وأني هنا لجلك أنا
وفي الحالتين أصعب قرار
ولما يكون الحب أكمل غايته
وأني بلا أحباب .. فاقد كل شي
كنتي لي السيرة وأول ماكتبت
وكنتي لي الغرفة وأقلام الرصاص
وكنتي على الأول وأول ماشطبت
......
لاباس لو رحتي وقلتي لي تعال
ولاباس لو جيتك وقلتي لي أروح
أدري بأنك من تجي ... مقدر أجي
وأدري بأني من أجي كلي جروح _
....
البارحه أنتي وأنا
وأنتي أنا والبارحه
صعبه أنا وأقبل أنا
حتى الأنا لي جارحة
مدري ببالك من يمر
وإلا ببالك سارحه
ما خنت أنا لجلك أحد
ولا خانني لجلك أحد
........
شميت بك ريحة عذر
وشميت بي أحلى صبر
ومن يهدي الضحكه لأنثى
ويضيع من أجل العذر
والله ماترضيه أنثى
لو شالها عيونه جمر
....
لحظة أبدل معطف البرد وأجيك
وأحن لك لين أشتعل حبة دخان
وأكتب على أخر سطر أني أبيك
وإني إلين الآن في نفس المكان
مدري إذا صمتي معي
أو خانه اليوم الوداع
أو مر يجرح مسمعي
وإنه بلا حاجة لسماع
...
الصعب أحلى قبلتين
وأحلى من الطهر العفاف
وأن النهاية بكل صمت
أنهيتها بدون إختلاف
ودونت للقصة عتاب
ولصفحة الأولى غلاف
وخطيت للسيرة كتاب
عنونتها بأصعب قرار
...
يا معطفي ..! الليل عرفني عليك
تشتاق لي لين أرتمي بحضنك وأنام
وأشتاق لك من تفتح أزراري بيديك
وأحس في صمتي نطق لجلك سلام
ولو قلت لي والبارحة م قدر أجيك
ما كان في صمت الكتب هذا الكلام

سليمان الجهوري

أعلى


 

سيرة حجر
القفز

أحبها وأحبته، خدم في دار أهلها حتى توفي والدها، ولم يعرف له مكان سوى تلك الدار يأوي إليها، كانت غرفته منعزلة عن الدار في زاوية من الباحة الخارجية، عاش مع أسرته، وكان يعتبر أن كل من في تلك الدار هم أسرته الكبيرة، شبّ وترعرع بين ثناياها، كان يساعد أباه في كثير من الأمور، وكان يقضي أوقاتا ممتعة يلعب مع الأطفال، لم يحس بالفرق بينه وبينهم، حتى كبر، فأدرك أنه مجرد خادم لسيده، برغم هذا لم يتغير من طباعه شيء، كان يقوم بالأعمال الموكلة إليه، يعمل بلا تعب ولا كلل، ودائما يُرى في القرية يعمل ذاهبا وقادما، لا يعرف الآخرون متى ينام ومتى يأكل، حتى في الليالي، كان يسهر حتى آخر الليل، ويستيقظ قبل الجميع ليعد كل أمور سيده، ويجهز المتطلبات بدون أن يطلب منه ذلك، فلقد رأى ما يفعله والده وتعلم منه كل شيء حتى أصبحت كل الأعمال سلوكا ممتعا يمارسه كل يوم.
مات والدها ، ولم يكن له وريث سواها ، كان أبوها من أثرياء القرية وشيوخها المعروفين، والذي شاع صيته حتى بلغ الأماكن البعيدة خارج القرية، ولقد عرف القاصي والداني بابنته الوحيدة ، فتقاذف الخطاب من كل حدب وصوب ، يطلبون القرب منه، ممنين أنفسهم بمكانة لهم من ذلك الرجل ، ومن ماله الكثير ، ولكنها رفضت الكل ، وظلت في كنف أبيها حتى ركب مركبة الموت ورحل بعيدا عنها ، تاركا إياها مع تلك التركة الكبيرة وحيدة إلا من خادم يعيش معها في باحة بيتها الكبير.
رأت فيه صورة الرجل الذي رسمته مخيلتها ، الرجل الشجاع الذي يعمل ويكدّ بدون أن يقدم شكوى أو حتى آهة تعب ، صورة الرجل الشجاع ذي العضلات المفتولة ، صاحب الرائحة التي تدوّخ رأسها وتتركها مأخوذة به ، ولأن الحياة الطويلة التي عاشتها وهي تراه أمامها منذ نعومة اظافرها، فلقد شعرت بانجذاب ناحيته، أحبته بصمت، ثم كسرت ذلك الجدار الذي يفصل بينهما، بحكم أنها أصبحت سيدته الأولى، ولكنها أخبرته بحبها له، ونيتها من الزواج منه.
حدث التوافق بينهما ، وقررا أن يتزوجا وأن يعلنا زواجهما على الملأ ، وعندما حدث ذلك ، ضجت القرية بالأحاديث ، حتى وصل الخبر إلى الوالي في قلعته الحصينة، في مركزه بالمدينة ، فأرسل لهما عسكرا أخذوهما من القرية ، وحبسوهما في مكان واحد في الحصن ، حتى يتم البت في الحكم عليهما في صبيحة اليوم التالي .
بكت الفتاة عندما شعرت بالاهانة التي وقعت عليها جرّاء حبها له ، كان صامتا يفكر ، منكسا رأسه وهو ينظر إلى السلاسل التي التفّت حول رجليه ، فكر كثير ، ثم فاجأها بنيته للهرب ، شعر في البداية برفضها لفكرته ولكنها رضخت له ، فحملها فوق كتفه، وخرج متسللا من الحصن ، ثم قفز السور قفزة واحدة وراحا يقطعان الطريق ، عائدين إلى بيتهما في قريتهما البعيدة.
أحس العسكر في صبيحة اليوم التالي بهربهما ، فأخبروا الوالي بذلك ، فبعث رجاله خلفهما ، كانا يقطعان البقاع وهما يسحبان خلفهما قيودا ثقيلة ، ربطت بنهايات تلك السلاسل كرة ثقيلة من الحديد ، كانا يدحرجانها خلفهما وهما يمشيان بلا توقف ، حتى وصلا إلى مشارف القرية في اليوم التالي ، عندها أدركا أن هنالك من يتبعهما ، ولأن العسكر كانوا يركبون على خيولهم ، ولأن السلاسل كانت تعيقهما عن المشي ، قرر أن يحملها على كتفه ، ثم بدأ في قفزه ، كان يقفز مسرعا ، لذا لم يستطيعوا إدراكه لسرعته في القفز ، حتى اختفى بين الجبال الوعرة ، بحث عنهما العسكر أياما ولم يجدوا لهما أثرا ، ثم عادوا إلى المدينة.
يقال أنهم قبل عودتهم إلى الوالي ، ذهبوا إلى المكان الذي بدأ يقفز منه ، وقاسوا بين كل قفزة وقفزة ، كانت المسافة بمقدار عشرة أذرع ، وكان أثر كرة الحديد باقيا ، لم يعرف إلى أين اتجها بعد ذلك ، ولم يعودا إلى القرية.
* زهران القاسمي

 

أعلى


 


تلاوةُ الصّبحِ الأخيـرة

تقولينَ :
للصبحِ الأخيـرِ تلاوةٌ ..
نسجْتِ صِبـاها
في تراتيلِ جَدْولـي

وهلْ كانتِ الأنفاسُ تُغْلقُ بابَها ..
وتحبسُ أوراقَ الخريفِ
وتنجلـي

أمِ الغيمةُ الزرقاءُ تسكـنُ أحـرفي ..
لتجمعَ أشتاتَ العبورِ
لأولـي

يقيناً
منحتُ الحبَّ أخرَ رحلةٍ ..
وعدتُ فقيراً في فضاء تأمّلـي

أراهنُ أن الدمعَ كان خرافةً ..
وصيفاً عميقاً
بالنداءاتِ يمتلـي


رسمتُ على الكثبانِ خارطةَ المنى ..
وعيناكِ شباكٌ
به الحلمُ يعتلـي

جميعُ جهاتي اسْتغفرتْ
حينَ خطوُها ..
تَمنَّى حنيناً أنْ يصومَ لمقبـلِ

تقولينَ :
ناياتُ المسيرِ تكسّـرتْ ..
ووجهتيَ الأولـى تطوفُ بمعزلِ

ثلاثاً
أقمتُ الحزنَ عند صلاتها ..
فشقَّتْ جيوبَ الصمتِ
تشدو لمقتلـي

على دفترِ النسيان عدتُ مسافراً ..
أرتّبُ للذكرى
ابتهـالَ تحـولي

أردّدُ :
" هل أصداءُ وقتيْ قدِ انزوتْ ..
تناجي سماءَ الحبِّ
يومَ ترجّـلي "


حنانكِ ما كنتُ الأخيرَ ببابها ..
لأُلقـيْ
حُدائي في عُروجٍ مبلَّلِ

ولا طُفْتُ بالأضواء حدَّ بكائها ..
أأنزِعُ
من تقوى المساءِ تبتُّلـي ؟!

لصبحٍ أخيـرٍ
مرَّ فيه مسافراً ..
دعاءُ ضريرٍ بالنقاءِ مكبلِ


أقولُ :
دعي الشّطآنَ ترسمُ سحرَها ..
وقومي فقد نادى المساءُ :
" ألا اذبلي !! "

هنالكَ
حيثُ البئرُ يلقي حكايةً ..
لذئبٍ بريءٍ بالجراحاتِ مُثْـقلِ

تخضَّبَ صوتُ الغيمِ
كنتِ خلالَه ..
تمدّينَ أصداءً على كفّ أعزلِ


أيسكنُ هذا الوردُ منفىً وضعتِهِ ..
ووجهتيَ الظمأى
تزانُ بحنظلِ

على الشّارع المنسيِّ
قلتُ تلاوةً ..
وإسفلتُه المكسـورُ حنَّ لمِعولــي

لذا سوف يأتي
ذا الصباحُ مُطهرّاً ..
ليفرك
أجفانَ الغيابِ المؤجـلِ ...

*خالد بن علـي المعمري

 

أعلى


 

للصورة بعدان
مسرحية "بنت الشيخ"

على هامش عرض مسرحية (بنت الشيخ) وضمن احتفالات المديرية العامة للتراث والثقافة في محافظة ظفار، عقدت ندوة تطبيقية لتطوير المسرح والدراما، قدم خلالها أوراقا ثلاث: الأولى للدكتور عبد الكريم جواد، والثانية للمسرحي عبدالله الفارسي أما الثالثة فللمخرج التلفزيوني عبدالله حيدر. والكلام الذي ينبغي إثارته في هذا البعد لن أتطرق فيه إلى الأوراق التي ألقيت، وهذا لا يقلل لا من أهميتها ولا فاعليتها على الإطلاق، بل سأتكلم عما أثاره اللقاء مع المسرحيين الشباب في المحافظة من جهة، وعن قضايا أراها جوهرية في العرض المسرحي نفسه.
في الآونة الأخيرة ومنذ التوجيهات السامية بتشكيل لجنة لتطوير المسرح والدراما، وبعد اللقاء الذي نشرته الصحف مع وزير ديوان البلاط السلطاني ، والكلام عن المسرح والدراما ينشغل به الجميع، سواء المسرحيين أو المشتبهين بالثقافة! وكان لعرض مسرحية (بنت الشيخ) نصيبه من الاهتمام والانشغال بتطوير المسرح والدراما، في أثناء حديثي العام والشخصي مع بعض الشباب المسرحيين حيث تبادلنا الهموم والمسائل العالقة والأفكار التي يمكنها أن تنعش هذا الجسد المسمى بالمسرح، والذي يبدو كما يلمس الغالبية العظمى منا، أنه جسد بات يتنفس برئة اصطناعية معطوبة، لكن يبقى الأمل كبيرا ومعقودا على التصورات التي ستعلن عنها لجنة تطوير المسرح والدراما في الغد القريب.
حسنا، قيل الكلام الكثير حول الموضوع، وإذا كان العلاج كما يرى الكثيرون هو إصلاح تلك الرئة أو علاج الجسد المعطوب كله، فهذا علاج سيطول حوله التشخيص والتحليل، بل وسيستمر لقادم الأيام والسنين لأسباب أراها موضوعية؛ إن أهم ظاهرة للعلاج هي الثقافة الشعبية الوطنية التي تُدرك أن أهمية المسرح في حياتها لا يقل أهمية وتغذية عن رغيف الخبز! وإذا كان المسرحيون يرون أن توفر قاعة مجهزة للعرض المسرحي هي إحدى خطوات العلاج الجادة، بل والحتمية، فعليهم من ناحية أخرى أن يدركوا، أن تطورهم إنما ينبع من ثقافتهم الجادة في النظر للمسرح، (وثقافتهم) هنا ليست كلاما تعجيزيا، إنها بصفة محددة، تعني القراءة الجادة والواعية والمتجاوزة في المسرح، وللمسرح، فقد يصاب أحدنا بالصدمة حين يناقش أحد الشباب أو الشابات في بعض المسائل الأساسية والبسيطة عن بعض جزئيات الكتابة أو الإخراج والثقافة، فنجدهما في واد، فلا يعرفون التحدث أو حتى التبرير المنطقي لما يقومون بتأديته أو كتابته، وفي لحظات التثاقف الأجوف يستقطبون كلمات كالتجريب أو الأصالة من باب درء ماء العين!.
وتبدو العلاقة بين الجمهور والممثل علاقة قطبية متجاذبة، فلا العرض المسرحي ينجح بلا ممثل، ولا ممثلا ينجح بلا جمهور، ولكنه أي الممثل يستطيع أن يتطور بلا منصة! ودراسة الجمهور ومدى استجابته للغة العرض البصرية أخذت تتجه إليها في السنوات العشر الأخيرة اهتمامات الباحثين والنقاد في المسرح، إن في الخليج أو في بعض بلاد الوطن العربي، وأعتقد أن السبب وراء هذا التوجه، ما يثيره الإخراج المعاصر ومفرداته التجريبية من تحديات للمتلقي العادي، غير أن هذا الأمر لا يقتصر على المتفرج المسرحي فحسب، بل وقارئ الرواية أو القصة القصيرة المعاصرتين.
ومسرحية (بنت الشيخ) عرضا يتحدى الجمهور واستجابته الفورية، أو بمعنى أدق، عرض لا يراهن إلا على الجمهور، لأنه عرض يستقطب المفردات الأساسية للبيئة في محافظة ظفار على المستوى المكاني والتاريخي والأسطوري والتراثي، وتمتزج هذه العناصر كلها في لغة إخراجية مدرسية من دون شك، لكنها تنجح في شد المتفرج. يحتفل المؤلف والمخرج (عماد الشنفري) بما بدأه في نشاطه المسرحي في مسرح الشباب أو مع فرقة صلالة الأهلية للفنون المسرحية، يحتفل بتأسيسه لمسرح الفرجة أو المسرح الاحتفالي في ظفار، وهو منذ شاهدت له عروضا مسرحية، لا يغادر هذه الاحتفالية نصا وإخراجا، ومع مجموعة من الوجوه الشابة يتحرك المؤلف المخرج لتقديم وجوها كانت قد بدأت معه في عروض سابقة بأدوار ثانوية، نراها في (بنت الشيخ) تؤدي أدوارا هي أقرب إلى البطولة، وهذا من بين بعض النقاط الإيجابية التي تُحسب لصالح عماد الشنفري بلا شك، وإذا كان للاحتفاء ما يبرره، فللنقد ما يختلف معه.
ينبع اختلافي مع رؤية المؤلف والمخرج من عدم ميلي إلى الشكل التقليدي للمنصة، فإذا تجاوزنا الكلام عن الضعف في النص وضعف تحليل أفعال الشخصيات، لكون أن الفكرة تقليدية في نهاية الأمر، فيظل الكلام عن لغة إخراج العرض مناط أحاديث قد تبدأ ولا تنتهي، فأنا مع المسرح، ومع أي شكل يريد أن يقدمه المخرج، لكنني أحترم شعوري بالضجر من هكذا تكدس للديكور على المنصة لا يستفاد منه في العرض إلا من أجل رفع سقف الميزانية!، كما أنني أحترم كل وجهات النظر التي تسعى لتوظيف غنى التراث الشعبي والغنائي والفكري لأي مجتمع، لكنني أيضا أشعر بالضجر نفسه من محاولاتنا ربط الموروث الشعبي لكي نقول إننا وظفنا التراث! كُتب في (البانفليت) "...ودائما ما كانت أعمال عماد الشنفري المسرحية هي أعمال تستنبط التراث وتجعل منه لوحة متداخلة مع ما يدور من أحداث، فكانت للأغنية الشهيرة شجرة الهيل للمرحوم جمعان ديوان وقد كتبها قبل ما يقارب الخمسين عاما، إسقاطا رأى المؤلف أن تكون ضمن سياق النص كأغنية وليس ما قيل عنها كأحداث وروايات"، فإذا كان الأمر كذلك، فما الحاجة لشخصية الراوي في العمل؟ وعلى ماذا يريد أن يؤكد؟ أليس من مهام الجمهور أن يقوم بوظيفة المقاربة التي نُعتت خطأ بالإسقاط حتى تصل الإشارات لذهنه؟
هذا الشكل المسرحي الذي يستقطب جمهوره وينجح في ذلك دون أي منازع، من شأنه أن يُكرس لشكل أحادي الجانب في المحافظة على وجه الخصوص، لكون أن تجارب مغايرة للشكل التقليدي للعرض لم تنبت حتى اليوم بالقدر المشاكس، وأعتقد أن استقطاب تجارب أخرى من الشباب المسرحي في ظفار، وتقديم عروضهم ورؤاهم بعيدا عن النمطية والتكرار والوقوع في التقليد الأعمى، من شأنه أن يسهم في خلق حراك مسرحي وثقافي صحي، شريطة عدم الزج بالمسائل الشخصية في تقييم الثقافة المسرحية في المحافظة، والابتعاد عن العنتريات، ليس في ظفار فحسب، بل وفي كل مكان يُعنى بالثقافة المسرحية في عمان. فألف تحية لكل من قدم هذا العرض المسرحي (بنت الشيخ) من فنيين وشعراء وأطفال، ولمؤيد اليافعي، وسليم العمري، وقابوس الشنفري، وهلال العريمي، وأشرف المشيخي، وعمر البصراوي، وهشام صالح، وناصر رمضان، وسفيان حيدر، ونهاد الحديدي، كل التمنيات بالتوفيق والنجاح.
* آمنة الربيع

 

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept