مسيرة "حقوق الإنسان" في 60 عاما.. الواقع والطموح
عبدالـمالك سالـمان*
يعيش العالم حاليا، أجواء إحياء الذكرى الـ 60 لإصدار الأمم المتحدة
"الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" في 10 ديسمبر عام 1948م
، تلك الوثيقة العالمية البالغة الأهمية، والتي أصبحت المرجعية الأساسية
لثقافة حقوق الإنسان في عالمنا المعاصر.
وبحكم الطبيعة العمومية في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الانسان
فإنها وثيقة حاولت التركيز على المبادئ الإنسانية الجامعة ذات الطابع
العالمي، ولكنها أرست مبدأ هاما وأساسيا وهو المساواة بين البشر
في الحرية والحقوق والكرامة بغض النظر عن اللون أو الجنس أو العرق
وهي الغاية التي دعت اليها الأديان السماوية التي قامت على أساس
فكرة تكريم بني الإنسان واعتبار الإنسان خليفة الله في الأرض، كما
انها الغاية التي دعا إليها وبشر بها كافة المفكرين والعلماء ذوي
الحس الإنساني والفطرة السوية على مر التاريخ.
وهي كذلك الغايات الكبرى التي بشرت بها الثورات العالمية الكبرى
التي انتصرت لقيم الحق والعدل والمساواة مثل الثورة الفرنسية ومبادئ
إعلان حقوق الإنسان في الثورة الأميركية وغيرها.
غير أن أهمية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان انه كان بمثابة وثيقة
ذات نزعة عالمية تحظى بإجماع واسع النطاق، وتسعى إلى أن تكون الأساس
الذي تستند إليه سياسات الدول في صياغة الحاضر والمستقبل والاستفادة
من دروس الماضي المريرة على نحو يجنب الإنسان والحضارة الإنسانية
أهوال وعذابات الحروب والمآسي والنظريات الفاشية واتجاهات التمييز
العنصري.
وقد كان الدافع الأساسي لإصدار هذه الوثيقة العالمية في بداية تأسيس
الأمم المتحدة التي خرجت من رحم نهاية الحرب العالمية الثانية عام
1945، حيث صدر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بعد ثلاث سنوات فقط
من تأسيس المنظمة الدولية، هو محاولة الاتعاظ مما عانته البشرية
من ويلات وأهوال الحروب خاصة خلال الحرب العالمية الثانية، وادراك
بشاعة الاخطار والنظريات المتطرفة كالنازية والفاشية التي تقوم على
التفرقة العنصرية بين البشر، وما يمكن أن تجره من آلام وعذابات وأهوال
على الإنسانية والحضارة العالمية، والسعي إلى صياغة مستقبل جديد
للعالم والحضارة البشرية يعلي من مكانة وقيمة الإنسان الذي يعتبر
صانع الحضارة وغاية تطورها وتقدمها.
بيد أن الطبيعة الصراعية التي تحكم العلاقات الدولية وخاصة بين الدول
الاستعمارية في ذلك الحين ومعظمها دول غربية حالت دون أن يتسم الإعلان
بالطابع الشامل الجامع في مكوناته وترابط مبادئه.
فقد اعترضت الدول الاستعمارية على امكانية ان يشمل الإعلان العالمي
لحقوق الإنسان أيضا حق الشعوب في التحرر والحرية والاستقلال عن الاستعمار،
وحقها في تقرير مصيرها بنفسها على الرغم من أن فكرة أو مبدأ حق تقرير
المصير كانت قد تضمنته مبادئ الرئيس الأميركي ويلسون قبل ذلك بعدة
عقود.
هذا بالإضافة إلى عدم منطقية الحديث في العموم والمطلق عن حقوق الإنسان
ـ الفرد بمعزل عن حقوق الشعوب ذاتها، فكيف يمكن الحديث عن كرامة
وحرية إنسان يخضع شعبة لاضطهاد واحتلال مستعمر أجنبي يهدر حقوق الإنسان
ـ الفرد، والشعب ـ الأمة في الحرية وتقرير المصير على حد سواء؟
ومن هنا، ورغم النزعة الرومانسية التي تنظر إلى الإعلان العالمي
لحقوق الإنسان باعتباره وثيقة متقدمة لانصاف الإنسان وحقوقه، فإنها
لا يجب أن تخفى ان مثل هذه الوثائق الدولية العمومية تخضع دوما لمساومات
وتنازلات بهدف تحقيق أكبر اجماع دولي عليها ، وان حقائق القوة وصراعات
المصالح العالمية تلعب دورا مؤثرا في تحديد الصياغات النهائية لمثل
هذه الإعلانات العالمية المبدئية، كما انها أي صراعات القوة تلعب
الدور الأكبر في تحديد ما إذا كان ممكنا تحويل مثل هذه المبادئ السامية
إلى حقائق، وترجمتها عمليا على أرض الواقع أم لا؟
وتلك هي الفجوة الكبرى التي عانت منها مسيرة حقوق الإنسان العالمية
على مدى 60 عاما أي الفجوة بين الطموحات المشروعة التي تطلقها وتدشنها
الوثيقة وما بين حسابات مصالح القوى الدولية ومدى التزامها بتلك
المبادئ في الواقع السياسي المحلي والدولي.
المسيرة الحقوقية .. ملاحظات وإضاءات
ولكي نجري تقييما موضوعيا لمسيرة حقوق الإنسان العالمية عبر 60 عاما،
وبالذات فيما يتعلق بانعكاساتها على قضايانا العربية ، فلعل من المناسب
ابداء الملاحظات التالية:
أولا: إن من المفارقات المريرة أن يتواكب إصدار الإعلان العالمي
لحقوق الإنسان عام 1948، مع وقوع نكبة عام 1948 للشعب الفلسطيني،
وإعلان قيام الكيان الصهيوني على قاعدة وعد بلفور المشئوم الصادر
عام 1917 ليؤدي إلى اصطناع كيان تقوده الحركة الصهيونية على أرض
فلسطين على حساب مصير شعب بأكمله، لتكون هذا المأساة المتمثلة في
المشروع الاستعماري للكيان الصهيوني على حساب مصير الشعب الفلسطيني
الذي تم تشريد أبنائه من ديارهم في ذلك العام خلال حرب 1948م بمثابة
شاهد حيّ على اغتيال حقوق الشعب، وتكريس المصالح الاستعمارية الغربية
على حساب المبادئ التي أطلقها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، مما
يجسد نزعة النفاق في السياسات الغربية ذات الطابع الاستعماري.
ومن المفارقات أن مسيرة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان قد اقترنت
عبر 60 عاما بإهدار حقوق الشعب الفلسطيني ومن ضمنها حقوق الإنسان
الفلسطيني منذ عام 1948 وحتى يومنا هذا.
ومن المفارقات أيضا ان المنظمة الدولية التي أصدرت الإعلان العالمي
لحقوق الإنسان هي ذاتها التي أصدرت قرار التقسيم الشهير لأرض فلسطين
عام 1947، والذي كان البداية لتكريس محنة الشعب الفلسطيني منذ ذلك
الحين الى اليوم، أي ان المنظمة الدولية التي سعت لإعلاء حقوق الإنسان
بصفة عامة لعبت دورا أساسيا في التأسيس لإهدار حقوق الإنسان الفلسطيني
في ذات الوقت تقريبا، وتلك إحدى علامات العجز والفشل والاخفاق في
مسيرة حقوق الإنسان العالمية.
ثانيا: ان الشعب الفلسطيني دفع ثمن إصرار الدول الاستعمارية الغربية
على عدم تضمين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حق الشعوب في تقرير
مصيرها، على الرغم من الطبيعة التكاملية بين حقوق الإنسان وحقوق
الشعوب، وهو الأمر الذي يظهر أحد العيوب الأساسية التي اعتورت صياغة
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان منذ بدايتها.
ولكنها طبيعة توازنات القوى التي تحكم عمل المنظمات الدولية، وحقائق
القوة التي كانت تحكم العلاقات الدولية لحظة صياغة هذا الإعلان العالمي،
حيث كانت الدول الغربية ذات الميراث الاستعماري والمخططات الاستعمارية
(مثل إنشاء الكيان الصهيوني على أرض فلسطين) هي القوى المنتصرة في
الحرب العالمية الثانية وهي التي تمتلك زمام المبادرة لقيادة قرارات
المنظمة الدولية الجديدة الوليدة وصياغة توجهاتها وأجندتها.
ثالثا: ان صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لم تستطع التحرر
من طغيان طابع الصراع الايديولوجي الذي كان قد بدأ يلوح في الأفق
آنذاك بين المعسكر الرأسمالي الغربي بزعامة الولايات المتحدة الاميركية
والمعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفيتي، حيث نجحت القوى الغربية
في فرض رؤيتها التي ركزت على طابع الحريات السياسية والمدنية في
الصياغة النهائية للاعلان العالمي لحقوق الانسان على الرغم من المطالبات
المشروعة بحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للانسان، وتكريس
فكرة ان الحريات والحقوق لا تتجزأ وهي في حالة تكامل من أجل صالح
الإنسان ورفاهيته.
فما معنى الحرية السياسية لفقير جائع لا يشغل تفكيره سوى قهر الجوع
والبقاء على قيد الحياة؟، وهو الحق الأصيل الأول في حقوق الانسان
أي الحق في الحياة أولا.
ومن هنا، فقد غابت الطبيعة التكاملية للحقوق السياسية والاقتصادية
والاجتماعية عن الصيغة التي صدر بها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان،
وهي من الانتقادات الاساسية التي ظلت توجه الى الإعلان العالمي لحقوق
الإنسان من جانب كثير من الدول والحكومات والمفكرين على حد سواء
منذ ذلك الحين.
رابعا: حاولت الأمم المتحدة بعد ذلك تلافي هذه العيوب والانتقادات
بعد ذلك، بإصدار وثائق مكملة للإعلان العالمي لحقوق الانسان تمثلت
في إصدار العهدين الدوليين للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وقد قادت
هذه المبادرة لإصلاح أو استكمال الجوانب التي أغفلها أو لم يمنحها
الاهتمام الكافي الاعلان العالمي لحقوق الانسان الدول النامية والدول
الاشتراكية في الستينيات بعد ان أصبحت تمتلك الأغلبية اللازمة في
الأمم المتحدة التي تستطيع بها ضمان تحقيق الأغلبية لإصدار وثائق
الحقوق الاجتماعية والاقتصادية إثر استقلال عدد كبير من الدول النامية
عن المستعمر الغربي وخاصة في افريقيا في ستينيات القرن العشرين.
خامسا: رغم هذه المحاولة لتعزيز الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بإصدار
العهدين الدوليين للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، إلا ان ذلك لم
يمنع من ان تتحول قضية "حقوق الإنسان" إلى قضية جدلية
وخلافية بين الغرب والشرق، وبالتحديد بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي،
حيث اعتمدت الدول الغربية على وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
لتوجيه أقسى الانتقادات لتجارب الحكم الاشتراكية، واتهامها بكبت
الحريات وتهميش وسحق الفرد واغتيال حريته في الاختيار وفرض قيود
على حركته وخياراته، في ظل سياسات الستار الحديدي والقمع الستاليني،
وفي المقابل ظلت الدول الاشتراكية تنظر إلى ثقافة حقوق الإنسان الغربية
على انها سلاح برجوازي وحصان طراودة هدفه اختراق واضعاف تجارب الحكم
الاشتراكية عبر كثرة التغني بالحريات السياسية والإعلاء من شأنها
على حساب حقوق الانسان الضرورية والأساسية في الحصول على التعليم
والعلاج والعمل والضمان الاجتماعي والتأمين الصحي الذي كانت تكفله
له النظم الاشتراكية.
وبالفعل، فقد حول الغرب "حقوق الإنسان" إلى سلاح ايديولوجي
ضد المعسكر الاشتراكي ومارس ضغوطا سياسية كثيرة على المعسكر الاشتراكي
للإقرار بأولوية وأهمية الحريات السياسية، حتى تم تضمين وثيقة معاهدة
"الأمن والتعاون الأوروبي" على 1975م التي وافق عليها
الاتحاد السوفيتي بعد ممانعات كثيرة اعتبار كفالة حقوق الإنسان والحريات
السياسية أساسا لتحقيق الأمن الأوروبي.
وعندما وقع الاتحاد السوفيتي على تلك الوثيقة، علق سياسي غربي استراتيجي
على ذلك بقوله: "إن هذه الوثيقة ستكون بداية النهاية لانهيار
المعسكر الاشتراكي".
وبالفعل فقد عملت الدعاية الغربية على تكثيف الضغوط على المعسكر
الاشتراكي استنادا الى محورية حقوق الإنسان في وثيقة هلسنكي للأمن
والتعاون الأوروبي عام 1975 لإظهار مدى إهدار التجارب الاشتراكية
لحقوق وحريات الإنسان ، وهو ما أسهم بشكل أو بآخر في اعطاء زمام
المبادرة للغرب الرأسمالي في الخطاب والصراع الايديولوجي ضد المعسكر
الاشتراكي ، ولعب دورا في اضعاف التجارب الاشتراكية في نهاية المطاف
في صراعها مع الغرب الرأسمالي حتى بدأت تنهار في عام 1989، أي بعد
نحو 14 عاما فقط من توقيع وثيقة الأمن والتعاون الأوروبي في هلسنكي
عام 1975م.
سادسا: أثار انتهاء الحرب الباردة وانتهاء الصراع الايديولوجي بين
الشرق والغرب، آمالا عريضة في أنحاء العالم بإمكانية تخليص قضية
"حقوق الإنسان" من رواسب الصراع الايديولوجي، وان يتجه
الغرب الذي يزعم قيادته لواء الدفاع عن حقوق الإنسان في العالم الى
اتباع سياسات عالمية تقود حقا الى تعزيز قضايا حقوق الإنسان في العالم.
ولكن كانت الصدمة الكبرى أن السنوات التي أعقبت انتهاء الحرب الباردة،
قد كشفت بجلاء عن الطابع الانتهازي والاستغلالي للسياسات الغربية
وخاصة الأميركية في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان في العالم.
فالغرب يعتبر ان احترام حقوق الإنسان داخل المجتمعات الغربية جزء
من منظومة الثقافة والحضارة الغربية، أما احترام حقوق الإنسان خارج
الغرب فيظل يخضع لحسابات المصالح السياسية والاقتصادية للغرب، وتحولت
قضايا حقوق الإنسان والدعوة الى الديمقراطية وما تبع ذلك من الضغط
الغربي لاحترام حقوق الأقليات أيضا وضرورة احترام الحريات الدينية
وغيرها من المصطلحات التي يحفل بها الخطاب السياسي الغربي والأميركي
خاصة الى مجرد أداة للضغط السياسي ضد الأنظمة والحكومات في العالم
الثالث التي لا تسير في ركاب الخضوع لسياسات الهيمنة الأميركية.
فالدول التي تعترض على السياسات الغربية أو تحاول اتباع سياسات ذات
منحى استقلالي، يتم تكثيف الانتقادات والخطاب الدعائي ضدها بتوجيه
تهم الديكتاتورية والاستبداد، وغياب الحكم الديمقراطي والافتقار
الى احترام حقوق الانسان وممارسة التعذيب في السجون، وإصدار تقارير
دورية عن اتهامات بانتهاكات لحقوق الانسان، وذلك من أجل التشهير
بها، وربما يتطور الأمر الى فرض عقوبات اقتصادية وسياسية ضدها.
أما الدول التي تسير في ركاب الغرب وتخضع لهيمنته، وتوجد مصالح اقتصادية
واستراتيجية جوهرية للغرب بها حتى ولو كانت أنظمة ديكتاتورية وقمعية،
فيتم غض الطرف عنها أو توجيه انتقادات خفيفة لها لا ترتقي إلى فرض
العقوبات أو ممارسة الضغوط عليها.
وبالتالي تحولت قضية "حقوق الإنسان" إلى أداة ابتزاز سياسي
ووسيلة للمتاجرة السياسية، وغابت كل المسائل المبدئية في هذه القضية،
وقد كشف الغرب، وخاصة السياسة الأميركية عن ازدواجية في المعايير
واضحة ونفاق سياسي صريح في السياسات المتعلقة بحقوق الإنسان.
وقد أصبح ذلك نهجا شبه دائم في سياسات الدول الغربية ، ومن الطريف
أن وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير الذي ساهم في تأسيس منظمة
"أطباء بلا حدود" وبنى تاريخه السياسي على فكرة الدفاع
عن حقوق الانسان، قد أعلن مؤخرا انه أخطأ عندما نصح الرئيس ساركوزي
بإعلاء شأن حقوق الإنسان في السياسة الخارجية الفرنسية واستحداث
منصب لوزيرة دولة معنية بحقوق الإنسان في حكومته، قائلا انه ليس
من الممكن دائما الدفاع عن القيم مناقضا بذلك ماضيه المدافع عن حقوق
الانسان، ومتجها الى سياسات اليمين السياسي في الغرب الذي يعطي الأولوية
للمصالح على حساب المبادئ وحقوق الانسان.
وبلغت ذروة الانتهاكات الغربية لحقوق الانسان في عهد الرئيس الاميركي
جورج بوش (2001 ــ 2008)، مع وصول تيار المحافظين الجدد إلى سدة
السلطة مع تولي بوش الحكم ، وهو تيار يميني متطرف يعتبر أن المصلحة
القومية هي المعيار الوحيد لصياغة السياسة الخارجية ولا بأس من استحدام
المبادئ والقيم وشعارات حقوق الإنسان لتجميل الصورة أو الضغط والابتزاز.
وقد استغل هذا التيار في عهد إدارة بوش أحداث 11 سبتمبر ليس فقط
لإهدار حقوق الإنسان في الإطار الخارجي وازاء الدول الأخرى وخاصة
في دول العالم الثالث، ولكن لارتكاب انتهاكات دستورية ضد الحريات
والحقوق المكفولة داخل المجتمع الأميركي بذريعة أولوية الأمن على
الحقوق والمبادئ والحريات، مما فجر جدلا سياسيا وثقافيا وقانونيا
مازال مستمرا حتى الآن في أميركا والغرب.
وقد أشار مفكر غربي هو الفقيه الدستوري الفرنسي روبرت بادنتر الى
"ان الولايات المتحدة التي طالما اعتبرت نفسها المدافعة عن
حقوق الانسان هي التي أصبحت في عهد جورج بوش الابن تنتهك أبسط حقوق
الإنسان.
فأحداث 11 سبتمبر التي استغلتها ادارة بوش ذريعة لشن ما سمي "الحرب
على الارهاب" أدت الى الرجوع بسياسات حقوق الإنسان سنوات كاملة
الى الوراء سواء من الناحية القانونية أو الأخلاقية.
فقد ارتكب جورج بوش أخطاء فادحة سيظل العالم والانسانية يدفعان أثمانا
باهظة لها ويتحملان تبعاتها السياسية والأخلاقية لسنوات طويلة قادمة.
وكان من أبشع الانتهاكات التي ارتكبتها ادارة بوش، عدم الاعتراف
باتفاقيات جنيف وخاصة في زمن الحرب أو في التعامل مع الأسرى والأعداء،
وإنشاء معسكر جوانتنامو بعد حرب أفغانستان الذي فرضت عليه أميركا
الا يخضع لا للقانون الدولي أو القانون الدولي الإنساني أو حتى القانون
الأميركي، والسماح بممارسة التعذيب مع المعتقلين مع ان الإعلان العالمي
لحقوق الانسان يحظر تماما ممارسة التعذيب، كما ان هناك اتفاقية دولية
تحظر ممارسة التعذيب بكافة أشكاله.
يضاف إلى ذلك إصدار إدارة بوش قوانين تسمح بانتهاك الحريات والخصوصيات
مثل قانون "باتريوت أكت" الذي أتاح للأجهزة الأميركية
التجسس على المواطنين الأميركيين وانتهاك سرية مراسلاتهم والتنصت
على مكالماتهم الهاتفية والتجسس على حياتهم الخاصة في انتهاك صريح
للدستور الأميركي وإعلان حقوق الإنسان العالمي، فضلا عن استحداث
قوانين استثنائية وانشاء سجون سرية بعضها سجون متنقلة تتم فيها ممارسة
أبشع صنوف التعذيب ضد المعتقلين في غيبة القانون، وعدم تقديم المتهمين
الى محاكمات عادلة مثلما حدث في معتقل جوانتنامو.
يضاف إلى ذلك ارتكاب فظاعات وانتهاكات صارخة لآدمية الإنسان كما
حدث في سجن أبوغريب بالعراق، وفق أوامر مباشرة تسمح بالتعذيب من
كبار قيادات إدارة بوش مثل الانتهاكات التي كشف عنها تقرير الكونجرس
الأميركي مؤخرا من إصدار وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد
خلال حرب احتلال العراق تعليمات بممارسة التعذيب في سجون أبوغريب
وجوانتنامو.
حيث كشف تقرير الكونجرس الأميركي مؤخرا ان رامسفيلد شارك في عمليات
التعذيب عبر اقراره استخدام تقنيات استجواب قاسية ومثيرة للجدل مثل
اتخاذ وضعيات مثيرة للتوتر والتعري والحرمان من النوم والإيهام بالغرق.
وأشار التقرير الى ان رسالة مسئولي ادارة بوش كانت واضحة "استخدام
اجراءات مهينة، وان الاساءة الى الموقوفين هي أمور مقبولة."
وأضاف: "ان تعذيب المعتقلين في سجن أبوغريب العراقي في عام
2003 لم يكن ببساطة نتيجة قيام بعض الجنود بالتصرف بدون أوامر."
فهل ستتم محاكمة رامسفيلد كمجرم حرب على انتهاكه لحقوق الانسان في
ضوء تقرير الكونجرس هذا؟، خاصة ان هناك فيلما أميركيا وثائقيا يحمل
عنوان: "تاكسي الى الجانب المظلم" يتعرض الى موضوع التقرير
بالتفصيل، ويحتوي على مقابلات مع الجنوب الاميركيين الذين قاموا
باستخدام وسائل التعذيب هذه في أفغانستان والعراق، وقد فاز ذلك الفيلم
الوثائقي بجائزة أوسكار أفضل عمل وثائقي لعام 2008م.
مما يؤكد ان سياسة انتهاك حقوق الإنسان أو اهدارها أصبحت هي السياسة
الثابتة في عهد إدارة بوش تحت ظلال الحرب على الارهاب واعتبارات
المصلحة والأمن القومي، ما كشفت عنه مؤسسة "نيو أميركا"
للدراسات، مؤخرا، من ان مبيعات السلاح التي أبرمتها ادارة بوش في
عام 2007 تشارك بقوة في تقويض حقوق الإنسان في العالم، مشيرة الى
ان أكثر من نصف تلك الصفقات، التي وصلت إلى 32 مليار دولار ذهبت
الى دول غير ديمقراطية، وأنظمة تنتهك حقوق الإنسان.
وأشارت المؤسسة، في تقرير لها بمناسبة الذكرى الستين للإعلان العالمي
لحقوق الإنسان. ان 13 دولة من بين الدول الـ 25 التي استوردت سلاحا
أميركيا في عام 2007 تعد دولا تنتهك حقوق الإنسان. وقد انتقدت منظمة
العفو الدولية "أمنيستي انترناشيونال" ادارة بوش بسبب
انتهاجها أسلوب الكيل بمكيالين أو ازدواجية المعايير والإضرار بالمفاهيم
الأساسية لحقوق الإنسان في موقفها من التعذيب ومعاملة المحتجزين.
وقالت الأمين العام لمنظمة العفو "ايرين خان" ان الإضرار
بالقيم الأساسية لحقوق الإنسان لم يبرز من قبل بهذا القدر مثلما
برز في عهد بوش وسعيها لإضعاف الحظر الشامل على التعذيب!
نظرة إلى المستقبل
إن التركيز على انتقاد السياسة الأميركية يعود إلى أن أميركا تتزعم
لواء الدفاع عن حقوق الإنسان، وتصدر سنويا تقريرا تقيم فيها أداء
الدول الأخرى من حيث مدى التزامها بحقوق الإنسان في حين أن سجلها
في عهد إدارة بوش أصبح يوازي أكثر النظم الديكتاتورية في العالم
الثالث من حيث انتهاك حقوق الإنسان.
وقد اعتبر الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما عهد بوش سجلا مخزيا
في التاريخ الأميركي في مجال حقوق الإنسان، ويعكف مستشاروه القانونيون
حاليا على ايجاد صيغة لاغلاق معتقل جوانتنامو ومحو هذه الصفحة المشوهة
في السجل الأميركي، والتي اعتبرها ناشطون غربيون مرحلة كارثية على
مسيرة حقوق الإنسان في العالم.
حيث اعتبر جميل داكوار مدير اتحاد الحريات المدنية الأميركي سياسات
إدارة بوش تجاه حقوق الإنسان بأنها سياسات "كارثية" بشأن
الوفاء بحقوق الإنسان الخاصة بالشعوب في العالم، وقال: "لقد
حان الوقت لإصلاح الضرر الذي وقع واستعادة التزام أمتنا بتحقيق وحماية
حقوق الإنسان.
وطالب اتحاد الحريات المدنية الاميركي إدارة الرئيس المنتخب أوباما
بإلزام واشنطن بدور رائد في مجال حقوق الإنسان.
وقد اعترفت وزارة الخارجية الاميركية ذاتها بالخلل في السياسة الأميركية
بشأن حقوق الإنسان في عهد بوش، وأشار تقريرها الأخير بشأن حقوق الإنسان
إلى أن هناك قصورا فيما يتعلق بحقوق الإنسان في الولايات المتحدة.
كما انتقد التقرير الأميركي الانتهاكات الواقعة في العراق في ظل
الاحتلال الأميركي، حيث أشار الى ان "هناك مناخا مستمرا من
العنف الشديد (بالعراق) الذي قتل فيه أشخاص لأسباب سياسية وغيرها،
ومن بين الانتهاكات التي ارتكبتها الشرطة الترهيب والضرب والتعليق
من الذراعين أو الساقين واستخدام المثقاب الكهربائي والأسلاك المعدنية
والصعق الكهربائي."
وقد أكد تقرير لمنظمة هيومان رايتس ووتش الانتقادات الموجهة الى
السياسات الغربية بشأن حقوق الانسان، حيث اعتبر ان الاتحاد الاوروبي
فشل تماما في التعامل مع أميركا بشأن ممارسات اختفاء المشتبه في
صلتهم بالإرهاب، كما ان دولا أوروبية مثل بريطانيا تتجاهل حقوق الإنسان
لصالح الحصول على صفقات تجارية أو تأمين التعاون لمكافحة الإرهاب،
ونتيجة لذلك فقد حدث فراغ في القيادة العالمية في مجال الدفاع عن
حقوق الإنسان.
كما انتقدت منظمة العفو الدولية تراجع دور الأمم المتحدة عن حماية
حقوق الإنسان حيث اعتبرت ان المنظمة الدولية قد فشلت في التصدي للدول
التي ترعاها، وعلى سبيل المثال فإن المفوضية الدولية لحقوق الإنسان
قد أسقطت في العام الماضي العراق من التفتيش بشأن مدى الالتزام بحقوق
الانسان، وفشلت في الاتفاق على ما يمكن عمله بشأن الشيشان ونيبال
وزيمبابوي، وصمتت عما يحدث في معتقل جوانتنامو.
ومن هنا يتضح لنا، ان هناك أزمة عالمية في حماية حقوق الإنسان في
العالم، وخاصة بشأن نفاق القيادات والمؤسسات التي تزعم الدفاع عنها.
ولكن من المؤكد ان حركة حقوق الإنسان تتقدم للإمام في ظل تنامي الوعي
العالمي بها، وازدياد المنظمات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني التي
تدافع عنها وتنشر الوعي بها.
وما يهمنا في العالم العربي بعد ان تكشف لنا زيف الشعارات الغربية
عن سياسات حقوق الانسان، هو ان تكون لنا رؤيتنا الخاصة بشأن رعاية
حقوق الإنسان، وعلينا الاعتراف بأن مستوى حماية حقوق الإنسان العربي
في كثير من المجالات يعاني ضعفا وهزالا وانتهاكات.
وإذا كان البعض من المفكرين والمثقفين والمسئولين لدينا يردد بين
الحين والآخر الحديث عن ان العرب والمسلمين ليسوا بحاجة الى مواعظ
من الغرب بشأن حقوق الإنسان في ظل السبق المبدئي والأخلاقي لرسالة
الإسلام في الدعوة إلى حقوق الإنسان، فإن العبرة تظل بمدى التزامنا
بأخلاقيات ومبادئ وقيم الحضارة العربية الاسلامية بشأن حقوق الإنسان
العربي. وعلينا الاعتراف بالطابع العالمي لدعوة حماية حقوق الإنسان،
وانه ما لم تعمل الدول العربية على تحسين سجلها في مجال حقوق الإنسان،
فإن هذه المسألة قد تؤدي في مراحل مستقبلية إلى مشكلات سياسية واقتصادية
كبرى حيث إن السجل غير المشرف في مجال حقوق الإنسان يعطي القوى الاستعمارية
الذريعة لاستخدام مبدأ حق التدخل الإنساني للتدخل في الشئون الداخلية
للدول العربية والإسلامية، ولنا العبرة في مشكلة دارفور التي يستغلها
الغرب حاليا للتدخل في شئون السودان بما قد يهدد وحدته وأمنه واستقراره
وسلامة أراضيه.
فإذا كنا لا نحتاج الى مواعظ من أحد بشأن حقوق الإنسان، فإن علينا
التحرك باتجاه تحسين ممارسات احترام حقوق الإنسان عملا لا قولا في
كافة المجالات انطلاقا من احترامنا لحقوق شعوبنا أولا، ولقيمنا ثانيا،
وتفاديا للاستغلال الاستعماري لقضايا حقوق الإنسان للإضرار بالأوطان
ثالثا.
وفي عصر ثورة المعلومات وانتشار منظمات المجتمع المدني المهتمة بقضايا
حقوق الإنسان، فلم يعد ممكنا لأي نظام أن يبقى بمنأى عن الرقابة
الدولية بشأن مدى احترام هذه الحقوق، ولهذا فإن الأجدى هو اتباع
سياسات وممارسات واقعية تعيد للإنسان العربي اعتباره وتحمي حقوقه
وحرياته باعتبار ذلك الطريق الصحيح للنهوض الحضاري والتقدم الإنساني
في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.
*كاتب وباحث في الشؤون السياسية
ــــــــــــــــــــ
هل يغير أوباما الاستراتيجية الأميركية الخاصة
بالسيطرة والهيمنة على العالم؟!
أسامة نور الدين*
أحاديث وكتابات كثيرة، تتحدث عن الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما
، بل نستطيع أن نقول أنه لا تكاد تخلو صحيفة أو جريدة اليوم في العالم
من مقالتين على الأقل عن الرئيس الأميركي الجديد، بعض تلك الكتابات
يتحدث عن أوباما وكأنه المهدى المنتظر الذي جاء يخلص العالم من شرور
الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش ، تلك الشرور التي أصابت العالم
في مقتل، وتسبب في احتلال دولتين وقتل مئات الألاف من البشر الأبرياء،
فضلا عن الخسائر المالية الفادحة، والتي انتهت بانهيار البورصات
الأميركية والعالمية على حد سواء.
أما البعض الأخر، فلا يعتقد بأن أوباما سيفعل شئ، خاصة وأنه يرث
تركة مثقلة بالأعباء والهموم الداخلية التي تنوء بها العصبة أولي
القوة ، مما سيجعل أوباما مشغولاً ولفترة طويلة بترميم الأوضاع الداخلية
الأميركية، حيث يوجد أمامه الأن ما يقرب من عشرة ملايين باحث عن
العمل او يزيد، أضف إلي ذلك الاقتصاد الأميركي الذي بدأ يتهاوى إثر
الأزمة المالية الأخيرة، إلي غير ذلك من الألام الأميركية الداخلية،
مما قد يجعله غير مهتم بما يحدث أو سيحدث علي الصعيد العالمي.
وهناك طرف ثالث لا يشغله هذا ولا ذاك، بقدر ما يشغله النموذج الأميركي
الرائع في الديموقراطية، حيث نجحت أميركا ولثاني مرة في تاريخها
أن تأتي برئيس أسود، وهو ما لم يحدث في أي دولة غربية في السابق،
مما جعل البعض يطلب بتكرار النموذج الأميركي في أوروبا على سبيل
المثال، وبالأخص في فرنسا التي يوجد بها مواطنون من أصل جزائري لا
يقلون حالاً عن الرئيس الأميركي باراك أوباما، فلماذا يتم تجاهلهم.
معضلة صعبة
يخطئ الرئيس الأميركي الجديد إذا ما أخذته المشاكل والأزمات الداخلية،
ودفعته لأن يتجاهل القضايا الخارجية الملحة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية
التي وصلت لمستويات غير مسبوقة من التوتر بين إسرائيل والفلسطينيين،
بسبب الحصار الخانق المفروض علي قطاع غزة، والاجتياحات الإسرائيلية
المتكررة للضفة الغربية، إذ من شأن ذلك أن يزيد من كراهية العرب
والمسلمين لأميركا، خاصة وأن الغالبية العظمي من الجماهير العربية
تلقى دوراً كبيراً علي أوباما في رفع الظلم الواقع علي الفلسطينيين.
الأمر نفسه بالنسبة للأوضاع المأزومه في العراق، فحسب تصريحات أوباما
السابقة لانتخابات الرئاسة، فإن المفترض أن يتم تقليل أعداد الجنود
الأميركية المتواجدة فوق الأراضي العراقية تدريجياً إلي أن يتم الانسحاب
الكامل في غضون من خمس لعشر لسنوات، وفي حال تبدل الخطابات وتغير
الاستراتيجيات فإن المحتمل أن يشهد العراق حرباً دموية بين فصائل
المقاومة والجيش الأميركي، خاصة بعد أن بدأ الزعيم الشيعي مقتدى
الصدر في تكوين كتائب لمقاومة الاحتلال.
أما في أفغانستان فلا يبدو الأمر مختلف كثيراً، خاصة بعد أن صرح
أكثر من مسؤول أميركي بضرورة التفاوض مع حركة طالبان، إذا ما أريد
تحقيق الأمن والاستقرار في أفغانستان.
منافسة قوية
يضاف إلي ذلك أن هناك قوى عظمى منافسة للولايات المتحدة الأميركية
في المنطقة، تنتظر غفلة الولايات المتحدة الأميركية لحظة واحدة عن
المنطقة لتبسط هيمنتها عليها، فتلك القضايا تحتاج إلى حل، وفي حالة
غض الإدارة الأميركية الطرف عنها، أن تمد تلك القوى يدها لدول المنطقة،
عارضة عليهم المساهمة في حل تلك المشاكل والأزمات، وفي حالة حدوث
ذلك، تكون الإمبراطورية الأميركية قد دقت بنفسها أول مسمار في نعش
نفوذها.
فعلى الصعيد الأوروبي توجد فرنسا التي تحاول منذ فترة طويلة منافسة
الولايات المتحدة الأميركية في كعكة المنطقة، سواء بالتحالف معها
مثلما حدث في سوريا ولبنان، أو عن طريق صياغة مشاريع بديلة للمشروع
الأميركي المسمى بالشرق الأوسط الكبير، ذلك المشروع التي حاولت الإدارة
الأميركية السابقة أن تفرضه علي المنطقة فرضاً تحت دعاوى متعددة
بعضها يتعلق بالديموقراطية والأخر بحقوق الإنسان، بينما هي تسعي
في الحقيقة لفرض هيمنتها وسيطرتها على دول المنطقة والعالم.
في المقابل عرضت فرنسا علي دول المنطقة مشروع " الاتحاد من
أجل المتوسط" ذلك المشروع الذي يسعي لتحقيق شراكة ما بين الاتحاد
الأوروبي وعلى رأسه فرنسا وبين الدول المتوسطية، والحقيقة أن فرنسا
من خلال ذلك المشروع تحاول أن تنافس الولايات المتحدة على الوجود
في المنطقة، عن طريق توطيد أواصر التعاون والشراكة مع دول المنطقة،
وعلى أسس جديدة مختلفة تماما عن الأسس الأميركية القائمة على القوة،
حيث تعتبر فرنسا أن التعاون هو الطريق لتقوية العلاقات وليست القوة
مثلما تعتقد الولايات المتحدة.
روسيا والصين
وبالإضافة إلى فرنسا تعد روسيا والصين من أكبر منافسي الولايات المتحدة
الأميركية على كعكة المنطقة، ولسنا مغالين إذا ما قلنا أن الدولتين
تحاولان انتهاز اية فرصة من أجل بسط نفوذهما في المنطقة، فروسيا
على سبيل المثال تحاول منذ فترة الظهور بمظهر القطب المنافس للولايات
المتحدة، ويكفينا للتدليل على ذلك موقفها من أزمة إقليم أوسيتيا
الجنوبية، عندما تدخل بالقوة العسكرية لإخراج القوات الجورجية المدعومة
أميركيا من الإقليم وقيامها بتوجيه ضربات مباشرة إلى جورجيا في تحد
واضح للولايات المتحدة الأميركية ولحلف شمال الأطلسي، لتثبت للعالم
أنها قادمة وبقوة لمنافسة الولايات المتحدة على كعكة العالم.
كما أن موقفها من الأزمة النووية الإيرانية ومنعها الولايات المتحدة
وإسرائيل من توجيه ضربة عسكرية خاطفة للمنشأت النووية الإيرانية،
يمثل دليلاً أخر على مدة رغبة روسيا في منافسة الولايات المتحدة
على المنطقة، وانتظارها لأية غفلة أميركية من أجل أن تحتل تلك المكانة.
أما الصين فعينها على اقتصاد المنطقة، وهي الان بالفعل تمثل منافساً
قويا للولايات المتحدة في أكثر من بقعة من بقاع المنطقة، ولولا المساعي
المساعي الأميركية الخاصة بالحيلولة بين الصين وبين التغلغل في امكانات
المنطقة، لكانت الصين منافساً قوياً للولايات المتحدة.
ففي افريقيا بوجه عام وفي السودان بوجه خاص تمثل الصين تحدياً كبيراً
للولايات المتحدة، حتى ان كثير من المحللين يرجعون أزمات السودان
المتلاحقة إلى الرغبة الأميركية في تضيق الخناق على الصين صاحبة
الحق الأكبر في النفط السوداني.
يضاف إلى ذلك لاعبون اخرون وإن كانوا أقل تأثيرا من سابقيهم، ولكن
تبقى الساحة مفتوحة لصراع قوى كبير بين الدول العظمي في العالم،
الأمر الذي يحتم على الولايات المتحدة وهي تتحرك داخلياً وخارجياً
أن تعي خطورة من ستقدم عليه من سياسات.
يعني ذلك كله أن على الرئيس الأميركي أن يوازن ما بين السياسات الداخلية
التي تحتاج منه إلي مجهود فائق وما بين الساسات الخارجية التي تحتاج
إلى جهد كبير هي الأخرى، من أجل حل الأزمات المتلاحقة على الصعيد
الدولي من جهة، ولإثبات استمرار الوجود الأميركي الفاعل حتى لا يحل
مكانها أحد، من ناحية أخرى، كذلك من أجل تحسين صورة الولايات المتحدة
التي وصلت للحضيض على يدى الرئيس بوش وأركان إدارته بسبب تجاهله
المتعمد لحقوق الشعوب المشروعة في السلام والأمن.
أما إذا سار الرئيس الأميركي على نهج سابقة وغض الطرف عن القضايا
السابقة، فإن كارثة كبرى ستحلق بالسلم والأمن الدوليين لا محالة،
خاصة وأننا نرى إسرائيل تكشر لإيران عن أنيابها وحركات المقاومة
تنتظر ما ستقدم عليها الإدارة الأميركية من سياسات من أجل البدء
في تفجير الأوضاع الداخلية والخارجية بما قد يؤثر على مصالح الجميع.
* وكالة الأنباء العربية ـ القاهرة
أعلى
|
|
|
الصفحة
الرئيسية |
المحليات |
السياسة
| اراء
الاقتصاد |
الرياضة
|
ثقافة وفنون
| الصفحة
الدينية | كاريكاتير
|