|
فتاوى لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة
*امرأة تزوجت وفي
يوم عرسها كانت حائض فأمرها زوجها بالاغتسال قبل انتهاء مدة حيضها
فاغتسلت وواقعها، فما هو الحكم الشرعي المترتب على ذلك؟
**نعوذ بالله من هذا الصنيع. لا يجوز له أن يواقعها قبل انتهاء حيضها
وقبل أن تغتسل من حيضها لأن الله تبارك وتعالى يقول (وَيَسْأَلونَكَ
عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ
وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ )(البقرة:
من الآية222)، أي فإذا طهرن وتطهرن، لا بد من أن يتطهرن بالماء بعد
الطهر (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ)(البقرة:
من الآية222).
فليس للإنسان أن يأتي امرأته وهي في حالة حيض ومعنى ذلك أن من فعل
هذا فقد قارف كبيرة من الكبائر كيف والله تبارك وتعالى يشدد هذا التشديد
في كتابه العزيز بحيث يحذر من قربان المرأة في حالة الحيض والمراد
بقربانها غشيانها فليس له أن يغشاها، ومن فعل ذلك فعليه التوبة إلى
الله، والتوبة هي الندم على الفعل الذي ارتكبه التائب بحيث لا يفعل
ذلك الفعل، وعقد العزم على عدم العودة إليه كما لا تعود الألبان إلى
ضروعها، والإقلاع عن ذلك الفعل، فمن كان مصراً على فعله مستمراً عليه
هو غير تائب منه، وطلب المغفرة من الله تبارك وتعالى، هذه لا بد منها.
وأما بالنسبة إلى مثل هذه القضية فإن بعض العلماء زادوا على ذلك من
أجل روايات رويت عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام لزوم الكفارة وهي
دينار الفراش وهذا مما لا ينبغي للإنسان أن لا يضيعه ليخرج من عهدة
الخلاف، وليبرأ ساحته، لأن روايات وردت بهذا وإن ضُعّفت من قبل لفيف
من علماء الحديث، ولكن وردت وهي يشد بعضها بعضا فينبغي ذلك بأن يخرج
مقدار دينار من الذهب، والدينار هو أربعة جرامات وربع، يخرج هذا الدينار
ليعطيه الفقراء تكفيراً لهذه الخطيئة التي ارتكبها، والله تعالى أعلم.
سؤال (تابع)
*وإن طاوعته المرأة في طلبه هذا؟
**إن طاوعته فقد ارتكبت ما ارتكبت معه، فلا ريب أنها يلزمها ما يلزمه.
*امرأة لم تخرج زكاتها سبعة عشر سنة وتغيّره باستمرار بمعنى أنه قد
ينقص أحياناً في مقداره وقد يزيد، فما الحكم في ذلك؟
**عليها أن تخرج زكاتها لهذه السنوات، ولتتحرى كم كان هذا الذهب في
كل عام من هذه الأعوام. بقي الكلام في كون الزكاة هل هي معدودة مما
يزكى أو هي غير معدودة منه، وهذا مبني على الخلاف في الزكاة هل هي
شريك في المال أو أنها حق في الذمة، فمن رأى أنها حق في الذمة قال
على الإنسان أن يزكي المال الذي لم يزكه سنين كثيرة زكاة كاملة لجميع
الأعوام. ومن قال بأنها شريك يرى بأنه ينقص من هذه الزكاة مقدار ما
تجب عليه زكاته في كل عام من الأعوام.
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
قراءة في بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان التقنين والتجديد
في التجديد والتقنين والمصارف الإسلاميّة المعاصرة..
رؤية منهجيّة
2ـ6
تقنين الفقه عبارة عن إعادة صياغة علميّة منهجيّة لأبواب الفقه الإسلام
يّ في شكل مواد قانونيّة سهلة الهضم
التجديد يعدّ مقصدا ثابتا من مقاصد الشرع والتقنين
وسيلة من وسائل تحقيق هذا المقصد
يعدّ التجديد فريضة دينيّة ومطلبا شرعيّا لا
يصح إنكاره أو التشكيك فيه
قراءة ـ أحمد بن سعيد الجرداني:نظراً لتطور الحياة
المتسارع طرأت الكثير من القضايا التي تستلزم من العلماء أن يجيلوا
النظر لاستخراج الحكم الشرعي، فالعلماء السابقون لم يدخروا جهداً في
إيجاد الأجوبة عما كان وقع في عصورهم، والكثير من ذلكم التراث الضخم
المبارك ينبغي أن يوظف فيما يعين على تجديد واسع وشامل لمد مظلة الفقه
الإسلامي لتشمل كل ما يحتاجه الناس من حلول لقضاياهم المعاصرة، وما
التقنين إلا ثمرة واحدة من ثمار التجديد التي برهنت خلود هذه الشريعة
العظيمة .
ومن هذا المنطلق كانت لنا هذه القراءات في بعض البحوث التي طرحت في
ندوة العلوم الفقهية في عمان السابعة بعنوان (التقنين والتجديد في
الفقه الإسلامي المعاصر) والتي نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
في الفترة من 28ـ2 ربيع الثاني 1429 هجري الموافق 5ـ8 إبريل 2008 ميلادي
والتي كانت بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس الأكبر بولاية بوشر...
ومن ضمن هذه البحوث بحث بعنوان (في التجديد والتقنين والمصارف الإسلاميّة
المعاصرة رؤية منهجيّة) للأستاذ الدكتور قطب مصطفى سانو.
وقد قمنا في الحلقة الماضية بنشر بعض من هذا البحث واليوم نواصل القراءة
لتعم الفائدة...
مصطلح التقنين
الفقرة الثانية: في مصطلح تقنين الفقه الإسلاميّ من منظور هذه الدراسة:
تأسيسا على ما أوردناه من نقد هادف للتصورات الشائعة عن المسألة التقنينيّة
في الدراسات الحديثة، فإنّنا نرى أن يعاد تحديد المراد بمصطلح تقنين
الفقه بأنّه عبارة عن إعادة صياغة علميّة منهجيّة لأبواب الفقه الإسلاميّ
في شكل مواد قانونيّة سهلة الهضم، ويسيرة الفهم على أن يتمّ في تلك
الصياغة الجديدة اختيار رأي واحدٍ من الآراء الواردة في المسائل الاجتهاديّة
العامّة التي تعمّ بها البلوى، وذلك استنادا إلى رعاية مصلحة زمنيّة
يعتبرها الحاكم عند الاختيار، وحفاظا في الوقت نفسه على مقصد انتظام
أمر الأمة إزاء تلك المسائل الاجتهاديّة العامّة.
إنّ هذا التصور المتواضع عن مصطلح التقنين يقوم على النظر إلى التقنين
بوصفه وسيلة يمكن الاستعانة به في إعادة صياغة المادة الفقهيّة في
شكل مواد قانونيّة مرتّبة ومرقّمة بطريقة عصريّة توفّر للناظر في هذه
المادة الجهد والوقت، وتكفيه مؤنة العناء والتعب في التنقيب والتعرف
على الآراء، ويعدّ هذا البعد في المسألة التقنينيّة بعدا شكليّا آليّا
لا يتطلب القيام به جهدا فكريّا ذا بال، بل يحتاج إلى جهد تنظيميّ
وترتيبيّ مترابط.
وأما البعد الآخر في هذا التصور عن مصطلح التقنين، فإنّه يقوم على
النظر إلى مسألة التقنين بوصفها وسيلة هامّة من وسائل التجديد في المادة
الفقهيّة على مستوى المضمون والمحتوى اعتبارًا بأنّه يراد منه القضاء
على التعدّديّة في المسائل المختلف فيها، وبتعبير آخر، فإنّ التقنين
من هذا البعد يعدّ عمليّة ترجيحيّة بين الآراء المختلف فيها، وربما
كان عمليّة ابتكاريّة تتجاوز الموروث من الاجتهادات، وتجود بجديد الرأي
فيما اختلف فيه السابقون قبلُ. ومن ثمّ، فإنّ المسألة التقنينيّة في
هذه الحالة تغدو وسيلة من وسائل التخفيف من غلواء الاختلاف الفقهيّ،
والتعدّدية الفكريّة في المسألة الواحدة.
إنّه ليس من ريب في أنّ هذا البعد في المسألة التقنينيّة يعدّ بعدا
علميّا ذا خطورة وأثر كبيرين على التفكير المذهبيّ، والانتماء الطائفي
إلى المذاهب المختلفة، إذ إنّه يفضي إلى التخلص التدريجيّ المنظّم
من التعددية الشائعة داخل المذهب الواحد، والتعدّدية القائمة بين المذاهب،
مما يفضي في النهاية إلى اختفاء المذهبيّة بصورة تامّة إذا كان التقنين
شاملا، أو بصورة جزئيّة إذا تمركز التقنين حول بعض القضايا.
التقنين المنشود للفقه الإسلاميّ
واعتبارًا بالأهمية الفكريّة والمنهجيّة البالغة لهذا البعد العلميّ
من التقنين، فإنّنا نرى أنّ التقنين المنشود للفقه الإسلاميّ من هذا
البعد، ينبغي أن يتوافر فيه أمور أربعة ليغدو وسيلة من وسائل التجديد
في الفقه الإسلاميّ، وهذه الأمور الأربعة هي:
الأمر الأول: ضرورة كون التقنين منصبا في المسائل الموسوم بالمسائل
الاجتهاديّة، وهي المسائل الظنيّة التي تتعدد فيها الآراء في كل عصر
ومصر، مما يعني أنّه إذا لم تكن المسألة اجتهاديّة ـ ظنيّة ـ بأن كانت
من المسائل المتفق عليها بين الفقهاء، فإنّ التقنين يعدّ ـ حينئذ ـ
وسيلة من وسائل التجديد في الفقه من حيث الشكل لا من حيث المضمون،
إذ إنّ التقنين في تلك الحالة لا يتجاوز إعادة صياغة تلك الأحكام في
شكل مواد قانونيّة مرتّبة ومرقّمة.
الأمر الثاني: ضرورة كون المسألة التي يراد تقنينها من جنس المسائل
العامّة التي تعمّ بها البلوى، مما يعني أنّه لا يجوز إقحام التقنين
بوصفه وسيلة تجديد في المضمون في المسائل غير العامّة، والمسائل العامّة
التي لا تعمّ بها البلوى، إذ إنّ تقنين تلك المسائل يعدّ خرقا للقاعدة
الفقهيّة الشهيرة التي تقرّر بأنّه لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وتقنين
هذه المسائل يعدّ شكلا من أشكال الإنكار، لأنّه يترتب عليه الإلزام
برأي دون سواه؛ وإن يكن ثمة تقنين في هذه المسائل، فإنّه لا يعدو ذلك
التقنين أن يكون وسيلة تجديد للفقه من حيث الشكل لا من حيث المضمون.
الأمر الثالث: ضرورة كون المسألة العامّة المراد تقنينها من جنس المسائل
العامّة التي يؤدّي التعدديّة فيها إلى الإخلال بمقصد الحفاظ على انتظام
أمر الأمة، ومقصد نبذ الخلاف والنزاع المؤدّي إلى هلاك الأمم وفنائها،
ويعني هذا أنّ الغاية العظمى من عمليّة التقنين تتمثل في توظيفها وسيلة
من وسائل التجديد في الفقه من حيث المضمون صيانة لمقصد انتظام أمر
الأمة. وبناء على هذا، فإ نّه ما كان للتقنين ليلج في جميع المسائل
العامّة ولو كانت تعمّ بها البلوى إذا لم يكن التعدد فيها مفضيا إلى
الإخلال بمقصد الحفاظ على انتظام أمر الأمة، وإنّما لا بدّ للتقنين
المنشود أن يقتصر على المسائل الاجتهاديّة العامّة التي يؤدّي فسح
المجال فيها للتعدديّة إلى الصراعات والنـزاعات.
الأمر الرابع: ضرورة كون مراعاة المصلحة أساس اختيار الرأي الذي يراد
تقنينه وصيرورته قانونا واجب الالتزام به، وإذا كان الأصل المقرر عند
عامّة أهل العلم بالفقه والأصول هو منع الإنكار في مسائل الاجتهاد
سواء أكانت تلك المسائل عامّة أم خاصّة، فإنّ هذا الأصل الأصوليّ الفقهيّ
العتيد مقيد بألا يكون للحاكم حكم في المسألة الاجتهاديّة مبنيّ على
مراعاة المصلحة، فإذا اختار الحاكم رأيا من الآراء الواردة في المسألة
الاجتهاديّة بناء على رعاية مصلحة معتبرة، فإنّ اختياره يرفع الخلاف
في تلك المسألة، ولهذا، فإنّه حريّ بالحاكم أن يكون أساس اختياره مراعاة
المصلحة إذ إنّ حكم الحاكم ـ كما هو معلوم ـ منوط برعاية المصلحة.
وعليه، فإنّ الرأي الذي يختاره ليغدو قانونا لا بدّ من أن يتوافر في
ذلك الرأي جلب منفعة معتبرة، أو درء مفسدة معتبرة، ويعني هذا أنّه
لا ينبغي للحاكم أن يتجاوز مراعاة المصلحة عند اختياره رأيا من الآراء
للتقنين والإلزام.
هذه هي الأمور الأساسيّة الأربعة التي يجب توافرها في عملية التقنين
ليغدو وسيلة من وسائل التجديد في الفقه شكلا ومضمونا. وبهذا يتبدى
لنا المراد بمصطلح تقنين الفقه بحسبانه وسيلة من وسائل التجديد في
الفقه شكلا ومضمونا، كما يتبدى لنا كون التقنين صالحا لأن يكون وسيلة
للتجديد في الفكر، والسياسة، والاجتماع، والاقتصاد وسواه شكلا ومضمونا.
العلاقة بين التجديد والتقنين
الفقرة الثالثة: في العلاقة الجدليّة بين التجديد والتقنين:
في ضوء ما أوردناه من تصور ونقد عن كلا المصطلحين، وانطلاقا مما انتهينا
إليه من تصور متواضع عن المراد بمصطلح التقنين وقبله التجديد في العصر
الراهن، فإنّنا نفزع إلى تقرير القول بأنّ العلاقة بين التجديد والتقنين
علاقة مقصد بوسيلة، وعلاقة غاية بسبب، فالتجديد يعدّ مقصدا ثابتا من
مقاصد الشرع، والتقنين يعدّ وسيلة من وسائل تحقيق هذا المقصد، كما
يعدّ التجديد غاية يجب على الأمة تحقيقها، وأما التقنين، فيعدّ سببا
من الأسباب التي ينبغي الاستعانة بها لتحقيق التجديد.
ويعدّ التجديد فريضة دينيّة ومطلبا شرعيّا لا يصح لامرئ يؤمن بالله
العظيم ورسوله الكريم إنكاره أو التشكيك فيه، بل تأثم الأمة كلها إن
أهملوه أو تقاعسوا عنه، فقد ورد في شأنه العديد من النصوص الشرعيّة
الدالة على وجوب قيام الأمة بها، ولعلّ حديث أبي داود من أكثر تلك
النصوص تنصيصا على فرضيّة التجديد، إذ وعد الله الأمة أن يبعث لها
على رأس كل مائة عامّ من يجدّد لها دينها أو أمر دينها.
وأما التقنين، فإنّه كان ولا يزال محلّ خلاف واختلاف بين الباحثين،
ولا يزال العالِمون ـ قديما وحديثا ـ يختلفون في مشروعيّته، وفرضيته،
إذ يرى عدد غير يسير من المعاصرين عدم مشروعيّته، ويرى آخرون مشروعيّته.
وبناء على هذا، فيمكن الخلوص إلى القول بأنّ التجديد فرض في كل عصر
ومصر، ووسائله متعددة ومتجددة، ولا ينبغي حصرها في وسيلة دون أخرى،
بل يجب البحث عن مزيد من الوسائل المعينة على تحقيق التجديد الشامل
في الفكر والعقيدة والتربية، والسياسة، والاجتماع، والاقتصاد، والثقافة.
حسبنا هذا اليوم من قراءة لهذا البحث وسنتواصل بإذن الله تعالى في
الحلقة القادمة..
أعلى
السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع
الحلقة الأولى
السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى
التسليم هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، تأتي في أهميتها
بعد القرآن الكريم، والسنة النبوية مع القرآن الكريم لها عدة أحوال
وسنتاول اليوم في هذه الحلقة وهي الحلقة الأولى جزءاً منها..
ـ أن تأتي مؤكدة للقرآن الكريم ومثال ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن
أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (اجتنبوا السبع الموبقات).
قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال (الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي
حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف
وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات).
فجميع هذه الأمور السبعة جاء النهي عنها والتحذير منها في القرآن الكريم
فجاء هذا الحديث ونحوه من الأحاديث مؤكدا لهذا النهي .
ـ أن تأتي السنة مبينة لمجملات القرآن الكريم، وأمثلة هذا كثيرة فمعظم
التشريعات جاءت مجملة في القرآن الكريم وجاءت السنة ببيانها، سواء
فيما يتعلق بالعبادات كالصلاة والزكاة والصوم والحج. أو ما يتعلق بشؤون
الأسرة كالنكاح والطلاق والخلع، أو ما يتعلق بالمعاملات كالبيع والربا
والسلم والصرف والهبة وغيرها أو ما يتعلق بالجنايات كالديات والأروش
والضمانات.
ـ أن تأتي السنة مقيدة لمطلقات القرآن، ومثال ذلك قول الله تعالى:
(الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ) فأطلق الله تعالى المرتين اللتين يوقع فيهما
الطلاق، ولكن قيدت هذا الإطلاق السنة النبوية فبينت متى يجوز إيقاع
هاتين الطلقتين
ـ أن تأتي السنة مخصصة لعمومات القرآن الكريم، ومثال ذلك قول الله
تعال في تعداد المحرمات من النساء (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ)
فخصصت هذا العموم السنة النبوية، فقد نصت أحاديث النبي صلى الله عليه
وسلم على تحريم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها إذ روى الربيع
عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: "لا يُجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها".
ـ أن تأتي السنة النبوية مستقلة بأحكام عن القرآن وذلك لأن السنة في
حقيقتها وحي من الله تعالى كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ومن أمثلة
ذلك ما رواه الربيع من طريق أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن جابر بن عبدالله
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تستقبلوا القبلة
ببول ولا غائط". وهذا الحكم لا ذكر له في القرآن الكريم بتصريح
ولا تلميح .
كما نصت السنة أيضا على أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب مع أن
الله تعالى لم يذكر في كتابه من المحرمات بالرضاع إلا الأمهات والأخوات،
ففي الحديث الذي رواه الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة
رضي الله عنها قالت: كنت قاعدة أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم
إذ سمعت صوت إنسان يستأذن في بيت حفصة، فقلت: يا رسول الله، هذا رجل
يستأذن في بيتك، فقال: "أراه فلانا" لعم حفصة من الرضاعة.
فقلت: يا رسول الله، لو كان عمي فلان حياً دخل عليَّ؟ لعم لها من الرضاعة.
قال: "نعم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".
ـ لا تأتي السنة ناسخة للقرآن الكريم، لأن القرآن قطعي الثبوت ومعظم
السنة ظني الثبوت كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقد جاءت الآيات الكثيرة موجبة لطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ومحذرة
من عصيانه فالله تعالى يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا
اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ
تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ
كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ
وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59 سورة النساء
فتأمل أخي القارئ الكريم كيف خاطب الله تعالى المؤمنين آمرا لهم بطاعته
ثم أمرهم بطاعة نبيه وأعاد الفعل الآمر بالطاعة لبيان أن طاعة النبي
صلى الله عليه وسلم طاعة مستقلة، لأنه صلى الله عليه وسلم معصوم من
الخطأ فهو كما وصفه الله تعالى: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى
(2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى
(4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5)) سورة النجم. ثم أمر سبحانه بطاعة
أولي الأمر ولكنه لم يعد الفعل الآمر بالطاعة وإنما عطف ذلك على الأمر
بطاعته والأمر بطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم وذلك لأن طاعة بقية البشر
مقيدة بأن لا يأمر بما يخالف أمر الله وأمر رسوله.
ويقول سبحانه (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا
إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا
وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ
(52)) سورة النور فبين سبحانه منهج المسلمين في التعامل مع أوامر الله
وأوامر رسوله فهم ينساقون مع أوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه
وسلم ويعلنون السمعة والطاعة .
ويقول عزوجل (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ
كَثِيرًا (21))
فحثنا الله تعالى على الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم وجعل لنا
فيه أسوة حسنة ويقول سبحانه: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ
إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا
مُبِينًا (36) سورة الأحزاب) (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ
حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)) فانظر كيف
نفى الله تعالى الإيمان عمن أعرض عن تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم،
بل لا يكفي تحكيمه صلى الله عليه وسلم ما لم يتبع ذلك انشراح الصدر
بحكمه والتسليم له من غير ضيق أو ضجر .
وقد جعل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من شروط دخول الجنة طاعته صلى
الله عليه وسلم وأن من عصاه فقد رفض بنفسه دخول الجنة فقد روى البخاري
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كل أمتي يدخلون
الجنة إلا من أبى). قالوا يا رسول الله ومن يأبى؟ قال
(من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى.
وبهذا يتبين لنا أن الأصل في أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم أنها
للوجوب وأن من عصاه فيها أو خالفه بعد ثبوت ذلك لديه معرض نفسه لعذاب
الله تعالى، كيف والله تعالى يقول محذرا من مخالفة الرسول صلى الله
عليه وسلم (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ
بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ
مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ
أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63))
وهكذا الحكم في نهيه صلى الله عليه وسلم أن الأصل فيه أنه للتحريم،
ولكن قد تأتي قرينة تصرف الأمر عن الوجوب أو تصرف النهي عن التحريم،
فمن أمثلة الأول ما رواه الربيع عن أبي عبيدة عن جابر عن ابن عباس
عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور،
ألا فزوروها، ولا تقولوا هجراً" أي: لا تدعوا بالويل والعويل،
وبما يسخط الرب. فقوله صلى الله عليه وسلم "فزوروها "أمر
والأصل في الأمر أنه للوجوب ولكن دلة القرينة على أن هذا الأمر ليس
للوجوب لأنه جاء بعد النهي عن الزيارة ولأن النبي صلى الله عليه وسلم
علل الأمر بزيارتها أنها تذكر بالآخرة، ومن أمثلة الثاني قوله صلى
الله عليه وسلم فيما رواه الربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن
عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الشرب قائماً، فهذا نهي
عن الشرب قائما والأصل في نهيه صلى الله عليه وسلم أنه للتحريم، ولكن
دل الدليل على أن المراد من النهي هنا الكراهية لأنه ثبت أن الرسول
صلى الله عليه وسلم شرب من زمزم قائما فقد روى البخاري عن ابن عباس
رضي الله عنه قال: سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من زمزم فشرب
وهو قائم.
ولنا تواصل للموضوع بأذن الله تعالى..
إبراهيم بن ناصر الصوافي
أعلى
|