|
فتاوى لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة
*هل يجوز شرعأ اختيار جنس الجنين، الآن هناك بحوث مكثفة تجرى من أجل
أن يتحكم الأب والأم في جنس الجنين فيختارونه تارة ذكرا ًويختارونه
تارة أثنى، وهذه البحوث وإن لم تظهر على الساحة بشكل واسع إلا أنها
بدت تخطو خطواتها الأولى واقعاً، فهل يجوز ذلك شرعا ؟
**بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين،
والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما
بعد:
فإن حكمة الله تبارك وتعالى اقتضت أن يكون الجنس البشري كسائر الأجناس
الحية الأخرى يتكون من نوعين من الذكر والأنثى ليتم بينهما التكامل.
هو تعالى حكمته اقتضت أن يتفاوت الناس فيما يوهبون من هذين النوعين
منهم من يوهب الذكور، ومنهم من يوهب الإناث، ومنهم من يوهب من كلا
الجنسين، ومنهم من يحرمهما جميعا، يقول تعالى (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ
إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً
وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً) (الشورى:49ـ50).
هذه هي إرادة الخالق وهذه هي حكمته، والإنسان مهما أوتي من طاقات العقل
وملكات التفكير إلا أن عقله يرتد خاسئاً ذليلاً أمام جبروت العزة الإلهية
وأمام حكمة الله تبارك وتعالى البالغة التي تعجز عقول البشر أن تكتنهها
كما هي، فلذلك ما كان على الإنسان إلا أن يسلم تسليما .
والله سبحانه وتعالى هو العليم بضرورات هذه الحياة
وبمتطلباتها، وقد اقتضت حكمته هذا التنويع، فلذلك نحن نرى خطورة بالغة
أن يطلق للإنسان العنان في الاختيار والتحكم في أمر النسل لأن ذلك
يتصادم مع الحكمة الربانية، فقد يوجد أناس فيهم الحمية الجاهلية، هم
لا ينظرون إلى الأنثى إلا نظرة احتقار وازدراء، هؤلاء قد تسول لهم
أنفسهم أن يتحكموا في أجنتهم فلا يريدوا إلا أن يولد لهم ذكور، وقد
يكون هنالك اتجاه آخر أيضا، فهذا الأمر يؤدي إلى خطر بالغ، ومن طرق
الإسلام في معالجة القضايا سد ذرائع الفساد .
وبناء على ذلك نرى أن هذه ذريعة إلى أمر قد يكون فيه الكثير من الفساد
فلذلك يجب أن تسد هذه الذريعة. كما أنه قد يؤدي ذلك إلى التغلغل في
البحوث المتعلقة بهذا الجانب إلى أن يحصل ما حصل فعلاً مما يسمى بالاستنساخ
، وألا يقف ذلك عند حدود الحيوانات بل تتناول التجربة الإنسان، في
هذا من المساس ما هو معلوم لكل ذي عقل، فلذلك نحن نرى أن الاسترسال
في هذه البحوث قد يفضي إلى مخاطر كثيرة، فيجب أن يوقف هذا الأمر عند
حده وألا نعترض على حكمة الله سبحانه (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ
وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) (القصص:68)، والله تعالى
المستعان.
*هناك أمور تعارف عليها بعض الناس يستطيعون من
خلالها كما يقولون أن يتحكموا في جنس الجنين، لا يستخدمون شيئاً من
الأجهزة أو من العقاقير وإنما هي عملية توقيت فمثلا ًعند انتهاء الطمث
وبدء تكون البييضة يبدأ الجماع مثلاً في تلك اللحظة حتى يأتي المولود
ذكرا، وهلم جرا . هل مثل هذه الأشياء تدخل ضمن هذا الحكم؟
**أما قصد أن يكون الجنين ذكرا ًفقط، وأن لا
يكون هنالك تقبل للأنثى هذا شيء حرمه الله تبارك وتعالى (وَإِذَا بُشِّرَ
أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ
يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ
عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)
(النحل:58ـ59) ، فيجب أن يكون الإنسان متقبلاً للأنثى كما يتقبل الذكر،
فالله تعالى امتن بالأنثى قبل أن يمتن بالذكر عندما قال (يَهَبُ لِمَنْ
يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ
ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً) (الشورى:49ـ50) وهذا مما يدل على أن حكمة الله
تعالى في هذا بالغة فلا داعي إلى أن يتصرف الإنسان من تلقاء نفسه وبحسب
هواه بطريقة تؤدي إلى التصادم مع الحكمة الربانية .
*هل يجوز استخدام هذا العلم الذي قرره العلم
الحديث في اختيار جنس الجنين فيما إذا كان مرض معين يصيب أحدهما، فمثلا
لو كان الجنين ذكراً فإنه يصاب بمرض وراثي إذا ما ولد فيختارون الأنثى
خشية وقوع هذا المرض؟
**ومن الذي يستطيع أن يحدد بأن الذكر هو الذي
يصاب بهذا المرض دون الأنثى، هل هناك قدرة على هذا التحديد، هذه أمور
لا بد من استقرائها من جميع الجوانب، وإعطاء الحكم فيها يتوقف على
تصورها تمام التصور فإن الحكم على الشيء فرع تصوره، والاستقراء مطلب
شرعي من أجل إعطاء الأحكام الشرعية ، فإن الإنسان إن لم يستقرء الأحداث
لا يستطيع أن يحكم عليها .
*هل يجوز كشف هوية الجنين إذا كان ذكراً أو أنثى
من أجل الميراث؟
**الجنين مادام هو في عالم الغيب لا تترتب عليه أحكام ولو كشف ولو
عرف أنه ذكراً أو أنثى من خلال الوسائل الحديثة، ولكن بما أنه في عالم
الغيب لا يعطى الأحكام التي يعطاها من انتقل إلى عالم الشهادة، فنفس
الإرث لا يستحقه بمجرد كونه جنيناً في رحم أمه حتى يخرج حياً إلى هذا
الوجود أي إلى عالم الشهود فعندئذ يحكم بتوريثه أما لو مات وهو جنين
فإنه لا يورث ولو ثبتت حياته من قبل موته لأنه لم ينتقل إلى عالم الشهود،
فلا داعي إلى مثل هذه التصرفات .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
قراءة في بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان التقنين والتجديد
في التجديد والتقنين والمصارف الإسلاميّة المعاصرة
رؤية منهجيّة
4ـ6
التقنين وسيلة عصريّة هامّة من وسائل التجديد
الزام كافة المصارف الإسلاميّة بالآراء المقنّنة
يحقق حلم الوحدة
الإسلاميّة في المجال الاقتصاديّ
التقنين المنشود وسيلة علميّة من وسائل التجديد
في الفقه الإسلاميّ
قراءة ـ أحمد بن سعيد الجرداني: نظراً لتطور
الحياة المتسارع طرأت الكثير من القضايا التي تستلزم من العلماء أن
يجيلوا النظر لاستخراج الحكم الشرعي، فالعلماء السابقون لم يدخروا
جهداً في إيجاد الأجوبة عما كان وقع في عصورهم، والكثير من ذلكم التراث
الضخم المبارك ينبغي أن يوظف فيما يعين على تجديد واسع وشامل لمد مظلة
الفقه الإسلامي لتشمل كل ما يحتاجه الناس من حلول لقضاياهم المعاصرة،
وما التقنين إلا ثمرة واحدة من ثمار التجديد التي برهنت خلود هذه الشريعة
العظيمة .
ومن هذا المنطلق كانت لنا هذه القراءات في بعض البحوث التي طرحت في
ندوة العلوم الفقهية في عمان السابعة بعنوان (التقنين والتجديد في
الفقه الإسلامي المعاصر) والتي نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
في الفترة من 28ـ2 ربيع الثاني 1429 هجري الموافق 5ـ8 إبريل 2008 ميلادي
والتي كانت بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس الأكبر بولاية بوشر...
ومن ظمن هذه البحوث بحث بعنوان (في التجديد والتقنين والمصارف الإسلاميّة
المعاصرة رؤية منهجيّة) للأستاذ الدكتور قطب مصطفى سانو فقد تحدثنا
في الحلقة الماضية عن تاريخ نشأة البنوك وتطورها عبر العصور واليوم
نواصل هذا الموضوع...
ترشيد مسيرة المصارف الإسلاميّة المعاصرة
وعن مدى إمكانيّة توظيف التقنين لترشيد مسيرة المصارف الإسلاميّة المعاصرة
يقول الدكتور مصطفى سانو: لقد أسلفنا القول بأنّ التقنين يروم في بعده
الشكليّ المظهريّ إعادة صياغة الآراء والاجتهادات الفقهيّة في شكل
مواد قانونيّة مرتّبة ومرقّمة، كما يروم في بعده العلميّ الموضوعيّ
اختيار رأي من الآراء الاجتهاديّة وصيرورة ذلك الرأي قانونا واجب الالتزام
والإلزام به في مجتمع من المجتمعات، وذلك قصد حماية المجتمع من التنازع
والتخاصم إزاء القضايا والمسائل.
كما أوضحنا قبلُ بأنّ التقنين المنشود بحسبانه وسيلة علميّة من وسائل
التجديد في الفقه الإسلاميّ فإنّه ينبغي أن يتوافر فيه أمور أربعة،
وأهمّها، أن يكون موضوع التقنين منصبا على تلك المسائل الموسومة بالمسائل
الاجتهاديّة العامّة التي تعمّ بها البلوى، وأن يترتب على التعدّديّة
في تلك المسائل العامّة إخلال بمقصد الحفاظ على انتظام أمر الأمة،
مما يعني أنّه إذا لم تكن المسألة المراد تقنينها عامّة، أو كان الاختلاف
فيها غير مخلّ بالمقصد الآنف ذكره، فإنّه لن يكون ثمة حاجة علميّة
أو موضوعيّة إلى إقحام التقنين وتوظيفه في تلك المسائل التزاما وإعمالا
للقاعدة الأصوليّة الفقهيّة القارّة: لا إنكار في مسائل الاجتهاد،
واعتدادا بأنّ الاختلاف حينئذ يغدو ـ والحال كذلك ـ مصدر ثراء وتنوع
وتطور للفكر، ولا ضير فيها البتة.
بناء على هاتين التقدمتين، نبادر إلى تقرير القول بأنّ المسائل الاجتهاديّة
التي تختلف حولها المصارف الإسلاميّة المعاصرة متعددة ومتنوعة، فبعضها
مسائل اجتهاديّة ذات طابع عامّ لا يترتب على الاختلاف فيها إخلال بمقصد
انتظام أمر الأمة في الشأن الماليّ، كما هو الحال في اختلافها في عدد
من الصيغ الاستثماريّة القديمة، وطرق تطبيقها من إجارة ومرابحة، واختلافهم
في مدى إلزام الوفاء بالوعد ديانة وقضاء في عقود الأمانات من مرابحة،
واختلافهم في مدى مشروعيّة ضمان المضارب مال المضاربة، وسواها، كما
أنّ بعضا آخر منها مسائل اجتهاديّة ذات طابع عام يترتب على الاختلاف
فيها إخلال بمقصد انتظام أمر الأمة في الشأن الماليّ، كاختلافهم في
مدى مشروعيّة إيداع الأموال الإسلاميّة في المصارف الربويّة الصرفة،
أو في المصارف الربويّة غير الصرفة، واختلافهم في مدى مشروعيّة قبول
الفوائد البنكيّة من الأموال المودعة في المؤسّسات الماليّة الربويّة
داخل وخارج الديار الإسلاميّة، واختلافهم في مدى مشروعيّة اقتناء البيوت
والمساكن عن طريق التمويلات المصرفيّة الربويّة، واختلافهم في مدى
مشروعيّة افتتاح نوافذ إسلاميّة في المصارف الربويّة التقليديّة الصرفة،
واختلافهم في مدى انطباق الربا المحرم على القروض الإنتاجيّة، واختلافهم
في مدى تحريم الربا في دار الحرب، واختلافهم في مدى انطباق الربا المحرّم
على بعض صور الفوائد البنكيّة كالحسومات والخصومات المتحصلة من الشيكات
وسواها الخ..
إنّ اختلاف الباحثين في المصرفيّة الإسلاميّة إزاء هذه المسائل المشار
إليها نخالها اختلافا في مسائل اجتهاديّة عامّة يترتب على الاختلاف
فيها إخلال جليّ بمقصد انتظام أمر الأمة في الشأن الماليّ، كما يترتب
على الاختلاف فيها إخلال في المقصد الكليّ المتمثل بحفظ المال، إذ
إنّ هذا الاختلاف في مآله يفضي إلى أن تكون في المجتمع طوائف يتحاملون
على بعضهم البعض، فطائفة لا ترى محظورا في تعاطي المصارف الإسلاميّة
تلك المعاملات والبياعات، وطائفة أخرى ترى تعاطيها مخالفة صارخة لأمر
الشرع في الشأن المالي، وتعاملا جريئا بالربا المحرّم الذي توعد الله
متعاطيه بحرب منه وحرب من رسوله الكريم ـ عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
ومن ثم، فإنّ التجديد في باب المصرفيّة الإسلاميّة يتحقق بتوظيف التقنين
في هذه المسائل لاختيار تلك الآراء التي يلزم بها الرعيّة في مجتمع
من المجتمعات استنادا إلى رعاية مصلحة زمنيّة يقدّرها ولي الأمر الحاكم
بأمر الله، فما اختاره، قنّن، ووجب على الرعيّة ـ كما أسلفنا ـ العمل
بذلك الرأي المختار دون خجل أو وجل. وبطبيعة الحال، لا يحقّ لطائفة
أية طائفة أن تعتبر ما يختاره الحاكم من رأي من تلك الآراء المختلف
فيها خروجا على شرع الله، أو تهاونا في شأن الربا والبيوع المنهي عنها،
ذلك لأنّ هذه المسائل تندرج ضمن المسائل المختلف فيها، ولا يصحّ لأحد
ـ عند محقّقي المتفقهة والأصوليّة ـ الإنكار على المخالفين فيها، بل
إنّ للحاكم باتفاق عامّة النظار والمحقّقين من أهل العلم بالفقه والأصول
والمقاصد أن يرفع الخلاف فيها باختياره أحد الآراء استنادا إلى رعاية
المصلحة الزمنية المعتبرة.
المسائل الاجتهاديّة
وحول المسائل الاجتهاديّة الأخرى التي لا يترتب على الاختلاف فيها
إخلال بمقصد انتظام أمر الأمة في الشأن المالي ـ كما أسلفنا ـ ولا
بمقصد حفظ المال يقول : إنّه لا حاجة إلى توظيف التقنين فيها، بل ينبغي
أن يفسح المجال فيها للاجتهادات المتجددة في ضوء ما يطرأ على الساحة
من تغيرات وتحولات.
على أنّه من الحريّ بالتقرير يمكن الانتقال بالمسألة التقنينيّة من
الدائرة القطريّة في المسائل الماليّة بحيث يغدو ثمة تقنين للمسائل
الماليّة في المصارف الإسلاميّة بغض النظر عن مواقعها في الأقطار،
ويتمّ تقنين الآراء وفق أسس منهجيّة معتبرة، ثم إلزام كافة المصارف
الإسلاميّة بتلك الآراء المقنّنة تحقيقا لحلم الوحدة الإسلاميّة في
المجال الاقتصاديّ في المرحلة الراهنة، وتضييقا لدائرة الفجوة والجفوة
بين المصلّيين في المسألة الماليّة، وتخفيفا لحالة الرهق الفكريّ،
والتناقض الذهني الذي يعيش فيه الإنسان المسلم العاديّ إزاء مختلف
المسائل الماليّة وخاصّة المتصلة بالمصارف الإسلاميّة. وعليه، فإنّ
الحاجة تمسّ اليوم إلى توظيف التقنين للقضاء على العديد من تلك الاختلافات
الشائعة بين المصارف الإسلاميّة نتيجة اختلاف الفقهاء في الاجتهادات
الفقهيّة المتصلة بالعقود والمعاملات التي تمارسها المصارف في مختلف
الدول الإسلاميّة.
إنّ على المصارف الإسلاميّة أن تعمل جاهدة من أجل القضاء على تلك الاختلافات
وخاصّة منها تلك الاختلافات التي تأتي على فكرة المصرفيّة كلها بالتقويض
والتدمير، ولا بدّ لها من السعي الدؤوب من أجل التقريب بين الممارسات
والتطبيقات المنتشرة للبياعات والعقود والمعاملات الماليّة.
وبطبيعة الحال، لا بدّ من الإشادة في هذا المقام بما يقوم به عدد غير
قليل من المؤسسات الرائدة التي أنشئت من أجل تحقيق تقارب وتوحيد في
تطبيقات المصارف للبياعات والعقود من المنظور الإسلاميّ، وتأتي على
تلك المؤسّسات، هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسّسات الماليّة الإسلاميّة
بالبحرين، حيث إنّ ثمة جهودا مباركة بذلتها ولا تزال تبذلها هذه الهيئة
من أجل التقريب بين المؤسّسات الماليّة التجاريّة، غير أنّها لقلّة
إمكاناتها، لا تزال جهودها في مجال صياغة المعايير الشرعيّة والحسابيّة
محدودة التأثير، ولا تحظى معاييرها بأي مستوى من الإلزام على مستوى
المصارف في العالم الإسلاميّ، ذلك لأنّها ليست هيئة حكوميّة ملزمة،
ولا تمثّل ـ بأي حال من الأحوال ـ جميع المصارف الإسلاميّة، وبالتالي،
فإنّ المعايير التي أصدرتها لا تعدّ ملزمة على المصارف الإسلاميّة
التجاريّة، فضلا عن أنّها لا تملك أدنى سلطة لإلزام أيّ مصرف إسلاميّ
بالعمل بتلك المعايير.
وثمة هيئة أخرى تعمل في مجال تقنين أعمال المصارف المركزيّة في العالم
الإسلاميّ، وتعرف بمجلس الخدمات المصرفيّة بماليزيا، وقد نشط هذا المجلس
في الآونة الأخيرة، واستطاع في فترة وجيزة أن يحقق قفزة في التقريب
بين المصارف المركزيّة في العالم الإسلاميّ سعيا إلى توحيد تطبيقاتها
للعقود والبياعات والمعاملات الماليّة التي تمارسها هذه المصارف؛ ولا
يختلف هذا المجلس عن هيئة المحاسبة والمراجعة من حيث محدوديّة التأثير،
والالزام لذات الأسباب التي سبقت الإشارة إليها.
ومهما يكن من شيء، فإنّ الحاجة تمسّ إلى تقنين المصارف الإسلاميّة
المعاصرة تخفيفا للتفاوت والتباين بينها من حيث مواقفها تجاه العديد
من العقود والبياعات والمعاملات الماليّة التي تمارسها.
وتحقيقا لتقنين رشيد لهذه المصارف، فإنّنا نرى أنّه ينبغي البدء ببلورة
مرتكزات علميّة منهجيّة يتم من خلالها اختيار تلك الآراء والاجتهادات
الفقهيّة للتقنين، فالإلزام، وهذا ما سيتصدّى له المبحث الأخير القادم.
مرتكزات توظيف التقنين
ويتطرق الدكتور في مبحثه حول مرتكزات توظيف التقنين في مجال المصرفيّة
الإسلاميّة المعاصرة قائلاً: لئن تجلى لنا أهميّة توظيف التقنين في
مجال المصارف الإسلاميّة، ولئن أوضحنا بعضا من تلك المسائل التي يمكن
للتقنين أن يلجها قضاءا على آفة الاختلاف المخل بمقصد انتظام أمر الأمة
في المسائل العامّة التي تعمّ بها البلوى، ولئن قرّرنا قبلُ بأنّ التقنين
وسيلة عصريّة هامّة من وسائل التجديد في الفقه، والعقيدة، والتربية
والسلوك، والفكر، والسياسة، والاجتماع، والاقتصاد، وسواه، لذلك، فإنّه
حريّ أن نسلّط مزيدا من الضوء على المرتكزات التي ينبغي الاعتداد بها
عند إرادة تقنين رأي من الآراء والاجتهادات الفقهيّة المتصلة بالشأن
الماليّ عموما وبالمصرفية الإسلاميّة خصوصا؛ ونبادر إلى تقرير القول
بأنّنا نروم بمرتكزات توظيف التقنين في هذه الدراسة تلك المبادئ المنهجيّة
والمنطلقات الفكريّة التي يجب أخذها بعين الاعتبار عند اختيار رأي
من بين الآراء الاجتهاديّة الواردة في مسألة اجتهاديّة من مسائل المال
والأعمال، وصيرورة ذلك الرأي المختار قانونا يلزم به في العصر الراهن،
وتتلخص تلك المبادئ في نظرنا في ثلاثة، وهي:
المبدأ الأول: تحكيم مقاصد الشرع الخاصّة في المعاملات في الآراء الفقهيّة
المبدأ الثاني: الموازنة بين المنافع والمفاسد المترتبة على الآراء
الفقهيّة
المبدأ الثالث: الاعتداد بمآلات الأفعال عند العمل برأي من الآراء
الفقهيّة
وحريّ بنا أن نسلّط الضوء على كل واحد من هذه
المبادئ الثلاثة وذلك في الحلقة القادمة باذن الله تعالى ....
أعلى
حنانيك يا غزة الصمود
حنانيك يا غزة أنت الصمود والرباط.. حنانيك يا
غزة أنت الحب والصبر.. حنانيك يا غزة أنت الفخر والعز.. إني رأيتك
شعباً مجاهداً.. ورأيت أهلك رهن أصابع أرضهم.. فلقوا صواريخ العدو
بصدورهم وأرواحهم الطاهرة.. أنت يا غزة لم تقصفِ اليوم فقط، بل توالت
عليك الأزمان، وعد بلفور المشؤوم 1917م، و1948م، و1967م... واليوم
2008ـ2009م، فما عاد يهيبك قصف ولا دمار.. أنت يا غزة أصبح القصف أهازيج
سمائك.. وأضحت دماء أبطالك ماء ترابك...
أطفالك رجال أبطال.. وشيوخك قادة شجعان.. ونساؤك مجاهدات شهيدات..
وشبابك رهبان بالليل فرسان بالنهار، هم عز الأمة وتاجها، وروح الإنسانية
ونبضها، وفخر الحياة ومجدها.
أنت يا غزة صانعة أبنائك.. لم تهزهم كلمات الحقد اليهودي.. ولم ترعبهم
دبابات الخراب الصهيوني، ولم توهن عزائمهم طائرات وقنابل ظالمة.. بل
ارتقت ضمائر أبنائك يا غزة ولسان حالهم ومقالهم لن تفلتوا من عدالة
الكبير المتعال يا أعداء الدين.. نعم كل ذلك زادهم حماسا إلى حماسهم..
وأوقد النخوة في هممهم.. وآمالهم بالله تعلو وتعلو.. وثقتهم بربهم
تزداد وتقوى، وإيمانهم بخالقهم سبحانه يرتسخ رسوخ الجبال الشامخة كيف
لا؟! وقد نُقش قول الله تعالى على قلوبهم: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا
وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون)
يا أيها الشهيد قد كان صنيعك مغروساً في الوجدان، ووجهك محفوراً في
سماء الانتصار.. يا شهداء غزة " 900 " إني قرأت دمكم قديسا
عروساً، ورأيت عجين دمكم بتراب الوطن لتعطره مسكا زكيا، وقلت: يا روح
اصبري واصمدي فأنتِ فداء لغزتي وقدسي, وشعرت بروحكم تشتاق إلى الجنان
طمعاً في حوصلة الطير في عليين.. إنها سلعة الله الغالية.. إنها السعادة
الأبدية.
يا غزة النصر هل أبكيك بعد اليوم دمعاً ودماءً ؟! أم أرفع أوسمة الشرف
فخراً وابتهاجاً؟! يا غزة أنت ورد أحمر قاني يفوح عبقاً من طيب ثراك،
ويبدو لي طينك شعرا وترانيما أينعت زهرا.. أنت لن تهزمي والنصر آت
آت بإذن الله تعالى على رغم أنف الحاقدين، وكيد الكائدين، ففيك من
قال فيهم الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: " لا يزال رجال
من أمتي على الدين محافظين, لعدوهم ظاهرين, لا يضرهم من آذاهم, وهم
في رباط إلى يوم الدين" أنت يا غزة لك فجر بازغ متلألأ يتجلى
في آيات الذكر الحكيم، فقال عز من قال: " ولا تهنوا ولا تحزنوا
وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين " فأنتم المعالي وأنتم النصر لأنكم
مؤمنون..
حنانيك يا غزة الفخر فلأحداثك العاصفة أرحام ولدت كلمات لها ألف معنى
لتترجم على أحرف لها وقع وأنين وحسرة على قلب الدهر يختلج الفؤاد..
يا غزة هاشم ما أحلى النصر بعون الله تعالى.. يا غزة لك كل العزة في
يوم قصفك الحزين, واليوم نعود إليك وجمر الشوق صاعد لا يحتمل, ينسج
خيوط الفداء, ويسجل بأنفاسنا ثمن الحرية, والله جل ثناؤه يتكفلك يا
غزة القسام بنصره المبين المؤزر..
يا غزة أنت ضمير الحق.. أنت خط الدفاع الأول عن العزة والكرامة والأمة..
والله ستبقين في وجداننا وأرواحنا فألمك هو ألمنا.. ومعاناتك هي معاناة
المسلمين وجميع الأحرار في العالم ،وأنتم يا أهل غزة من اختاركم الله
لتقديم أرواحكم ودمائكم شرفا ودفاعا وحماية عن الأقصى والإسلام، فأي
فخر، وأي شرف، وأي وسام أعظم من ذاك؟!
حنانيك يا غزة الحب والوفاء، إذا خانتني أحرفي.. فأنت جرح جبيني أهدهده
ببعض دموعي, ولهج دعائي, وفي ضمير القوافي ثار بركاني.. أعاهدكم يا
أبطال النصر القادم بروحي ودمي, فطين أرضكم فيض من عباراتي..
عـذرا من ترابـــكم..
عائشة بنت يوسف بن إبراهيم السرحنية
أعلى
|