الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
أشــرعــة

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 

 





فتاوي وأحكام


السؤال
البعض يقرأون كتباً معينة فيحسون أنهم حازوا من العلم ما يناطحون به العلماء ويثيرون بذلك بلبلة في أوساط أهل العلم ، فما هي نصيحتكم لهؤلاء ؟

الجواب :
أولاً قبل كل شيء من واجب طالب العلم أن يتواضع ، وأن يعرف قدره ، وأن يقف عند حده ، وقد أجاد الشاعر عندما قال :
من لم يقف عند انتهاء قدره *** تقاصرت عنه فسيحات الخطا
والتواضع إنما هي صفة المؤمن ، المؤمن لا يتعالى ولا يتكبر ، التكبر إنما هو من صفات الكفار ومن صفات المنافقين ، ومع هذا فإن الذي يحذر عقاب الله تعالى وسخطه عليه لا بد من أن يمنع لسانه فلا يطلقها حتى تلغ في حرمات الناس وفي أعراضهم ، ولئن كانت للناس حرمات عامة وللمسلمين حرمات خاصة فإن للعلماء حرمات أخص فيجب أن تراعى هذه الحرمات وأن لا يتطاول عليهم السفهاء والأوغاد ، إنما مثل هؤلاء كما يقول الشاعر

ومنزلة الفقيه من السفيه ** كمنزلة السفيه من الفقيه
:
فهذا زاهد في قرب هذا ** وهذا منه أزهد منه فيه

إذا غلب الشقاء على سفيه** تنطع في مخالفة الفقيه

وقد أجاد في هذا الإمام نور الدين السالمي رحمه الله تعالى إذ نظم معنى البيت الأخير فقال :

إن غلب الشقاء على سفيه *** أبدى تنطعاً على الفقيه

وعليهم أن يدركوا أن الفتيا أنما العاقل يتجنبها بقدر استطاعته إن وجد من يكيفه إياها ولو بلغ ما بلغ من مقامات أهل العلم ومنازلهم فإنه يتمنى أن يجد الكفاية من قبل غيره ، ولا يجرؤ على أن يفتي برأيه ومن تلقاء نفسه .

أولاً قبل كل شيء الإنسان مأمور بأن لا يقدم على أي أمر كان إلا ببينة وبصيرة ، الله تبارك وتعالى يقول ( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الاسراء:36) ، وقد قرن الله تبارك وتعالى التقول على الله بغير علم بالإشراك به عندما قال ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:33) ، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : ( من أفتى مسألة أو فسّر رؤيا بغير علم كان كمن خر من السماء إلى الأرض فصادف بئراً لا قعر لها ولو أنه وافق الحق ) .


وصحابة الرسول صلى الله عليه وسلّم مع علو أقدارهم وعظم شأنهم واشتراكهم جميعاً في الفقه كانوا يتدافعون الفتيا خوفاً وإشفاقاً على أنفسهم فكيف بأمثالنا .

نحن لم نجد بداً من أن نجلس في هذا المجلس ونجيب على الأسئلة وإلا فكم نتمنى أن يكفينا هذا الأمر العلماء الربانيون الراسخون في العلم الذين هم أولى بهذا الأمر منا .

وطلبة العلم عليهم واجب أن يرعوا أقدار العلماء وألا يتطالوا على العلماء وأن يقفوا عند حدودهم . طالب العلم عليه أن يدرك أنه طالب فلا يتطاول على العالم فضلاً عن تطاوله على حكم الله تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه وسلّم ، كأين رأينا من أحد يتطاول على أحكام الله وعلى أحكام رسوله صلى الله عليه وسلّم ثم إذا به من بعد ينقلب على عقبيه ويصبح في عداد الملاحدة الكفرة ثم يقضي الله تبارك وتعالى عليهم بما هم له أهل .

أنا بنفسي حضرت أحد المؤتمرات وقد تطاول متطاول ، وهذا المتطاول كثيراً ما كان يلبّس على الناس من خلال بعض المقالات التي ينشرها ومن بعض التمويهات التي يحاول أن يلبّس بسببها على عقول الناس ، سمعته يتطاول وهو على منصة ذلك المؤتمر على حكم الرجم للمحصن ويقول بأن الرجم فرية وأن أي أحد لا يمكن أن يؤخذ قوله ما دام هنالك دليل من القرآن يدل على خلاف قوله ، معنى ذلك يريد أن يرد السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام بما يزعمه دليلاً من القرآن الكريم ، هو لم ينظر إلى أن السنة تخصص عمومات القرآن وهذا مما وقع إنعقاد الإجماع عليه فقال هذا الذي يقوله القرآن ( سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر)(النور: 1-2 ) .

ثم قال : وهل يبقى إسلام لأحد يقول في أمر قال الله تبارك وتعالى فيه بأنه مبين وأنه مفروض وأنه أنزل فيه آيات بينات ؟ هل يبقى إسلام لمن يقول بأنه مع ذلك يحتاج إلى بيان من جهة أخرى ؟ يريد بهذا إنكار السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام .

ولكن كانت عاقبة ذلك أن الرجل بعد مدة ليست بالطويلة كشف عن حقيقة نفسه وأسقط قناعه عندما نشر رسالة بثها في الآفاق مدّعياً أنه رسول الله وأنه هو الذي يشير إليه القرآن الكريم في قوله تبارك وتعالى ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّه)(آل عمران: من الآية81) ، وقال بأن هذه الآية تعنيه هو أنه الرسول الذي يأتي بعد النبيين مصدقاً لما معهم ، وحاول أن يلبّس على الناس من خلال بعض الكلمات التي كتبها فيما يدل على إعجاز القرآن الكريم حسب تصوره هو من حيث الأرقام ، ولكن الله تبارك وتعالى قطع دابره فبعد مدة قضى الله تعالى شأنه على يد من أراد من عباده .

هكذا شأن أولئك الذين يتطاولون على الله ويتطاولون على أحكامه ويريدون أن يبدعوا في دين الله تبارك وتعالى ما لم يأذن به الله ، والله تعالى المستعان .

يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة

 


أعلى





في الهجرة النبوية نقلة إلى العالمية
محمد جول : الهجرة شكّلت حدثًا تاريخيًّا استثنائيًّا تمثّل بانتقال الإسلام من المجال الخُصُوصي إلى الفضاء العام
ـ التقويم الهجري يؤسس لهويةٍ فريدة تستند إلى مفهوم التوحيد
ـ الحادثة تذكِّر المسلم بالنّموذج الإسلامي الرّفيع الذي قام في المدينة على أسسٍ أخلاقيّةٍ رفيعة تنبني على مبادئ الحوار والاختلاف والتسامح
ـ الاحتفال بهذه المناسبة لا يتجاوز حدّ الطقس والعادة وإنما الدخول في معانيها السامية من خلال تجديد العقد بين العبد وربه

ـ حدث الهجرة تنبيه للمسلم إلى أهمية الأخذ بالأسباب مع الاعتماد والتوجه إلى خالق هذه الأسباب
ـ العودة إلى المنهج الإسلامي سبب في قوة الأمة الإسلامية

حاوره ـ أحمد بن سعيد الجرداني
في هذه الأيام المباركة من العام الهجري الجديد وفي حدث هام للمسلمين والعالم بما تمثل هذه المناسبة الجليلة من فيوضات العزة والمكانة ، فمنذ نشأت المدينة والفتوحات الإسلامية تغير مجرى التاريخ بها؛ حيث أصبح للأمة الإسلامية كيان في هذا العالم ، ولهذا فهل المسلم راجع نفسه وهو يودع عاما ويستقبل عاما جديدا ؟
حول هذا كان لنا هذا الحوار مع الكاتب والباحث التركي في (قضايا الفكر الإسلامي) .. محمد زاهد جول..

الحدث التاريخي الاستثنائي
يحتفل المسلمون كل عام بالهجرة النبوية الشريفة، كيف يراجع المسلم نفسه عما بدر منه من أعمال في العام الماضي؟ وكيف يحيي هذه المناسبة الجليلة؟

لا شكَّ بأن الهجرة النّبوية الشّريفة إحدى المناسبات الإسلاميّة الجليلة، والتي كان لها أثرٌ بالغٌ في مسيرة الدّعوة الإسلاميّة، فقد شكّلت حدثًا تاريخيًّا استثنائيًّا تمثّل بانتقال الإسلام من المجال الخُصُوصي إلى الفضاء العام، فبعد أن كانت الدّعوة الإسلاميّة محصورةً في الزّمان والمكان المكيّ أصبحت منطلقًا للدُّخول في أفق العالميّة والكونيّة، إذ على الرّغم من أهمية الدّعوة في المرحلة المكية والتي استغرقت ثلاثة عشر عامًا، والتي عمل النبي محمد عليه الصلاة والسلام خلالها على ترسيخ معاني الإيمان والاعتقاد إلا أن المرحلة المكية إلى المدينة المنورة شكَّلت انقلابًا في موازين القوى عمل على نقل الإسلام من المجال العقدي الذهني إلى المجال التشريعي الواقعي، وذلك من خلال جملة الأحكام الشرعية التي نظمت علاقة المسلم بربه وعلاقة المسلم بغيره، الأمر الذي أفضى إلى قيام دولة المدينة، والتي شكلت "وثيقة المدينة" دستورها ومنهجها.
ولعلّ الاحتفال بهذه المناسبة العطرة يحفز على إعادة النّظر لدى المسلم في جملة اعتقاداته وسلوكاته المختلفة، فالهجرة وما ترتّب عليها من نتائج جليلة تذكِّر المسلم اليوم بالنّموذج الإسلامي الرّفيع الذي قام في المدينة على أسسٍ أخلاقيّةٍ رفيعة تنبني على مبادئ الحوار والاختلاف والتسامح، ومن المعروف بأن أحد معاني الهجرة هو هجر المعاصي والذنوب التي يتلبس بها الإنسان في حركته الوجودية، ولذلك فإن مناسبة الهجرة النبوية تدفع المسلم باعتباره مكلَّفا على التلبس والتخلق بالمعاني الإسلامية السمحة والابتعاد عن سائر المعاصي والذنوب التي تنحط بالإنسان إلى رتبة البهيمية، وفي هذا السياق فإن الاحتفال بهذه المناسبة لا بدّ أن يتجاوز حدّ الطقس والعادة وذلك من أجل الدخول في معاني الهجرة السامية من خلال تجديد العقد بين العبد وربه حتى يحقق معنى العبودية التي تورث التقوى كمقصدٍ أساسيّ من مقاصد التكليف.

س ـ للهجرة النبوية دلالات ومعان نبيلة ما هي؟

لا يخفى على أحدٍ اليوم ممن شغل بأمانة التكليف أن الهجرة النبوية تحتوي على دلالات ومعانٍ سامية لا حصر لها، إذ أن الهجرة بدلالتها الأولية تعني الانتقال من مكانٍ إلى آخر، وهذه الحركة المكانية التي تجسدت تاريخيًّا بانتقال النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام من مكة إلى المدينة تمت بإذن إلاهيّ على الرغم من أنه سبقها هجرةٌ لبعض الصحابة إلى الحبشة بإذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك فإن الهجرة جاءت امتثالا للأمر الإلهي، وهو الأمر الذي ينسجم مع سنن الله الكونية إذ لا خلاف بين السنة الشرعية والسنة الكونية؛ فسنن التغيير تتبع مسارًا لا بُدّ لكلّ مشتغلٍ بالدعوة من إدراكه والسير على هداه.
وإذا كانت الدلالة المادية ظاهرة في مفهوم الهجرة، وذلك عبر الانتقال مكانيًّا فإن الدلالة المعنوية ظاهرةٌ كذلك لمن تدبّر معنى الهجرة في اللغة واللسان والإسلام؛ فالهجرة معنويًا تتمثل بهجر الذنوب والمعاصي، والالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى بالثبات على العهد والميثاق بين الإنسان وخالقه، كما أن الهجرة فرضت واقعًا جديدًا تمثل بقيام الدولة الإسلامية، وما ترتب عليها من معاني وأحكام، إذ لم تعد الهجرة المكانية المخصوصة بالانتقال من مكة إلى المدينة عامة، وإن بقيت الهجرة مفتوحة في الزمان إذا تكررت الظروف والمناسبات، إذا "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية" وجهاد الإنسان لعدوه ونفسه وشيطانه باقٍ إلى يوم القيامة، ولعل هذا الأمر هو أحد أهم معاني الهجرة التي لا بُد للمسلم من تذكرها والاستئناس بمعانيها الجليلة.

الأخذ بالأسباب

س ـ هاجر الرسول محمد ـ عليه الصلاة السلام ـ إلى يثرب بإذن من الله تعالى فعلى هذا، إن الله تعالى قادر أن يرسل له وسيلة تنقله إلى المدينة في لمح البصر ولكن هناك حكمة من الله ما هي؟
لا شك بأن الهجرة من مكة إلى المدينة كانت بإذن من الله سبحانه وتعالى، وقد تمّ ذلك من خلال اتباع السنن الكونية التي تنطبق على المسلم وغيره، ولا شك كذلك بأن الله سبحان وتعالى قادرٌ على توفير وسائل لا حصر لها لإتمام الهجرة كما حدث في حادثة الإسراء والمعراج، إلا أن المقاصد الإلهية جاءت كي تكون حادثة الهجرة لا تخرج عن إطار السنن الكونية، وفي ذلك عبرٌ ومقاصد وحكم ومعان جليلة، وفي مقدمتها تنبيه المسلم إلى أهمية الأخذ بالأسباب مع الاعتماد والتوجه إلى خالق هذه الأسباب، فمن المعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذ بكافة الأسباب التي تساهم في نجاح الهجرة بدءً من التكتم والتمويه الشديد والإعداد المديد والعمل الجهيد، ولعل جملة القصص التي واكبت الهجرة تدل دلالةً واضحة على أهمية الأخذ بالأسباب، كبيات علي بن أبي طالب في فراشه ليلة الهجرة، وإعداد الراحلة والصحبة مع أبي بكر، واستئجار عبد الله بن أريقط، كدليل خبير في الطرق المؤدية إلى المدينة وغيرها من الوسائل والأدوات، فالحكمة الأساسية من اتباع الوسائل الكونية تؤشر على أهمية الأخذ بالأسباب كأحد المقاصد الإلهية في التكليف، حتى لا تبقى لإنسانٍ حجةٌ للتذرع بمحض المعجزة في تحقيق الإنجازات العظيمة.

العودة إلى المنهج الإسلامي
س ـ في هذه الأيام العصيبة الدقيقة المريرة وفي ذكرى الهجرة النبوية تعاني الأمة من التشتت والفرقة وتكالب الأعداء عليها كيف المخرج من ذلك؟

لا شك بأن الأمة الإسلامية اليوم تتعرض لحصارٍ وتضييقٍ خارجيٍّ مكثّفٍ، كما أنها تعيش في واقعٍ من التفرق والتمزق، ولعل المخرج من هذه الأزمة إنما يكون بالعودة إلى المنهج الإسلامي الذي كشفت الهجرة النبوية عن أحد مصادر قوّته وقدرته، فالناظر في حال الإسلام في الفترة المكية ومدى الحصار والتضييق الذي تعرض له الرسول الكريم والصحابة رضي الله عنهم، يرى تشابهًا بين الحالتين، وإذا كان الإسلام استطاع أن يخرج من الحصار الأول فإنه قادر بلا شك على الخروج من الحصار الحالي، وذلك باتباع المنهج النبوي القويم الذي استطاع أن يوحد الأمة لتصبح خير أمةٍ أخرجت للناس، ولا عذر اليوم مع توافر الإمكانات من التذرع بالضعف والتفرق، وذلك بإعادة الفاعلية إلى مجال العمل الإسلامي على أسسٍ علمية رصينة وقواعد أخلاقية متينة في وقتٍ يعاني منه العالم أجمع من أزمات مالية ومادية ومعنوية وروحيةٍ جمة، فالعودة إلى الإسلام ليست عودةً ماضوية، وإنما تقدمًا مستقبليًّا يحرر الإنسان من العبودية للأوثان المعاصرة، ويدخله في أفق الحرية المسؤولة التي تنبني على أسس الأخلاقية الإسلامية وحداثتها الأخلاقية التي تعمل على إعادة الاعتبار لعلاقة الإنسان بالله وعلاقة الدنيوي بالأخروي.

سلخ الأمة عن تاريخها
ـ بما أننا تطرقنا إلى الطرق التي من أجلها تتوحد الأمة ، إذاً ماذا يشكل التاريخ الهجري لها ؟

لعل من مظاهر التبعية التي يعاني منها العالم الإسلامي اليوم هو هجر التقويم الهجري، واتباع التقويم الميلادي، إذ لا نظفر اليوم إلا ما ندر من يتبع التقويم الإسلامي في التاريخ لمجمل الحوادث، ولعلّ غياب استخدام التقويم الهجري أحد المظاهر السلبية التي أدت إلى غياب تدبر معنى الهجرة، وقد تنبه الاستعمار إلى أهمية سلخ الأمة عن تاريخها باستبعاد هذا التقويم الأصيل، واستبداله بالتقويم الميلادي الذي يعبّر عن الهيمنة الغربية إذ لا يحمل هذا الاستبدال معنى رمزيا وإنما يتساوق مع المعنى المادي، ولا بد من إعادة الاعتبار للتقويم الهجري، وذلك حتى يصبح حاضرًا ومؤشرًا على أصالة الأمة الإسلامية وتمسكها بتراثها وحضارتها وقيمها، فالتاريخ الهجري ينبني على رؤيةٍ لدى الأمة الإسلامية تؤشر على استقلالها بدل استلابها، ويدل على أصالتها بدل تبعيتها، وحريتها بدل عبوديتها، فالتاريخ الهجري مسألةٌ أساسية في مسألة الهوية، وليست مسألةً شكلية إجرائية، فلا يخفى على أحدٍ أن التقويم الهجري يؤسس لهويةٍ فريدة تستند إلى مفهوم التوحيد، فقد ربط الشارع سائر أحكام المكلف بالتقويم الهجري في معاملاته وعباداته.

فقدان الثقة بالهوية الإسلامية والانبهار بالغربية

ـ ما دوافع إهمال التاريخ الهجري من قبل المسلمين ؟

إن إهمال بعض المسلمين لاستخدام التقويم الهجري في تواريخهم وسائر معاملاتهم جاء كنتيجةٍ طبيعيةٍ للتخلف وابتعاد المسلمين عن دينهم وعقيدتهم وهويتهم، فكما هو معلوم فإن الدعوة إلى التغريب والالتحاق بركب الحضارة الغربية هو أحد الدوافع التي حملت جملةً من المثقفين والمفكرين إلى التخلي عن الإسلام جملةً ومن ضمنه التقويم الهجريّ، ولعل هذا التخلي جاء نتيجةً لفقدان الثقة بالهوية الإسلامية من جهة والانبهار بالهويات الغربية من جهةٍ أخرى.

الأحكام الشرعية

صورة عامة حول الأحكام الشرعية المترتبة على التاريخ الهجري؟

لا يخفى على مسلم بأن مجمل الأحكام الشرعية في الإسلام ترتبط بالتقويم الهجري ابتداءً بالعبادات وانتهاءً بالمعاملات؛ فقد حظر الجهاد في الأشهر الحرم، كما أن الصوم فرض في شهر معلوم وهو رمضان، وأشهر الحج معلومة (الحج أشهر معلومات)، والزكاة ترتبط بالحول "السنة الهجرية"، وهكذا في كثير من العبادات والمعاملات التي فصلها العلماء في كتب الفقه.

هل من كلمة أخيرة في نهاية هذا اللقاء؟

نهنئ الأمة الإسلامية عامةً وشعب السلطنة خاصة بحلول العام الهجري الجديد سائلين المولى جل وعلا أن يكون العام الجديد بدايةً لنهضةٍ إسلاميةٍ تعيد للأمة أمجادها وعزّها، وأن تخرج الأمة من كبوتها كي تقود مشعل الحضارة والتّقدم كما كانت في سابق عهدها.


أعلى





من إصداراتنا العربية
صدق اللجوء إلى الله وأثره في إجابة الدعاء

عرض ـ مبارك بن عبدالله العامري:عند معايشة كتاب الله والخشوع والتدبر في آياته المباركة يجد المسلم العلاج والبلسم الشافي في آيات كتاب الله التي تجعله بعيدا عن الهم والحزن، عندما يقرأ آية من آيات الله يعيش في جو إيماني يحس بسعادة غامرة، وجاء كتيب صدق اللجوء وأثره في إجابة الدعاء للمؤلف الأستاذ الدكتور سيد محمد ساداتي الشنقيطي يحمل بين أوراقه صدق اللجوء إلى الله وفضل الدعاء في حياة المسلم الكتيب صدر عن مكتبة دار الحضارة الإسلامية ويقع في 63 صفحة.
في بداية هذا الكتيب تطرق المؤلف في المبحث الأول من هذا الكتيب إلى مكانة الدعاء من العبادة: الدعاء ذو منزلة عظيمة في الدين بينها الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث بقوله (الدعاء هو العبادة، وبه أمرنا الله جل جلاله بقوله (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) غافر الآية 60 وقوله جل جلاله (هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )(غافر 65) وهو سبحانه المجيب للدعاء كما في قوله تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (186البقرة ) وحث عليه جل جلاله وبين أنه سبيل للرشاد فقال (فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)(البقرة 186) وأخبر أنه سبحانه وتعالى هو وحده الذي يجيب دعوة المضطر بقوله( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ) (النمل 62) وقد وصف سبحانه وتعالى الذين لا يدعونه بأنهم مستكبرون عن عبادته وأن مصيرهم النار وذلك في قوله سبحانه وتعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)(النمل 60) وأخبر سبحانه وتعالى أن من خصائص الرسل والأنبياء الصالحين أنهم يدعونه سبحانه وتعالى رغبا ورهبا وإذا فأمر هذه مكانته في الدين لا يعدل عنه إلا من خذله الله وحرمه من أنفع الأمور في تحقيق خيري الدنيا والآخرة ، ولما كان الدعاء بهذه المنزلة العظيمة في الدين فإن على الداعي أن يستنفذ أسباب الاستجابة ومن أهم تلك الأسباب وأعظمها هو صدق اللجوء إلى الله وتعلق القلب به وحده دون سواه وهذا ما كشفت عنه النصوص القرآنية على الإخلاص لله في الدعاء فقال تعالى (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ )غافر14وقال تعالى (وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) يونس 22 وقال تعالى (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) النمل 62 وقال تعالى (وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ) الزمر 8 فصدق اللجوء إلى الله هو لب الإخلاص لله ، وقمة حسن الالتجاء إليه وهو أقصر الطرق لحصول على إجابة الدعاء .
وفي المبحث الثاني من هذا الكتيب أشار المؤلف إلى دعاء الأنبياء والصالحين واستجابة الله لهم قائلا: رسل الله وأنبياؤه هم صفوة الله من خلقه يقول سبحانه وتعالى (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِير)ٌ75الحج )وهم أعرف الخلق بالله ومن ثم فهم أشد الناس خشيته له وأكثرهم تضرعاً إليه(إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) (90) الانبياء وهم أكثر الناس ابتلاء لأنهم أمثل الناس ومعظم ابتلاءاتهم كانت في سبيل الله إبلاغ رسالات ربهم للناس وجهادهم في سبيله بالجنان واللسان، ولشدة صلتهم بربهم كانوا أكثر الناس تضرعاً إليه وأطهر الناس قلوبا وأزكاها نفوسا، ورد في القرآن الكريم كثرة دعائهم لربهم واستجابة لدعائهم وأولهم أبونا أدم عليه السلام حينما أكل من الشجرة بوسوسة إبليس عليه لعنة الله فلجأ إلى ربه مستغيثاً به من عدوه (وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌْ * قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ(22-23) الاعراف فكانت توبة الله عليه (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) البقرة37 (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى* ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى)121-122طه. وهذا نوح أول رسل الله إلى الأرض يستغيث بربه (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ* فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ* وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ(10-12 ) القمر وهذا أبو الأنبياء خليل الله إبراهيم عليه السلام يفزع إلى ربه (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ* فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (100-101الصافات وهذا موسى عليه السلام كليم الله يسجل القرآن كثرة دعائه ربه واستجابته جل جلاله إليه (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) القصص 16وقال تعالى(رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (القصص24) وقال تعالى (فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا)القصص 25 ومحمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين يدعو ربه يوم بدر فيستجيب الله له (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ(الأنفال 9) وهؤلاء المؤمنون عموما يدعون الله دعوات مباركات في آخر سورة آل عمران في قوله (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(191) إلى قوله جل جلاله (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ(195) آل عمران وإذاً فلقد كان صدق اللجوء إلى الله سببا مباشراً في إجابة من دعا الله سبحانه وتعالى من الأنبياء والصالحين، فهل بعد هذا يرغب عاقل عن هذا العلاج الناجع لكل كرب وكل هم وغم بل وكل داء ودواء وقد كان هذا ديدن الأنبياء والمرسلين والصالحين وبين المؤلف في المبحث الثالث من هذا الكتيب دعاء المضطرين وسرعة استجابة الله لهم فطر الله البشر على الإيمان سبحانه وتعالى فقال سبحانه وتعالى ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(الروم30 ) عندما يتعرض الإنسان للشدائد ولا يجد له نصيراً إلا الله الذي خلقه الرؤوف اللطيف البر الرحيم عندئذ يلجأ إليه في تضرع وإنابة صادقاً فلا يخيبه الله مهما كان حاله فيستجيب له يكشف ما به من ضر ويفرج كربته قال تعالى( وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ(12يونس ) وقال تعالى (وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُوراً(67) الإسراء وهكذا يسوق القرآن الأدلة والبراهين على هذه الحقيقة النفسية الإيمانية ويبين الله سبحانه وتعالى أنه هو المرجو وحده وهو القادر وحده على تفريغ الكربات والشدائد فإن السبيل الوحيد لذلك هو صدق اللجوء إليه والتضرع إليه في إنابه ومتى ما حصل ذلك من العبد كائنا من كان فإن الله يستجيب دعاءه ويكشف ما به ويفرج كربته فيجعل له من كل ضيق مخرجاً ومن كل كربة فرجا.

أعلى


 


الرسول المربي
التربية والزمن

التربية عملية شاقة بطيئة تحتاج إلى كثير من الجهد..
ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو أعظم مرب في التاريخ.. , لكنه لو واجه الألوف من أول لحظة فما كان من المستطاع أن يعطيهم كل رعايته وكل توجيه وكل تربيته كما أعطاها لتلك الحفنة القليلة المحدودة العدد فتحقق فيها على أكمل صورة وبأكمل قدر قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (سورة آل 3/110) وكان إتمام الأمر على هذا النحو متمشيا مع السنن الجارية التي يجرى بها قدر الله في حياة الناس. فلقد شاء الله - لحكمة يعلمها سبحانه - أن يجرى أمر هذا الدين كله على السنن الجارية لا السنن الخارقة حتى لا يأتي جيل من أجيال المسلمين يتقاعس ويقول: لقد نصر الأولون بالخوارق ولم تعد الخوارق تتنزل بعد ختم الرسالة وانقطاع النبوات!
كفاية التربية
يقول المتعجلون: لقد ربينا بما فيه الكفاية. وآن الأوان أن "نعمل".
وهذه القولة - على قصرها - تشتمل على قضيتين خطيرتين من قضايا العمل الإسلامي:
الأولى: هل ربينا حقاً بما فيه الكفاية؟ وما المعيار الذي نقيس به ما تم من التربية حتى اليوم، لنعرف إن كان كافياً أم إنه يحتاج إلى مزيد.
والثانية: ما نوع "العمل" المقصود، الذي يفكر فيه المتعجلون؟

زمن التربية
الزمن المطلوب للتربية هو الزمن الذي يكفل ترسيخ هذه الصفات في نفوس الفئة المختارة التي يقع عليها عبء المواجهة مع الأعداء. وهو زمن لا يستطيع بشر أن يحدده على وجه الدقة لأنه غيب. ولأن فيه جملة متغيرات تتغير النتيجة في كل مرة بحسب نوعها ومقدارها.
ينبغي أن نضع في حسابنا أن التربية لا يمكن أن تتوقف في أية لحظة فهي بذاتها هدف دائم بالنسبة للأمة حتى لو قام الحكم الإسلامي. فرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يكفّ عن تربية أصحابه حين قامت الدولة، بل استمر إلى آخر لحظة يربيهم.
وانظر مثلاً خطبته في حجة الوداع. كذلك سار من بعده من الخلفاء الراشدين على نهجه صلى الله عليه وعلى آله وسلم يربون الأمة. إنما بدأ الانحراف في الأمة حين نقصت التربية عن القدر المطلوب، وحين تحولت عن النهج المطلوب.
في جميع الأحوال إذن ينبغي أن تمضى في التربية، ونحن واثقون أنها الطريق الواصل في النهاية، حتى وإن كانت هي الطريق الشاق المجهد البطيء الطويل!
إن التربية الإسلامية التي رباها الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأصحابه جعلت منهم أمة منظمة تنظيماً دقيقاً على أساس "إنساني" لا على أساس آلي. وتلك مزية الإسلام. فهو ينظم الحياة - في جميع جوانبها - مع المحافظة على "إنسانية الإنسان" ألا يتحول إلى آلة، فيفقد العمل دلالته النفسية التي يؤدي من أجلها، بل يظل الإنسان - مع محافظته على النظام - واعياً لأهداف وجوده، مريداً لتحقيقها في كل مرة، لا مدفوعاً دفعاً آلياً إليها.
التربية مصنع إنتاجه يحتاج وقتا
كل تعجل في ميدان التربية بالذات لا يأتي بخير. لأنه يكون بمثابة إقامة بنيان على غير أساس. أو على غير أساس مكين، فكلما ارتفع كان عرضة للانهيار.
يتبع الموضوع...
سالم بن سعيد البوسعيدي

 

أعلى


 

النيرات المنيرات
خولة وأم الخير وخيرة ودرة

خولة
هي خولة (خادم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجدة: حفص بن سعيد القرشي وقد روى عن جدته خولة الحديث.
وقد قيل إنها هي التي روت حديثا عن تأخر الوحي بسبب (جرو) مات تحت سرير النبي صلى الله عليه وسلم ونصه (هو): عن حفص بن سعيد القرشي قال: حدثتني أمي عن أمها وكانت خادم النبي صلى الله عليه وسلم أن جروا دخل البيت فمات تحت السرير فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما لا ينزل عليه الوحي فقال: يا خولة, ما حدث في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ جبرائيل عليه السلام لا يأتيني , ثم خرج فقلت في نفسي: لو هيأت البيت فكنسته؟ فأهويت بالمكنسة تحت السرير, فبدا لي الجرو الميت, فألقيته خلف الدار, فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ترعد لحيته وكان إذا نزل عليه الوحي أخذته الرعدة, فقال: يا خولة, دثريني, فأنزل الله عزوجل: ((والضحى*والليل إذا سجى* ما ودعك ربك وما قلى*وللآخرة خير لك من الأولى*ولسوف يعطيك ربك فترضى)).
هذا, وقد عقب ابن عبد البر وابن الأثير أنه لا يحتج بحديثها وأن فيه نظرا فهذه السورة من أول ما نزل بمكة وقصتها معروفة.

أم الخير بنت صخر
هي أم الخير بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمية واسمها (سلمى) وهي أم أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أسلمت وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حديث عن عائشة قالت: (لما أسلم أبو بكر قام خطيبا فكان أول خطبته دعا الى الله ورسوله, فثار المشركون على أبي بكر, فضربوه ضربا شديدا.. فجاء بنو تيم فحملت أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله, لا يشكون في موته, وجعل أبوه وبنو تيم يكلمونه, فأجابهم آخر النهار.. فلم يزل يسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى حمل إليه, فأكب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله ورق عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم رقة شديدة فقال أبو بكر, يا رسول الله هذه أمي, وأنت مبارك فادع لها, وادعها إلى الاسلام لعل الله ينقذها من النار, فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاها إلى الله تعالى فأسلمت.
هذا وقد توفي أبو بكر الصديق قبل أبويه فورثاه.
خيرة بنت قيس الفهرية
ذكرها ابن حجر وقال: هي أخت فاطمة زوج سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ثم ذكر أن لها حديثا.
درة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية القرشية
وهي أخت أم حبيبة أم المؤمنين رضي الله عنها.
وقد وردت في حديث لزينب بنت أبي سلمة روته عن أم حبيبة أنها قالت لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (هل لك في درة بنت أبي سفيان؟ قال لها: فافعل ماذا؟ قالت: تزوجها، قال: (فإنها لا تحل لي). قالت: فإنه بلغني أنك تخطب بنت أبي سلمة؟ قال:( فليست تحل لي ، إنها ربيبتي في حجري، وإني وأباها أرضعتنا ثويبة ، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن).
درة بنت أبي سلمة
هي درة بنت أبي سلمة بن عبد الأسد بن عبدالله بن عمرو بن مخزوم القرشية ربيبة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهي من بنات أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها. وأولاد أم سلمة من أبي سلمة هم: سلمة وعمرو ودرة وزينب.
وقد قيل: إنها هي التي ذكرتها أم حبيبة في قولها للنبي صلى الله عليه وسلم: (إنا قد تحدثنا أنك ناكح درة بنت أبي سلمة ، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعلى أم سلمة؟ (لو أني لم أنكح أم سلمة ما حلت لي ، إن أباها أخي من الرضاعة). الحديث.

إعداد/أم الزبرجد.

 

 

أعلى


 

ركن الطفل المسلم
هجرة النبي صلى الله عليه وسلم (2)

ناصر عبدالفتاح
أقبل الليل بظلامه الدامس ووقف المشركون أمام بيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحينون لحظة خروجه للصلاة فينقضوا عليه .
وحانت لحظة الخروج .. فتح النبي صلى الله عليه وسلم باب بيته فرأى أجساما واقفة وبأيديها سيوف لامعة لكنها كانت عمياء لا تبصر .. لقد أعماهم الله عن رؤية نبيه فخرج آمنا واخترق صفوفهم ووضع ترابا على رءوسهم وهو يتلو‏:‏ ‏( ‏وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ‏ ) . ذهب النبي إلى أبي بكر وانطلقا معا في ظلمة الليل الدامس.
رد الله للمشركين أبصارهم فظنوا أن محمدا لم يخرج بعد لولا أن مر بهم رجل فسألهم :
ما تنتظرون‏ ؟
‏ قالوا‏:‏ محمدًا‏.
‏ قال‏:‏ خبتم وخسرتم، قد والله مر بكم، وذر _ وضع _ على رءوسكم التراب، وانطلق لحاجته.
قالوا‏:‏ والله ما أبصرناه، وقاموا ينفضون التراب عن رءوسهم‏.‏
نظر القوم من ثقب الباب فرأوا عليًا، فقالوا‏:‏ والله إن هذا لمحمد نائمًا، عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا‏.‏ وقام علىٌّ من الفراش.
واصل النبي صلى الله عليه وسلم ورفيقه الصديق سيرهما وقد اختارا طريقا مخالفا لطريق المدينة المعروف تضليلا لقريش حتى لا تتعقبهما .
وصل النبي وصاحبه إلى جبل ثَوْر فصعداه ولما وصلا إلى الغار الموجود أعلاه قال أبو بكر‏:‏
والله لا تدخله حتى أدخل قبلك، فإن كان فيه شيء أصابني دونك .
دخل أبوبكر الغار واستكشفه فوجد في جانبه جحرا فشق إزاره وسده به، ووجد جحران آخران فسدهما برجليه، ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ادخل .
فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأراد أن يرتاح من تعب السفر فوضع رأسه في حجر أبي بكر ونام، وأقبلت حية فلدغت الصديق لكنه لم يتحرك حتى لا يوقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفلتت دموعه من الألم فسقطت على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال‏:‏ ‏‏ " ما لك يا أبا بكر‏؟‏‏‏ "
قال‏:‏ لدغت، فداك أبي وأمي .
وضع النبي صلى الله عليه وسلم ريقه الطاهر على الجرح فشفي بإذن الله .
مكث النبي وصاحبه في الغار ثلاث ليال وكانت أسماء بنت أبي بكر تحضر لهما الطعام وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت معهما ثم يعود إلى مكة فيتسمع الأخبار عنهما ويبلغهما حتى يأخذا حذرهما وكان عامر بن فهيرة يسير بغنمه خلف عبد الله بن أبي بكر حتى يمسح آثار أقدامه فلا يتتبعه المشركون الذين جن جنونهم فجري أبو جهل وطرق باب أبي بكر ولطم وجه ابنته أسماء ‏من الغيظ الشديد.
ورصد زعماء قريش مائة ناقة مكافأة لمن يعيد محمدا وصاحبه إليهم.
انطلق كثير من الكفار في جميع الطرق المؤدية للمدينة وتوقف بعضهم أمام غار ثور فقال أبو بكر الصديق :
يا نبي الله ، لو أن بعضهم طأطأ بصره لرآنا‏.
قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏:‏ ‏ " ‏ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما‏ " .
وصرف الله أعين المشركين عن النبي وصاحبه فقفلوا عائدين بعد أن كانوا بجوارهم .
غادر النبي وصاحبه الغار واستأنفا رحلة الهجرة واستأجرا رجلا مشركا هو عبد الله بن أريقط كي يدلهم على الطريق إلى يثرب وسار معهم عامر بن فهيرة وسلكوا طريقا وعرا غير مألوف .
ومر النبي وصاحبه بخيمة سيدة عجوز تدعى أم مَعْبَد الخزاعية وكانت عندها شاة نحيفة لا تدر لبنا فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ضرعها، وسمى الله ودعا، وحلب الشاة النحيفة فامتلأ الإناء باللبن .. سقى النبي أم معبد، فشربت حتى رويت، وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب، وحلب الشاة مرة ثانية، حتى ملأ الإناء، وتركه للعجوز وارتحلوا‏.‏
وفي تلك الأثناء كان سراقة بن مالك ينهب الصحراء بحثا عن الرسول وصاحبه وما كاد يقترب منهما حتى عثرت فرسه فسقط على الأرض .. قام سراقة وركب فرسه وتقدم نحو النبي وصاحبه فعثرت فرسه وغاصت أقدامها في الرمال وعندئذ أيقن بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فعاد إلى مكة نادما .
وفي يوم الاثنين 8 ربيع الأول من العام الأول من الهجرة نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببلدة قباء وخرج المسلمون لاستقباله وهم يكبرون فرحا بوصوله .
أقام النبي صلى الله عليه وسلم بقباء أربعة أيام أسس فيها مسجد قباء وصلى فيه وهو أول مسجد في الإسلام، وفي اليوم الخامس توجه النبي وأصحابه إلى المدينة المنورة واستقبله أهلها بالفرح والهتاف وأنشدوا ‏:‏
طـلـع الـبــدر علـينا مـن ثـنيــات الـوداع
وجـب الشـكـر علـينا مـــا دعــا لـلـه داع
أيـهـا المبـعـوث فـينا جـئـت بـالأمـر المطاع
جئت شرفت المدينة مرحبا يا خير داع
وأقام النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أبي أيوب الأنصاري حتى بني مسجده وبيته فانتقل إليه ووضع نواة الدولة الإسلامية العظيمة من المدينة بعد أن آخى بين المهاجرين والأنصار والأوس والخزرج ثم تفرغ لنشر الدين الإسلامي في كافة ربوع الأرض .
قال تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) صدق الله العظيم .

أعلى


 


ومضت السنون

أحمد بن سعيد الجرداني
ها هي السنون تمضي والإنسان بين مستيقظ وغافٍ تارك جل أموره للزمن، ناسياً في غفلة من أمره أن الحياة مسؤولية يحاسب عليها الإنسان ومناسبة الهجرة النبوية الشريفة على صاحبها ـ أفضل الصلاة والسلام ـ هي بمثابة إحياء لمجد الأمة الإسلامية واستنباط الدروس والعبر لكي نعلن للعالم ان في الإسلام مناسبات لا تنتسى بمجرد انتهاء اليوم، فهذه المناسبة تأتي في بداية كل عام هجري ليجلس المسلم مع نفسه ويراجع ماذا فعل في العام والأعوام المنصرمة ليستذكر ما فاته وما هو آتٍ ليستدرك الأيام القلية القادمة ويتزود إلى يوم المسير.
فهجرته صلى الله عليه وسلّم كانت إجراءً ضرورياً أملته الظروف في ذلك الوقت ودبّره القدر الإلهي حتى تتربى هذه الأمة على التضحيات العظيمة وتتربى على التوجه إلى الله تعالى في كل موقف بحيث تستلهم منه الرشد وتستنزل من قبله النصر وتأخذ بالأسباب، وتتوكل على الله سبحانه وتعالى.
فإن ما نريده في هذه الأيام من العام الهجري هو استنباط الحكم من الهجرة النبوية وتفعيلها في حياتنا المعاصرة لكي نواكب الركب في التقدم والرقي في شتى المجالات لأن الهجرة النبوية لم تكن مجرد هجرة بل هي حكمة من الله تعالى يوجها إلى الأمة إن هذه جاء بتعب.
أخي العزيز: قبل أيام ودعانا عام واليوم في الأسبوع الأول من أيامه فهل صححنا لأنفسنا ما سلف؟.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال لابي ذر الغفاري رضي الله عنه:
يا أبا ذر جدد السفينة فان البحر عميق وخذ الزاد فإن السفر بعيد وخفف الحمل فإن العقبة كؤود واخلص العمل فإن الناقد بصير.
فنحمد الله تعالى على أن مد علينا في العمر حتى هذا اليوم فهذا من نعم الله علينا..
والهجرة النبوية هي نصر وتمكين للمؤمنين في أشد المواقف وهو بعد اجتمع الكفر للنيل من الرسول محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصاحبه والقضاء على الدعوة الإسلامية في مهدها ولكن رب الأرض والسماء لهم بالمرصاد إذ يقول (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) سورة التوبة:40.
الهجرة المباركة كانت درساً في الصبر والتوكل على الله تعالى ولم تكن طلبا للراحة ولا هرباً من العدو ولا تهرباً من الدعوة وأعبائها بل كانت بأمر من الله تعالى في وقت أشد ما تكون البشرية في ذلك الزمن إلى الهدي المحمدي فلقد أرسل الله خير خلقه محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى البشرية وهي أحوج ما تكون إلى رسالته، وأشدَّ ما تكون ضرورة إلى دينه، بعد أن صار الكثير من الناس في ظلمات الشرك والجهل والكفر.
فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ دعا الناس إلى دين قويم يرقى به الإنسان إلى أعلى المنازل، ويسعد به في الآخرة سعادةً أبدية في النعيم المقيم، فاستجاب له القلة المؤمنة المستضعفة في مكة، فأذاقهم المشركون أنواع العذاب.
أخي العزيز: إن حال المسلمين في هذه الأيام يندى له الجبين من الأحداث في بعض المدن من العراق وغزة وغيرها من فلسطين.
فيجب على المسلم أن يقف وقفة تمعن بأن يستفيد من معاني الهجرة النبوية المباركة، وأن نعلم أيضاً : أن الدين الإسلامي دين علم وعمل وثقافة ومعرفة ودعوة للحق مؤيدة بالبراهين العقلية والنقلية المنورة للقلوب فلن يصلح حال المسلمين في هذا العصر إلا بالأمور التي صلح بها السلف الصالح، من العلم والمعرفة الصحيحة لدين الله والتحذير من المضللين أصحاب الفتاوى السيئة التي جلبت الويلات للمسلمين.
ويجب على الأمة الإسلامية أن تتحلى بالخلق الكريم، والصدق مع الله، والتوكل عليه، والصبر على المكاره، وإحسان العبادة، على وفق ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في السنة المطهرة.
نسأل الله تعالى أن تكون هذه السنة سنة مباركة، يعم فيها الخير للبلاد والعباد وكل عام وأنتم بخير.

أعلى


 

دروس وعبر من ذكرى الهجرة النبوية

تعيش الأمة الإسلامية هذه الأيام إشراقه سنة هجرية جديدة، وإطلالة عام مبارك بإذن الله تعالى، فهذا عام هجري, مضى بأفراحه وأتراحه، وما أسرع مرور الليالي والأيام، والموفَّق الملهم من أخذ من ذلك دروسا وعبرا، واستفاد منه، وتزود من المَمَرِّ للمقر، فإلى الله سبحانه المرجع والمستقر، والعاقل هو من حاذر الغفلة عن الدار الآخرة حتى لا يعيش في غمرة، ويؤخذ على غرة، فيكون بعد ذلك عظة وعبرة، ونسأل الله العلي القدير, أن يجعل من هذا العام نصراً للإسلام والمسلمين، وصلاحا لأحوالهم في كل مكان، وأن يعيده على الأمة الإسلامية بالخير والنصر والتمكين, اللهم آمين. أخي المسلم: في مطلع كل عام هجري نعيش مع هذه الذكرى, ونستفيد من العبر والعظات الكثير والكثير، وما أجمل أن نشير إشارات عابرة لعدد من القضايا المهمة الجديرة بالإشادة والتذكير ونحن في بداية هذا العام الجديد، لعلها تكون سببا في شحذ الهمم واستنهاض العزائم, للتمسك الجاد بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وحاملة على الاتعاظ والاعتبار، وأول هذه الإشارات: هي الشجاعة والتضحية والإباء، والصبر والنصر والفداء، والتوكل والقوة والإخاء، والاعتزاز بالله وحده، كل هذه المعاني لمسناها في حادثة الهجرة النبوية التي جعلها الله سبحانه، طريقا للنصر والعزة، ورفع راية الإسلام، وتشييد دولته، وإقامة صرح حضارته، فما كان لنور الإسلام أن يشع في جميع أرجاء المعمورة لو بقي حبيسا في مهده، ولله الحكمة البالغة في شرعه وكونه وخلقه. وأمثلة الشجاعة كثيرة في هذه الذكرى المباركة وأول هذه النماذج هو الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم. فقد خرج من بيته تحرصه عناية الله, وفي سبيل إعلاء كلمة الحق لم يتأخر هو ومن معه من أصحابه الكرام, فكل واحد كان له دور قام به على أكمل وجه.
إن في هذا الحدث العظيم من الآيات البينات, والآثار النيرات والدروس والعبر البالغات ما لو استلهمته أمة الإسلام اليوم وعملت على ضوئه وهي تعيش على مفترق الطرق لتحقق لها عزها وقوتها ومكانتها وهيبتها، ولعلمت علم اليقين أنه لا حل لمشكلاتها, ولا صلاح لأحوالها إلا بالتمسك بإسلامها, والتزامها بعقيدتها وإيمانها، فوالذي بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا، ما قامت الدنيا إلا بقيام الدين، ولا نال المسلمون العزة والكرامة والنصر والتمكين، إلا لما خضعوا لرب العالمين، وهيهات أن يحل أمن ورخاء وسلام, إلا باتباع نهج الأنبياء والمرسلين. إذا تحقق ذلك وتذكرت الأمة هذه الحقائق الناصعة, وعملت على تحقيقها في واقع حياتها كانت هي السلاح الفاعل الذي تقاتل به، فالقوة لله جميعا، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
لقد أكدت دروس الهجرة النبوية: أن عزة الأمة تكمن في تحقيق كلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة عليها، ،ونتذكر موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه, وهو ينظر إلى مواضع أقدام المشركين حول الغار فيقول: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لرآنا، فيجيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، جواب الواثق بنصر الله: ((يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما)) الله أكبر، ما أعظم لطف الله بعباده ونصره لأوليائه، وفي هذا درس بليغ لدعاة الحق, وأهل الإصلاح في الأمة، ودرس آخر من دروس الهجرة النبوية: في أخوة المهاجرين والأنصار,هذا درس, في التضحية والبذل والفداء ومراعاة كرامة الإنسان والحفاظ على حريته وحقوقه إنها إخوة الإيمان.
وفي مجال تربية الشباب، والمرأة وميدان البيت والأسرة, يبرز الأثر العظيم في حادث الهجرة النبوية, على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، ففي موقف عبدالله بن أبي بكر رضي الله عنهما, في خدمة ونصرة صاحب الهجرة عليه الصلاة والسلام، وفي موقف أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها ورضي الله عن آل أبي بكر وأرضاهم ما يجلِّي دور المرأة المسلمة في خدمتها لدينها ودعوتها.
كذلك لا ننسى موقف الإمام علي كرًم الله وجهه, وهو ينام, في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم مضحياً بحياته فداءً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وثالث هذه الإشارات في شهر الله المحرم، أنه فيه ذكرى يوم عاشوراء, وفيه درس بليغ على نصرة الله لأوليائه, وانتقامه من أعدائه مهما تطاولوا، إنه حدث قديم لكنه بمغزاه متجدد عبر الأمصار والأعصار، إنه يوم انتصار نبي الله وكليمه موسى عليه السلام, وهلاك فرعون الطاغية، وكم في هذه القصة من الدروس والعبر والعظات والفِكَر للدعاة إلى الله في كل زمان ومكان، فمهما بلغ الكيد والأذى والظلم والتسلط فإن نصر الله قريب.
وهناك إشارة رابعة إلى فاتحة شهور العام، شهر الله المحرم، إنه من أعظم شهور الله جل وعلا، عظيم المكانة، قديم الحرمة، رأس العام، من أشهر الله الحرم، فيه نصَرَ الله موسى وقومه على فرعون وملئه، ومن فضائله أن الأعمال الصالحة فيه لها فضل عظيم، لا سيما الصيام، لذا فيستحب للمسلمين أن يصوموا ذلك اليوم (يوم عاشوراء) اقتداء بأنبياء الله، وطلبا لثواب الله، وأن يصوموا يوما قبله أو يوما بعده مخالفة لليهود، وعملا بما استقرت عليه سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فيا له من عمل قليل, وأجر كبير, وكثير من المنعم المتفضل سبحانه وتعالى، فنسأل الله تعالى أن يجعل هذا العام عام نصر وفتح على المسلمين, ونسأله تعالى الهداية والتوفيق اللهم آمين.
إبراهيم السيد العربي

أعلى


 

من دروس الهجرة (الصبر واليقين طريق النصر والتمكين)

أذن الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ولأصحابه بالهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة لما ضاقت عليهم الأرض، ومنعتهم قريش من عبادة الله وتوحيده، ومن نشر الإسلام.
إن الهجرة بالمعنى الشرعي ليست مجرد الانتقال من بلد إلى آخر فحسب، بل هي هجرة عامة عن كل ما نهى عنه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، حتى يكون الدين كله لله.
فهي هجرة من الذنوب والمعاصي وهجرة من الشهوات والشبهات وهجرة من مجالس المنكر، وهجرة من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة...
وبعد سنوات من الاضطهاد والابتلاء قضاها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة هيأ الله تعالى لهم الحياة الطيبة، وقذف الإيمان في قلوب الأنصار، ليبدأ مسلسل النصر والتمكين لأهل الصبر واليقين. قال تعالى: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد). إن طريق الدعوة إلى الله شاق محفوف بالمكاره والأذى. لكن من صبر ظفر.. ومن ثبت انتصر.
عبدالله يحيى الحارثي

 

أعلى


 


الأشهر الحرم

خير ما تحلى به المؤمن من سجايا وأجمل ما اتصف به من صفات حس مرهف وشعور يقظ وقلب حي وعقل واع يبعث على استشعار حرمة ما حرم الله وتعظيم ما عظمه ، فيقيم البرهان الواضح على إيمان صادق ويقين راسخ وتسليم ثابت. وإن مما حرم الله تعالى الأشهر الحرم التي قال فيها سبحانه ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) الآية التوبة:36 وهي الأشهر التي بينها رسول الله في الحديث الذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أبي بكر رضي الله عنه أن النبي خطب في حجة الوداع فقال في خطبته: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان). فجاء هذا البيان النبوي تقريرا منه صلوات الله وسلامه عليه وتثبيتا للأمر على ما جعله الله من غير تقديم ولا تأخير ولا زيادة ولا نقصان، أي أن الأمر اليوم شرعا في عدة الشهور وتحريم ما هو محرم منها هو كما ابتدأه الله قدرا في كتابه يوم خلق السماوات والأرض؛ وذلك لإبطال ما كان أهل الجاهلية يفعلونه مما أحدثوه قبل الإسلام من تحليل المحرم وتأخيره إلى صفر، فيحلون الشهر الحرام، ويحرمون الشهر الحلال، وهو النسيء الذي أخبر سبحانه عنه بقوله : ( إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين ) التوبة:37 وهي صورة من صور التحريف والتبديل والتلاعب عرفت بها الجاهلية ، ولون من ألوان ضلالاتها وكفرها وتكذيبها بآيات الله عز وجل ورسله. ألا وإن من أظهر الدلائل على استشعار حرمة هذه الأشهر الحرم الحذر من ظلم النفس فيها باجتراح السيئات ومقارفة الآثام والتلوث بالخطايا في أي لون من ألوانها امتثالا لأمر الله تعالى( فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) فالذنب في كل زمان سوء وشؤم وظلم للنفس؛ لأنه اجتراء على العظيم المنتقم الجبار والمحسن بالنعم السابغة والآلاء الجميلة، لكنه في الشهر الحرام أشد سوءا وأعظم شؤما وأفدح ظلما؛ لأنه يجمع بين الاجتراء والاستخفاف وبين امتهان حرمة ما حرم الله وعظمه واصطفاه؛ ولذا تغلظ فيه الدية عند كثير من العلماء.
وإذا كان احترام الشهر الحرام أمرا ظاهرا متوارثا لدى أهل الجاهلية ، يعبر عنه إمساكهم فيه عن سفك الدم الحرام والكف عن الأخذ بالثأر فيه مع ما هم فيه من شرور وآثام ، أفلا يكون جديرا بالمسلم الذي رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا، أفلا يجدر به أن يحجز نفسه عن الولوغ في الذنوب وينأى بها عن أسباب الإثم والعدوان، وأن يترفع عن دوافع الهوى ومزالق النزوات والشطحات وتسويل الشيطان والنفس الأمارة بالسوء، وأن يذكر أن الحياة أشواط ومراحل تفنى فيها الأعمار وتنتهي الآجال وتنقطع الأعمال، ولا يدري أحد متى يكون الفراق لها وكم من الأشواط يقطع منها وإلى أي مرحلة يقف به المسير في دروبها، فالسعيد من سمت نفسه إلى طلب أرفع المراتب وأعلى الدرجات من رضوان الله باستدراك ما فات واغتنام ما بقي من الأوقات والتزام النهج السديد في هذا الشهر الحرام وفي كل شهور العام، وصدق سبحانه إذ يقول ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) الحشر:18
"إن الله اصطفى صفايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رسلا، ومن الناس رسلا، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعظموا ما عظم الله، فإنما تعظم الأمر بما عظمها الله به عند أهل الفهم والعقل فعلينا أن نستشعر حرمة هذه الأشهر ولنحذر من ظلم أنفسنا فيه وفي كل الشهور، ولنقبل على موائد الطاعة فيه بما صح وثبت ، ونعرض عن كل مبتدع غير مشروع
هذا والله تعالى أعلم
أنس فرج محمد فرج

 

أعلى


 


وقل اعملوا...
أسس تحديد الأجر في الاقتصاد الإسلامي

أيها القراء الأعزاء:
اهتم الاسلام بالعمل وبوأه مكانة مهمة بين عناصر الانتاج الاخرى حيث أعطى العمال حقوقا كثيرة وألزمهم مقابل ذلك بواجبات عدة. ومن أهم حقوق العمال التي ضمنها لهم الاسلام حقهم في الاجر الذي يعد أحيانا المورد الوحيد لدخل هؤلاء العمال الذين يتضررون من نقصانهم حقهم في الأجر أو حرمانهم منه , لذلك اعتنى العلماء المسلمون بالاجر والاسباب التى تؤثر فيه عنايه عظيمة . فقد بين هؤلاء المفكرون اهمية الاجر , والعوامل التى تؤثر في تحديده , ومدى كفايته لحاجات العمل الاساسية , وضرورة تدخل الدولة في تسعير الاعمال في بعض الحالات الاستثنائية ولا سيما إذا انحرفت الاجور عن الواقع , فأدى ذلك الى ظلم العمال أو أصحاب العمل .
وقد أهتم العلماء المسلمون أيضا بقضية العرض والطلب وأثرها في تحديد اسعار السلع والخدمات، وبينوا الوسائل الايجابية والسلبية التي من شأنها أن تجعل قوى العرض والطلب أكثر حرية وعدالة من خلال رجوعهم الى القرآن الكريم والسنة النبوية التي حددت تلك الوسائل بشكل دقيق , فمنعت بعضها ورغبت في بعضها . وقبل بيان ذلك كله يمكن التنبيه إلى ان العلماء المسلمون قد عرفو الاجر بتعريفات عدة، تشابه تعريف الاقتصاديين الاخرين للاجر فقد عرفه بعض الفقهاء المسلمون بإنه : ( العوض الذي يدفعه المستاجر للمؤجر في مقابل المنفعة التى يأخذها منه ) . فهذا العوض قد يكون نقدا أو عروضا. وفرق بعض الفقهاء بين الاجرة والاجر فقال: ( والاجرة هي ما أعطي من كراء الاجير, والاجر ما يستحق على فعل الخير) . وعلى كل حال يمكن استخدام لفظه ـ الاجرة أو الاجر ـ بمعنى واحد على رأي كثير من الفقهاء .
ويمكن شرح هذا في النقاط الاتية :
أولا : نظرية العرض والطلب في النظام الاقتصادي الاسلامي .
ثانيا : أثر الاخلاق الإسلامية في تحديد الاجور وتقديرها .
ثالثا : كيفية تحديد الاجور وأسسه في النظام الإقتصادي الاسلامي.
نظرية العرض و الطلب في النظام الاقتصادي الاسلامي
لنظرية العرض و الطلب أهمية عظيمة في النظام الاقتصادي الاسلامي , فقد اسهم العلماء المسلمون في تحديد معالم هذه النظرية ، فكان لإسهامهم دورا مهما في الفكر الاقتصادي العالمي بعامة و الفكر الاوربي بخاصة . وعلى الرغم من هذا الاسهام العظيم للعلماء المسلمين في هذه النظرية فإنه ما زالت أبحاث الاقتصادين قديما وحديثا تغمط العلماء حقهم في بيان أفكارهم الاقتصادية بعامة , ونظرية العرض والطلب بخاصة .
إن أسهام العلماء المسلمين في هذه الافكار الاقتصادية لا يقل أهمية عن أسهام غيرهم , بل إن أراء بعض المفكرين الاوروبيين الاقتصادية في غاية التخلف بالنسبة الى ما عند علماء المسلمين ... وقد ذكرنا سابقا أن محاولة صياغة القانون العام للطلب لم تقم إلا في القرن الثامن عشر بينما نجد ذلك واضحا عند بعض العلماء المسلمين الذين تناولوا نظرية العرض والطلب والبحث من خلال حديثهم عن الرخص والغلاء وأسبابه , فالبيع يمثل العرض , والشراء يمثل الطلب .
إن القاضي أبا يوسف يبرهن على صحة مذهب القائلين بمنع التسعير بالحجة التالية : ( وليس للرخص والغلاء حد يعرف ولا يقام عليه إنما هو أمر من السماء لا يدري كيف هو ؟ وليس الرخص من كثرة الطعام وقد يكون الطعام كثيرا غاليا , وقد يكون قليلا رخيصا ) .
ويبدو أن أول محاولة في التاريخ للتعبير عن قانون العرض والطلب جاءت في الجملة الأولى من كتاب : ( التبصر بالتجارة ) للجاحظ , وهي قوله : ( زعم بعض المحصلين من الاوائل أن الموجود من كل شي رخيص بوجدانه , غال بفقدانه اذا مست الحاجة إليه ) . ويبدو أن الجاحظ قد وفق بعد سبعين سنة تقريبا من وفاة أبي يوسف في حل لغز الرخص والغلاء إذ أخذ عنصر الحاجة إلى الشي ـ الطلب ـ في الاعتبار , فكأنه يقول : إذا زادت الكمية الموجودة من الشي ولم تزد الحاجة إليه صار رخيصا , وإذا قلت حتى صار نادرا واشتدت الحاجة إليه صار غاليا .
إعداد/علي بن عوض الشيباني.

أعلى

 

 

 

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير



 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept