قضايا
الأزمة المالية العالمية .. على نفسها جنت
براقش
الولايات المتحدة هي المسؤولة الأولى عن الأزمة المالية العالمية
محمد نجيب السعد*
ان الجشع شكل من اشكال الجنون وان المطلع على التاريخ يعرف جيدا
ان البشرية رأت اناسا جشعين اعتقدوا ان باستطاعتهم ان يحولوا كل
ما تصل اليه ايديهم الى ذهب. والشواهد كثيرة فهناك جنون الخزامى
الذي اصاب الهولنديين في الاعوام 1636 ـ 1637 (عندما وصل سعر نبتة
الخزامى الواحدة الى الفين وخمسمائة فلورين، علما ان اجر العامل
الماهر السنوي لا يتعدى يومها مائة وخمسين فلورينا) وهنالك جنون
الانترنت الذي اصاب العالم في الاعوام 1995 ـ 2001 (في العاشر من
مارس 2000 سجل مؤشر النازداك رقما قياسيا وصل الى 52ر5132 نقطة)
والعالم سيتعافى اليوم من جنون العقارات.
عندما دخل جورج بوش الابن البيت الابيض منح الاغنياء تريليون دولار
(اعفاءات ضريبية) وبعدها دخل بوش العراق وسكب المليارات من الدولارات
في الاقتصاد (عندما نسمع التقارير تتحدث عن نفقات الجيش الاميركي
التي تصل الى ملياري دولار اسبوعيا فإن اغلب هذه الاموال تعود لتصب
في الاقتصاد الاميركي على شكل مرتبات واسلحة ..الخ) الا ان تلك الاموال
هي اموال مقترضة (تمثل عجزاً في الميزانية) وان النمو والانتعاش
مجرد أوهام. ان الاموال التي تضخ في الاقتصاد يجب ان تجد لها قنوات
للاستثمار. لذلك بدأت البنوك والمؤسسات المالية بدفع الاموال املا
في تحقيق العوائد الكبيرة. وكان الحل القروض الميسرة. تريد منزلا
او سيارة هنالك القروض والتمويل. هذه الخطوات سهلت على الملايين
الحصول على المنازل فتعرضت سوق العقارات الى ضغوط كبيرة فارتفعت
اسعار العقارات، واعتقد الناس ان الاقتصاد بخير، فأقدمت اعداد كبيرة
على الاقتراض وحققت البنوك ارباحا طائلة (مثلا كانت شركات التمويل
ترجح حوالي 18 ـ 23 % في الدولار الواحد بينما كانت تدفع 8 ـ 9 %
على الدولار الذي تقترضه). وزادت المخاطر بسرعة عندما بدأت البنوك
والمؤسسات المالية بشراء العقارات. بعدها انفجرت الفقاعة ليتفاجأ
الجميع وانهارت المؤسسات والبنوك وافلس الكثيرون.
ان الازمة المالية العالمية، التي بدأت منذ بضع سنوات ( تراجع مؤشر
داو جونز في 17 مايو 2006 مائتين واربع عشرة نقطة ليسجل 206ر11 نقطة
وهو اسوأ اداء له منذ مارس 2003) ظهرت نتائجها منذ منتصف عام 2007.
وتهاوت اسواق البورصة في انحاء عديدة من العالم وانهارت العديد من
المؤسسات المالية وهبت الكثير من الحكومات، خاصة في الدول الغنية،
لنجدة انظمتها المالية. ويعتقد البعض ان المؤسسات التي هرعت الحكومات
لنجدتها هي المسؤولة عن المشاكل المالية التي نواجهها، في حين يرى
البعض الآخر ان الازمة المالية العالمية ستصيب بشررها جميع سكان
المعمورة. وقد كان يمكن تجنب الأزمة الحالية لو ان السياسات والافكار
التي دعمت النماذج الاقتصادية الموجودة اليوم لم تكن مؤثرة جدا وغير
عابئة بافكار الآخرين ومخاوفهم.
ولقد لعبت المضاربات والمضاربون دوراً كبيراً حيث نجح البعض، وكما
قلنا سابقا، في تحويل كل ما لمسوه الى ذهب. الا ان مارك لانج وهو
كاتب سابق للخطب الرئاسية الاميركية يعتقد ان تلك المضاربات نجحت
الى حد بعيد في اخفاء نقاط ضعفها. وعند نهاية شهر اكتوبر الماضي
صدر تقرير لبنك انجلترا قال فيه: ان كبرى المؤسسات المالية العالمية
خسرت 8ر2 تريليون دولار نتيجة للازمة الحالية وان دافعي الضرائب
في مختلف انحاء العالم انفقوا ثمانية تريليونات دولار لانقاذ البنوك
وهذا المبلغ سيزداد مع مرور الوقت واستنادا الى التقرير الصادر عن
مؤتمر الامم المتحدة للتجارة في العام الماضي فإن اقتصاد العالم
يترنح على اعتاب الركود. ان التراجع الذي شهده الاقتصاد العالمي
بعد اربع سنوات من النمو السريع يعود الى جملة من الاسباب منها تداعيات
الازمة المالية في الولايات المتحدة وازمة سوق العقارات في الولايات
المتحدة والدول الكبرى مع ارتفاع اسعار المواد الغذائية مع وجود
سلسلة من السياسات المالية المقيدة في بعض الدول علاوة على تقلبات
اسواق الاسهم. لقد كانت ازمة العقارات في الولايات المتحدة وغيرها
من دول العالم اكثر بعداً وقوة مما توقع لها في عام 2007 وبداية
عام 2008 خاصة مع زيادة اعداد الدول التي وقعت فريسة لهذه الازمة.
وكما قلنا اتهم البعض المؤسسات المالية التي انتشلتها الحكومات من
الضائقة المالية اتهموها بأنها مسؤولة عما جرى وايضا بالرياء لأن
ارباحها تبقيها لنفسها لكن خسائرها تطول الجميع. ووجهت بعض الحكومات
اصابع اتهاماتها صوب المضاربين وقالت عنهم زادوا الطين بلة. علينا
ان نتذكر انه في التسعينيات وفي خضم الازمة المالية التي هزت الاسواق
الآسيوية قامت بعض الدول الاسيوية بالشكوى لدى صندوق النقد الدولي
ولدى الحكومات الغربية من المضاربين فعلوا فعلهم وتسببوا في هبوط
قيمة العملات لديهم الى الحضيض، الا ان صندوق النقد الدولي والحكومات
الغربية رفضوا الشكاوى الاسيوية متهمين تلك الدول بجهلها في ادارة
الشؤون الاقتصادية ودارت الدوائر لتتحجج الحكومات الغربية بالحجج
ذاتها التي ساقها الاسيويون. وحاولت حكومات اخرى طمأنة المستثمرين
والمودعين بأن اموالهم في ايد امينة على سبيل المثال قامت بعض الحكومات
الاوروبية بالمحاولة لزيادة او ضمان الاموال المودعة وفي بعض الحالات
أممت بعض البنوك. وفي الوقت وجد صغار رجال الاعمال والفقراء من الناس
بلا عون او نصير ليخرجهم من اتون الازمة المحرق.
وبدأت المشاعر تتحول ضد العاملين في القطاع المالي لانهم قامروا
بأموال الناس وحصدوا الفوائد العالية وعاشوا في ميسرة وبذخ بسبب
المرتبات والمخصصات العالية التي يتقاضونها، أي انهم انطبق عليهم
القول مصائب قوم عند قوم فوائد. كتب بول كروجمان، الحائز على جائزة
نوبل في الاقتصاد في صحيفة النيويورك تايمز (ديسمبر 2008) ان صناعة
الخدمات المالية قد استقطعت لنفسها حصة متزايدة من العائد القومي
خلال الجيل الماضي مما حول الاشخاص الذين يديرون تلك الشركات الى
مليارديرات. ان للثراء الفاحش الذي حققه من يديرون اموال الناس تأثيراً
مفسداً على المجتمع. لكن هل استحق هؤلاء الملايين التي جنوها؟ كلا.
واصل كروجمان مقالته التي تحدثت عن رجل الاعمال الاميركي بيرنارد
مادوف الذي وجهت اليه التهم باختلاس خمسين مليار دولار في شركات
اسهم وهمية. قائلا ان وول ستريت اعتاد الدفع بسخاء للارباح التي
تسجل حتى لو كانت ارباحاً وهمية وان هذا النظام يؤثر كثيراً على
السياسة ورجالاتها، وذلك لوجود نزعة لإعزاز الرجال الذين يحققون
الارباح للاعتقاد بأنهم يعرفون جيداً ما يفعلون.
ويقال انه عندما تتعرض البنوك الكبيرة فإن الجميع من غني وفقير سيعانون.
عندما تتسرب الظنون الى بعض البنوك فإنها ترفع اسعار الفائدة. سيتعرض
اصحاب المنازل الى المشاكل بسبب تراجع قيمة منازلهم اما الذين يسددون
الاقساط فسيعانون الامرين وقد يجدون انفسهم غير قادرين على دفع اقساطهم.
وعلى الصعيد الاكبر ستواجه قطاعات كثيرة من الاقتصاد المصاعب وستضطر
الى تسريح بعض موظفيها. ويضطر الناس الى الضغط على استهلاكهم الشخصي
ويعرض ذلك الكثير من الشركات الى مخاطر الاغلاق. لذلك يمكن القول
ان العديد من اقتصاديات العالم ماضية صوب الركود، ان لم تكن تعاني
منه فعلا. يعتقد البعض ان جشع الوول ستريت هو السبب وراء الازمة
وذلك لأن البنوك والمؤسسات المالية الكبيرة ومعها السياسات المالية
المؤثرة التي ساهمت في ايجاد الازمة موجودة في الولايات المتحدة.
وكانت الازمة عنيفة جدا بحيث انه وبعد انهيار المؤسسات المالية الكبيرة
تدخلت ادارة الرئيس بوش وعرضت 700 مليار دولار لانتشال النظام المالي
الاميركي. واثار الاقتراح الكثير من الجدل لأن الناس اعتقدوا ان
الخطة تهدف الى انقاذ المؤسسات الكبرى فقط وتترك الانسان العادي
يعاني وحيداً لذلك رفض مجلس النواب الخطة مما تسبب في كهربة الاجواء
الاقتصادية العالمية. ودخلت الخطة في جدال جديد وطرأت عليها تعديلات
كثيرة لإقرارها، الا ان الخطة سيئة كما يعتقد جوزيف ستيجلتيز الاستاد
في جامعة كولومبيا والحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد والذي عمل
خبيراً اقتصادياً في البنك الدولي وذلك لأن القضية تشبه عملية نقل
الدم لمريض ما زال يعاني من نزيف داخلي. وكتب ستيجلينز ثانية في
صحيفة الغارديان البريطانية (اكتوبر 2008) يقول لم يفقد الاميركيون
ثقتهم بادارة الرئيس بوش فقط انما بفلسفته الاقتصادية ايضا القائمة
على الانتعاش التجاري الذي يعتمد على سياسات السوق الحرة وهو شكل
آخر للنظرية التي تقول ان منح الامتيازات (مثل الاعفاءات الضريبية)
للاغنياء ستفيد الجميع لانها ستنتعش الاقتصاد بأكمله. الا ان جميع
خطط الانقاذ التي قامت بها الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي
في كوريا وتايلاند والبرازيل وروسيا والارجنتين خلال العقد الاخير
لم تكن ناجحة، وعانى دافعو الضرائب كثيراً في تلك البلدان لتعود
الامور الى نصابها، واليوم الشيء نفسه مطلوب من دافعي الضرائب الاميركيين.
وقررت بعض الدول الاوروبية واولها بريطانيا التوجه الى تأميم (الكلي
او الجزئي) البنوك المتعثرة من اجل اعادة الثقة بها. كانت الولايات
المتحدة قد رفضت هذا الاجراء في البداية لأنها تتناقض مع سياسة السوق
الحرة. الا انها عادت وأعلنت ان الحكومة ستشتري بعض الأسهم في البنوك
المتعثرة. وهذا دليل على حجم الازمة التي تعاني منها اكبر دولة مدافعة
عن سياسة السوق الحرة (بالرغم من ان سياسة السوق الحرة لم تكن تستهدف
عالم المال في البداية، وربما كان ذلك احد اسباب الازمة المالية
الحالية). وسارع جورج بوش الى التأكيد على ان شراء الاسهم لا يعني
التخلي عن السوق الحرة. وقال هاجون تشانغ الاستاذ في جامعة كامبردج
ان الولايات المتحدة كانت وعبر تاريخها اكثر براغماتية بشأن السوق
الحرة مما يبدو اليوم في خطابها السياسي، وهو اتهام رددته العديد
من الدول النامية من ان الدول الغنية تنتهج سياسة حمايوية لاقتصاداتها
الا انها تريد من الآخرين فتح اسواقهم على مصراعيها.
ولم تخل الخطوة الاميركية من المعارضين. قال بول كريغ روبرتس مساعد
وزير الخزانة في ادارة الرئيس ريغان والمحرر الاسبق لصحيفة الوول
ستريت جورنال ان خطة الانقاذ كان يجب ان توجه الى الناس الذين فشلوا
في دفع اقساط بيوتهم لا ان توجه الى البنوك لأن اساس المشكلة كما
قالت الحكومة هو الازمة العقارية. وكان ذلك سيعيد قيمة الاسهم العقارية
الى حالها ويبتعد الخطر عن المؤسسات المالية. واضاف روبرتس لا توجد
علاقة بين الاسباب التي ساقتها الحكومة للازمة والحلول التي قدمتها.
والغريب في الامر انه بينما فكرت الولايات المتحدة ودول اوروبا الغربية
ببعض الخطوات الاشتراكية لحل الازمة فكرت الصين بخطوات رأسمالية
(مثلا اصلاح الاراضي) لانعاش اقتصادها. وبالرغم من المليارات السبعمائة
التي قدمتها الحكومة الا ان البنوك ما زالت مترددة في منح القروض
وهذا دفع الاحتياطي الفيدرالي الى تقديم 800 مليار دولار في نهاية
نوفمبر لتحريك الوضع، خصصت منها 600 مليار دولار لشراء اسهم عقارية
وضخ المبلغ الباقي في سوق الائتمان، وهذا دليل واضح على ان الازمة
لم تعد مقتصرة على المؤسسات المالية وانما تسربت الى اوصال الاقتصاد
كافة.
وكتب بعض المحللين الاقتصاديين، وقبل ان تستشري الازمة المالية الحالية،
يقولون ان الولايات المتحدة في تراجع وظهر ذلك جلياً في حربيها على
افغانستان والعراق وتخلي بعض الاوروبيين عنها وتدني شعبيتها لدى
الكثير من دول العالم. اذاعت البي بي سي في اكتوبر 2008 برنامجاً
تحت عنوان: هل اهتزت الولايات المتحدة بسبب الازمة المالية جاء فيه
ان الازمة المالية ستؤثر على وضع الولايات المتحدة باعتبارها القوة
الاكبر في العالم. لقد توسعت الولايات المتحدة عسكريا وماليا الا
انها لن تستطيع ذلك على مستوى المبادئ لانها لن تستطيع الدفاع عن
مبادئ السوق الحرة بعد تهاوي الاسواق الاميركية. وقال المفكر السياسي
جون غازي الاستاد السابق في كلية لندن للاقتصاد في مقالة له في صحيفة
الاوبزرفر اللندنية: ان ما يحدث يمثل تحولا جيوبولتيكيا فريداً،
لقد تغير ميزان القوى العالمي بشكل نهائي، لقد انتهت مرحلة قيادة
الولايات المتحدة للعالم والتي بدأت مع الحرب العالمية الثانية.
لقد دمر مبدأ السوق الحرة الاميركي نفسه بنفسه وانتصرت الدول ذات
الانظمة المركزية. الا ان الدكتور روبين نبليت مدير دار تشاتم هاوس
للدراسات له رأي آخر حيث يعتقد ان علينا عدم التسرع لأن الاقتصاد
الاميركي ما زال قويا وهو قادر على انجاب عمالقة على شالكة مايكرو
سوفت وغوغل كما ان المقارنة مع الصين او روسيا او اوروبا غير صحيحة
فالصين عالقة في صراع محموم مع النمو الاقتصادي لاعالة سكانها وروسيا
تحاول الانطلاق لكن على قواعد هشة والهند بلد تملؤه التناقضات واوروبا
عاجزة عن أخذ الخطوة اللازمة للهروب من الركود كما فعلت الولايات
المتحدة.
لكن اوروبا حاولت كما قلنا التدخل لانقاذ ما يمكن انقاذه هنالك التأميم
وتقديم الضمانات للمودعين بأن اموالهم في ايد امينة وحاولت اوروبا
ايضا التدخل لعقد صفقات تسوية وترضية بين البنوك الكبيرة. وحاولت
اوروبا (على الاقل بعض الدول الاوروبية) زيادة الانفاق وخفض الضرائب
وبحدود مائتي مليار يورو خلال سنتين وتهدف الخطة إلى اعادة الثقة
بالنظام المالي وزيادة فرص العمل وحث البنوك على منح القروض من جديد
وتشجيع التكنولوجيا الخضراء. اما في الدول النامية فقد ضربت ازمة
الغذاء والفوضى المالية في الدول المتقدمة ضربتا بقوة. ان ارتفاع
اسعار الوقود والمواد الغذائية والخوف من الركود الاقتصادي العالمي
كلها تقلق الخبراء الاقتصاديين في الدول النامية. نشر موقع شبكة
العالم الثالث تقريرا عن مجريات مؤتمر الامم المتحدة للتجارة والتنمية
لخص فيه التأثيرات المتوقعة للازمة المالية العالمية على دول العالم
الثالث التي تعتمد على استيراد السلع او تصديرها جاء فيه ان تحرير
السوق وخصخصة قطاع السلع لم يؤد الى تحقيق الاستقرار في اسعار السلع
على مستوى العالم. هنالك عدم رضا كبير بسبب الفوضى التي تعم اسواق
السلع والاسواق المالية وكلها لم تقدم مؤشرات يعتد بها للمنتجين
حول الاسعار.
والدول الاسيوية قلقة جدا مما يجري في الغرب، وطلبت العديد من الدول
من الولايات المتحدة التدخل بسرعة لانقاذ الاقتصاد الاميركي، لأن
ذلك سيكون له تأثير كبير على الاستثمارات الاجنبية ويطمئن الكثيرين
في كافة انحاء العالم. يعتقد الكثيرون ان اسيا معزولة بشكل جيد عن
النظام المالي الغربي مثلا لم تشهدت الدول الاسيوية ازمة عقارات
كتلك التي شهدتها الدول الغربية. وشهدت دول آسيوية كثيرة نسب نمو
عريضة وحققت فائضاً واسعاً في الثروة مما زاد من استثمارات هذه الدول
في الغرب علاوة على زيادة في الاستثمارات الغربية في الدول الآسيوية.
الا ان قوة الترابط بين الجانبين تعني بالضرورة تأثر آسيا بالمشاكل
التي تضرب الغرب فعانت اسواق البورصة الاسيوية وتراجعت قيمة العديد
من العملات الآسيوية. ان المنتجات والخدمات الاسيوية تصدر الى كافة
انحاء العالم وان أي تراجع في اقتصاديات الدول الغربية يعني تراجعاً
في اقتصاديات الدول الاسيوية وتسريح اعداد من العاملين وربما بعض
المشاكل والاضطرابات الاجتماعية في نهاية اكتوبر 2008 عقد اجتماع
بين الاتحاد الاوروبي وعدد من الدول الاسيوية صدر بعده بيان حول
توحيد الجهود لمواجهة الازمة المالية الدولية. الا ان وكالة الانثر
الاخبارية قالت ان هذه الجهود ستعتمد على دخول الاقتصاديات الاسيوية
الناشئة في المؤسسات المالية العالمية، وهذه الخطوة مهمة جدا اذا
عرفنا ان الدول الاسيوية ودول العالم الثالث تعامل وكأنها مواطن
من الدرجة الثانية عندما يتعلق الامر بمفاوضات التجارة والاستثمار
الدولية. الا ان الفرصة قد تبدو مواتية اليوم امام الدول الاسيوية.
طالب القادة الاسيويون بالمزيد من الاصلاحات في الانظمة المالية
والنقدية العالمية. على سبيل المثال كتبت احدى الصحف الصينية مطالبة
بتخلي الولايات المتحدة عن حق النقض (الفيتو) في صندوق النقد الدولي
وبتخلي الدول الاوروبية عن بعض حقوقها الانتخابية لصالح الدول النامية.
وقالت وكالة رويترز ان العلاقات الضعيفة التي تربط افريقيا بالاقتصاد
العالمي جعلها في منأى على الاقل من حيث المبدأ، من تداعيات الازمة
المالية. الا ان الدول الغنية في افريقيا قد تواجه بعض الصعوبات
لانفتاحها على الغرب. وعلى المدى البعيد قد تتراجع الاستثمارات الاجنبية
في افريقيا خاصة مع توقف القروض كما يتوقع تراجع المساعدات الاجنبية
التي تعتمد عليها الكثير من الدول الافريقية. وقد شهدت افريقيا مؤخرا
اهتماما صينيا واضحا مما قد يوفر فرصة جديدة لها. الا ان افريقيا
قد تواجه خطراً من شكل آخر يتمثل في الضغط على الدول الافريقية لدفع
ديونها. ومع استمرار الازمة فإن المؤسسات المالية الدولية الغربية
التي اقرضت الدول الافريقية ستجد نفسها مضطرة للمطالبة بديونها،
هذا سيضطر الدول الافريقية الى الضغط على ميزانيتها في حقول الصحة
والتعليم والخدمات لدفع تلك الديون ونحن نعلم ان معظم الديون التي
بذمة افريقيا هي ديون ظالمة. ولأن معظم دول اميركا اللاتينية تعتمد
على تجارتها مع الولايات المتحدة (على سبيل المثال نصف صادرات دول
اميركا اللاتينية تتوجه الى الولايات المتحدة) لذلك فمن المتوقع
ان تتراجع معدلات النمو في تلك البلدان، وبسبب قوة الوشائج التي
تربط المكسيك بالولايات المتحدة فإن المحللين الاقتصاديين يتوقعون
ان يتراجع النمو في المكسيك بشكل كبير مقارنة بباقي دول القارة في
السنة الحالية (9ر1% للمكسيك مقارنة بثلاثة بالمائة لباقي الدول).
وعمدت بعض الدول الواقعة على المحيط الهادي البحث عن بدائل، خاصة
تقوية العلاقات التجارية والاستثمارية مع قارة آسيا وهذه الخطوة
قد توفر الاستقرار لدول المجموعة امام الازمات المستقبلية.
كيف ننظر إلى الأزمة؟
بينما ركزت وسائل الاعلام على تفاصيل الازمة المالية واسبابها الا
انه يجب النظر إلى الازمة الحالية بالعلاقة مع ازمات اخرى ما زالت
اجزاء واسعة من العالم تئن تحت ضرباتها المتواصلة. مما زال نصف سكان
المعمورة او اكثر يعاني من الفقر وتداعياته المالية والاجتماعية
والعاطفية ان الفقر في البلدان الفقيرة ليس دائما جريرة المواطن
وحده وانما هو نتيجة لعوامل ذاتية واقليمية ووطنية ودولية. والمشكلة
في الفقر انه ما من سبيل لانتشال الفقراء من فقرهم (وهؤلاء الفقراء
ليسوا سبباً في فقرهم) مثلما هو الحال في الازمة المالية. هنالك
سياسات عديدة لمواجهة ازمة الفقر العالمية مثلاً ما سطرته الامم
المتحدة في اهداف التنمية لهذه الالفية، الا ان هذه الاهداف قد تتهاوى
تحت وقع الازمة المالية (مثلاً تراجع حجم الصناديق المخصصة لتحقيق
هذه الاهداف) وربما تهدف الى تجزئة هذه المشكلة وبقية المشاكل. الا
انها تبقى الحد الادنى اللازم لمواجهة الازمة وربما كانت اشارة على
عدم تحلي الدول الغنية بالارادة السياسية اللازمة لمواجهة الفقر
بأسلوب طموح وشجاع كما تفعل مع بنوكها المنهارة. وبينما انصب الاهتمام
الاعلامي على الازمة المالية العالمية (ربما لأنها اضرت كثيراً بالطبقتين
الغنية والوسطى) تلاشى الحديث عن ازمة الغذاء العالمية (والتي تضر
بالفقراء والطبقة العاملة). ان الازمتين مترابطتان وتعود اسبابهما
الى المشاكل الاساسية المرتبطة بالاجندة الاقتصادية لليبراليين الجدد
التي فرضت على العالم بأسره.
تحصل بعض الدول النامية على مساعدات من الدول الغنية، الا ان تلك
المساعدات القليلة لا يمكن ضمانها دائما لأن الدول المانحة تتعرض
بدورها الى ازمات مالية وهذا سيؤدي بدوره الى الاضرار بجميع الخطط
الرامية لمواجهة الفقر وازمة الغذاء، بغض النظر عن حجم هذه الخطط
وطنية كانت ام اقليمية ام دولية. وهنالك قضية حيوية اخرى تتمثل في
الضرائب وهروب رؤوس الاموال عن الدول النامية. وقالت وكالة انتربريس
ان الضرائب تشكل 36% من عوائد الحكومات في الدول الغنية وهذه النسبة
لا تتجاوز 13% في الدول الفقيرة. ولم يحظ مؤتمر رعته الامم المتحدة
في نوفمبر الماضي حول التهرب الضريبي بالنجاح بسبب مخاوف الركود
الاقتصادي والازمة المالية. الا ان هروب رؤوس الاموال يكلف الدول
الفقيرة حوالي 350 ـ 500 مليار دولار وهو مبلغ يزيد كثيرا على المساعدات
التي تتلقاها الدول الفقيرة. ان هذه العوائد الضائعة مهمة جدا للدول
الفقيرة فهي (أي العوائد) يمكنها التقليل من الاعتماد على المساعدات
الخارجية (وربما تستطيع إلغاء الحاجة لتلك المساعدات) ويمكنها المساهمة
في دفع الديون (الشرعية) ويمكنها ايضا مساعدة الدول الفقيرة على
النأي بنفسها بعيداً عن مؤثرات الدول الغنية. وربما كانت هذه المسألة
هي ما يمنع العديد من الدول الغنية من بذل المزيد لمساعدة الدول
الفقيرة خاصة على المستوى المالي.
وعلى صعيد آخر فإن الديون الهائلة التي تعاني منها الدول النامية
تقف حجر عثرة امام تنمية تلك الدول ولفترة بلغت عدة عقود. الا ان
هذه الديون صغيرة امام المبالغ التي اعلنت الولايات المتحدة عن نيتها
دفعها لبنوكها المنهارة، لكنها تبقى عبئاً ثقيلاً يسحق حياة الملايين
من البشر الذين يعيشون في البلدان الفقيرة ولسنوات طويلة. وعلينا
ان نتذكر ان نسبة عالية من هذه الديون جاءت بسبب تصرفات غير مسؤولة
لحكام فاسدين اوصلتهم الحكومات الغربية الى سدة الحكم، او من خلال
صفقات ديون غير عقلانية من بنوك ومؤسسات مالية غربية تسيطر عليها
الدول الغربية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وبالرغم من
الضغوط الشعبية الكبيرة لحذف هذه الديون الا ان الوعود التي اطلقتها
الدول الغنية لاطفاء هذه الديون كان مبالغاً فيها (مثلا جرى الحديث
مؤخرا عن حذف 40 مليار دولار من الديون الا انه تبين بعد ذلك ان
المبلغ لا يتجاوز 17 مليار دولار) وحتى لو اقتصر الامر على ذلك الرقم
فإنه بحاجة الى جهود اعلامية وشعبية جبارة. الا ان الحكومات الغربية
هبت بسرعة كبيرة لنجدة بنوكها ومؤسساتها المالية وبمبالغ كبيرة (مثلا
700مليار في الولايات المتحدة) أي ان تلك المبالغ وفرت بشكل يسير.
ان الحديث عن زيادة مخصصات قطاعات التعليم والصحة في الدول الغنية
يلاقي في العادة بعض المعارضة، الا ان الميزانية العسكرية مفتوحة
على مصراعيها وكذلك الحال بالنسبة لانقاذ المؤسسات المالية المنهارة
ويعتقد الكثيرون في انحاء مختلفة من العالم ان قادة المؤسسات المالية
سيفلتون كالعادة. ان الرجل الجائع سيسجن ان سرق كسرة خبز، لكن مديري
المؤسسات ومنظري السياسات الاقتصادية الذين يطبقون او ينادون بسياسات
مالية فاسدة لن يخسروا شيئا سوى الوظيفة احياناً او بعض الانتقادات
العلنية احيانا اخرى.
كان بمقدور العالم ان يتجنب الازمة المالية الحالية خاصة وان المشاكل
التي تحدثنا عنها يعرفها الجميع ومنذ مدة طويلة، الا انه وخلال سنوات
النمو الاقتصادي الكبير لا احد يرغب في سماع صيحات التحذير التي
نسمعها اليوم (وهذا ينطبق على المؤسسات المالية والمنظرين الاقتصاديين
وهم كما يعتقد البعض مسؤولون عن الازمة) وان اية مقترحات كانت ستعتبر
اشتراكية التوجه ومناوئة للرأسمالية وهي اتهامات كافية لإسكات أي
صوت مهما كان عالياً. الا ان البعض فاتهم ان يدركوا ان هناك انواعا
مختلفة لا يعني بالضرورة الى الشيوعية او الاشتراكية. كتب جوزيف
ستيجلتيز في صحيفة الغارديان البريطانية في 16 ستبمر 2008 مقالة
تحت عنوان ثمار النفاق قال فيه لقد اعتدنا النفاق. ترفض البنوك أي
مقترح يطالب بتنظيم عملها لكن ما ان تواجه تلك البنوك المشاكل فإنها
تتجه صوب الدولة طالبة تدخلها. لقد فشل النظام المالي الاميركي في
تحمل مسؤوليتيه الاساسيتين وهما ادارة الاخطار وتخصيص رؤوس الاموال.
ومما يؤسف له ان معظم عيوب هذا النظام صدرت الى الخارج: معظمنا شدد
على الابداع واعتبر ان أية اجراءات تنظيمية من شأنها ان تقتل روح
الابداع. لكن ذلك الابداع لم يكن مفيدا للاقتصاد. واستخدمت معظم
الاساليب الابداعية واذكاها للتحايل على الانظمة التي تضمن كفاءة
الاقتصاد وحصانته. وفشلت تلك الاساليب ودفع الجميع (من اصحاب عقارات
وموظفين ومستثمرين ودافعي الضرائب) دفعوا جميعاً الثمن باهظاً. وتحدث
برل كروجمان في النيويورك تايمز (19 ديسمبر 2008) حول الموضوع ذاته
عندما طرح سؤالا مفاده ان مستقبل الامة تداعى بسبب الجري وراء الثروة
والذي قاد خيرة الشباب المتعلم الى ولوج عالم الاستثمارات المصرفية
ولكن على حساب العلم والخدمة العامة وغيرها. طبعا يمكن اضافة رؤوس
الاموال الضائعة والموارد والعمل وطالب الاقتصادي البريطاني المعروف
جون مينارد كينيز بوضع الدولة لسياسة حمايوية لان ترك الاسواق تعمل
دون تلك الضوابط فإن ذلك سيؤدي الى فترات من الركود والكساد والنمو
الكبير. ومن اجل الحد من هذه التأثيرات طالب كينيز من الحكومات وضع
ضوابط مالية ونقدية. وقد ساعدت اراؤه على اعادة اعمار اقتصاد العالم
في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، الا ان تلك الافكار وضعت
على الرف في سبعينيات القرن الماضي في ذروة المطالبة بالسوق الحرة.
وقال روبرت سكيديلسكي (الذي كتب سيرة كينيز) ان السوق الحرة قوضت
الديمقراطية وادت الى حدوث الازمة المالية الحالية. واضاف ان السياسة
لا الاقتصاد هي السبب في الازمة التي تحاصرنا اليوم. ان انتصار السوق
الحرة الذي عمّ العالم في العقود الثلاثة الاخيرة هو انتصار سياسي.
لقد عكس الانتصار هيمنة الاشخاص الذين يعتقدون بضرورة ابعاد الحكومة
عن مواطن التأثير وان من يسيطر على العملية الاقتصادية ويستفيد منها
(وهم قلة) هم المؤهلون لقيادة العملية. واستغلت تلك المجموعة القوة
الاقتصادية لاقناع نفسها والاخرين بأن النجاح سيكون حليف الجميع
ان تركت تلك المجموعة تفعل ما تريد، وعندما فشلوا في اقناع الآخرين
استخدموا القوة الاقتصادية التي يملكونها لفرض ارائهم على الآخرين.
واضاف سكيديلسكي ان الحقيقة المرّة تبين ان الديمقراطية والسوق الحرة
امران متنافران ان ما تقوم به الحكومة الديمقراطية هو انها تستخدم
التفويض الذي منح لها لنشر السلطة عبر مفاصل المجتمع بدلاً من تجميعها
في مكان واحد او اماكن محدودة. ان الحكومة تستخدم القوة السياسية
للاغلبية لمعادلة القوة الاقتصادية العارمة للاعبي السوق الرئيسيين
اذا قبلت الحكومة بترك الباب مفتوحاً على مصراعيه امام السوق الحرة
فهي تتخلى عن مبرر وجودها. عندها تصبح الديمقراطية خدعة. وبالرغم
من أن العالم، وكما قلنا تخلى عن افكار كينيز، الا أنه عاد (أي العالم)
الى تلك السياسات والافكار من اجل مواجهة الازمة الاقتصادية قال
جوزيف ستيجلتيز (صحيفة الغارديان 5 ديسمبر 2008) لقد عاد الجميع
حتى اليمين الاميركي، الى خيمة كينيز، اما ما يجري اليوم هو انتصار
للعقل والقرائن على الايديولوجية والمصالح. لقد طالب الليبراليون
الجدد بالتحرر من القيود والانظمة وصب ذلك في مصلحة البعض. لقد نجحت
الاسواق المالية تحت مظلة تحرير سوق رأس المال. ان تمكين الولايات
المتحدة من بيع منتجاتها المالية المحفوفة بالمخاطر والدخول في مضاربات
في انحاء عديدة من العالم ربما أفاد المؤسسات المالية الاميركية،
حتى ان تسبب ذلك في دفع الآخرين اثماناً باهظة (خاصة بلدان العالم
الثالث) وانتبه الساسة (ومنهم الفريق الاقتصادي للرئيس اوباما) الى
ذلك الامر فقط عندما بدأ الاقتصاد الاميركي واقتصاديات الدول الغنية
بدفع الثمن ايضا (وكان ثمنا باهظا جداً).
كيف نتعامل مع الركود الاقتصادي؟
تواجه العديد من الدول اليوم ركوداً اقتصاديا، خاصة الدول الغنية.
وستحاول الحكومات انعاش اقتصادياتها من خلال اجراءات عديدة تتضمن
زيادة الاقراض وخفض نسب الفائدة والضرائب والانفاق على المشاريع
العامة خاصة البنى التحتية. يبدو الاقراض في اوقات الركود محفوفاً
بالأخطار، الا ان هذه الخطوة يجب ان تكون مشروطة بإعادة المبالغ
ايام النمو الاقتصادي كما ان خفض نسبة الفائدة يعني (من بين امور
عدة) عدم وجود الحافز للادخار في وقت تحتاج البنوك الى تعزيز احتياطاتها
من رأس المال. لكنها (أي خفض نسبة الفائدة) قد تكون محاول لتشجيع
الناس بالاسهام بالاقتصاد اما خفض الضرائب فهو امر يحبه الجميع،
الا ان خفض الضرائب في وقت تراجع الاقتصاد سيقلل من عوائد الحكومة
في وقت هي في أمس الحاجة لتلك العوائد لانفاقها على الصحة والتعليم
وغيرها. لكن زيادة الضرائب في اوقات الركود يعني زيادة الاعباء على
كواهل الناس وربما يساهم زيادة الاقراض في معادلة الكفة مما يمنح
الناس فرصة لمحاربة الازمة. واخيراً ان الانفاق على المشاريع العامة
يعني توفير المزيد من الوظائف لكن سياسة السوق الحرة تتطلب التضييق
على الدور الحكومي في هذا الشأن وفي الحقوق الاخرى. الا ان العديد
من الدول ادركت ان الاسواق لا تستطيع وفي احيان عديدة القيام بالدور
لوحدها (والدليل هو الازمة المالية الحالية التي بدأت في الولايات
المتحدة) ان التبني العقلاني والبراجماتي لنظام السوق الحرة يعني
دوراً للحكومة في التنمية والتطور.
الا ان الكثير من الدول شرعت بتطبيق الخطوات الاحترازية السابقة
(على سبيل المثال خفضت كوريا الجنوبية نسبة الفائدة وكذلك فعلت اليابان
والصين وبريطانيا والعديد من الدول الاوروبية ودول كثيرة اخرى).
وخططت دول اخرى لاقتراض المليارات او لطرح سلة من المحفزات لانعاش
اقتصادياتها العليلة. علاوة على ذلك على الدول ان تفكر واثناء فترات
الانتعاش الاقتصادي باتخاذ اجراءات معاكسة للخطوات التي تتخذها ايام
الازمات. فنسبة الفائدة يجب ان تخفض (احد اسباب ازمة العقارات في
العديد من دول العالم هو تدني معدلات نسبة الفائدة) ويجب تقليص الاقتراض
ودفع الديون والاستثمارات في البنى التحتية لا يجب ان تأتي مباشرة
من الحكومة وفسح المجال امام القطاع الخاص للمساهمة ويجب زيادة الضرائب
لتعويض تقليص الاقتراض.
ويميل البعض الى الاعتراض على التدخل الحكومي لانعاش الاقتصاد او
انتشاله من كبوته ويقول هؤلاء ان خفض الضرائب كاف في هذا الشأن وان
الافراد هم اقدر من الحكومة في تقليص الاستهلاك. يقول بول كروجمان
في مقالة له في النيويورك تايمز (22 ديسمبر 2008) ان الانفاق الخاص
ليس هدفنا عند الحديث عن الانفاق الذي يهدف الى انعاش الاقتصاد.
نحن لا نتحدث عن حكومة تشتري بضائع استهلاكية للمواطنين. نحن نتحدث
عن الانفاق على البضائع العامة تلك التي لا يوفرها القطاع الخاص
او لا يوفرها بكميات كافية، مثلا الطرق وشبكات الاتصالات وانظمة
المجاري وغيرها. يجب ان تخضع هذه الاجراءات الى مراقبة دقيقة من
قبل احزاب المعارضة ووسائل الاعلام لضمان كونها مناسبة، الا ان بعضها
(مثلا زيادة الضرائب ايام الرخاء الاقتصادي) تكون قضية سياسية حساسة
مما يجعل الحكومة خائفة منها مما يزيد الاعباء والعواقب في الايام
الصعبة. ولكن فداحة المشاكل الاقتصادية قد تعني ان تلك الاجراءات
قد لا تكون مضمونة الفعالية او انها ربما تحتاج الى مساحة زمنية
كبيرة لتعطي ثمارها. على سبيل المثال مع اعلان الارقام الفصلية لاداء
الشركات يتبين ان المزيد من الشركات تعرضت للخسائر او الاغلاق او
التوقف عن العمل. ويزداد قلق الناس من الاقتصاد وقلة الانفاق. ان
صناعة السيارات الاميركية (على سبيل المثال) تتعرض لضغوط كبيرة وتعاني
نظيراتها في دول العالم من مشاكل معقدة وآلت الحكومة التدخل لانقاذها،
الا ان الرأي العام بدا معارضا لهذه الخطوة، خاصة بعد التدخل الحكومي
لانقاذ البنوك. اذا تدخلت الحكومة الاميركية لانقاذ شركات صناعة
السيارات فان شركات صناعات اخرى ستصرخ مطالبة بالمعونة. علاوة على
ذلك، كما قال جوزيف ستيجلتيز (الجارديان 6 نوفمبر 2008) فان بعض
الدول ستذهب الى صندوق النقد الدولي الذي سيطرح عليهم سياسات قديمة
تتمثل في الضغط على قطاعي النقد والمال مما سيوسع الفارق عالميا
بين الدول الغنية والفقيرة. وبينما تلجأ الدول المتقدمة الى سياسات
تهدف الى توازن وثبات الاقتصاد تلجأ الدول الفقيرة الى سياسات تشيع
الفوضى في الاقتصاد يضطر معها اصحاب رؤوس الاموال الى تهريب اموالهم
(التي تحتاجها الدول الفقيرة بشدة) الى الخارج. في ايسلندا حيث يعتمد
الاقتصاد على قطاع المال كانت المشاكل الاقتصادية موجعة جدا. لقد
انهارت البنوك واضطرت الحكومة الى الاستدانة من صندوق النقد الدولي
ودول اخرى في محاولة لانقاذ الاقتصاد.
لكن ايسلندا رفعت نسبة الفوائد لديها الى 18% بناء على اقتراح جاء
من صندوق النقد الدولي . وهذا مثال على عدم نجاح نسبة الفائدة المرتفعة
وقد تسببت المشاكل الاقتصادية في مشاكل سياسية تمثلت في التظاهرات
والاحتجاجات الشعبية. هذا يعني ان علينا البحث عن اجراءات جديدة
وعلى مستوى دولي، خاصة اعادة النظر لجوهر النظام المالي العالمي.
تطالب جهات عديدة اليوم باصلاح النظام المالي العالمي وهذا يشمل
اصلاح المؤسسات والبنوك العالمية، خاصة صندوق النقد الدولي والبنك
الدولي وتشمل الاصلاحات منح الدول الفقيرة صوتا اعلى في تلك المؤسسات
وهو اجراء تعارضه الدول المتقدمة بشدة. الا ان الازمة الحالية دفعت
تلك الدول للتفكير بالاصلاحات التي قد تصب في مصلحة الدول النامية.
الا انه من الصعب القول او التكهن بمدى فعالية هذه الاصلاحات. وطالب
قادة مصرف انجلترا ادخال اصلاحات على نظام الصيرفة الدولي. قال جون
جيف نائب محافظ المصرف : إن الاصلاحات تعني زيادة رأس المال وشروط
السيولة في المؤسسات المالية مع قيود مشددة على المخاطر. ان بعض
هذه الافكار هامة، مثلا زيادة الاحتياطي الواجب امتلاكها من قبل
البنوك . وقال ميرفن كنج محافظ مصرف انجلترا: إن القيود ضرورية في
عمل البنوك التي تعتبر طرفا هاما في فترات الازدهار او الكساد التي
تواجه الاقتصاد. ربما اراد ميرفن كنج القول: إن نموا بطيئا ولكن
مستقرا افضل بكثير من النمو السريع وغير المضمون، وكما حدث مؤخرا
وقال جوزيف ستيجليتز (الجارديان 22 اكتوبر 2008) ان فشل الاسواق
المالية يعود الى عدم وجود المنافسة الصحيحة وفقدان الشفافية والمراقبة
وان جانبا كبيرا من ذلك يعود الى رفض معظم المؤسسات المالية للتغيرات
التي كانت ستؤدي الى منافسة صحية، وهو ما تحدث عنه الاقتصادي الكبير
ادم سميث في كتابه الشهير ثروة الامم، الذي يعتبر العمود الفقري
للفكر الرأسمالي. ان المراقبة ضرورية للسيطرة على الاسواق المالية
واعادة الثقة بالنظام. واضاف : ان وضع قوانين مراقبة مدروسة جيدا
سيحمينا على المدى القريب ويشجع الابداع الحقيقي على المدى البعيد.
ان معظم الابداع الموجود في الاسواق المالية يستهدف التحايل على
الانظمة والضرائب. وفي الوقت ذاته عارض النظام المالي الكثير من
الابداعات التي ارادت زيادة فعالية الاقتصاد. واضاف هاجونغ تشانغ
استاذ الاقتصاد في جامعة كامبريدج بعض الافكار الاخرى ، مثلا استحداث
رمز خاص للافلاس يهدف الى اعادة هيكلة الديون السيادية وجعل الاقتراض
اصعب في الايام المزدهرة للاقتصاد ووضع قيود مشددة على تهريب الاموال
وعلى صناديق الاسهم الخاصة وشكك تشانغ ايضا بأهمية تحرير التجارة
للدول الفقيرة قائلا: إن الدول الغنية فرضت سياسات حمايوية لاقتصادياتها
في البداية وبعدها دخلت مجال التجارة الحرة عندما تحولت الى دول
صناعية، وهذه الدول تطلب من الدول الفقيرة دخول التجارة الحرة مباشرة
اما لانها (اي الدول الغنية) تعاني من فقدان الذاكرة او انها لا
تريد ان تصبح الدول الفقيرة دولا صناعية.
ان اصلاح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي (او ما يعرف بنظام بريتون
وودز المالي الدولي والذي وافقت 44 دولة على انشائه بعد الحرب العالمية
الثانية وكان يهدف اشاعة الاستقرار في الاقتصاد العالمي في فترة
ما بعد الحرب) امر ضروري. وكنت هذه المؤسسات قد تحولت في اهدافها
في السبعينيات صوب الليبرالية الاقتصادية الجديدة التي تزعمتها واشنطن.
وخلال تلك الحقبة بدأت بعض هذه السياسات بالتوجه نحو بلدان العالم
الثالث اعتمادا على مبدأ ان ما ينجح هنا سينجح هناك (أي وجود وصفة
ناجعة للجميع). وهذه الوصفة الحقت النكبات بأعداد هائلة من سكان
المعمورة.
كتب الصحفي جون فانديل في 28 اكتوبر 2008 في الانتر بريس يقول يومها
اصبحت مؤسسات بريتون وودز منظمات غير متماثلة فالدول الغنية لم تعد
بحاجة لها الا ان لها فيها 60% من الاصوات والدول الفقيرة تحتاج
تلك المؤسسات، الا ان صوتها غير مسموع فيها. لذلك اصبحت هذه المؤسسات
اداة بيد الغرب. أدت سياسة (الوصفة الواحدة) الى مشاكل عديدة منها
ان العديد من الدول النامية فتحت اسواقها قبل ان تكون مستعدة لذلك
(بعضها اجبر على ذلك ايام الاستعمار) واصبحت الدول الغنية (الند
والحكم) عندما أصرت الدول النامية على فتح اسواقها لذلك ليس من المستغرب
ان تكون الشركات الغربية المتعددة الجنسية هي اول المستفيدين. ومن
المشاكل الاخرى تفاقم ازمة الفقر حيث ان سياسة (الوصفة الواحدة)
جردت حكومات الدول النامية من القدرة على اتخاذ القرارات. وبالرغم
من ان هذه المؤسسات لم تتعرض للمساءلة حول تلك السياسات وتأثيراتها
الا ان العديد من الاصوات طالبت وما زالت تطالب باصلاحها او حتى
اغلاقها. وكان الغموض والافتقار الى الشفافية اللذين ميزا هذه المؤسسات
صد جميع تلك الاصوات، ومع ذلك شهدت السنوات بعض التطور حيث اعلن
البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ان وصفاتهما السخرية لم تكن ناجحة
دائما. على سبيل المثال حذر البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في
عام 2003 بان الدول النامية تواجه خطر الازمة المالية مع تنامي العولمة
لان التأثيرات في جزء من العالم قد يصل الى جزء آخر بسهولة. وقالت
المؤسستان: ان التكامل الحالي قضية يجب التعامل معها بحذر واضافتا
انهما لا تستطيعان تقديم خارطة طريق لتحقيق ذلك التكامل ويجب التعامل
بشكل فردي مع كل قضية.
الا ان حتى الدول الغنية تطالب اليوم باصلاح المؤسستين كما ان صوت
الدول النامية اصبح اكثر قوة، علاوة على ذلك فان مسئولين من المؤسستين
بدأوا المطالبة بالاصلاح. قال روبرت زوليك رئيس البنك الدولي : إن
فكرة الدول السبع لم تعد صالحة وان البنك بحاجة الى مجموعة اكبر
من الدول لقيادته. ومع ضآلة حجم الدور الذي لعبته المؤسسات المالية
العالمية في الازمة فان اهميتها بدأت بالتراجع. حيث ان عدد الدول
التي لجأت الى تلك المؤسسات كان قليلا ولم تحقق تلك الدول نجاحات
ملموسة. كما ان بعض الدول فكرت اولا باللجوء الى دول اخرى مثل الصين
وروسيا وبعض الدول العربية. الا ان القلق ينبع من ان الدول التي
تلجأ الى صندوق النقد الدولي قد تجد نفسها مضطرة لتطبيق وصفات قديمة
عفا عليها الزمن. وقال جوزيف سيتجليتز : إن المؤسسات المالية كانت
دوما بطيئة التجاوب. ان المؤسسات القديمة اقرت بالحاجة للاصلاح الا
انها كانت بطيئة في الاستجابة لتلك المطالب. انها لم تفعل شيئا لمنع
وقوع الازمة الحالية وهنالك شكوك حول فعالية اجراءاتها لمواجهة الازمة.
لقد تطلب من دول العالم خوض حرب عالمية والانتظار 15 سنة للقاء لمواجهة
الوهن الذي اصاب اقتصاد العالم والذي تسبب بالركود العظيم. وقال
ستيجليتز نأمل ان لا ننتظر المدة نفسها مرة اخرى لمواجهة المشاكل
التي يعاني منها الاقتصاد العالمي.
وكان الرئيس الفرنسي ساركوزي الذي ترأست دولته الدورة السابقة للاتحاد
الاوروبي قد طالب بتغيرات جوهرية في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي،
وتضمنت افكار ساركوزي رقابة اكبر على نظام الصيرفة العالمي وملاحقة
قوية لعمليات تهريب الاموال من اجل معالجة المنافسة الضريبية غير
الصحية بين الدول. الا ان هذه المقترحات ليست بالجديدة حيث اننا
سمعنا بها في العقدين او العقود الثلاثة الاخيرة. الا ان على ساركوزي
ان يضع باعتباره كما قال فانديل هواجس الدول النامية، خاصة التمثيل
العادل والشفافية والمحاسبة. وبالرغم من ظهور تجمعات دولية جديدة
(مثلا مجموعة العشرين في العام 1999 بعد ان ضربت الازمة المالية
الدول الآسيوية) والذي قد يؤشر تحولا في ميزان القوى، الا ان مجموعة
الدول الثماني مازالت هي صاحبة الكلمة الفيصل. تمثل مجموعة العشرين
الدول الثماني والاتحاد الاوروبي واثنتي عشرة دولة نامية (الدول
هي الارجنتين واستراليا والبرازيل وكندا والصين وفرنسا والمانيا
والهند واندونيسيا وايطاليا واليابان والمكسيك وروسيا والسعودية
وجنوب افريقيا وكوريا الجنوبية وتركيا وبريطانيا والولايات المتحدة)
ويشارك الاتحاد الاوروبي كمجموعة بالاضافة الى البنك الدولي وصندوق
النقد الدولي. وتمثل هذه الدول 90% من الانتاج الاقتصادي العالمي
و80% من سكان العالم بالرغم من ان 20% من الدول الافقر في العالم
(وعددها 160 دولة) غير ممثلة في هذه المجموعة. وجهت الولايات المتحدة
الدعوة لمجموعة العشرين لعقد اجتماع في منتصف نوفمبر الماضي لمناقشة
الازمة المالية العالمية وهذا دليل على اهمية الاقتصاديات الجديدة
في تقرير شئون العالم. وبينما ارادت هذه الدول علاوة على بعض الدول
الاوروبية ان يركز الاجتماع على مناقشة الاصلاحات الجوهرية على النظام
الحالي الدولي، الا ان الولايات المتحدة ودولا اخرى ارادت التركيز
على سبل معالجة الازمة الحالية من خلال اجراءات قصيرة الأمد. ان
هذا التباين في وجهات النظر هدد بنسف اللقاءات وجعلها اقل تأثيرا
وعلى الصعيد ذاته فان مؤتمر الامم المتحدة الذي عقد في الدوحة وناقش
التمويل من اجل التنمية في نوفمبر الماضي لم يحظ باهتمام اعلامي
واضح. وشاركت في المؤتمر 192 دولة وهو يعتبر امتدادا للمؤتمرات المالية
التي انطلقت في عام 2002 واكتشفت بعض الدول ذات الاقتصاديات الجديدة
(الصين مثلا) ان الضغوط الداخلية تتفوق على مساهماتها في القرارات
الدولية. على سبيل المثال طلب جوردون براون رئيس الوزراء البريطاني
من الصين تقديم مليارات من احتياطيها بالعملات الاجنبية لمواجهة
الازمة المالية، الا ان الصين تخشى تراجع اداء اقتصادها وحاجتها
لتلك الاموال لانعاش اسواقها الداخلية. لذلك قامت الصين بوضع مليارات
الدولارات في سلات تشجيعية تهدف الى انعاش الاقتصاد الداخلي مما
يعني انها غير راغبة في تقديم الاموال لمساعدة بعض المؤسسات المالية
العالمية، مثلا صندوق النقد الدولي. كما ان البعض أثار الشكوك حول
جدوى اهتمام مجموعة من الدول (مثل الصين) بانشاء بديل لعالم يسوده
الدولار الاميركي. لقد استفادت الصين (على سبيل المثال) من نموذج
التنمية الاميركي القائم على الاستهلاك واستهدف زيادة الصادرات للصين.
لكن اليوم ومع تراجع ثقة المستهلك بالولايات المتحدة فإن الصين بدأت
تشعر بالتأثيرات لكن اذا رأت الصين مستقبلا ينتعش فيه ذلك النموذج
فانها ستستفيد من ذلك. لكن السؤال الهام هو هل تريد الصين ذلك التغير؟.
ماذا عن فعالية التغير؟ رحبت المؤسسات المالية في الآونة الاخيرة
بالتغيرات ففي ابريل 2008 تقرر ان تتنازل الدول الغنية في صندوق
النقد الدولي عن 3% من اصواتها (2% للاقتصاديات الجديدة وواحد بالمائة
للدول النامية) الا ان ذلك ليس بالشيء المؤثر لمواجهة الازمة المالية
الحالية او اية ازمة اخرى على شاكلتها، خاصة وان التاريخ يقول ان
سياسات القوة والجشع تدمر ابدا الافكار البناءة لان من يستفيد من
نظام معين لن يكون مستعدا للتغير او يجري تغيرات يستفيد منها اولا،
وقد لا تفيد الأخرين. كما ان التوتر بدا واضحا بين الدول الغنية
على سبيل المثال لم توجه الولايات المتحدة الدعوة لاسبانيا لحضور
القمة التي عقدت في منتصف نوفمبر الماضي لمناقشة الازمة المالية.
بما ان اسبانيا هي ثامن اكبر اقتصاد في العالم وتمتلك اثنين من اكبر
البنوك الستة عشر في العالم فان اجتماع مجموعة العشرين (دون وجود
اسبانيا بين الدول المكونة للمجموعة) قد يعني ان المجموعة لا تعتبر
اسبانيا دولة غنية (مثل مجموعة الدول الثماني) او الاقتصاديات الجديدة
(بقية دول المجموعة) الا ان اسبانيا تعتقد ان عدم توجيه الدعوة لها
جاء بسبب سحبها لقواتها من العراق. كانت اسبانيا تتمتع بدعم دول
الاتحاد الاوروبي ودول اميركا اللاتينية. وهي مثل فرنسا تريد اصلاحا
حقيقيا للنظام المالي العالمي وتركيزا على صندوق النقد الدولي ومنح
الاقتصاديات الجديدة تمثيلا اكبر. جاءت نتائج اجتماع مجموعة العشرين
متباينة فقد اتفقت الدول الاعضاء على استخدام الانفاق الحكومي لمواجهة
الركود الاقتصادي ومراقبة الاسواق ورفض السياسات الحمايوية وبعث
الروح بالمفاوضات الرامية الى اتفاق تجاري عالمي. واتفقت الدول المجتمعة
ايضا على اللقاء مجددا في مارس 2009 لمتابعة القرارات.
وحصلت الدول النامية على ضمانات بحصولها على دور اكبر في المؤسسات
المالية العالمية من خلال الوعود باصلاح البنك الدولي وصندوق النقد
الدولي. لكن البعض يقول ان نتائج المؤتمر كانت غامضة وان الاتفاق
تم على المبادئ فقط ولم تناقش التفاصيل.
الا ان اصلاح المؤسستين الماليتين الدوليتين سيكون هاما لغالبية
دول العالم غير ان الحديث عن هذا الامر وعن رغبة الدول الغنية التنازل
عن بعض سلطتها في المؤسستين لا يتعدى حدود التوقعات وعلينا انتظار
السنة الحالية لرؤية النتائج. الا ان الوعود بتغير النظام الحالي
العالمي بشكل جوهري بدأت بالتراجع قليلا، لقد جاء في مشروع بريتون
وودز (27 نوفمبر 2008) ان دول مجموعة العشرين لن يكون لديها الوقت
الكافي لاحداث تأثير وهي لن تكون قادرة على فعل لوحدها. وقال ماغويل
دي اسكوتو رئيس الجمعية العامة للامم المتحدة ان المشاركة الفعالة
لمنظمات او تجمعات تمثل جميع تطلعات شعوب الارض هي وحدها الكفيلة
باعادة ثقة المواطنين بالحكومات وبالمؤسسات المالية. ان الحلول يجب
ان يساهم بها الجميع وبطريقة ديمقراطية: وكما قلنا لم يحظ مؤتمر
الدوحة لتمويل التنمية بالاهتمام الاعلامي ذاته الذي واكب قمة مجموعة
العشرين بالرغم من ان مؤتمر الدوحة كان اكثر تمثيلا لتطلعات الشعوب
(شاركت 192 دولة فيه) ورعته الجمعية العامة للامم المتحدة، الا ان
النتائج كانت عادية واحيانا مخيبة للآمال. المعتقد ان اكثر المؤسسات
المالية قوة هي الاضعف ديمقراطيا حيث ان القوة لا تتوزع بشكل عادل
بين الاعضاء كما ان الشفافية مفقودة بسبب ضياع الديمقراطية. وبالرغم
من ان التاريخ يقول ان من يمتلك القوة يفوز الا ان التاريخ ذاته
يقول ان القوة تتنقل، ان الازمة المالية الحالية قد تنذر بتحول في
القوة ويعتقد ايضا ان الازمات قد تكون الوقت المناسب للحديث عن تغير
النظام الاقتصادي العالمي.
لكن هل سيطول الحديث النظريات الاقتصادية السائدة؟.
خلال سنوات الازدهار الاقتصادي لا يريد الناس الاصغاء الى الانتقادات
الموجهة الى النظريات الاقتصادية المفيدة لهم، خاصة اذا كانت هذه
النظريات سببا رئيسيا في حصولهم على الثروة والسلطة، حتى ان كانت
النظريات مضرة بالبعض. لذلك تصبح فترات الازمات مناسبة جيدة لاعادة
النظر بتلك النظريات. وحتى وسائل الاعلام التي تناصر عادة النظريات
الاقتصادية (اليوم نتحدث عن النظريات الليبرالية الجديدة) حتى وسائل
الاعلام تكون مستعدة للحديث عن افكار وسياسات اقتصادية جديدة. قال
ستيفن مارجلين استاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد : إن المنظور السياسي
للاقتصاد قد تقلص في العقود الاخيرة مما قلص الى حد كبير الخيارات
على مستوى الافكار والسياسات. وقال بعض المحللين ان الايديولوجية
الاقتصادية الحالية مليئة بالعيوب وهي بحاجة الى بعض الاصلاحات لجعلها
صالحة للجميع. ويرى البعض الآخر ان الرأسمالية مليئة بالاخطاء والثغرات
ويجب التخلص منها. ويعتقد آخرون ان محاولات الانقاذ التي تقوم بها
الحكومات في الدول الغنية ستشوه الاسواق لذلك نحن بحاجة الى المزيد
من الحرية للسوق لا المزيد من القيود. يبدو ان الجدل حول هذا الموضوع
سيزداد وستدخل افكار من مشارب متنوعة وسيولد ذلك نقاشا اوسع وفي
الوقت ذاته سيولد بعض التعصب. من يملك المال والقوة لن يرضخ لمطالب
التغير الجذري في الفكر الاقتصادي والذي يؤدي الى تراجع ما يملكون
من قوة ومال، وهؤلاء سيواصلون هيمنتهم على الحكومات، وسيفعلون كل
شيء من اجل الحفاظ على مصالحهم. لنتذكر هنا آدم سميث صاحب كتابة
ثروة الامم ومنظر الفكر الرأسمالي الاول وهو يقول: إن تجارنا وكبار
الصناعيين يتذمرون من التأثيرات السلبية لرفع الاجور على ارتفاع
الاسعار وبالتالي تتراجع المبيعات في الداخل والخارج. الا انهم لا
يقولون شيئا عن الآثار السلبية للارباح العالمية. انهم لا يتحدثون
عن الآثار المدمرة لارباحهم لكنهم يتذمرون عندما يحقق الاخرون بعض
العوائد. ان التجار وكبار الصناعيين هما الطبقتان من الناس الذين
يوظفون رؤوس اموال كبيرة وهما من خلال ثروتهما يجذبان اليهما اهتمام
شريحة واسعة من الناس. وخلال فترات حياتهم ينشغلون بخطط ومشاريع
لذلك يتوفر لديهما فهم دقيق اكبر مما لدى الاخرين في المجتمع. وبما
ان افكارهم تنصب على مصالح النشاط التجاري ـ الصناعي الذي يمارسونه
وليس على مصالح المجتمع، لذلك فإن احكامهم ستتحدد من قبل الجانب
الاول (اي مصالحهم الخاصة) لا الجانب الثاني. ان تفوقهم على الآخرين
ليس بسبب معرفتهم بالمصلحة العامة، لكن بسبب معرفتهم بمصلحتهم على
عكس المواطن العادي الذي قد لا يعرف مصلحته مثلما يعرف الصالح العام.
وبسبب معرفتهم الجيدة بمصلحتهم فان التجار وكبار الصناعيين استفادوا
من كرم المواطن العادي واقنعاه بالتخلي عن مصلحته والمصلحة العامة
وذلك من خلال اقناعه ان مصلحتهما وليست مصلحته هي المصلحة العامة
الا ان مصلحة الباعة تختلف عن المصلحة العامة واحيانا تتعارض معها.
فالباعة يريدون سوقا اوسع ومنافسة اقل. ان السوق الواسع قد يصب في
مصلحة الناس الا ان تضييق الخناق على المنافسة سيضر بالمصلحة العامة
لانه سيحقق المزيد من الارباح للباعة والمزيد من الضرائب على الناس.
ان اقتراح قانون جديد للتجارة او مجموعة ضوابط نابعة من هذا النظام
يجب ان ينظر اليه بحذر شديد ويجب عدم تبنيه الا بعد دراسة وتمحيص
شديدين انه يأتي من مجموعة من الرجال لا تتطابق مصالحهم مع المصلحة
العامة، هؤلاء لديهم مصلحة بخداع العامة وربما الضغط عليهم وهم قاموا
بذلك في مناسبات عديدة.
ان عيون العالم شاخصة اليوم صوب البيت الابيض وساكنه الجديد باراك
اوباما على اعتبار ان الولايات المتحدة هي التي اشعلت نيران الازمة
الحالية العالمية ويجب ان تبادر وتطفئ تلك النار. ربما سيبادر اوباما
الى دعم الدولار او تقليص العجز في الميزانية او في الميزان التجاري
وربما سيعمد الى سحب القوات الاميركية من العراق وربما سيمد يد الصداقة
الى ايران وفنزويلا للحفاظ على التوازن في سوق النفط وتخفيف الضغط
على الدولار. هذه امور موكولة للرئيس وليس لصندوق الاحتياطي الفيدرالي.
لكن يجب الاعتراف بان ما من رئيس اميركي اضر بالاقتصاد الاميركي
مثلما فعل جورج بوش . فعندما دخل بوش البيت الابيض في عام 2001 كانت
ديون الولايات المتحدة 5.8 تريليون دولار ارتفعت (مثلا) في ولايته
الثانية تلك الديون الى 8.3 تريليون دولار منها 2.2 تريليون دولار
ديون خارجية. كان الناتج القومي الاميركي يومها يبلغ 12.4 تريليون
دولار اي ان نسبة الديون الى الناتج القومي هي 66% . وكانت الولايات
المتحدة قد دفعت في عام 2005 (325) مليار دولار فوائد لتلك الديون،
وعلينا ان نضيف الى ذلك الالتزامات الحكومية في الصحة والتعليم والتأمين
الاجتماعي وغيرها (يصل المبلغ الى 54 تريليون دولار). هذه المشكلة
المستعصية جعلت الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي يقول في شهادة
له امام الكونجرس لقد اعطينا الاجيال القادمة من المتقاعدين وعودا
لن نستطيع تلبيتها. هذه الديون الكبيرة كان يجب ان تجعل بوش والكونجرس
يفكران مليا الا انهما لم يفعلا ذلك .
فالكونجرس الاميركي قرر في مارس 2006 زيادة سقف الديون الفيدرالية
الى 9 تريليونات دولار. ان اية دولة مرت بظروف الولايات المتحدة
كانت ستتوجه الى صندوق النقد الدولي والذي كان سيطلب منها تقليص
الانفاق الحكومي واعادة تقييم العملة. الا ان الولايات المتحدة لجأت
الى اصدار المزيد من الدولارات موهمة الناس والعالم ان الاقتصاد
بخير من خلال التركيز على معدلات النمو الاقتصادي، لكن العالم استفاق
ليجد نفسه غارقا في خضم ازمة مالية لا يستطيع احد تحديد ابعادها
مما دفعت الناس الى حالة من الترقب ودفعت اخرين الى الاعتقاد ان
العالم سيتعافى من فترة كساد قد تستمر سنتين او اربع سنوات والجميع
يأمل ان لا يشهد العالم ما شهده في الركود الاقتصادي العظيم في بداية
القرن الماضي. وربما سيستفيق الاميركيون ويحاولون اصلاح الضرر الذي
سببوه للعالم.
* باحث ومترجم عراقي
أعلى
|
|
|
الصفحة
الرئيسية |
المحليات |
السياسة
| اراء
الاقتصاد |
الرياضة
|
ثقافة وفنون
| الصفحة
الدينية | كاريكاتير
|