الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
أشــرعــة

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 

 





فتاوى لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة


*رجل ملتزم ويصلي ويحافظ على الواجبات كلها إلا أنه يدخن الشيشة فما الحكم؟
**نعوذ بالله من عادات السوء، هذه الشيشة هي من البلايا العظيمة، وهي أخت التدخين، والتدخين ثبت ضرره. مضار التدخين مضار كثيرة وهي مضار مهلكات منها ما يؤدي إلى الهلكة بسبب أنواع من السرطان، ومنها ما يؤدي إلى الهلكة بسبب أنواع من الجلطات، ومنها إلى الهلكة بسبب أمراض الشرايين، ومنها ما يؤدي إلى الهلكة بسبب أمراض الكبد، هناك أكثر من علة من العلل الخطيرة تنشا عن التدخين فالتدخين ضرره بالغ، والشيشة لا ريب أنها هي أخت التدخين والله تبارك وتعالى حرم على الإنسان أن يقدم على قتل نفسه قال تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) (النساء:29ـ30).
وجاء في الحديث الصحيح الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلّم أن من قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبدا، وكذلك جاء في القرآن الكريم ما يدل على أن تبديل النعمة مؤد إلى سخط الله فالله تبارك وتعالى يقول (وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)(البقرة: من الآية211).
على أن الصحة هي نعمة، نعمة عظيمة، والمال هي نعمة، والأخلاق هي نعمة وكل من ذلك يُتلف بالتدخين، فالصحة يتلفها الإنسان بالتدخين بسبب تعريضه نفسه لأنواع من الأمراض الفتاكة القاتلة من خلال هذه الآفة الخطيرة جداً، وبالنسبة إلى المال يُتلف هذا المال ولو كان يرى الإنسان ما ينفقه شيئاً يسيراً، لنقدر أن هذا المدخن لا ينفق في كل يوم إلا مائة بيسة فإنه في الشهر ينفق ثلاثة ريالات في السنة ستة ثلاثين ريالاً فهب أحداً لا يدخن ولكنه على رأس كل سنة يأخذ من ماله ستة وثلاثين ريالاً ويلقيها في النار ألا يقال بأنه مبذر وأنه جدير بأن يقبض على يده ويمنع من التصرف في ماله لأنه ملحق بالسفهاء، فكيف بهذا الذي ينفق هذه النفقات وهو بسببها يقتل نفسه، يعرض نفسه للقتل.
على أن عائد هذا التدخين إلى من يعود؟ إنما يعود على أعداء الإسلام، فشركة واحدة من شركات التدخين تعود بالدخل على المؤسسة الصهيونية العالمية التي تحارب الإسلام وتقتل المسلمين وتفعل الأفعال بالمسلمين، تعود عليها بالدخل في كل سنة باثني عشر مليار دولار، ومعنى ذلك أنه لو امتنع عن الناس التدخين فهذه الشركة الواحدة تخسر اثني عشر مليار دولار وذلك مما يؤدي إلى ضعف الكيان الصهيوني الذي يعادي المسلمين ويقتل المسلمين ويحارب المسلمين، فضلاً عن الشركات الأخرى الكثيرة التي تعود بالدخل عليهم وعلى أمثالهم .
فلو انقطع الناس عن التدخين جميعاً لأدى ذلك إلى خسارة تطيح باقتصاد أولئك. أليس ذلك واجباً على المسلمين وهم يتعرضون الآن لهذه الحروب حروب الإبادة من قبل أعداء الإسلام وعلى رأسهم الصهيونية العالمية؟ فضلاً عن كونهم يقتّلون أنفسهم فأولئك يستنزفون أموال المسلمين من خلال هذا التصدير تصدير الموت الزؤام الموت من خلال هذه السموم التي يبثونها فيما بينهم، وهذا كله من نعمة المال وهو نعمة من نعم الله فكيف يتلفه الإنسان .
كذلك الأخلاق فإن المدخن يضر بغيره، المدخن ينفث الدخان أمام غيره وذلك يتنافى مع الأخلاق، وهو يضر بغيره ضرراً بالغاً فإن التدخين غير المباشر قد يكون أشد ضرراً من التدخين المباشر أي الذي يشتمّه غير المدخن من روائح الدخان من خلال ما يخرج من الدخان من أفواه المدخنين هو أشد ضرراً عليهم من ضرر أولئك الذين يدخنون مع أن الذين يموتون من التدخين في كل سنة نحو أربعة ملايين في هذا الوقت، والعدد يتزايد باستمرار، ويمكن أن يصل بعد فترة إلى عشرة ملايين في كل سنة. هؤلاء يموتون بسبب التدخين فكيف يُقر المسلمون في أوساطهم هذه العلة الفتاكة.
وأنا أعجب من محاربة الناس للمخدرات مع إقرارهم التدخين. التدخين لا يقل ضرراً عن المخدرات بل الذين يموتون بسبب التدخين في كل عام أضعاف أضعاف أضعاف الذين يموتون بطريق المخدرات، حتى قيل بأنه أكثر من مائة ضعف الذين يموتون بالتدخين أكثر من مائة ضعف من الذين يموتون بالمخدرات، وهم عشرة أضعاف الذين يموتون بسبب مرض نقص المناعة المكتسب. ومع هذا لا يبالي الناس بهذه الآفة الفتاكة التي سرت في أوساطهم هذا السريان العجيب .
فالتدخين لا يضر الشخص المدخن وحده بل يضر بأولاده لأنهم يقتدون به ويتبعون خطواته، ولربما كان أيضاً تدخين الأب سبباً لسريان مرض التدخين وآفته إلى الأولاد الذين يتكونون منه، وتدخين الأم معلوم بالضرورة أنه يسري في أولادها، يضر بأولادها عندما تحمل وتلد وترضعهم فإن حملها لهم وولادتها إياهم وإرضاعها لهم كل من ذلك مما ينقل إليهم عدوى هذه الآفة الفتاكة. فيجب التنبه لذلك وإغلاق هذا الباب نهائياً. وعلى جميع المؤسسات الإعلامية والثقافية والدينية وغيرها أن تقف في وجه هذه الآفة الفتاكة، والله تعالى الموفق .
*البعض سماحة الشيخ يقول بأنه لم يأت نص في القرآن الكريم يحرم أو الأحاديث النبوية الشريفة يحرم التدخين ولذلك فما دام لم يرد نص في تحريمه فلذلك هو مكروه فحسب، هل هذا الكلام صحيح؟
**طيب، كذلك أيضاً الهيروين وغيره من هذه الآفات المنتشرة لم ينص على شيء منه في القرآن الكريم. أنا أتحدى أولئك الذين يطالبون بالنص على تحريم التدخين أن يأتوا بنص أيضاً على تحريم هذه الأشياء فإما أن يقولوا بإباحتها، وإما أن يقولوا بتحريمها وتحريم التدخين معها .
وكذلك هنالك أشياء كثيرة من الضرر، السم لم يأت نص صريح بأنه لا يجوز تناول السم، ولكن نُهي عن قتل الإنسان نفسه (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (النساء: من الآية 29)، على أن النبي صلى الله عليه وسلّم جاء وصفه في التوراة والإنجيل والقرآن بأنه يحل الطيبات ويحرم الخبائث، ومن الذي يقول بأن التدخين من الطيبات، رائحته خبيثة وطعمه خبيث وأثره خبيث كل ما فيه خبيث، هو ضرر لا نفع فيه قط، فكيف مع ذلك يقال بإباحته؟
وجدت بعض الناس أيضاً الذين ابتلوا بهذه الآفة الخطيرة يحاول أن يدافع عن ذلك ويقول أيضاً الشحوم تضر بالجسم فلماذا لا يقال بحرمة الشحوم؟
الجواب الشحوم قد يحتاج إليها الجسم لا بد من نسبة من الشحوم في الجسم، وعدم وجود نسبة قط عدم تغذي الجسم بشيء من الشحوم يؤدي ذلك إلى الضرر في الجسم بخلاف التدخين، فإن التدخين لا يحتاجه الجسم أبداً بل ما يلج إلى الجسم من الدخان إنما هو سم زعاف قاتل فكيف يقاس التدخين على الشحوم أو يحمل عليها ، الشحوم شيء آخر .
نعم المبالغة في كل شيء حتى الطعام الطيب الذي هو في الأصل لا ضرر فيه، حتى التمر لو أكثر الإنسان منه إلى حد الإسراف فإن ذلك يعد حراما لأن الله تعالى يقول (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا )(الأعراف: من الآية31)، فإن كان يؤدي إلى التخمة وهو يعلم ذلك ويأكل إلى يتخم نفسه عمداً فإنه بهذه الحالة يكون قد أضر بنفسه، ويكون بتجاوزه حدود الاعتدال قد وقع في الحرام .
وكذلك الماء الذي هو سبب في الحياة عندما يكثر الإنسان منه إلى أن يضر بنفسه وهو متعمد لذلك، يحمل نفسه على شرب الماء من غير أن تكون نفسه بحاجة إلى هذا الماء ، من غير أن يكون جسمه بحاجة إلى هذا الماء ، وإنما يكره نفسه على نفس الماء إلى أن يؤدي ذلك إلى الضرر به فذلك أيضاً حرام ، كما دلت الآية الكريمة (ولا تسرفوا) بعد إباحة الأكل والشرب (وكلوا واشربوا) فإن كل شيء مقدر بمقدار الاعتدال، وكذلك تناول الشحوم إنما هو مقدر بمقدار الاعتدال بقدر ما ينفع ولا يضر ، ولا يقال بحرمة الشحوم على الإطلاق كيف وفيها نفع للجسم بل الجسم بحاجة إليها ولا يقوم بدونها ، وإنما هذه من باب مغالطة الحقائق، والله تعالى المستعان.

يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة



أعلى






التاريخ الهجري

جسد الهوية وذاكرة الأمة

محمد بن عامر العيسري

التاريخ الهجري مدار الأحكام الشرعية والعبادات
تجاهل التاريخ الهجري إعراض عن ميلاد الأمة
استفاقة الأمة مرهونة بالتمسك بتأريخها المجيد
التراث الإسلامي لم ينفك عن التاريخ الهجري إطلاقا

إلى عهد قريب لم تعرف الأمة الإسلامية تاريخاً آخر غير التاريخ الهجري لتسجيل كل حدث ولاحتساب كل زمن ، ذلك لأن هذا التاريخ هو جزء من الهوية لا يمكن المساس به ، بل وجزء من منظومة من الشعائر والعبادات التي هي مناط التكليف في دين الإسلام ، ومن هنا فإن التراث الإسلامي أجمع ما عرف سوى التأريخ الهجري الذي دلت عليه آيات الكتاب من خلال ذكر الأشهر الاثني عشر والأربعة الحرم والأهلة وشهر رمضان والحج وغيرها من الدلالات.

واليوم يحار العقل ويتحير اللب من انصراف الأمة الإسلامية عن هذا التأريخ إلا ما ندر ، وجعله هامشاً لا يكاد ينظر إليه إلا قليلاً.والتأريخ الهجري حاضر بقوة في أوعية التراث العلمي الإسلامي ، ويروى أنه التأريخ بالأشهر القمرية واعتبار الهجرة النبوية انطلاقاً لـتأريخ الأمة قد تم في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
بدأ التدوين و التأريخ للأحداث بالسنة الهجرية
قيل : كان العمل بالتأريخ الهجري في السنة السادسة عشرة و قيل السابعة عشرة من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
أخرج البخاري عن سهل بن سعد قال : ما عدوا من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ولا من وفاته ، ما عدوا إلا من مقدمه إلى المدينة .
و أفاد السهيلي في الروض الأنف أن الصحابة أخذوا التأريخ بالهجرة من قوله تعالى: { لمسجد أسس على التقوى من أول يوم } لأنه من المعلوم أنه ليس أول الأيام مطلقاً ، فتعين أنه أضيف إلى شيء مضمر وهو أول الزمن الذي عز فيه الإسلام ، و عبد فيه النبي صلى الله عليه وسلم ربه آمناً ، و ابتداء المسجد ، فوافق رأي الصحابة ابتداء التاريخ من ذلك اليوم.
و قد أبدى بعضهم للبدء بالتأريخ بالهجرة مناسبة فقال : كانت القضايا التي اتفقت له و يمكن أن يؤرخ بها أربعة أمور : مولده ومبعثه و هجرته و وفاته ، فرجح عندهم جعلها من الهجرة ؛ لأن المولد والمبعث لا يخلو واحد منهما من النزاع في تعيين السنة ، وأما وقت الوفاة فأعرضوا عنه لما توقع بذكره من الأسف عليه ، فانحصر في الهجرة ، وإنما أخروه من ربيع الأول إلى المحرم لأن ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم ، إذ البيعة وقعت في أثناء ذي الحجة وهي مقدمة الهجرة ، فكان أول هلال استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة هلال المحرم ، فناسب أن يجعل مبتدأ ،.
و ذكروا في سبب عمل عمر -رضي الله عنه- التأريخ أشياء ، ذكرها ابن حجر في فتح الباري ، منها :
ما أخرجه أبو نعيم الفضل بن دكين في تاريخه و من طريق الحاكم من طريق الشعبي ( أن أبا موسى كتب إلى عمر أنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ ، فجمع عمر الناس ، فقال بعضهم : أرخ بالمبعث ، و بعضهم أرخ بالهجرة ، فقال عمر : الهجرة فرقت بين الحق والباطل ، فأرخوا بها ، و ذلك في السنة السابعة عشرة ، فلما اتفقوا قال بعضهم ابدأوا برمضان ، فقال عمر : بل بالمحرم فإنه منصرف الناس من حجهم ، فاتفقوا عليه ) .
وروى أحمد وأبو عروبة في الأوائل و البخاري في الأدب والحاكم من طريق ميمون بن مهران قال : رفع لعمر صك محله شعبان ، فقال : أي شعبان ، الماضي أو الذي نحن فيه ، أو الآتي ؟ ضعوا للناس شيئاً يعرفون فيه حلول ديونهم ، فيقال إنهم أراد بعضهم أن يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم ، كلما هلك ملك أرخوا من تاريخ ولاية الذي بعده ، فكرهوا ذلك ، ومنهم من قال : أرخوا بتاريخ الروم من زمان الإسكندر ، فكرهوا ذلك ، وقال قائلون : أرخوا من مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال آخرون من مبعثه عليه السلام ، وأشار علي بن أبي طالب وآخرون أن يؤرخ من هجرته من مكة إلى المدينة لظهوره لكل أحد فإنه أظهر من المولد والمبعث . فاستحسن ذلك عمر والصحابة ، فأمر عمر أن يؤرخ من هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأرخوا من أول تلك السنة من محرمها .

وروى ابن أبي خيثمة من طريق ابن سيرين قال : قدم رجل من اليمن فقال : رأيت باليمن شيئاً يسمونه التاريخ يكتبونه من عام كذا و شهر كذا ، فقال عمر : هذا حسن فأرخوا ، فلما أجمع على ذلك قال قوم : أرخوا للمولد ، وقال قائل : للمبعث ، وقال قائل : من حين خرج مهاجراً ، وقال قائل من حين توفى ، فقال عمر : أرخوا من خروجه من مكة إلى المدينة ، ثم قال : بأي شهر نبدأ ؟ فقال قوم : من رجب ، وقال قائل : من رمضان ، فقال عثمان : أرخوا من المحرم فإنه شهر حرام وهو أول السنة ومنصرف الناس من الحج ، قال: و كان ذلك بالسنة السابعة عشرة و قيل السنة السادسة عشرة في ربيع الأول .
وروى الحاكم في المستدرك عن سعيد بن المسيب قال : جمع عمر الناس فسألهم عن أول يوم يكتب التاريخ ، فقال علي رضي الله عنه : من يوم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وترك أرض الشرك ، ففعله عمر .
وخلاصة المستفاد من مجموع هذه الآثار أن الذي أشار بالمحرم عمر وعثمان وعلي ، وأن عليا -رضي الله عنه- أشار بالتأريخ من الهجرة . .

أمة بلا تأريخ أمة ضائعة
وفي لقاء سابق للوطن مع سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة قال سماحته : "علينا أن ندرك أن كل أمة لا تعتز بتاريخها هي أمة ضائعة ، فمن لم يكن له ماضٍ فليس له حاضر . والحاضر إنما يُبنى على الماضي ، وأي ماض أولى بأن يبنى عليه الحاضر من الماضي الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم وفي عهد المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان .
على أن التاريخ الآخر كان موجوداً من قبل ولم يكن المسلمون في عمى من أمرهم بحيث ما كانوا عارفين به ، إذ كانوا على اتصال بدولة الروم وكانوا يعرفون هذا التاريخ ، ولكن مع ذلك ما عوّلوا على التاريخ الآخر وإنما عوّلوا على التاريخ الهجري ، وارتبطوا بهذا التاريخ الهجري .
وبجانب هذا فإن هنالك اختلافاً ما بين التاريخين في مدارهما ، ذلك لأن التاريخ الميلادي إنما يدون بدوران الأشهر الشمسية ، والتاريخ الهجري يدور بدوران الأشهر القمرية ".

مدار الأحكام الشرعية والعبادات
وقال سماحته : "وقد بيّن الله سبحانه وتعالى أن الأشهر القمرية هي مدار الأحكام الشرعية ، فقد قال تعالى: ( يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ )(البقرة: من الآية189) ، ثم بجانب ذلك بيّن سبحانه وتعالى ارتباط هذه الأشهر أي القمرية بصميم الدين الحنيف في قوله سبحانه وتعالى: ( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) (التوبة: من الآية36) ، فجعل هذا من صميم الدين القيم ، مع أن الأشهر الحرم لا توجد إلا في الأشهر القمرية .
كذلك نجد أن الأحكام الشرعية كلها تناط بهذه الأشهر القمرية ، فالحج إنما يكون بالشهور القمرية ، كذلك عِدَد النساء إنما هي بالشهور القمرية ، الصيام إنما هو بشهر من الشهور القمرية ، الزكاة يجب دفعها بدوران اثني عشر شهراً من الأشهر القمرية ، كذلك بالنسبة إلى بقية الأحكام جميعاً .
فلماذا إذن يُعرض المسلمون عن التمسك بهذا التاريخ الذي كان به ميلاد أمتهم ، وكان به ميلاد دولتهم ، وكان به ميلاد جماعتهم ، ويستمسكوا بالآخر .
ونحن نجد أن الصحابة فمن بعدهم إلى مضي ثلاثة عشر قرناً كانوا مُجمعين على التاريخ الهجري ، فإذن معنى هذا أن الخَلَف عليه أن يحذوا حذو السلف ، فلماذا يعرض الخلف عن منهاج السلف وقد كان هذا منهاج السلف الصالح .
وقال : العتاب موجه إلى الأمة من هذه الناحية ولا سيما الأفراد ، فإن الإنسان يستطيع أن يؤرخ قضاياه بالتاريخ الهجري لا سيما مثل تراجم العلماء ، فما الداعي لأن تكون تراجم العلماء بالتاريخ الآخر مع أنه يُعرف التاريخ الهجري ، ونحن نجد حتى العلماء الماضين عندما يُؤرَخ لهم الآن ويُترجَم لهم يحاولون أن يحوروا التاريخ ليتلاءم مع التاريخ الآخر غير التاريخ الهجري ، وأولئك العلماء مضوا ولا يُعرف عندهم إلا التاريخ الهجري ، فما الداعي إلى ذلك !.
إن هذه هزيمة نفسية ، وهذه ارتكاسة والعياذ بالله ، فعلى الأمة أن تنتشل نفسها من هذه الارتكاسة ."أهـ .


هوية الأمة في التأريخ الهجري

إن التأريخ الهجري هو هوية أمة، به ارتبطت أمجادها وأيامها ووقائعها وأحداثها وما بقي محفوراً في سجلها الخالد.
إن تآمر الحضارات الأخرى للاستعلاء على أصل من أصول الهوية الإسلامية ألا وهو التاريخ الهجري قد طال الأوساط الإسلامية منذ قرون ، واستمرت تلك المحاولات التي لم يكن آخرها في القرن الثاني عشر الهجري الموافق للثامن عشر الميلادي عندما أرادت الدولة العثمانية تحديث جيشها وسلاحها طلبت مساعدة الدول الأوربية العظمى (فوافقت على مساعدتها بشروط، منها: إلغاء التقويم الهجري في الدولة العثمانية فرضخت لضغوطها.
وفي القرن الثالث عشر الهجري، التاسع عشر الميلادي عندما أراد خديوي مصر أن يقترض مبلغًا من الذهب من إنجلترا وفرنسا؛ لتغطية مصاريف فتح قناة السويس، اشترطتا عليه ستة شروط، منها: إلغاء التقويم الهجري في مصر؛ فتم إلغاؤه سنة: 1292هـ/ 1875م، واستبدال التقويم القبطي والميلادي به.
حتى نفيق وعليه فإن استفاقة الأمة مرهونة أيضاً بالعض على تأريخها بالنواجذ ، وليس ثمة إطار زمني وتقويم تأريخي أقدر على احتواء تراثنا الإسلامي بكل فروعه من التأريخ الهجري ، فيجب أن يكون التأريخ الهجري حاضراً في حياة الناس اليومية من تدوين ومراسلات وتوثيق وتسجيل وحفظ وضرب مواعيد وأجور واستحضار وتذكير وغير ذلك مما يشغل الناس في حياتهم.
كما يجب أن يكون التأريخ الهجري مقدماً على غيره حاضراً في الذاكرة والذهن فبه يستشعر المرء وظائفه التعبدية وبه يرتبط بالعبادات التي تحدد بدخول الأيام والأشهر ، وبه يستحضر ذاكرة الأمة عبر تأريخها المجيد.
------------
المراجع
التاريخ الهجري أحداث ومناسبات . أبو عبدالله الذهبي
لماذا التاريخ الهجري - محمد بدوي
نحن والتاريخ الهجري. تحقيق صحفي سابق بـ(الوطن)
التقويم الهجري.. ووسائل استعادة الهوية - المركز العالمي للوسطية.


أعلى






العلاقة بين الجنسين كيف تكون

الحلقة الأولى

العلاقة بين الجنسين كيف تكون؟
وما حدودها؟ وما الصداقة البريئة؟
أين يقع الخلل في هذه العلاقة ؟
علاقة أو لا علاقة؟
هل هناك حب في الاسلام؟
هل يمكن أن تقوم صداقة بريئة بين فتى وفتاة؟
وأول ما ينبغي توضيحه هو مفهوم الحب في الاسلام فيحسب الكثير أن بين الحب وبين الاسلام حجاباً كثيفاً وعداوة مستحكمة ومن أجل هذا نجد من تستجيب لهذا الحب قد يئست أن تستجيب للاسلام .. والأمر ليس بهذه الصورة فالإنسان لا يستطيع العيش بدون حب.
والحياة بلا حب صحراء قاحلة، فهو بلسم الجراح وعطر الحياة، ولا يوجد من يعيش دون الحب، فهذه فطرة وغريزة ولولا أن الله خلقها فينا لما كان للبشرية أمل في الاستمرار والتناسل، فالغريزة هي احد الأسباب التي جعلت العالم يستمر، إذن لا يمكن التفكير في قهر الغريزة ولا يمكن لنا أن نلغيها من حياتنا ، ولا يمكن أن نتجاهلها ونحن نتكلم. ولكن الحب إن ترك بلا حدود يكون كاسحاً، ومن أجل هذا جعل الاسلام منه المباح والمحظور .
والفرعان الرئيسيان للحب هما: حب الذات، وحب الآخرين:
وحب الذات ينبثق منه:
1ـ حب النفس والحياة
ومن في هذا الوجود لا يحب نفسه ولقد عبرّ القرآن الكريم عن تغلغل هذه العاطفة في النفس قال تعالى : (ولو أنا كتبنا عليهم ان اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم) النساء 66 .
وقوله تعالى : (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم) البقرة 216 .
أما محظوره بأن ينتقل بنا حب النفس والحياة عن تكاليف العقيدة .
2ـ حب المال حيث تستحكم هذه العاطفة فيه كما قال الله تعالى : (وإنه لحب الخير لشديد) .
وكما يقول عليه الصلاة والسلام : ( لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب) .
فهذا واقع النفس البشرية في حبها للمال ، ولكن محظوره أن يتحول إلى غاية الغايات.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (تعس عبد الدرهم والدينار) .
3ـ حب الشهرة والصيت.
وتكاد تطغى هذه على سابقتها فقد يقتل نفسه طمعاً في السمعة وحب الثناء والسمعة وهذه مركوزة في الفطرة ولكن محظوره أن تتحول الأعمال المقربة إلى الله للناس (فيكون رياء) .
ولكن الاسلام لبى هذا الحب حيث دعا إلى التنافس في الأعمال المقربة إلى الله وحده (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون) المطففين 26 .
4ـ حب الجمال وله صلة وثيقة بالشهرة والصيت فالكل وبالأخص النساء تحرص على الثوب الأنيق والحذاء المناسب والعطر الشذي والمنظر الوسيم والمظهر اللائق. وقد أقره الاسلام لكن محظوره أن يقود إلى التعالي على الناس وازدراء الآخرين والاستهزاء بهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (.. ان الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة فقال: إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس) .
5ـ حب الزينة فتحرص الواحدة على جمالها وابراز محاسنها وهذا من الفطرة لكن محظوره أن تخرج عن الحدود التي حدها الله تعالى.

قسم الإرشاد النسوي
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية


أعلى


 


الانحراف وأثره على الأمة

تعتبر الانحرافات السلوكية في الأمة علامة انحدار تربوي ومؤشر بأن هناك خللا فمن أنيطت به مسؤولية التربية الإسلامية وهذه لا تناط بجهة دون أخرى فالدولة والأسرة والفرد والمجتمع الكل يقع عليه مسؤولية التربية الحسنة.
مسؤولية الفرد والتي هي مسؤولية فردية على الإنسان في نفسه فهو المسؤول عن تصرفاته وانحرافاته وتبعات كل ما ينجم عن ذلك (كل نفس بما كسبت رهينة) (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) فلا يحق له ان يلقي باللائمة بأصدقاء السوء أو بأسرته لأن الله زوده بالعقل وأوضح لنا ديننا الحنيف والسنة النبوية ما فيه الخير لنا والصلاح وامرنا باتباعه ونهانا عن أمور وحذرنا منها وجهاد النفس من اعظم الجهاد فزوجة فرعون في بيت كفر وجبروت في منزل عدو الله ولكنها لم تحتج بأنها كانت تعيش في كنفه وسيطرته بل إنها آمنت بالله وضرب القرآن لها مثلا في الإيمان.
المسؤولية الأسرية: الأسرة تواجه تحديات أخلاقية وفكرية وذلك بما تحويه وسائل الإعلام والتكنولوجيا الحديثة التي تبث في مشارق الأرض ومغاربها وهنا يأتي دور الرقابة الأسرية التي لها الدور الأكبر في حماية الأبناء من شرور هذه الفضائيات فالأب والأم لهما الدور المشترك في توجيه الأبناء وارشادهم واتباع الأساليب التربوية الإسلامية التي لها القدوة الصالحة والموعظة الحسنة والترغيب والترهيب ثم التأديب.
المسؤولية الاجتماعية: أمة محمد تمتاز بميزة عظيمة وهي القيام بمسؤولية التناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو ما أمرنا به الله والصفة التي يجب أن تتصف بها هذه الأمة (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) وكذلك يجب إزالة أسباب المنكر فلا يلجأ الفقير إلى السرقة لسد حاجته فعلينا اذن ان نمد له المساعدة والعون وذلك بتوفير مصدر رزق له يعينه على الإنفاق على نفسه وكف يده عن الحرام والإسلام لا يحمل المجتمع ما لا يستطيع فقد رتب (صلى الله عليه وسلم) مسؤولية التناصح بمراتب بحسب القدرة والاستطاعة قال (صلى الله عليه وسلم) (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده وان لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)
ولكن ما الدور الذي تلعبه المؤسسات التربوية المدرسة ـ المساجد ـ دور الرعاية الاجتماعية ـ ودور رعاية الأحداث والسجون.
هذه البيئات لها أثر فاعل ومؤثر قوي في الجانب العلاجي للانحرافات السلوكية بما تبثه من خلال التنشئة الخلقية الفاضلة وذلك بغرس الفضائل الخلقية بين أفرادها ومعالجة ما لديهم من مساوئ خلقية وانحرافات سلوكية فالمدرس مسؤول وراع في مدرسته وفصله وله المسؤولية في تقويم طلابه.
لمخالفة المنهج الإسلامي آثار وخيمة تنعكس على الذات البشرية في كثير من جوانبها ومنها الجانب النفسي ذلك ان من يتبع سبل الانحراف مبتعدا عن منهج الإسلام يقيض له من يجلب القلق والاضطراب لتمرده على خالقه سبحانه وتعالى (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين) فالشياطين لا تعد الإنسان إلا بما يجلب له القلق والاضطراب فتوسوس له بالفقر وضيق الحال والطمع فيما عند الغير وعدم القناعة بالموجود (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء) وهناك العديد من الآثار النفسية للانحرافات السلوكية وهي:
عدم التوافق النفسي: فمن أبرز مقومات الشخصية القدرة على التآلف والتكيف مع البيئة الاجتماعية المحيطة بالفرد ومن مظاهر عدم التوافق النفسي القلق والعزوف عن الطعام وشدة الخجل وسرعة الغضب وأحلام اليقظة.
ثانيا: الشعور باليأس: فاليأس يدفع الإنسان إلى القلق والكسل والخمول وعدم الجد والاجتهاد مع البحث عن الموارد المادية والمالية بطرق الغش والخداع والمسكرات بسبب الشعور باليأس والقنوط مع الخوف من أمور لا تستحق ذلك وهو الذي يؤدي إلى فقدان القيم الخلقية ولكن التربية الإسلامية تبعد الإنسان عن الانحرافات السلوكية وتغرس في قلب اتباعها السكينة والاطمئنان وتجسده متحليا بالأخلاق الفاضلة النبيلة.
ثالثا: القلق الذي هو الانزعاج والاضطراب وعدم الثبات وهو حالة نفسية داعية إلى الاضطراب وعدم الاستقرار والبعد عن المنهج الأساسي أساس القلق والاضطراب (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) فكلما ابتعد الإنسان عن المنهج الإسلامي ومارس مساوئ الأخلاق استحوذ عليه القلق والاضطراب والقلق له اثر كبير في حياة الإنسان فلا ملجأ ولا منجى إلا بالتمسك بمنهج الله والبعد عن مساوئ الأخلاق.
الأمراض القلبية: لقد بين سبحانه أمراض القلوب وشفاها في كتابه القويم ومرض القلب هو نوع فساد يحصل للإنسان يفسد به تصوره للحق وارادته له فلا يرى الحق حقا فيبغض الحق النافع أو يحب الباطل الضار فأصحاب الانحرافات ينفرون من مجالسة اهل الجهاد والصلاح لأنهم ينهونهم عن اشباع شهواتهم بالمحرمات والباطل والعلاج هو ما بينه تعالى عز وجل (يا ايها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين).
فمن أراد الفوز والسعادة في الدنيا والآخره فليتبع طريقه وهو باتباع منهج الله والبعد عن الحرام فلا علاج لك يا من تعاني من داء القلق والضعف النفسي والأخطر الرجوع إلى دين الله وكتاب رسوله صلى الله عليه وسلم.

عزة بنت محمد الطوقية

 

أعلى


 


همسات في أذن الطالبات

الحلقة الأولى
إن دور الفتاة وأثرها في المجتمع كبير لأن بنت اليوم هي أم الغد، وهي معهد الرجال ومنبت الأبطال، وأم العظماء، وأساس البناء، وأمل الأمة، وبصلاحها يصلح المجتمع، لذا من الواجب علينا أن نحافظ على صلب هذا البناء الذي تقوم عليه أعمدة الخير، واعلمي أختي أن العلم والتعلم هو عنوان الصلاح في كل زمان ومكان، وبه تستطيعين مواكبة ركب العصر ومجرياته وتقاومين طغيان الغرب وتحدياته، وهو طريقك إلى الجنة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة .. ولكي تكوني على بينة من طريقة طلب العلم السوية، وتجتنبي الطرق الرديئة، إليك هذه الهمسات.

الهمسة الأولى
الإخلاص في طلب العلم
إن حياة الطالبة المسلمة كلها عباة لله عز وجل، كما قال الله سبحانه وتعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) لذا عليها أن تخلص لله في دراستها وتقصد من طلبها للعلم رفع الجهل عن نفسها وأمتها والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بما تتعلم من علوم دينية أو العلوم البحتة كالطب والرياضيات ونحوها، والرياء في طلب العلم من أخطر المخالفات العقدية التي تقع فيها الطالبة لأن الرياء شرك أصغر، فعلى الطالبة المسلمة أن تصلح نيتها في طلب العلوم، وأن تبتغي من وراء تعلمها الأجر والثواب من الله سبحانه، ولا يضرها أن تنال بعلمها الشهادة والمنصب إن كانت مخلصة لله سبحانه وتعالى في طلبها للعلم.

الهمسة الثانية
الحرص على تعلم أمور الدين
أختي الطالبة: إن حاجتك إلى تعلم أمور دينك أشد من حاجتك إلى الطعام والشراب لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرة أو مرتين والعلم يحتاج إليه بعدد الأنفاس. فأنت اختي لم تتعلمي إلا لكي تبعدي عنك الجهل .. نعم الجهل الذي يوقعك في الهاوية، ويعرض أعمالك من صلاة وصيام وزكاة وغيرها إلى البطلان، وخسران الثواب فالجهل ينشئ أجيالا فارغة العقول إلا من بعض المعلومات من التلفاز أو المدرسة.
ومن الأمثلة على الجهل في الطهارات:
طالبة في المرحلة الثانوية تركت الصلاة شهرين تحسب ذلك حيضا، وأخرى لا تصوم قضاء رمضان الفائت وقبله بحجة الخجل من أن يعرف الأهل لماذا تصوم؟
وثالثة تمسك المصحف تريد أن تقرأ وهي حائض، ورابعة تترك الصلاة بمجرد رؤية الكدرة أو أي دم رقيق سواء في وقت الحيض أو غير وقته الخ..
ولنا بقية ....

* عبير بنت سعيد بن ناصر الخصيبي
واعظة بقسم الإرشاد النسوي

 

 

أعلى


 

حدث في شهر المحرم

ركن الطفل المسلم

ناصر عبد الفتاح
رأى النبي صلى الله عليه وسلم يهود المدينة يصومون اليوم العاشر من شهر المحرم فسألهم: ما سبب الصيام؟ قالوا: يومٌ أنجى الله فيه موسى ومن معه وأغرق فرعونَ ومن معه فصامه موسى شكرا لله، فنحن نصوم.
قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: " نحن أحق وأولى بموسى منكم " . فصامه النبي صلى الله عليه وسلم وأوصى المسلمين بصيامه.
لكن كيف نجى الله تعالى نبيه وخلص قومه من بطش هذا الفرعون الجبار؟!
أوحى الله إلى موسى عليه السلام وأمره أن يدعو فرعون وقومه إلى عبادة الله وحده وأمده الله تعالى ببعض المعجزات الباهرة وكان فرعون قد استعبد قوم موسى من بني إسرائيل فسخرهم في الأعمال الشاقة وأذاقهم ألوانا من العذاب.
ذهب موسى إلى فرعون ودعاه إلى الإيمان بالله الخالق وطلب منه إطلاق سراح بني إسرائيل من الذل والعبودية فقال له : ((فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ)).سورة الشعراء الآيتان:17،16.
تساءل فرعون باستهانة : ((.. وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ)).سورة الشعراء:آية 23.
قال موسى : (( .. رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ)).سورة الشعراء:آية 24.
نظر فرعون إلى وزرائه وأمرائه وقال ساخرا : (( .. أَلَا تَسْتَمِعُونَ)).سورة الشعراء:آية 25.
قال موسى : (( .. رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ )).سورة الشعراء:آية26.
صاح فرعون في وجه القوم : (( .. إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ )).سورة الشعراء:آية27.
ثم التفت إلى نبي الله موسى وهدده قائلا: (( .. لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ )).سورة الشعراء:آية29.
قال موسى عليه السلام : أتؤمن بالله إن أريتك معجزاته ؟
قال فرعون بغرور : أرني تلك المعجزات إن كنت صادقا.
وألقى موسى بعصاه فتحولت إلى حية ضخمة وأصاب فرعون خوف شديد لكنه تظاهر بعدم الرهبة حتى لا يضعف أمام قومه.
وأدخل موسى يده في جيبه ثم أخرجها فإذا هي بيضاء تتلألأ وكأنما يخرج منها نور يبهر الأبصار.
استشار فرعون حاشيته فيما رأوه فتكبروا وعاندوا وحرضوا فرعون على إيذاء نبي الله موسى عليه السلام.
صاح فرعون : (( .. أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى ))سورة طه:الآيتان58،57.
وجمع فرعون سحرة مصر لكنهم حين رأوا معجزات موسى آمنوا بالله .. صب فرعون العذاب على السحرة وعلى قوم موسى من بني إسرائيل وازداد فرعون غرورا وتكبرا فجمع قومه وقال لهم : (( .. يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ)). سورة الزخرف:آية 51.
وأخذ فرعون يغتاب موسى ويسخر منه وانتهى الأمر بأن قال لقومه : (( .. أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ))سورة النازعات :آية 24.
آمن كثير من الناس بموسى عليه السلام ورفضت زوجة فرعون أفعال زوجها فدعت ربها قائلة:
(( .. رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ))سورة التحريم:آية 11.
ازداد بطش فرعون وكفره فلجأ موسى إلى ربه وطلب منه أن ينتقم من فرعون وقومه بأن يهلك أموالهم ويذيقهم الذل فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم .
قال الله تعالى : (( .. قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ))سورة يونس:آية89.
وأمر الله تعالى نبيه موسى بالخروج مع بني إسرائيل من مصر والرحيل إلى فلسطين .
أصاب قوم موسى حيرة شديدة وتساءلوا : كيف نخرج من مصر وجنود فرعون تنتشر في كل مكان ؟!
وبحث القوم عن مخرج لأزمتهم فاهتدوا لحيلة بارعة .. أرسل القوم وفدا منهم إلى فرعون واستأذنه في السماح لهم بالخروج للاحتفال بعيد لهم خارج المدينة فأذن فرعون لهم وهو لا يدري عن خطتهم شيئا .. استعارت النساء حلي جيرانهن المصريات لارتدائها أثناء العيد وقد فعل القوم ذلك حتى لا يشك المصريون في أمرهم .. خرج بنو إسرائيل فارين من ظلم فرعون وبطشه واجتازوا حدود المدينة ثم قصدوا أطراف البلاد وسرعان ما عرف فرعون بالخبر فجن جنونه وزمجر وتوعد بني إسرائيل بالهلاك .
أصدر فرعون مصر أوامره الملكية لقادته فحشدوا جيشا ضخما وانطلق فرعون بعجلته الحربية في مقدمة الجيش ليلحق بموسى وقومه .
ومع شروق الشمس ارتفعت سحابة من غبار إلى عنان السماء وسمع القوم ضجة عالية .. تطلع الجميع إلى مصدر السحابة فرأوا مئات الآلاف من الجنود المسلحين يقتربون نحوهم .
ارتفعت صرخات كثير من القوم من الرعب وأيقنوا بالهلاك وتساءلوا :
ماذا يفعلون ؟ وكيف يهربون ؟ فالبحر أمامهم بأمواجه وفرعون خلفهم بجنوده .. إن قفزوا في البحر هلكوا غرقا وإن وقفوا هلكوا أيضا .. تسرب الندم إلى كثير منهم لأنهم تركوا بيوتهم وأراضيهم واتبعوا موسى وها هم سيقعون فريسة في أيدي فرعون الذي سيذيقهم ألوان العذاب.
ازداد اقتراب جيش فرعون فصرخ القوم:
فرعون سيدركنا يا موسى .
قال موسى باطمئنان : (( .. كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ )).سورة الشعراء:آية 62.
ثم لجأ إلى ربه داعيا فأوحى إليه أن يضرب البحر بعصاه .
رفع موسى العصا وضرب البحر بها فانشطر البحر وأصبح قاعه طريقا ممهدا يابسا يمتد إلى الشاطئ الآخر وأصبحت مياه البحر كأنها جبلان على جانبي الطريق .. اندفع بنو إسرائيل يسيرون فوق قاع البحر اليابس حتى اجتازوه ووقفوا على الشاطئ الآخر .
رأى فرعون ما حدث فهاله ذلك المنظر العظيم وتلك المعجزة الباهرة لكنه تماسك وخشي أن يؤمن جنوده بموسى فصاح : انظروا كيف انشق البحر لي كي ألحق بعبيدي المتمردين !
واندفع فرعون وجنوده خلف بني إسرائيل فوق الطريق البحري الممهد وحينما صاروا جميعا داخل البحر أمر الله تعالى نبيه موسى فضرب البحر بعصاه فانطبق عليهم وابتلعتهم المياه .
تعالت صرخات القوم وأخذت المياه ترفع فرعون تارة وتخفضه أخرى فأدرك أنه هالك غرقا فصاح :
(( .. آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)).سورة يونس:آية 90.
لكن الله تعالى رفض إيمانه لأن فرعون كاذب لئيم وهو لم يقل ذلك إلا للنجاة من الغرق.
وأمر الله تعالى البحر فألقى بجسد فرعون على الشاطئ ليكون عبرة للناس وللذين ظنوا أنه إله خالد.
عبر بنو إسرائيل البحر وهبطوا أرض سيناء برفقة نبيهم موسى عليه السلام وكان هذا اليوم يوم العاشر من شهر المحرم فاحتفل به موسى عليه السلام وقومه فكانوا يصومونه شكرا لله على نعمته بأن أغرق فرعون وجنوده ونجاهم من الذل والعبودية .

 

أعلى


 

النَّصُّ والتَّأويل

استراتيجيَّات القراءة المحدثة
1ـ2
لا يخفى على أحد اليوم أن النصَّ سواءٌ أكان قرآنيًّا أم حديثيًّا أم تراثيًّا شكَّل أحد أهمِّ الانشغالات العربيَّة والإسلاميَّة في العصر الحديث، وذلك نظرًا لما يتمتَّع به النَّص من طاقةٍ خلاَّقة في تشكيل الواقع والمستقبل، ولا عجب إذن أن يُطلق على الحضارة الإسلامية بأنّها حضارةُ نصٍّ، وفي هذا السِّياق ظهرت في العالم العربيّ والإسلاميّ جملةٌ من المشاريع تشتغل على النَّصّ قراءةً وتأويلاً من أجل النُّهوض بالواقع العربيّ والإسلاميّ لإنجاز حداثةٍ إسلاميَّة جديدة، تساهم في الخُرُوج من واقع التَّأخر التَّاريخي، وقد اشتدت الحاجة لإعادة النَّظر في مفهوم النَّص عقب الفشل الذَّريع الذي طال مشاريع التَّنمية والتَّحديث، وانتكاس النَّهضة.
ولعل السُّؤال المركزيّ لانشغالات المفكرين كان هو: كيف استطاعت حضارةٌ تَنْبني على النَّص أن تنتج نهضةً تاريخيّةً لا مثيل لها في الماضي؟ وكيف تحوَّل النَّص في الحاضر إلى عائقٍ يؤشِّر على التَّخلف بحسب بعض القراءات الموسومة بالحداثيَّة؟ وقد ازدادت الحاجة لإعادة النَّظر في مفهوم النَّص قراءةً وتأويلاً عقب أحداث 11 من (سبتمبر) 2001م، إذ أصبح السُّؤال يتمحور حول تفرُّد النَّص الإسلاميّ بإنتاج العنف والتَّطرف، ومقاومته للاندماج في القيم الكونيّة للحضارة الحديثة، وظهرت في هذا السِّياق جملةٌ من الكتابات العدائيّة ترتكز إلى قراءاتٍ استشراقيّة وثقافويَّة ذهبت إلى الرَّبط بين النَّص الإسلامي والعنف.
وقد أدَّت هذه التَّحديات التي تواجه الأمة العربية والإسلاميّة إلى بروز مقارباتٍ متعدَّدة تتعلَّق بالنَّص قراءةً وتأويلاً يمكن تصنيفها إلى ثلاثةِ مقارباتٍ منهجيَّة للإصلاح، وهي:
أولاً: الإصلاح من داخل المرجعيَّة الإسلاميّة، باستثمار مقاصد النَّص ومساحة الاجتهاد الواسعة فيه، من خلال تجديد أدوات وآليات قراءته وتأويله؛ كقراءة طه عبد الرحمن، ورضوان السيد، وطارق رمضان، وطارق البشري، ومحمد سليم العوا، وغيرهم.
ثانيًا: ضرورة معالجة النصِّ الإسلاميّ، داخل التَّقليد الكتابيّ الذي ينتمي إليه، أي التَّقليد اليهوديّ ـ المسيحيّ، مما يعني عمليًّا إخضاع هذا النَّص لمناهج النَّقد والتَّأويل التي طُبِّقت على العهدين القديم والجديد، لغرضين مترابطين اثنين هما:
أـ من جهةٍ تبيان تاريخيته، والكشف عن حدود مجاله المرجعيّ.
ب ـ ومن جهةٍ أخرى كسر قداسته، وتقويض بنيته الوُثُوقيّة، لفسح المجال أمام القيم الإنسانيّة التَّحديثيَّة التي هي شرط الانتماء للعصر، والاندماج في المنظومة الكونيَّة؛ كقراءة طيب تيزيني وحسين مروة وعبدالله العروي، وغيرهم، كما هو مبين في بحثنا بالتفصيل.
ثالثًا: تطبيق مناهج العُلُوم الإنسانيّة المعاصرة، وفلسفات التَّأويل الحديثة على هذا النَّص، من حيث هو خطابٌ لغويٌّ يستجيب فيما وراء طابعه المقدَّس الذي يقرُّ به المؤمنون لآليات التَّفكيك والقراءة التي طُبِّقت على مختلف النُّصوص، بما فيها النُّصوص ذات الطبيعة الميثيَّة؛ كقراءة محمد أركون ومدرسته من التوانسة كعبد المجيد الشرفي، ويوسف صديق، وكذلك نصر حامد أبو زيد، وغيرهم، وقد بينا في البحث الأسس والمنطلقات والمبادئ التي انبنت عليها هذه القراءات التي تعتمد على ثلاث خطط للقراءة والتأويل؛ وهي: خطة العقلنة والأنسنة والأرخنة.
إذا سلمنا بأن القراءة الحداثية للقرآن لم تحقق الهدف المنشود الذي توخت إنجازه، ولا المقاصد التي سعت إلى إحداثها في العالم العربي من التَّحرير والتَّنوير، وتَبَيَّن أنها جلبت مزيدًا من الاستلاب و الظُّلمة بسبب اعتمادها على مناهج حداثيّةٍ مقلِّدة للنَّسق الغربي، وإسقاطها آليًّا على القرآن، الأمر الذي أدى إلى التشكيك في صحة النَّص القرآني وأصله الإلهي، وقداسته، وتمام تشريعه، وصلاحيته، وإذا تقرر أنه لا سبيل إلى التحقق بالحداثة إلا بإنجاز تحرُّرٍ حقيقي من الوصاية والهيمنة للدخول في أفق الإبداع, فما هي آليات القراءة المبدعة للقرآن إذن؟
لا بد من التأكيد ابتداءً أنه لا سبيل للمسلمين من أجل الدخول في أفق الحداثة وإنجاز حداثة حقيقية مبدعة من تحقيق قراءة جديدةٍ للقرآن، باعتباره أساس وجود الأمة الإسلاميّة، وسرّ صناعة تاريخها, الذي دشن الفعل الحداثي الإسلامي الأوّل، ومن هنا فإن تدشين الفعل الحداثي الإسلامي الثاني لا يتحقق إلا بإبداع قراءةٍ ثانية تعمل على تجديد الصلة بالقراءة النّبوية الأولى، وتفجِّر الطاقات الإبداعية في عصرنا كما قرئت في العهد النبوي.

محمد زاهد جول
كاتب وباحث تركي في قضايا الفكر الإسلامي

 

أعلى


 

صراع الخير والشر

من سنة الله في هذا الكون أن يوجد الخير والشر والحق والباطل، وهما في صراع دائم لا يفتر ولا ينقطع وإن أهل الباطل والضلال يبتكرون من الوسائل ما يمكنهم من أذى المسلمين ومضايقتهم, فقد رأينا زعماء قريش لم يكتفوا بمواقف الصد والمعارضة والتحدي، بل إن الأمر يصل إلى إيقاع الأذى على المسلمين وفتنتهم عن الإسلام إلى الكفر ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
ونظر رسول الله إلى أصحابه فكانوا بين أمرين :إما أن يظلوا يتعرضون للأذى وقد تخون بعضهم أعصابهم فيضطرون إلى الارتداد. وإما أن يصبروا حتى يودي الصبر بحياتهم تحت التعذيب، وما ذاك إلا لأنهم آمنوا بالله: وكان لا بد من عمل ينقذ به عليه الصلاة والسلام القلة المؤمنة من الصحابة ويدفع عنهم الأذى، ويهيئ لهم المكان الآمن الذي يأمنون فيه من عدوان الباطل، وما كان هذا ليتنافى مع الصبر والتضحية فما كان هذا التفكير إلا بعد الصبر والتوكل على الله, قال رسول الله لأصحابه: (لو خرجتم إلى الحبشة، فإن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه).
فخرج المسلمون على دفعتين: الأولى أحد عشر رجلا وأربع نساء، والثانية ثلاثة وثمانون رجلا وثماني عشرة امرأة، فيهم المستضعفون والذين لا يجدون من القوم نصرة، وفيهم أبناء الأسر الكبيرة من قريش الذين يجدون لهم من زعامة أبائهم سندا ونصيرا، فكان خروجهم ضربة عنيفة لقريش وكبريائها وجحودها، وإحباطا لجهودها وإغراء لعامة الناس بالهجرة، وحل المسلمون ضيوفا كراما على النجاشي: فآواهم وأكرمهم، ولما علمت قريش بذلك ساءها الأمر وبعثت وفدا مكونا من عبدالله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص، بعثتهما بهدايا وتحف إلى النجاشي ليرد المسلمين على المشركين، قالوا للنجاشي: أيها الملك: إن ناسا من سفهائنا فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دين الملك وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم لتردهم إليهم فهم أعلم بهم.
ورأى النجاشي أنه لا بد من تمحيص القضية، وسماع أطرافها جميعا، فبعث إلى أصحاب محمد وسألهم فتكلموا وقد أجمعوا على الصدق، وكان المتكلم عنهم جعفر بن أبي طالب فقال: أيها الملك: كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فصدقناه واتبعناه على ما جاء به من الله، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا إلى عبادة الأوثان، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين دينك، خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك ورجونا ألا نُظلم عندك. ولما وشى المشركون بالمسلمين فذكروا للنجاشي أنهم يقولون في عيسى غير ما يعتقده النجاشي سأل جعفر: هل معك مما جاء به عن الله شيء؟ قال: نعم ، فقرأ عليه من سورة مريم حتى وصل إلى قوله تعالى: فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة مادمت حياً وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً.
فبكى النجاشي وأساقفته، وأخذ عودا من الأرض وقال: ما زاد هذا على ما في الإنجيل قدر هذا العود، ثم قال لهم: اذهبوا فأنتم آمنون بأرضنا، ثم قال للوفد المشرك، لو أعطيتموني جبلا من ذهب ما سلمتهم إليكما، وكتب الله لأولئك المؤمنين النصر والتمكين والأجر: والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون الذي صبروا وعلى ربهم يتوكلون.
فصراع الخير والشر مستمر, والفائز من يتمسك بالحق, ويستعين بالله تعالى ويطلب من الله تعالى النصر والتوفيق, فهو القادر على ذلك. والحمد لله رب العالمين..
إبراهيم السيد العربي


 

أعلى


 

الحب في الله

إعداد : مبارك بن عبدالله العامري

إن المحبة هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها نظر العاملون، وإلى عَلَمِها شمَّر السابقون، وعليها تفانى المحبُّون، وبروْح نسيهما ترّوح العابدون؛ فهي قُوت القلوب وغذاء الأرواح وقرة العيون، وهي الحياة التي مَن حُرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي مَن عدِمه حَلَّتْ بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام. إنها المحبة التي ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة، إذ لهم من معية محبوبهم أوفر نصيب. وقد قضى الله يوم قدَّر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة، أن المرء مع من أحب، فيالها من نعمة على المحبين سابغة!!.
شجرة المحبة وارفة الظلال
إذا غُرست شجرة المحبة في القلب، وسُقيت بماء الإخلاص ومتابعة الحبيب، أثمرت أنواع الثمار، وآتت أكلها كل حين بإذن ربها، أصلها ثابت في قرار القلب، وفرعها متصل بسدرة المنتهى.
لا يزال سعي المحب صاعدًا إلى حبيبه لا يحجُبُه دونه شيء (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) "فاطر:10".
وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) "التوبة:24". وقال تعالى: "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ) "البقرة:165". وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) "المائدة:54".
وعن أنسٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين". وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: يا رسول الله! والله لأنت أحبُّ إليَّ من كل شيء إلا من نفسي. فقال صلى الله عليه وسلم: "لا يا عمر، حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك". فقال: والله لأنت أحبُّ إليَّ من نفسي. فقال صلى الله عليه وسلم:" الآن يا عمر".
ومعلوم أن محبة الرسول تابعة لمحبة الله عز وجل، فما الظن بمحبة الله عز وجل؟! وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث من كُن فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله، كما يكره أن يُقذف في النار".
والمحبة الخاصة بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ممتدة لأهل الإيمان وإن كانت في حق النبي صلى الله عليه وسلم ينبغي أن تقدم على النفس والأهل والمال، فإن محبة المؤمنين أيضا هي من الإيمان.
ـ نعم المحبة لها علاقة بالإيمان: في الصحيحين من حديث البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الأنصار: لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق.
ـ بل إن بها حلاوة الإيمان: من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار.
ـ وبها يستكمل الإيمان: فعن أبي أمامة رضي الله عنه من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان. رواه أبو داود.
ـ بل هي أوثق عرى الإيمان
ـ وهي طريق إلى الجنة: روى مسلم من حديث أبي هريرة والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم.
ـ بل تجلب محبة الملأ الأعلى أجمعين مع القبول في الأرض: في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: إذا أحب الله عبدا دعى جبريل فقال يا جبريل إني أحبه فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي جبريل في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض.
هذا غيض من فيض في الدنيا، فإذا حقت الحاقة ووقعت الواقعة وزلزلت الأرض زلزالها ودنت الشمس من الرؤوس فحدث ولا حرج عن الكرامات لهؤلاء المتحابين بجلال الله.
يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، وتأمل في هذا الرابط الوثيق بين كون المحبة لله وكون الظل في ظل عرش الله. من حديث أبي هريرة رضي الله عنه سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الله يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي.
ـ الحب في الله سبب في دخول الجنة، فهي من الأعمال الصالحة التي تستوجب حسن الثواب، ولها ثواب خاص.
روى الترمذي بسند حسن صحيح عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: المتحابون بجلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء. للمحبة في الله شروط منها:
1 ـ أن تكون لله، فكل عمل لغير الله لا يقبله الله، ومعنى كونها لله أنها لا تتأثر ببياض أو سواد أو حزب أو جماعة أو بلد أو عرق بل هي لله وحده لا شريك له.

2 ـ أن تكون على الطاعة، فالحب في الله طاعة لله، فهل تستغل طاعة الله لشيء محرم؟! .
3 ـ أن تشتمل على التناصح، فالمؤمن ناصح للمؤمنين أجمعين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح مسلم من حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله عنه: الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة.
للمحبة في الله واجبات منها:
1 ـ إخبار من يحب.
فعن المقداد بن معد ِيكرب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه. رواه أبو داود والترمذي.
2 ـ أن تحب له ما تحب لنفسك.
لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
3 ـ الهدية.
في سنن البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تهادوا تحابوا.
4 ـ إفشاء السلام.
في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم.
5 ـ البذل والتزاور.
والمقصود البذل بمعناه الواسع بذل من الوقت والجهد والعلم والمال.
6 ـ حرارة العاطفة
ومن الأسباب الجالبة للمحبة المقوية لها:
(1) قراءة القرآن بالتدبر: لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف".
(2) التقرب إلى الله بالنوافل بعد أداء الفرائض: كما في الحديث القدسي: "ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه".
(3) دوام ذكره سبحانه على كل حال: بالقلب واللسان، قال. قال إبراهيم بن الجنيد: كان يقال: من علامة المحبة لله: دوام الذكر بالقلب واللسان، وقلما ولع المرء بذكر الله عز وجل إلا أفاد منه حب الله عز وجل.
(4) إيثار محابة سبحانه على محاب النفس وهواها.
(5) مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتها ومعرفتها وتقلبه في رياض هذه المعرفة: عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلاً على سرية فكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ (قل هو الله أحد)؛ فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "سلوه لأي شيء يصنع ذلك". فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن، فأنا أحب أن أقرأ بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أخبروه أن الله يحبه".
(6) مشاهدة بره وإحسانه ونعمه الظاهرة والباطنة: قال تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) "النحل:53".
(7) الخلوة لمناجاته الله وتلاوة كلامه ودعائه واستغفاره.
(8) مجالسة المحبين الصالحين الصادقين.
(9) مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل.
عيش المحبين هو العيش على الحقيقة
نعم فلا عيش إلا عيش المحبين الذين قرت أعنيهم بحبيبهم، وسكنت نفوسهم إليه، واطمأنت قلوبهم به، واستأنسوا بقربه، وتنعموا بحبه، ففي القلب فاقة لا يسدُّها إلا محبة الله والإقبال عليه والإنابة إليه، ولا يلمُّ شعثه بغير ذلك أبدا. ومن لم يظفر بذلك فحياته كلها هموم وغموم، وآلام وحسرات، فإنه إن كان ذا همة عالية تقطعت نفسه على الدنيا حسرات؛ فإن همته لا ترضى فيها بالدّون، وإن كان مهينًا خسيسًا فعيشه كعيش أخسِّ الحيوانات. فلا تقرُّ العيون إلا بمحبة الحبيب الأول.
ومن المحبين الصادقين
أبو بكر الصديق الذي سبق الأمة بحبه لله:
عن بكر المزني قال: ما فاق أبو بكر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بصوم ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في قلبه.
ابن عمر يسأل الله حبَّه:
كان ابن عمر يدعو على الصفا والمروة وفي مناسكه: "اللهم اجعلني ممن يحبك، ويحب ملائكتك، ويحب رسلك، ويحب عبادك الصالحين. اللهم حببني إليك وإلى ملائكتك وإلى رسلك وإلى عبادك الصالحين".
حكيم بن حزام شعاره الحب:
كان رضي الله عنه يطوف بالبيت ويقول: لا إله إلا الله، نعم الرب ونعم الإله، أحبه وأخشاه.
من علامات صدق المحبة:
إن المحبة شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وثمارها تظهر في القلب واللسان والجوارح. وقد وصف الله تعالى المحبين بالعديد من الأوصاف، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) "المائدة:54".
وقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) "آل عمران:31". فوصفهم سبحانه بخمسة أوصاف:
(1) الذلة على المؤمنين ولين الجانب والتواضع والرحمة والرأفة للمؤمنين.
(2) العزة على الكافرين والبراءة منهم.
(3) الجهاد في سبيل الله ببذل النفس والمال لنصرة دين الله ورد الناس إليه.
(4) الاجتهاد في رضى الله وعدم المبالاة بلوم الناس
(5) متابعة الرسول وطاعته.

 

أعلى


 

التوبة وحسن الظن بالله

ليس من الإيمان في شيء سوء الظن بالله سبحانه ، وخاصة من أصحاب الذنوب والكبائر ، فعيب على أحدنا أن ييأس من روح ورحمة الله ، ويصرّ على الكبائر ، ملبّسًا عليه شيطانه ونفسه والهوى أنه بهتك ستره لن يغفر له ربُّه وإذا زجرته أو نصحته أظهر لك يأسه وقنوطه من رحمة الرحيم ، ورب العالمين يغفر الذنوب جميعًا ( إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء )) النساء:48 إن الذي فرض علينا ترك المنكرات فرض علينا الاستغفار إذا وقعنا فيها ( وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا )) النساء:110
إن الإنسان بفطرته وطبيعته يحدث منه النسيان والخطأ ، وإن العصمة من الخطأ ليست في مقدورنا ، إنما الذي في مقدور الجميع أن يجدد العقد مع الله ، وأن يصلح ما أفسد وفرط في جنب الله ، وليعلم المؤمن أن رحمة الله سبقت غضبه ، إنه رحيم بعباده فارحموا أنفسكم ، ارحموها بالتوبة ، ارحموها برحمة عباد الله ارحموا مَن في الأرض يرحمكم من في السماء كن أخي القارئ عبدًا ربانيًا ، رحيمًا بنفسك وبالمؤمنين ، ولا تيأس من رحمة الله ، فقد جاء في الحديث الصحيح: ( إن لله سبحانه وتعالى مائة رحمة ، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والطير والبهائم والهوام ، فبها يتعاطفون ، وبها يتراحمون ، وآخر تسعًا وتسعين رحمة ، يرحم بها عباده يوم القيامة ).
أيا رب عفـوًا عن ظلوم لنفسه ... رجـاك وإن كان العفاف به أولى
سألتك يا مولى الموالي ضراعة ... وقد يضرع العبد الذليل إلى المولى
لتصـلح لي قلبًا وتغفـر زلّة ... وتقبل لي توبًا وتسمـع لي قـولاً
ولا عـجب فيما تمنيـت إنني ... طويل الأماني عند من يحسن الطولا
حسن الظن بالله ورجاء رحمة الله لا يعني أبدًا أن نخدع أنفسنا بالأماني والإصرار ، إنما معنى ذلك أن الإنسان منا كلما أحدث ذنبًا يحدث له توبة ورجاءً في الله أن يكفر عن آثار خطيئته ، وأن يعزم العزم الأكيد أن لا يعود. إن الله يعامل العبد على حسب ظنه بالله ، فليظن خيرًا .
يا من يرى ما في الضمير ويسمع *** أنت المعـدّ لكل ما يتـوقع
يا مـن يُرجى للشـدائـد كلِّـها *** يا من إليه المشتكى والمفزع
يا من خزائن رزقه في قول: كن *** امنُن فإنّ الخير عندك أجمع
ما لي سوى فقري إليك وسـيلة *** فبالافتقـار إليك فقري أدفـع
ما لي سوى قرعي لبابك حيلة *** فلئن رددت فأيّ باب أقـرع؟!
ومن الذي أدعو وأهتف باسمه *** إن كان فضلك عن فقيرك يمنع
حاشا لجودك أن تقنط عاصـيًا *** الفضل أجزل والمواهب أوسع
فيا أخى القارئ الكريم أخلص أعمالك لله ، وأحسن ظنك بربك واعلم أن اليوم عمل وغدًا جزاء ، ومن زرع حصد ، ومن جد وجد ، من أراد أن يعامله الله معاملة الرحمة والغفران فليرحم عباد الله ، ويغفر لهم أخطاءهم ولا يقسو عليهم ، ومن لم يقرع أبواب التوبة وظَلم العباد وأهلك الضرع والزرع وأفسد في الأرض وأصر على ذنبه ولعب بدين ربه ثم يرجو رحمته لا شك أن هذا متلاعب مستهزئ بالله ودينه.
جاء في الحديث أن امرأة في بعض المغازي في يوم صائف شديد الحر بصرت بصبي ، فأقبلت تشتد ، وأقبل أصحابها خلفها حتى أخذت الصبي وألصقته إلى صدرها ثم ألقت ظهرها على البطحاء وجعلته على بطنها تقيه الحر وقالت: ابني ابني ، فبكى الناس وتركوا ما هم فيه ، فأقبل رسول الله حتى وقف عليهم ، فأخبروه الخبر ، فسُرّ برحمتهم ، ثم بشرهم فقال ( أعجبتم من رحمة هذه لابنها ) قالوا: نعم ، قال ( فإن الله تبارك وتعالى أرحم بكم جميعًا من هذه بابنها ) فتفرّق المسلمون على أفضل السرور وأعظم البشارة.
هذا والله تعالى أعلم
أنس فرج محمد فرج

 

أعلى


 

 

الروح الرياضية ..

(2)
لا يجادل أحد في قيمة مردودية الألعاب الرياضية على الإنسان نفسيًا وروحيًا وبدنيًا ، ولا أدل على ذلك من أنها نشأت مع الإنسان الأول وتطورت مع تطور حياته للعناية بجسمه وتقوية أعضائه بطريق مباشر أو غير مباشر .
وقد اهتمت الشعوب القديمة ذات الحضارات التاريخية الماجدة بالتربية الرياضية كجزء هام من حياتها لتقوية أفرادها للدفاع عن نفسها ، أو لتوسيع رقعة ممتلكاتها ، وضمان العيش الرغيد لأبنائها ، وكانت سبل ذلك في غالب الأحيان الحروب التي تعتمد على القوة البدنية بالدرجة الأولى.
وحديثـًا أصبح النمو الأمثل الذي يتوخاه المربون هو الذي يضمن نموًا كاملا ً متزنـًا في النواحي الجسمية والعقلية والإجتماعية والوجدانية بحيث يستطيع هذا الفرد أن يكيَّف نفسه وحياته في المجتمع الذي يعيش فيه عن طريق مهاراته الحركية والعقلية والإجتماعية ، فالمشي والجري والوثب والدفع والحمل وغيرها من المهارات هي من الأمور الضرورية التي يحتاجها الفرد ويمارسها في حياته اليومية ، والنشاطات الرياضية كلها تنمي هذه المهارات ، وتزيد مهارات الفرد في تأديتها ، فتكسبه مظهرًا لائقـًا ينعكس على مظاهر حياته العامة وبالتالي على حياة المجتمع ؛ لأنه يؤدي عمله بسهولة ونجاح .
ولقد أصبحت التربية البدنية علمًا اجتماعيًا له آثار متعددة الجوانب ، ومن هذه الجوانب اهتمام الفرد بصحته العامة ، وممارسته للعادات الصحية السليمة ممارسة علمية فارتداء الملابس الرياضية والنوم المبكر والعناية بالقوام الجيد هي من أهم الجوانب الصحية للفرد ، ولهذا فإن الألعاب الرياضية تزود الفرد بالعادات الصحية والاتجاهات السليمة والمعلومات التي تؤدي إلى التخلص من التوترات والأرق ،وهي وسيلة لتعليم المسائل الصحية الوثيقة الصلة بالنشاطات البدنية .
وللألعاب الرياضية عدد من الفوائد والقيم ، منها :
الجسدية : فهي تمثل وسيلة لحياة صحية ، وتنشط الجسم وتنمي أعضاءه .
النفسية : تدفع الملل والترويح عن النفس ، وتخفف من حدة الغريزة الجنسية ، وتسهم في منع الأمراض النفسية المزاجية .
الاجتماعية : وتساعد في حفظ استقرار الأسرة والنظام التربوي في المجتمع ، والمساهمة في حفظ المجتمع من المشاكل الأخلاقية .
سياسية : ومن هذه الناحية فالرياضة تبعث النفس على الاستعداد للقتال والهداية لممارسة النضال عند الحرب ، وتعد - الرياضة - مجالا ً لتحقيق بعض مجالات التعاون بين المجتمعات والأفراد والدول .
اقتصادية : تولد القوة عند الفرد مما يجعله قادرًا على العمل والإنتاج ، وهذا يعود على الإنتاج الاقتصادي بالفائدة والزيادة إذا ما تولى العمل والإنتاج أهل القوة والكفاءة الجسدة إلى جانب الأخذ بقوة العلم .
وعلى هذا فالرياضة تحتل مساحة هامة من اهتمامات الأديان وخصوصًا الإسلام ، فجعل ذلك من حظ النفس البشرية ، سواء كانت جسدًا أم روحًا ، والناس من قديم الزمان لهم طرق وأساليب في تقوية أجسامهم بالرياضة ، وكل أمة أخذت من الرياضة ما يناسب وضعيتها ويتصل بأهادفها ، وكانت للعرب - كغيرهم من الأمم - أنواع من الرياضة أملتها عليهم ظروف المعيشة التي تعتمد على الرحلات والصيد والرعي ، فقد كانت لهذه الظروف دورًا أساسيًا في ممارستهم لبعض الألعاب مثل : الكرة والصولجان ، وهي لعبة فارسية في الأصل .
وحتى نربأ ونرتقي بهذه الألعاب الرياضية - ومنها كرة القدم - عن سفاسف الأمور والحركات الطائشة الهائجة ، وتعود علينا بفوائدها وأهميتها ، وتدفع عنا شرورها وضررها كان لابد من ضبطها بضوابط تحقق أهدافها السابقة وتوصل إلى المقصود منها ، وتحقق الخير والأمن والأمان والسلام لأفرادها ومجتمعاتها ودولها .
فهذه الألعاب لو استغلت في المسار الصحيح المستقيم الذي تقبله الطبيعة البشرية السليمة وتقضي بها لكان لها مردودًا هامًا يخدم جميع مجالات الدول : الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والنفسية والجسدية والصحية ، ولكان لها الفوائد المرجوة منها ، وكما قلت لابد من ضبطها بضوابط يجعلها تسير في المسار الصحيح المستقيم ، وهذا ما سنتطرق إليه في الحلقة القادمة من " الروح الرياضية " فابقوا معنا .
يحيى بن أحمد بن علي بني عرابة
معهد العلوم الشرعية

 

أعلى


 


طفل غزة


لا أملك طلقة
بل حجرا قد نطق بحرقة
هو عنواني
سر كفاحي
ألواني
دمعي وجراحي

****
ورغيفي الأسمرَ
سرقوه
أتضور جوعا
يا صاحي
لن أفنى، كلا صهيونُ
والعزة دربي
وكفاحي
أنا باق من جند
صلاح

****
أحييت خلودي بالقتل
ودمي يرسمني في
الساح
يشهد يوما
غضبة طفل
في مهد كفاح
خرقته رصاصة رعديد
قد أوقد نيران
جراحي

****
هدم بيتي
روع أمني
لم أعرف معنى للحلوى
والبالون قذيفة وغد
يعدم أحلامي
وصباحي

****
جذع الشجرة يبكي ألما
سلوى رحلت
ألف يمان
لا صوت لنجوى
أو صخب الألعاب
الحلوة
طابة أحمد
قطة أسعد
وضجيج شجار
بجواري
أرنو جمعهم في أسف
أجرع من كأس الأتراح

****
وتوارى العصفور حزينا
سأل الشجرة: أين رفاقي؟
لنغني للحب شجيا
فأجابته الشجرة تبكي
تحت الأنقاض جنائزهم
فتهاوى العصفور ذبيحا
ينشج ذكراهم في ألم
ما ماتوا، كلا أتبعهم
فأتته الطلقة أردته
نفض جناحيه
ثم سكن
إني أتبعكم فانتظروا
يا ورد الحب
الفواح

****
كل الدنيا تبكي
أسفا
يا طفل العزة
يا بطل
أنت القدوة
أنت الأمل
تحيي الأمم
تعلي العلم
أنت الشعل
أرعبت يهودا
بصمودك
والأمة تنظر
لصعودك
مات رجال
شب الطفل

****
يا غزة عنوان
الأمل
أطفالك رايات
مثل
رسموا الأمجاد
بلون دم
يغسل عارا عن
أمتنا
تنتفض الأمة
تشتعل

****
غضب يغلي كالبركان
والقهر يقود الطوفان
طفل في المهد
ينادينا
هيا هبوا، هيا ارتجلوا
قاد مسيرتنا للمجد
صفحات التاريخ
تسجل
فالعز حياة الأحرار
والجنة تنظر من
عملوا

أم عاصم الدهمانية

 

أعلى


 

ماذا نفعل عند المصيبة؟؟؟

روي في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية ) وروي عن ابي موسي الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : بريء من الصالقة والحالقة والشاقة فالصالقة : التى ترفع صوتها بالنياحة، والحالقة : التى تحلق شعرها وتنتفه عند المصيبة والشاقة :التى تشق ثيابها عند المصيبة , وكل هذا حرام باتفاق العلماء ، وكذلك يحرم نشر الشعر ولطم الخدود وخمش الوجه, والدعاء بالويل والثبور . وعن أم عطية رضي الله عنها قالت : أعلننا رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيعة أن لا ننوح ، رواه البخاري وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اثنتان في الناس هم بهما كفر: الطعن في الانساب والنياحة على الميت) وعن ابي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم النائحة والمستمعة ) رواه ابو داود، وعن أبي بردة قال : وجع أبو موسى الأ شعري فغشى عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فأقبلت تصيح برنة , فلم يستطع أن يرد عليها , فلما أفاق قال : بريء مما برئ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم , ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بريء من الصالقة و الحالقة والشاقة، وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : أغمي على عبدالله بن رواحة فجعلت أخته تعدد عليه فتقول : واكذا واكذا ,فقال حين أفاق : ما قلت شيئا إلاقيل لي أكذا، أنت كذا ، أخرجه البخاري ، وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (الميت يعذب في قبرة بما نيح عليه) وعن أبي موسى رضي الله عنه قال:مامن ميت يموت فيقوم باكيهم فيقول :واسيداه واجبلاه , واكذا واكذا , ونحو ذلك إلا وكل به ملكان يلهزانه : أهكذا أنت ؟ أخرجه الترمذي وقال صلى الله عليه وسلم : (النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامه وعليها سربال من قطران ودرع من جرب ). وقال صلى الله عليه وسلم : أن هذه النوائح يجعلن صفين في النار فينبحن في أهل النار كما تنبح الكلاب ، وعن الاوزاعي : أن عمر بن الخطاب سمع صوت بكاء فدخل ومعه غيره ، فمال عليهن ضربا حتى بلغ النائحة فضربها حتى سقط خمارها، وقال : أضرب فإنها نائحة ولا حرمة لها , انها لا تبكي بشجوكم انها تهريق دموعها لأخذ دراهمكم , وإنها تؤذي موتاكم في قبورهم , وأحياكم في دورهم لأنها تنهي عن الصبر وقد أمر الله به , وتأمر بالجزع وقد نهى الله عنه.
وأعلم أن النياحة : رفع صوت بالندب : تعديد النائحة بصوتها محاسن الميت وقيل: هو البكاء عليه مع ذكر محاسنه.
قال العلماء: ويحرم رفع الصوت بإفراط بالبكاء ، واما البكاء على الميت من غير ندب ولا نياحة فليس بحرام، روي في صحيح البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما ان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عاد سعد بن عبادة ومعه عبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص , وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهم ، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى القوم بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بكوا ؛ فقال )ألا تسمعون ان الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ، ولكن يعذب بهذا أو يرحم) وأشار إلى لسانه وروي في صحيحهما عن أسامة بن زيد ان رسول الله صلى الله علية وسلم، عندما قال سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال ) هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده الرحماء). وروينا في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على ابنه ابراهيم وهو يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان ، فقال له عبدالرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله ؟ قال: يا ابن عوف ( انها رحمة) ، ثم اتبعها بأخرى فقال:( ان العين لتدمع والقلب يحزن , ولا نقول إلآ ما يرضي ربنا وانا لفراقك يا ابراهيم لمحزونون).
وأما الأحاديث الصحيحة: ان الميت يعذب ببكاء أهله عليه فليست على ظاهرها واطلاقها بل هي مؤّلة , واختلف العلماء في تأويلها على أقوال أظهرها والله أعلم انها محمولة على أن يكون له سبب في البكاء إما أن يكون قد أوصاهم به أو غير ذلك، قال بعضهم: ويجوز قبل الموت وبعده ولكن قبله أولى للحديث الصحيح:( فاذا وجبت فلا تبكين باكية ) وقد ذكر بعضهم انه يكره البكاء بعد الموت كراهة تنزيه ولا يحرم ، وتأولوا حديث ( فلا تبكين باكية ) على الكراهة والله اعلم.
انما كان للنائحة هذا العذاب واللعنة لأنها تأمر بالجزع وتنهى عن الصبر ، والله ورسوله قد امر بالصبر والاحتساب ، ونهيا عن الجزع والسخط، قال الله تعالى : (ياأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة ان الله مع الصابرين ) قال عطاء عن ابن عباس يقول : اني معكم انصركم ولا أخذلكم قال تعالى : (ولنبلونكم) أي لنعلنكم معاملة المبتلي لان الله يعلم عاقبة الامور فلا يحتاج إلى الابتلاء ليعلم العافية ولكنه يعاملهم معاملة من يبتلي, فمن صبر أثابه على صبره ومن لم يصبر لم يستحق الثواب ، وقول الله (بشيء من الخوف والجوع ) قال ابن عباس: يعني خوف العدو ، والجوع يعني المجاعة والقحط ، ( ونقص من الأموال ) يعني الخسران والنقصان في المال وهلاك المواشي ، (الأنفس) بالموت والقتل والمرض والشيب ، (والثمرات ) يعني الحوائج , وأن لاتخرج الثمرة كما كانت تخرج ، ثم ختم الآية بتبشير الصابرين ليدل على ان من صبر على هذه المصائب كان على وعد الثواب من الله تعالى فقال تعالى : (وبشرالصابرين) ثم نعتهم فقال : (الذين إذا أصابتهم مصيبة) أى نالتهم نكبة مما ذكر ، لا يقال فيما اصيب بخير مصيبة (قالوا إنا لله) عبيد الله فيصنع بنا ما يشاء (وإنا اليه راجعون ) بالهلاك والفناء , ومعنى الرجوع إلى الله الرجوع إلى انفراده بالحكم ، إذ قد ملك في الدنيا قوما الحكم ، فاذا زال حكم العباد رجع الأمر إلى الله عزوجل ، وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مصيبة يصاب بها المؤمن الا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها). وعن علقمة ابن مرثد بن سابط عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها أعظم المصائب ). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا مات ولد العبد يقول الله للملائكة قبضتم ولد عبدي ؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد ) وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى ما لعبدي عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسب الا الجنة )) رواه البخاري.
وقال عليه الصلاة والسلام: ( من سعادة بني ادم رضاه بما قضى الله , ومن شقاوة ابن ادم سخطه بما قضى الله تعالى ) وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إذا قبض ملك الموت عليه السلام روح المؤمن قام على الباب ولأهل البيت ضجة ، فمنهم الصاكة وجهها ، ومنهم الناشرة شعرها ، ومنهم الداعية بويلها.
فيقول ملك الموت عليه السلام: ( مم هذا الجزع ومم هذا الفزع ؟ فوالله ما انتقصت لأحد منكم عمرا ، ولا ذهبت لأحد منكم برزق، ولا ظلمت لأحد منكم شيئا فان كانت شكايتكم وسخطكم علي فإني والله مأمور ، وان كان على ميتكم فانه مقهور، وان كان على ربكم فأنتم به كافرون ، وان لي بكم عودة بعد عودة حتى لاأبقي منكم أحدا. ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو يرى مكانه ويسمعون كلامه لذهلوا عن ميتهم ولبكوا على أنفسهم ) .
فنسأل الله أن يجعلنا من الصابرين ومن المحتسبين الأجر عنده إنه بنا رؤوف رحيم.

إعداد/علي بن عوض الشيباني

 

 

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير



 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept