الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
أشــرعــة

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 

 





فتاوى لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة


ـ في بعض الأحيان تعترض الطريق العام جملة من الحيوانات السائبة كالحمير مثلا فتتسبب في حوادث كثيرة وتكبد الناس خسائر مادية ومعنوية، فهل يجوز قتلها والتخلص منها لهذا السبب؟

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد :

فلا يخلو إما أن تكون هذه الحمير ملكاً لأحد ففي هذه الحالة تقام الحجة على أربابها بأن يحفظوها ويصونوها ويمنعوها من الإضرار بالغير، وإما أن تكون غير مملوكة لأحد ففي هذه الحالة إن كانت سبباً في وقوع الحوادث وتلف الأنفس فإن المحافظة على الأنفس البشرية أولى من المحافظة على الحيوانات، إذ كل ما في هذه الأرض إنما خلق للإنسان، فإن كان سبباً لإزعاجه والإضرار به ففي هذه الحالة يصرف الضرر، كل ما هو مضر بالإنسان يصرف أياً كان، فالإنسان كُرّم تكريماً من عند الله ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء:70) ، فلذلك تصان حياة الإنسان من أجل قيامه بهذه الوظيفة التي نيطت به ويصرف عنه الأذى، والله تعالى المستعان .

ـ ذكرتم في حلقات ماضية أن السرعة الساحقة التي يتهور فيها الإنسان وأصابه حادث وتوفي يعتبر منتحراً إذا كان هو قد تسبب في ذلك ، فإذا كان مسرعاً بالفعل واعترضه هذه المرة بحمار أو حيوان وتوفي ، والسرعة كانت كبيرة هل هذا يعتبر معذوراً ؟
لا، لا، ما دامت السرعة كانت السبب في وفاته فإنه يؤاخذ بذلك، إذ يعد بذلك منتحرا .

ـ هل يجب السكوت والوقوف عن الحركة عند سماع الأذان، وكيف نعمل إذا تعددت الأذانات هل المتابعة للأول أم الأقرب أم للرافع صوته؟

جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم سلوا الله لي الوسيلة. فعندما يسمع الأذان يُسن له أن يتابع ذلك المؤذن، وجمهور العلماء يقولون بأن ذلك محمول على الندب ، ولكن الحنفية يقولون بأن ذلك محمول على الوجوب، وما اعتل به الجمهور من القرينة ليس كافياً لصرف هذا الأمر عن الوجوب إلى الندب، إذ الأصل في أمر الرسول صلى الله عليه وسلّم أن يحمل على الوجوب هذا من ناحية .

ومن ناحية الوقوف عن الحركة فإن ذلك لم يسن ، ليس من السنة أن يقف الإنسان ولا يتحرك ويعطل العمل الذي يباشره إن كان يباشر عملاً من الأعمال ، فبإمكانه أن يستمر على عمله مع رده على أذان المؤذن ، وإن كان ماشياً فبإمكانه الاستمرار في مشيه من غير أن يتوقف عن المشي إن سمع أذان المؤذن .

ـ عندما يردد الأذان خلف المؤذن هل يُمنع من الكلام كلية بحيث يقتصر فقط على ترديد كلمات الأذان ، أم يتكلم ويردد ؟

إن كان هنالك داعٍ للكلام ينبغي أن يفرق بين أن يكون كلام الإنسان مجرد ثرثرة، وبين أن يكون كلامه لداع، فإن كان كلامه لداعٍ فلا حرج، وإن كان كلامه مجرد ثرثرة يشغل بها سامعه فإنه مما لا ينبغي لأحد أن يثرثر في إبان الأذان لأن ذلك مما يصرف سامعيه عن متابعة هذا المؤذن .

ـ عندما يصل المؤذن إلى قوله (أشهد أن محمداً رسول الله) ، هنا هل يقدّم المسلم الصلاة على النبي أولاً أم يردد الكلمة ؟

كثير من العلماء استحبوا أن يبدأ أولاً بالصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلّم، لأن النبي صلى الله عليه وسلّم ذكر والله تبارك وتعالى يقول (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (الأحزاب:56)، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد . فقيل يصلي على النبي صلى الله عليه وسلّم أولاً ثم بعد ذلك يأتي بالشهادة له صلى الله عليه وسلّم بالرسالة ، ومنهم من يقول بأنه يأتي بالشهادة ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلّم ولا حرج .


يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة



أعلى





قراءة في بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان التقنين والتجديد

الفقيه والأزمنة المعاصرة
2ـ4

الإصلاحات العثمانية أسهمت في تغيير بعض المفاهيم والممارسات
بفضل مزيج من الهيمنة الأوروبية

الغرب الزاحف لا يواجَه إلا بدولة عصرية قوية تقود عمليّات التجديد في التعلم

شهد القرن التاسع عشر اتجاهًا نشيطًا نحو التقنين يمكن تسميته عصر المجموعات القانونية

قراءة ـ أحمد بن سعيد الجرداني
نظراً لتطور الحياة المتسارع طرأت الكثير من القضايا التي تستلزم من العلماء أن يجيلوا النظر لاستخراج الحكم الشرعي، فالعلماء السابقون لم يدخروا جهدا في إيجاد الأجوبة عما كان وقع في عصورهم، والكثير من ذلكم التراث الضخم المبارك ينبغي أن يوظف فيما يعين على تجديد واسع وشامل لمد مظلة الفقه الإسلامي لتشمل كل ما يحتاجه الناس من حلول لقضاياهم المعاصرة، وما التقنين إلا ثمرة واحدة من ثمار التجديد التي برهنت خلود هذه الشريعة العظيمة .
ومن هذا المنطلق كانت لنا هذه القراءات في بعض البحوث التي طرحت في ندوة العلوم الفقهية في عمان السابعة بعنوان( التقنين والتجديد في الفقه الإسلامي المعاصر) والتي نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في الفترة من 28ـ2 ربيع الثاني 1429 هجري الموافق 5ـ8 إبريل 2008 ميلادي والتي كانت بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس الأكبر بولاية بوشر...
ومن ضمن هذه البحوث بحث بعنوان( الفقيه والأزمنة المعاصرة ) لمعتز الخطيب كاتب وباحث من سوريا
لقد تكلمنا في الحلقة الماضية عن الفقيه ودوره في إنتاج المعرفة المعيارية في المجتمع وغيرها من الأمور واليوم نواصل قراءة هذا البحث...


دور القوى الأوروبية
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن القوى الأوروبية فرضت تنظيمات اقتصادية من أجل فتح البلدان العثمانية أمام التجارة الأوروبية، ونشأت عنها المحاكم التجارية التي تحكم وفق الطريقة الأوروبية، وكانت أول محاكم تخرج عن إطار الشريعة، وأن السلطان عبد الحميد حاول مقاومة تلك الهيمنة الأوروبية وإن لم يتوقف عن الإصلاحات، وأن الاستعمار البريطاني في مصر 1882م أوقف إصلاحات محمد علي وفرض تجديدات قانونية وغيرها.
وليس هدفي هنا التأريخ للإصلاحات، بل الإشارة الوجيزة إلى بدايات التغير القانوني وجذور انقطاع الشريعة تاريخيًّا. فالإصلاحات العثمانية أسهمت في تغيير بعض المفاهيم والممارسات، بفضل مزيج من الهيمنة الأوروبية، ومحاولات سعي الدولة العثمانية لمواجهة تلك التحديات بإنشاء دولة عصرية قوية، وكان القانون أحدَ تلك المجالات التي دخلها التغييرُ.
1ـ انفصال الحكومة عن سلطة السلطان وعن السلطة الدينية، فقد وُضعت السلطة التشريعية بين أيدي مؤسسة رسمية (ديوان الأحكام العدلية)، غير شخصية وغير دينية، واعتُبر ابتعادًا عن مبادئ الشريعة بوصفها قانونًا إلهيًّا.
2ـ وفصل الدين عن الحكومة ففُصلت الوظائف والمؤسسات الدينية عن وظائف الدولة، مما أدى إلى وجود حيز خاص بالحكومة والتشريع والقانون خارج نطاق الدين.
3ـ ما أدى نشوء مفهوم المواطنة إلى خلخلة بعض تشريعات الفقه، وزوال الامتيازات التي كانت تُمنح لفئات من المجتمع دون غيرها، وكان من بينها المسلمون، والعلماء والعسكر.
4ـ نشوء مفهوم القانون العام الذي يختلف عن الشريعة والعادات والتقاليد، بهدف التطوير والتقدم.
وقد خفّضت هذه الإصلاحات العثمانية (1839-1876م) التي عُرفت بالتنظيمات من نفوذ العلماء، ففي دمشق مثلاً "قللت الإصلاحات من قوة العلماء عن طريق توطيد الرقابة المركزية على دمشق، وزيادة التمثيل العلماني في المجالس المحلية المتنوعة الجديدة، وقد تحدت الافتراضات الأساسية للإصلاحات والآراءُ الواضحة: سلطة العلماء من خلال تشكيكها في ملاءمة خبرتهم. فالبيروقرطيون والموظفون الذي استنبطوا الإصلاحات مثّلوا مجموعة اجتماعية ناشئة لها نظرتها العامة الخاصة ومصالحها التي اصطدمت مع نظرة ومصالح العلماء".
وقد خضع تهميش نفوذ العلماء إلى تجاذب ومد وجزر، خاصة مع وجود المحاكم المختلطة التي تنظر في القضايا الناشئة عن القانون التجاري، وكانت هذه المحاكم إحدى المحاكم القانونية التي أزالت من ولاية العلماء صلاحية النظر القانونية في القضايا التجارية والجزائية والمدنية، وإن كان العلماء احتفظوا بدور في ما عدا ذلك، وخففوا من تأثير الإصلاحات حتى ستينيات القرن التاسع عشر. وفي سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر تضاءل نفوذهم بانتشار المحاكم القانونية المدنية واستبعادهم من مجلس الولاية بالكامل بين 1970 و1900م.
أحد أسباب هذا التهميش، يرجع إلى أن مركزية دور العالم/الفقيه كانت نابعة من مركزية المعرفة الدينية، في حين أن الإصلاحات جاءت بالانفتاح على لون آخر من المعرفة غير الدينية، والتي تحاكي الغرب الناهض، وتحاول أن تسلك مسالكه في النهضة. ترافق ذلك مع فكرة عامة شاعت بين الكثير من علماء أوروبا وهي "أن الفقه في طريقه إلى الاختفاء كقانون، وانتهوا إلى هذا الرأي على ضوء دراستهم لمختلف الأنظمة القانونية السارية في البلاد العربية وما لاحظوه من انكماش مطرد لمجال تطبيق الفقه منذ نهاية القرن الثامن عشر. وهم يرون أن هذا الانكماش يرجع إلى طابع الجمود في الفقه ... ومع اتساع التأثير الغربي في مجال تدريس القانون وفي مختلف المهن المرتبطة بالقضاء تم تهميش الفقه" .

الانقطاع الذي وقع في القرن التاسع عشر
وعن الانقطاع في الإصلاح يقول الخطيب: بالتأكيد ثمة خلفيات أيديولوجية خلف هذا الاستنتاج سنعود إلى مناقشة تأثيراتها لاحقًا بين تياري المحافظة والتجديد داخل الفقه الإسلامي.
هذا الانقطاع الذي وقع في القرن التاسع عشر شكّل قوة دافعةً للبحث عن الإصلاح الفكري والفقهي، وأخذ أشكالاً متعددة من الإصلاحية الإسلامية على يد محمد عبده ورشيد رضا، إلى الإحيائية الإسلامية على يد حسن البنا وحركة الإخوان المسلمين.
انعكس هذا الإصلاح في اختلاف صورة الدولة التحديثية لدى الفاعلين، انطلاقًا من تغير طبيعة السلطة والقوى الاجتماعية والشعبية الحاكمة، فقد حلم الإصلاحيون بالدولة الإصلاحية أو الحديثة، بعد أن رأوا منذ منتصف القرن التاسع عشر أن "السيل الذي لا يمكن دفعه" المتمثل بالغرب الزاحف لا يواجَه إلا بدولة عصرية قوية تقود عمليّات التجديد في التعلم من الغرب، وفي مقاومة سيطرته العسكرية والسياسية بوسائله الفعالة التي يستطيع المسلمون اكتسابها واستخدامها.
ولكن نخبة الدولة هذه لم تلبث أن انفصلت تدريجيًّا عن رجالات الفقه مطلع القرن العشرين واستحدثت التعليم المدني المنفصل عن التعليم الديني، واتجهت لوضع قانون مدني وإنشاء كيانات وطنية خاصة على نهج الأمة/الدولة الأوربي القومي. ومن هنا نشأت "الدولة الوطنية" وهي النمط الثاني للدولة. بدأ هذا النمط في المشرق وبلغ ذروته في تركيا وصولاً لإلغاء الخلافة وفصل الدين عن الدولة، وحدث في المغرب في الخمسينيات من القرن العشرين. وهذا الانفصام بين الفقه والدولة سيكون التغير الجذري الذي كان له تأثيرات كبيرة لاحقًا .
الانفصال المشار إليه بين رجال مشروع الدولة ورجال الإصلاح الإسلامي أدى إلى فك التحالف مع الدولة الوطنية الحديثة مع وجود جدل كبير حول الخلافة، واعتزال التجربة السياسية الجديدة المتمثلة بالدولة الوطنية التي تعتنق ثقافة الغرب وأنظمته السياسية، بين الثلاثينيات والخمسينيات، لكن منذ مطالع الخمسينيات ومع الاتجاه إلى العلمنة تحول الإخوان المسلمون إلى معالجة القضايا السياسية فاصطدموا بالدولة، وفي هذه المرحلة ظهرت أطروحة "الحاكمية" و"العدالة الاجتماعية" لدى سيد قطب، والقضايا القانونية والسياسية في معالجات عبد القادر عودة، وغير ذلك من الحديث عن الإسلام وقضايانا السياسية، والنظام السياسي في الإسلام، ونظام الحكم في الإسلام. وهذا عكس قناعة مؤداها أن "الدولة هي الأداة العظمى لتحقيق غائية المشروع القصوى" .

الدين الرسمي
ويضيف معتز الخطيب في بحثه : إنه وبالرغم من أنه حين صيغت الدساتير في تلك الدول "الوطنية" وُضع نصٌّ - في معظمها - يفيد بأن دين الدولة الرسمي هو الإسلام، والشريعة الإسلامية هي مصدر رئيس أو المصدر الرئيس من مصادر التشريع فيها، بالرغم من ذلك نشِب صراع حادّ بين تلك السلطات وبعض الإسلاميين حول حقيقة "إسلامية" الدولة على وقع تصاعد الصراع بين الإسلاميين والقوميين في الخمسينيات والستينيات، وفي ظلّ الحديث عن الحاكمية والجاهلية وغير ذلك. وفي المقابل كانت تلك الكتابات السياسية الإسلامية عن نظام الحكم تسعى لبلورة نظام سياسي إسلامي من أجل بناء "الدولة الإسلامية" التي تتلخص مهمتها في تطبيق الشريعة، وهو المطلب الذي تتفق عليه جميع حركات ما يُسمى بـ"الإسلام السياسي"، وإن اختلفت في وسائل تنفيذه، في مقابل ما بدا تملّصًا وتهميشًا من مرجعية الشريعة باتجاه العلمانية من جانب الأنظمة القائمة المستأثرة بالسلطة.
ثانيًا: مبدأ التقنين .. ومتغيرات الزمان

فكرة التقنين وسياقاتها التفسيرية
القوانين في اللغة: الأصول، واللفظ ليس بعربي، فهو من الألفاظ المعرّبة. وعلى مستوى المفهوم - وهو أن يكون ثمة أصل عام مدون يحتكم إليه الناس في معاشهم - فقد بقيت هذه الفكرة موضع تردد في قرون الإسلام الأولى، فحتى القرآن الكريم وقع التردد في جمعه بين دفتين مدونًا بادئ الأمر، واستمر ذلك زمنًا، وإن كان قد جُمع في الصدور، وكانت هناك صحف متفرقة إلى أن جُمع بين دفتين لاحقًا، وكذلك وقع التردد في جمع السنة النبوية، إلى أن أمر عمر بن عبد العزيز عمّالَه بجمع ما تفرق من الأحاديث، لكنه لم يكن قانونًا أو أصلاً ملزمًا، حتى إن الخليفة أبا جعفر المنصور حاول أن يجعل من موطأ مالك مرجعًا للقضاة يلزمهم به، ولكن مالكًا أبى ذلك. وبقيت السلطة التشريعية التي يملكها الفقهاء - كما قلنا - حرة ومتعددة، واعترف لهم بذلك الخلفاء في غالب الأحوال، لكن هذا التعدد في الآراء والأحكام بقي مقلقًا، وهو ما دفع عبد الله بن المقفع (ت 756م) لأن يقترح على المنصور أن يجمع الناس على أصل/قانون واحد، من خلال رسالته التي سماها "رسالة الصحابة" بحيث يجمع أقضية الصحابة وفتاويهم فتكون مرجع القضاة، ومن هنا عُزي إليه أول محاولة للتقنين.
وصحيح أنه كان ثمة شرائع قديمة قبل الميلاد اعتُبرت قوانين، إلا أن التقنين بمعنى الصياغة القانونية على شكل مواد ملزمة في القضاء، وتغطي مناحي الحياة المختلفة، بين قانون عام وقانون خاص، ومدني وجنائي أو جزائي ونحو ذلك، لم يُعرف إلا في العصر الحديث، وأول قانون عرفه العرب في هذا الخصوص كان قانون نابليون (القانون المدني الفرنسي) 1804م، وشهد القرن التاسع عشر اتجاهًا نشيطًا نحو التقنين حتى يمكن تسميته "عصر المجموعات القانونية" .
وأول عمل متكامل ظهر لتقنين الفقه الإسلامي كان مجلة الأحكام العدلية في زمن الإصلاحات العثمانية، سنة 1876م، وجرى العمل بها لاحقًا في البلاد الخاضعة للحكم العثماني، ثم تلتها محاولات فردية كتلك التي قام بها وكيل وزارة الحقانية (العدل) محمد قدري باشا في كتابه "مرشد الحيران في معرفة أحوال الإنسان" الذي طبع سنة 1890م، وكتابه "الأحوال الشخصية" وكتابه "العدل والإنصاف في أحكام الأوقاف" الذي طبع سنة 1893م، ثم بدأ العمل الجماعي في هذا النوع من التأليف في العقد الثاني من القرن العشرين. وتبع ذلك محاولات عديدة ليس من غرضي هنا استقصاؤها، بل تأمل سياقاتها ومجالاتها، والتحولات التي طرأت في تشكيل الثقافة القانونية داخل المجتمعات العربية بتأثير اتصالها بالثقافة الغربية، وما نتج عن ذلك من ازدواجية ثم انقطاع في الثقافة الإسلامية.
يميز بعض الباحثين بين ثلاث فترات متتالية لحركة التقنين:
1ـ خلال الجزء الأكبر من القرن التاسع عشر حاولت دول في طور التكوين (مصر) أو تمر بأزمة (الدولة العثمانية) تجديد مؤسساتها القانونية مع الحفاظ على سيادتها.
2ـ وعند نهاية القرن استمرت محاولة التحديث، ولكن تحت سيطرة مباشرة من دول أجنبية.
3ـ وفي فترة ما بين الحربين العالميتين بدأت إعادة النظر في التقنين السابق على أسس وطنية وازدهرت العملية في البلدان التي أصبحت مستقلة.
وهذا التمييز يبدو مفيدًا، لكنه غير كافٍ أو دقيق لما نود التعبير عنه بعد تأمل سياقات التقنين، ومساراته، كما أن تفسيرات لجوء الدولة العثمانية إلى التقنين عبر مجلة الأحكام العدلية اضطربت تفسيراته لدى الكاتبين، فالبعض فسره بأن الدولة العثمانية "أحست بخطر القوانين الوضعية الذي يهددهم في عرضه الجذاب وتنسيقه المحكم، فشكلت لجنة من فقهائها البارزين فأصدروا المجلة" ، في حين يرى آخرون أن الدافع لذلك ذو طابع عملي، هدفه إنشاء قانون "يسهل الرجوع إليه وأخذ الأحكام منه"، بعد أن "أنشئت المحاكم النظامية ونقل إليها بعض اختصاصات المحاكم الشرعية ولم يكن باستطاعة قضاة تلك المحاكم أن يأخذوا الأحكام من الكتب الفقهية لاختلاف أساليبها وكثرة الآراء فيها، ولأن التمييز بين تلك الآراء يحتاج إلى ملكة فقهية خاصة، وتدريب خاص، ولم يتوفر لهؤلاء القضاة غير الشرعيين شيء من ذلك" . وثالث يرى أن انهيار السلطة العثمانية اضطرها لقبول النماذج الأوربية .
لكن الذي يفسر تلك المحاولة العثمانية - وهي لم تكن أول محاولة- أنها جاءت ضمن سياق الإصلاحات العثمانية أو ما سمي بالتنظيمات التي امتدت على عهدي السلطانين عبد المجيد وعبد العزيز وانتهت في حدود 1880م بعد تولي عبد الحميد الثاني بأربعة أعوام. وفي هذه الفترة نشأت المحاكم التجارية التي تحكم على الطريقة الأوربية، ثم تحولت إلى المحاكم المختلطة عام 1847م (وهي محاكم مدنية وجنائية)، بالاتفاق مع السلطات الأوربية، وصدرت عام 1840 مجموعة قوانين جنائية، وسُنّ القانون التجاري عام 1850م المأخوذ عن القانون الفرنسي، وسلخت الدعاوى الجزائية من القضاء الشرعي، وتوسعت الأنظمة القضائية حتى وصلت إلى تقنين الشريعة ذاتها .
"وهكذا، على مدى أربعين عامًا، اطرد زحف التشريعات الغربية في نظم الدولة العثمانية، كما اطرد انحسار الشريعة الإسلامية، وهيمن التشريع الغربي على نظام القضاء وعلى تنظيم التجارة وتنظيم الأراضي والتنظيم الجنائي" ، لكن السؤال الذي يجب تأمله هنا هو لماذا أفلت من هذا كله مجلةُ الأحكام العدلية؟، وكيف ظهرت الفكرة؟
هذا ما سنعرفه في الحلقات القادمة بإذن الله ...


أعلى





العدل بين الأولاد

إن الله قد أوصى الأبناء ببرّ الآباء وجعل حقّهم عظيما عليهم وقرنه بحقّه وتوحيده سبحانه فقال: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً كما جعل على الآباء حقوقا للأبناء مثل التربية والنفقة , والعدل بينهم.
ومن الظواهر الاجتماعية السيئة, الموجودة في بعض الأسر, عدم العدل بين الأولاد، فيعمد بعض الآباء أو الأمهات, إلى تخصيص بعض أولادهم بهبات وأعطيات دون الآخرين، وهذا على الراجح عمل مُحرم إذا لم يكن له مسوغ شرعي، كأن تقوم حاجة بأحد الأولاد, لم تقم بالآخرين كمرض أو دين عليه, أو مكافأة له على حفظه للقرآن مثلا , أو أنه لا يجد عملا أو صاحب أسرة كبيرة , أو طالب علم متفرغ ونحو ذلك.
وعلى الوالد أن ينوي إذا أعطى أحدا من أولاده لسبب شرعي أنه لو قام بولد آخر مثل حاجة الذي أعطاه أنه سيعطيه كما أعطى الأول.
والدليل العام قوله تعالى ( اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله ) والدليل الخاص ما جاء عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما, أن أباه أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:(إني نحلت ابني هذا غلاما ـ أي وهبته عبدا كان عندي ـ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل ولدك نحلته مثله؟ فقال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأرجعه وفي رواية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) قال فرجع فرد عطيته وفي رواية (لا تشهدني إذا فإني لا أشهد على جور)
والناظر في أحوال بعض الأسر, يجد من الآباء من لا يخاف الله في تفضيل بعض أولاده بأعطيات، فيوغر صدور بعضهم على بعض، ويزرع بينهم العداوة والبغضاء. وقد يعطي واحدا لأنه يشبه أعمامه، ويحرم الآخر لأن فيه شبها من أخواله، أو يعطي أولاد إحدى زوجتيه ما لايعطي أولاد الأخرى، وربما أدخل أولاد إحداهما مدارس خاصة, دون أولاد الأخرى، وهذا سيرتد عليه فإن المحروم في كثير من الأحيان لا يبر بأبيه مستقبلا، وقد قال عليه الصلاة والسلام, لمن فاضل بين أولاده في العطية:(أليس يسرك أن يكونوا إليك في البر سواء ؟)
وقال بعض السلف: إِنَّ لَهُمْ عَلَيْكَ مِنَ الْحَقِّ أَنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ كَمَا أَنَّ لَكَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقِّ أَنْ يَبَرُّوكَ.
ومن وجوه عدم العدل بين الأولاد كذلك, الوصية لبعض الأولاد أو زيادتهم فوق نصيبهم الشرعي, أو حرمان بعضهم، وتعمد بعض النساء إلى الوصية بذهبها لبناتها دون أبنائها مع أنه جزء من التركة، أو توصي بشيء وهبه لها بعض أولادها بأن يرجع إليه بعد مماتها, إحسانا إليه بزعمها كما أحسن إليها، وهذا كله لا يجوز فإنه لا وصية لوارث، وكذلك فإن ما دخل في مُلك الأم أو الأب ومات عنه، فهو لجميع الورثة حسب أنصبتهم التي فرضها الله تعالى.
وعلى كل من الأبوين أن يذكّر الآخر, إذا لم يعدل ويقف الموقف الحازم حتى يتحقّق العدل، ومن ذلك المطالبة بردّ الأمر إلى أهل العلم كما تدلّ على ذلك الرواية التالية.
عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَانْطَلَقَ أَبِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ. قَالَ: لا. قَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَولادِكُمْ. فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ) نسأل الله تعالى أن يرزقنا البرّ بآبائنا والعدل في أولادنا والثبات على ديننا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

إبراهيم السيد العربي

 

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير



 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept