|
فتاوى لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة
*الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة على كل مسلم، فما هو المقصود
بالمعروف وما هو المقصود بالمنكر؟
**بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين،
والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما
بعد :
فإن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان خلقاً سويا، وشرّفه وفضّله على
غيره تفضيلا، وكرمه تكريماً إذ مَنّ عليه بما لم يمنّ به على غيره
، وجعله الله سبحانه مناط تكليفه. وقد شُرّف هذا الإنسان بهذه التكاليف
الربانية التي ينوء بأوزارها ويتحمل تبعاتها، فإن هو قام بواجبها كان
ذلك سبباً لسعادته ، وإن كان بخلاف ذلك فلا يلومن إلا نفسه. فالله
تعالى يقول (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ
وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا
وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) (الأحزاب:72)
. إن حمل هذه الأمانة أمر ليس هو بالأمر الهين، والإنسان بطبعه ميّال
إلى راحة نفسه ولو كان ذلك على حساب راحته في مستقبله، وهو ميّال إلى
إيتاء نفسه رغباتها ولو كان ذلك على حساب سعادته، لذلك كان الإنسان
بحاجة إلى أن يأمر بالمعروف ويأتمر به، أي هو بحاجة إلى أن يُؤمر به
ويَأمر به، وأن يُنهى عن المنكر وأن ينتهي عنه. ومعنى ذلك أن يكون
ناهياً عن المنكر وأن يكون هو منتهياً عنه متلقياً النهي من غيره حتى
يكون منتهياً عنه.
فلذلك نحن نجد في كتاب الله سبحانه أن الله سبحانه بيّن صفات أولئك
الذين استثناهم من الخسران الذي حكم به على الجنس البشري عند قال سبحانه
(وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)
(سورة العصر)، فالتواصي بالحق مما يشد المؤمن إلى المؤمن، فالمؤمنون
والمؤمنات لا بد من أن يكون بينهم رباط، ولا بد من أن يكون بينهم تواصل،
وهذا التواصل لا يتم إلا من خلال هذا التواصي بالحق الذي هو أمر بالمعروف
ونهي عن المنكر كما نجد ذلك واضحاً في قوله تعالى (وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ
اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة:71)، ويقول الله سبحانه
وتعالى (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
(آل عمران:104)، وليس معنى هذا أن المطالب بهذا بعض الناس دون بعض،
وإنما الكل مطالبون بذلك، فالمؤمنون والمؤمنات جميعاً مطالبون بأن
يكونوا هذا شأنهم، بأن يكونوا يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون
عن المنكر.
والمعروف معروف، والمنكر منكر، المعروف معروف لأن المعروف تطمئن إليه
النفس، ويسكن إليه القلب، فهو ما وافق حكم الله تعالى المُنزّل، وما
وافق سنة نبيه المرسل .
المعروف إنما قيل له معروف نظراً إلى هذه الطمأنينة التي تحصل بفعله
والتي أيضاً تحصل عندما يرى الإنسان غيره يمارس هذا المعروف، فإن هذه
الممارسة تفيض الطمأنينة على الجميع .بينما المنكر تأباه الفطر السليمة،
وتنكره الطبائع المستقيمة، فلذلك كان منكراً بسبب هذا النكران له من
قِبل هذه الطبائع، فجدير به أن يُنكر على الناس وأن لا يُقر فلذلك
سمي منكراً .فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للسلامة في الدنيا
والسعادة في العقبى ، والله تعالى المستعان .
*إذا كان الأمر بالمعروف واجباً والنهي عن المنكر
كذلك فهل هما واجبان على الشخص التقي بحيث لا يصح للمرابي أن ينهى
عن الربا وكذلك للزاني أن ينهى عن الزنا وكذلك لتارك الصلاة أن يأمر
بالصلاة؟
**الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان على
الكل، سواءً كان الإنسان فاعلاً لما به يأمر وتاركاً لما عنه ينهى
أو كان بعكس ذلك ، إذ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كوجوب
الصلاة والصيام والزكاة والحج وسائر العبادات، ولكن مع هذا كله فإن
الإنسان يطالب بأن يكون هو بنفسه من أهل المعروف، فكيف يأمر بالمعروف
من لم يكن من أهل المعروف، وكيف ينهى عن المنكر من كان متلبساً بالمنكر.
لذلك نحن نجد في كتاب الله سبحانه وتعالى النعي على أولئك الذين يأمرون
الناس بالبر وينسون أنفسهم، فأمرهم إياهم بالبر إنما هو نصيحة ، ولكن
من أولى بالنصيحة ، إنما أولى بالنصيحة نفس الإنسان، فمن لم ينصح نفسه
كيف ينصح غيره، لذلك قال سبحانه وتعالى خطاباً لبني إسرائيل (أَتَأْمُرُونَ
النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ
الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة:44)، وهذا التقريع ليس هو
على الأمر بالبر وإنما هو على ترك الائتمار بما يأمرون به، فالتقريع
إنما هو بسبب ذلك (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ
أَنْفُسَكُمْ)، إنما التقريع بسبب هذا النسيان، نسيان الإنسان نفسه
مما يأمر به غيره من الخير.
ومن المعلوم أن فعل الإنسان للخير مدعاة لائتمار الناس بما يأمرهم
به عندما يأمرهم بهذا الخير، وكذلك تركه للشر هو مدعاة لئن يترك الناس
الشر عندما ينهاهم عنه، أما عندما يكون بخلاف ذلك فإن الواقع يكون
عكس هذا، فأولئك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم إنما يجرون
التهم لا إلى أنفسهم فحسب وإنما يجرون التهم إلى نفس الأوامر التي
يأمرون بها والنواهي التي ينهون عنها بل إلى نفس المبادئ التي ترتبط
بها هذه الأوامر وترتبط بها هذه النواهي كما يقول بعض عمالقة الفكر
الإسلامي (إن الكلمة لتخرج ميتة وتصل هامدة مهما تكن طنّانة رنّانة
إذا هي لم تخرج من قلب يؤمن بها، ولن يكون الإنسان مؤمناً بما يقول
حتى يستحيل هو ترجمة حية لما يقول وتصويراً واقعياً لما ينطق، حينئذ
تخرج الكلمة كلها دفعة حياة، لأنها تستمد قوتها من واقعها لا من طنينها،
وجمالها من حقيقتها لا من بريقها) فالإنسان يطالب هكذا .
ونحن نرى أن السلف الصالح استطاعوا أن يتغلبوا على الصعاب، وأن يتحدوا
جميع المشكلات، وأن يتجاوزوا جميع العقبات عندما كانوا على هذا النحو.
السلف الصالح عندما دعوا إلى الحق وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر
لم تكن لهم وسائل إعلام كالوسائل الموجودة في وقتنا هذا، إذ لم تكن
عندهم وسيلة بث مباشر أو غير مباشر، لم تكن عندهم وسيلة اتصال عبر
هاتف أو عبر شبكات المعلومات أو غيرها بالناس، وإنما كانت الكلمة وحدها
تخرج من أعماق القلوب فتتغلغل في أعماق القلوب ولا تقف حتى تحوّل الناس
من واقع إلى واقع آخر بسبب عمق تأثيرها وذلك لأن الذي قالها هو بنفسه
متأثر بها، عندما يقول الإنسان الحق ويعمل به يكون عمله أكثر دعوة
إلى هذا الحق من قوله ، ويكون لعمله تأثير أبلغ من هذا التأثير الذي
يكون لقوله ، فلذلك كان جديراً بمن تحمل أمانة الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر أن يكون هو مثالاً في الائتمار لما به يأمر وفي الانتهاء
عما عنه ينهى.
هذا مع أن الذي يرتكب المنكرات ويترك العمل بالمعروف غير معذور بتركه
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما أنه غير معذور بفعله المنكر وتركه
المعروف، بل هو مطالب بالفرضين جميعاً، مطالب بفرض أن يأتمر بالمعروف
وأن يأمر به، ومطالب بفرض أن ينتهي عن المنكر وأن ينهى عنه، فهو مطالب
بكلا الأمرين بالأمر والائتمار، ومطالب بالنهي والانتهاء، والله تعالى
أعلم.
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
صلة الرحم وفضلها في حياة الإنسان
حسن رشاد: صلة الرحم واجب أوجبه الله تعالى على
كل مسلم
الواصل هو الذي يحول القطيعة إلى صلة والجفاء
إلى محبة ووفاء
من أراد أن يبسط له في الرزق والبركة في العمر
والمال والولد
والانتصار على الشيطان فعليه بصلة الرحم
القاطع لرحمه محروم من رحمة ربه
أجرى الحوار ـ مبارك بن عبدالله العامري:صلة
الرحم من السنن الإلهية المودعة في فطرة الإنسان وهي ارتباط روحي وعاطفي
بأرحامه وأقاربه، وهي سنة ثابتة يتساوى فيها أبناء البشر، فالحب المودع
في القلب هو العلقة الروحية المهيمنة على علاقة الإنسان بأقاربه، ولقد
راعى الإسلام هذه الرابطة ودعا إلى تعميقها في الواقع، وتحويلها إلى
معلم منظور، وظاهرة واقعية تترجم فيها الرابطة الروحية إلى حركة سلوكية
وعمل ميداني، ولقد جاء في كتاب الله العزيز العديد من الآيات القرآنية
مبينة صلة الرحم وفضلها على الإنسان. قال تعالى (وَاتَّقُواْ اللّهَ
الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ
رَقِيباً) "النساء 1".
وجاءت السنة النبوية الشريفة موضحة الأجر العظيم لواصل رحمه والعذاب
الأليم لقاطع الرحم عن عائشة رضي الله عنها قالت قال: رسول الله صلى
الله عليه وسلم: أسرع الخير ثوابا البر وصلة الرحم، وأسرع الشر عقوبة
البغي وقطيعة الرحم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه،
ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم
الآخر فليقل خيراً أو ليصمت.
وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى قال: الرحم متعلقة بالعرش تقول
من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله، وجاء عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال: لا يدخل الجنة قاطع رحم.
وعن خصلة صلة الرحم وما الواجب من المسلم تجاه أرحامه كان لـ"الوطن"
هذا اللقاء مع حسن رشاد واعظ بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية بولاية
السيب
فضل صلة الرحم
*في بداية هذا اللقاء نرجو أن تبين لنا فضل صلة الرحم؟
**الحمد لله رب العالمين أمرنا بصلة الأرحام
ووعد الواصلين دار السلام وأصلي وأسلم على خير الواصلين للأرحام المصطفى
سيد الأنام، صلة الرحم وأجب أوجبه الله تعالى على كل مسلم لتوثيق عرى
المجتمع وجمع شمله دائما فكلما فترت المحبة والمودة تأتي الصلة فتزداد
المحبة وتقوى المودة.
والصلة والوصل ضد القطع، والوصل إعادة ما قطع وهذا يفهم من قول الرسول
صلى الله عليه وسلم (ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت
الرحم وصلها) رواه البخاري عن عبدالله بن عمر.
لأن بعض الناس يتعاملون بالمثل إذا قطعت الرحم قطعوا وإذا وصلت وصلوا
وهذا لا يسمى وصل الوصل، والواصل الذي إذا قطعت الرحم وصلها، الواصل
الذي يحول القطيعة إلى صلة والجفاء إلى محبة ووفاء ومن أجل ذلك حض
القرآن على رعاية حق الصلة في معرض الأمر بتقوى الله فقال تعالى (وَاتَّقُواْ
اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ
عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء 1) وقرن بين قطيعة الرحم والإفساد في
الأرض في قوله تعالى (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا
فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ)"محمد 22" وورد
عن رسول الله أحاديث كثيرة تحض على صلة الرحم ومما روي عنه في ذلك
قوله (إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ من خلقه قالت الرحم هذا مقام
العائذ بك من القطيعة قال نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟
قالت بلى يا رب قال الرسول صلى الله عليه وسلم فاقرؤا إن شئتم (فَهَلْ
عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا
أَرْحَامَكُمْ) "محمد 22" رواه البخاري عن أبي هريرة .
الوسع في الرزق
*زيارة الأرحام والتواصل معهم يحصل من خلالها الزائر على فوائد جمة
نرجو أن توضح للقارئ الفوائد التي يجنيها الزائر من خلال هذه الزيارة؟
**بزيارة الأرحام وصلتها يحصل الواصل على أجر
عظيم وثواب جزيل وعده سيد البشرية ومعلم الإنسانية فقال في الحديث
الذي رواه الإمام مسلم عن أنس بن مالك (من أراد أن يبسط له في رزقه
وينسأ له في أثره فليصل رحمه) فلقد جمع الحديث للواصل خيري الدنيا
والآخرة بمعنى أن يعيش سعيداً في الدنيا والآخرة فبسط الرزق سعته والبركة
فيه وكذلك البركة في العمر وإذا بسط للمسلم في رزقه أنفق وتصدق فترفع
درجاته وتزداد حسناته وإذا ما بورك له في عمره ازداد عمله وكثر خيره
وهذا ما يتمناه كل عاقل، وبصلة الأرحام تستريح النفس ويزداد الإيمان
ويتغلب المسلم على الشيطان لأن الشيطان يحب القطيعة والخصام ويكره
المحبة والوئام فمن أراد أن يبسط له في الرزق والبركة في العمر والمال
والولد والانتصار على الشيطان فعليه بصلة الرحم فالرحم حين الوصل تدعو
ودعائها مجاب فوعدها الله بذلك، وصلة الرحم واجبة على كل أحد رجل أو
امرأة فليس للرجل أن يمنع زوجته وابنته من وصل رحمهما ويساعدهما على
ذلك لينال في الدنيا السعادة وفي الآخرة الحسنى وزيادة.
دور وسائل الاتصال
*في الوقت الحالي كثرت وسائل الاتصال هل تغني
هذه الوسائل عن الزيارات؟
**وسائل الاتصالات لا تغني عن الصلة والزيارات
فوسائل الاتصالات وسيلة في وقت الضرورة للاطمئنان أما الصلة والزيارة
فلها ثواب عظيم بكل خطوة تنال حسنات وتحط عنك سيئات وترفع عند الله
درجات.
وبالجلوس والحديث تستريح النفوس ويزال ما يغرسه الشيطان من القطيعة
والضغينة ويا حبذا لو حملت معك هدية فكما قال سيد البشرية وخاتم الأنبياء
محمد صلى الله عليه وسلم (تهادوا تحابوا) فهذا أمر طيب مرغوب يشرح
الصدر ويستميل القلوب، هذه أمور لا تحدث عبر الاتصال وكذلك هناك مشاكل
تساعد على حلها إذا ما زرتها، وهناك الراحة النفسية والروح المعنوية
لكي ترفع إلى ذروتها وقت الزيارة فتؤدي الرحم واجبها بعد ذلك تجاه
الأسرة التي تعيش فيها بكل محبة واقتدار فترى الأسرة في سعادة وازدهار
وكذلك المجتمع يعيش بلا مشاكل نفسية لأن جو القطيعة والخصام كله مشاكل
وعقد وهذا بالطبع يعود بالسلب على الأبناء والأسر وعلى المجتمع أيضا
بالضرر.
الطرد من رحمة الله
*هناك أرحام لا يزورون أرحامهم وانقطعوا عن زيارتهم ماذا تقول لهؤلاء؟
**القاطع لرحمه محروم من رحمة ربه يقول الله
سبحانه وتعالى (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا
فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ(22) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ
لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) أَفَلَا
يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24) ومعنى
اللعن الطرد من رحمة الله وهل بعد الطرد من رحمة الله عقاب؟ فليحذر
القاطع من هذا العقاب وليعد لرشده وصوابه وليصل رحمه ويطلب السماح
والعفو لعل الله أن يعفو عنه.
وهناك بعض الناس يقطعون الرحم لمجرد أنها أخذت حقها في الميراث وهذا
خطأ فادح ومخالفة للقرآن ولسنة سيد الأنام المصطفى عليه الصلاة والسلام
فالميراث فرض معلوم وحق محتوم لا يلغي حق الصلة الذي يسأل المسلم عنه
في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون في يوم يفر فيه المرء من أخيه وأمه
وأبيه في يوم يقول الله فيه للرحم من وصلك وصلته الآن برحمتي فهو من
أهل جنتي ومن قطعك قطعته فهو الآن مطرود من رحمتي فهل للقاطع أن يعود
قبل فوات الأوان أرجو من الله ذلك ونسأل الله له الهدايه.
*كلمة أخيرة تختم بها هذا اللقاء؟
**أوصي كل مسلم بصلة رحمه وتدريب أولاده على
الصلة كما يعلمهم الصلاة ويغرس فيهم منذ نعومة أظفارهم المحبة تجاه
الأقارب والأرحام بذا يكون متبعا للقرآن متمسكاً بسنة سيد الأنام المصطفى
عليه الصلاة والسلام ويكون قد ساهم في تربية جيل متماسك مترابط يشد
بعضه بعضا ويحب بعضه بعضا، يقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (مثل
المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو
تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر) أو كما قال الرسول صلى الله عليه
وسلم.
وأوصي الرحم خاصة أن تعين الواصل على مداومة الصلة بالثناء عليه والدعاء
له ولأولاده وشكره على صنعه فيزداد الحب في قلبه تجاه رحمه ويزداد
ثواب الرحم أيضا بهذه الدعوات فالملائكة تؤمّن على دعائهم وتقول آمين
ولك بمثل ما دعوت به وبهذه المحبة المتبادلة يزول الحقد والحسد ويخنس
الشيطان فلا سبيل له في مجتمع تسوده المحبة وترفرف عليه السعادة والوفاء
والمودة فالله أسال أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا وزوال همنا وغمنا وأن
يديم علينا نعمة الصلة والمحبة والبر والمودة إنه على ما يشاء قدير
وهو نعم المولى ونعم النصير.
أعلى
السنة النبوية المصدر الثاني للتشريع
الحلقة الثالثة
نص الألباني عند كلامه على بعض الأحاديث على أن من أسباب رد الحديث
مخالفته للقرآن ولذلك أمثلة متعددة في أكثر من كتاب من كتبه وحسبي
أن أذكر مثالين أحدهما ذكره في سلسلته الضعيفة عند كلامه على بعض الأحاديث،
قال: (موضوع. أخرجه الطبراني في "الأوسط" بسنده عن عمر بن
الخطاب قال: "جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حين
غير حينه الذي كان يأتيه فيه، فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال: يا جبريل: مالي أراك متغير اللون؟ فقال: ما جئتك حتى أمر الله
بمفاتيح النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جبريل صف لي
النار.. الحديث، أورده المنذري في "الترغيب والترهيب" (4
/ 225 ـ 226) وأشار لضعفه أو وضعه، و قد بين علته الهيثمي في"المجمع"
فقال (10 / 387): "و فيه سلام الطويل وهو مجمع على ضعفه".
قلت ـ الألباني ـ: وذلك لأنه كان كذابا كما قال ابن خراش، وقال ابن
حبان: (1 / 335 ـ 336): "روى عن الثقات الموضوعات، كأنه كان المعتمد
لها". وقال الحاكم ـ على تساهله ـ: "روى أحاديث موضوعة".
قلت ـ الألباني ـ: وهذا منها بلا شك فإن التركيب والصنع عليه ظاهر،
ثم إن فيه ما هو مخالف للقرآن الكريم في موضعين منه:
الأول: قوله في إبليس: "كان من الملائكة" والله عز وجل يقول
فيه: (كان من الجن ففسق عن أمر ربه)، إلى أن قال:... الموضع الثاني:
قوله: "ابتلي به هاروت و ماروت". فإن فيه إشارة إلى ما ذكر
في بعض كتب التفسير أنهما أنزلا إلى الأرض، وأنهما شربا الخمر وزنيا
وقتلا النفس بغير حق، فهذا مخالف لقول الله تعالى في حق الملائكة:
(لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون)، ولم يرد ما يشهد لما
ذكر إلا في بعض الإسرائيليات التي لا ينبغي أن يوثق بها، وإلا في حديث
مرفوع، قد يتوهم ـ بل أوهم ـ بعضهم صحته، وهو منكر بل باطل كما سبق
تحقيقه برقم 170، ويأتي بعد حديث من وجه آخر).
وقال أيضا في كتابه التوسل أنواعه وأحكامه (ومما يؤيد ما ذهب إليه
العلماء من وضع هذا الحديث وبطلانه أنه يخالف القرآن الكريم في موضعين
منه:
الأول: أنه تضمن أن الله تعالى غفر لآدم بسبب توسله به صلى الله عليه
وسلم والله عز وجل يقول: (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو
التواب الرحيم). وقد جاء تفسير هذه الكلمات عن ترجمان القرآن ابن عباس
رضي الله عنهما بما يخالف هذا الحديث... إلى أن قال: وهذا القول يبين
ذلك فلا منافاة والحمد لله وثبت مخالفة الحديث للقرآن فكان باطلا ).
ولكن لا يعني هذا بحال من الأحوال الاستعجال في رد السنة والتلاعب
بنصوصها لهوى في النفس أو لكراهية منهج المحدثين أو لتوهم معارضة الحديث
للقرآن أو ما هو أقوى منه من الأحاديث كما يقع الآن من كثير من المتعالمين
الذين أخذوا يردون كثيرا من السنة حتى وصل الحال ببعضهم إلى الدعوة
إلى ترك السنة رأسا ودعى آخرون إلى ترك الأحاديث الآحادية والاقتصار
على الأحاديث المتواترة تواترا عمليا كما يقولون...إلخ
فلا شك عندنا في فساد هذا المنهج ورفضه، وإنما نقصد برد السنة المعارضة
للقرآن ما كان معارضا له معارضة لا يمكن التوفيق بسببها بينه وبين
القرآن بوجه من الوجوه، أما لو أخذنا نرد السنة لأدنى معارضة نتصورها
فإننا سنجد في القرآن الكريم نفسه ما ظاهره التعارض فالله تعالى يقول:
قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ
يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ
لَحْمَ خِنزيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ
بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ 145).
فحصر سبحانه المحرمات من المطعومات في هذه الأصناف الثلاثة ولكن نجد
الله تعالى في سورة المائدة ينص على حرمة مطعوم رابع وهو الخمر فقال
تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ
وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ
يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ
وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ
مُنْتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ
الْمُبِينُ (92) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ 93 ).، وقد نص الله تعالى في الآية
الرابعة من هذه الآيات على أن الخمر من المطعومات.
كذلك نجد الله تعالى في آيتين متتاليتين أسند فعلا واحدا إلى جهتين
مختلفتين فالله تعالى يقول: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ
وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ
يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ
يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ
هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) مَا أَصَابَكَ
مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ
نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا
79).
فانظر كيف نسب الله تعالى ما أصاب الإنسان من سيئة في الآية الأولى
إلى الله تعالى وفي الآية الثانية إلى المكلف نفسه، فإذا كنا سنرد
الأدلة لأدنى معارضة نجدها لرددنا كثيرا من الآيات القرانية ووقعنا
في الشرك الصريح والعياذ بالله من ذلك .
وعلى هذا فالمنهج الصحيح الذي نرتضيه في معرفة الحديث الصحيح من غيره
أن ندرس إسناده أولا فإن وجدناه ضعيفا فلا يمكن أن ننسبه إلى رسول
الله ولو كان معناه صحيحا إذ ليس كل حق قاله الرسول صلى الله عليه
وسلم وإن كان صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا حقا، وإن وجدناه صحيح
الإسناد فهذا لا يعني إلا أنه قد توفر شرط واحد من شروط الصحة ولا
بد أن ننظر بعد ذلك في المتن فإن وجدناه معارضا للقرآن أو لما هو أصح
منه من السنة معارضة لا يمكن التوفيق بينه وبين ما هو أصح منه حكمنا
بعدم صحته، وكذا إن وجدنا فيه علة تمنع من تصحيحه كأن خالف الثقة ما
رواه غيره من الثقات وهو ما يعرف بالشاد أو كان مخالفا للوقائع التاريخية
المستقرة أو نحو ذلك من العلل.
ومع كون اشتراط صحة السند وصحة المتن وعدم معارضة الحديث للقرآن مما
اتفق عليه في علم المصطلح إلا أنه عند التطبيق العملي نجد للأسف الشديد
كثيرا من المحدثين يحكمون بصحة الحديث لمجرد صحة السند ولو كان متنه
منكرا أوشاذا فحكموا بصحة أحاديث فتحوا بها الباب للتشكيك في السنة
وهذا من أسباب ظهور ردة الفعل عند طائفة من الناس فأخذوا ينتقدون منهج
المحدثين بل حمل ذلك بعضهم على القدح في السنة نفسها .
إبراهيم بن ناصر الصوافي
الباحث بمكتب الإفتاء
أعلى
|