|
فتاوى لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة
*رجل سافر إلى فرنسا هل يجوز له أن يجمع الصلاتين تكاسلاً؟
**المسافر له أن يجمع
ولكن ليس ذلك لأجل الكسل، فإن كان مقيماً بالمكان فالأفضل له أن يصلي
كل صلاة في وقتها، لا يمنع من الجمع ولكن لداعٍ لا لأجل التكاسل .
*نحن مجموعة طبيبات في وزارة الصحة يوجد زميل لنا يريد أن يتخصص في
أمراض النساء والولادة وبما أن هذا التخصص يتطلب التعرض إلى عورات
النساء المغلظة فلقد نصحنا زميلنا بالتخصص في مجال آخر وترك هذا التخصص
للطبيبات العمانيات خاصة أن مخرجات كلية الطب من الطبيبات تكفي لسد
حاجة هذه التخصصات وغيرها فنطلب من سماحتكم توضيح حكم الشرع في هذه
المسألة عسى أن يقتنع زميلنا؟
**العورات لها حرمات،
ولا يجوز التعدي على هذه الحرمات، فلا يجوز لرجل أن يطلع على عورة
رجل أو عورة امرأة إلا لضرورة لا محيص عنها، فالنبي صلى الله عليه
وسلّم يقول: لعن الله الناظر والمنظور إليه. ولما سئل عن العورات أمر
النبي صلى الله عليه وسلّم الرجل السائل أن يحفظ عورته وأن يسترها
إلا عن امرأته وما ملكت يمينه أي السُرّية التي ملكها وقد تسراها،
فلذلك لا يجوز أبداً إبداء شيئاً من العورات، ولا يجوز الاطلاع على
شيء من العورات إلا في حالة الضرورة القصوى، ومن المعلوم أيضاً في
حالة الضرورة يجب أن يكون الاطلاع على عورة الرجل من قبل الرجل لا
من قبل المرأة ما لم تكن زوجة له، ويجب أيضاً الاطلاع على عورة المرأة
من قبل امرأة لا من قبل الرجل ما لم يكن ذلك الرجل زوجاً لها، فلا
يجوز لامرأة أن تطلع على عورة رجل من أجل علاجه إلا إن كان يتعذر أن
يقوم بعلاجه رجل، ولا يجوز لرجل أن يطلع على عورة امرأة من أجل علاجها
إلا أن يكون يتعذر على أي امرأة أن تعالجها، فعلى هذا إن كان من الممكن
أن تقوم بهذا التخصص نساء فلا يجوز للرجل أن يقوم بهذا العمل لما يجب
عليه من المحافظة على حرمات العورات، والله تعالى أعلم .
*ورد حديث يحث على
الحجامة في يوم الثلاثاء فما مدى صحة هذا الحديث؟
**الحجامة يوم الثلاثاء،
لا أعرف صحة هذا الحديث، وإنما الحجامة هي مسنونة، أي من جملة العلاج
الذي ثبتت به السنة، ليس يعني مسنونة أنه ينبغي للإنسان أن يحتجم،
نعم يحتجم إن كانت الحاجة داعية إلى الحجامة عند من يعرف كيف يحجم
لئلا يمتص دمه الذي هو دم نقي وإنما يستخرج الدم الفاسد فينبغي أن
تكون الحجامة قبل كل شيء بخبرة، والله تعالى أعلم .
*هل توجد شروط معينة للعب كرة القدم؟
الأصل في اللعب ما لم يكن ذا فائدة هو ممنوع شرعا إلا إذا كان ذا فائدة،
فإذا كان من أجل ترويض الجسم وتقوية الجسم فذلك، وفي هذه الحالة لا
بد من أن يكون ساتراً لعورته، وأن يكون من حوله ساترون لعوراتهم، وأن
لا يكون ذلك على حساب عبادة كالصلاة، بحيث لا تفوت الصلاة من أجل كرة
القدم، وأن لا يكون هنالك سباب ما بين اللاعبين إذا كانت هناك مباراة
ما بين الجانبين، وأن لا تكون هنالك ضغينة أيضاً بينهم بحيث لا يكون
هذا اللعب سبباً لوجود ضغينة وأحقاد تتأجج بين الجانبين إن فاز فريق
على فريق آخر، وأن لا يؤدي ذلك إلى التحريش بين الجانبين بحيث تتعصب
لهذا الفريق طائفة وتتعصب للفريق الآخر طائفة أخرى فذلك كله مما يجب
تجنبه، والله تعالى أعلم .
*تشاجرت مع زوجي في موضوع وأنا صادقة فيه لكنه كذبني وأثناء الحوار
لفظ علي الطلاق فقال لي: أنت طالق طالق وسكت. فقال: إذا كنت كاذبة
فأنت طالق. فما رأي سماحتكم في هذا؟ هل يقع الطلاق بموجب لفظه لذلك،
وإذا كان يقع الطلاق هل يجوز لي الرجوع وكيف، علماً بأنه سابقاً طلقني
طلقة واحدة ورجعت إليه وهذه هي المرة الثانية، فبماذا تأمرني سماحة
الشيخ؟
**تلك الطلقة السابقة
كما وقعت، أما بالنسبة إلى هذا الطلاق الأخير فقوله أنت طالق طالق،
هذا الطلاق لم يقيد، وإنما في المرة الثالثة قيد، فذلك تقييد لطلقة
أخرى، أما ما مضى بما أن التقييد لم يكن في نفس واحد مع المقيد فالتقييد
لا عبرة به، قوله (إن كنت كاذبة) لا عبرة به لأنه جاء بعدما أطلق الطلقتين
من غير تقييد، وتكراره بحيث قال لها
(أنت طالق طالق) هذا التكرار إن قصد به التأسيس وهو إنشاء طلقة جديدة
عندما أعاد اللفظ فإنها تطلق طلقتين، وإن كان قصد به التأكيد أي تأكيد
الطلقة الأولى فهي طلقة واحدة، فإن كانت هذه طلقة واحدة والطلقة الثالثة
لا عبرة بها لأنها مقيدة بكونها كاذبة وهي مع ذلك غير كاذبة، هذه الطلقة
الثالثة لا عبرة بها لكونها غير كاذبة فله أن يراجعها إن كان قصد التأكيد
ولم يكن قصد التأسيس لأن الطلقة الثانية تضم إلى الطلقة الثالثة، له
أن يراجعها بما بقي من طلاقها وقد بقي من طلاقها طلقة واحدة، والله
تعالى أعلم .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
الاستنساخ
الحلقة الأولى
ـ النَّسْخ إِبطال الشيء وإِقامة آخر مقامه
ـ الكثير من التطورات العلمية والإحداثات التي يحدثها الإنسان لا فضل
له فيها إلا استفادته من الصنع الإلهي البحت
ـ القرآن الكريم حجة في التعبير والمصطلحات والأحكام والتشريعات
ـ نجاح أول محاولة في استنساخ ضفدعة كان في عام 1952م
ـ استنساخ حيوانات ذات كميات كبيرة من الحليب واللحوم والدهون الحيوانية
لتحقيق كميات وافرة لمأكل الإنسان
إبراهيم بن ناصر الصوافي
الباحث بمكتب الإفتاء
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله
وحده لا شريك له وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله وبعد فإننا سنتناول
في مقالات متتالية بإذن الله تعالى موضوعا علميا هاما كثر الحديث عنه
في السنوات الأخيرة ألا وهو موضوع الاستنساخ، وسنحاول إبرازه للقارئ
الكريم مع بيان الحكم الشرعي لصوره المتعددة الاستنساخ لغة واصطلاحا..
الاستنساخ لغة مأخوذ من النسخ وهو يأتي في اللغة
بعدة معانٍ منها :
1ـ نقل الشيء وإيجاد صورة مشابهة له منه قال في اللسان: نسخ الشيءَ
ينسَخُه نَسْخاً وانتسَخَه واستنسَخَه اكتتبه عن معارضه، التهذيب النَّسْخ
اكتتابك كتاباً عن كتاب حرفاً بحرف والأَصل نُسخةٌ والمكتوب عنه نُسخة
لأَنه قام مقامه والكاتب ناسخ ومنتسخ والاستنساخ كتب كتاب من كتاب
وفي التنزيل (إِنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) أَي نستنسخ ما تكتب
الحفظة فيثبت عند الله وفي التهذيب أَي نأْمر بنسخه وإِثباته.
2ـ الإبطال: قال صاحب اللسان: والنَّسْخ إِبطال الشيء وإِقامة آخر
مقامه وفي التنزيل (ما نَنسخْ من آية أَو نُنسها نأْت بخير منها أَو
مثلها) والآية الثانية ناسخة والأُولى منسوخة، ابن الأَعرابي النسخ
تبديل الشيء من الشيء وهو غيره ونَسْخ الآية بالآية إِزالة مثل حكمها
والنسخ نقل الشيء من مكان إِلى مكان وهو هو، الفرّاء وأَبو سعيد مَسَخه
الله قرداً ونسخه قرداً بمعنى واحد ونسخ الشيء بالشيء ينسَخه وانتسخه
أَزاله والشيء ينسخ الشيء نَسْخاً أَي يزيله ويكون مكانه الليث النسْخ
أَن تزايل أَمراً كان من قبلُ يُعْمَل به ثم تنسخه بحادث غيره الفرّاء
النسخ أَن تعمل بالآية ثم تنزل آية أُخرى فتعمل بها وتترك الأُولى
والأَشياء تَناسَخ تَداوَل فيكون بعضها مكان بعض كالدوَل والمُلْك
وفي الحديث لم تكن نبوّةٌ إِلاَّ تَناسَخَت أَي تحولت من حال إِلى
حال يعني أَمر الأُمة وتغاير أحوالها والعرب تقول نسَخَت الشمسُ الظلّ
وانتسخته أَزالته والمعنى أَذهبت الظلّ وحلّت محله قال العجاج إِذا
الأَعادي حَسَبونا نَخْنَخوا بالحَدْرِ والقَبْضِ الذي لا يُنْسَخ
،أَي لا يَحُول، قال في المصباح المنير: و(تَنَاسُخُ) الأزمنة والقرون
تتابعها وتداولها لأن كل واحد
(يَنْسَخُ) حكم ما قبله ويثبت الحكم لنفسه فالَّذي يأتي بعده (يَنْسَخُ)
حكم ذلك الثبوت ويغيره إلى حكم يختص هو به ومنه (تَنَاسُخُ) الورثة
لأن الميراث لا يقسم على حكم الميت الأول بل على حكم الثاني وكذا ما
بعده.
3ـ التغيير: ففي اللسان: ونسَخَت الريح آثار الديار غيرتها1
والمعنى اللغوي الأول الذي هو إيجاد صورة مشابهة للأصل هو المعنى المناسب
للمعنى الاصطلاحي للاستنساخ، لأن الاستنساخ هو إيجاد كائن حي من خلية
كائن آخر من جنسه.
الاستنساخ اصطلاحا
الاستنساخ هو إيجاد نسخة طبق الأصل لشيء ما من الكائنات الحية نباتا
أو حيوانا أو إنسانا، أما الاستنساخ الإنساني فهو إيجاد نسخة طبق الأصل
للإنسان نفسه ويتم إيجاد هذه النسخة بأخذ خلية جسدية من جسم الإنسان
ثم تؤخذ نواة هذه الخلية وتزرع في بييضة امرأة بعد إفراغ هذه البييضة
من نواتها بحيث تكون النواة من الخلية والبييضة من المرأة خالية من
نواتها وإنما هي بمثابة الوعاء لاحتضان هذه النواة ومثله ما عرفه به
بعضهم: بأنه أخذ خلية جسدية من كائن حي تحتوي على كافة المعلومات الوراثية
في ذلك الكائن وزرعه في بييضة مفرغة من مورثاتها ويأتي المخلوق الجديد
وهو الجنين مطابقا تماما للأصل وهو الكائن الأول الذي أخذت منه الخلية
ولا يأخذ شيئا من المورثات ممن أخذت منه البييضة لأنها أخرجت منها
النواة.
وعرفه الدكتور سعيد بن منصور الموفعة في كتابه الموسوعة الفقهية: بأنه
عبارة عن أخذ خلية جسدية من المراد استنساخه ودمجها في بييضة مفرغة
للحصول على صورة مطابقة للأصل شكلا وهذه الخلية التي تؤخذ كما قلنا
تحمل المعلومات الوراثية من خلال الجينات.
وقوله بأنها مطابقة للأصل شكلا ذلك لأن الصفات الموجودة في الأصل من
حيث البنية الجسمانية كالشكل والحجم ولون البشرة تكون متشابهة، أما
الأشياء المعنوية والصفات الداخلية وهي الصفات الخلقية والسلوكية فإنه
لا يلزم أن يكون هنالك تشابه ذلك لأن الإنسان ليس مجرد تركيب جسدي
وإنما تتحكم في تكوينه وتركيبه مجموعة من العوامل الخارجية والداخلية
كالمشاعر والسلوكيات والعقائد والبيئة والظروف التي يمر بها وهذا لا
يعني أنه لا يكتسب بعض الصفات الوجدانية والسلوكية والشعورية للجسم
الذي أخذت منه الخلية ونواتها ولا شك أنه سيترك فيه تأثيرا بسبب بعض
الصفات الوجدانية التي يحملها الأصل، ولكن لا يلزم أن يكون هنالك تطابق
تام من حيث الصفات المعنوية وإنما يكون التطابق التام من حيث الصفات
الجسدية فقط.
وقد نبه العلماء والأطباء إلى أن هذا الاستنساخ الذي حدث في هذا القرن
العشرين توجد له صورة طبيعية من صنع الإله وحده من غير تدخل للإنسان
وهو ما يحدث للتوائم الحقيقية أو التوائم المتطابقة، إذ إنه أحيانا
عندما يتم تخصيب البييضة بحيوان منوي تقوم هذه البييضة الملقحة بالانقسام
إلى بييضتين مخصبتين تسلك كل منهما المسلك الذي تسلكه البييضة الواحدة
الأصلية في وقت مبكر من الحمل قبل اليوم الخامس عشر من الإخصاب وتختص
كل بييضة من هاتين البييضتين المنقسمتين عن البييضة الأصلية بمشيمة
وأغشية خاصة وقد يشتركان أحيانا بمشيمة واحدة وأغشية واحدة وعند الولادة
يكون المولودان متشابهين إما ذكورا وإما إناثا بل ومتطابقين تماما
ولذلك يسميان بالتوأمين المتماثلين أو الحقيقيين، ولا يقتصر هذا التشابه
والتطابق على الصفات الجسدية أو النوعية بل يشمل الوراثية والسمات
النفسية والمزاجية.
إرادة إلهية بحتة
وهذا كما هو واضح صورة أدق من صورة الاستنساخ الحالي وهي تقع طبيعية
بإرادة إلهية بحتة من غير أن يكون هنالك سعي للإنسان في إحداثها، ولعل
الإنسان تعلم هذا النوع من الاستنساخ من خلال استفادته من هذا الوضع
الطبيعي الذي أراده الله وهكذا كثير من التطورات العلمية والإحداثات
التي يحدثها الإنسان لا يكون له فضل فيها إلا اللهم استفادته من الصنع
الإلهي البحت وهذا لا يقتصر على ما يتعلق بالإنسان بل حتى في كثير
من الآلات والأدوات التي صنعها الإنسان استفاد من خلال رؤيته لعمل
أجهزة معينه في جسم الإنسان أو جسم الحيوان وحولها إلى أجهزة صناعية
استنبطها من ذلك، وهذا يدل على عظمة الله سبحانه وتعالى ودقة صنعه
جل وعلا وأن هذا الإنسان بل والمخلوقات كلها لم تأت صدفة وإنما أتت
من صنع الله سبحانه وتعالى، وفي هذا يقول الدكتور سعيد بن منصور الموفعة
ما نصه: ما يقال عن الاستنساخ ليس أكثر من عملية توائم متطابقة في
الشكل والمظهر الخارجي وذلك أنها تنفصل عن بييضة واحدة وحيوان منوي
واحد وأنها تكون من جنس واحد بحسب الصبغيات المذكرة والمؤنثة التي
لقحت البييضة ومن هذا يفهم أن مسألة التشابه بين الاستنساخ والتوائم
المتطابقة شبه جد كبير وإن كان هناك من فرق فقط بأن هذه التوائم جنينية
وتلك الأخرى المتولدة عن الاستنساخ توائم جسدية لا جنينية ويمكن تسمية
هذا بالاستنساخ الطبعي الإلهي والآخر بالاستنساخ المعملي أو الصناعي.
انتهى كلامه.
وفي الاستنساخ يتم تلقيح البييضة بخلية جسدية
تشتمل على ستة وأربعين كروموسوما سواء كان المستنسخ ذكرا أم أنثى وهذه
الخلية تحمل كافة الشفرة الوراثية لصاحب الخلية ولا يكون لصاحب البييضة
أي تأثير في هذه العملية لأن البييضة تكون مفرغة من النواة والتي تحتوي
على صبغيات الأم باستثناء مادة السيتوبلازم الموجودة في غشاء البييضة،
ولا يمكن إبقاء نواة البييضة لأنه في هذه الحالة ستكون النطفة متكونة
من 69 كروموسوما 46 من نواة الخلية الجسدية و23 من البييضة وهذا مما
لا يمكن حدوثه لأن أي خلل في عدد الكروموسومات (الصبغيات) يؤدي إلى
وجود جنين مشوه أو خلق آخر فلابد من نزع نواة البييضة .
أما في الجنين المولود بالطريقة الطبيعية فإن الجنين يتكون عبر الخلايا
المنوية المشتركة من الزوجين فيكون هنالك ثلاثة وعشرون كروموسوما من
الأب وثلاثة وعشرون كروموسوما من الأم ولذلك يأتي الجنين حاملا للصفات
الوراثية المكتسبة من الأم ومن الأب بخلاف المستنسخ فلا يكون حاملا
إلا الصفات الوراثية من الخلية التي انتزعت منها النواة .
وقد ذهب الدكتور أبو البصل والدكتور سعيد موفعة إلى اختيار مسمى الاستنسال
بدل الاستنساخ وذلك لسببين :
1ـ أن الكائن المستنسخ لا يكون طبق الأصل للمستنسخ منه كما سيأتي إن
شاء الله تعالى بل يكون مختلفا معه في الصفات الشعورية والوجدانية
2ـ أن تعبير الاستنساخ لا يتناسب مع كرامة الإنسان إذ أن في هذه التسمية
تشبيه له بالجمادات والأدوات التي تكون في تحكم الإنسان يستنسخ منها
كما يشاء
3ـ أن الله تعالى سمى تكاثر الإنسان بالتناسل والقرآن حجة في التعبير
والمصطلحات كما هو حجة في الأحكام والتشريعات.
ومع وجاهة ما ذهبا إليه إلا أن مسمى الاستنساخ هو الشائع الذي لا يعرف
الخاصة فضلا عن العامة غيره
تأريخ الاستنساخ
رد بعضهم تاريخ الاستنساخ إلى عام 1902م أي في
بداية القرن العشرين الميلادي وذلك بما جاء في كتابات عالم الإحياء
النمساوي لهيرلاند الذي تنبأ بأن التكاثر بطريقة الاستنساخ سيحدث يوما
ما في المستقبل، وفي عام 1932م توقع الدوس اكسلي في روايته "عام
جديد شجاع" أن استنساخ البشر سيحدث بعد ستة قرون وقد تخيل أن
العلماء بعد هذه القرون من الدراسة سينجحون في استنساخ ستة وتسعين
إنسانا من إنسان واحد، كما توقع في روايته "علماء العالم"
بإمكانية استنساخ العلماء والمتميزين من البشر، وأنه يمكن استنساخ
ستين خروفا متشابهة من بييضة واحدة فقط، وفي عام 1952م كان نجاح أول
محاولة في استنساخ ضفدعة من التقاء بييضة الضفدعة بخلية من أبي ذنيب
وهي أول محاولة استنساخ باستخدام خلايا جنينية وليست خلايا جسدية فارغة
كاستنساخ النعجة دولي وفي عام 1962م تم استنساخ الضفادع بنجاح ولكن
هذه المرة من ضفادع أكبر سنا مما تم في المرة الأولى عام 1952م، وفي
عام 1972م تمت عملية استنساخ الفئران من الأجنة المخصبة، وفي عام 1979م
تم استنساخ الأغنام لأول مرة من حيوان منوي وبييضة بطريقة الاستنساخ
الجنسي، وفي عام 1987م نجح العلماء في أنحاء متفرقة من العالم من استنساخ
الفئران والأبقار والقرود من الخلايا الجنينية وليس من الخلايا الجسدية
كما هو الشائع في مسمى الاستنساخ بتقنية انشطار الأجنة، وفي عام 1991م
تمكن العلماء في تايوان من استنساخ خمسة خنازير وقد سبقهم علماء آخرون
من استنساخ العديد من الحشرات، في عام 1993م تكمن العلماء بجامعة جورج
واشنطن بأميركيا من الاستنساخ الجنيني لـ 32 جنينا من 17 جنينا بشريا
إلا أن الأجنة لا تزال مبكرة كما نجح العلماء في فرنسا من الحصول على
خمسة عجول من خلية جنينية واحدة.
ويلاحظ أن الاستنساخ في جميع هذه المحاولات ليس هو الاستنساخ بالمعنى
الاصطلاحي الشائع الذي هو أخذ نواة خلية جسدية وزرعها في بييضة وإنما
جميع هذه المحاولات كانت عن طريق استنساخ الأجنة في مراحل متقدمة وليس
خلية بالغة بأخذ النواة منها ، وفي عام 1994م نجح علماء معهد روزلين
باسكوتلاندا من استنساخ أغنام بطريقة نقل نواة خلية جنينية معزولة
من جنين في مرحلة مبكرة من نموه إلى بييضة مفرغة من نواتها، وفي عام
1996م نجح فريق البحث الجنائي في معهد باسكوتلاند بفرنسا من استنساخ
النعجتين المتماثلتين ميجان ومراد من خلايا جنينية أيضا عمرها تسعة
أيام، وفي عام 1997م وفي الأسبوع الأول من فبراير قام العلماء بإنتاج
البقرة روزي التي يمكنها إفراز حليب مماثل لحليب الأم البشرية بعد
أن قام العلماء بهندستها وراثيا وثلاث بقرات أخر بإنتاج البروتين،
وفي عام 1997 جاء خبر النعجة دوللي الشهير والتي أنتجت من خلايا جسدية
زرعت في بييضة منزوعة النواة كما تقدم .
وهذه المحاولة تعد من أول محاولات الاستنساخ الجسدي من الخلايا البالغة.
منافع الاستنساخ
ذكر كثير من الباحثين عددا من المنافع التي يتحدث عنها المختصون في
هذا المجال مما يتوقع أن يحدثه الاستنساخ من فوائد ومردود إيجابي على
الإنسان:
1ـ أنه مفيد في مجال النباتات والحصول على أنواع جيدة منها ذات العطاء
المتميز والثمن الوفير.
2ـ في مجال الحيوانات الحصول على نخبة جيدة من الحيوانات كالأغنام
والأبقار والخيول وغيرها ذات صفات وراثية قوية متميزة.
3ـ استنساخ حيوانات أيضا ذات كميات كبيرة من الحليب واللحوم والدهون
الحيوانية مما يحقق الرخاء للإنسان لتحقيق كميات وافرة من الإنتاج
لمأكل الإنسان.
4ـ عدد الباحثون من منافع الاستنساخ أنه قد يؤدي إلى الكشف عن كثير
من الغموض في أسباب الإجهاض المبكر حيث يرون أنه إذا تم التوصل إلى
معرفة كيفية زرع الجنين في الرحم سيؤدي ذلك إلى معرفة أسباب السقوط
والوسائل التي تؤدي إلى منع هذا السقوط.
5ـ كذلك يذهب بعض الباحثين إلى أن متابعة أبحاث الاستنساخ قد تؤدي
إلى استنبات أجزاء من المبايض والخصي البشرية مخبريا مما يؤدي إلى
الاستمرار في الحصول على بييضات ونطف بشرية.
6ـ في مجال الأمراض السرطانية سيؤدي البحث في
الاستنساخ إلى التعرف إلى معرفة الأسباب المؤدية إلى سرعة انقسام الخلايا
السرطانية لأنها تماثل سرعة انقسام الخلايا الجنينية، فإذا ما تم التعرف
على طريقة ذلك سيتم التوصل إلى وسائل لإيقاف سرعة الانقسام مما يؤدي
إلى وقف انقسام الخلايا السرطانية والتقليل من انتشارها.
7ـ استخدام الاستنساخ في زراعة الأعضاء حيث يحاول الباحثون إنتاج أعضاء
بشرية مستنسخة كالأكباد والكلى وأطراف الإنسان وغير ذلك وإذا ما كتب
لهذه العملية النجاح فإنها ستريح الناس من عناء نقل الأعضاء وما له
من آثار نفسية ومالية .
8ـ إنتاج مجموعة من الأشخاص المتطابقين لأداء مهمات حربية للتمويه
على الأعداء.
9ـ كذلك استخدام تقنية الاستنساخ لنسخ العباقرة والأذكياء وذوي العقول
والقياديين والمحنكين
10ـ استخدام عملية الاستنساخ في حالة الزوجين العقيمين الذين لا ينفع
معهما وسائل التلقيح الصناعي وأطفال الأنابيب فتكون هذه وسيلة لإيجاد
طفل لهما يملأ عليهما حياتهما .
11ـ من المنافع التي يعددونها أنه قد يكون مفيد للأسرة التي عندها
طفل مصاب بمرض يؤدي إلى الوفاة كالإيدز أو السرطان و لا تريد أن تفقد
هذا الطفل و تريد المحافظة عليه أو على مثيله فإنه يتم الاستنساخ عن
طريق خلية من جسده فيخرج طفل آخر يحمل نفس الصفات الوراثية لكنه خال
من المرض الذي يعاني منه في السابق
12ـ كذلك يمكن استخدام الاستنساخ لإيجاد توائم متطابقة الأعضاء بحيث
يحتفظ ببعض الأجنة للاستفادة من أعضائها. إلى غير ذلك من الفوائد التي
يعددونها في هذا المجال.
ولنا بقية لهذا الموضوع...
أعلى
مسئولية الكلمة
الكلمة مسئولية لا بد أن نعي كيف نتعامل معها،
فرب كلمة نابية أدت إلى خصومة، ورب كلمة جافية فرقت شمل أسرة، ورب
كلمة طاغية أخرجت الإنسان من دينه، والعياذ بالله، ولكن رُب كلمة حانية
أنقذت حياة، ورب كلمة طيبة جمعت شملاً، ورب كلمة صادقة أدخلت إلى الجنة،
جعلني الله وإياكم من أهلها، ولأهمية الكلمة وأثرها قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً
أو ليصمت)، هذا حديث شريف لو فقهه الناس، وصدقوا النية في التعامل
معه، لتجنبوا الكثير من المآسي، وكثيرا ما يفسد الود بين الناس كلمة
نابية مؤذية ليست في محلها، تنفذ كما ينفذ السهم المسموم، فتفرق ما
كان مجتمعا وتفسد ما كان صالحاً.
إن حال الكثير منا إذا تكلم لا يتكلم إلا في سوء، لا يتكلم إلا في
اللغو والزور، لا يتكلم إلا في الكذب والنفاق والتملق، لا يتكلم إلا
مغتابا أو نمّاماً، أو همّازاً أو لمّازاً، أو داعياً إلى فتنة أو
بغضاء، ولا يسكت حين يسكت إلا عن خير يسكت عن المنكر، يسكت عن الشر،
يسكت عن الظلم والآثام، وإن البغي والانحراف والفساد والبدع والفجور
ما قوي واشتد عودها إلا حين سكت أهل الإصلاح وأخرس صوت الحق.
غير أن صلاح اللسان في عرف فقهاء الأمة وأطبائها إنما هو ولد صلاح
النفوس والقلوب، فهيهات هيهات أن تصلح الألسنة والقلوب مريضة. ومتى
يستقيم الظل والعود أعوج،؟ وما اللسان إلا ترجمان القلوب.
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جُعل اللسان على الفؤاد دليلا .
وما أروع ابن المعتز في حكمته القائلة: (الحكمة شجرة تنبت في القلب
وتثمر في اللسان)، وهذا الربط بين القلب واللسان هو المقصود لا محالة.
إن صلاح اللسان لا يقصد به أبداً القدرة على النطق الفصيح والتعبير
الجميل، فذلك قد يتأتى حتى لأصحاب النفوس المريضة والسلوكيات المعوجة
الذين لا تطابق أقوالهم أفعالهم، والذين عاتبهم ربنا عز وجل في قوله:
"يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله
أن تقولوا ما لا تفعلون" .
والمسلم في صلاح لسانه مكلف شرعاً بأن يسكت عن كل ما لا يرتضيه الشرع،
وأن يجتهد في الصدع بكلمة الحق، وإصلاح ذات البين، وهكذا يكون لسانه
كسّاباً للأجر نفاعاً للبشر، أما الثرثرة وإطلاق الكلام دون إدراك
مراميه ومخاطره فإنه مهلك لصاحبه، (وكلام ابن آدم عليه لا له إلا الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، وذكر الله عز وجل ).
أعود وأكرر، إنه بكلمة قد تخرب جماعة بعد بناء، ويفسد حال أسرة بعد
توادد وتعاطف، ويتخاصم الإخوة ويتعادى الأحبة، وقد يهجر الأب ابنه
بسبب كلمة تصدر من فاسق منحرف، وهكذا فالكلمة الخبيثة سلاح من أسلحة
إبليس ينطق بها فم ملعون رجيم، وصلى الله على سيدنا محمد القائل: (من
صمت نجا) والصمت المحقق للنجاة بداهة: هو الصمت عمّا هو معصية أو مؤد
إلى معصية.
ومما أُثر عن الصديق أبي بكر أنه كان كثيراً ما يمسك بطرف لسانه ويقول:
(هذا الذي أوردني الموارد)، فإذا كان أبو بكر وهو من هو في تقواه وورعه
وتمسكه بدين الله عز وجل . فماذا نقول نحن الذين ظلت ألسنتنا تحصد
القليل القليل من الخير الذي تدمره جوارحنا، إنها القساوة في قلوبنا
حيث تراكمت فينا الآثام والمعاصي، ألا فلنراقب الله تعالى ولنحترس
من ألسنتنا ولنهذبها تهذيبنا لأخلاقنا لنعرض عن السفهاء وكلامهم حتى
لا نكون مثلهم وقديماً قال الشاعر:
إذا جاريت في خلق سفيها ً فأنت ومن تجاريه سواء ..
فنسأل الله تعالى حُسن الخاتمة ، اللهم آمين ، والحمد لله رب العالمين.
إبراهيم السيد العربي
أعلى
النَّصُّ والتَّأويل
إستراتيجيَّات القراءة المحدثة 2ـ2
وإذا كانت الحداثة في المجتمعات الغربية أُنجزت
على أساس مواجهة المؤسسات الكنسية التي مارست وصايتها على الدين والثقافة
والسياسة، وتسببت في وقوع حروبٍ دينية مزقت المجتمع، فإن الحداثة الإسلامية
قامت على النقيض من مقتضيات الحداثة الغربيّة التي قامت على التّصارع
مع الدين، وأنجزت إبداعًا منفصلاً على أساس القطيعة؛ فالحداثة الإسلامية
الأولى قامت على أساس التفاعل مع الدين، ولا بد للحداثة الإسلامية
الثانية أن تسلك نفس المنهج التفاعلي إذا أرادت إنجاز إبداعٍ متّصل.هذا
الإبداع الموصول يقوم على مقاصد وغايات وآليات غفلت عنها القراءات
الحداثية المقلِّدة تارةً، و تنكرت لها تارةً أخرى على الرّغم من اقترابها
ظاهريًّا؛ فالخطط الإبداعية المتصلة للقراءة لا تقصد إلغاء القداسة
باعتباره عائقًا معرفيًّا، وإنما تهدف إلى إلغاء كل تقديسٍ في غير
موضعه؛ كتقديس الذات أو الفرد، وبالتالي فإن خطة الأنسنة الإبداعية
إنما تكون بقصد تحقيق "الكرامة الإنسانيّة"، فانتقال الآيات
القرآنية من الوضع الإلهي إلى الوضع البشري يحقق كرامة الإنسان، وهو
ما يعزز التّفاعل الدِّيني؛ فالقرآن إنما هو وحي نزل بلسان الإنسان
العربي، وان كان خطابه يتوجَّه إلى الإنسانية عامة، وبهذا لا جدال
بأن القرآن إنما هو وحي اتخذ في شكل تبليغه وتحققه اللِّساني وضعًا
إنسانيًّا، وهو ما يعيد الاعتبار للإنسان ليس بالتّخلص من سلطة الإله
كما هو شأن القراءة المؤنسنة التي وقعت في رقِّ التقليد، وإنما بموافقة
الإرادة الإلهية التي أرادت أن يكون الإنسان خليفةً في تدبير شؤون
العالم, فخطّة الأنسنة المبدعة تعمل على إعادة صلة الإنسان بخالقه،
وتحقيق كرامته, وتكشف عن مظاهر تكريم الإنسان وأسبابه، ومراتبه في
القرآن، وتستخرج الأدلة التي تؤكد على مبدأ الاستخلاف. ولا تقصد خطة
التعقيل الإبداعية إلغاء مفهوم الغيب كما فعلت القراءة المستلبة، وإنما
عملت على توسيع مفهوم العقل في التَّعامل مع الآيات القرآنية، وذلك
باستثمار وسائل النظر والبحث التي وفرتها المناهج والنَّظريات الحديثة؛
فالتعامل العلمي مع الآيات القرآنية يساهم في الكشف عن بعض المعالم
الخفيَّة المميزة للعقل الذي جاء به القرآن، وهو عقل الآيات وليس عقل
الآلات والأدوات، وعقل القيم لا عقل النِّسب والعدد، الأمر الذي يوسع
آفاق العقل بإدراك أسرار التوجهات القيميّة للإنسان والأسباب الموضوعية
للوقائع، ناقلاً إياه من الطور المادي الخالص إلى مزاوجة المادي بالمعنوي.
وهكذا فانّ العمليات المنهجية التي تهدف إلى تحقيق العقلانيّة المبدعة
من خلال قراءة النص القرآني تعمل على توسيع آفاق العقل باستثمار مبدأ
التَّدبر الذي أرشدت إليه الآيات بوصل الظواهر المختلفة بالقيم والأخلاق،
والأحداث بالاعتبار. وإذا كانت القراءة الحداثية المقلِّدة للنسق الغربي
للحداثة اعتمدت التَّاريخانية المنقولة من أجل إلغاء الأحكام الشرعية
باعتبارها عائقًا؛ فإن القراءة الإبداعية تهدف إلى ربط الآيات القرآنية
بظروفها البيئية والزمنية، وسياقاتها المختلفة من أجل ترسيخ الأخلاق
والقيم، وهذا الوصل يعمل على تقوية التفاعل الديني؛ فالسياقات والظروف
المخصوصة التي وردت فيها الآيات القرآنية ما هي إلا تجليات للتحقق
الأمثل للمقاصد والغايات، التي جاءت بها هذه الآيات، ويعني هذا أنه
كلما تجدَّدت الظُّروف والسياقات لابد من تجدد تحقق هذه القيم التي
تعمل على تجديد الإيمان بها، فالآيات القرآنية محفوظة بحفظ قيمها في
مختلف الأحوال والأطوار، وبذلك فالتاريخ لا يستعيد اعتباره بإلغاء
الأحكام، وإنما بتوسيع مفهوم الحكم بالمزاوجة بين الوجه القانوني والأخلاقي،
مع التأكيد على أولوية الجانب الأخلاقي باعتبار أن الأخلاق ضرورات
لا كمالات، تؤسس لرقيِّ الإنسان وبناء حضارته،كما بيَّن ذلك ابن خلدون
وغيره من علماء الإسلام، وبناءً على ذلك فإن الانشغال بالسلوك في الحياة
في خطة القراءة القرآنية التّاريخية الإبداعية تتجاوز التاريخية التي
وقعت في التّقليد من خلال العناية بالسلوك الدنيوي، باعتبار أن الأخروي
عائق في سبيل تحقيق الحداثة، وتستند القراءة التاريخية المبدعة إلى
عمليات منهجية تكشف عن مختلف أشكال التَّخلق ومواضعه ونماذجه ودرجاته
في النص القرآني، واستخراج الأدلة التي ترسخ مبدأ الاعتبار التي دعت
إليه الآيات القرآنية، فالأحداث التاريخية التي تذكرها هذه الآيات
ليست مجرّد وقائع تنبني على أسبابٍ موضوعية، وإنما هي موجهة لتحقيق
مقاصد وغايات وقيم مخصوصة تشكِّل عِبرًا للإنسان للعمل بها في تغيير
نمط سلوكه ومجرى حياته. فالنص القرآني الخاتم يمتد في الزمان، ولا
بد أن نبحث في الآيات القرآنية لا عن علامات الماضي فنقع في الماضوية
المضرة، وإنما يجب البحث عن علامات الحاضر لتحقيق الاهتداء في القادم،
في سبيل صناعةٍ تاريخيّةٍ مستقبليّةٍ، و بهذا يصبح النص القرآني نصًّا
راهنًا راهنيَّةً دائمة لا تنقطع، فقد اختص القرآن بقيم أخلاقيّة وروحيّة
عليا.ومن المعلوم أن القيم لا تتأثر بتغير الأزمان كما هو شأن الوقائع
المتغيرة، بل إن القيم هي التي تؤثر في الزمان وتغيِّرُه، وتطبيقها
هو الأساس في صناعة التَّاريخ والحضارة. إن تحديث الفكر الإسلامي لا
بد أن يمر عبر تحقيق قراءة حداثيّة للآيات القرآنية تتسم بالإبداع
والجدِّة، ولا يكون الإبداع حقيقيًّا إلا إذا كان إبداعًا موصولاً
يأخذ بأسباب وآليات إنتاج التراث التفسيري والثقافي الإسلامي، وإذا
كانت القراءة الإبداعية تتفق مع خطط القراءة المقلِّدة في بعض جوانبها
التنسيقية؛ فإنها تختلف عنها بما تحققه من ترشيد التّفاعل مع النص
القرآني، والقيام بتدشين أهداف نقديَّة تحقِّق مقاصد تكريم الإنسان
بدلاً من رفع القداسة، و تعمل على توسيع آفاق العقل بدلاً من إقصاء
الغيب، وتشدد على ترسيخ الأخلاق بدلاً من تعطيل الأحكام الشرعية, تأسيسا
على مبادئ الاستخلاف والتدبر والاعتبار .
محمد زاهد جول
كاتب وباحث تركي في قضايا الفكر الإسلامي
mohdzahidgol@hotmail.com
أعلى
حرمة كتاب الله
المؤمن الحق يعظم حرمات الله، (ذلك ومن يعظم
حرمات الله فهو خير له عند ربه) الحج:30 ويقول سبحانه: (ذلك ومن يعظم
شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ) الحج:32 لأن المؤمن الحق الذي رضي
بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا يحب ما يحبه الله سبحانه
وتعالى ويبغض ما يبغضه الله ولذا تجده معظما ومقدرا ومحترما لشعائر
هذا الدين ولحرمات هذا الدين؛ لأنه يغار لله سبحانه وتعالى. ثبت في
الحديث الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( إن الله يغار،
وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله ) رواه الترمذي
ولذا كان نبينا يغار لحرمات الله إذا انتهكت ، فلا ينتصر النبي لنفسه
أبدا ولكن ينتصر لحرمات الله أن تنتهك، قالت عائشة رضي الله عنها:
( وما انتقم رسول الله لنفسه في شيء قط إلا أن ينتهك حرمة الله فينتقم
لله بها ) متفق عليه. ومن هنا نجد المؤمن الحق يغضب لغضب الله ويرضى
لما يرضي الله سبحانه وتعالى.
وإن من الأمور التي هي عند المسلم بمكان وهي عند الله تعالى بمكان
وقد حرمها وأعزها ورفع مقدارها المولى عز وجل شعائر الله كلها ، وإن
من شعائر الله التي لها المكانة العظمى كل ما فيه ذكر لله سبحانه وتعالى،
وإن من أعظمها كتاب ربنا عز وجل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه
ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ، قال تعالى: (( إن هذا القرآن يهدي
للتي هي أقوم )) الإسراء:9 كتاب الله الذي فيه خبر ما قبلنا وحكم ما
بيننا هو العدل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى
الهدى من غيره أذله الله كتاب الله العظيم الذي تعهد الله بحفظه ،
(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) الحجر:9 هذا القرآن العظيم
الذي لا يمسه إلا المطهرون ، هذا القرآن العظيم الذي أوصى النبي في
رسالته التي أرسلها إلى أهل اليمن ، ورواها عنه عمرو بن حزم : ( ألا
يمس القرآن إلا طاهر) رواه الدارقطني.
ولذا كان الصحابة رضي الله عنهم يسلكون هذا المنهج ، فقد روي عن سعد
بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه أنه أمر ابنه أن يتوضأ لمس المصحف
، وهكذا صنع سلمان وغير واحد من الصحابة رضي الله عنهم وإن من لا يحترم
القرآن ولا يقدره ولا يكون عنده بتلك المنزلة العظيمة يخشى عليه أن
يندرج في قول الله تعالى فى سورة الفرقان:30: ( وقال الرسول يا رب
إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ) يخشى على من لا يقدر كتاب الله
ولا يحترم آياته ولا يحترم كتب الحديث وكتب أهل العلم والكتب التي
فيها ذكر لله سبحانه وتعالى يخشى عليه أن يندرج في تلك الآية العظيمة
التي ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن تعظيم القرآن تندرج فيه أنواع
كثيرة من تعظيم كتاب الله تعالى ، فمن ذلك تلاوته والتحاكم إليه وعدم
امتهانه وعدم استهجان شيء فيه كتاب الله سبحانه تعالى.
ذكر العلماء رحمهم الله تعالى هذه القضية وأطالوا فيها ، قال الإمام
النووي رحمه الله تعالى: "أجمع المسلمون قاطبة على وجوب تعظيم
القرآن العظيم". وذكر ابن عبد القوي أحد أئمة الحنابلة وأحد الفقهاء
الكبار أن الأئمة أجمعوا على تحريم الاتكاء على المصحف أو على ما فيه
ذكر لله سبحانه وتعالى "وإنه لا يجوز الجلوس أو وضع شيء فيه ذكر
لله سبحانه وتعالى في مكان يمتهن فيه أو مكان لا يحترم فيه".
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: "واعلم أن من استخف بالقرآن
أو بالمصحف أو بشيء منه أو بجزء منه أو بكلمة منه أو بشيء مما صرح
فيه فقد كفر إجماعا". من احتقر القرآن أو لم يحترم القرآن أو
امتهنه عالما بالحكم فإنه يكفر .
ونعلم جميعا حقيقة منزلة كتاب الله تعالى في نفوس المسلمين ، وما الذي
ينبغي أن يكون عليه هذا القرآن، لأن أعداء الإسلام عمدوا إلى أقدس
شيء عند المسلمين فدنسوه ، إنهم يعلمون منزلة القرآن في نفوس المؤمنين
فدنسوه.
وينبغي أن ننبه إلى قضية مهمة ربما يتغافل عنها بعض المسلمين ، وربما
يقع فيها البعض عن جهل والجاهل يعلم؛ وهي ما يفعله بعض الناس من امتهان
لآيات القرآن الكريم أو لكتب أهل العلم من حيث يشعر أو لا يشعر، سيما
في المطاعم والمتنزهات وفي المدارس من بعض الطلاب الجهلة، فبعض الطلاب
يجلس على كتبه وفيها كتاب الله وفيها كتب الحديث وفيها كتب الفقه ويجلس
عليها أو يتكئ عليها.
فالواجب على كل مسلم أن يستشعر هذا الأمر، وأن يحافظ على حرمات الله،
وأن يحافظ على ما فيه ذكر لله سبحانه وتعالى، سواء كان ذلك في كتب
أو صحف أو مجلات أو نحو ذلك، وأن يحفظها في مكان طاهر إذا انتهى منها،
إذا استغنى عنها دفنها أو أحرقها، كما أفتى جمهور العلماء بذلك أن
المسلم إذا استغنى عما فيه ذكر لله من كتاب أو نحو ذلك فإنه يدفنه
أو يحرقه.
هذا والله تعالى أعلم
أنس فرج محمد فرج
أعلى
الآمر بالمعروف في رحمة الله تعالى
أحمد بن سعيد الجرداني
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لازم من لوازم الحياة ؛ فأصبح في
عصرنا الحاضر لا يعطى لهذا المبدأ أهمية.
فبتقلبات الحياة وتطورها أصبح المرء بعيداً كل البعد عن السلوكيات
المستقيمة إلا عند البعض واقول عند البعض اي عند فئة قليلة من المجتمع
حتى اصبحت الأمور في هذه الأيام يندى لها الجبين من تركٍ للصلاة ولهو
ولعب ومشاهدة القنوات والسهر حتى ساعة متأخرة من الليل ومؤذن صلاة
الفجر ينادي حي على الفلاح، أين ذلكم الجمع الذي كان أمام الشاشات
أين اختفى!؟ لم تجد إلا كبار السن وبعض الشباب أتوا إلى صلاة الفجر
والآخر في ... فصلاة الفجر من الصلوات الثقيلة على المنافقين ، فقد
روى أحد المؤرخين وهذا الحدث حدث في فلسطين عندما صاح أحد المسلمين
في وجه أحد اليهود بقوله سيأتي يوم وينطق معنا الشجر والحجر فيقول
يا مسلم ورائي يهودي فاقتله ، فقال اليهودي ليس أنتم فتعجب المسلم
فقال: من هم؟ قال: هم الذين يكون عدد المصلين في صلاة الفجر كعدد المصلين
في صلاة الجمعة ). فهذا اليهودي يدرك مدى قوة المسلمين ومكمنها ؛ ولكن
نحن وللأسف غلبتنا الحياة.
أخي القارئ: في هذه الأيام تخلى المسلمون عن مبادئ عظيمة التي تجعلنا
في رحمة بين يدي الله تعالى وهي السعي إلى نصح الناس بالأمر بالمعروف
وحثهم على الصلاة والمبادئ والقيم.
لأن هذا المبدأ يعد من أهم الأمور وأفضل القربات لأن به التناصح والتوجيه
إلى الخير والتواصي بالحق والصبر عليه. لأن العمل به تستقيم إليه الأمور،
والعناية به كسب للمجتمعات؛ لأن في تحقيقه مصلحة ونجاة، وفي إهماله
الخطر العظيم وفساد كبير، واختفاء للفضائل، وانتشارً للرذائل.
وقد أوضح الله جل وعلا في كتابه العظيم منزلته ، وبيّن سبحانه أن منزلته
عظيمة، حتى إنه سبحانه في بعض الآيات قدمه على الإيمان، الذي هو أصل
الدين وأساس الإسلام، كما في قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه)
آل عمران:110.
ولا نعلم السر في هذا التقديم، إلا إن هذا الواجب له شأنٌ عظيم ، و
يترتب عليه من المصالح العظيمة العامة، ولا سيما في هذا العصر، فإن
حاجة المسلمين وضرورتهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شديدة؛
لظهور المعاصي، والتفسخ الخلقي وتكالب الأعداء عليهم .
ولو رجعنا إلى عهد سابق وفي أمة بني إسرائيل كيف وصل بهم الحال عندما
تركوا هذا المبدأ، قال الله جل وعلا في حقهم: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) المائدة:78. فقد طردهم
الله تعالى من رحمته ، فلينتبه المسلم لذلك..
فعندما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم
وآكلوهم وشاربوهم فلما رأى الله ذلك منهم ضرب قلوب بعضهم ببعض ثم لعنهم
على لسان أنبيائهم داود وعيسى ابن مريم ( ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا
يَعْتَدُونَ ) البقرة:61.
وفي لفظ آخر: إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أن الرجل كان يلقى
الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تفعل من المعاصي ثم يلقاه في الغد
فلا يمنعه ما رآه منه أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما رأى الله ذلك
منهم ضرب قلوب بعضهم على بعض ثم لعنهم ).
فعلينا أن نحذر من أن يصيبنا ما أصاب أولئك.
وقد جاء في بعض الأحاديث أن إهمال هذا الواجب وعدم العناية به ـ أعني
واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ من أسباب رد الدعاء وعدم النصر.
فهذه مصيبة عظيمة جداً إن لم نتداركها الآن، ستكون الكوارث العظيمة،
والشرور الكثيرة، وتفترق الأمة، وتقسوا القلوب أو تموت، وتظهر الرذائل
وتنتشر، وتختفي الفضائل ويهضم الحق، ويظهر صوت الباطل.
وهذا أمر واقع الآن في كل موطن من مواطن المسلمين وللأسف الشديد ،
لا يؤمر فيها بالمعروف ولا ينهى فيها عن المنكر، فانتشرت فيها الرذائل
والمنكرات وساد فيها الفساد، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقد جاءت سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حاثة على الأمر بالمعروف
ومؤيدة هذا الأمر، وتبينه ذلك في أعظم بيان ، فيقول المصطفى عليه الصلاة
والسلام في الحديث الصحيح: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم
يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) اخرجه الإمام
مسلم في صحيحه.
وفي حديث آخر أيضاً : عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: يقول الله
عز وجل: امروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أستجيب
لكم وقبل أن تسألوني فلا أعطيكم وقبل أن تستنصروني فلا أنصركم ).
وفي لفظ آخر من حديث حذيفة يقول عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده
لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً
من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم رواه الإمام أحمد.
و في سورة التوبة قدم سبحانه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على
إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وما ذلك إلا لعظم شأنه كما ذكرته سابقاً.
فقال سبحانه: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ ) التوبة:71].
ولأن بتحقيقه هذا المبدأ تصلح الأمة، ويكثر فيها الخير.
وأخيراً فعلى أولياء الأمور أن يأمروا بالمعروف ،ان ينهوا عن المنكر
وأن يأخذوا أبناءهم إلى المساجد للصلاة ودور العلم لأن بصلاحهم وتأدية
الصلاة يصلح حالهم ،لأن الصلاة مفتاح إلى كل خير ، فبذلك سيرحمنا الله
تعالى برحمته.
ونسأل الله تعالى أن يجعلنا من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر
اللهم آمين...
أعلى
من الإصدارات العمانية
التنافس مع الذات طريقك إلى النجاح
عرض ـ مبارك بن عبدالله العامري:
التنافس في ميادين الحياة المختلفة دور ريادي يقوم به كل فرد حسب قدراته
وإمكانياته وإبداعاته فالتنافس في العديد من مجالات الحياة المختلفة
يكشف للإنسان كيف يستطيع بفكره ومواهبه أن ينافس من أجل عمل معين يقوم
عبر ضوابط معينة تجعله يسلك مبدأ التنافس بخطط ورؤية صحيحة وجاء كتاب
التنافس مع الذات طريقك إلى النجاح يحمل بين أوراقه كنوز قيمة الكتاب
للمؤلف الدكتور سليمان بن سالم الحسيني صدر عن مكتبة الأنفال ويقع
في 88 صفحة .
في بداية هذا الكتاب تطرق المؤلف إلى التنافس مع الذات أم مع الغير
قائلا : الحياة لدى الكثير منا مضمار سباق وميدان تنافس ومزرعة عمل
نسابق الزمن ونغالب الصعاب ونجالد الظروف أملا في الوصول إلى غايات
وأهداف يصنعها طموحنا في التقدم والتطور الفردي والأسري والاجتماعي
وفي خضم سعينا في مضمار الحياة نحو غايتنا السامقة ينشأ التنافس والتنافس
في ميادين السباق وضع طبيعي وأمر محتمل إلا أن ما يهتم به الكثيرون
ويعتبرونه جل عنايتهم هو التنافس مع الآخر ويهملون في غمرة اشتغالهم
بمنافسة الآخر أمرا مهما وهو الذات وينسون أو يتناسون أنه كما أن هناك
تنافسا مع الآخر هناك أيضا تنافس مع الذات أي تنافس الإنسان مع ذاته
أو نفسه فذات الإنسان أحد العوامل التي تؤدي إلى التفوق والنجاح أو
التخلف والتقهقر ودورها في تحقيق الأهداف وبلوغ الغايات في كثير من
الأحيان أهم من دور الغير وأثره .
إن التنافس من أجل التفوق في الحياة والتميز فيها يجب ألاَ يكون مع
أشخاص آخرين بل مع ذات الفرد ونفسه أي لكي نكون متفوقين ومتميزين علينا
أن نحدد هدفا من ذات أنفسنا مبنيا وفق قدراتنا وإمكانياتنا ، إن جعل
الآخرين معياراً لما يريد أن يكون عليه الشخص ثم التنافس معهم وضع
غير صحي للنجاح ومنهج غير مناسب للعمل وغاية ليست سليمة .
وأشار المؤلف إلى التفوق والتميز: التفوق في الحياة والتميز في المجتمع
غاية يسعى كثير من الناس للوصول إليها والتميز الذي نعينه هنا ليس
التميز الفطري الذي خلقه الله سبحانه وتعالى عليه الإنسان كلون البشرة
أو طول القامة بل نقصد به التميز المكتسب الذي يعمل الإنسان نفسه على
تحقيقه والاتصاف به كالعلم والقدرة على الإبداع والتجديد ، وما يعنينا
بشكل أساسي عندما نتحدث عن التفوق والتميز هي تلك الخصائص والمميزات
التي يعمل الفرد على اكتسابها فتجعله مميزا بها في مجتمعه ، إن التميز
المكتسب ضرورة اجتماعية كما أنه رغبة شخصية فالمجتمع الإنساني بحاجة
في كثير من المجالات إلى أفراد متميزين وتبرز هذه الحاجة في توجه العالم
منذ فترة نحو التخصص في المجالات الأكاديمية والفنية بحيث يكون الفرد
متعمقا بدرجة عالية في فهمه واستيعابه لمجال معين من العلوم .
وتناول المؤلف عبر هذا الكتاب خريطة نجاحك :فالنجاح والتميز لا ينجزان
بعشوائية وبلا وعي فلكي يصل الشخص إلى النجاح والتميز عليه أن يكون
مدركاً لما يريد أن يحققه وواعيا بالطرق التي يمكن أن يصل من خلالها
إلى أهدافه والنجاح ليس أمر سهل الإنجاز خاصة عندما يكون الشخص شديد
الطموح عالي التطلعات أو عندما الأهداف عظيمة والغايات جليلة لذا لابد
أن يكتسب الشخص مدارك علمية تؤهله لإنجاز مثل تلك المشاريع العظيمة
كما أنه بحاجة إلى خصائص شخصية مثل الصبر والمثابرة تعينه على الوقوف
بثبات في وجه التحديات والعقبات التي تعترض طريق نجاحه فكثير من الذين
تمكنوا من التفوق والنجاح امتازوا بصفات شخصية افتقر إليها غيرهم من
الناس العاديين من هنا جاءت الحاجة إلى تخطيط النجاح واستيعاب خصائصه
ومفارقه فلأجل ذلك عليك أن تضع خريطة نجاحك بإتقان حيث تكون على دارية
تامة بكل اتجاهاتها وواعيا بكل منعطفاتها ، ففي رحلة الانجاز ستجد
نفسك بحاجة إلى دليل واضح يوفر لك ما تريده من إرشادات ويضع أمام ناظريك
البدايات والنهايات لكل توجه تسلكه من أجل النجاح والتفوق والتميز
، وإن لم تكن لديك الخريطة المناسبة ربما تهت في دروب الحياة ومتاهاتها
والهدف الواقعي الذي يصوغه الإنسان لنفسه هو بداية الطريق نحو التفوق
والتميز ، أو المدخل الأساس في خريطة النجاح فكلما كان الهدف واقعيا
كان تحقيقه في متناول اليد وكان أقرب إلى التميز .
وبين المؤلف أن النجاح هو عملية مستمرة لأن تصبح فوق ما أنت عليه ،
وأن النجاح هو أن تنمو وتتطور عاطفيا ، واجتماعيا وروحيا وفسيولوجيا
ومعرفيا واقتصاديا في الوقت الذي تشارك فيه الآخرين بإيجابية ، إن
طريق النجاح ليست ممهدة بل هي دائما تحت التمهيد والإعداد إنها عملية
مستمرة وليست نهاية قد وصلنا إليها ، لقد زرع وللأسف الشديد في وعينا
مفهوم غير سليم من النجاح والفشل فعندما لا نتمكن من تحقيق هدف معين
أو نتمكن فقط من تحقيق جزء منه فإننا نعتبر ذلك فشلاً وهذا التعريف
للفشل يكاد أن يكون ظاهرة مجتمعية ليست محصورة على أفراد محدودين بل
يؤمن بها كثير من أفراد المجتمع والحياة بتركيبتها المعقدة لا تستوعب
هذا المفهوم المبتور وغير الواعي للنجاح والفشل ،فهو مفهوم غير مستساغ
عندما نظر إلى الإنجازات الحياتية نظرة شمولية تربط جزئيات الإنجاز
وكلياته وتأخذ في الاعتبار تعقد العوامل المؤثرة على الإنجاز وتداخلها
، وتكوين مفهوم أكثر وعياً للفشل والنجاح خطوة مهمة في طريق النجاح
لأن أعمالنا وإجراءاتنا رهن إيماننا وتصوراتنا ، وستكون الانطباع الفشل
بتلك الصورة في مخيلتنا انعكاسات على أدائنا ، أو ردة فعل على سلوكنا
فمن يؤمن بالفشل بتلك الصورة يصبح أسير مفهومه ، وحبيس تصوره ، ويكون
أقل مقدرة على تجاوز تلك المرحلة وتخطيها إلى ما بعدها ، وكلما أراد
أن يشرع في عمل ما طارده شبح الفشل ، وأثناه عن الإقدام خوف الوقوع
فيما يخافه ويخشاه والفهم الصحيح للنجاح والفشل يتم من خلال الإيمان
بأن للأعمال مخرجات وثماراً ، بدل التصديق بأنها تنتهي بالنجاح أو
الفشل ، إن لكل عمل أو أجراء نقوم به نهاية ، إما أن تكون كما توقعنا
وأردنا ، أو عكس ذلك طبعاً .
ووضح المؤلف عبر هذا الكتاب تفعيل نظريات الذكاء في الحياة لقد هدفت
القدرات العقلية إلى بيان تنوع المهام والعمليات والجوانب التي يمكن
للعقل الإنساني القيام بها فالعقل الإنساني ليس أداة للحفظ وتسجيل
المعلومات والأحداث فقط بل يقوم إلى جانب ذلك بعمليات لغوية ومنطقية
وسلوكية متعددة ، وربما كان عقل شخص ما قادراً على الأداء بشكل أكثر
بروزا في جانب معين من هذه الجوانب دون الجوانب الأخرى ، وهذا النبوغ
والظهور في هذا المجال يكسب ذلك الفرد خاصيته الشخصية التي تميزه عن
غيره من أعضاء المجتمع ، كأن يكون متحدثاً بارعاً أو منطقيا ، أو أخلاقيا
، فإخفاق الفرد في مجال معين لا يعني أن ذلك الفرد فاشل في أو عديم
النفعية فالشخص الذي لا يمتلك قدرات ومهارات في مجال الرياضيات المنطقية
على سبيل المثال ، ربما لديه قدرات روحية أو أخلاقية عالية تجعله مؤثرا
في هذا الجانب ، والشخص الذي يفتقر إلى ذكاء العلاقات الذاتية ، ربما
هو قادر على النبوغ والظهور في مجال ذكاء الإحساس الحركي أو الذكاء
الفضائي إن ما نحتاجه سواء على مستوى الفرد أو على مستوى أفراد المجتمع
أن نبني مثل هذا الفهم الواعي لقدراتنا وإمكاناتنا وقدرات أبنائنا
وإخواننا وأفراد مجتمعنا فالرؤية المبنية على تعددية القدرات العقلية
الإنسانية وتنوعها وتطورها وعدم أحاديتها وثبوتها ستساعدنا على استثمار
القدرات الكامنة التي يتمتع بها كل واحد من أفراد المجتمع وتفعيلها
في إطار بناء العقل وتنمية الإنسان .
وعبر هذا الكتاب العديد من المواضيع القيمة منها : لماذا لا تكون عصاميا؟
الذاكرة والحفظ ، ما هي الذاكرة ، والحفظ والفهم ، والهزيمة النفسية.
أعلى
فأصلحوا بين أخويكم
قال الله تعالى: (لا خير في كثير من نجواهم إلا
من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس,ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة
الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما).
قال مجاهد:هذه الآية عامة بين الناس,يريد أنه لا خير فيما يتناجى فيه
الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير,وهو قوله(إلا
من أمر بصدقة) ثم حذف المضاف(أو معروف)، قال ابن عباس:بصلة الرحم وبطاعة
الله,ويقال لأعمال البر كلها معروف لأن العقول تعرفها ، قوله تعالى:(أو
إصلاح بين الناس) هذا مما حث عليه الرسول صلى الله عليه وسلم,فقال
لأبي أيوب الأنصاري: (ألا أدلك على صدقة هي خير لك من حمر النعم؟)
، قال:بلى يا رسول الله ـ قال: (تصلح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقرب
بينهم إذا تباعدوا) ، وروت أم حبيبة رضي الله عنها أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا ما كان من أمر بمعروف
أو نهي عن منكر أو ذكر لله) . وروي أن رجلا قال لسفيان:ما أشد هذا
الحديث,قال سفيان:ألم تسمع إلى قول الله تعالى: (لا خير في كثير من
نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف) ، الآية فهذا هو بعينه ، ثم علم
سبحانه أن ذلك إنما ينفع من ابتغى به ما عندالله,قال الله تعالى: (ومن
يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما)أي ثوابا لا حد
له ، وفي الحديث: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول
خيرا) ، رواه البخاري وقالت أم كلثوم:ولم أسمعه صلى الله عليه وسلم
يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاثة أشياء:في الحرب,والإصلاح
بين الناس,وحديث الرجل زوجته وحديث المرأة زوجها ، وعن سهل بن سعد
الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بني
عمرو بن عوف كان بينهم شر,فخرج الرسول صلى الله عليه وسلم يصلح بينهم
في أناس معه من أصحابه ـ رواه البخاري ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه
قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما عمل شيء أفضل من مشي إلى
الصلاة,أو إصلاح ذات البين,وحلف جائز بين المسلمين).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أصلح بين اثنين أصلح الله
امره,وأعطاه بكل كلمة تكلم بها عتق رقبة,ورجع مغفورا له ما تقدم من
ذنبه)، وبالله التوفيق.
اللهم عاملنا بلطفك وتداركنا بعفوك يا أرحم الراحمين.
علي بن عوض الشيباني
أعلى
الروح الرياضية ..
الحلقة الثالثة
مجال ممارسة الألعاب الرياضية يتسع لجميع الأعمار ولكل الفئات ، فهي
للكبير والصغير ، وللرجل والمرأة ، وتختلف دوافع أهلها وممارسيها ،
وتتفاوت طموحاتهم ، وتتنوع في ذلك طاقاتهم ، وعلى ذلك كله يكون منهم
المحسن والمسيء ، والرياضة - في حد ذاتها - سواء كانت بدنية أم ذهنية
، منها النافع المفيد ، ومنها غير ذلك ، ثم إن الرياضة وغير الرياضة
من كل شؤون الحياة وأمورها سواء كان قولا ً أم فعلا ً ، دافعًا أم
سلوكـًا ، لابد من ضبطه بضوابط وكما يقال : " كل ما زاد عن حده
انقلب ضده " ، ولا يصلح في ذلك ما تعارفت عليه الأمم والشعوب
، أو ما صار مألوفـًا شائعًا بين الناس ، فليس الإنسان كالحيوانات
يحكم أهواءه ورغباته ، فقد تميز عنها بالعقل والعلم وهما الحاكم على
شهوات النفس ورغباتها ، وضابط لمشاعر الإنسان وسلوكه ، ومسيطر على
كل حركة من حركاته وكل سكنة من سكناته وكل فعل من أفعاله .
هذا وإن ربطنا أفعالنا وسلوكياتنا وتصرفاتنا في هذه الألعاب لحققنا
فوائدها ولجنينا ثمارها ، فلا بد أن نجعل شخصيتنا ثابتة المبادئ متميزة
السلوك وذلك ليكون بيننا وبين الرياضيين الذين لا يعرفون للرياضة قدرها
وقيمتها في الحياة الإنسانية بتصرفاتهم الطائشة وألعابهم المنحرفة
البون الشاسع والفرق الواضح ، فلابد أن نرتقي برياضتنا عن رياضة غيرينا
ونميزها بسلوكياتتنا المحترمة وأفعالنا الحسنة التي تظهر من خلالها
أفكارنا الراقية عندها نستطيع أن نمارسها بكل حرية في مسارها الصحيح
المتوازن ونربي أجيالنا عليها ، فهنا تظهر الروح الرياضية التي نريد
أن نوصلها للآخرين .
ومن الأمور التي يجب أن نرعها نحن كرياضين أثناء ممراستنا للرياضة
ما يأتي :
أولا ً : الوقت : جميل أن نمارس الرياضة نقوي بها أجسامنا وننمي بها
عقولنا ، ولكن لابد أن يكون ذلك بقدر معين ، فلا ينبغي أن توقف عليها
الأعمار وتفرغ لها الأوقات ، والمبالغة فيها وتجاوز الحد المشروع لها
شيئ يرفضه العاقل الحكيم ، وكل شيء زاد عن حده انقلب ضده ، فلا بد
من إعطاء الوقت قيمته ، فنحن أمة راقية مثقفة متى عرفنا للوقت قيمته
وقدره ، وأنه الصفقة الرابحة التي ينبغي أن نكسبها ، وأنه الحياة التي
نبنيها ونعمرها ، فلابد أن يصرف في مجالات متعددة مختلفة ننتفع بها
كرياضيين ، فنحن الرياضيين لنا ارتباطات أخرى غير الرياضة وواجبات
لابد أن نؤديها فللوطننا العزيز الذي نعيش فيه حقه من المساهمة في
البناء والتعمير وهذا على الأقل من باب رد الجميل والإحسان إليه ،
وللأمة التي ننتمي إليها حق التأييد والنصرة والتمجيد والرقي بها نحو
المعالي والبعد بها عن التخلف ، فننهض بأمتنا حتى تكون في مقدمة الأمم
ليس بالرياضة وإنما بثقافتنا وأفكارنا التي نترجم جزءًا منها في رياضتنا
الجميلة الراقية .
والرياضي محتاج إلى أهله وأولاده كما هم محتاجون إليه فلابد أن يعطيهم
حقهم ويرعاهم وألا يفرط في حقوقهم ، حتى يكسب تأييدهم وتكون له الروح
المعنوية التي يمارس الرياضة بها فيستطيع أن يحقق ما يريده ، فيبر
والديه ، ويرعى أبناءه ، ويصلح مجتمعه ، ويكون عضوًا فعالاً نشيطًا
فيها كمثل ما يكون نشيطـًا قويًا في رياضته ، فمن العيب أن نجد الرياضي
يصول ويجول في ميادين الرياضة كله نشاط وحيوية ثم نراه قليل الحركة
في المجتمع بليد الفكر قليل الثقافة لايقوم بأي شأن من شؤون مجتمعه
النافعة والمصلحة ، وهذا ينعكس سلبًا على شعبية الرياضي نفسه وتتولد
أفكار سيئة عنه في المجتمع بأنه لا فائدة منه في المجتمع إلا للعب
واللهو في الميدان الرياضي فقط ، ولا فائدة من الرياضة التي يمارسها
، وهذا مما لا نريده نحن كرياضيين .
ومن الأوقات الرائعة والمناسبة لممارسة الرياضة ، الساعات الأولى من
بعد الصباح الباكر وحتى طلوع الشمس في نسمات الهواء الصافي و النشاط
الفعال من بعد ما أخذت النفس قسطـًا جيدًا من الراحة ، وخاصة إذا كان
المكان المخصص للعب قرب شاطئ البحر ، وكذلك من الأوقات الرائعة : من
بعد العصر وحتى قبيل غروب الشمس ، وذلك بعد أن أخذت النفس حظها من
الطعام والراحة فلابد أن تأخذ حظها من النشاط والحركة ، وحتى قبيل
غروب الشمس حتى يجد الرياضي متسعًا من الوقت لنظافة بدنه وتغيير ملابسه
حتى يهييء نفسه للأعمال الأخرى بعد ذلك ، وكذلك من بعد العشاء بشرط
ألا يتعدى وقت الرياضة إلى ساعة متأخرة من الليل .
ثانيًا : المكان : يجب أن يكون المكان وضع خصيصًا لممارسة الرياضة
، ولا يفضل في الأماكن العامة ويجب أن تراعى أملاك الدولة وأملاك الآخرين
، فلا يجوز إتلافها أو التعدي عليها ، والمكان المهيأ لممارسة الرياضة
حتى تؤدى به الرياضة بك حرية وبدون عوائق مما يحافظ على سلامة الرياضيين
وأرواحهم وعدم تعرضهم للخطر .
ومما يجب تجنبه من الأماكن الصالات المحاطة بالإعلانات التي تشغل الرياضيين
عن رياضتهم والتي تشوه الرياضة ولا تعرف قيمتها ، واجتناب أماكن الاختلاط
فللرجل رياضاتهم المناسبة لهم وللنساء كذلك حتى يكون هناك التناسق
واتفاق الطبيعة بين الرجال وحدهم ، والنساء وحدهن ، فيجب تجنب الاختلاط
، وهناك ما يجب أن يرعاه الرياضيون في رياضتهم وهذا ما سنعرفه في الحلقة
القادمة من " الروح الرياضية " فابقوا معنا .
يحيى بن أحمد بن علي بني عرابة
معهد العلوم الشرعية
أعلى
|