كيف تنظر أوروبا الى الديمقرطية في الشرق الاوسط؟
الأوروبيون يفضلون نهجا تدريجيا طويل الأجل للإصلاح
الساسة الأميركيون يبحثون عن جورباتشوف عربي لقيادة الإصلاح الإقليمي
محمد نجيب السعد*
أشاد هانس جيرت بوتيرينج رئيس البرلمان الاوروبي الذي زار السلطنة
مؤخرا بسياسة وحكمة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم
ـ حفظه الله ـ ورعاه على صعيد القضايا الاقليمية والدولية ومساهمة
السلطنة المتواصلة في أرساء دعائم السلام والاستقرار. وقد عقد الضيف
مباحثات رسمية مع رئيس مجلس الشورى معالي الشيخ أحمد بن محمد العيسائي
تناولت عددا من القضايا بينها تعزيز آفاق التعاون بين مجلي الشورى
والبرلمان الاوروبي من خلال تبادل الزيارات والخبرات والحوار المشترك
والاستفادة من خبرة البرلمان الاوروبي في العديد من المسائل البرلمانية
والحوار الثقافي بين الغرب والعالمين العربي والاسلامي.
في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر2001 ترددت حول العالم الكثير
من الاصوات المطالبة بأجراء الاصلاحات في الشرق الاوسط , وخاصة في
العالم العربي ، وفي يوليو 2002 أصدرت مجموعة من المفكرين العرب،
تحت رعاية الأمم المتحدة، تقرير التنمية البشرية العربية الذي تحدث
عن الامراض السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي بدأت تنهش بجسد
العالم العربي منذ وقت طويل وأسهب التقرير في حاجة العالم العربي
الى المزيد من الحرية والى منح المرأة دورا أكبر في التنمية والتعليم.
وطالب التقرير بمزيد من الاصلاحات.
واستجابت الولايات المتحدة وأوروبا لتلك الاصوات. ففي ديسمبر 2002
، أعلن كولن باول، وزير الخارجية الأميركي، مبادرة الشراكة الشرق
أوسطية التي ترتكز على الترويج للإصلاح في الشرق الأوسط. كما طرحت
مجموعة الدول الثمانيً مبادرة "الشراكة من أجل التقدم والمستقبل
المشترك "، مع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتشدد مبادرة مجموعة
الثماني على الحاجة إلى التعاون المتعدد الأطراف وعلى أهمية جهود
الإصلاح النابعة من المنطقة نفسها. وأجمع قادة مجموعة الدول الثماني
في قمتهم التي عقدت في يونيو 2004 على أهمية الترويج للديمقراطية
والإصلاح في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وذلك لأن الإصلاح يعتبر
عاملا حاسما لأمن الولايات المتحدة وأوروبا ، وكذلك للإستقرار طويل
المدى في المنطقة، حيث يحتفظ الاوروبيون والاميركيون بمصالح حيوية
لهما في المنطقة. الا أن الجانبين يختلفان حول أفضل السبل لتحقيق
هذا الهدف مما أدى الى تحقيق تقدم ضئيل في هذا الاتجاه.
إن الموقع الجغرافي القريب لأوروبا من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا،
ووجود جالية عربية ومسلمة كبيرة في أوروبا، يجعلان من العالم العربي
بشكل خاص والشرق الاوسط بشكل عام مسألة هامة في جدول أعمال السياسة
الخارجية الأوروبية. بعد سقوط حائط برلين في نوفمبر 1989 ، حدثت
تحولات جيوبولتيكية حاسمة أدت بأوروبا، وأوروبا الجنوبية على وجه
التحديد، إلى إعادة التفكير بعلاقاتها الاستراتيجية مع دول حوض البحر
المتوسط الجنوبي. ومع أن واضعي السياسة الأوروبية أهتموا كثيرا بالتوسع
شرقا صوب دول الاتحاد السوفيتي السابق ، الا أن المشاكل التي واجهتها
الجزائر مع الارهاب وتزايد الهجرة غير الشرعية شغلت أهتمام الساسة
في أوروبا بشكل أكبر . تتركز الأهمية الإستراتيجية للبحر المتوسط
في أوروبا اليوم على أربعة عوامل رئيسية:
o الهجرة: يستوطن أوروبا عدد كبير من المهاجرين من شمال أفريقيا.
فعلى سبيل المثال، تشير التقديرات إلى أن حوالي 15 بالمئة من سكان
المغرب يعيشون في أوروبا.
o الطاقة: يعتمد الاتحاد الأوروبي على الطاقة المستوردة التي تأتي
في الغالب من شمال أفريقيا والخليج العربي لتلبية نصف احتياجاته.
o التجارة والاقتصاد. يعتبر الإتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لمعظم
بلدان المنطقة.
o الأمن ومكافحة الإرهاب يشير تقرير"استراتيجية الامن الأوروبي"
الصادر عن الاتحاد الأوروبي في ديسمبر 2003 إلى خمسة تهديدات أمنية
رئيسية وهي:
ـ الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل والصراعات الإقليمية وأنهيار الانظمة
الحاكمة (على غرار الصومال ) والجريمة المنظمة - وهذه كلها متواجدة
في الشرق الأوسط و شمال أفريقيا. والواقع أن الهجمات الإرهابية التي
وقعت في 11 مارس 2004 في مدريد، والتي أدت الى مقتل حوالي مئتي شخص،
زادت من الهواجس تجاه خطر الإرهاب.
شهدت بداية عقد التسعينيات أهتماما أوروبيا بجيرانها، إلى الشرق
وإلى الجنوب، وأزدادت أيضا الحاجة إلى التنسيق بشأن الإصلاحات في
المنطقتين. وشدد مفكرو أوروبا الإستراتيجيون على دور الإصلاح الاقتصادي
والسياسي في تأمين السلام والإستقرار في الدول المجاورة. لقارتهم
, شرقا وجنوبا. وأخذت بلدان الجناح الجنوبي ـ وخصوصا فرنسا وإسبانيا
وإيطاليا ـ بزمام المبادرة في فتح أفاق جديدة للتواصل مع دول جنوب
البحر المتوسط، وتبنت بعض الدول الاوروبية سياسات خاصة بها للترويج
للديمقراطية. ولكن أهم المبادرات جاءت من الاتحاد الأوروبي في يونيو
1991 ، عندما أكد الاتحاد على أن النهوض بالديمقراطية وحقوق الإنسان
يعد عنصرا جوهريا من عناصر سياساته الخارجية، وأنه يشكل"حجر
الأساس " للتعاون الأوروبي مع الاخرين. وفي ذلك الوقت، شدد
إعلان من المجلس الأوروبي على أهمية حقوق الإنسان وسيادة القانون
في جميع مبادراته الإنمائية كما تبنّى المجلس قرارا في نوفمبر 1991
حدد المبادئ وإلاجراءات التي ستتبعها دول الاتحاد كافة مع الدول
التي تبدي الاستعداد للتحول نحو الديمقراطية. وبالرغم من أن هذه
السياسة ترجمت انشغال أوروبا في ذلك الوقت بالدول المستقلة حديثا
بعد أنفراط عقد إلاتحاد السوفيتي، فإنها مهدت السبيل لوضع الديمقراطية
وحقوق الإنسان في سياق أوسع ـ وسرعان ما اعتُمد هذا النهج تجاه الدول
العربية المتوسطية.
وفي السنة التالية ، ونزولا عند رغبة الأعضاء الأوروبيين الجنوبيين
، أعاد الاتحاد الأوروبي تقييم علاقاته مع دول البحر المتوسط في
ضوء انتهاء الحرب الباردة، فأطلق سياسة البحر المتوسط الجديدة، التي
أدخلت العديد من التجديدات المهمة، ولا سيما فكرة الشراكة مع دول
البحر المتوسط وفكرة تقديم الدعم للبلدان التي تتحول صوب الليبرالية
والاصلاح الاقتصادي. وكان من التطورات المهمة أن السياسة الجديدة
منحت البرلمان الأوروبي إمكانية تجميد ميزانية أي بروتوكول مالي
لمساعدة بلدان البحر المتوسط في حال حدوث انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان.
ولفترة قصيرة في عام 1991 ، حجب البرلمان الأوروبي المعونة عن سوريا
والمغرب لأسباب تتعلق بحقوق الإنسان. وبالرغم من تراجع البرلمان
بعد ذلك، فإن هذا الإجراء من جانبه كان سابقة لربط المساعدة بقضية
حقوق الإنسان الأساسية. وفي أوائل التسعينات، واصل الاتحاد الأوروبي
التركيز على أهمية حقوق الإنسان والديمقراطية في سياسته الخارجية.
وأطلق البرلمان الأوروبي في 1994 المبادرة الأوروبية للديمقراطية
وحقوق الإنسان، التي جمعت خطوط البنود الخاصة بتشجيع حقوق الإنسان
معا تحت عنوان واحد في الميزانية. أنشأت المفوضية الأوروبية في 2001
مؤسسة "المعونة الأوروبية " لتنفيذ أدوات معونتها الخارجية،
وتعمل المبادرة الأوروبية للديمقراطية وحقوق الإنسان كوحدة داخل
هذه المؤسسة. وكانت أكثر التطورات أهمية قيام الإتحاد الأوروبي في
مايو 1995 بإعداد مادة تتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان لتحكم العلاقات
مع بلدان العالم الثالث، وتنص على تعليق المعونة والتجارة في حال
حدوث انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان. وقرر الإتحاد حينئذ إضافة هذه
المادة إلى جميع العقود المبرمة بين الإتحاد والبلدان النامية. تأسست
الشراكة الأوروبية المتوسطية المعروفة أيضا باسم عملية برشلونة،
في نوفمبر 1995 ، وكان الهدف منها أن تكون رد أوروبا على هواجسها
المتزايدة تجاه عدم الإستقرار عند حدودها الجنوبية. ورأت الدول الأعضاء
الجنوبية أن التوسع نحو الشرق في أعقاب الحرب الباردة كان بحاجة
إلى بعض التوازن من خلال الإتجاه جنوبا أيضا، وأعربت عن قلقها الشديد
حول الهوة الاجتماعية والاقتصادية التي تفصل بين أوروبا وشمال أفريقيا.
ونوهت المفوضية الأوروبية بأن فوارق نسبة الدخل بين أوروبا وبلدان
البحر المتوسط كانت 1 إلى 12 ، وأنها ستصبح 1 إلى 20 بحلول عام 2010
إذا لم تتخذ أي تدابير لعلاجها. كما قدّرت أن عدد السكان في بلدان
البحر المتوسط سيرتفع من 220 مليون نسمة في 1995 إلى 300 مليون نسمة
بحلول عام 2010 ، وهذا الإنفجار السكاني ونقص الفرص الاقتصادية في
شمال أفريقيا زادا من المخاوف الأوروبية من حدوث موجات واسعة من
الهجرة غير الشرعية التي من شأنها زعزعة الاستقرار في أوروبا. ساهمت
رغبة أوروبا بالقيام بدور في عملية السلام في الشرق الأوسط، والتي
دشنها مؤتمر مدريد لعام 1991 ساهمت أيضا في نشوء الشراكة الأوروبية
المتوسطية فأوروبا لم تحتل مكانا مرموقا على طاولة المفاوضات، بل
تولت بدلا من ذلك إدارة الفريق العامل المتعدد الأطراف للتنمية الإقتصادية
الإقليمية. أما عملية برشلونة فقد أنطلقت مستفيدة من الزخم الذي
أحدثته اتفاقيات أوسلو لعام 1993 ، وبذلك ربطت مصير الشراكة الأوروبية
- المتوسطية على الأقل في جزء منها ـ بعملية السلام في الشرق الأوسط.
توفر الشراكة الأوروبية المتوسطية إطارا للتعاون بين أعضاء الاتحاد
الأوروبي وشركائه الاثنى عشر في حوض البحر المتوسط . وتتكون الشراكة
من سلسلة من الإتفاقيات الثنائية ، بالإضافة إلى اعلان برشلونة،
الذي ينص على التعاون المتعدد الأطراف في قطاعات مثل الزراعة والطاقة
والسياحة والشباب. وحتى الآن وقّع جميع الشركاء في حوض البحر المتوسط
على اتفاقيات الشراكة فيما عدا سوريا (تعثرت مفاوضات الإتفاقية مع
سوريا بسبب خلافات بخصوص أسلحة الدمار الشامل) أن اتفاقيات الشراكة
هي أداة الاتحاد الأوروبي الرئيسية للترويج للتحوّل الديمقراطي في
العالم العربي ، إذ يلتزم الشركاء المتوسطيون ، عند التوقيع على
اتفاقيات الإنضمام، بالمصادقة على مادة تتعلق بحقوق الإنسان، وتنص
على الإلتزام بالإصلاح الديمقراطي. ويستطيع الاتحاد الأوروبي، نظريا،
بالإستناد إلى هذه المادة الإحتجاج على ارتكاب الحكومات لاية أنتهاكات
لحقوق الإنسان، وحجب المعونة عنها أو وقف التجارة معها. كما أن الشركاء
المتوسطيين، باعتبارهم موقّعين على إعلان برشلونة، يوافقون على صياغة
تقضي بالمصادقة على مبادئ احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية
وسيادة القانون.
ينقسم إعلان برشلونة من ناحية المفاهيم إلى ثلاث قضايا: سياسية،
وتهدف إلى إنشاء منطقة أوروبية - متوسطية يعمها السلام والاستقرار
استنادا إلى الإحترام المشترك لحقوق الإنسان والديمقراطية؛ اقتصادية،
وتشمل هدفاً رئيسياً هو إنشاء منطقة التجارة الحرة الأوروبية - المتوسطية
بحلول عام 2010 ؛ واجتماعية، وتضم مبادرات للحوار والتفاهم بين الثقافات.
يتمثل المبدأ الأساسي لعملية برشلونة في استغلال الرابطة الوثيقة
بين التوجهات السياسية والسياسات الاقتصادية والسعي إلى أداء أفضل
في الأولى من خلال الأخيرة. وتنص مادة حقوق الإنسان والديمقراطية
المتضمنة في كل اتفاقية شراكة على عقد اجتماعات منتظمة لإثارة المسائل
ذات الأهمية على المستوى الوزاري والرسمي. وقد أنشئت لجنة فرعية
للإصلاح السياسي وحقوق الإنسان مع المغرب ـ وهي المرة الاولى سواء
على صعيد الشركاء الأوروبيين ، أو العرب أ وغيرهم ـ مما وفر فرصة
للتواصل بشأن القضايا على المستوى العملي بانتظام وجدية أكبر. وفي
الوقت ذاته، تتعزز علاقات الاتحاد الأوروبي مع كل من الشركاء الأوسطيين
بشبكة من الأنشطة الإقتصادية والإجتماعية التي تساعد على بناء شعور
من الشراكة وتوفر أساسا مشتركاً للسير قدماً إلى الأمام. تُمول جميع
مشاريع الشراكة الأوروبية- المتوسطية من خلال برنامج "ميدا
"، الذي خصص له مليار يورو سنويا. ويتم تمويل هذا البرنامج
دورياً كل سبع سنوات، وتغطي الدورة الحالية، وهي"ميدا الثالثة"،
الفترة من 2007 إلى 2013 . كما يقدم بنك الاستثمار الأوروبي إلى
المنطقة ملياري يورو إضافيين على شكل قروض. أنفقت معظم أموال"ميدا"
على الجانب الثاني من برامج الشراكة الأوروبية المتوسطية، أي المعونة
الاقتصادية والتجارية. فقد خُصصت معظم معونات "ميدا" لتعويض
التكلفة الاجتماعية المترتبة على الاصلاح الاقتصادي، ولأنشطة النهوض
بحسن الإدارة على أساس أن المزيد من الشفافية والمساءلة يسهم في
إنشاء مناخ أفضل للأعمال. وأسهمت بعض هذه المشاريع في الترويج للإصلاح
الديمقراطي، مع أنها لا تُعتبر رسمياً موجهة لهذا الغرض. ولا يستحوذ
الجانب الاقتصادي على معظم الدعم المالي فحسب ، بل إنه حقق أكبر
قدر من التقدم حتى الآن إذ أن اتفاقيات الشراكة تتضمن اتفاقا للتجارة
الحرة بين الاتحاد الأوروبي وشركائه الأوسطيين مثل اتفاقية أغادير
التي أبرمت في مارس 2004 ووقع عليها المغرب وتونس والأردن ومصر،
والتي تشكل خطوة مهمة نحو إنشاء منطقة تجارية حرة أوروبية-متوسطية
تشمل سوقا متكاملة تضم أكثر من 100 مليون نسمة في البلدان الأربع
الموقعة. وتحظى مشاريع حقوق الإنسان ووحرية الصحافة والإصلاح القضائي
ومنح المرأة دورا أكبر بأغلبية التمويل الموجه للجانب السياسي. ولم
يحظى الإصلاح المؤسسي الا بحصة بسيطة من المشاريع، ولم يبدي الاتحاد
الأوروبي ترحيبا بفكرة تمويل البرلمانات أو الأحزاب السياسية أو
النقابات بشكل مباشر. وبعد حصول بعض التوتر مع بعض الحكومات الأوسطية
حول بعض برامج "ميدا "، وجه التمويل السياسي في إطار (ميدا
الثانية وربما الثالثة أيضا ) نحو حقوق المرأة والطفل. وأن الأغلبية
الساحقة من التمويل يوجه بشكل أساسي نحو مشاريع التنمية التقليدية
, وليس للترويج للديمقراطية. وأنشئ صندوق أوروبي ـ مقره في مدينة
الإسكندرية، وبدأ عمله في أول يوليو 2004 ، وهو يسعى إلى إنجاز بعض
المشاريع التي تصب في صالح تطوير الحوار بين الثقافات والحضارات
ضمن إطار منطقة البحر المتوسط. لذلك، من غير المرجح أن يلعب هذا
الصندوق الجديد دورا في تنمية المنظمات غير الحكومية في المنطقة.
كما أنه لن يساعد خطط الاتحاد الأوروبي الرامية إلى الإصلاح الديمقراطي
في المنطقة. ومن المرجح أن تُبقي الدول الأعضاء جدول أعمال هذا الصندوق
بمنأى عن السياسة مع إبعاده عن المجالات الحساسة المرتبطة بالترويج
للديمقراطية مباشرة.
وبينما تركز الجهود الأوروبية أساسا على منطقة البحر المتوسط، شرع
الاتحاد الأوروبي بتنفيذ برامج مع مناطق فرعية أخرى من الشرق الأوسط
، وأعرب مسؤولوه مرارا عن الرغبة في إعطاء اهتمام أكبر لتلك المناطق.
وتتضمن المبادرات بالتحديد الحوار بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون
الخليجي، والحوار الشامل مع إيران، وعقد اتفاق للتعاون مع اليمن.
الحوار بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي
عقدت إتفاقية التعاون بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي
عام 1989 . ويتمثل هدفها المعلن بتسهيل العلاقات التجارية والإسهام
بصورة أعم في استقرار المنطقة. وتعقد اجتماعات سنوية على المستوى
الوزاري ومستوى المديرين الإقليميين بين الاتحاد ومجلس التعاون الخليجي.
ويركز جدول الأعمال على قضايا التجارة الحرة والتعاون على مكافحة
الإرهاب ومنع إنتشار السلاح النووي. وتم أيضا إنشاء فريق عامل معني
بقضايا الطاقة. وقد أعرب مجلس التعاون عن اهتمامه بالحصول على مساعدة
أوروبية في قضية طرح العملة الموحدة لدول المجلس. وبالإضافة إلى
ذلك،عقدت مباحثات لعقد اتفاقية لإنشاء منطقة تجارة حرة. وأضطر مجلس
التعاون الخليجي الى قرر تعليق المفاوضات الجارية منذ نحو عشرين
عاما مع الاتحاد الاوروبي حول اتفاقية التجارة الحرة. وقال الامين
العام لمجلس التعاون الخليجي عبد الرحمن العطية ان مجلس التعاون
الخليجي ان دول المجلس "بينت للجانب الاوروبي ان من مصلحة الطرفين
ان تتوقف هذه المفاوضات". واضاف العطية "ان دول المجلس
على اتم الاستعداد وجاهزة للتوقيع على هذه الاتفاقية متى ما قبل
الطرف الاوروبي بالمقترحات القليلة والنهائية التي تقدمت بها دول
المجلس وخلافا لذلك فان مجلس التعاون ليس في وارد الدخول في مفاوضات
جديدة.. وكفانا 18 عاما من المفاوضات". واضاف انه "رغم
التنازلات الكثيرة والمرونة التي ابداها الجانب الخليجي لانجاز الاتفاقية
الا ان دول مجلس التعاون لم تلق تجاوبا يذكر". وتابع "في
كل مرة ننتهي من جولة تفاوضية يفاجئنا الطرف الاوروبي بموضوعات جديدة
يخلط فيها بين السياسة والتجارة لا تنسجم مع واقع العلاقة بين الطرفين"،
مؤكدا "بعد هذه المدة الطويلة فانه لا يمكن لدول المجلس ان
تستمر في اضاعة المزيد من الوقت والجهد دون تحقيق الغاية المنشودة
من هذه الاتفاقية". وفي 15 ديسمبر حذر رئيس الوزراء القطري
الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني الذي تتولى بلاده الرئاسة الحالية لمجلس
التعاون الخليجي من ان المجلس سيوقف المفاوضات مع الاتحاد الاوروبي
حول اتفاقية للتجارة الحرة اذ انها لم تصل الى نتيجة. وكشف الشيخ
حمد ان الطرفين كادا يوقعان على الاتفاقية التي تجري محادثات بشأنها
منذ 1988، خلال زيارة للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الشهر الماضي
الى قطر، الا ان الجانب الاوروبي "تراجع في اللحظة الاخيرة".
وتبرر بعض الأوساط الدبلوماسية الأوروبية تعثر الاتفاقية بين مجلس
التعاون الخليجي والاتحاد الاوروبي بسبب "الرسوم التي يفرضها
مجلس التعاون الخليجي على تصدير بعض المنتجات الامر الذي لا يستطيع
الاتحاد الاوروبي ان يقبله لان ذلك سيشكل سابقة بالنسبة لدول اخرى"
بين شركائه. وقال احد الدبلوماسيين "ان الاتحاد الاوروبي يريد
التمكن من دخول قطاع الخدمات في الخليج مثل المصارف والتأمين"،
مضيفا انه في ما يتعلق بمسألة حقوق الانسان يعتبر الاتحاد الاوروبي
ان التوصل الى تسوية بات امرا قريبا .. وقال الامير تركي الفيصل
رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في
الكلمة التي ألقاها في منتدى يوروغولف أمام مؤتمر أوروبا والخليج
والمتوسط بعنوان "إحياء الروابط المشتركة.. ورسم منطقتنا الجديدة"،
الذي عقد في البندقية بإيطاليا في أكتوبر الماضي اجتمعنا هنا لمناقشة
التعاون بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي، ولكي نسعى
لتوسيع هذا التعاون، في الوقت الذي يقوم فيه مسؤولون أوروبيون على
أرض الواقع باستغلال مخاوف المواطنين والغرائز الدنيا لمنع هذا التعاون
بصورة كلية. وأنا متأكد أن هناك من أصدقائنا الأوروبيين من سيقولون
لي إن برلسكوني ( الفيصل كان يرد على تصريحات لبرلسكوني والنقابات
العمالية الايطالية جاء فيها ان بعض الاستثمارات خاصة من دول الخليج
تمثل تهديدا لايطاليا ) لا يمثل رأي أغلبية الأوروبيين. وأرد بأنني
لم أسمع رفضا لهذا الكلام من قبل أي من السياسيين الأوروبيين، وإلى
أن يحدث ذلك، فسوف أظل مقتنعا بأن اليمين واليسار في أوروبا ينظران
إلينا كتهديد .نحن في مجلس التعاون الخليجي لن نرد بصورة مشابهة،
فقياداتنا ليست تلك القيادات السياسية التي تسعى وراء مواقف شعبية
سهلة من أجل دعم شعبيتها، أو تستغل مخاوف مواطنيها لإحراز مكاسب
سياسية رخيصة. إن قياداتنا حكيمة وعاقلة، وهي تعرض تأسيس صداقة وتعاون
حقيقي، وليس خصومة وخطابات رنانة. ولن تقول قياداتنا إنها سوف تسعى
إلى الصداقة التي يرحب بها الجانب الآخر فقط. كما أن مجتمع الأعمال
في بلادنا مجتمع حكيم وعاقل. وسوف يتخذ رجال هذا المجتمع مواقف بناء
على ممارسات واعتبارات تجارية منضبطة. وبكل صراحة، فإنه بالنظر إلى
مناخ العمل في الوقت الحالي ، فسوف يتردد الكثيرون في استثمار أموالهم
في أوروبا، لاسيما في ظل المناخ العدائي الذي يروج له برلسكوني والنقابات
العمالية الإيطالية.
الحوار الشامل مع إيران
تعود مبادرة الحوار الشامل مع إيران إلى عام 1998 عندما تبنى الاتحاد
الأوروبي خياراً استراتيجياً بالتواصل معها بدلا من عزلها. الا ان
الطرفين لم يعقدا اية اتفاقيات بينهما. فالحوار ينصب على عقد اجتماعات
سنوية على مستوى وكلاء الوزارات لمناقشة قضايا سياسية واقتصادية.
وفي ديسمبر 2002 ، ربط الاتحاد الأوروبي المفاوضات لعقد اتفاقية
للتجارة والتعاون بالتقدم في مناقشة قضايا سياسية في مجالات رئيسية
أربعة هي حقوق الإنسان وأسلحة الدمار الشامل والإرهاب وعملية السلام
في الشرق الأوسط. وتوقفت مساعي التوصل إلى اتفاقية للتجارة الحرة
بسبب التوترفي العلاقة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية
حول برنامج الاولى النووي. ونظم حوار عن حقوق الإنسان في عام 2002
اتخذ شكل مناقشات غير رسمية مع ممثلي المجتمع المدني الإيراني، تلتها
جلسة مع مسؤولين حكوميين. وأنشئت أيضا لجنة تعنى بقضايا التجارة
والطاقة والمخدرات. ولم يكن الإيرانيون يرغبون في إعطاء تنازلات
بصدد أي من القضايا السياسية الرئيسية الأربع، بل حدث تراجع شديد
في بعض القضايا مثل انتشار أسلحة الدمار الشام.ل وفي الوقت ذاته،
رفض الاتحاد الأوروبي تخفيف شروطه والسير قدما في عقد الإتفاقية
التجارية، مما أوصل المفاوضات الراهنة إلى طريق مسدود. ويعتقد المراقبون
إن الموقف الحازم للاتحاد الأوروبي دليل على رغبته في تنفيذ الشروط
التي طرحها لتعزيز العلاقات بين الجانبين.
اتفاقية التعاون مع اليمن
وقع الاتحاد الأوروبي اتفاقية مع اليمن في عام 1997 لتسهيل التعاون
في مجالات التجارة والتنمية ومختلف القطاعات مثل الإتصالات والبيئة.
وتعقد لجنة للتعاون المشترك اجتماعات سنوية كما أضيف عنصر جديد للحوار
السياسي في صيف عام 2004 لمناقشة المسائل المتعلقة بالإصلاح السياسي.
وركز مسؤولو الاتحاد على تعزيز التعددية والديمقراطية باعتبارهما
من الأولويات للفترة 2005ـ2006. وتضمنت بعض مقترحات المشاريع المحددة
تقديم الدعم للجنة العليا للإنتخابات قبيل الانتخابات التي جرت عام
2006 ، وللمنظمات غير الحكومية المحلية ووسائل الاعلام لتعزيز دور
المجتمع المدني في عملية صنع القرار. وقد قدم الإتحاد مبلغا يتراوح
بين 61 و 70 مليون يورو على شكل مساعدات لليمن خلال الفترة 2002
- 2004 . وفتحت المفوضية بعثة لها في صنعاء في وقت لاحق من العام
2004.
تقييم تأثير عملية برشلونة
تميزت استراتيجية الاتحاد الأوروبي للترويج للديمقراطية بنهج حذر
طويل الأجل للحفاظ على الإستقرار على المدى القصير. وبشكل عام، لم
يقم الاتحاد الاوروبي ( مثل الولايات المتحدة) بترجمة مطالبته بالنهوض
بالديمقراطية وحقوق الإنسان إلى عمل ملموس. وبدلا من المواجهة المباشرة
مع الأنظمة الحاكمة في المنطقة، اعتمدت برامجه لتشجيع الديمقراطية
على الاسلوب غير المباشر، مثل تعزيز الدعم "للقيم الديمقراطية"
والترويج للحوار بين الثقافات. وفضل الاتحاد الأوروبي بصفة عامة
نهجا أنطلق من قمة الهرم السياسي ً، إذ نفذ معظم أنشطته بمجال الإصلاح
الديمقراطي على أساس التعامل بين الحكومات. ويستخدم تمويل "ميدا"
أساساً لبرامج حكومية، بينما يستخدم بند المبادرة الأوروبية للديمقراطية
وحقوق الإنسان في الميزانية لمساندة المنظمات غير الحكومية , ويتضمن
ذلك مبلغا متواضعا بمقدار 1,3 مليون يورو للشرق الأوسط. ولم تُعطى
الإتصالات مع المنظمات غير الحكومية أولوية كبيرة ، بل وُجّه التمويل
فقط إلى الجماعات التي تتبنى نظرة علمانية موالية للغرب، وكذلك للمنظمات
غير السياسية مثل جماعات حماية البيئة.
والواقع أن مسألة الإصلاح السياسي سجلت أقل قدر من النجاح من بين
الجوانب الثلاثة التي تشكل عماد الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية.
حيث تميزت جهود الاصلاح السياسي والمؤسسي بالمحدودية. ففي السنوات
الأولى من الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية ، خُصص حوالي 1 بالمئة
فقط من تمويل "ميدا" للإصلاح السياسي. وكان الإتحاد قد
أنشأ في عام 1996 برنامجا محددا بعنوان "ديمقراطية ميدا "لتمويل
المشاريع الموجهة للنهوض بالديمقراطية ولكن تم حله في عام 2001 وأدمج
في المبادرة الأوروبية للديمقراطية وحقوق الإنسان. وبينما لا يتحمل
الاتحاد الأوروبي مسؤولية كبيرة عن نقص الإصلاح السياسي في منطقة
البحر المتوسط ( إذ تقع المسؤولية الرئيسية على المنطقة ذاتها)،
فإن عوامل عدة حالت دون فاعلية الشراكة الأوروبية-المتوسطية كأداة
للنهوض بالإصلاح. من هذه العوامل خمسة رئيسية هي:
o إن الهدف الأساس لعملية برشلونة لم يكن موجها للنهوض بالإصلاح
السياسي. فإعلان أوروبا عن عملية برشلونة أستهدف أنشاء حزام عازل
لحماية أوروبا من التأثيرات المحتملة لعدم الاستقرار القادم من الشواطئ
الجنوبية للبحر المتوسط. وبهذا الشكل، لم يكن الهدف من إنشاء الشراكة
الأوروبية ـ المتوسطية تشجيع الإصلاح، بل التصدي للتهديد الناتج
عن موجة الهجرة العارمة غير الشرعية. وفي بدايتها، ركزت عملية برشلونة
بالكامل تقريبا على التجارة والمعونة حيث أدركت أوروبا أن الإصرار
على الإصلاحات السياسية سيثير بعض الأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط
، ويُعقّد أهداف أوروبا على المدى القصير في تعزيز إقامة صلات هادئة
مع تلك الحكومات. وهكذا، تدفقت الأموال لشراء الإستقرار بدلا من
وضع الخطط الرامية لإحداث التغيير. وفي حقيقة الأمر ، تجنبت عملية
برشلونة في بدايتها القيام بإجراءات مهمة للإصلاح السياسي خوفا من
عدم الإستقرار الذي يحتمل أن ينتج عنها.
o إن لأعضاء الاتحاد الأوروبي مصالح وأهداف مختلفة في الشرق الأوسط.
فبلدان الجناح الجنوبي أقل رغبة من جيرانها الشماليين في الإخلال
بالتوازن والضغط من أجل الإصلاح، ذلك أن قربها من البحر المتوسط
الجنوبي يزيد من هواجسها بشأن الهجرة غير الشرعية وعدم الاستقرار
ويجعلها أقل قبولا لفكرة فرض الشروط مقابل الشراكة. بالمقابل ، تضغط
بلدان الجناح الشمالي، مثل بريطانيا وألمانيا، حول قضية حقوق الإنسان
في اتفاقيات الشراكة. لذلك، يجد الاتحاد الأوروبي صعوبة في العمل
بشكل منسق تجاه قضية الإصلاح، كما يجد نفسه في أغلب الأحيان أسيرا
للقاسم المشترك الأصغر، وبدلا من إطلاق مبادرات جريئة للتشجيع على
الإصلاح في الشرق الأوسط، تتسم تصرفاته بالحذر المفرط.
o إن أعضاء الاتحاد الأوروبي مترددون للغاية في الاصرار على شروطهم
من أجل الشراكة . فالعوامل التي تحدثنا عنها سابقا جعلت الاتحاد
الأوروبي، و إلى حد كبير، غير راغب في استخدام أدوات الضغط التي
يملكها من أجل دفع خطى الإصلاح بقوة لدى شركائه الأوسطيين. ونادرا
ما يلجأ إلى الحديث عن فقرات حقوق الإنسان المدرجة في اتفاقيات الشراكة،
ولم يحدث إلا في حالة واحدة، وهي حالة تونس، أن خُفّضت معونات "ميدا
" بسبب كما أدعى الاتحاد أن الحكومة التونسية عرقلت عمله مع
مجموعة تونسية عاملة في مجال حقوق الانسان. وبصفة عامة، لم يتحدث
الاتحاد بشكل صريح وواضح عن العلاقة بين التقدم على جبهة الإصلاح
والحصول على التمويل. فبعض الدول حصلت على معونات مادية كبيرة بالرغم
من انتقاد الاتحاد الأوروبي نفسه لسجلات هذه الدول في مجال حقوق
الانسان. وبالرغم من أن معظم أعضاء الاتحاد الأوروبي يتبنون مفهوم
تنفيذ شروط الاتحاد الأوروبي الخاصة بأتفاقيات الشراكة من حيث المبدأ،
فإنهم يترددون في ترجمته إلى واقع عملي. وما زال الاتحاد الأوروبي
عاجزا عن إيجاد توازن عملي بين التواصل والعزل، بشكل يقود إلى نوع
من الإشتراطية الهادفة.
o تعثرت عملية برشلونة بسبب جسامة تأثيرالبيروقراطية على عمل الشراكة
الأوروبية ـ المتوسطية . فعندما تنشأ الحاجة إلى إعادة تعريف السياسات
والبرامج، يصبح إعادة توجيه العملية أمرا بالغ الصعوبة. فصنع القرار
يتسم بالبطء، ويمكن أن يقع رهينة في أيدي دولة عضو واحدة تهدف إلى
حماية أو دفع مصالحها الضيقة. وغالبا ما تؤدي الإجراءات المعقدة
إلى إعاقة تنفيذ برامج "ميدا". ففي السنوات الخمس الأخيرة
من الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية ، لم يصرف سوى 26 بالمئة من المبالغ
المخصصة للمعونات. ويمكن أيضا أن تسوء المشاكل البيروقراطية بسبب
تعارض الولاءات بين المجلس الأوروبي، الذي يمثل مصالح الدول الأعضاء
الفردية، والمفوضية الأوروبية، التي تربط صلاحيتها بمصالح الاتحاد
الأوروبي ككل . فغالبا ما تسعى المفوضية إلى تعزيز بنية الاتحاد
الأوروبي، بينما يمكن للمجلس أن يتعرض لضغط الأعضاء المنفردين الذين
يحرصون بشدة على حفظ امتيازاتهم.
o كان مصير عملية برشلونة في البداية مرتبطا على نحو وثيق بتطور
عملية السلام في الشرق الأوسط وجرت صياغتها في أجواء من التفاؤل
التي أعقبت إبرام اتفاقات أوسلو. لهذا، عندما انهارت عملية أوسلو
تعثرت عملية برشلونة وضعفت قدرتها على تنفيذ مبادرات إقليمية.
ما بعد عملية برشلونة
بعد مرور ما يقارب أكثر من عشر سنوات، لم تسجل عملية برشلونة سوى
نجاحات قليلة في السعي للنهوض بالإصلاح الديمقراطي في الشرق الأوسط
وشمال أفريقيا. ولما كان الإصلاح المستمر مطلوبا من داخل المنطقة،
فقد تجنب صانعو القرار الأوروبيون السياسات التي يمكن أن تفرض على
الأنظمة القائمة ضغطا حقيقيا للإصلاح، واختاروا، على غرار نظرائهم
الأميركيين ، الاستقرار قصير الأجل والإبقاء على الوضع الراهن. وهكذا
كانت النتيجة النهائية الحتمية مجرد تقدم متواضع نحو تأمين احترام
حقوق الإنسان وسيادة القانون. في بعض الحالات، أظهرت الدول تراجعا
ملحوظاً على جبهة الإصلاحات السياسية. لا يجادل الكثير من المراقبين
في أن سجل الترويج للديمقراطية في عملية برشلونة كان، في أفضل الأحوال،
متواضعا. وقد دعت بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ( من الجناح
الشمالي ) بصورة غير علنية إلى إلغاء الشراكة الأوروبية-المتوسطية،
وإلى إعداد إطار جديد تماما للتعامل يشمل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
بالكامل. ولكن الدول الداعمة لعملية برشلونة تشكل كتلة قوية قاومت
بشراسة أي محاولة لإلغائها لأنها تبقى كما قال البعض "بقرة
مقدسة". لهذا، وابتداء من عام 2000 ، تركزت الجهود على"
إعادة تنشيط "عملية برشلونة من خلال تقديم استراتيجية أكثر
قوة وتماسكا للترويج للديمقراطية. وسعى الاستراتيجيون الأوروبيون
إلى ربط السياسة الأوروبية في حوض البحر المتوسط بالشرق الأوسط الكبير
بالإضافة إلى أوروبا الكبرى بعد توسيعها. وقد نشرت المفوضية الأوروبية
سلسلة من الأبحاث خلال السنوات الاولى من الالفية الجديدة تشرح استراتيجيها
العليا بالإضافة إلى سياسات محددة الهدف منها تسهيل الإصلاح وتعزيزه.
وتشكل هذه السياسات حجر الأساس في الاستراتيجية الأوروبية المستقبلية
للديمقراطية في الشرق الأوسط.
سياسة الجوار الأوروبية
أعلن الاتحاد الأوروبي في مارس 2003 سياسة الجوار الأوروبي التي
تقدم إطارا جديدا للعلاقات مع الجيران الجدد إلى الشرق والجنوب بعد
توسع الاتحاد الأوروبي في أول مايو 2004 بقبول عشرة أعضاء جدد. فحدود
أوروبا تصل الآن إلى أوكرانيا ومولدوفيا وبيلاروسيا. ومع إعلان سياسة
الجوار الأوروبية، نجح أعضاء الإتحاد الجنوبيين في ضم دول البحر
المتوسط إلى السياسة الجديدة، أي أن "منطقة الجوار الجديدة
" أصبحت تمتد من مولدوفيا وحتى دول شمال أفريقيا. ولا يمكن
للاتحاد الأوروبي أن يعرض عضويته على بلدان شمال أفريقيا ولكنه يأمل
في تأمين علاقات جوار مستقرة وودية من خلال تقديم حوافز قوية لتنفيذ
الإصلاح. وبدلا من بناء "أوروبا المحصنة"والبعيدة عن الإضطرابات
السياسية والإقتصادية الخارجية ، تهدف هذه السياسة إلى إنشاء "حلقة
من الأصدقاء " حول الاتحاد الأوروبي تتكون من دول تشاركه قيم
الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون. ومن أجل إقامة
"منطقة تتمتع بالرخاء"، يقدم الاتحاد الأوروبي لجيرانه
الجدد فرصة الدخول إلى سوقه الداخلية، وفي النهاية، التمتع بالحريات
الأربع على غرار الدول الاعضاء فيه (حريات حركة السلع والأشخاص والخدمات
ورؤوس الأموال) في مقابل تنفيذ إصلاحات مهمة على الأصعدة السياسية
والاقتصادية والمؤسسية.
وتستند سياسة الجوار الأوروبية على سلسلة من"خطط العمل "
المختلفة التي يتم إعدادها بالتعاون مع الشركاء. وتتضمن المجالات
الرئيسية التي تشملها خطط الحوار السياسي والتنمية الإقتصادية والإجتماعية
والتجارة والعدالة والشؤون الداخلية. و يتم إعداد خطط العمل، التي
يتراوح إطارها الزمني من ثلاث إلى خمس سنوات، بما يناسب كل دولة،
وتحتوي على أهداف ومقاييس متفق عليها بصفة مشتركة، كما أنها توضّح
التدابير التي يتوقعها الاتحاد الأوروبي من شركائه مقابل التمتع
بمنافع الاندماج الكثيرة. ووضع الاتحاد الأوروبي خطط عمل مع البلدان
المشتركة في عملية برشلونة والتي أبرمت مع الإتحاد اتفاقيات شراكة
عاملة. وشملت بلدان عملية برشلونة التي اختيرت للجولة الأولى من
خطط العمل في إطار سياسة الجوار الأوروبية تونس والأردن والمغرب
وإسرائيل والسلطة الفلسطينية.
تهدف سياسة الجوار الأوروبية أساسا إلى تعزيز عملية برشلونة وربما
أن تحل محلها. فهي تعتمد على نظام الحوافز الكبيرة ـ وهي الولوج
إلى سوق أوروبا الداخلية ـ لتشجيع البلدان على القيام بإصلاحات جدية.
وهي تهدف أيضا إلى خدمة غرض استراتيجي ينصب على وضح مبادئ التعامل
مع البحر المتوسط والشرق الأوسط. وبالإضافة إلى استراتيجية الأمن
الأوروبية فإن سياسة الجوار الأوروبية تسعى إلى تأسيس مبادئ مهمة
للتحرك إلى الأمام. وتحدد هذه السياسة بوجه خاص ثلاثة عوامل رئيسية
ـ هي القرب الجغرافي وتحقيق الرخاء ومحاربة الفقر ـ وهي عوامل تميز
علاقات أوروبا مع جيرانها. والواقع أن القرب الجغرافي لجيران أوروبا
الجدد ينطوي على فرص ويثير تحديات. أن المصالح المتبادلة في المنطقة
تتطلب اتباع أساليب مشتركة لمواجهة التهديدات عبر الحدود. وفي الوقت
نفسه، يجب أن يعمل الاتحاد الأوروبي مع شركائه على علاج الأسباب
الجذرية لعدم الإستقرار ـ وهي ضعف الديمقراطية ونقص الفرص الإقتصادية
ـ وكذلك لتحقيق الرخاء.
وقد أعربت بلدان الشطر الجنوبي عن قلقها من أن هذه المبادرة ستقلص
الميزانية المخصصة لعملية برشلونة ، أو أنها ستحل محلها وهذا أسوأ
في نظرها. وهنا، تطرح عدة أسئلة نفسها: كيف ستوزع الأموال بين الجيران
الجدد إلى الشرق والجيران في حوض البحر المتوسط؟ كم سيحوّل من أموال"ميدا
"إلى خطط عمل الجوار الأوروبية؟ هل ستنشأ حاجة إلى أموال إضافية
، وإذا كان الأمر كذلك ، فما هي كمية هذه الأموال؟ بالإضافة إلى
ذلك ، فإن بعض الحوافز التي توفرها سياسة الجوار الأوروبية ليست
حوافز نقدية ، بل تعطي فرصة الدخول إلى سوق أوروبا الداخلية. وسوف
يعترض" اللوبي" الزراعي الأوروبي القوي بشدة على السماح
لدول أخرى بدخول هذه السوق وسيسعى إلى إعاقة الجهود الرامية لتعديل
السياسة الزراعية المشتركة للاتحاد الأوروبي (بإلغاء التعريفات الجمركية)
لتسمح بإمكانية أكبر لدخول السوق.
تنشيط خطط عمل الاتحاد الأوروبي
أصدرت المفوضية الأوروبية في مايو 2003 بيانا مهما بعنوان تنشيط
خطط عمل الاتحاد الأوروبي لحقوق الإنسان والديمقراطية مع الشركاء
في البحر الأبيض المتوسط. وحددت هذه الوثيقة مبادئ أساسية استراتيجية
لتعزيز تنفيذ المادة المتعلقة بحقوق الإنسان في اتفاقيات الإنضمام
إلى الشراكة. وأقرت الوثيقة بالسجل المخيب للآمال لجهود الاتحاد
الأوروبي من أجل النهوض بحقوق الإنسان مع شركائه من دول البحر المتوسط،
وقدمت عشر توصيات لتحسين هذه الجهود. وعلى غرار سياسة الجوار الأوروبية.
تقترح الوثيقة وضع خطط عمل بمجال حقوق الإنسان بالمشاركة مع النظراء
من دول البحر المتوسط. ويتضمن الإقتراح عقد حوار منتظم بين الاتحاد
الأوروبي والدول الشريكة على أساس منفرد حول مسائل حقوق الإنسان،
بالإضافة إلى مشاورات منتظمة مع المنظمات غير الحكومية العاملة في
مجال حقوق الإنسان وزيادة التمويل الممنوح لها. وعلى سبيل التشجيع،
سيتاح تمويل صندوق منفصل (من أموال ميدا ) لتستخدمه البلدان التي
تنجز أهداف خطط العمل في أي قطاع تشاء. ويتم ربط خطط العمل المتعلقة
بحقوق الإنسان بسياسة الجوار الأوروبية، بحيث تصبح جزء من خطط العمل
الأكثر شمولا المعدة في إطار سياسة الجوار الأوروبية.
تشكّل ثلاث وثائق رئيسية مظلة استراتيجية لخطة أوروبا الجديدة لتشجيع
الديمقراطية ـ وهي "استراتيجية الأمن الأوروبي "، و "تعزيز
علاقات الاتحاد الأوروبي مع العالم العربي" و "تقريرأولي
عن الشراكة الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي مع حوض البحر المتوسط
والشرق الأوسط". وبينما تضع سياسة الجوار الأوروبية خيارات
سياسية ملموسة لتنشيط التحرك نحو الإصلاح، فإن استراتيجية الأمن
الأوروبي والوثائق المصاحبة لها تضع هذه الخيارات في إطار استراتيجي
أوسع.
o تحدد الوثيقة المعنونة "استراتيجية الأمن الأوروبي "
خمسة تهديدات رئيسية للأمن الأوروبي: الإرهاب، وانتشار أسلحة الدمار
الشامل، والصراعات الإقليمية، وانهيار الانظمة الحاكمة والجريمة
المنظمة، بما في ذلك الإتجار بالمخدرات وتهريب الأسلحة ، والهجرة
غير الشرعية. ويُنوه التقرير بأن هذه التهديدات تختلف اختلافا كبيرا
عن تهديد الغزو الذي ميّز فترة الحرب الباردة. وبينما يمكن مواجهة
التهديدات التقليدية بوسائل عسكرية، فإن هذه التهديدات الجديدة تتطلب
خليطا من الأدوات السياسية والإقتصادية. ترتكز نقطة انطلاق هذه الاستراتيجية
على توسيع عضوية الاتحاد الأوروبي، وتسعى لإدماج المنطقة الأوسع
المجاورة لأوروبا في شبكة من الدول الديمقراطية. وتعترف الوثيقة
بأهمية سياسات التجارة والتنمية التقليدية كأدوات قوية للنهوض بالإصلاح
ولكنها تنادي أيضا باستعمال الحوافز المشروطة والإجراءات التجارية
الموجهة كوسيلة للنهوض بالديمقراطية. وتقدم الوثيقة مبررا قويا"
للعمل الوقائي " لتلافي نشوب الأزمات مستقبلا. وتتطلب هذه الوسيلة
سياسة أكثر نشاطا وقدرة وتماسكا لتحقيق التجانس بين العديد من السياسات
والأدوات المتوافرة لدى الاتحاد الأوروبي.
o في ديسمبر 2003 ـ وهو نفس الشهر الذي شهد اصدار "استراتيجية
الأمن الأوروبي" ـ أصدر المجلس الأوروبي وثيقة بعنوان"
تعزيز شراكة الاتحاد الأوروبي مع العالم العربي" ، وضعت المبادئ
التي يجب أن تحكم علاقات الاتحاد الأوروبي مع العالم العربي. وتشدد
هذه الوثيقة على أن الهدف الرئيسي يجب أن يكون التشجيع على الإصلاح
السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وفي نفس الوقت، يجب أن تكون جهود
الإصلاح الناجحة نابعة من داخل المنطقة، وأن يتم السعي لإنجاز أهداف
الإصلاح من خلال عملية برشلونة. وسوف تعزز سياسة الجوار الأوروبية
وتعمق العلاقات مع البلدان المشتركة في هذه العملية. وتؤكد الوثيقة
على الحاجة إلى تعميق الحوار السياسي الصريح، والتركيز على قضايا
الإصلاح الملموسة. والمهم أيضا أنها تدعو إلى إشراك نطاق عريض من
القوى والمنظمات السياسية في المنطقة، التي تحبذ النهج المناهض للعنف
والتي توافق على العمل وفقا لقواعد الديمقراطية.
o صدر"التقرير الاولي بشأن شراكة استراتيجية للاتحاد الأوروبي
مع حوض البحر المتوسط والشرق الأوسط " في مارس 2004 ، ويتناول
التطورات الجديدة في استراتيجية الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط.
ويشدد التقرير على الحاجة إلى قيام الاتحاد الأوروبي بالتشاور مع
بلدان الشرق الأوسط ، وغرس مبدأ المنفعة المتبادلة بين شركائه الإقليميين.
ويعدد التقرير التطلعات المشتركة مع الشركاء في المنطقة، بما في
ذلك فائدة التشاور والحاجة إلى حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ويركز
على أهمية تعدد السبل بدلا من اتباع نهج واحد لعلاج كل المشاكل.
كما يوضح مفهوما عريضا للأمن يتناول المشاكل الداخلية مثل زيادة
أعداد الباحثين عن عمل والتخلف ويؤكد مجددا على المكانة المركزية
لعملية برشلونة وسياسة الجوار الأوروبية باعتبارها امتداد لها. ويختتم
التقرير بالتشديد على أحد عشر هدفا رئيسيا تشمل القيام، من خلال
الشراكة، بإنشاء منطقة يسودها السلام والرخاء والتقدم، وحل الصراع
العربي ـ الإسرائيلي، والتواصل المستمر مع المنطقة على المدى البعيد،
والحاجة إلى تعزيز الحوار السياسي، والنهوض باحترام حقوق الإنسان
وسيادة القانون.
حقق الاتحاد الأوروبي تقدما مهما بوضع خطة عمل للنهوض بالإصلاح الديمقراطي
في الشرق الأوسط. وطور مفهومَي الشراكة والحوافز المشروطة من خلال
استعمال خطط العمل المشتركة التي مُنحت وزنا أكبر وذلك تزويدها بحوافز
مغرية متمثلة في السماح بالدخول إلى سوق أوروبا الداخلية. و لكن
هل ستنجح أوروبا ؟ خاصة بعد فشل سياسة الشرق الاوسط الكبير الاميركية
وتحول الشرق الاوسط الى ساحة كبيرة لذبح الشعوب باسم الديمقراطية
والاصلاح. فما زال هناك العديد من العراقيل التي يمكن أن تعترض التنفيذ
الفعال لهذه السياسة. أولاً، هنالك تناقض صريح بين المبادىء التي
تضع شروطا قوية أمام التمتع بالامتيازات التي يعرضعها الاتحاد الاوروبي
وبين التطبيق حيث ترى معظم دول الاتحاد الإبقاء على الوضع الراهن
بأي ثمن. ثانياً، لم تبد الحكومات في المنطقة رغبتها في تطبيق إصلاح
حقيقي ـ مع أن الاستراتيجية الأوروبية بشكلها الحالي تعتمد اعتمادا
كبيرا على تعاون الحكومات. ثالثاً، هناك خطر من أن تغرق الجهود الأوروبية
لتشجيع الديمقراطية في بحر من البيروقراطية، لأن حالات التكرارية
والازدواجية أصبحت واضحة ضمن عملية برشلونة وسياسة الجوار الأوروبية،
ويمكن للناشطين في المنطقة أن يجدوا أنفسهم محاصرين بمجلدات من التقارير
واللوائح والإجراءات، وبذلك تضيع فكرة النهوض بالإصلاح.
وعند الحديث عن جهود التنسيق مع الولايات المتحدة فان للتعاون المستمر
بين شطري الأطلسي أن يسهم كثيرا في الجهود الرامية للنهوض بالإصلاح
الديمقراطي في الشرق الأوسط. ففي أعقاب الحادي عشر من سبتمبر وهجمات
مدريد في 11 مارسر 2004 ، أعتبرت الولايات المتحدة وأوروبا غياب
الحريات السياسية والإقتصادية في الشرق الأوسط سببا رئيسيا لعدم
الاستقرار وتهديد الأمن الدولي. ولذلك يعتبر
النهوض بالإصلاح الديمقراطي في الشرق الأوسط أولوية استراتيجية رئيسية
للولايات المتحدة وأوروبا على السواء. تلتقي الآراء الأميركية والأوروبية
أيضا حول عناصر رئيسية تحدد مسار الشرق الأوسط نحو الإصلاح الديمقراطي
، إذ يوجد اتفاق عام حول ضرورة أن ينبع الإصلاح من المنطقة ، بدلا
من أن يُفرض من الخارج. وعمدت الولايات المتحدة وأوروبا الى نهج
التعامل مع كل دولة على حدة بديلا عن التعامل مع المنطقة برمتها.
ومما هو أكثر أهمية هو أن الولايات المتحدة وأوروبا يلتقيان على
ما يبدو حول الحاجة إلى اتباع نوع من الإشتراطية ـ أي ضرورة التشديد
على الصلة بين تطبيق مبادرات الإصلاح و الحوافز. ولم يقطع أي من
الجانبين شوطا بعيدا في هذا الطريق، بل يخضع كل منهما لأنواع متعددة
من الضغوط الداخلية. الا ان الموقفين الاوروبي والاميركي يتعارضان
في أمورعديدة. فقد حظيت الخلافات بين شطري الأطلسي بشأن الشرق الأوسط
اهتماما أكبر في وسائل الإعلام وبين مؤسسات البحوث. يحتفظ الاتحاد
الأوروبي، من الوجهة الجغرافية، بميزة نسبية على الولايات المتحدة
في المغرب والمشرق العربيين. فبفضل ارتباطه بالمنطقة على مدى عشر
سنوات من عملية برشلونة، وصلاته التاريخية الواسعة، وقرب موقعه الجغرافي
، استطاع الاتحاد الأوروبي أن ينشئ علاقات قوية ومتشعبة مع البلدان
العربية المتوسطية. من ناحية أخرى ، كان ارتباط الولايات المتحدة
أكثر نشاطا مع بلدان الخليج ، وخصوصا اليمن ودول مجلس التعاون الخليجي.
أما من ناحية المشاريع فقد ركز الاتحاد الأوروبي جهوده إلى حد كبير
على حقوق الإنسان، وتمكين المرأة، والإصلاح القضائي وحرية الصحافة.
والواقع أن تركيز الإتحاد على حقوق الإنسان، وخصوصا على دعم صلاته
بالمنظمات غير الحكومية العاملة بمجال حقوق الإنسان، يعطيه ميزة
واضحة في هذا الشأن. كما كرس الإتحاد جهوده على الحوار بين الثقافات
، الذي يحظى باهتمام أكبر في المؤسسة الأوروبية ـ المتوسطية الحديثة
المنشأ ـ فلهذه المؤسسة امكانيات لتعزيز الصلات مع منظمات المجتمع
المدني المتعددة في المنطقة. ويعتقد بعض المحللين السياسيين الى
أن الجهود الاميركية أنصبت على تعزيز العملية الديمقراطية وبناء
المؤسسات ، وخصوصا نحو التدريب البرلماني والإصلاح القضائي. وبتركيزهاعلى
المساعدة والرقابة على الانتخابات وتطوير الأحزاب السياسية. أما
الاتحاد الأوروبي، فقد تحاشى القيام بمثل هذا النشاط ، متنازلا للولايات
المتحدة عن ميزة نسبية في هذا المجال. وبشكل عام كانت الخلافات بين
الجانبين اكبر، معظمها نابع من أختلافات في النهج واللغة، فالأوروبيون
يتبعون موقفاً واقعياً في مسألة العزل أو التواصل، كما فعلوا من
ناحية الحوار الشامل مع إيران والمصالحة السريعة مع ليبيا. من ناحية
أخرى، تنحو الولايات المتحدة إلى سياسة عزل لما تسمّيه هي "الأنظمة
المارقة أو الشريرة " وترفض أسلوب "القوة الللينة "
( العلاقات التجارية والثقافية) وتعتمد على منهج أكثر عدوانية يستخدم
سياسات إكراهية مثل التهديد بالعقوبات، وأحيانا العمل العسكري. مثلا
العقوبات التي فرضت على سوريا وايران أو أجتياح العراق. أن مثل هذه
الخلافات بين شطري الأطلسي حول قضية العزل مقابل التواصل يمكن أن
تقوض بشكل خطير الجهود المشتركة من أجل الإصلاح في المنطقة. وثمة
اختلاف رئيسي آخر يتعلق بمسألة التغيير الإجباري لأنظمة الحكم القائمة.
فالولايات المتحدة ترى أن الخيار الوحيد للتعامل مع بعض الأنظمة
المتشددة مثل نظام صدام حسين هو إزالتها. وعقب غزو العراق مباشرة
، حذر بعض المسؤولين الأميركيين من احتمال أن تلقي سوريا مصيرا مماثلا.
ولكن، على عكس ذلك، يحبذ معظم الأوروبيين نهجا تدريجيا طويل الأجل
للإصلاح ، وينظرون إلى الإصلاح السياسي في الشرق الأوسط باعتباره
تحديا يمتد على مدى جيل كامل ويتطلب الصبر والحاجة إلى العمل مع
أنظمة مترسّخة. وقد أبدى العديد من الأوروبيين مخاوفهم من أن حبال
الصبر لدى الولايات المتحدة أقصر بكثير وأنها ليست على استعداد للالتزام
بمساع تمتد عدة عقود. وتُظهر شدة الإختلافات حول العراق بين الأميركيين
والأوروبيين الضرر الذي يمكن أن يلحق بالعلاقات عبر الأطلسي بسبب
قضية تغيير الأنظمة الحاكمة. إن واضعي السياسة الأميركيين يميلون
إلى البحث عن أشخاص يستطيعون أن يكونوا " أبطالاً" للإصلاح
ويسعون إلى إيجاد غورباتشوف عربي لقيادة الإصلاح الإقليمي. أما الأوروبيون
فهم لا يحبذون البحث عن مصلحين فرديين ودعمهم مخافة أن يؤدي ذلك
إلى تسييس المعونة.
إن حجم التحديات يبرز الحاجة إلى التعاون بين شطري الأطلسي. والواقع
أن ترجمة الإتفاق العام على ضرورة الإصلاح في الشرق الاوسط إلى عمل
ملموس ستعود بالنفع الكبير على الجميع. فإذا كان على الأميركيين
والأوروبيين أن يتعاونوا بصورة فعالة لتحريك المنطقة إلى الأمام
على مسار الإصلاح الديمقراطي، فإن عليهما إيجاد الآليات التي تحشد
أوجه التقارب الحالية، مع تخفيف التوترات في آن واحد. أما إذا ظلت
الخلافات عبر الأطلسي مشتعلة، فإنها ستقلل كثيرا من فرص النجاح.
لقد كرر الشركاء الأعضاء في مجموعة الدول الثماني، في قمة يونيو
2004، التزامهم بالتوسع في مبادرات النهوض بالديمقراطية في ظل شراكة
مع المنطقة. وكان أهم جانب من مجموعة التدابير في قمة الثماني تركيزها
على التشاور مع دول المنطقة وفيما بين الحلفاء الغربيين. فقد تبنى
الشركاء الثمانية خطة لدعم الإصلاح تتضمن مبادرات بشأن بناء الديمقراطية،
ومحو الأمية، وتمويل المشاريع المحدودة. وأجتمع في المغرب "منتدى
المستقبل " خلال شهر ديسمبر 2004 ، وكان له دور مركزي في نجاح
خطة مجموعة الثماني ، إذ أنه جمع وزراء من بلدان مجموعة الثماني
ومن المنطقة لمناقشة الإصلاح. وفي نفس الوقت ،عقدت مناقشات موازية
بين كبار رجال الأعمال وقادة المجتمع المدني. وكانت مجموعة الثماني
قد تعهدت في يونيو ان بإنشاء حوار مساعدة الديمقراطية ، مع الشركاء
الإقليميين الراغبين، وسيضم هذا الحوار الحكومات ومنظمات المجتمع
المدني وغيرها لتنسيق الأنشطة وتبادل المعلومات عن الأنشطة الخاصة
ببناء الديمقراطية. غير أنه لا توجد تأكيدات قوية بوجود تعاون أوثق
بين الحلفاء. ومع التراجع الكبير لمكانة الولايات المتحدة في الشرق
الأوسط، يتردد الأوروبيون في الإرتباط على نحو وثيق بالولايات المتحدة
في المنطقة. فالأوروبيون يخشون فقدان مكانتهم بسبب التدهور الحاصل
في مصداقية أميركا، وهذا يقلل بشكل كبير من احتمالات العمل المشترك
بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في المنطقة. كما أنه من
غير المرجح أن يعطي الاتحاد الأوروبي للولايات المتحدة دورا في أي
من مؤسساته المرتبطة بعملية برشلونة، مفضلا بدلا من ذلك صيغة التخطيط
"بشكل تكاملي و مستقل ."
وأخيراً، يجب أن ينبع الإصلاح الديمقراطي المستمر
في الشرق الأوسط من داخل المنطقة نفسها. غير أنه بمقدور الولايات
المتحدة والاتحاد الأوروبي، من خلال المزيد من الحوار والتشاور،
أن يلعبا دورا مؤثرا. فبينما تهدد الاختلافات في النظرة والنهج لدول
عبر الأطلسي بتقويض الجهود الرامية إلى زيادة التعاون ، تتوفر أسس
قوية للعمل المشترك. فالمصالح الاستراتيجية المشتركة وتكامل قوة
التأثير التي يتمتع بها الطرفان في المنطقة يمكن أن تؤدي إلى تعاون
أفضل عبر الأطلسي في مسألة الترويج للديمقراطية. وبالرغم من أن التعاون
المباشر في المنطقة ما زال احتمالا بعيدا، فإن التشاور المكثف، من
خلال سبل متنوعة، من شأنه أن يسهم إسهاما كبيرا في الترويج للديمقراطية
في الشرق الأوسط.
* باحث ومترجم عراقي
أعلى
|
|
|
الصفحة
الرئيسية |
المحليات |
السياسة
| اراء
الاقتصاد |
الرياضة
|
ثقافة وفنون
| الصفحة
الدينية | كاريكاتير
|