|
فتاوى لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة
*بعض الناس يتصيدون الرخص ولربما أيضاً نيتهم
أخرى فيسألون عالماً من العلماء مسألة من المسائل ويعملون بها حيناً
من الزمن ثم يسألون عنها عالماً فيتركون ذلك الحكم ليأخذوا بالحكم
الجديد فهل يصح لهم ذلك؟
**ما هو الداعي لتكرار السؤال؟ وما هو الباعث
على ذلك؟ هل هذا كله من أجل محاولة التماس الرخص؟ ومحاولة الخروج من
الدليل الشرعي أي الانفكاك من الدليل الشرعي؟ أو المحاولة هي محاولة
استفادة علم ومعرفة، أما إذا كان ذلك العالم أفتى برأي واحد وفي المسألة
آراء متعددة وهم يريدون الاستفادة من الآراء المتعددة، أو لأنه وقع
في نفوسهم أنه ربما كان ذلك العالم عندما أفتى وهو غير حاضر الذهن
فأرادوا التأكد من كونه حاضر الذهن إلى غير ذلك من الأسباب التي هي
تعد مشجعة على هذا التصرف أما إذا كان المقصود من هذا أن يتصيدوا الرخص
أو المقصود بهذا أن يوقعوا بين أهل العلم شيئاً من الاختلاف وشيئاً
من الشقاق فذلك أمر غير جائز وعليهم أن يكفوا عنه والله تعالى يعلم
سرائرهم .
*يحدث خلافاً بين العلماء ونحن لا نسميه خلافاً وإنما نسميه تعدد آراء
لكن بعض الذين يأخذون برأي عالم من العلماء عندما يرون الآخرين قد
أخذوا برأي عالم آخر يقرعونهم ويدعون أنهم هم الأفضل وعلى ذلك أن يترك
الرأي الذي أخذه، ما هي نصيحتكم لهؤلاء؟
**إن كان الطرف الثاني عول على رأي عالم بلغ رتبة من العلم تمكنه من
النظر في الأدلة الشرعية وإعطاء الحكم الشرعي بناء على نظره فليس لهم
أن يقرعوه، وليس لهم أن يوبخوه، وليس لهم أن ينالوا منه قط، وإن كان
إنما حاول أن يخالف ذلك العالم لهوى في نفسه ورغبة في المخالفة لا
غير ذلك هذه مسألة أخرى والله يعلم السرائر.
والمسائل الفرعية يسع فيها الاختلاف، ولا يجوز فيها قطع العذر، ومن
قطع عذر أحد فيها قُطع عذره لأنها مسائل فرعية، وكل واحد من العلماء
يقول: قولي صواب يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب، هذا هو قول
كثير من العلماء حسبما قرأنا عنهم .
*الذي يتردد أن الاختلاف بين العلماء رحمة، هل هذا الاختلاف في المسائل
الفقهية أم أيضاً يشمل المسائل العقائدية؟
**الاختلاف في المسائل الفقهية هو اختلاف رحمة
ولئن كانت المسائل العقدية لا تصل إلى القطع بحيث لم يكن هنالك دليل
قطعي لقول أحد من الناس وإنما كان يترجح رأي من الآراء عند أحد بسبب
ما يراه من القرائن التي تؤيد رأيه فالقضية أيضاً لا تتعدى أن تكون
قضية رأي ويجوز فيها الاختلاف .
أما إن كان الأمر بخلاف ذلك بحيث يرد أحد دليلاً
قطعياً ثابتاً في كتاب الله تعالى أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم
المتواترة وكانت دلالته نصية ولم تكن دلالته ظاهرة فحسب فإن هذا هو
الذي يرد، والذي لا يجوز الاختلاف معه، ويكون الاختلاف معه نقمة بدلاً
من أن يكون رحمة. وأيضاً حتى في المسائل الفقهية لو رد أحد من الناس
حكماً فقهياً منصوصاً عليه في كتاب الله تعالى أو في السنة المتواترة
عن النبي صلى الله عليه فإنه لا يعتبر ذلك الاختلاف رحمة. الاختلاف
الذي هو رحمة إنما هو الاختلاف في فهم الأدلة إذا كانت هذه الأدلة
ليست نصية، ويكون الاختلاف في أيضاً رحمة في ترجيح دليل على دليل إذا
كانت هذه الأدلة في نفسها ظنية بحيث كانت ظنية المتن وذلك كالأحاديث
الآحادية، والله تعالى أعلم .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
فلسفة النظرية التربوية من منظور إسلامي 1ـ2
ـ عدم استخدام العقل يؤدي إلى إنزال الإنسان إلى مرتبة الحيوان
ـ الإنسان الفاضل في الإسلام هو الإنسان العالم
ـ لا قيمة للعلم إلا إذا خرج إلى حيز التطبيق
إعداد: حبيب بن مرهون الهادي
الاسلام منهج رباني رسمه الله الخالق لتسير عليه البشرية جميعا نحو
طريق السعادة في الدارين، وهو أصل وركيزة وأساس تتفرع منه جوانب فرعية
اخرى، فمكونات النظرية التربوية الاسلامية تشتق من الاسلام وتمثل الجانب
التطبيقي الاسلام (نظام شامل للحياة). في الحياة الاجتماعية الاقتصادية
والسياسية وكذلك التربوية...
مفهوم النظرية التربوية في الإسلام
مجموعة المبادئ التي ترشد الممارسات التربوية
وتوجهها والتي يزودنا بها القرآن الكريم والسنة النبوية.
مضمون يشمل فلسفة التربية الاسلامية وأهدافها، ووجود الانسان وصلته
بالخالق والكون والحياة، كما يشمل مبادئ التربية الاسلامية وأساليبها
ووسائلها.
مصادر النظرية التربوية في الإسلام
أولا: مصادر أصلية ثابتة:
1ـ القرآن الكريم
2ـ السنة النبوية
ثانيا: مصادر ثانوية
1ـ تاريخ التربية الاسلامية
2ـ آراء المفكرين والمربين المسلمين
3ـ معطيات البحوث والدراسات العلمية التربوية المعاصرة
الأسس والمبادئ التي تقوم عليها النظرية التربوية في الاسلام
1ـ الشمول والتكامل.
(الفرد والمجتمع، الجسم والعقل والروح، الصغير والكبير، الرجل والمرأة،
العلوم الطبيعية والدينية).
2ـ التوازن (الدنيا والآخرة، الفرد والمجتمع).
3ـ احترام العقل والعلم.
4ـ الاهتمام بالسلوك والعمل.
5- الاهتمام بغرائز الانسان ودوافعه
6ـ تربية الضمير الانساني
7ـ الخير والعدل .
8ـ المحافظة والتجديد
9ـ الانسانية والعالمية
10ـ الاستمرارية
أولا: الطبيعة البشرية في الإسلام
هي صورة متكاملة لكافة الجوانب في الطبيعة البشرية من حيث الجوانب
التالية:
ـ الروح: علمها عند الله وهي سر الوجود المطلق ولا قدرة للعقل الانساني
المحدود الاحاطة به (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي...).
ـ العقل: وظيفة يستخدمها الانسان للوصول الى الحقيقة.
1ـ يقود الفرد الى الايمان بالله
2ـ عدم استخدام العقل يؤدي الى انزال الانسان الى مرتبة الحيوان. يقول
الله تعالى: ان شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعلمون)
3ـ النفس: تشمل الارادة والغريزة، وتلهم الانسان التقوى والفجور
(وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هي المأوى)
4ـ الجسم: قوته من اسباب سيادة الانسان وقدرته على أداء الوظائف المختلفة،
فالإسلام ينهي عن اهمال الجسم والحاق الاذى به حيث نهى عن صيام الدهر
وأوصى بأن لبدن الفرد عليه حق الراحة والتغذية والرياضة (ان الله اصطفاه
عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم)
ثانيا: ماهية الخير والشر في الاسلام موجودتان لدى الانسان ولكنه ينزع
بفطرته الى الخير اكثر من الشر، ومن هنا اعتنت النظرية التربوية في
الاسلام بالبيئة الطيبة والتربية الصالحة. يقول تعالى (ونفس وما سواها،
فألهمها فجورها وتقواها، قد افلح من زكاها، وقد خاب من دساها). ويقول
الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه
أو ينصرانه أو يمجسانه).
ثالثا: حرية الارادة في الاسلام
لا حرية مطلقة في الاسلام فهناك عدة عوامل تحد الحرية وتأطرها وهي:
1ـ العوامل الداخلية: تتعلق بالإنسان نفسه من حيث تركيبه الجسمي والعقلي
والنفسي.
2ـ العوامل الخارجية: تتمثل في البيئة المادية والاجتماعية
خصائص النظرية التربوية في الإسلام
1ـ إيمانية:
2ـ ثابتة الاصول، مرنة الفروع: الاصول (القدرة على التعلم) الفروع
(التطبيقات الميدانية، الوسائل والأساليب)
3ـ شاملة ومتوازنة
4ـ إنسانية التوجه عالمية الاهداف
5ـ واقعية مثالية
6ـ ايجابية
7ـ استمرارية لطلب العلم والمعرفة
8ـ منفتحة
9ـ متكاملة
10ـ اخلاقية
11ـ وسطية
12ـ تراعي الفروق الفردية
13ـ التدرج في التربية
14ـ التثبت من العلم
القواعد الأساسية في بناء النظرية المنهجية في الإسلام
1ـ عدم التبكير لبدأ التعليم:
(لاعبوا أولادكم سبعا، وعلموهم سبعا، وآخوهم سبعا)
2ـ عدم تحديد المدة التي يمكثها المتعلم لمقرر معين:
(المدرسة غير المتدرجة)
3ـ عدم خلط علمين معا
4ـ الاهتمام بالضروري من العلوم
5ـ تنوع طرق وأساليب التدريس
6ـ ارشاد المتعلم للعلوم المناسبة لاستعداداته وميوله
7ـ الاعتماد على الخبرة والتجربة في التعليم
8ـ الحرية والعدالة في التعليم: تكافؤ الفرص للجميع الذكور والإناث
وكافة افراد المجتمع مثال (طلب احد خلفاء بني العباس من الامام مالك
ان يعلم ابناءه في القصر فرفض إلا ان يأتي مع عامة الطلبة في حلقة
المسجد)
9ـ اعداد الفرد للحياة في المجتمع الاسلامي:
الأسس الفلسفية للنظرية التربوية في الإسلام
أولا: طبيعة الفرد المسلم: (يتكون من جسد وروح
وعقل)
لقد وازن الاسلام بين هذه العناصر فلا افراط ولا تفريط.
العقل: اعطى الاسلام العقل مكانته المرموقة فكل له حرية التفكير والاجتهاد
ودعاه الى التدبر في هذا الكون (قل سيروا في الارض فانظروا كيف كان
عاقبة المكذبين)، (ان في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار
لآيات لأولى الالباب).
الروح: التعلق بالجانب المعنوي في الحياة والاتصال
بخالق الروح وبارئها (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين).
الجسد: التعلق بالجانب المادي في الحياة والاتصال بالعالم المحسوس
فالجسد يرجع أصله الى مادة الطين (ولقد خلقنا الانسان من سلالة من
طين) (ان لجسدك عليك حقا) فالجسد محترم ومقدس ويحرم المس والأضرار
به وهو غير مملوك للإنسان نفسه بل هو ملك لله عكس النظرية الغربية
التي تعطيه حرية مطلقة.
ثانيا: طبيعة المجتمع المسلم
يتميز المجتمع المسلم بمجموعة من الاسس والخصائص التي تجعله متكافلا
ومتعاونا ويوجد بين افراده احترام متبادل واهم تلك الخصائص ما يلي:
1ـ العدل: فالعدالة مفعلة في مختلف الجوانب الحياتية من خلال جوانبها
السياسية والاقتصادية والأسرية فلا طبقية في الاسلام ومبدأ العدالة
ليس من نتاج الثورة الفرنسية كما يردده الكثير بل الاسلام سابق في
هذا المجال فكفل لكل فرد حقه.
ثالثا: طبيعة المعرفة في الإسلام
الخبرة أهم وسيلة للتعليم والتعلم (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا
تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون).
فكلمة علم أكثر ورودا بالقرآن الكريم والسنة النبوية من كلمة المعرفة.
فالإنسان الفاضل في الاسلام هو الانسان العالم (يرفع الله الذين ءامنوا
منكم والذين أوتوا العلم درجات).
فالعلم لا يطلب لذاته بل قيمة العلم الحقيقية وهدفه الرئيس هو النفع،
ولا قيمة للعلم إلا اذا خرج الى حيز التطبيق.
والعلم في الاسلام منه ما هو في طاقة البشر، ومنه ما هو من عند الله
أي ان للعلم مصدرين هما:
1ـ المصدر الالهي: ومصدرها القرآن والسنة (أنزل عليك الكتاب والحكمة
وعلمك ما لم تكن تعلم).
وهذا المصدر عبارة عن الهام من الله سبحانه وتعالى يقذفه في قلوب عباده
المقربين.
2ـ المصدر البشري: ومصدرها العقل ـ الحواس ـ النقل عن السلف
والمحاكاة والتقليد.
وقد جاءت السنة حاثة على طلب العلم (من سلك طريقا يلتمس به علما سهل
الله له به طريقا الى الجنة وان الملائكة لتضع اجنحتها لطالب العلم
رضا لما يطلب وان العالم ليستغفر له من في السماوات والأرض وحتى الحيتان
في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر
الكواكب وان العلماء ورثة الانبياء وان الانبياء عليهم السلام لم يورثوا
دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن اخذه اخذ بحظ وافر).
ولنا بقية...
أعلى
حلم النبي
الحلقة الأولى
إعداد: مصطفى بن ناصر الناعبي
الحلم لغة واصطلاحا
الحلم في اللغة: الحلم بالكسر: الأناة والعقل وجمعه أحلام وحلوم وفي
التنزيل العزيز: "أم تأمرهم أحلامهم بهذا"
أما التعريف الاصطلاحي للحلم فليس هناك تعريف محدد، وإنما اختلفت التعبيرات
من خلال ما أطلعت عليه من كتب في هذا المجال:
فيعرفه الأستاذ الدكتور الزحيلي في كتابه شمائل المصطفى: "انه
صفة وقار وثبات واستقرار عند وجود الأسباب المحركة للغضب.
وجاء في مصدر آخر: الحلم هو ضبط النفس، وكظم الغيظ، والبعد عن الغضب،
ومقابلة السيئة بالحسنة. وهو لا يعني أن يرضي الإنسان بالذل أو يقبل
الهوان، وإنما هو الترفع عن شتم الناس، وتنزيه النفس عن سبهم وعيبهم.
وجاء في كتاب "وإنك على خلق عظيم": تعريف للحلم وهو: ضبط
النفس والطبع عند هيجان الغضب.
يقال حلم فلان عن فلان إذا لم يقابله عن إساءته ولم يجازه عليها.
ويمكننا أن نستشف من هذه التعاريف التي أثبتها وغيرها الآتي:
أولا: الحلم ضد الغضب، فالغضب هيجان النفس، والحلم ضبظ النفس عند حصول
موجب الغضب.
ثانيا: الحلم يختلف عن كظم الغيظ، وسنورد هذا لاحقا.
ثالثا: ليس معنى الحلم هو الذل والاستكانة، بل ترفع عن دنايا الأمور
وسفاسفها.
رابعا: من معاني الحلم تحمل الأذى ومقابلة السيئة بالحسنة.
ـ هل الحلم سجية وطبعا أم أنه بالتعلم والتجربة؟
كما هو معلوم ان الإنسان عندما يولد إنما يولد لا يعرف من هذه الدنيا
شيئا، وبالتالي يتكفل من يربيه بتربيته على الأخلاق الفاضلة، والقيم
الأنسانية العليا، لكن أحيانا نجد الإنسان بفطرته يتخلق بأخلاق حسنة،
ومن هنا جاء سؤالنا الذي طرحناه آنفا، وإجابة على هذا السؤال نورد
كلام ابن حبان إذ يقول: "الحلم منه ما يكون سجية وطبعا، ومنه
ما يكون تجربة وتكلفا، ومنه ما يكون مركبا منهما معا"
فستنتج أن الحلم يكون على ثلاث مراتب:
ـ أولا: ما كان خلقا أصيلا متأصلا في الإنسان، وبالتالي يكون سجية
وطبعا.
ثانيا: ما كان بالتكلف والممارسة وتدريب النفس، وهذا النوع هو ما يسميه
الإمام القطب "التحلم" إذ يقول ـ رحمه الله ـ: "كظم
الغيظ عبارة عن التحلم: وهو تكلف الحلم بالمجاهدة حتى يكون له ذلك
عادة".
ـ ثالثا: ما كان خليطا منهما معا، وهو أن الإنسان عنده خلق الحلم لكنه
يغلب عليه الغضب أحيانا، والحلم أحيانا أخرى، فإنه بالتعلم وإرغام
النفس، مع سجيته المتأصلة فيه، فإنه يصل إلى الحلم المحمود.
أما حلم الأنبياء ـ عليهم السلام ـ فإنه من النوع الأول، إذ أن الله
تعالى جعلهم أكمل الناس خَلْقَا وخُلُقا، وأكملهم في ذلك هو صفوة الخلق،
وخاتم المرسلين من رب العالمين محمد بن عبدالله إذ أثنى عليه الله
بقوله: "وإنك لعلى خلق عظيم".
الحلم عند العرب قبل الإسلام
مما هو معلوم لدى الجميع أن العرب قبل الإسلام كانت تتحلى بالكثير
من مكارم الأخلاق، ومنهم من أشتهر بصفة من صفاتها، فمنهم من اشتهر
بالكرم، ومنهم من اشتهر بالشجاعة والإقدام، وغيرها من مكارم الأخلاق
التي جاء الإسلام ليرقى بها، ومن هذه الأخلاق الحلم، يقول كعب بن زهير:
إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا**أصبت حليما أو أصابك جاهل.
فتصبح إما نال عرضك جاهل **سفيه وإما نلت مالا تحاول.
والعربي بطبعه يعد الحلم من مكارم الأخلاق التي تسمو بصاحبها، وتسير
بخبره الركبان، فهذا النابغة الذبياني ينشد:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له**بوادر تحمى صفوه أن يكدرا.
ولا خير في جهل إذا لم يكن له**حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا.
ولا أريد أن أستقصي من مواقف العرب قبل الإسلام ما يدل على هذا، فليس
هذا موضوع كلامنا في هذه الوريقات، وأكتفي بالإشارة ففيها الكفاية
والغني بإذن المولى تبارك وتعالى. ومن أراد الاستزادة في هذا الموضوع
فعليه بالمصادر التي تتحدث عن أخلاق العرب في جاهليتهم.
أسباب الحلم
وأثناء اطلاعي لكتابة هذه الوريقات، وجدت ذكرا لأسباب الحلم فأحببت
أن أوردها تتمة للفائدة، وأنقلها من كتاب قناطر الخيرات للإمام الجيطالي،
وأكتفي فيها بالأسباب دون تفصيل، وإليكموها:
ـ الأول: الرحمة للجاهل
ـ الثاني: القدرة على الانتصار
ـ الثالث: الترفع عن السباب
ـ الرابع: الاستهانة بالسباب
ـ الخامس: الاستحياء من جزاء الجواب
ـ السادس: التفضل على السبَّاب
ـ السابع: استكفاف الساب وقطع السبَّاب
ـ الثامن: الخوف من العقوبة على الجواب
التاسع: الرعاية ليد سالفة وحرمة لازمة
العاشر: المكر وتوقع الفرص الخفية
ولنا تواصل مع هذا الموضوع بأذن الله تعالى...
أعلى
النيرات المنيرات
درة وأم رافع وربيحة ورضوى ورقيقة
درة بنت أبي لهب
هي درة بنت أبي لهب بن عبدالمطلب بن هاشم ابنة عم رسول الله ـ صلى
الله عليه وسلم ـ وأمها: أم جميل بنت حرب بن أمية بن عبد شمس.
تزوجت درة من الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي فأنجبت له:
الوليد وأبا الحسن ومسلما, ثم ما لبث الحارث أن قتل يوم بدر كافرا
فتزوجها دحية بن خليفة الكلبي, ويذكر ابن حزم في جمهرة أنساب العرب
أن درة بنت أبي لهب قد تزوجها صفوان بن أسد بن الحلاحل بن أسيد بن
عمرو بن تيم فأنجبت له : عوف والقعقاع. وقد كانت درة بنت أبي لهب من
المؤمنات المهاجرات حيث قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرة
الى المدينة فنزلت في دار رافع بن المعلى فقال لها نسوة من بني زريق(أنت
ابنة أبي لهب الذي يقول الله له: ((تبت يدا أبي لهب)) فما تغني عنك
هجرتك؟ فقدمت على النبي صلى الله عليه وسلم تذكر له ما حدث فقال: (اجلسي)
ثم قام فصلى بالناس الظهر وجلس على المنبر ساعة ثم قال: (أيها الناس
ما لي أؤذى في أهلي؟ فوالله إن شفاعتي لتنال بقرابتي يوم القيامة)الحديث.
وقد روي بطريق آخر بقوله: (ما بال أقوام يؤذونني في نسبي وذوي رحمي؟
ألا ومن آذى نسبي وذوي رحمي فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله).
هذا وقد روت درة الحديث الثاني عن النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس
خير؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (أتقاهم لله وآمرهم بالمعروف وأنهاهم
عن المنكر وأوصلهم لرحمه). وحديث (لا يؤذى حي بميت).
أم رافع بنت عامر
هي أم رافع بنت عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس
وهي زوج : عبدالله بن أسود بن عوف.
وقد ذكرها ابن حجر ووضعها في القسم الأول وقال: (ذكرها الزبير) وعمة
أم رافع هي: أروى(أم عثمان بن عفان).
وأخوها هو: عبدالله بن عامر بن كريز استعمله عثمان على البصرة.
ربيحة
هي ربيحة مولاة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذكرها ابن حجر وأشار
الى ذكر ابن سعد لها.
رضوى
وهي أيضاً مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وقد تقدم ذكرها عند
ذكر خضرة (خادم النبي صلى الله عليه وسلم).
وقد ذكر ابن كثير أن لها حديثا مع النبي صلى الله عليه وسلم عندما
سألته عن الحائض هل تختضب؟ فقال: (ما بذلك بأس).
وقد روي الحديث عند ابن الأثير.
رقيقة
رقيقة بنت أبي صيفى بن هاشم بن عبد مناف بن قصي وهي ابنة عم العباس
وإخوته من بني عبد المطلب.، وأمهاهي: هالة (ويقال) تماضر بنت كلدة
بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي ، وكانت متزوجة من : نوفل بن أهيب
بن عبد مناف بن قصي بن زهرة بن كلاب,فأنجبت له: مخرمة وصفوان وأمية
وقيل آسية.
وقد روت (رقيقة) حديثا عن عبد المطلب بن هاشم حين سقى قريش ومعه رسول
الله صلى الله عليه وسلم غلام يافع,كما روت شعرا في هذا الموقف أوله:
بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا*وقد فقدنا الحيا واجلوذ المطر
وقد أدركت رقيقة دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الاسلام فأسلمت
وهاجرت وكانت من أشد الناس على ولدها (مخرمة بن نوفل) ولم يكن قد اسلم
بعد. كما حذرت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من اجتماع قريش لقتله،
فتحول النبي ـ صلى الله عليه وسلم عن فراشه وبات عليه علي كرم الله
وجهه. هذا، وروت رقيقة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومخرمة من المؤلفة قلوبهم ، أسلم يوم الفتح وكان يؤخذ عنه النسب.
إعداد/أم الزبرجد.
أعلى
حب الابناء
عندما نتأمل إسلامنا الحنيف وما جاء على لسان
النبي الخاتم محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نجد أن هناك توصيات
في غاية الأهمية للوالدين ، وكل هذه التوصيات تأخذ بالوالدين إلى أهم
المعاني والقيم التي جاء بها الإسلام كالرحمة، والمودة ،والترابط والتعاون
بين أفراد الأسرة ؛فحب الأبناء هو واحد من أهم المواضيع التي أوصى
بها النبي الأكرم عندما قال صلى الله عليه واله وسلم :"اولادنا
اكبادنا " ، وقال :" إن لكل شجرة ثمرة ، وثمرة القلب الولد
". وقال: " من قبل ولده كتب الله له حسنة ، ومن فرحه فرحه
الله يوم القيامة".
الإسلام هنا يرشدنا إلى نشر أجواء الحب في داخل
الأسرة ،الحب الذي يبعدنا عن القوة الغضبية في الإنسان ،علما أن القوة
الغضبية قد خلقها الله في الإنسان؛ لصنع غريزة دفاعية تعزز المواقف
الشجاعة والملاحم والبسالة في حياة الإنسان والشعوب ،ولكنها كالغرائز
الأخرى إن لم توجه في قنوات الخير وروابي الإصلاح وروافد التقوى، فستوجه
إلى جهة النقيض وهو الجانب المخرب للقيم النبيلة في داخل نطاق الأسرة
والمجتمع ،
فعلى الأبوين مسؤولية نشر المحبة والمودة والرحمة التي من خلالها يستطيعان
بناء الأسرة البناء السليم .
وكم يؤسفني أن أقول أن هناك قسما من الآباء لايعرفون كيف يتعاملون
مع أبنائهم ، فتجدهم بعيدين كل البعد عن أجواء الحب والرحمة والمودة،
قريبين من الغضب الغير مدروس ، فتجدهم يتفاهمون مع أبنائهم بلغة الضرب
والسب والشتم، و يعطلون الكلمة الحنونة المقنعة، وأنا أرى أن حاجة
الضاربين إلى التربية أعظم من حاجة الطفل الذي يتلقى الضرب؛ لأن الطفل
لا يدرك حين يخطيء، ولايستوعب سبب الضرب خصوصا في بدايات مراحله العمرية
فالضارب أحق بالعقوبة بناء على منطقه الذي ينطلق منه في ضرب الطفل
؟
ينبغي أن نعلم أن الطفل الذي يهان ويتوجع من الضرب سوف لا يترك الشيء
الذي ضرب بسببه، بل يمارسه سرا أو يتعلم الضرب فينفذه في طفل آخر،
أو يكتم في قلبه الكراهية للضارب، حتى يظهرها بصورة يسترد بها كرامته
حسب إدراكه الطفولي، ولذا لايصح أن نجعل الضرب وسيلة ناجحة في التربية
إلا في حدود الضرورة المدروسة عند المربي الحكيم.
وكم هو جميل من الآباء أن يضعوا في محل الضرب الحب والرحمة والكلمة
الطيبة الحنونة التي من خلالها نكسب أبناءنا إلينا ، وعلميا أثبتت
التجارب في علم النفس أن الكلمة الطيبة الحنونة التي تحمل الحب والمودة
للأبناء في داخل الأسرة؛ لها أثر بالغ في تربية الأبناء التربية الصالحة
النموذجي، التي تخلق أجواء دافئة بين أفراد الأسرة المسلمه.
لاشك أن الدين الإسلامي الحنيف قد حوى تعاليم
فكرية وعملية ، تغذي فطرة الإنسان بغذاء سليم وتسعده على كافة الأصعدة
والمجالات المتعددة في الحياة، وإذا كان الأمر هكذا، فعلينا أن نغذي
أبناءنا بلغة الحب، ونأخذ بالتعاليم السماوية التي جاءت لتوعية الإنسان
،وبنائه بناء صالحا سليما، قوامه الحب الصادق، الذي يُشعِر به الآباء
أبناءهم بالأمن والاطمئنان وراحة البال، قال الله تعالى: "يا
أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ًوقودها الناس والحجارة".
ولكي نجنب أنفسنا وأولادنا نارا وقودها الناس والحجارة، لابد أن نلبي
ما علينا تجاههم من واجبات ، فعلى الآباء :
ـ تعليم وتثقيف أبنائهم بالثقافة الدينية ثقافة الحب والرحمة والمودة
والتفاهم.
ـ أن يهتموا في أكلهم وشربهم ولبسهم وسكنهم.
ـ أن يحسنوا أسماءهم وآدابهم .
ـ أن يعينوا أولادهم على برهم واحترامهم ،وأن يعاملوهم بحسن الخلق
ولا يؤذوهم، فيساعدوا أبناءهم على عقوقهم.
هذه التعاليم لا يستطيع الآباء إيصالها إلى أبنائهم إلا عن طريق الحب
والرحمة، وتقديم الكلمة الطيبة على الضرب، والابتعاد عن العنف والغضب
غير المدروس، والتمسك بالحب من أجل تحقيق السعادة المنشودة في أجواء
الأسرة المسلمة.
جابر بن حسين بن محمد العجمي
أعلى
ما يجب أن يكون عليه بيت المسلم
من أعظم نعم الله على بني آدم أن جعل لهم بيوتا
ثابتة لإقامتهم في المدن وبيوتا متنقلة لأسفارهم في البراري، يسكنون
فيها ويستريحون، ويستدفئون بها من البرد ويستظلون بها من الحر، ويستترون
فيها عن الأنظار، ويحرزون فيها أموالهم ويتحصنون بها من عدوهم. وغير
ذلك من المصالح.
قال الله تعالى ممتنًا على عباده بهذه البيوت الثابتة والمنتقلة (والله
جعل لكم من بيوتكم سكناً وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفّونها
يوم ظعنكم ويوم إقامتكم) [النحل:80]، فذكر أولاً بيوت المدن لأنها
الأصل. وهي للإقامة الطويلة. وجعلها سكنا: بمعنى أن الإنسان يستريح
فيها من التعب والحركة وينعزل فيها عما يقلقه فيحصل على الهدوء والراحة،
ثم ذكر تعالى بيوت الرحلة والنقلة فقال: وجعل لكم من جلود الأنعام
بيوتاً تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم يعني: وجعل لكم بيوتا خفيفة
من الخيام. والبيوت المصنوعة من جلود الأنعام تستعملونها في حالة الإقامة
المؤقتة في السفر.
فنعمة السكن في البيوت من أعظم النعم، وتأملوا من لا يجد سكنا يؤويه
ماذا تكون حالته،؟ ونحن نسكن في هذه البيوت الحديثة المزودة بكل وسائل
الراحة من الإنارة والتكييف الصيفي والشتوي والمياه المتدفقة العذبة
الحارة والباردة، كل ذلك من نعم الله في المساكن وذلك مما يستوجب الشكر
والثناء على الله بما هو أهله، لأن ذلك من منِّه و فضله.
إن بيت المسلم يجب أن يكون متميزا عن غيره من البيوت بفعل ما شرعه
الله للمسلمين في بيوتهم من ذكر الله والإكثار من صلوات النوافل فيها،
وقراءة القرآن وخلوها من وسائل الفساد. عن أبي موسى قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم (مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي
لا يذكر الله فيه مَثَل الحي والميت ).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي قال: (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم
ولا تتخذوها قبورا ).أي: صلًوا فيها من النوافل ولا تجعلوها كالقبور
مهجورة من الصلاة.
وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان
ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة ) وقال عليه الصلاة والسلام:
(عليكم بالصلاة في بيوتكم فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة
).
روى هذه الأحاديث مسلم في صحيحه، وهذه الأحاديث، وما جاء بمعناها تدل
على مشروعية إحياء بيوت المسلمين وتنويرها بذكر الله من التهليل والتسبيح
والتكبير وغير ذلك من أنواع الذكر، وإحيائها، بالإكثار من صلاة النافلة
فيها،لأن صلاة النافلة في البيوت أفضل من صلاتها في المسجد، وفيها
النهي عن جعل البيوت مثل القبور مهجورة من صلاة النافلة فيها.
وفي الأحاديث الترغيب بقراءة القرآن في البيوت، ولاسيما سورة البقرة
وإن قراءتها في البيت تطرد الشيطان، وإذا توفرت هذه الأمور في البيوت:
ذكر الله فيها. صلوات النوافل، وقراءة القرآن أصبحت مدرسة للخير يتربى
فيها من يسكنها من الأولاد والنساء على الطاعة والفضيلة. وتدخلها الملائكة
وتبتعد عنها الشياطين، وإذا خلت البيوت من هذه الطاعات صارت قبور موحشة
وأطلالا خَرِبة، سكنها موتى القلوب وإن كانوا إحياء الأجسام، يخالطهم
الشيطان وتبتعد عنهم ملائكة الرحمن، فما ظنك بمن يتربى في هذه البيوت
كيف تكون حاله؟ وقد تخرًج من هذه البيوت الخاوية الخالية من ذكر الله
والتي هي مقابر لموتى القلوب يجب أن يكون البيت المسلم مستورا مصونا
على الأنظار المسمومة، يأمن من بداخله من الإطلاع على عوراتهم وأسرارهم
، لا يدخله غير أصحابه، إلا باستئذان وإذن، قال تعالى ( يا أيها الذين
آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها
ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى
يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون
عليم) [النور:27-28].
روي عن رسول الله أنه قال: (لو أن امرءً اطلع عليك بغير إذن فحذفته
بحصاة ففقأت عينه، ما كان عليك من جناح).
وعن عقبة بن عامر أن رسول الله قال: ( إياكم والدخول على النساء، فقال
رجل من الأنصار: أفرأيت الحمُو؟قال: الحموُ الموت) ، رواه البخاري
ومسلم والحموُ: قريب الزوج أي: إن الخوف منه اكثر؛ لأنه يتساهل في
دخوله اكثر من غيره، فدل هذا الحديث على تعظيم حرمات بيوت المسلمين
ومحارمهم وخطر دخول الرجال الأجانب على النساء ولو كانوا من أقارب
الزوج، وقد تساهل في هذا الأمر الخطير كثير من الناس اليوم، فبعض النساء
لا تحتجب من أقارب زوجها، كأخيه وعمه .
ونسأل الله السلامة في الدنيا والآخرة اللهم آمين .
إبراهيم السيد العربي
أعلى
ركن الطفل المسلم
كرامة امرأة عربية
ناصر عبد الفتاح
قدمت امرأة عربية إلى سوق بني قينقاع بالمدينة المنورة وباعت بعض الأشياء
التي كانت تحملها ثم ذهبت إلى صائغ يهودي كي تشتري حلية تتزين بها.
نظر الصائغ إلى المرأة وطلب منها أن تكشف وجهها فأبت .. احتال الصائغ
وأمسك بطرف ثوب المرأة العربية ثم عقده إلى ظهرها دون أن تشعر بذلك.
أنهت المرأة معاملتها وهبت واقفة فرفع الثوب عن جسمها فضحك القوم .
صرخت المرأة مما أصابها واستنجدت بالمسلمين فهب رجل مسلم لنصرة المرأة
العربية وانقض على الصائغ فقضى عليه ، هجم بنو قينقاع على المسلم فقضوا
عليه واشتعل الغضب بين المسلمين واليهود.
تطايرت الأخبار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاشتد غضبه وقرر تأديب
وإذلال بني قينقاع انتقاما لكرامة امرأة عربية رفع ثوبها عن جسمها.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد حذر هؤلاء اليهود عقب غزوة بدر فقال
:
" .. احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا فإنكم
قد عرفتم أني رسول الله "أو أني نبي مرسل" تجدون ذلك في
كتابكم وعهد الله إليكم".
لكن بني قينقاع ردوا على النبي صلى الله عليه وسلم بعناد وغرور قائلين
: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا ـ
ذوي خبرة قليلة لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس،
وأنك لم تلق مثلنا.
وفي الحال نزل الأمين جبريل بآيات رب العالمين :
( قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد ، قد كان لكم
آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم
رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار)
سورة آل عمران : الآيتان ( 12 - 13 ).
كانت قلوب القوم مشتعلة بالحقد والحسد لأن الله تعالى اصطفى النبي
صلى الله عليه وسلم من قريش وازداد حقدهم حين هاجر النبي صلى الله
عليه وسلم إلى المدينة المنورة فرحب به أهلها وهيأوا له مكانا لإقامته
وأحاطوه وأصحابه بالعناية والاهتمام وكان يقيم بالمدينة جماعة من أهل
الكتاب ومنهم بنو قريظة وبنو النضير وأهل خيبر وهؤلاء القوم .. عقد
النبي صلى الله عليه وسلم معاهدة سلام مع أهل الكتاب بالمدينة ،إلا
أن بني قينقاع نقضوا هذه المعاهدة وقاموا بتدبير المؤامرات في الخفاء
وتحريض القبائل العربية على إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
للإنتقام منهم وطردهم من المدينة المنورة وانتهى الأمر بأن أهانوا
امرأة عربية.
خرج النبي صلى الله عليه وسلم على رأس جيش في شهر شوال من السنة الثانية
من الهجرة وتوجه صوب بني قينقاع.
فر القوم مذعورين إلى حصونهم واختبأوا داخلها بينما أحكم حراسهم إغلاق
أبوابها .. لم يجرؤ أحد من فرسان بني قينقاع على حمل سيف أو قذف رمح
بل مكثوا في جحورهم لا يسمعون سوى دقات قلوبهم المرتجفة من شدة الخوف
والرعب.
وأدرك القوم أن زعماءهم خدعوهم حين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم:
يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا ـ ذوي
خبرة قليلةـ لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس،
وأنك لم تلق مثلنا.
فرض النبي صلى الله عليه وسلم حصارا منيعا على بني قينقاع مدة خمس
عشرة ليلة ومنع دخول الإمدادات إليهم حتى انهارت مقاومتهم فاستسلموا
ورضوا بأن ينزلوا عند حكم النبي صلى الله عليه وسلم.
تقدم رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول وناشد النبي صلى الله
عليه وسلم ألا يقتل بني قينقاع لأن بينه وبينهم تحالف واتحاد.
لم يرد الرسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا المنافق فقال : يا
محمد أحسن في موالي.
أعرض النبي صلى الله عليه وسلم عن ابن أبي فأمسك بثوب الحبيب وطلب
منه أن يعفو عن بني قينقاع لأنهم حلفاؤه الذين يحمونه ويصدون عنه الأعداء.
لم يترك النبي صلى الله عليه الغضب يتملكه ولم يعاقب رأس المنافقين
على فعلته بل أشفق عليه فأمر بإخراج بني قينقاع من المدينة وطردهم
شر طردة عقابا لهم لأنهم أهانوا امرأة عربية.
ترك بنو قينقاع بيوتهم ومزارعهم وفروا هاربين بجلدهم خارج المدينة
المنورة وهم لا يصدقون أنهم نجوا من الهلاك .. تشرد كثير من القوم
في الصحراء فهلكوا بينما مكث آخرون كي يصفوا لأحفادهم الذل والتشرد
الذي تذوقوه حين أهانوا امرأة عربية.
أعلى
سلامة الصدر
سعادة القلب وسرور النفس وطيب العيش وصفاء الحياة
غاية يسعى إليها الناس جميعا وهدف ينشده الخلق كافة وأمل يرجو بلوغه
العقلاء عامة فتراهم يعملون كل وسيلة ويتخذون كل سبب ويركبون كل مركب
يبلغون به هذه الغاية ويصلون به إلى هذا المراد. غير أن من أنار الله
بصيرته وألهمه رشده يعلم أن سلامة الصدر من الأحقاد وبراءته من الضغائن
وصيانته من الشحناء هو من أعظم ما يدرك به المرء حظه من السعادة وينال
به نصيبه من النجاح.
إنها سلامة الصدر التي تبدو واضحة في حب الخير للناس جميعا والسرور
بما يسوق الله إلى عباده من نعم وفي براءة نفسه من حمل الحقد على إخوانه
وإضمار الضغينة لهم وفي طهارة قلبه من الفرح بآلامهم والسرور بما ينزل
بهم من مصائب ولم لا يكون هذا شأنه وهو يتلو قول ربه الأعلى سبحانه
في كتابه حكاية عن دعاء المؤمنين الصادقين المخبتين في دعائهم الصادق
المخبت: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل
في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم). الحشر:10 ويقرأ قول
النبي حين سأله عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أي الناس
أفضل يا رسول الله؟ قال: (كل مخموم القلب صدوق اللسان) قيل: صدوق اللسان
نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: (هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي
ولا غل ولا حسد) أخرجه ابن ماجه في سننه.
وهذا لأنه يستيقن أن الخصومة وما ينشأ عنها من أحقاد إذا نمت وغارت
جذورها وتفرعت أشواكها شلت زهرات الإيمان الغض وعندئذ لا يكون في أداء
العبادات المفروضة خير ولا تستفيد منها النفس، فكثيرا ما تطيش الخصومة
بألباب ذويها فتتدلى بهم إلى اقتراف الصغائر المسقطة للمروءة والكبائر
الموجبة للعنة ذلك أن الشر إذا تمكن من الأفئدة فتنافر ودها وانكسرت
زجاجتها ارتد الناس إلى حال من القسوة والعناد يقطعون فيها ما أمر
الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض.
إنه لما كان فساد القلب بالأحقاد ناشئا عن طبيعة فردية طاغية وأنانية
مستحكمة فلا عجب أن يغدو معول هدم في بنيان المجتمع المسلم القائم
على قواعد الإيمان ووشائج الحب المشترك والود المشاع والتعاون الوثيق.
ومن المعروف أن الناس متفاوتون في أفهامهم متباينون في مشاربهم مختلفون
في صفاتهم وأن التقاءهم في دروب الحياة ومشيهم في مناكب الأرض قد ينشأ
عنه ضيق وانحراف بل صدام وتنافر ولذا كان درء بوادر الخصومات قبل أن
يستفحل أمرها وإهالة التراب على أسباب العداوات قبل أن تضطرم نيرانها
كان هذا مقصدا شرعيا عظيما ومنهجا إسلاميا قويما شرع الله فيه لعباده
من المبادئ والمسالك ما يدفع عنهم عوادي الفرقة وبواعث الشحناء.
فمن ذلك النهي عن التحاسد والتدابر الذي جاء فيه ما أخرجه الشيخان
عن أنس بن مالك أن رسول الله قال: (لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا
وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام)
وهذا التوقيت مدة تهدأ فيها الحدة ويسكت الغضب فيها عن المتغاضبين،
ثم يكون لزاما على المسلم بعدها أن يصل إخوانه وأن يعود معهم سيرته
الأولى من الألفة والمحبة في الله، كأن القطيعة العابرة غمامة ما إن
تجمعت حتى هبت عليها الرياح.
وكل نزاع يكون المرء فيه أحد اثنين: إما أن يكون ظالما وإما أن يكون
مظلوما فإن كان ظالما متعديا على أخيه في نفسه أو أهله أو ماله وجب
عليه الإقلاع عن ظلمه والتجافي عن عدوانه وأن يستل من قلب من ظلمه
الضغن بأن يعود عليه بما يرضيه كما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري
في صحيحه عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله: (من كانت له مظلمة
لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا
درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات
أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه) وإن كان مظلوما فقد رغب في اللين والسماحة
وغفران الزلة والتجاوز عن الهفوة وقبول المعذرة وعدم ردها لأن ردها
وعدم قبولها رذيلة خلقية وعلة نفسية دالة على صغار وفساد طبع وسوء
طوية وإصرار على حبس النفس في سجن الأحقاد وأغلال الضغائن.
ومن ذلك تحريم الغيبة التي أوضح رسول الله حقيقتها بقوله: (ذكرك أخاك
بما يكره) قال: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟! قال: (إن كان فيه ما
تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) أخرجه مسلم في صحيحه.
إن سلامة الصدر من الأحقاد باعث للمسلم على الفصل بين حظوظه التي نالها
من الحياة وبين مشاعره تجاه إخوانه فلا يجعل فشله فيما نجح فيه غيره
سببا لتمني الفشل والخسران للناس جميعا إذ هو أزكى نفسا وأرقى فكرا
من أن ينظر إلى الأمور نظرة شخصية خاصة لكنه ينظر إلى الصالح العام
مهما فاته من حظوظ الدنيا.
هذا والله تعالى أعلم
أنس فرج محمد فرج
أعلى
من عجائب العنكبوت
إعداد: عبدالله بن هلال الإسماعيلي
هنالك أيضاً معجزة في آية العنكبوت، عندما شبه الله تبارك وتعالى هذا
البيت الذي تبنيه العنكبوت شبهه بأعمال الكفار: (مَثَلُ الَّذِينَ
اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ
اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ
لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)، وهنا يخطر سؤال بالذهن: لماذا قال الله
تبارك وتعالى هنا (أوهن البيوت)؟
ويأتي العلماء في القرن العشرين ليكتشفوا أن خيوط العنكبوت هي أقوى
الخيوط على الإطلاق، فالخيوط التي يصنعها العنكبوت هي خيوط (مادة هذه
الخيوط) قوية جداً وأقوى من الفولاذ بكثير، وهنا يأتي بعض ضعاف القلوب
ليقولوا: هذا تناقض بين العلم والقرآن، القرآن يقول (وَإِنَّ أَوْهَنَ
الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ) والعلم يقول: هذه الخيوط قوية
جداً.
وإذا ما تأملنا هذه الآية (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ)
ودرسنا هذا البيت هندسياً نلاحظ أنه لا يمكن بناء بيت من خيوط ويكون
هذا البيت ضعيفا جداً إلا إذا كانت الخيوط قوية جداً، تأملوا هذه العلاقة
العكسية، أي أننا إذا جئنا بخيوط من الفولاذ مثلاً وبنينا منها بيتاً
لن يكون ضعيفاً، وإذا جئنا بخيوط من الحرير وبنينا منها بيتاً لن يكون
ضعيفاً.
إلا خيوط العنكبوت ينبغي أن تكون مادتها صلبة جداً وقوية لأنها رفيعة،
يعني خيط العنكبوت رفيع جداً لدرجة كبيرة، ومع ذلك تجده لا ينقطع يستطيع
أن يبني هذا العنكبوت بيته بهذه الخيوط الرفيعة جداً ولا ينهار هذا
البيت، مع أنه سهل الانهيار، لذلك قال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا
مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ
بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ
كَانُوا يَعْلَمُونَ).
الذي يتعمق ويتفكر في هذه الآية يدرك أن الآية تشير إلى أن خيوط العنكبوت
قوية، لأننا من الناحية الهندسية عندما نريد تصميم شبكة أو هيكل معدني
فنطلب من مهندس أن يصمم لنا أضعف شبكة ممكنة هل تعلمون ماذا عليه أن
يستخدم؟ من الناحية الهندسية يجب أن يستخدم خيوطاً رقيقة جداً وصلبة
جداً لأن هذه الخيوط هي التي تحقق لنا أضعف شبكة ممكنة، لأنه إذا استخدم
خيوطاً ضعيفة وغير صلبة فلن يتمكن من بناء بيت ضعيف.
لنتأكد من هذه الحقيقة رياضياً: إن قوة الشبكة المعدنية تتعلق بعدة
عوامل لنأخذ فقط سماكة هذه الخيوط، ويمكننا أن نقول: كلما كانت سماكة
الخيط أكبر كانت الشبكة أقوى.
الآن لنعكس هذه المعادلة فتصبح على الشكل الآتي: كلما كانت سماكة الخيط
أصغر كانت الشبكة أضعف.
ومن أجل الحصول على أضعف شبكة ممكنة يجب أن تكون سماكة الخيوط أصغر
ما يمكن، وفي هندسة المواد نجد أننا حتى نحصل على أقل سماكة ممكنة
من الخيط المعدني يجب أن تكون مادته صلبة جداً، وكلما كانت مادة الخيوط
أصلب كلما تمكنَّا من صنع خيوط أدق، إذاً عندما حدثنا الله تعالى عن
أوهن البيوت إنما يشير إلى أصلب أنواع الخيوط. والله اعلم.
هنالك شيء آخر أيضاً هو أن أنثى العنكبوت هي التي تقوم ببناء البيت
وهذه معجزة ثانية أيضاً في الآية، ولو أننا نجد بعض الملحدين ممن انتقدوا
هذه الآية بحجة أن العرب تؤنث كلمة (العنكبوت) فهذه الكلمة مؤنثة في
اللغة، ولذلك قال (اتخذت) وهذا أمر طبيعي ليس فيه إعجاز، ونقول لماذا
دائماً يأتي القرآن بالكلمة الصحيحة، لو كان من تأليف محمد ـ صلى الله
عليه وسلم ـ أليس ممكناً أن يخطئ ولو مرة على الأقل!!.
وعلى سبيل المثال عندما رأى سيدنا إبراهيم قومه يعبدون الشمس، حاول
أن يعطيهم درساً تعليمياً، يقول تعالى: (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ
بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ
يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ)، تأملوا قول سيدنا
إبراهيم (هَذَا رَبِّي) لم يقل (هذه ربي)، مع العلم أن الشمس مؤنثة!!
هل تعلمون لماذا؟
لأننا لو تأملنا تاريخ الأساطير وتاريخ الآلهة التي كانت تُعبد من
دون الله نلاحظ أن الناس كانوا يعتبرون الإله ذكراً، واستمر ذلك آلاف
السنين، ثم بعد ذلك وفقط قبل خمسة آلاف سنة بدأ الناس يعبدون الآلهة
المؤنثة، وفي زمن سيدنا إبراهيم كان الإله ذكراً لذلك كانوا في لغتهم
يعتبرون أن الشمس مذكرة وليست مؤنثة لأنها إله، وبالتالي قال إبراهيم
مخاطباً قومه بلغتهم (هَذا رَبِّي)، وهنا نود أن نقول لأولئك الملحدين:
لماذا جاء القرآن في هذا الموضع بالكلمة الصحيحة؟؟ لو كان القرآن يتبع
لغة العرب لكان الأولى أن يقول (هذه آلهتي) مثلاً!
وهكذا أيها الأحبة إذا تأملنا آيات القرآن وكلمات القرآن نلاحظ أن
الله تبارك وتعالى قد وضع كل كلمة في مكانها الدقيق وفي إحكام مذهل
ولو تأملنا كل كلمة نرى فيها معجزة تشهد على صدق هذا الكتاب العظيم،
وعندما نرى هذه الآيات تتجلى في عالم الحشرات ينبغي أن نحمد الله كما
علَّمنا: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا
وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ).
أعلى
الرسول المربي
من مبادئ التربية النبوية
البرمجة الإيجابية في تربية الرسول الكريم
في كل يوم يكتشف العلم شيئاً جديداً لأول مرة، ولكننا سرعان ما نجد
أن هذا الاكتشاف قد ذكر في كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام.
ومن هذه الاكتشافات ما سمّاه علماء البرمجة اللغوية العصبية بالرسائل
الإيجابية والرسائل السلبية وأثرها على التربية..
يقول أحد علماء البرمجة اللغوية العصبية متحدثاً عن مدى تأثير الرسائل
السلبية على تربية الطفل: "إنك تتلقى من أبويك أكثر من 100 رسالة
سلبية على شكل كلمة (لا)، أو (لا تفعل ذلك)، أو (لمَ فعلت ذلك)، وذلك
في السنوات العشر الأولى من عمرك".
تأمل أخي القارئ كم يؤثر هذا الحجم الضخم من التعليمات السلبية التي
يتلقّاها الطفل خلال مرحلة طفولته، وكم تترك من أثر سلبي على شخصيته
وذكائه. فالعلماء يعتبرون أن كل كلمة (لا) يتلقاها الطفل من أحد والديه
هي بمثابة رسالة سلبية سوف تؤثر عليه حين يكبر، لأن هذه الرسالة يتم
اختزانها في العقل الباطن للطفل، وترافقه طيلة حياته.
إن كثرة هذه الرسائل كما يؤكد العلماء تؤدي إلى عزلة هذا الطفل أحياناً،
وأحياناً إلى أن يصبح انفعالياً، وقد تؤثر هذه الرسائل السلبية على
ذكاء ومستقبل هذا الطفل، ولذلك بدأ العلماء اليوم يهتمون بأسلوب جديد
في التربية قائم على البرمجة الإيجابية للطفل منذ ولادته.
هذا الأسلوب الإيجابي لا يقول للطفل لا تفعل، أو لماذا فعلت، ولماذا
لم تفعل، بل يشجع الطفل دائماً على التجربة، ويعلمه كيف يتصرف بشكل
صحيح.
إن هذا الأسلوب الجديد بالنسبة للعلماء، ليس جديداً بالنسبة لمعلم
العلماء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم!! فقد كان هذا النبي الكريم
يوجّه كمية كبيرة من الرسائل الإيجابية أثناء تربيته وتعليمه للأطفال.
فهذا هو سيدنا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يحدثنا عن المنهج النبوي
في التربية، فيقول: خدمتُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عشر سنوات،
فلم يقل لشيء فعلته لم فعلت كذا، أو لشيء لم أفعله لمَ لمْ تفعل كذا!!!
وسبحان الله! عشر سنوات ولم تصدر من هذا النبي الكريم رسالة سلبية
واحدة!! إن هذا الأمر يدل على أن أول من استخدم أسلوب البرمجة الإيجابية
في التربية هو محمد صلى الله عليه وسلم!.
ولكن ماذا يدل ذلك؟ إنه يدل على رحمة ورأفة هذا النبي الكريم بمن حوله،
ويدل أيضاً على صدق كلام الله تعالى عندما وصفه بقوله: (لَقَدْ جَاءَكُمْ
رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ
عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) "التوبة: 128".
التربية والتبليغ
تربيته لأصحابه على القيام بواجب التبليغ:
عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة"
(رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد وصححه أحمد شاكر) والأمر
لا يقف عند طائفة خاصة، أو مستوى معين من التحصيل، بل يدعو صلى الله
عليه وسلم حتى صغار المتعلمين، وأولئك الذين لم يبلغوا منزلة عالية
في التحصيل، يدعوهم إلى المشاركة في تعليم العلم ونشره قائلاً:"
بلغوا عني ولو آية" (رواه البخاري) وهي دعوة للمشاركة والمساهمة
المنضبطة، لا فتحاً للباب لتصدير من تعلم مسألة واحدة.
وقال صلى الله عليه وسلم :"نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها،
فأداها كما سمعها، فَرُبَّ مبلغ أوعى من سامع" (سبق تخريجه) .
وقد روى هذا الحديث أكثر من (16) من أصحابه مما يشعر أنه صلى الله
عليه وسلم قاله في أكثر من مناسبة، أو قاله في أحد المجامع العامة
تأكيداً لشأنه.
وانظر إلى أثر هذه التربية في قول أبي ذر ـ رضي الله عنه: "لو
وضعتم الصمصامة (السيف) على هذه ـ وأشار إلى قفاه ـ ثم ظننت أني أنفذ
كلمة سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تجيزوا عليَّ لأنفذتها"
رواه البخاري تعليقاً كتاب العلم باب العلم قبل القول والعمل .
ويتحرج معاذ ـ رضي الله عنه ـ فيرى أن من الإخلال بواجب العلم أن يكتم
حديثاً سمعه منه صلى الله عليه وسلم مع أنه نهاه أن يحدث به الناس
"هل تدري ما حق الله على عباده؟... "( رواه البخاري) وموضع
الشاهد برقم ومسلم فيخبر ـ رضي الله عنه ـ به قبل موته تأثماً.
إن هذا كله بعض نتاج ما ورثه ذاك الجيل من المعلم الأول صلى الله عليه
وسلم.
ما أكثر المتعلمين وما أقل من يبلغ ويؤثر في المجتمع، والرسول يريد
العالم المجاهد الذي لا ينفع نفسه بقدر ما يحمل هم مجتمعه وأمته، ليكون
مصلحا مؤثرا فاعلا في حضارة الأمة.
انظر إلى صحابة رسول الله ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ.. لقد كانوا
جنودا فائقين للدعوة ولقائدهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم على الصورة
التى يعرفها التاريخ.. ولكن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم
رباهم في الوقت ذاته بحيث يكون كل واحد منهم ركنا في الموقع الذي يكون
فيه فقاموا بالمهام التي وكلها إليهم على المستوى الفائق الذي يعرفه
التاريخ وكانوا هم القدوة للناس في تربيتهم على هذا الدين كما كان
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قدوتهم هم في هذه التربية الفريدة..
ثم كانوا هم حملة الأمانة من بعده والقادة الذين قادوا الأمة من بعده
في الخلافة الراشدة التي يعرفها التاريخ..
تلك سنة جارية في عملية "البناء".... وهي الزما ما تكون
في بناء الجماعة التي تتولى الدعوة لدين الله.
سالم بن سعيد البوسعيدي
أعلى
من إصداراتنا العمانية
من معالم الفكر التربوي عند سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
عرض ـ مبارك بن عبدالله العامري:
يعد سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي من أهل العلم الذين كرسوا
وقتهم في دين الله وفي خدمة عباد الله ، عندما تحظى بلقاء مع سماحته
تعيش أجواء إيمانية تشع بلطائف تواضعه وحبه لكل إنسان وأسلوب معاملته
الذي يعد أسلوبا قويما يجعل كل إنسان يحب أن يحظى بمقابلته والجلوس
معه والاغتراف من بحر علمه الواسع الذي أفاد به العديد من الناس من
خلال المحاضرات والدروس التي يقيمها لطلاب العلم وجاء كتاب من معالم
الفكر التربوي عند سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي المفتي
العام للسلطنة (التربية الروحية) الجزء الثاني يحمل بين أحضانه حياة
عالم استغل وقته في طاعة ربه وخدمة طلابه الكتاب للمؤلف الدكتور زايد
بن سليمان الجهضمي الكتاب يقع في 355 صفحة.
في المبحث الأول تطرق المؤلف عن الشيخ الخليلي روحانيا: هو ذلك الرجل
العلامة الفقيه الورع النزيه، والمتحدث الفصيح، المتفنن في أساليب
الكلام ، المفحم لمن ساوره من مصاقيع الأنام، هو ذلك اللبيب الأريب
الذكي الأبي، يتوقد ذكاء وحصافة في الرأي، ألقت إليه الحكمة مقاليدها
، وسلمته طارفها وتليدها، الشيخ الخليلي الرجل المرهف في أحاسيسه،
الحساس في مشاعره، ظاهره كباطنه، لم يعرف في حياته غلا ولا حسدا ،
وإن تكالب عليه الحساد، ولا مر بقلبه طيف من الأحقاد ، بل يؤثر على
نفسه ولو كان به خصاصة، ولا يغضب إلا لربه ، وإذا غضب فهو الحليم المغضب،
عندما تقترب من كل القرب فتقلب صفحات نفسه الصافية ، وتقرأ بإمعان
كل سطورها ، وتفهم دخيلتها ، عند ذلك ستجد نفساً عظيمة متكاملة متناسقة،
لا تنازعها الأهواء ولا تتجاذبها النزعات ، ولا تميل بها الرغبات ،
ولا تقسم على ذاتها ، بل هي كل في ذاتها ، هوة قوة في كل سماتها وصفاتها
، رائعة في مظهرها ومخبرها ، متزنة في إراداتها ومنهجها ، فلا اضطراب
ولا تفاوت ولا نشاز ، ليس ثمة شيء يميز النفوس العظيمة ، ويرفع شأنها
، ويعلي قدرها مثل التزامها منهج التواضع، ونأيها عن الغرور، دنو في
علو، وتواضع في سمو ، نعم لئن حاول الغرور أن يحكم حصاره على حصون
سماحته فلن يجد ثغرة يستطيع النفاد منها، والتسلل إلى قلب أحاط به
سياج متين من الإيمان واليقين.
وتحت عنوان العلم غذاء خشيته والخشية غذاء روحه في هذا المبحث تناول
المؤلف حياة الشيخ أحمد مع العلم كان كانت حياة الشيخ وهو يكرس وقته
في طلب العلم قال تعالى ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28فاطر) فالعلماء أكثر
الناس خشية من الله تعالى ويقول سبحانه (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ
الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ
جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ
وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) (الزمر 23) هذا ما حرص عليه سماحته
منذ نعومة أظفاره ، فقد تربى على خشية الله تعالى في سره وعلانيته
مراقباً خلجات نفسه ، ومحاسباً خطرات قلبه ، أشد من محاسبة الشريك
الشحيح لشريكه ، إنه يمهد لنفسه السبيل إلى دار النعيم (وَمَنْ عَمِلَ
صَالِحاً فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ)44الروم) كان سماحة الشيخ حريصا
كل الحرص على أن يعبد الله تعالى على بصيرة من أمره ، ولا يتهجم على
الأمور بغير علم ، فما أشكل عليه توقف عنه ، ونزه نفسه عن الحوم حول
حماه ، لذا كان سماحته يسهر الليالي الطوال في القراءة والاطلاع ،
لم تدغدغ طبيعة تنزانيا الخلابة خياله ، ولم تستحوذ نسماتها اللطيفة
على شغاف قلبه ، وما استلذت نفسه أطايب الفواكه والثمار كما كان يستطيب
فكرة بدائع الآثار في التفاسير والسنن وكتب الفقه والأخبار، لذا كان
أبواه كثيرا ما يجدانه منكباً على وجهه في بطون الكتب، قد أنهكه السهر،
وأخذ منه النصب مأخذه ، أنه لم يبح لنفسه أخذ قسط من الراحة عن طيب
نفس إلا وهي ملزوزة إليه لزاً ، مدفوعة إليه بدافع الفطرة الإنسانية
، كان يمشي على الأقدام لحضور حلقة شيخه مدة ساعتين ، مستغلا وقته
في استرجاع محفوظاته ، الحافز نادر والدافع عزيز .
وبين المؤلف في المبحث الثاني مفهوم الشخصية والمبحث الثالث ملخص فلسفة
سماحته في التربية الروحية ، والتربية الروحية أنها : تنمية القوة
النفسية المدعمة بالعقل والإيمان ، المتجلية في سلوك يحفظ للكيان الإنساني
إرادته وصموده أمام نوازع الشر، سعياً إلى تحقيق الطاعة المطلقة لله
سبحانه وتعالى ويستخدم سماحته مصطلح التزكية أو تزكية النفس التزكية
التطهير، والتزكية التنمية، تطهير النفس من الرذائل، وتنمية الأخلاق
والفضائل، والتطهير تخلية والتنمية تحلية.
وتناول مؤلف الكتاب وسائل التربية الروحية المعنوية والتربية الروحية
هي الأساس الذي يقوم عليه بناء الإنسان، وبدون تلك التربية يصبح الإنسان
خواء هباء، مهما أوتي من قدرات جسدية ، وطاقات فكرية، وقاعدة تلك التربية
هي الإيمان بالله وحده لا شريك له وجوهر الإيمان بالعلم فإن للإيمان
مسالك ومبادئ وغايات قد تكون من الدقة بحيث تخفى على من لم ينور الله
بصيرته بالعلم ويشرح صدره بالعرفان ومن وسائل التربية الروحية 1- الإيمان
بالله ومن وسائل ترسيخ الإيمان في النفوس - التفكر- والتفكر في خلق
الإنسان - التفكر في المخلوقات المحيطة - التفكر في الكون - التفكر
في حوادث الدهر ونوائبه 2- الإيمان بالغيب 3- الإيمان بالملائكة 4-
الإيمان بالكتب 5- الإيمان بالرسل 6- الإيمان باليوم الآخر. وأشار
المؤلف إلى وسائل التربية الروحية العملية 1- العبادة بأنواعها 2-
النوافل وأثرها الروحي 3- الإخلاص ملاك الأمر كله 4- التوبة من الذنوب
5- التقوى 6- التحلي بالصبر 7- التلاوة مع التدبر 8- الخوف والرجاء
والموازنة بينهما 9- التخلي عن الرذائل قبل التحلي بالفضائل 10 - تطهير
القلوب من الأمراض 11- الخلوة والأوراد 12- محاسبة النفس ومراقبتها
13- التصور الصحيح للحياة الدنيا 14- التناصح والتواصي بالحق 15- ترقيق
القلوب بالمواعظ 16- صحبة الصالحين 17- زيارات الفقراء والمساكين 18
الدعاء.
أعلى
تعالوا نستمع إلى
العهد الأخير
1ـ2
عزة بنت محمد الكمياني
وصلتني رسالة عبر البريد الإلكتروني، لا أدري
من أي فضاءٍ كوني جاءت، وإنما كل ما أدريه أن مرسلها اسمه أحمد، أخبرني
أنه أُعجب بالمقال الذي نُشر لي في هذا المنبر الإعلامي والذي كان
بعنوان (أي الفريقين أنتم؟)، وقال لي إنني يمكنني أن أضيفه كمثال،
فهو يُعد من ضمن الذين يستمعون للغناء وإنه عندما غادر السلطنة أراد
أن يكون هناك شيئا يمسكه- ربما يقصد عن ارتكاب الخطأ- ولذلك فإنه بدأ
يستمع للقرآن الكريم، فأعطاه ذلك شعورا رائعا وغير مجرى حياته، ولكن
ما لفت انتباهي في الرسالة والذي جعلني أكتب هذا المقال أنه قال في
آخرها أنه عندما يقرأ الآية التي استدللت بها على حرمة الغناء وهي
من سورة لقمان قال إنه عندما يقرأها يحس أن لهو الحديث المذكور في
الآية الكريمة لا يقصد به الأغاني والموسيقى، وإنما يُقصد به على حسب
قراءته للآية أي حديث لا فائدة منه سوى اللهو وخصوصا الأحاديث التي
تعتمد على الكذب، وطلب مني أن أتأكد من معنى تلك الآية.
رددت عليه لأشكره على رأيه في المقال وقلت له: نحن ناس عاديون لا يمكننا
تفسير القرآن هكذا، وإنما إذا أردنا أن نفسر القرآن الكريم يجب أن
نرجع لعلماء الدين أو لكتب التفسير، وأخبرته أني لم أفسر الآية بنفسي
فأنا لست أهلا لذلك وإنما أخذت بتفسير ابن مسعود وابن عباس - رضي الله
عنهما- وهما من الثقات، ولقد أرفقت مع رسالتي ملفا فيه تفسير تلك الآية
الكريمة وفيه الأسباب التي حُرم من أجلها الغناء وأدلة تحريمه في السنة
وفي المذاهب الإسلامية، وقد رأيت أنه من الأفضل أن أكتب هذا المقال
لأنبه القراء الذين قد يرون تلك الآية الكريمة كما يراها أحمد، فالآية
الكريمة تتكلم عن اللهو الذي يُمكن أن يُشترى ونحن لا يمكننا شراء
أحاديثنا مع الأصدقاء والمعارف حتى لو كانت أحاديث لا فائدة منها،
وقد اعتبر العلماء تلك الآية الكريمة واحدة من ثلاث آيات تحرم الغناء
وهي :( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم
ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين) الآية 6 سورة لقمان.
وهذه الآية نزلت في رجل من المشركين يدعى النضر بن الحارث كان يشتري
الكتب التي تروي قصص ملوك الأعاجم ويجلس على الطرقات ليحكي للناس ما
في الكتب؛ ليلهيهم عن دعوة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم، وعن كلامه
الذي يوجهه للناس لعبادة الله الواحد القهار ونبذ الأصنام، وقد كان
أيضا يشتري القينات، وقينة هي الأمة المغنية، وكلما سمع عن رجل يريد
أن يدخل في دين محمد، يحضر إحداهن و يأمرها أن تذهب وتؤكل وتسقي وتغني
لفلان؛ وبذلك تلهيه عما يدعو له محمد ـ صلى الله عليه وسلم، وكان يقول
للذين انقادوا له أليس هذا أفضل مما يدعوكم إليه محمد؟ ولذلك نزلت
فيه تلك الآية الكريمة، وقد أجمع علماء الدين أن من يشتري اللهو ويترك
ذكر الله تعالى فقد توعده الله بالعذاب المهين.
والآية الثانية قال تعالى : (وأنتم سامدون)61 النجم.
وسامدون تعني لاهون لاعبون في غناء ورقص وبعد عن الله وذكره سبحانه
وتعالى، والآية الثالثة: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم
بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان
إلا غرورا) 64 الإسراء.
وهذه الآية أظن أنها واضحة، وقد قال مجاهد: صوت الشيطان الغناء والمزامير
والملاهي وآلات الرقص وآلات الغناء والموسيقى يستفز بها الإنسان فيخرجه
عن وعيه وشعوره.
وقد وصفه ابن القيم بأنه (أي الغناء) قرآن الشيطان والحجاب الكثيف
عن الرحمن، وقد قال واصفا أهل الطرب:( قضوا حياتهم لذة وطربا واتخذوا
دينهم لعبا ولهوا مزامير الشيطان أحب إليهم من الاستماع إلى سور القرآن،
لو سمع أحدهم القرآن من أوله لآخره لما حرك له ساكنا، حتى إذا سمع
قرآن الشيطان تفجرت ينابيع الوجد من قلبه على عينيه فجرت، وعلى أقدامه
فرقصت وعلى يديه فطقطقت وصفقت، وعلى سائر أعضائه فاهتزت وطربت، وعلى
زفراته فتزايدت، وعلى ميزان أشواقه فاشتعلت).
وقد كتب عمر بن عبد العزيز لمؤدب ولده: (ليكن أول ما يعتقدون من أدبك
بغض الملاهي التي مبدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن، فإنه بلغني
عن الثقات من أهل العلم أن صوت المعازف واستماع الأغاني واللهج بها
ينبت النفاق كما ينبت العشب على الماء)( لا حظوا هنا أن تلك الآية
الكريمة من سورة لقمان، وهي السورة التي فيها الآداب التي يجب أن يُؤدب
بها الأبناء)
وعن عبدالله بن أحمد بن حنبل قال : سألت أبي عن الغناء ؟ فقال : ينبت
النفاق في القلب ، ثم قال إنما يفعله عندنا الفساق.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم بكى عندما مات ولده إبراهيم، وكان الصحابة
معه فسأله عبدالرحمن بن عوف: أتبكي يا رسول الله؟ أجابه صلى الله عليه
وسلم قائلا: إنما هذه رحمة، ثم قال لم أنه عن البكاء، وإنما نهيت عن
صوتين أحمقين فاجرين، صوت عند نعمة، مزمار شيطان ولعب، وصوت عند مصيبة
خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان)، فالصوت الفاجر الأول كما فسره العلماء
صوت الإنسان ابتهاجا بالفرح عندما تحدث له نعمة فطرب وفرح وفعل ما
نهى الله عنه باستماعه ومن يشاركونه الفرح للأغاني والموسيقى وغيره
مما نهى الله عنه، والصوت الفاجر الآخر هو صوت الإنسان عندما يموت
لديه شخص قريب فيرفع صوته بالصراخ والعويل، ولطم وخمش الوجه. مما تقدم
يتبين لنا حرمة الغناء وكل ما يندرج تحته من أفلام ماجنة، وحفلات صاخبة،
والذي يبيعها ويشتريها ويروج لها يكون عقابه أشد؛ لأنه بذلك أصبح من
أعوان الشيطان يساعده في إغواء الناس وتضليلهم وإلهاهم عن دينهم وربهم.
وقد كان الغناء مهنة العبيد والإماء، وكان لا يرضى حر بذلك أبدا، لا
لنفسه ولا لأهله أن يمتهنوا تلك المهنة.
ولنا بقية ...
azza2002@live.com
أعلى
وقل اعملوا...
أسس تحديد الأجر في الاقتصاد الاسلامي
أيها القراء الأعزاء: لم يقف المسلمون عند هذا
التصور البدائي لقانون العرض والطلب الذي نسبه الجاحظ إلى بعض المحصلين،
ولكن لا ندري من هم المحصلون إلا أنه من المؤكد أنهم ليسوا يونانيين
لأنهم لم يتعرضوا البتة ـ بما فيهم ارسطو ـ لموضوع الرخص والغلاء.
وبعد مئتي سنة من وفاة الجاحظ استطاع علماء المسلمين أن يطردوا فهمهم
لقانون العرض والطلب, ومعرفتهم بأسباب الرخص والغلاء حتى اصبحت لهم
مصطلحات خاصة تدل عليها ومن ثم قواعد وتوجيهات للتاجر الذي يريد أن
يكون ناجحا في مهنته. فلقد بين أبو الفضل جعفر بن علي الدمشقي كل هذه
الحقائق في كتابه (الإشارة إلى محاسن التجارة) الذي تم تأليفه سنة
( 570هـ ـ 1175م ) وذكر الدمشقي الأساس الذي يقاس عليه زيادة السعر
أو انخفاضه, واستخدم مصطلحات تدل على ذلك فقال : ( لكل بضاعة ولكل
شيء مما يمكن بيعه قيمة متوسطة معروفة عند أهل الخبرة به ، فما زاد
عليها سمي بأسماء مختلفة على قدر ارتفاعه , فإنه إذا كانت الزيادة
يسيرة قيل : قد تحرك سعره . فإن زاد قيل : قد نفق , فإن زاد أيضا قيل
: قد غلا ، فإن زاد قيل : قد تناهى ) ثم قال ( وبإزاء هذه الاسماء
في الزيادة اسماء في النقصان ، فإن كان النقصان يسيرا قيل : قد هدأ
السعر , فإن نقص أكثر قيل : قد كسد ، فإن نقص قيل : اتضع ، فإن نقص
قيل قد رخص فإن نقص قيل قد بار, فإن نقص قيل قد سقط السعر، وما شاكل
هذا الاسم ( وقد وضح الطريقة العملية التي يتوصل بها إلى السعر المعتدل
أو المتوسط الذي يسميه علماء الاقتصاد اليوم بـ ( السعر التوازني )
. فقال : ( والوجه في تعرف القيمة المتوسطة أن تسأل الثقات الخبيرين
عن سعر ذلك في بلدهم على ما جرت به العادة في أكثر الأوقات المستمرة
والزيادة المتعارفة فيه , والنقص المتعارف , والزيادة النادرة , والنقص
النادر).
وقد بين الأسباب التي تؤدي إلى انحراف الأسعار عن السعر المتوسط ـ
التوازني ـ ويرى أن بقاء السعر المتوسط على حالة قد يحدث تغيرا في
ظروف العرض والطلب أو كليهما . ومن ثم بين كيف يرتفع السعر اذا تغيرت
ظروف العرض ، وأدت إلى قلة الكمية المعروضة مع بقاء الطلب على حاله
، أو زاد الطلب مع بقاء العرض على حاله .
ثم أكد عودة السعر إلى مستواه المعتدل بعد زوال الاسباب الطارئة التي
أدت إلى ارتفاعه مؤقتا . ثم شرح كيفية انخفاض السعر ، اذا زاد العرض
مع بقاء الطلب على حاله، أو قل الطلب مع ثبات العرض، وعبر عن ذلك بقوله
: ( فإن نقص سعره فبلغ دينارا واحد اما لقلة الطالب ، أو لأمن السبيل
, أو زيادة ريع واضداده ما تقدم ذكره ثم تمادى على ذلك مدة ما ، ثم
تحرك سعره فبلغ دينارا واحدا ونصف الدينار فإن هذا يسمونه غالي الرخيص
ومشتريه محمود عند التجار, لأن سعادة البضاعة تدل على عودتها الى حالها
الأول ) .
والسؤال الذي أن نبديه في نهاية الحديث هو: من الذي سبق الدمشقي من
علماء الغرب في بيان نظرية العرض والطلب ؟ ومن الذي سبقه أيضا في هذا
التحليل الدقيق لزيادة الاسعار وانخفاضها ؟ وما الفرق بين كلام الدمشقي
وتحليله لزيادة الاسعار وانخفاضها من خلال زيادة العرض والطلب وانخفاضهما
؟! وما الفرق بين كلام الدمشقي وتحليله لزيادة الاسعار وانخفاضها بزيادة
العرض والطلب وانخفاضها وبين جداول العرض والطلب التي بين فيها علماء
الاقتصاد زيادة العرض والطلب بزيادة الأسعار أو انخفاضها؟!.
لقد جاء علماء مسلمون بعد الدمشقي , ودرسوا قضية العرض والطلب ,ومن
ثم استخدموها في تفسير ظاهرة الغلاء والرخص . فقد بحث ابن خلدون هذه
القضية فأضاف بعض الاشياء الى ما جاء به الدمشقي , وركز على أشياء
أساسية اهتم بها الدمشقي فحاول تفسيرها . ثم أكد ابن خلدون أن قضية
العرض والطلب ينبغي أن يعتمد عليها في تحديد الأسعار ، وبين أثر تغيير
الأسعار . وذكر أهم الأسباب التي تؤدي إلى انخفاض العرض وما يترتب
عليه وشرح بعضها فبين أثر الاحتكار وتدخل السلطات العامة وتقسيم العمل
ونفقات النقل والمكوس ـ الضرائب ـ في الكميات المعروضة من السلع.
ودرس ابن خلدون أيضا تغير الطلب على السلع مع ثبات العرض, وناقش الاسباب
التي تؤدي إلى زيادة الكميات المطلوبة وارتفاع الاسعار...وربط ابن
خلدون في تحليله لهذه الاسباب بين مستوى الدخل وحجم الطلب على السلع.
وبين اثر العادات والتقاليد والانماط الاستهلاكية في الطلب, والعلاقة
بين المناخ والسلوك الاقتصادي في العمل والاستهلاك. وأوضح ايضا اثر
البيئة الجغرافية في العرض والطلب.
إعداد/علي بن عوض الشيباني.
أعلى
|