الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير
أشــرعــة

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 

 





فتاوى وأحكام

* إذا اقترض إنسان من آخر مبلغاً من المال وقدره ألفان وسبعمائة ريال ولم يحدد دفعة معينة لاسترجاع هذا المبلغ وذلك الشخص أخذ يجمع المبلغ شيئا فشيئاً لمدة ثلاث سنوات حتى اكتمل فهل كان عليه أن يدفع الزكاة عن ذلك المال خلال تلك المدة، أم أن الزكاة تجب على صاحب المال الحقيقي؟
** زكاة المدين الذي دينه غير محدد بأجل يسقط عنه مقدار ذلك الدين من الزكاة أي تسقط الزكاة بمقدار ذلك الدين إن كان الدين غير مؤجل أو كان مؤجلاً وحضر أجله . وأما بالنسبة إلى الدائن فعليه أن يزكي الدين الحاضر أي الدين الذي لم يحدد بوقت أو الذي حدد وقته وحضر فهو عليه أن يزكيه إلا إن كانت الزكاة على غير وفي أو كانت الزكاة على غير ملي ، ومعنى ذلك إن كان الدين على معسر أو كان الدين على مماطل فليس عليه أن يزكيه حتى يقبضه، والله تعالى أعلم .

* أعطى رجل مالاً لشركة من أجل المضاربة على من تجب الزكاة إذا كان على صاحب المال وهو قد قدم ذلك المال في رجب وهو يزكي في رمضان والشركة لا يمكن أن تخبره بالربح أو الخسارة إلا في ذي الحجة فكيف يزكي ذلك المال؟
** من المفروض أن تكون هذه الشركة قائمة من أول الأمر على الأحكام الشرعية ومن بين هذه الأحكام تزكية هذا المال، من المفروض هكذا لأن المال المشترك فيه كالمال الواحد فهذا يدفع من عنده وذلك يدفع من عنده وباشتراك المجموعة في التجارة يكون حكم أموالهم كالمال الواحد، أما عندما تكون الشركة غير متقيدة بهذا ففي هذه الحالة على صاحب كل سهم أن يدفع الزكاة عن نصيبه عن حصته عندما يحين موعد زكاته، والله تعالى أعلم، وعليه في هذه الحالة أن يتحرى الربح بقدر مستطاعه .
* كان المصلون في جماعة ولكن الإمام سها فسبح له عدد غير قليل حتى الصبيان مما دفع ذلك بعض كبار السن أن يناديهم فيقول لا ينبغي أن يتكلم كلكم، فهل تجب إعادة الصلاة على ذلك الرجل فقط أم على الصف بأكمله؟
** ذلك الذي تكلم بما هو خارج مما يقال في الصلاة وخارج عن مصلحة الصلاة هو الذي عليه أن يعيد الصلاة أما غيره فلا ينطبق عليه هذا الحكم .

* قرية تبعد عن مسجد تقام فيه صلاة الجمعة مسافة 13 كيلومترا ، هل الواجب عليهم الصلاة الذهاب إلى صلاة الجمعة ، أم أنها لا تلزمهم ؟
**
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فإن تلبية الداعي إلى الحق سبحانه وتعالى من خلال نداء الجمعة أمر واجب بنص الكتاب العزيز وبنصوص أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلّم ومن خلال إجماع الأمة، فإن الله تبارك وتعالى يقول ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (الجمعة : 9) ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم : لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين.
وجاء في حديث آخر عنه صلى الله عليه وسلّم : من ترك ثلاث جمع تهاوناً بها طبع الله على قلبه . إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة .
ونجد علماء السلف كانوا حراصاً على تلبية الداعي يوم الجمعة فنجد في المأثور عن صحار بن العباس العبدي رضي الله تعالى عنه أنه كان يسعى إلى الجمعة بالبصرة من مسافة طويلة فقد كان يسعى إليها بعد أن يصلي الفجر ويصل إليها ثم يقفل راجعاً إلى أهله ولا يصل إلى أهله إلا عند المغرب.

وقد قال الإمام أبو سفيان محبوب بن الرحيل رحمه الله كتب أهل عمان إلى أبي الشعثاء جابر بن زيد يستفتونه عن صلاة الجمعة هل يلزم السعي إليها من لم يسمع نداءها ؟ فأجاب لو لم يسع إليها إلا من سمع نداءها لقل الساعون إليها ، بل يسعى إليها من فرسخين وثلاثة .
وكذلك ذكر الإمام أبو سفيان عن الإمام أبي مودود حاجب بن مودود الطائي رحمه الله ورضي عنه أنه كان في سجن الحجاج بالبصرة وكان ينوي حج بيت الله المحرم فلم يطلق سراحه الحجاج إلا بعد أن ضاق الوقت بحيث لم يبق عن دخول رؤية هلال ذي الحجة إلا ثمانية أيام فلما أطلق سراحه أخذ زاده وراحلته والتحق برفقة إلى الحج فتذكر أن اليوم يوم جمعة فقال: إن في نفسي من الجمعة لحاجة .
فقالوا له: يا حاجب بيننا وبين الموسم ثمانية وأنت تنتظر الجمعة . فقال : إنني لأجد في نفسي من الجمعة حاجة. فتأخر عنهم وتقدمت الرفقة، ثم ركب على أثرهم ولحق بهم بعد يومين في مكان يسمى لحيب. وهذا مما يدل على حرص السلف رحمهم الله ورضي عنهم على تلبية داعي الله سبحانه وتعالى وعدم التردد في السعي إلى الجمعة . فالسعي إلى الجمعة فيه خير كثير. وإن كان هذا الشخص في هذا المكان يقصر الصلاة بحيث لم يوطن الحوزة ففي هذا ترخيص من أهل العلم نظراً إلى كونه مسافرا بأن لا يلزمه السعي، وإن كان في السعي خير كثير . أما إن كان غير قاصر للصلاة في ذلك المكان بحيث هو داخل في الحوزة التي يتم فيها الصلاة، أو ليس بينه وبين الحوزة التي يتم فيها الصلاة مقدار مسافة القصر فعليه أن يسعى إلى الجمعة، لأن الجمعة تلزم من كان مقيماً حيث لا يقصر الصلاة ، والله تعالى أعلم .

يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة



أعلى






الاستنساخ
الحلقة الثالثة والأخيرة
ـ ألا تكون الغاية من التجارب مجرد العبث بالحيوانات
ـ الاستنساخ النباتي يجب ألا يؤدي إلى العبث بالنعمة أو التقليل منها أو يؤدي إلى الترف المذموم شرعا
ـ الاستنساخ يختلف عن ماهية التداوي لأن التداوي يزيل العلة بينما الاستنساخ لا يزيل العلة

إبراهيم بن ناصر الصوافي
الباحث بمكتب الإفتاء

مع ما ذكرناه من القول بعدم جواز الاستنساخ وسد بابه فإن بعض الفقهاء درس المسألة فيما لو أصبح الاستنساخ حقيقة واقعية لا محيص عنها، فهل يمكن القول بجوازه في بعض الصور؟
هذا ما سنتناوله في هذه الحلقة وهي الأخيرة من هذا الموضوع..

صور مستثناة من تحريم الاستنساخ البشري الكلي

فقد جاء من خلال كلام بعض الفقهاء القول بإجازة بعض صور الاستنساخ الكلي والتي يرونها لا تهدر كرامة الإنسان ولا تؤدي إلى فوضى أخلاقية أو مضرة بالناس وإنما يستفاد منها في علاج بعض المشكلات الفرد ية أو العامة ، فمن ذلك :
1ـ ما ذكره الدكتور وهبة الزحيلي أثناء كلامه عن الاستنساخ حيث تكلم أولا عن الاستنساخ الجيني وأعطى هذا الاستنساخ حكم طفل الأنابيب الذي أجاز مجمع الفقه الإسلامي صورتين منه وهما :
أ) أن تؤخذ نطفة من زوج وبويضة من زوجته ويتم التلقيح خارجيا ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة.
ب) أن تؤخذ بذرة الزوج وتحقن في الموضع المناسب من مهبل زوجته أو رحمها تلقيحا داخليا .
2ـ ما ذكره الدكتور الموفعة من أن الصور التي يمكن القول بالجواز فيها وهو فيما لو كان الزوجان عقيمين أو أحدهما بحيث لم يستطع الإنجاب ولم تجد معهما وسائل التلقيح الصناعي المطروحة بحيث كانت حالتهما أكبر من أن تعالج بالتلقيح الصناعي، فهنا يمكن القول بجواز الاستنساخ من خلال أخذ خلية جسدية من الزوج ثم تنزع نواتها وتزرع في بويضة الزوجة بعد إفراغ النواة منها ثم تجعل في الرحم حتى يتكون جنين فينزل بعد ذلك؟
هذه الصورة وإن كانت بعيدة عن أرض الواقع ولا يتصور أن تظهر قريبا إلا أنها من المحتمل أن تكون نظرا لكثرة البحوث التي تجرى على الاستنساخ
هذه الصورة اختلف فيها الفقهاء المعاصرون الذين درسوها إلى قولين:
قول رأى جوازها قياسا على صور التلقيح الصناعي الذي أجازته المجامع الفقهية بشروط معروفة وهي أن تكون البويضة من الزوجة والماء من الزوج وأن يتم إتلاف بقية الحيوانات التي لا تستخدم وأن يتم التلقيح على يد طبيبة مسلمة ثقة وأن يكون ذلك عند الضرورة، وقالوا إن هذه الشروط كافية في ضبط هذه المسألة وأن هذا داخل في باب التداوي والعلاج الذي أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يؤدي ذلك إلى مفاسد لأنه في حالات محدودة لعلاج أمراض معينة ولا يتنافى مع أحكام الله تعالى ولا يعد من التغيير في خلق الله، كما أن هذه الصورة لا تؤدي إلى العبث بالخلقة وإنما يكون ذلك في إطار أخلاقي. وذهبت طائفة كبيرة من أهل العلم إلى عدم جواز هذه الصورة وإلى منعها واحتجوا لذلك بحجج متعددة منها:
ــ أن في ذلك تغييرا لخلقة الله تعالى لأن الله تعالى قد جعل خلقة الإنسان بطريقة معينة وهو اجتماع ماء الرجل ببييضة الزوجة، وما يحصل بالتلقيح الصناعي لا يحيد عن هذه الطريقة فإن الجنين يتكون بماء الزوج وبييضة الزوجة، أما في الاستنساخ فإن فيه تغييرا لهذه الطريقة إذ لا يكون هنالك حيوان منوي وإنما تؤخذ خلية جسدية فيها الصفات الوراثية للرجل فقط وتزرع في المرأة التي لا يكون لها دور إلا الحمل ويخرج ذلك الجنين حاملا صفات الأب كاملة فلا يكون هنالك الامتزاج الذي أراده الله تعالى في الولد بين صفات الأب وصفات الأم .
ـ ثانيا: أن ماهية الاستنساخ تختلف عن ماهية التداوي لأن التداوي يزيل العلة بينما الاستنساخ لا يزيل العلة إذ الحكم يبقى ثابتا وإنما فيه تحايل على الطريقة الصحيحة التي شرعها الله تعالى للتناسل.
وذهبت طائفة من أهل العلم إلى التوقف نظرا لعدم وضوح صورة الاستنساخ لأنه ما زال في عالم الخيال العلمي والتصورات وليس في عالم الواقع فرأى التوقف وعدم الخوض في حكم هذه المسألة ورأوا أن يسدوا الباب بمنع الاستنساخ ولو حدث في المستقبل ووقعت حالات الاستنساخ فإن لكل حادثة حديثا. ولا شك أن هذا القول واضح صوابه حتى لا يتعجل الإنسان بمنع أو إجازة شيء لم يحط به من جميع جوانبه ولم ينظر إلى سلبياته وإيجابياته فنتوقف عن التفريع على الاستنساخ إلى حينه وإنما نقتصر على منعه حتى لا يتحول الإنسان إلى ألعوبة في يد العلماء والمجربين في المختبرات وفي ذلك ما فيه من تعريض الإنسان للإهانة ولتدنيس كرامته .
الاستنساخ
ذكرنا سابقا أن الاستنساخ ينقسم إلى قسمين: استنساخ جسدي واستنساخ جيني أو جنسي، أما الاستنساخ الجسدي فكما تقدم هو أن تأخذ خلية جسدية من إنسان وتزرع نواتها في بييضة منزوعة النواة وهذه الصورة تقدم الحكم فيها وهو القطع بالحرمة وعدم الجواز. أما الصورة الثانية فهي الاستنساخ الجيني أو الجنسي وتعرف أيضا باستنساخ الأجنة أو تجزئة الأجنة أو توأمة الأجنة وتقوم هذه الطريقة على إثارة النطفة التي تكونت من ماء الرجل وبييضة الزوجة لكي تنقسم إلى نطف متعددة للحصول على توائم متطابقة حقيقية كما سبقت الإشارة إلى ذلك وذلك للحصول على عدد أكبر من الأجنة. وهذه الصورة يفهم من قرار المجمع الذي سقناه أنها محرمة لا تجوز واستدل الدكتور سعيد بن منصور لهذا الرأي بعدة أدلة منها:
ـ أنه لا حاجة لاستخدام مثل هذه الوسيلة الطبية ولا مصلحة تسوغ ذلك ما دامت الأسرة مستطيعة على التناسل بطريقة صحيحة والدليل على ذلك تكون النطفة التي نريد تقسيمها إلى عدة نطف.
ـ ثانيا: أن استخدام هذه الطريقة نوع من التعسف والتدخل في قانون التناسل الطبيعي الذي شرعه الله والذي لا يعلم دقته وحكمته إلا الله سبحانه وتعالى .
ـ ثالثا: أن في القيام بهذا التصرف مخاطر متعددة واعتداء على حرمة الأجنة لأنا إذا استنسخنا عدة أجنة من جنين واحد فإما أن نعيدها كلها إلى رحم الأم وفي ذلك ما فيه من الضرر على الأم وقد يكون فيه أيضا ضرر على هذه الأجنة نفسها، وإما أن نعيد بعضها دون بعض وفي ذلك اعتداء على تلك النطف التي لا تعاد لأنها إما أن ترمى أو تجمد ويحتفظ بها لتزرع في رحم نساء أخريات وكل هذا ممنوع وعليه فيكون الاستنساخ الجنيني ممنوعا.
ـ كما أن في هذا التصرف اعتداء على قانون التفاوت والتنوع الذي أراده الله سبحانه وتعالى في الخلق إذ إننا بذلك نستطيع الحصول على توائم متطابقة متشابهة وهذا يفوت الحكمة العظيمة من الخلق حيث يجعل الله تعالى الولادة أحيانا ذكورا وأحيانا أخرى إناثا وأحيانا أزواجا بين الذكور والإناث.
وهذا القول واضح جلي وأدلته نيرة إذ إن فتح هذا الباب يؤدي إلى التلاعب وإلى التدخل في أمر استأثر الله تعالى بعلمه وتصريفه ولذلك كان القول الواضح هو منع هذه الصورة. وذهب الدكتور سعيد بن منصور إلى إمكانية القول بجواز الاستنساخ الجيني في أضيق صوره وذلك فيما لو كانت الأم يتعذر حملها لأكثر من بطن واحد أي لمرة واحدة لظروف صحية معلومة متثبت منها عند الأطباء، وكان الزوج لا يرغب في الزواج من امرأة أخرى لأسباب وظروف تمنعه من ذلك وقد شرط لجواز الاستنساخ الجنيني في هذه الحالة عدة شروط:ـ
الشرط الأول: كما تقدم تعذر إمكانية الحمل من الزوجة لأكثر من بطن لموانع طبية قطعية وتقارير معتمدة .
الشرط الثاني: عدم تجاوز عملية انشطار البييضة لأكثر من قسمين (توأمين) وذلك قياسا وتمشيا مع طبيعة التوائم الربانية المعروفة.
الشرط الثالث: عدم القدرة على الزواج من أخرى أوعدم الرغبة في الزواج أصلا.
الشرط الرابع: أن تكون هذه الوسيلة مأمونة العواقب طبيا وحددها بنسبة 80% فما فوق .
الشرط الخامس: ألا يتكرر استخدام هذه الوسيلة أكثر من مرة من الشخص الواحد.
الشرط السادس: ألا يخطر في ذهن المتعاطي لهذه الوسيلة أو يرد على باله أن ما وصل إليه من تعدد الأجنة بهذه الوسيلة هو بقدرته وفطنته وعلمه.
وقد تقدم أن التوقف عن البث في هذه القضية هو أحوط وأسلم لعدم تصور هذه القضية من جميع جوانبها والقول بجوازها في مثل هذه الظروف قول سائغ وإن كان القول بالمنع أسوغ نظرا لعدم الضرورة إليها لأن حصول طفل واحد في العائلة يحقق لهم المراد من حصول الذرية كما أن الرجل في الغالب يمكنه الزواج بزوجة أخرى ولا ضرورة تدعو إلى مثل هذه الصورة نظرا لما يكتنفها من مخاطر دينية وأخلاقية.
الاستنساخ النباتي
الاستنساخ النباتي وحكمه في الإسلام :ـ
الاستنساخ النباتي هو أهون وأقل ضررا كما هو واضح من استنساخ الإنسان نظرا لأن النباتات والحيوانات بل كل ما في الكون مسخر للإنسان ولا يمنع الإنسان من توظيف هذه المخلوقات فيما يحقق له المصلحة والنفع من غير عبث أو إفساد في الأرض ولهذا كان القول بجواز الاستنساخ النباتي ظاهرا وجليا ولكن لا بد أن يكون ذلك في ضوء ضوابط وشروط معينة يمكن أن نذكر منها ما يلي :
1ـ ألا يكون في ذلك إتلاف للنباتات لغير ما فائدة.
2ـ ألا يؤدي ذلك إلى العبث بالنعمة أو التقليل منها أو يؤدي إلى الترف المذموم شرعا.
3ـ ألا يؤدي إلى إصابة النباتات ببعض الأمراض التي تؤثر على نمائها واستمرارها أو يؤثر على الإنسان والحيوان الذي يستخدم هذه النباتات.
4ـ ألا يؤدي ذلك إلى الإسراف بحيث تنفق عليها أموال طائلة ولا يكون المردود الاقتصادي منها معادلا لذلك المال فإن المال نعمة يجب المحافظة عليها.


الاستنساخ الحيواني
الاستنساخ الحيواني وحكمه في الإسلام :ـ
ولا شك أن الحيوان هو مسخر للإنسان كما تقدم إلا أن الحيوان أعظم حرمة من النبات ولذلك نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن قتل الحيوان لغير مأكله ونهى صلى الله عليه وسلم عن تعذيب الحيوان وأمر صلى الله عليه وسلم بإحسان القتلة والذبحة كما في حديث شداد بن أوس اثنتان حفظتهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذ قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته"
وهذا يجعل التحفظ في الاستنساخ الحيواني أكثر والتشديد في عدم فتح الباب على مصراعيه من غير ما فائدة أكثر فأكثر، ولهذا وضع العلماء الذين درسوا هذه المسألة عدة ضوابط لجواز التجارب على الحيوانات للوصول إلى مرحلة الاستنساخ منها :ـ
1ـ أن تكون المقاصد التجريبية متفقة مع المقاصد الشرعية في حفظ النفوس والعقول والأعراض والأموال للإنسان .
2ـ ألا تكون الغاية من التجارب مجرد العبث بالحيوانات .
3ـ ألا يترتب على إجراء هذه التجارب مخاطر تضر بحياة الإنسان أو الحيوان نفسه أو البيئة في الحاضر أو المستقبل بصورة قطعية أو ظنية غالبا .
4ـ ألا تؤدي التجارب إلى تداخل عناصر الوراثة أو تعمل على انتقالها بصورة ينجم عنها بعض المضار المتوقعة .
وفي ضوء هذه الضوابط الشرعية يمكن القول بالجواز.
لا شك أن الحيوانات يختلف حكمها فمنه ما هو مأمور بقتله كالفواسق الخمس التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتلها في الحل والحرم وهي الفأرة والعقرب والغراب والحدأة والكلب العقور، فقد روى الربيع و البخاري ومسلم واللفظ للربيع عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح : الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور " .
ومنها ما نهى عن قتله صلى الله عليه وسلم كالنملة والنحلة والضفدع والصرد، فقد روى أبو داود عن ابن عباس قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل أربع من الدواب النملة والنحلة والهدهد والصرد. وروى أبو داود أيضا عن عبد الرحمن بن عثما : أن طبيبا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها. ومنها ما نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن أكله ككل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، فقد روى الربيع من طريق أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير حرام". ومنها ما هو مشروع أكله واقتناؤه كالحيوانات التي أباح الله تعالى أكلها، وفي ضوء الضوابط الشرعية السابقة فإن إجراء التجارب على ما أمر الشارع بقتله مقدم على غيره نظرا لقلة حرمته في الإسلام ثم يليه الحيوانات التي نهى الإسلام عن أكلها وهي كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير ثم يليه ما أباح الإسلام أكله ثم يليه الحيوانات التي نهى الشارع عن قتلها، وكل ذلك في ضوء الضوابط التي تقدمت والتي من ضمنها ألا يكون في ذلك تعدي على حرمة الحيوانات أو العبث بها أو التلاعب بحياتها فتقدم في التجارب الحيوانات التي أمر الشارع بقتلها فإن اقتصر عليها للحصول على النتائج المطلوبة لم ينتقل إلى غيرها ثم بعد ذلك الحيوانات التي نهى الشارع عن أكلها ثم الحيوانات التي أباح الشارع أكلها ولا يلجأ إلى التجارب على الحيوانات التي نهى الشارع عن قتلها حتى لا نقع في هذا النهي اللهم إلا لضرورة ملحة لا محيص عنها .

الخاتمة

نخلص من خلال ما كتبناه في مقالاتنا السابقة عن الاستنساخ إلى النتائج التالية :
ـ الاستنساخ في الاصطلاح هو: أخذ خلية جسدية من كائن حي تحتوي على كافة المعلومات الوراثية في ذلك الكائن وزرعه في بويضة مفرغة من موروثاتها .
ـ الصفات الموجودة في الكائن المستنسخ من حيث البنية الجسمانية كالشكل والحجم ولون البشرة تكون مشابهة لصفات الأصل المستنسخ منه ، أما الأشياء المعنوية والصفات الداخلية وهي الصفات الخلقية والسلوكية فإنه لا يلزم أن يكون هنالك تشابه بين الأصل والكائن المستنسخ منه .
ـ في الاستنساخ يتم تلقيح البييضة بخلية جسدية تشتمل على ستة وأربعين كروموسوما سواء كان المستنسخ ذكرا أم أنثى وهذه الخلية تحمل كافة الشفرة الوراثية لصاحب الخلية ولا يكون لصاحب البييضة أي تأثير في هذه العملية .4
ـ تاريخ الاستنساخ يعود إلى عام 1902م أي في بداية القرن العشرين الميلادي وذلك بما جاء في كتابات علماء الإحياء الذين تنبؤوا بأن التكاثر بطريقة الاستنساخ سيحدث يوما ما في المستقبل واستمرت الدراسات والبحوث إلى عام 1997م عندما جاء خبر النعجة دوللي الشهير والتي أنتجت من خلايا جسدية زرعت في بويضة منزوعة النواة.
ـ يتوقع الباحثون والكاتبون في مجال الاستنساخ أن تكون للاستنساخ عدد من المنافع إلا أن هذه المنافع تقابلها مضار كبيرة تربو عليها .
ـ الاستنساخ البشري ينقسم إلى قسمين: الاستنساخ الجزئي والاستنساخ الكلي فالاستنساخ الجزئي يقصد به استنساخ بعض الأعضاء البشرية كالكبد أو الطحال أو قرنية العين أو القلب أو بعض الأطراف كاليدين أو الرجلين أو الأصابع أو الجلد أو غير ذلك وهو مقبول من حيث الجملة وله أحكام تفصيلية يجدها القارئ في ثنايا البحث والاستنساخ الكلي للإنسان يقصد به إيجاد إنسان من غير الطريقة المشروعة التي سنها الله تعالى لإيجاد الإنسان، وهذه لها طريقتان :
ـ الاستنساخ الجسدي
ـ الاستنساخ الجنيني .
والاستنساخ الكلي من حيث الجملة مرفوض عند جميع الديانات والتشريعات سواء التشريع السماوي الإلهي أو التشريع الوضعي البشري، وقد جاءت بتحريم الاستنساخ الكلي القرارات المجمعية والبيانات الدولية .
ـ لو أصبح الاستنساخ البشري في المستقبل واقعا ملموسا فهنالك عدد من صور الاستنساخ الكلي يمكن القول بجوازها.
ـ الاستنساخ الحيواني والنباتي يمكن القول بجوازهما في ضوء ضوابط وشروط معينة يمكن أن نذكر منها ما يلي :
ـ ألا يكون في ذلك إتلاف للحيوانات أو النباتات لغير ما فائدة.
ألا يؤدي ذلك إلى العبث بالنعمة أو التقليل منها أو يؤدي إلى الترف المذموم شرعا.
ـ ألا يؤدي إلى إصابة الحيوانات أو النباتات ببعض الأمراض التي تؤثر على نمائها واستمرارها أو يؤثر على الإنسان والحيوان الذي يستخدم هذه النباتات.
ـ ألا يؤدي ذلك إلى الإسراف بحيث تنفق عليها أموال طائلة ولا يكون المردود الاقتصادي منها معادلا لذلك المال فإن المال نعمة يجب المحافظة عليها.

المراجع

1 ـ لسان العرب ، المصباح المنير : مادة نسخ .
2 ـ الموسوعة الفقهية للأجنة والاستنساخ البشري من الناحية الطبية والشرعية والقانونية د. سعيد بن منصور موفعة دار القمة الإسكندرية جـ 2/ 258 ، الاستنساخ البشري جريمة العصر الشيخ عرفان الدمشقي المكتبة العصرية صيدا بيروت ط1 1426هـ صـ 16 ، الاستنساخ وحكمه الفقهي بحث تخرج معهد العلوم الشرعية محمد بوعيش صـ 13 .
3 ـ الموسوعة الفقهية 2/ 258
4 ـ المرجع السابق 2/ 261
5 ـ الموسوعة الفقهية 2/275
6 ـ الموسوعة الفقهية 2/276ـ277
7 ـ دراسات فقهية في قضايا طبية معاصرة (عمليات التنسيل الاستنساخ وأحكامها الشرعية د. عبدالناصر أبو البصل جـ 2 /663) دار النفائس الأردن ط1 1421هـ ، الموسوعة الفقهية 2/ 279
8 ـ الاستنساخ البشري جريمة العصر صـ 14ـ28 ، الموسوعة الفقهية 2/303 ـ 310 الاستنساخ وحكمه الفقهي صـ 17
9 ـ الموسوعة الفقهية 2/342 ، الاستنساخ البشري صـ137
10 ـ دراسات فقهية 2/674 الاستنساخ البشري صـ105 ، الموسوعة الفقهية 2/346
11 ـ المرأة تسأل والمفتي يجيب ، سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي ، مكتبة الجيل الواعد ، جـ2 صـ 513
12 ـ الموسوعة الفقهية 2/ 454
13 ـ الموسوعة الفقهية 2/ 412 ، الاستنساخ البشري صـ 191
14 ـ الاستنساخ البشري صـ 111
15 ـ الموسوعة الفقهية 2/419 ـ452 ، الاستنساخ البشري صـ 196
16 ـ الموسوعة الفقهية 2/366ـ 374 ، الاستنساخ البشري صـ 150
17 ـ الموسوعة الفقهية 2/424 ، 457
18 ـ الاستنساخ البشري صـ 126 ، الاستنساخ وحكمه الفقهي صـ 14
19 ـ دراسات فقهية 2/658 ، الموسوعة الفقهية 2/469
20 ـ الموسوعة الفقهية 2/ 469
21 ـ الموسوعة الفقهية2/546 ، دراسات فقهية 2/667
22 ـ ـ الموسوعة الفقهية2/548، دراسات فقهية 2/667
23 ـ الموسوعة الفقهية 2/550

أعلى






(قل اعملوا...)
*كيفية تحديد الأجور وأسسه في النظام الإقتصادي الإسلامي*

أيها القراء الأعزاء:
يرى بعض الفقهاء أن تحديد الأجور يتم عن طريق أهل الخبرة والبصر والأمانة,مثل تحديد الأسعار, وأهل الخبرة هم أهل كل صنعة,قال ابن عابدين: (ويعتبر في كل تجارة ــ من المقومين ــ أهلها, وفي كل صنعة أهلها), ويقول في موضع آخر: (ولا بد أن يكون المقوم اثنين يخبران بلفظ الشهادة بحضرة البائع والمشتري, والمقوم الأهل في كل حرفة)
ويرىبعض الفقهاء إمكان قيام لجنة تحديد الأسعار,وهذه اللجنة تتكون من ولي الأمر أو من ينوب عنه,ومن أصحاب العمل والعمال, وغيرهم من أصحاب الخبرة والاختصاص.
ويقوم ولي الأمر أو من ينوب عنه بالتوسط بين العمال وأرباب العمل ويفاوضهم حتى يتوصل الى الأجرة العادلة أو السعر العادل الذي يرضى به الطرفان. ويقول بعضهم مبينين ذلك : (ينبغي للإمام أو من ينوب عنه أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء, ويحضر غيرهم استظهارا على صدقهم فيسألهم كيف يبيعون وكيف يشترون فينازلهم الى ما فيه لهم وللعامة سداد حتى يرضوا به)
إذا عرفنا جواز لجنة معينة مختصة بتحديد الأجور والأسعار فإنه لا بد من بيان الأساس الذي تبني عليه هذه اللجنة قرارها بتحديد الأجور. لقد اختلف الباحثون في نظام العمل في الشريعة الاسلامية في الأساس الذي تبني عليه تحديد الأجور على أقوال ثلاثة.
*القول الأول:
يرى أصحاب هذا القول أن الأجر يقدر بقيمة المنفعة وحدها لأن الأجر هو قيمة المنفعة التي يحصل عليها صاحب العمل من العامل. وهذه القيمة يقدرها أهل الخبرة على وفق قانون العرض والطلب فتقدر بأجر المثل. واستدل هذا الفريق بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تبين أن الأجر هو ثمن المنفعة, مثل قوله تعالى: ((فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن)). إذ جعل الله عزوجل الإرضاع سببا لإعطاء الأجر, ومقابلا له, فإذا لم يحصل الإرضاع فلا أجر. وقوله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة..., ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره). فقد دل هذا الحديث على أن استيفاء المنفعة ملزم لاستيفاء الأجرة, فدل هذا على أن المنفعة هي الأساس الوحيد للأجرة.
ونوقش هذا القول بأنه لم يراع احتمال مناورات أرباب العمل واحتكاراتهم وتأثير قانون العرض والطلب على سعر المنفعة في السوق. وهذا ما يؤدي بالعامل الى الشعور دوما بعدم الاستقرار والاطمئنان إذ ليس من العدل أن نعرض دخل العامل الى النقصان بمجرد إغلاق أحد المشاريع أو فشله في الصمود أمام المنافسة الداخلية او الخارجية. وليس من العدل ايضا أن نعرض حياة العامل للخطر في حالات التضخم النقدي إذا أصر أرباب العمل على تجميد الأجور او اتفقوا على وضع حد أعلى للأجور بصورة تبقى فيها دون المستوى العادل للأجر.
*القول الثاني:
يرى أصحاب هذا القول ان تحديد الأجر يتم على أساسين , الأول: قيمة العمل, والثاني: كفاية العامل واهله بالمعروف من غير تقتير ولا إسراف مع مراعاة اختلاف الأعمال والأشخاص والأحوال والأعراف. واستدلوا على ذلك بقولهم: إن الأجر في أغلب الحالات يكون هو المورد الوحيد الذي يعتمد عليه العامل في أمور معيشته, وتأمين حاجاته الأساسية فإذا لم يوفر له ما يكفيه من الأجر فإن ذلك يؤدي الى إضعافه او تركه العمل, وفي ذلك إضعاف للمجتمع والانتاج.
ونوقش هذا القول بأن قيمة العمل لا تصلح أساسا لتقدير الأجور لأن ذلك يؤدي الى اختلاف أجرة العامل باختلاف سعر السلع في السوق ومن ثم يكون أجر العامل تابعا لسعر السلع في السوق فيرتفع لارتفاعه وينخفض بانخفاضه ومن ثم فإن العامل يقلق ويضطرب لعدم استقرار أجره.
ثم إن أساس الكفاية المعيشية لا يصلح مقياسا لتحديد الأجر لأنه لا يحقق عدالة التوزيع على قدر الجهد أو المنفعة, إذ (فما يحسب للإنسان إلا كسبه وسعيه وعمله, لا يزاد عليه شيء من عمل غيره ولا ينقص منه شيء ليناله غيره). لقوله تعالى: ((وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)). ثم إن الله عزوجل حرم على الانسان أن يظلم أو يظلم بقوله تعالى: ((لا تظلمون ولا تظلمون)). فإذا أوجبنا على رب العمل كفاية العامل ومن يعول فإننا نظلمه إذ العامل يأخذ أجرا زائدا عن سعر المنفعة من ناحية, ثم إن صاحب العمل ليس مكلفا شرعا بكفاية العامل,لأن ذلك تتكفل به الدولة من الضمان الاجتماعي من ناحية أخرى. ثم إن العامل المعيل والعامل الأعزب إذا بذلا قدرا واحدا من الجهد في عمل واحد يجب ألا يحصلا على نفس الأجر بمقتضى هذا الأساس, لأن مسؤوليات المعيل وحاجاته أكثر من الأعزب, وهذا الأمر مخالف لعدالة التوزيع في الاسلام.
إعداد/علي بن عوض الشيباني.

 

أعلى


 


إصدارات
العاطفة الإيمانية وأهميتها في العمل الإسلامي

عرض : مبارك بن عبدالله العامري
العواطف الإيمانية وقود العبادات، فإذا عظمت في النفوس ارتقت العبادات، والعواطف كذلك أساس الأخلاق الحميدة كسلامة الصدر وقوة اليقين والإخلاص والعاطفة الدينية القوية قد حفظ الله بها الإسلام وأهله قروناً طويلة إذ بسببها يعبد الله ويوحد، وبها يحافظ على الشعائر والعبادات، وهي إن عظمت في النفوس حملتها على التضحية بالغالي والنفيس، وإن تضاءلت وصغرت فإنها تحمل النفوس على الشح والبخل وإيثار الحياة الدنيا والإخلاد إلى الأرض وجاء كتيب العاطفة الإيمانية وأهميتها في العمل الإسلامي للدكتور محمد موسى الشريف موضحاً دور العاطفة الإيمانية وأهميتها في العمل الإسلامي الكتيب صدر عن دار الفرقان للترجمة والتوزيع ويقع في 79
في بداية هذا الكتيب تطرق المؤلف إلى تعريف العاطفة لغة: العطف: الإشفاق والميل والحنو، ومعاني العطف تصريفاتها لا ترتبط ارتباطا قويا بما هو سائد اليوم عند الناس من معنى العاطفة، ولكن لها تعلقا لغويا لا يخفى.
والعاطفة اصطلاحاً : شعور أليم أو سار، ثابت مستقر في أعماق النفس حول شيء معين، كلما رأته العين أو سمعت به الأذن أو خطر على البال صاحبه ذلك الشعور السار أو المؤلم، وقيل العاطفة هي كل ما يعطف بالمرء ويميله إلى عمل فيه بلغة لما تنزع إليه نفسه كعاطفة الغضب والكرم وغير ذلك
وبين المؤلف عبر هذا الكتيب أهمية العاطفة الإيمانية وأثرها في الحياة إن للعاطفة القوية الدافقة آثارا متعددة منها 1- حسن التأثير صاحب العاطفة الإيمانية القوية شخص مؤثر بلا ريب، يجتمع الناس حوله وينبسطون به ويرحاتون إليه.
2 التوفيق والنصر إن الله تبارك وتعالى يهب أصحاب العواطف الإيمانية الصادقة القوية النصر والتوفيق والتمكين، إلا أن تشاء حكمته شيئاً آخر.
3 إنجاز الأعمال إن صاحب العاطفة القوية يندفع لإنجاز الأعمال التي يريدها أو توكل إليه اندفاعا محموداً، بعكس صاحب العاطفة الخامدة الذي لا يكاد ينجز شيئا.ً
4 إحسان أداء العبادات وهذا مقصد عظيم وهدف كبير، فإن إحسان أداء العبادات طريق إلى الجنان، وممر إلى رضوان الرحيم الرحمن جل جلاله، ودلالة على حسن الصلة بالله تعالى، أما إذا خمدت العاطفة فإنه تكون للعبادات صورة باهتة.
وتناول المؤلف أهمية استثارة عواطف الناس الإيمانية لما كانت العواطف الإيمانية القوية على هذا القدر من الأهمية كان لابد من احكام مخاطبة الناس باستثارة عواطفهم وإلهابها حتى يستجيبوا لما يراد منهم، والخطاب العاطفي يؤدي إلى تجاوز ما يأمر به العقل من تثبيط وإخلاد إلى الأرض ويرتفع بالمرء إلى أن يسمح بروحه طيبة بذلك نفسه وعلى هذا جرى الشرع الحكيم فقد جاء في الكتاب والسنة قدر كبير من الخطاب العاطفي المؤثر الحامل على الاستجابة لما يطلب الناس والارتداع عما يزجرون عنه، وكان من حكمة الله تبارك وتعالى أن بث في كتابه آيات الترغيب والترهيب التي تستثير العاطفة الإيمانية وتسمو بها إلى أرقى المنازل وتدفع صاحبها دفعاً إلى الطاعة والانتهاء من المعصية يقول سبحانه وتعالى: "وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ* إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ* وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأجَلٍ مَّعْدُودٍْْْْْْْْ يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ* فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ* خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ* وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ" {102-108هود} كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه بأحاديث تستثير عواطفهم الإيمانية إلى الغاية، وتؤثر فيهم إلى درجة البكاء أو إلى حد التضحية بأرواحهم في سبيل الله.
وأشار المؤلف عبر هذا الكتيب إلى أمور تتجاذب العاطفة وتنازعها ومن هذه الأمور :
1- العاطفة والعقل ليس التركيز على العاطفة الإيمانية القوية معناه إهمال الجانب العقلي من حياة الإنسان وتهميشه بل المطلوب هو مراعاة الجانب العقلي فيما يجب أو ينبغي إعمال العقل فيه، وفي الوقت نفسه ينبغي السمو بالعاطفة الإيمانية بالدرجة التي تجعل المرء يحسن الاستجابة لله ورسوله، ويضحي بالغالي والنفيس في سبيل دينه وإعلاء رايته وكلمته، فالعقل والعاطفة نافذتان يدخل منهما نور الهداية ويستقر في الوعي، وينقاد المرء لما يتجهان إليه ويبصرانه به، وفي تكافلهما لا شك حفاظ من الزلل، وفي مناجاتهما توفير لأسباب الرشد، وحيطة في التوجيه وفي حسن التربية.
2- العاطفة والطاعة: الطاعة على أهميتها وعظم شأنها وخطرها مغنية عن العاطفة، وليست العاطفة بمغنية عن الطاعة كذلك، بل العاطفة هي المظهر الجميل للطاعة، كالبستان الجميل الرائع الذي يأخذ الألباب والقلوب، فثمار البستان وزرعه وإنتاجه يقابل بطاعة، وجماله وبهاؤه وسناؤه وحسن منظره يقابل العاطفة، فما أحسن حال المطيع ذي العاطفة القوية، وما أقبح شأن أصحاب العاطفة القوية لكنهم يتساهلون في اتباع الأوامر واجتناب النواهي.

أعلى


 

حسن المعاملة ..

سيف بن عبدالله الناعبي
خلق الله عز وجل لنا في هذه الدنيا أزواجاً نسكن إليها، وجعل المودة والرحمة دوحة نستظل بها. ورغبة في تجديد ما تقادم من المعلومات، وتذكير من غفل من الإخوان والأخوات، فإن الحقوق الزوجية عظيمة ويترتب عليها أمور مهمة قال الله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً). وهذه المرأة ـ أخي القارئ المسلم ـ التي تحت يدك أمانة عندك، ومسؤول عنها يوم القيامة، هل أديت حقوقها أم فرطت وضيّعت؟، وإليك ذكر لبعض هذه الحقوق :
أولاً: الوصية بالنساء خيراً امتثالاً لقول الله تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ )، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام : استوصوا بالنساء خيراً، فإن المرأة خُلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تُقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء. وعنه أنه قال: اللهم إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم، والمرأة } (رواه أحمد)
ثانياً: إعطاؤها حقوقها وعدم بخسها، فعن معاوية بن حيدة قال: قلت: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أن يطعمها إذا طعم، ويكسوها إذا اكتسى، ولا يضرب الوجه، ولا يقبح، ولا يهجر إلا في البيت } [رواه أحمد]. وبعض الناس يأخذه الكرم والسخاء مع الأصدقاء وينسى حق الزوجة، مع أن المرء يؤجر على إنفاقه في بيته أعظم من غيره، كما روى ذلك أبو هريرة أن رسول الله قال: دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجراً للذي أنفقته على أهلك} [رواه مسلم]، وآخرون اتخذوا ضرب زوجاتهم مهنة لهم فلا يرفع يده عنها، وعائشة رضي الله عنها تقول: (ما رأيت رسول الله ضرب امرأة..) [رواه مسلم]. والرسول هو القدوة والمثل. وآخرون اتخذوا الهجر عذراً وطريقاً لأي سبب حتى وإن كان تافهاً، وربما هجر المسكينة شهوراً لا يكلمها ولا يؤانسها، وقد تكون غريبة عن أهلها أو شابة صغيرة يخشى على عقلها من الوحدة والوحشة.
ثالثاً: تعليمها العلم الشرعي وما تحتاج إليه من أمور العبادات وحثها وتشجيعها على ذلك، يقول الله تعالى: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) [الأحزاب:34]، وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن أبيها: (نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين) [رواه البخاري]. وعلى الزوج أن يتابع تعليمها القرآن الكريم والسنة المطهرة ويشجعها ويعينها على الطاعة والعبادة، قال تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا )[طه:132]، قال: {رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فصلى، فإن أبى نضحت في وجهه الماء.
رابعاً: معاملتها المعاملة الحسنة والمحافظة على شعورها وتطييب خاطرها، قال تعالى:( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (قال ابن عباس رضي الله عنهما: ( إني أحب أن أتزين للمرأة، كما أحب أن تتزين لي، لأن الله ذكره بقوله: )وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (ومن أهم الأمور التي انتشرت في أوساط بعض الأسر المسلمة من المخالفات في تلك المعاملة الحسنة التي أُمرنا بها: بذاءة اللسان، وتقبيح المرأة خِلقةً أو خُلقاً، أو التأفف من أهلها وذكر نقائصهم، وكذلك سب المرأة وشتمها ومناداتها بالأسماء والألقاب القبيحة، ومن ذلك إظهار النفور والاشمئزاز منها. ومن ذلك أيضاً تجريحها بذكر محاسن نساء أخريات، وأنهن أجمل وأفضل، فإن ذلك يكدر خاطرها في أمر ليس لها يد فيه.
ومن المحافظة على شعورها وإكرامها، مناداتها بأحب الأسماء إليها، وإلقاء السلام عليها حين دخول المنزل، والتودد إليها بالهدية والكلمة الطيبة، ومن حسن الخلق وطيب العشرة عدم تصيد أخطائها ومتابعة زلاتها، بل العفو والصفح والتغاضي خاصة في أمور تجتهد فيها وقد لا توفق. وتأمّل في حديث الرسول: إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلقاً، وخياركم خياركم لنسائكم.
خامساً: المحافظة عليها من الفساد ومن مواطن الشبه، وإظهار الغيرة عليها، وحثها على القرار في البيت، وإبعادها عن رفيقات السوء، والحرص على أن لا تذهب إلى الأسواق بكثرة وإن ذهبت فاذهب معها، وأن لا تدعها تسافر بدون محرم، واستشعر أن هذه أمانة عندك مسؤول عنها يوم القيامة كما قال الرسول: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.
سادساً: إعفافها وتلبية حاجاتها، فإن ذلك يحفظها ويغنيها عن التطلع إلى غيرك، واحرص على إشباع حاجاتها العاطفية بالكلمة الطيبة، والثناء الحميد، واقتطع من وقتك لها، واجعل لبيتك نصيباً من بشاشتك، ودماثة خلقك، روى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال: يا عبدالله، ألم أُخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟ } قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: { فلا تفعل، صُم وأفطر، وقُم ونم، فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً} [رواه البخاري]. وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: {وفي بضع أحدكم صدقة} قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟ قال: { أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر}
ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً، اللهم أصلح زوجاتنا وذرياتنا، وبارك لنا في أموالنا وأولادنا، وتقبل منا واغفر لنا وارحمنا إنك أنت السميع العليم. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أعلى


 

الجنة والنار

لقد خلق الله الخلق لتنفذ فيهم قدرته وتجري عليهم أحكامه الشرعية والقدرية ، قال تعالى ((وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير)) الأنعام:18 خلق الكون بالحق ليطاع جل وعلا ويعمر الكون بالصلاح والإصلاح وجعل للمكلفين مشيئة واختيارا أناط به التكليف ولا يخرج العبد بتلك المشيئة عن قدرة الله ومشيئته، فمن وافق مراد الله المحبوب له وعمل بالحق الذي لأجله خلق الكون وأطاع ربه جزاه الله الجزاء الحسن في الدنيا وفي الآخرة كما قال تعالى: ((من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)) النحل:97 ومن ضاد مراد الله المحبوب له وعارض شريعة الإسلام وعصى ربه عاقبه الله في الدنيا والآخرة، قال عز وجل: ((فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى )) طه:123،
وأعمال العباد محصاة عليهم صغيرها وكبيرها ليجازوا عليها كما قال عز من قائل سبحانه: ((ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى)) النجم:31 فالجزاء الحقيقي الدائم في الآخرة وأما في الدنيا وإن كان فيها جزاء على الخير أو على الشر فإنه جزاء قليل وجزاء منقطع تنقضي أيامه وتسرع ساعاته حتى إن عمر الدنيا كلها يراه العصاة مقدار ساعة من نهار كما قال تبارك وتعالى: ((ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون)) الروم:55 ولكن الجزاء الأبدي السرمدي الذي لا ينقطع في الآخرة؛ إما دار نعيم وإما دار جحيم.
والجزاء بالجنة على الأعمال الصالحة والعقاب بالنار على الأعمال الشريرة في غاية المناسبة والمجانسة، فإن الجزاء من جنس العمل، فلما كانت الأعمال الصالحة تتنوع في حقائقها ومنافعها كان نعيم الجنة منوعا في حقائقه ومنافعه وطعومه ولذاته، ولما علم الله منهم العزم والتصميم والإرادة الجازمة على دوام عبادة الله وطاعته أدام الله عليهم النعيم المقيم كما قال تبارك وتعالى: ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا خالدين فيها لا يبغون عنها حولا)) الكهف:107، 108 ولما كانت الأعمال الشريرة تتنوع في حقائقها المرة ومضارها وخبثها وشرورها كان عذاب النار منوعا في شدته وألمه ومرارته بحسب الأعمال ولما علم الله أن أهل النار دائمو العزم والإرادة على الكفر والمعاصي وأنهم إن ردوا إلى الدنيا عادوا إلى الكفر والعصيان، لما علم الله منهم ذلك أدام عليهم العذاب الأليم، قال تبارك وتعالى: ((ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون)) الأنعام:27، 28
إن أصفى ساعات المسلم وأفضلها وأرقى درجاته أن يستولي على قلبه الطمع في الجنة والخوف من النار، وقد كان السلف الصالح رضي الله عنهم يغلب على قلوبهم الخوف من النار والطمع في الجنة في كل حال من الأحوال، فصلحت أعمالهم واستقامت لهم أمورهم فعمير بن الحمام رضي الله عنه لما قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في غزوة بدر: (قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض) كان في يده تمرات، فرمى بهن وقال: لئن بقيت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فقاتل حتى استشهد رضي الله عنه، وأنس بن النضر رضي الله عنه قال: إني لأجد ريح الجنة من دون أحد، وذلك في غزوة أحد، فاستشهد رضي الله تعالى عنه.
والكلام عنهم في هذا يطول، ونحن بحاجة إلى ذكر الجنة والنار في قلوبنا ونوادينا وفي ليلنا ونهارنا لتستقيم أحوالنا وتصلح أعمالنا ولا سيما في هذا العصر الذي طغت فيه المادة وتظاهرت الفتن وانتشرت وقل الناصح وضعف الإيمان وتزينت الدنيا بزخرفها وزهرتها وأثقلت الكواهل بكثرة مطالبها وأرهقت الأعصاب بتشعب حاجاتها، حتى صار التحاب من أجلها والتباغض من أجلها والتواصل لها والتقاطع لها إلا من شاء الله تعالى، فكانت أكبر ما يصد عن الآخرة، قال الله تعالى: ((إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون)) يونس:7، 8، الطمع في الجنة قائد والخوف من النار زاجر وسائق الجنة حق أن يطلبها المسلم جهده ففيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (ألا هل مشمر للجنة، فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد ونهر مطرد وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة وحلل كثيرة ومقام في أبد في دار سليمة وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في محلة عالية بهية) قالوا: نعم يا رسول الله، نحن المشمرون لها، قال: (قولوا: إن شاء الله) فقال القوم: إن شاء الله. رواه ابن ماجه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (بناء الجنة لبنة ذهب ولبنة فضة وملاطها المسك وهو ما يكون بين اللبن وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وترابها الزعفران ومن يدخلها ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت ولا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه)، وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي قال: (إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها في السماء ستون ميلا، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن، فلا يرى بعضهم بعضا) رواه البخاري ومسلم وأما شرابهم فكما قال الرب جل وعلا: ((مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى)) محمد:15، وأما النار وما أدراك ما النار فلا أريد الحديث عنها وأكتفي بأن أقول أنها مثوى الأشرار ومكان الخبث والذلة والخزي والصغار، بعيدة القعر، لو أن الحجر يلقى من شفيرها ما أدرك لها قعرا سبعين خريفا. رواه مسلم
هذا والله تعالى ورسوله والمؤمنون أعلى والله تعالى أعلم
أنس فرج محمد فرج

أعلى


 

مؤسسة الفتوى
النشأة والأطر المستقبلية
2ـ2

محمد زاهد جول

وقد تبوأت الفتوى مكانةً عظيمةً في الإسلام، واعتنى ببيان ماهيتها علماء الفقه والأصول، وبحثوا في ضوابطها وأصنافها، وماهية المفتي والمستفتي من أجل ضبط هذه المؤسسة، وللحيلولة دون دخول من ليس من أهلها، وصيانتها من المتطفلين، والمتطاولين، فبحسب الغزالي: "المفتي هو المستقل بأحكام الشرع نصًّا، أو استنباطًا"(3)
أما الشَّاطبي فيقول: "المفتي: قائم في الأمة مقام النبي (، والدليل على ذلك أمورٌ:
أحدها: النقل الشرعي في الحديث: "إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لا يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم".
وثانيها: أنه نائبٌ عنه في تبليغ الأحكام؛ لقوله: "ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب"، وقال: "بلغوا عني ولو آية"، وإذا كان كذلك فهو معني كونه قائمًا مقام النبي (.
وثالثها: أن المفتي شارعٌ من وجهٍ، لأن ما يبلغه من الشريعة إما منقولٌ عن صاحبها، وإما مستنبطٌ من المنقول؛ فالأول يكون فيه مبلغًا، والثاني يكون فيه قائمًا مقامه في إنشاء الأحكام. وإنشاء الأحكام إنما هو للشارع.
وعلى الجملة فالمفتي مخبرٌ عن الله كالنبي، وموقع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنّبي، ونافذ أمره في الأمور"(4).
ويؤكد الجويني على مقام الإفتاء، ومنزلة المفتي، صيانةً لهذه المؤسسة من الدُّخلاء، ويعتبر المفتي "مناط الأحكام، وهو ملاذُ الخلائق في تفاصيل الحلال والحرام"(5).
والإفتاء في اللُّغة هو الإبانة(6)، وفي الاصطلاح، يقول القرافي: "الفتوى إخبار عن الله تعالى في إلزام أو إباحة"(7) .
وعرفها الجرجاني بقوله: "الإفتاء: بيان حكم المسألة"(8).
ولا خلاف بين العلماء على أن شرط الإفتاء هو الاجتهاد عند الأئمة باستثناء الأحناف الذين جعلوا الاجتهاد شرط أولوية(9)، للتيسير على الناس، ولا يخفى على أحدٍ جملة الشروط الضرورية الواجب توافرها في المجتهد نظرًا لخطورة هذا المنصب(10).

لقد تشكلت مؤسسة الفتوى في الإسلام، بعيدًا عن سلطة الدولة في بداياتها مع حدوث استثناءات في بعض مجالاتها، ومع مرور الوقت بدأت تبرز نوع من المؤسسات المرتبطة بالدولة، وظهرت عائلات علمية تحولت إلى ارستقراطية دينية، توارث أبناءها مناصب القضاء والتدريس والإفتاء، وذلك بالتحالف مع السلطة السياسية، وخاصة مع ظهور المدارس السلطانية في ظل حكم الأتراك السلاجقة، ومأسسة منصب قاضي القضاة في المشرق، وقاضي الجماعة في المغرب(11).
ومع الدولة العثمانية ظهرت مؤسسة شيخ الإسلام، وهو اللقب الذي أطلق على مفتي الأستانة، والذي اكتسب أهميةً كبيرةً لا نظير لها في التاريخ الإسلامي، ويعتبر الشيخ أده بالي أول مفتٍ تولي الإفتاء في البلاد العثمانية في الفترة (1288-1326) ، وجاء أن مفتي الأنام قد تعيّن في عهد مبكرٍ يرجع إلى أيام مراد الثاني، وعقدت له الرياسة على جميع المفتين الآخرين، ويعتبر محمد الثاني أول من خلع اللقب الرسمي "شيخ الإسلام" عقب فتح القسطنطينية على الشيخ خضر بك علي، وجعل له في نفس الوقت الرياسة على قاضي العسكر، ولم يظهر نفوذ مفتي استانبول العظيم إلا على عهد سليم الأول في الأربع والعشرين سنة التي تولى فيها هذا المنصب المفتي المشهور زميللي علي جمالي أفندي، وقد كان شيخ الإسلام صاحب الأمر المطاع عند جميع علماء الدولة العثمانية وقضاتها(12).
لقد تبوأ العلماء في الإسلام بمنزلةً رفيعةً كحملةٍ لعلوم الشريعة، لا يدانيهم فيها إلا الأمراء، وبقي العلماء والمفتون طوال التاريخ الإسلامي يتقاسمون الوظائف مع الخلفاء، وكانت السلطتان العلمية والسياسية يسيران جنبًا إلى جنبٍ مع تغول السياسي على الديني في أحيانٍ كثيرة، إلا أن انفراط عقد الخلافة العثمانية على عهد كمال أتاتورك عام 1924، خلّف فراغًا سياسيًّا وعلميًّا.
ومع وقوع العالم الإسلامي تحت سيطرة الاستعمار، حيث شهدت هذه المرحلة إعادة النظر في مفهوم السلطة السياسية والسلطة العلمية، انتهت عقب خروج الاستعمار، ونشوء الدولة الوطنية بانفصال السياسي عن الديني، حيث تبنت الدولة الوطنية نموذجًا للدولة هجينًا، يفصل بين الدولة والمجتمع، إذ تمت استعارة النظم السياسية والقانونية من الحداثة السياسية الغربية، على صعيد الدولة، فيما تركت الشأن الاجتماعي والفردي للفقهاء والمفتين الذين انحصرت مهامهم في مجال الإصلاح والإرشاد الديني، وتدبير شؤون الأحوال الشخصية، واستحدث منصب المفتي وقاضي القضاة، كأحد أجهزة الدولة، في ظل أنظمةٍ علمانيةٍ نبتت النهج الأتاتوركي المتغرب، ومع تنامي صعود الحركات الإسلامية، منذ سبعينيات القرن العشرين وازدياد وانتشار ظاهرة التّدين والصحوة الإسلامية، أصبحت المؤسسات الدينية الرسمية، التي تتبع السلطة تفقد سلطانها في احتكار الفتوى.
وظهرت حركات وجماعات تشكك في علمها وسلوكها وتوجهاتها الأمر الذي خلق حالةً من الفوضى في مؤسسة الفتوى، وظهرت الأصوات بضرورة ضبط الفتوى وإعادة مأسستها(13).
لقد ظهرت الحاجة إلى مأسسة الفتوى، وضرورة الاجتهاد الجماعي عقب الفوضى التي اجتاحت هذه المؤسسة، بفعل التطورات الهائلة التي حدثت في وسائل الاتصال، فقد باتت الفتوى تنتقل إلى شتى أرجاء المعمورة لتبلغ إلى ملايين البشر، خلال ثوانٍ معدودةٍ، إذ هناك حوالي 15 قناة إسلامية ذات توجهاتٍ مختلفة، وفي الشرق الأوسط أكثر من 260 ألف موقع الكتروني يتعامل مع الشأن الإسلامي، وعلى سبيل المثال؛ فإن موقع إسلام أون لاين تدخله يوميًّا 35 فتوى غير الآراء التي تبث فيه ردًّا على أسئلة المتابعين في مختلف الشؤون الدينية، أما موقع الشبكة الإسلامية فإنه يضيف يوميًّا 50 فتوى، وفي رصيده تتراكم إلى أكثر من 644 ألف فتوى(14).
ظهرت في هذا السياق دعواتٌ عدةٌ من أجل إعادة الهيبة إلى مؤسسة الفتوى وضبطها وتفعيلها، وبرزت عدة اقتراحاتٍ بإنشاء مجامع فقهية للفتوى، ولعل أول فكرةٍ لإنشاء المجامع الفقهية والاجتهاد الجماعي جاءت ضمن فعاليات مؤتمر رابطة العالم الإسلامي الذي عقد في مكة المكرمة (1384 هـ) باقتراحٍ من الشيخ مصطفى الزرقا - رحمه الله - إذ قال: "إذا أريد إعادة الحيوية لفقه الشريعة بالاجتهاد الواجب استمراره شرعًا، والذي هو السبيل الوحيد لمواجهة المشكلات الزمنية الكثيرة بحلولٍ شرعيةٍ حكيمةٍ، عميقة البحث، متينة الدليل، بعيدة عن الشبهات والريب والمطاعن، وتهزم آراء العقول الجامدة على السواء، فالوسيلة الوحيدة هي اللجوء إلى اجتهاد الجماعة بديلًا عن الاجتهاد الفردي، وطريقة ذلك تأسيس مجمع للفقه يضم أشهر فقهاء العالم الإسلامي، ممن جمعوا بين العلم الشرعي والاستنارة الزمنية، وصلاح السيرة والتقوى، يضم إلى هؤلاء علماء موثوقٌ بهم في دينهم من مختلف الاختصاصات الزمنية اللازمة في شؤون الاقتصاد والاجتماع والقانون والطب، ونحو ذلك، ليكونوا بمنزلة خبراء يعتمد الفقهاء رأيهم في الاختصاصات الفقهية"(15) .
وقد أعقب هذه الدعوة نشوء عددٍ من المجامع العلمية، ومن هذه المجامع والهيئات: المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي ومقره مكة المكرمة، والمجمع الفقهي لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في مصر، ومجلس الفكر الإسلامي في إسلام آباد بباكستان، وأكاديمية الفقه الإسلامي في دلهي بالهند، وأنشأ المجمع الفقهي العالمي(16).
وعلى الرغم من وجود هذه المجامع الفقهية التي تهدف إلى ضبط الفتوى، بالإضافة إلى مؤسسات الإفتاء الرسمي، إلا أن هذه المؤسسات التي تعمل على إعادة هيكلة ومأسسة الفتوى في العالم الإسلامي التي لم تلقي النجاح المأمول لأسباب عديدة، وفي مقدمتها فقدان الاستقلالية، وشيوع النزعة القطرية، والهوة السحيقة بين المؤسسة السياسية والعلمية، وتضارب المصالح والمنافع، فضلًا عن أن مؤسسة الفتوى المبنية على الاجتهاد تاريخيًّا، تتأسس على مفهوم الحوار والاختلاف الذي يطبع مسار الممارسة الإسلامية.
ولعل الأزمة الحقيقية التي تواجه مؤسسة الفتوى هو الانقسام الحاد حول مفهوم الشرعية والسلطة والحكم في العالم الإسلامي، والصراع والتنازع حول دور الإفتاء كسلطةٍ علميّةٍ سياسيةٍ في ظل مفهوم الدولة المركزية الحديثة
ـــــــــــــ
المراجع .
(1) مصطفى أحمد الزرقاء: "المدخل الفقهي العام"، دار الفكر، دمشق، الطبعة التاسعة، 1967-1968، 1/148-149.
(2) د. محمد سليمان الأشقر: "الفتيا ومناهج الافتاء" دار النفائس، الأردن، عمان، الطبعة الثالثة، 1993، ص 19-20.
(3) أبو حامد الغزالي: "المنخول من تعليقات الأصول" دار الفكر المعاصر، بيروت، ص 572.
(4) أبو إسحاق الشاطبي: "الموافقات في أصول الشريعة"، المكتبة التِّجارية الكبرى، القاهرة، ص 4/244-245.
(5) الجويني: "البرهان في أصول الفقه"، دار الوفاء، المنصورة، الطبعة الثالثة، 1992-2/869.
(6) ابن منظور: "لسان العرب"، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى، 15/148.
(7) القرافي: "الذخيرة" دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1994، 10/121.
(8) الجرجاني: "التعريفات" دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1405، ص 49.
(9) انظر: ابن الهمام: "شرح فتح القدير" ، 5/456، والسرخسي: المبسوط: 16/109.
(10) حول الاجتهاد والمجتهد والمفتي وشروطه، انظر: هلا العريس: "الاجتهاد والتقليد"، مجلة الاجتهاد، العدد التاسع، السنة الثالثة، خريف، 1990، دار الاجتهاد، بيروت، ص 115-144.
(11) عبد اللطيف الهرماسي: "السلطة والقضايا والمسؤولية في المجال الإسلامي" مجلة التسامح؛ العدد التاسع، شتاء، 2005، ص 23.
(12) محمد زاهد: "الوظائف الدينية في الدولة العثمانية: مؤسسة شيخ الإسلام نموذجًا، مجلة القبلة، عمان، العدد الخامس، 2002، ص 51.
(13) ظهرت في هذه الفترة عدة كتبٍ ودراسات تطالب بوضع ضوابط للفتوى وتطالب بإعادة مأسستها ، انظر:
- أحمد علي طه الريان: "ضوابط الاجتهاد والفتوى" دار الوفاء، المنصورة، الطبعة الأولى، 1995.
- عامر سعيد الزيباري: "مباحث في أحكام الفتوى" ، دار ابن حزم، بيروت، الطبعة الأولى، 1995.

- د. عبد المجيد محمد السوسوه: "ضوابط الفتوى المعاصرة في القضايا المعاصرة"، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة الكويت، العدد 22، 2005، ص 228-297.
- د. علي محمود الزقيلي: "ضوابط الإفتاء" المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، جامعة آل البيت، المجلد 3، العدد 3، شعبان 1428هـ، أيلول 2007، ص 143-157.
(14) فهي هويدي: "في ظل فوضى الإفتاء في المذهب السني.. دعوى لوقف تدهور صناعة الفتوى" ، جريدة الشرق الأوسط، 30/5/2007.
(15) مناع القطان: "تاريخ التشريع الإسلامي" ، مكتبة وهبة، القاهرة، 1989- ص 405.
(16) د. معتمد علي أحمد: "الفتوى: أدبيات الإفتاء في الفقه الإسلامي، الواقع والمأمول"، دار الهدى للنشر والتوزيع، المنيا، 2007، ص 277-278.

كاتب وباحث تركي في قضايا الفكر الإسلامي

 

أعلى


 


الروح الرياضية .. (5)

بعدما تحدثنا في الحلقة السابقة عما يتعلق بالرياضيين من الأمور سنتطرق في هذه الحلقة لما يتعلق بالمشجعين من أمور وهو العنصر الثاني من الموضوع :
ثانيًا : ما يتعلق بالمشجعين والجماهير الرياضية : ينبغي لنا المشجعين والمشاهدين للرياضة والرياضيين أن يبتعدوا عن الانحراف الأخلاقي ، الذي قد يبلغ في بعض الأحيان إلى مستوى العنف ، ومعناه الاستخدام غير الشرعي أو غير القانوني للقوة بمختلف أنواعها في مجال الرياضة ، وينطبق هذا التعريف علينا كجماهير ومشاهدين للمنافسة الرياضية عند استخدامها للعدوان والشغب في مواجهة اللاعبين أو مشجعي الفرق الأخرى سواء داخل الملاعب أو على الآخرين خارج الملاعب الرياضية .
ويرتبط العدوان أو العنف الجماهيري و المشاهدين للمنافسات الرياضية بظاهرة الشغب ويقصد بها : مجموعة الأنماط السلوكية المرتبطة بالانفعالات ، والتي تصدر من جماهير المشاهدين للمنافسات الرياضية تحت ظروف معينة ، والتي تتصف بأنها خارجة عن السلوك العام الذي يحدده المجتمع وفقـًا لظروف ومعايير اجتماعية وتربوية وغيرها من المعايير الأخلاقية .
وفي السنوات الأخيرة تزايدت ظاهرة عنف وشغب الجماهير من المتفرجين أو المشاهدين للمنافسات المحلية أو الدولية ، ومظاهر هذا العنف أو الشغب قد تمتد أحيانـًا إلى خارج محيط الملعب الرياضي ، فيحدث في الشوارع ، وقد ارتبط بالأعمال التخريبية التي تحاول تحطيم وسائل النقل أو المتاجر أو المحلات أو محاولات الاعتداء على الآخرين أو على رجال الأمن ، ومن صور العنف و الشغب التي يجب تجنبها :
1- ما يحدث من تنابز بالألقاب ، وظهور عصبيات مقيتة للفرق الرياضية المختلفة ، فهذا يشجع فريقـًا ، وذاك يشجع فريقـًا آخر ، وبالتالي الانتقال من طور التشجيع إلى طور السخرية ، والنهاية الشجار والعراك ، وبالتالي يكون الحصاد التفرق وإشاعة العداوة والبغضاء بين الأفراد والمجتمعات .
2- ما يحدث من كوارث ومصادمات وحوادث مؤلمة بسبب المشاهدة نتيجة التقاذف بالأحجار والزجاج إذا فاز فريق على آخر ، ومن انهيار وسقوط المئات من مدرجات المتفرجين ، موت الآلاف من البشر لا في حرب ، ولا نتيجة كوارث طبيعية بل لمشاهدة كروية .
وقد أشارت الأنباء إلى حدوث أنواع متعددة من العنف والشغب في العديد من البلدان في العالم ، ولعل لعبة كرة القدم تعتبر من الألعاب التي ترتبط بعنف المتفرجين بالرغم من أنها ليست اللعبة الرياضية الأكثر عنفـًا بالمقارنة بأنشطة رياضية أخرى ، وقد يعزى ذلك إلى الخصائص التي تتميز بها لعبة كرة القدم ، مثل : اتساع ملاعبها ، وكثرة المتفرجين ، وشعبيتها الجارفة ، والتعصب لأنديتها ولاعبيها ، واهتمام وسائل الإعلام بها ، وكذلك نظام المراهنات في بعض دول.
فأصبحت الرياضة عند المنحرفين والساقطين معركة تكون نتيجتها سيلان الدماء والتباعد والتفرق وتخريب الممتلكات والبلدان ، فهؤلاء يمثلون أخلاقهم الساقطة وثقافتهم البليدة ، وليس لهم في الحقيقة أي دراية بالرياضة وقيمتها ، وروحها وفوائدها ، فأين الأداء الجميل خلال المباراة ، وأين الأخلاق الفاضلة بين المشجعين للفرق المشاركة في الدورات ، وأين النظام والهدوء والحفاظ على الأرواح والممتلكات وقبل ذلك الحفاظ على القيم والمبادئ . خلاقها
ويمكن حصر أهم أسباب وعوامل عنف وشغب الجماهير في الرياضة يمكن أن ينحصر في العوامل والأسباب التالية :
1- خصائص المنافسة : وتتمثل في : المنافسة الشديدة بين أندية معينة ، وطبيعة النشاط الرياضي ، والوقت المتبقي من المنافسة ، والنتيجة النهائية للمنافسة ، وسلوك اللاعبين أثناء اللعب ، ومدى أهمية المنافسة ، ومكان إقامة المنافسة ، والتحكيم المرتبط بالقرارات الخاطئة أو التحيز .
2- خصائص الجمهور : التعصب الأعمى ، وشحن الجماهير ، وإحباطه ، وتفريغ الانفعالات المكبوتة ، والاستفزاز ، وسلوك كبار المشجعين .
3- العوامل البيئية : تأثير وسائل الإعلام ، وعوامل التربية ، والمشكلات الخاصة للأفراد ، وانعدام أو ضعف الوقاية الأمنية ، والنزاعات المحلية ( الجمهورية ) أو القومية ، والاحتراف الرياضي المقنع أو غير المقنع .
يحيى بن أحمد بن علي بني عرابة
معهد العلوم الشرعية

 

أعلى


 


الرفق والتيسير في التعامل

لقد بعث الله نبيه محمدا صلي الله عليه وسلم ,رحمة وهدى، وسع خلقه الناس سهولة ورفقا، ونضحت يداه بالعطايا كرما وجودا، أبرهم قلبا، وأصدقهم لهجة، وأقربهم رحماً.
وإن من أخص خصائصه وأكرم سجاياه.. أن لازمته تلك الفضائل الزاكية والأخلاق العالية في أشد الأوقات وأحلك الظروف. شج رأسه وكسرت رباعيته في غزوة أحد فقيل له في هذا الحال العصيب: ألا تدعو على المشركين؟ فما هو إلا أن تدفق رفقه، وطغت رحمته. وفاضت طبيعته العالية، وسجيته الكريمة بما يلتمس فيه العذر لهؤلاء فكان مما قال: ((اللهم اهد قومي فإنهم لا يعملون)) وفي مقام آخر: ((إنما بعثت رحمة ولم أبعث لعانا) وصدق الله العظيم: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين أخي القارئ الكريم : إنها القلوب الكبيرة قلما تستجيشها دوافع القسوة عن التعقل والحلم. إنها إلى العفو والصفح أقرب منها إلى الانتقام والبطش.
ها هو نوح عليه السلام : يقول في مجادلته لقومه: يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون [الأعراف:61-63].
إنه جواب ملؤه الرحمة والشفقة، والصدق في النصح، واللطف في الخطاب.
وليس بعد طغيان فرعون من طغيان وقد قال الله لموسى وهارون عليهما السلام: اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى [طه:43-44).
إن الرجل العظيم كلما ارتفع إلى آفاق الكمال.. اتسع صدره، وامتد حلمه، وتطلب للناس الأعذار، والتمس لأغلاطهم المسوغات. وأخذهم بالأرفق من حالهم. أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: بال أعرابي في المسجد فقام إليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله : (دعوه وأهريقوا على بوله ذنوبا من ماء أي دلوا من ماء, فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) أولئك هم رسل الله عليهم الصلاة والسلام عنوان الرحمة والشفقة والقدوة في الصفح والمغفرة.
إن حقا على المسلمين أن يستصحبوا الرفق واللين في الأمر كله من غير مداهنة ولا مجاملة. إن على الأب الشفيق والأم الرؤوم، وإن على الأزواج وأصحاب المسئوليات أن يرفقوا بمن تحت أيديهم، لا يأخذون إلا بحق، ولا يدفعون إلا بالحسنى، ولا يأمرون إلا بما يستطاع: ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه، وإن الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، بذلك صحت الأخبار عن الصادق المصدوق .
إن العقل والحكمة والمعرفة بطبائع الأمور تقتضي تقبل الميسور من أخلاق الناس، والرضا بالظاهر من أحوالهم، وعدم التقصي على سرائرهم، أو تتبع دخائلهم، كما تقتضي قبول أعذارهم، والغض عن هفواتهم، وحملهم على السلامة وحسن النية. إذا وقعت هفوة أو حصلت زلة فليس من الأدب وليس من الخلق الحسن المسارعة إلى هتكها والتعجل في كشفها فضلا عن التحدث بها وإفشائها.
بل لقد قيل: اجتهدوا في ستر العصاة فإن ظهور معاصيهم عيب في أهل الإسلام.
كيف يسوغ لمسلم أن يتشاغل بالبحث عن العيوب ورجم الناس بها ؟ بل لعله قد يخفي ما يعلم من صالح القول والعمل.
هل وظيفة المسلم أن يلوك أخطاء الناس ويتتبع عثراتهم، ويعمى أن يرى حسناتهم، وكأنه لا يعرف و لا يرى إلا كفة السيئات؟ أليس في عيوبه ما يشغله عن عيوب الناس ؟!. إن المسلم الناصح شفوق بإخوانه، رفيق بهم، يحب لهم الخير كما يحبه لنفسه، ويجتهد لهم في النصح كما يجتهد لنفسه.
أما المسلم الفظ القاسي صاحب القلب الغليظ.. فقد قضت سنة الله.. نفرة الناس منه، فلا تقبل منه دعوة، ولا يسمع منه توجيه، ولا يرتاح له جليس { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم }
وعلى قدر ما يمسك الإنسان نفسه، ويكظم غيظه، ويملك لسانه تعظم منزلته عند الله وعند الناس.
وعلى قدر ما يتجاوز عن الهفوات، ويقيل من العثرات.. تدوم مودته ويأنس الناس به. إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن تسعوهم بأخلاقكم. يسعهم منكم بسط المحيا وطلاقة الوجه.
إن المخلص في المودة الصادق في المحبة لا يري لنفسه فضلا على غيره، ولا يكون عونا للشيطان على صاحبه. روي أن أبا الدرداء رضي الله عنه مر على رجل قد أصاب ذنبا والناس يسبونه فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قليب أي في بئر- ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: بلى. قال: فلا تسبوا أخاكم، واحمدوا الله الذي عافاكم.واجب علينا أن نتقي الله في كل أمور حياتنا ..
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم . والله الموفق والهادي إلى طريقه المستقيم ..
إبراهيم السيد العربي

 

 

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير



 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept