قضايا
ما قبل وما بعد غزة..
ـ حماس ومقدمات الرؤية الاسرائيلية
ـ غياب روسيا والصين من الأحداث الأخيرة
ـ قطاع غزة بالأرقام والمعطيات ..
علي بدوان*
لم يكد أيهود أولمرت ليعلن عن وقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة
من طرف واحد ، حتى سارعت وسائل الإعلام المرئية الاسرائيلية بعيد
ساعة واحدة فقط من الإعلان المذكور للتعليق على القرار بوابل من
الأسئلة والإضافات والاستنتاجات. وبالطبع فان النقاشات ستأخذ حيزاً
واستطالات قد تمتد زمنياً لفترات بعيدة ، وذلك على خلفية هول الحرب
التي شنتها الدولة العبرية الصهيونية على القطاع ، ونتائجها المتواضعة
من زاوية الأهداف التي كانت قد رسمت لها ، فلم تحصد إسرائيل وجيشها
في الواقع العملي سوى قتل الأبرياء وإلحاق الدمار ببنى المجتمع الفلسطيني
، وهو ما أعاد وضع الدولة الصهيونية مرة جديدة أمام ملف الانحطاط
الأخلاقي ، وأمام سياستها العرقية العنصرية التي تفوقت على نازييي
الحرب العالمية الثانية.
فأحداث غزة الأخيرة والتطورات النوعية التي ترافقت معها ، وتفاعلاتها
الحية التي مازالت في بداياتها ، قد خلقت وقائع جديدة ودامغة ، وذلك
على الصعيد الرسمي العربي وخارطة التحالفات والاصطفافات ، وعلى الصعيد
الفلسطيني وخارطة هبوط وصعود القوى وحضورها. ومن الزاوية الأهم والمتعلقة
بالمعركة السياسية (ما بعد غزة).
في هذا السياق ، لم تكن الرؤية الاسرائيلية موحدة بالأساس حول موضوع
الموقف من حركة حماس وإمكانية التعاطي معها من عدمه. فكيف كانت الرؤية
إياها ، وكيف أضحت مع سيل من الأحداث التي تكاثفت في ساحة الصراع،
وماهي التقديرات للمرحلة القادمة. إنها مجرد أسئلة باتت تفرض نفسها
على أرض الحدث؟
وفي تلمس مشروع الإجابة على التساؤلات الواردة أعلاه ، نقول إن التطورات
فرضت نفسها أولاً داخل المجتمع اليهودي على أرض فلسطين التاريخية
، ووضعته أمام نقاشات من نوع جديد ، مع تصاعد الأسئلة المصيرية التي
أصبحت أسئلة يومية تطرح نفسها على كافة مستويات وشرائح المجتمع الصهيوني
، ومن بين الأسئلة التي كانت ومازالت الأكثر تواتراً، نجد منها الأسئلة
المتعلقة بجدوى السياسة الإسرائيلية المتبعة تجاه حركة حماس بشكل
خاص وعموم قوى المقاومة الفلسطينية بشكل عام ، فبالرغم من تواصل
عمليات الاغتيالات والتصفيات الإسرائيلية بحق قادة الصفين الأول
والثاني لقادة حماس والجهاد وغيرهما من قوى المقاومة ، والمس المتواصل
بالقيادات السياسية ، فان قناعة شبه راسخة باتت تشير للإسرائيليين
بأن حركة حماس تتمتع بتأييد اجتماعي قوي وحضور مؤسساتي مؤثّر ، وتأثير
سياسي غير متناهٍ داخل الرأي العام الفلسطيني ، وقدرة على التكيّف
في الظروف الصعبة، وخاصية مميزة بصفتها حركة جماهيرية تربطها المؤسسات
بترابط متين لحاجات المجتمع ، مما جعل منها قوة سياسية من الصعب
تجاهلها من حيث حضورها ونشاطها المدني في المستقبل الواضح للعيان
، وبأن أجيالاً جديدة من شبان ورجالات المقاومة مازالت تنبع وتتوالد
في فلسطين ، حيث لم تستطع آلة القتل والتدمير الإسرائيلية من اجتثاث
المقاومة وفصائلها ، أو من تحييدها ووضعها خارج دائرة الفعل والتأثير.
وزاد من حدة الأسئلة المطروحة داخل الدولة الصهيونية ، التحولات
التي وقعت بدايات العام 2008 ، وهي تحولات تركت أثارها العميقة وصولاً
إلى العدوان الشامل نهاية 2008 وبداية 2009. فقد استطاعت حركة حماس
خلال الأشهر الثلاثة الماضية تحقيق نقلتين نوعيتين في حدثين متتاليين
في سياق حضورها وتأثيرها في ساحة الفعل الفلسطينية ، وفي ساحة العمل
السياسي بعد أشهر من ماجرى في قطاع غزة منتصف يونيو 2007. وفي النقلتين
الحدثين، بدت حركة حماس القوة الأكثر تأثيراً في الشارع الفلسطيني
في الداخل والشتات ، وفي المعادلة الفلسطينية الداخلية أمام القطب
الأخر المشكل من الإطار الرسمي للسلطة الوطنية الفلسطينية ومعها
بعض القوى الفلسطينية المحدودة الفعالية والتي تدور في فلكها.
ففي الحدث الأول ليل 22 - 23 يناير 2008، اقتحمت تنظيمات حركة حماس
النسائية والطلابية ، السور المركب الذي يفصل بين قطاع غزة ومصر
، وتدفقت جموع الفلسطينيين إلى الجانب المصري في خطوة نوعية وتحول
دراماتيكي، ذي معنى بعيد الأثر ، وعلى الأقل اثبت الحدث ذاته أن
الفلسطينيين قادرين في نهاية المطاف على اجتراح الوسائل والطرق والأساليب
الممكنة لإحداث كسر نسبي في الحصار ، الأمر الذي ولد مشاعر عالية
بين الناس في القطاع والضفة الغربية والشتات الفلسطيني بصورة ايجابية
قاربت حلم الفلسطينيين بالتحرير والانعتاق.
وفي الحدث الثاني بمفاعيله التي مازالت تدب على الأرض ، استطاعت
حركتي حماس والجهاد الإسلامي في المقام الأول ومعها باقي القوى الفلسطينية
أن تقود بنجاح نسبي معركة الصمود على أرض القطاع ، وان تحطم مستويات
من الحصار سواء من خلال تصعيد مستوى العمل المقاوم أو القيام بعمل
دراماتيكي كإسقاط السور ، وأن تتمكن من تجاوز محنة الخسائر الباهظة
المادية والبشرية على حد سواء. فقد فشلت السياسة الإسرائيلية التي
كان هدفها ممارسة ضغط الحياتي والاقتصادي على القطاع لتدمير وكسر
حركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية من خلال الحصار على
غزة ، في مسعى كان يأمل منه الطرف الإسرائيلي دفع حركة حماس نحو
الزاوية ، ليتبقى أمامها طريقان فقط ، الأول أن تختفي برنامجياً
وان تتخلى عن دورها بالمعنى السياسي لصالح السلطة الرسمية الفلسطينية
، والثاني أن تكف عن أن تكون حماس هي حماس عبر تغيير مفهومها السياسي
تماما وان تقبل بشروط اللجنة الرباعية الدولية.
وفي إطار النقلتين النوعيتين المشار لهما أعلاه ، حدثت بالتوازي
وبالتأثير، بعض التفعيلات الدولية التي تؤشر إلى انكفاء الأحلام
والآمال الإسرائيلية بتحطيم قوة الحضور السياسي والعملي لقوى المقاومة
الفلسطينية ، كما تؤشر لتطور مكانة حركة حماس ، حيث صدر تقرير للجنة
برلمانية بريطانية مشتركة بين كل الأحزاب بضرورة إنهاء مقاطعة حركة
"حماس" باعتبار المقاطعة سياسة أثبتت فشلها، وتبع ذلك
التقرير اللقاء المطول الأخير منتصف مارس 2008 بين وزير الخارجية
الروسي سيرغي لافروف في دمشق مع خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة
حماس جهة أخرى، وصدر بعد ذلك تقرير أخير عن " مجموعة الأزمات
الدولية " الصادر يوم 19/ 3 / 2008 يقر بأن سياسة إسرائيل القائمة
على " عزل حماس وفرض العقوبات على غزة قد أفلست وأعطت عكس نتائجها
المرجوة "، في وقت " تتزعزع مصداقية الرئيس الفلسطيني
محمود عباس وغيره من البراجماتيين ، فيما تمر عملية السلام بحال
من الجمود". وأشار التقرير إلى أنّ "هذه النظرية قد سقطت
بسرعة "، موضحاً أنّ " الحركة الإسلامية تتجه نحو إقامة
إطار فاعل للقوة ". وتلى التقرير إياه مبادرة لـ " مجلس
الشيوخ " وهو هيئة دولية تتشكل من زعماء ودبلوماسيين قدامى
في العالم ، حيث توجه المجلس لإسرائيل باقتراح قدمه أربعة من أعضائه
الكبار هما : الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان، الرئيس
الأميركي الأسبق جيمي كارتر ، الأسقف ديزموند توتو ، ورئيسة ايرلندا
السابقة ميري روبنسون ، وذلك " لحث وقف إطلاق نار مع حماس عبر
حوار إسرائيلي مباشر معها والاعتراف بدورها وسط الفلسطينيين والكف
عن منطق العزل ".
وفي هذا السياق ، ارتفعت بعض الأصوات الإسرائيلية الداخلية ، تعبر
عن طيف من الاراء السياسية ، التي عبرت عن مشاعر ومواقف محددة ،
فمنها من أقر بأن ماحدث من تطورات أخيرة في الشهور الماضية كان نصراً
وانجازاً خالصاً لحركة حماس على سياسة الحصار التي تنتهجها حكومة
إسرائيل، بينما عملت بعض الأصوات على إثارة العديد من المخاوف العميقة
من المعاني الأمنية لاقتحام السور الذي كان يفصل بين مصر وقطاع غزة.
فقرأ البعض في إسرائيل لحظات انهيار السور في رفح باعتباره الفرصة
التي أصبحت مواتية لإسرائيل لان تزيح عن كاهلها المسؤولية عن قطاع
غزة ، ودفع غزة باتجاه مصر والتخلص من هذه المشكلة ، لكن هذا الموقف
تم مواجهته بالافتراضات التي أعلنتها المصادر الأمنية الإسرائيلية
منطلقة من أن مصر لن تكون قادرة على أداء هذا الدور ، كما أن ليس
لمصر مصلحة في أن تأخذ على عاتقها المسؤولية عن غزة.
ومن بين الأصوات الإسرائيلية التي امتلكت رأياً أخر في المنحى ذاته
، كان الرأي المنادي بالعمل من أجل ترتيب تهدئة جديدة حيث جرت ومازالت
اتصالات عديدة واجتماعات في مدينة العريش المصرية بين وفدي حركتي
حماس والجهاد الإسلامي مع الجهات المصرية المعنية لانجازها ، بالرغم
من قيام أيهود باراك ، بوضع حدا للشائعات التي تفيد أن إسرائيل تقوم
باتصالات غير مباشرة مع حركة حماس ، من خلال الوساطة المصرية ، معلناً
بتشدّد أن العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية
ستتواصل ، فيما بدت السلطة الوطنية الفلسطينية في موقف شديد الإحراج
لم تستطع فيه أن تعلن وقفها الفوري للمفاوضات كما كانت تطالب جميع
القوى الفلسطينية بما في ذلك كتائب شهداء الأقصى فأعلنت فقط عن وقف
المفاوضات لأيام محدودة ، لكنها تابعت الاجتماعات مع حكومة أولمرت
بما في ذلك التنسيق الأمني بالرغم من قيام قوات الأمن الإسرائيلية
بأعمال التوغل والاغتيالات داخل مدن ومخيمات الضفة الغربية.
في هذا السياق ، وفي معمعان المناقشات الإسرائيلية والأراء المنطلقة
في إسرائيل من كل حدب وصوب ، فان أصواتاً خافتة بدأت تنطلق بهدوء
داخل إسرائيل منذ مدة ليست بالقصيرة ، لكن تواتر أصواتها بدأ يعلو
قليلاً حتى بات واضحاً في ايقاعاته على قطاعات من الناس داخل إسرائيل
كما أشارت نتائج بعض الاستطلاعات الأخيرة ، وعلى لسان المزيد من
الشخصيات العامة ، بمن فيهم ضباط كبار في الاحتياط، يطلقون مواقف
تدعو للمفاوضات مع حماس ، ويقترحون بديلاً يصفونه بأنه الأكثر معقولية
عبر فتح قنوات الحوار المباشر أو الغير مباشر والتفاوض مع حركة حماس
بهدف استقرار الوضع من جانب والبحث بإمكانية التفاوض مع إطار فلسطيني
أوسع يجمع فتح وحماس ، منطلقين من ماحدث في قطاع غزة مؤخراً من تحطيم
للمعابر مع مصر ومن صمود وثبات فلسطيني، مع تقديراتهم بأن حركة حماس
يمكن لها استئناف القتال ، وتحطيم الهدوء الشكلي ، ومن يقين تام
بأن حركة حماس ما زالت تملك حضوراً قوياً في الضفة الغربية تستطيع
من خلاله إحباط أي طريق سياسي وإعادة (قلب الطاولة)، وأن بإمكانها
تصعيد العمل المسلح، وتالياً في إمكانية تحديد كفة المسيرة السياسية.
وعليه فإنهم يقترحون سلب حركة حماس هذه المفاعيل بضبط إسرائيل لنفسها
إزاء تصعيد عمليات إطلاق الصواريخ، والانطلاق نحو الحوار مع حماس
التي غدت " الذراع الجنوبي لذاك الإخطبوط الذي يحيط بإسرائيل
" على حد تعبير بعض الصحافيين الإسرائيليين، ومحاولة إغوائها
والتقاطها سياسياً، وهو ماكرره الصحفي الإسرائيلي اليكس فيشمان على
صفحات يديعوت أحرونوت بعددها الصادر يوم 28/3/2008 الذي حذر من ما
أسماه تطور عمل الهيئة العسكرية لحماس والتي تعنى بـ " الهندسة
العسكرية " و " الفن العسكري " في قطاع غزة ، التي
توصلت إلى انجاز من خلال إنتاج سلسلة من صواريخ القسام ذات مقاييس
تصل إلى مدى 21 - 22كم، بل وحدث في الحرب العدوانية الأخيرة وفي
رد المقاومة أنها استطاعت انتاج صواريخ ذات مدايات أبعد من ذلك بكثير.
وعلى هذا الأساس يقترح المحرر السياسي لصحيفة هآرتس في عددها الصادر
يوم 11/3/2008 قيم حوار حتى لوكان مختبئاً ومختفياً عن الأبصار مع
حركة حماس عبر الطرف المصري لترتيب هدنة ولو مؤقتة ، توقف حركة حماس
فيه نار الصواريخ ، وبالتوازي ، فان إسرائيل توقف هجماتها على قطاع
غزة والضفة الغربية ، ويتقلص مبدئياً على قطاع غزة. وتفتح المعابر
مثل كرم سالم ، كرني وبيت حانون ، والعمل في العودة لاتفاق المعابر
بالنسبة لمعبر رفح.
وبهذا الصدد فقد جاءت نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة في إسرائيل
التي أجرتها "هآرتس - ديالوغ " بإشراف البروفيسور كميل
فوكس من جامعة تل أبيب منتصف مارس الماضي والمنشورة على صفحات الصحف
الاسرائيلية، أجاب فيها الجمهور اليهودي في فلسطين المحتلة عام 1948
بأغلبية كبيرة داعياً للحوار المباشر مع حرة حماس كانعكاس واقعي
لجملة من التطورات والأحداث التي جرت خلال العامين الماضيين. فقد
أشارت نتائج الاستطلاع الأخيرة والمنشورة على صفحات هآرتس إلى وجود
أغلبية إسرائيلية وصلت نحو (64%) من الذين يعتقدون بان على إسرائيل
أن تتفاوض مباشرة مع حماس، وعلى تحقيق صفقة تبادل لإطلاق الأسير
جلعاد شاليت، بينما عارض الحوار والمفاوضات مع حماس اقل من ثلث العينة
أي بنسبة (28%). أما في استطلاع عينة من جمهور اليمين العقائدي الصهيوني
(حزب الليكود) فنحو نصف العينة (48%) يؤيدون المفاوضات مع حماس ،
مقابل (51%) يعارضون، وفي حزب أيهود أولمرت( كديما: يمين الوسط)
فان (55%) يؤيدون فتح قنوات التفاوض المباشر مع حركة حماس ، وفي
أوساط حزب العمل (اليسار الصهيوني) فان نسبة (72%) يؤيدون ذلك.
ــــــــــــــــــــــــــ
ماذا عن غياب روسيا والصين
جاء الغياب الصيني الملحوظ عن الحدث الشرق
أوسطي الأخير والمتمثل في العدوان الاسرائيلي البربري على قطاع غزة
، ملفتاً للانتباه ومثيراً للعديد من التساؤلات والتكهنات حول ماهية
أسباب الغياب وخلفياته ، وهو غياب ترافق ايضاً مع غياب روسي مماثل
تماماً بينما كانت عجلة الأحداث تتسارع وتتسارع معها التداخلات الدولية
من قبل مختلف الأطراف الفاعلة. ومازاد من حدة التساؤلات ايضاً أن
الغياب الصيني ومعه الروسي طال حضور كل منهما في مجلس الأمن، حيث
اقتصر دورهما في التصويت على القرار (1860) دون الدخول الفاعل في
كواليس المفاوضات والحراكات السياسية التي سبقت صياغة القرار بشكله
النهائي والتصويت عليه.
ومن نافل القول بأن الأسئلة حول غياب جمهورية الصين الشعبية ومعها
روسيا الاتحادية عن الفعل والتأثير في أحداث غزة من خلال تواضع دورها
في مجلس الأمن ينطلق من أهمية دور كل منهما، ومن أـهمية وعمق العلاقات
والمصالح التي تخصهما في المنطقة، حيث مابرحت كل منهما تقارع من
أجل إعادة تفعيل دورها وتوطيد وجودها في المنطقة عبر العلاقات المشتركة
بعد سنوات من التهميش خصوصاً منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وفقدان
روسيا (وريثة الاتحاد السوفييتي) لعلاقاتها التاريخية وتحالفاتها
مع دول المنطقة من مصر إلى سوريا إلى فلسطين واليمن والجزائر وليبيا
والعراق ...
فقد انتظر الفلسطينيون من الصين وروسيا القيام بمسؤولياتهما الدولية
كعضوين دائمي العضوية في مجلس الأمن، وتمتلكان حق النقض (الفيتو)
وذلك في سياق التجاذبات التي قادت نحو صياغة قرار هزيل هو القرار
الذي حمل الرقم (1860). فكما كان دورهما ضعيفاً ضعفاً ملحوظاً جاء
القرار أيضاً فاقداً للتوازن ومنطق العدل مع غياب المعادل القوي
(ونقصد روسيا والصين) لحضور الدول المتبقية التي تمتلك حق النقض
في المجلس (بريطانيا، الولايات المتحدة، فرنسا). فالصين عضو دائم
في مجلس الأمن المسؤول عن حماية الأمن والسلم الدوليين وتنفيذ قرارات
الشرعية الدولية، ولها علاقات تاريخية راسخة واقتصادية متنامية في
الشرق الأوسط، وهي بالتالي معنية باستقرار يحفظ مصالحها خاصة النفطية،
فضلا عن أنها أيضاً قوة حضارية معنية بإبراز دورها الإنساني والأخلاقي.
وعلى مايبدو، فان الصين بدت كأنها تدخل مرحلة جديدة من علاقاتها
مع دول المنطقة، فبعدما كان موقفها ينحاز بوضوح إلى الحقوق العربية،
تحول الموقف ذاته ليقف على مسافة متساوية من طرفي الصراع، دون انزياح
لموقف العدالة القائم على أساس المرجعية الدولية في حده الأدنى.
ومن المرجح أن خلفية موقف بكين يستند إلى قاعدة تجنب إزعاج العرب
في علاقتها المتنامية مع إسرائيل وإلى تجنب إزعاج إسرائيل في علاقتها
مع العرب.
وفي هذا السياق، فان التحرك الصيني المتواضع الذي تلى صدور القرار
(1860) عبر إيفاد مبعوثها الخاص للشرق الأوسط (سون بي غان) إلى المنطقة
حاملاً رؤية صينية من خمس نقاط ناقشها مع مسؤولين في مصر وإسرائيل
والسلطة الفلسطينية لايستطيع أن يحجب حقيقة غياب الدور الصيني المنشود
والمأمول من جانب الفلسطينيين والعرب بشكل عام. فالصين حليف تاريخي
للعرب ولقضايا العدل، وتحديداً قضية فلسطين. فإسرائيل تجاهلت المبادرة
الصينية وزيارة موفد بكين للمنطقة أيضاً في ظل جهود دبلوماسية مكثفة
لقوى دولية أخرى يبدو أنها تمسك بخيوط أكثر في المنطقة، وتلعب دوراً
أكثر فعالية، وتعمل على تنمية مصالحها وأدوارها، بل وتنافس الموقف
الأمريكي وتحاول مزاحمته. في الوقت الذي علم فيه أن الرئيس الفرنسي
نيكولا ساركوزي أرسل مبعوث له لمقابلة قيادة حركة حماس في دمشق وهو
ماتم بالفعل حيث اجتمع خالد مشعل مع موفد الرئيس ساركوزي بدمشق خلف
أضواء الإعلام، كما علم بأن ساركوزي يحاول تنشيط دور فرنسا ومزاحمة
الإدارة الأميركية عبر الدعوة المتوقعة من قبله لمؤتمر دولي بباريس
خلال الربيع المقبل على الأرجح، على أمل التوصل إلى تسوية نهائية
للصراع العربي الإسرائيلي بعد الحرب المدمرة التي شنتها إسرائيل
على غزة (مع أن الأمر مضحك يعيد تكرار المكرر) فالصراع المعقد في
المنطقة والمتفاقم منذ أكثر من ستين عاماً لايمكن حله بمؤتمر كما
يدعو ساركوزي بسذاجة. لكن المهم في الموقف الفرنسي أن باريس تحاول
اشتقاق موقف أخر انطلاقاً من مصالحها، وتحاول أن تطلق حواراً أوربياً
مع حركة حماس ولو من وراء الأضواء.
وهنا، من الضروري الإشارة إلى تصريح المبعوث الصيني الذي قال "أن
حركة حماس أمراً واقعاً لا يمكن تجاهله" وهو تصريح ايجابي ينطلق
حقيقة من أن حركة حماس باتت جزءاً اصيلاً من نسيج المجتمع الفلسطيني،
وهو مارحبت به ايضاً مصادر قيادة حركة حماس، لكنها ومعها جميع القوى
الفلسطينية بما فيها حركة فتح تعتب في المحصلة على بلد المليار ونصف
المليار الذي لم يشهد حتى مظاهرة واحدة يقول فيها الشارع كلمته ويحدد
موقعه على الخارطة الدولية كما حدث في معظم أرجاء العالم بما فيها
هونغ كونغ (الواقعة نسبياً السيادة الصينية) وجمهورية تايوان. كما
يعتب على روسيا صاحبة الإرث التاريخي في العلاقة مع حلفاء لها في
المنطقة.
ومن المؤكد بأن بكين تعمل دوماً جاهدة في الالتفات إلى الشأن الاقتصادي
والى البناء الداخلي، وفي رفع منسوب النمو القومي على مستوى الصين
بأسرها، وتعمل في الوقت نفسه على محاولة تفكيك التعقيدات الخارجية
في علاقاتها الدولية انطلاقاً من سياستها الاقتصادية لفتح الأسواق
العالمية أمام المنتج الصيني. لكنها في الوقت نفسه ستخسر منطقة الشرق
الوسط حال استمرت سياستها البعيدة عن المس بحرارة الاحتكاك السياسي
الناتج عن أزمات المنطقة، ومحاولتها تجنب الاصطدام مع واشنطن. فقد
خسرت الصين مصالح كبرى في العراق على سبيل المثال كما خسرت أوروبا
الأمر ذاته أيضاً ، لذلك نرى الآن محاولات أوروبية دائمة للعودة
للمنطقة وللمصالح التاريخية فيها. ولاننسى أن العلاقات الصينية/الأميركية
تصنف في خانة العلاقات الدولية الأكثر تشابكاً وتعقيداً منذ انتهاء
الحرب الكونية الثانية وإعلان قيام جمهورية الصين الشعبية.
وعلى مايبدو ، فان صعود أوباما وتسلمه لمهامه في البيت الأبيض مع
مغادرة سلفه جورج بوش قوبل بحذر وترقب في العاصمة الصينية بكين وفي
موسكو، فما إن بدأ الرئيس الأميركي الجديد بإلقاء خطابه الأول في
حفل تتويجه حتى بدأت مصادر القرار في بكين وموسكو على حد سواء تحاول
التقاط الجديد بانتظار التغيير المنشود، لكن الجديد في خطاب أوباما
بدا يحمل التشاؤم والمتعب لكل منهما. فالقلق الصيني تبدا مع حديث
الرئيس أوباما في خطابه الرئاسي الأول عن "الشيوعية وعمن يتشبثون
بالسلطة ويقمعون قوى المعارضة". فبكين وموسكو تعتقد كل منهما
بأن شعار التغيير الذي يحمله الرئيس الأميركي الجديد أوباما لايتناسب
مع رؤيتهما للتغيير، وهو ماسيعيد تحريك دوامة التباينات، الأمر الذي
يتطلب من جمهورية الصين الشعبية وروسيا الاتحادية العودة لمواقفهما
التاريخية بالنسبة لقضايا المنطقة، واختراق زجاج الأزمات بدلاً من
الابتعاد عنها والخوف من تناثر زجاجها.
ــــــــــــــــــــــــ
قطاع غزة بالأرقام والمعطيات ..
قطاع غزة، الشوكة العالقة في حلق الكيان الصهيوني،
كان ومازال بؤرة للمقاومة والثورة والانتفاضة. ومن بين أزقة مخيماته
، ومن بين الآلآم التي سكنت نفوس الغالبية الساحقة من سكانه اختمرت
وانتشت بذور الثورة الفلسطينية المعاصرة منذ خمسينيات القرن الماضي.
فقد تشكلت النواة الأولى لحركة فتح هناك في القطاع على يد مجموعة
من اللاجئين الفلسطينيين وبعض ابناء المدينة من الغزاويين، وأنتقلت
النواة ذاتها لتأتلف مع نواة جديدة ضمت بعض الشخصيات الفلسطينية
التي جاءت من مخيمات سوريا وفي دول الخليج العربي. ومن هذا الائتلاف
انطلقت شرارات الثورة الفلسطينية المعاصرة بقيادة حركة فتح.
فغزة المدينة والقطاع ببلداته ومخيماته، لم تهدأ لحظة واحدة في مقارعة
ومواجهة الاحتلال، فتعرضت لاجتياحات وعمليات تنكيل بشكل متواصل منذ
النكبة وحتى اللحظة الراهنة. وبصمودها الأسطوري باتت شوكة عميقة
في عنق إسرائيل ، فكم تمنى اسحق رابين وغيره من قادة إسرائيل أن
يصحو ذات يوم ليرى البحر وقد ابتلع قطاع غزة بما فيه من سكان.
يمتد قطاع غزة على الساحل الجنوبي الشرقي للبحر الأبيض المتوسط،
بطول يقارب (45) كيلومتر، وعرض يصل حده الأقصى إلى نحو (10) كيلومتر،
ومساحته تقارب نحو (362) كيلو متر مربع.حيث يتميز القطاع بكثافة
سكانية هي الأعلى في العالم، فقد تضاعف سكان القطاع ثلاث مرات في
عامي 1948 و1949، أما أعداد سكانه اليوم فتبلغ نحو مليون ونصف مليون،
يقيمون في مدن وبلدات ومخيمات، منتشرة على امتداد القطاع، ويسجلون
كثافة سكانية ومعدلات نمو سكاني هي الأعلى في العالم ويعيش معظمهم
على أقل من دولارين في اليوم، ويعتمد أكثر من (80%) منهم على المساعدات
الغذائية التي تقدمها وكالة غوث اللاجئين (الأونروا). فقد لجأ إليه
نحو ثلاثمئة ألف من اللاجئين الفلسطينيين الذين أُجبروا على ترك
بيوتهم وأراضيهم في مناطق اللد والرملة ويافا وبئر سبع اثر نكبة
العام 1948، حيث أخضع القطاع غزة للإدارة المصرية قبل احتلاله الكامل
عام 1967.إلى حين أنهت قوات الاحتلال وجودها العسكري فيه في سبتمبر
2005، وفككت المستعمرات التي أقيمت فوق أراضيه وسحبت (8500) مستوطن.
لكن القطاع تعرض لحصارات متتالية، وفرض عليه حصاراً شاملاً منذ سبتمبر
2007.
وبرغم المآسي والحصارات المتلاحقة والاجتياحات التي لم تتوقف، فان
معدلات الأمية بين البالغين في القطاع تعد من اقل المعدلات في العالم
حيث بلغت نسبة الأمية بين الأفراد من (15) سنة فأكثر بحدود (6.1%)
فقط، وبواقع (2,8%) للذكور و(9.5%) للإناث في العام 2007، في حين
بلغت (27.5%) في الدول العربية في الأعوام (2005-2007) حسب بيانات
معهد اليونسكو للإحصاء، وبلغ عدد الأميين في العالم العربي حوالي
(58) مليونا في نفس الأعوام منهم (39) مليون من الإناث، بواقع نسبة
أمية بين الإناث تصل إلى (37.8%) مقارنة بـ (17.6%) بين الذكور،
بينما بلغت نسبة الأمية عالمياً بين الأفراد من عمر (15) سنة فأكثر
(16.1%).
وهناك تطورات قد طرأت على معدلات الأمية في قطاع غزة وعموم الأرض
الفلسطينية المحتلة عام 1967 خلال الثلاث عشرة سنة الماضية، حيث
أشارت البيانات الرسمية الفلسطينية أن هناك انخفاضاً ملموساً في
نسب الأمية بعد قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية في العام 1994، حيث
بلغت نسبة الأمية بين الأفراد من (15) سنة فأكثر (15,7%) في العام
1995، وانخفضت إلى(6و1%) في العام 2007. وهذا الاتجاه في الانخفاض
ينطبق ايضاً على الذكور والإناث حيث انخفضت النسبة بين الذكور من
(8,5%) في العام 1995 إلى (2,8%) في العام 2007، أما بين الإناث
فقد انخفضت من(0,23%)إلى (9,2%). كما انخفضت النسبة في التجمعات
الحضرية من (12,2%) في العام 1995 إلى(5,2%) في العام 2007، بينما
في التجمعات الريفية فقد انخفضت من (18,4%) إلى (8,1%) لنفس الفترة
وكذلك في المخيمات فقد انخفضت النسبة من (15,5%) إلى(5,5%) للفترة
ذاتها.
وقد توزعت نسبة الأمية في العام 2007 للذكور بواقع (2.5%) في المناطق
المدنية، و(3.5%) في مناطق ريف قطاع غزة والضفة الغربية بشكل عام،
و(2.5%) في المخيمات. أما الإناث فكانت أعلى نسبة في الريف (12.9%)،
ثم في المخيمات (8.8%)، ثم في الحضر (8.1%).
أما على مستوى العمر فقد أظهرت البيانات أن نسب الأمية بين الأفراد
كبار السن من عمر (65) سنة فأكثر كانت الأعلى بالمقارنة مع الفئات
العمرية الأخرى، فقد بلغت (58.0%) في العام 2007، في حين بلغت بين
الشباب من عمر (15-24) سنة (0.9%) لنفس العام. وبشكل عام، يوجد في
الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967(123,834) أمي أعمارهم من (15)
سنة فأكثر في العام 2007، يتوزعون إلى (82,719) أمي في الضفة الغربية
و(41,115) أمي في قطاع غزة، وحسب الجنس إلى (28,216) ذكر و(95,618)
أنثى، أما حسب مكان السكن فانهم يتوزعون بواقع (59,452) أمي في التجمعات
الحضرية و(46,458) أمي في التجمعات الريفية و(17,924) أمي في المخيمات.
وفي ظل التحول والتغير الذي طرأ على مفهوم محو الأمية وتعليم الكبار
في قطاع غزة والضفة الغربية، حيث تخطت مفهوم القراءة والكتابة لتشمل
المقدرة على التحليل والتعامل مع المجردات على عدة مستويات، بالإضافة
إلى التعامل مع الرموز المعقدة وكيفية التعامل مع النظريات المعرفية
وترجمتها إلى تطبيق عملي واستخدام البرامج والمهارات التي تتطلبها
الحياة اليومية، فقد بدأ جهاز الإحصاء في فلسطين منذ العام 2004
بالتعاون مع معهد اليونسكو للإحصاء (UIS) وضمن مجموعة دولية على
العمل لتنفيذ مسح اسري لتطبيق برنامج تقييم وتتبع مستويات القرائية
(LAMP)، حيث يركز هذا البرنامج على فحص قدرة الأشخاص على استخدام
مهارات القراءة والكتابة والحساب في حياتهم من خلال الإجابة على
مجموعة من الأسئلة من خلال مسح أسري على عينة من الأشخاص في الفئة
العمرية (15- 60 ) سنة، حيث كانت فلسطين أول دولة تنفذ التجربة القبلية
وذلك في الربع الأخير من العام 2006، ومن المخطط أن يتم تنفيذ المسح
الرئيسي خلال النصف الثاني من العام 2009.
*كاتب فلسطيني ـ عضو إتحاد الكتاب العرب ـ مكتب الوطن بيروت
أعلى