|
فتاوى وأحكام
* المذهبية من القضايا التي كانت مقلقة في تاريخنا الإسلامي القديم
وسبباً من أسباب التطاحن ، ويراد لها أيضاً أن تكون متكررة في تاريخنا
الحديث ، قد ذكر ياقوت الحموي في زياراته شيئاً من الصور ومن الأحداث
التي شاهدها كان منطلقها من هذا النوع .
كيف ينظر المسلم إلى مسألة المذاهب ، وكيف يفهمها حتى لا تكون مدخلاً
من مداخل الفتنة بينه وبين إخوانه ؟
**لا ريب أن المسلم يحرص دائماً على حسن الظن
بإخوانه المسلمين ، ولا يسيء الظن إلا بمن وجده يقف أمام الحق وقفة
المتعنت الرافض للحق ، أما من لم يكن كذلك فإنه يحرص دائماً على حسن
الظن .
والقضايا التي فيها خلاف ما بين المسلمين إما أن تكون قضايا فرعية
، وهذه القضايا الفرعية الأمر فيها يسير ، ليس الأمر فيها بالعسير
، وُجد الخلاف في القضايا الفرعية حتى بين الصحابة رضوان الله تعالى
عليهم .
وإما أن تكون قضايا عقدية ، تعود إلى العقيدة ، وكلٌ يدّعي أن الحق
عنده ، وهذه القضية أيضاً حلها سهل وميسر وذلك بتنقية القلوب والحرص
على التجرد من العصبيات ، والحرص على إبداء النصيحة لوجه الله سبحانه
وتعالى بحيث يجلس بعض إلى بعض ويتناقشون على ضوء الكتاب العزيز والثابت
المتفق عليه عن الرسول صلى الله عليه وسلّم ، مع الأخذ في الاعتبار
أن هذه القضايا أيضاً يُتسامح فيها إلا إن خالف أحد ما كان الدلالة
عليه دلالة نصية من كتاب الله أو من المتواتر من حديث رسول الله صلى
الله عليه وسلّم، أما إن كانت جاءت بذلك أحاديث آحادية فالقضية لا
تستدعي مثل هذه الشحناء ما بين المسلمين ، بل عليهم أن يتسامح بعضهم
مع بعض لأن الآحادي هو ظني من حيث الثبوت ، الآحادي ليس بقطعي الثبوت
، وكذلك الأدلة التي هي قطعية الثبوت إن لم تكن نصية وكانت ظاهرة لا
تعتبر قطعية الدلالة ، إذ الظاهر إنما هو ظني الدلالة ولو كان قطعي
المتن ، هذا مما هو معروف عند الأصوليين ، فمثل هذه الأشياء يجب الاعتبار
بها .
فإن وُجد أحد خرج عن نص قطعي والنص ثبوته أيضاً ثبوت قطعي عندئذ تُقام
عليه الحجة بكتاب الله تعالى أو بالمتواتر من سنة رسول الله صلى الله
عليه وسلّم مع بيان أن دلالتهما دلالة نصية بحيث لا تكون مجرد دلالة
ظاهرة فحسب ، وعندما تقام الحجة أرجو أن من كان يحب السلامة لنفسه
أن لا يعترض على حجة قامت عليه بنص قطعي من كتاب الله أو من المتواتر
من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، هذا يبعد أن يكون أحد من الناس
إلا من كان متعنتاً شديد التعنت .
والله سبحانه وتعالى أمرنا مع الاختلاف ومع النزاع أن نحتكم إلى كتابه
وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلّم وذلك في قوله عز من قائل ( فَإِنْ
تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ
كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ
وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً )(النساء: من الآية59) .
*إذا صلى الرجل بامرأته أين تقف ؟
**هذه المسألة حقيقة وجدنا للفقهاء فيها قولاً
لم نجد له دليلا ًمن السنة. وجدنا الفقهاء يقولون بأنها تقف على يساره
وعللوا ذلك بأنه لو دخل داخل عليهما فإن ذلك الداخل هو الذي يقف على
يمين الإمام وهي تتأخر فلذلك حتى لا تمنع الداخل من الوقوف على يمين
الإمام . ولئن كانت العلة هذه فإن هذا فينبغي أن يحصر فيما إذا كان
هنالك إمكان لئن يدخل عليهما داخل ، أما إن كانا وحدهما في غرفتهما
ولا يدخل عليهما داخل فإنه لا ينبغي أن يفرق بينها وبين الرجل فتقف
في هذه الحالة على جنبه الأيمن .
*هل يجوز أن يصلي بزوجته الفرض أيضاً ؟
**لا مانع من ذلك .
*إذا كان الإمام يصلي بالناس ويوجد خلف المسجد ملحق للنساء وتصلي النساء
على صوت الإمام عن طريق لاقط الصوت ، وحدث أن سقط لاقط الصوت من الإمام
، فهل يصح للسترة أن يذهب فيضعه على الإمام ، هل يعد هذا مخلاً بالصلاة
، لأن النساء هناك لا يسمعن صوتاً بعد ذلك ؟
**حقيقة الأمر ينبغي للإمام نفسه أن يحاول بأن
يأتي بالأمر فيه مصلحة الصلاة ، فإن رفعه لأجل مصلحة الصلاة فلا حرج
في ذلك . وإن تعذر أن يقوم الإمام بذلك فليقم بذلك غيره إن كان ذلك
أمراً ضرورياً لأجل مصلحة الصلاة . ويسحب رجليه في ذهابه وإيابه .
*هذه حدثت وسقط لاقط الصوت من الإمام فبقيت النساء بلا صوت فبعضهن
أتممن الصلاة وبعضن توقفن وأعدن الصلاة من جديد فمن منهن الصائب ؟
**بما أنهن دخلن في الصلاة فإن أتممن الصلاة مع تعذر الائتمام بالإمام
فلا حرج عليهن في ذلك ، ومن أعادت فإنها احتاطت لنفسها ، والله تعالى
أعلم .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
قراءة في بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان التقنين والتجديد
الفقيه والأزمنة المعاصرة
3ـ4
لم تبرز فكرة تقنين الشريعة كاملة إلا في العصر
الحديث
في ظل الدولة الوطنية، مع أطروحة "شمولية الإسلام"
قراءة ـ أحمد بن سعيد الجرداني:
نظراً لتطور الحياة المتسارع طرأت الكثير من القضايا التي تستلزم من
العلماء أن يجيلوا النظر لاستخراج الحكم الشرعي ، فالعلماء السابقون
لم يدخروا جهداً في إيجاد الأجوبة عما كان وقع في عصورهم، والكثير
من ذلكم التراث الضخم المبارك ينبغي أن يوظف فيما يعين على تجديد واسع
وشامل لمد مظلة الفقه الإسلامي لتشمل كل ما يحتاجه الناس من حلول لقضاياهم
المعاصرة، وما التقنين إلا ثمرة واحدة من ثمار التجديد التي برهنت
خلود هذه الشريعة العظيمة .
ومن هذا المنطلق كانت لنا هذه القراءات في بعض البحوث التي طرحت في
ندوة العلوم الفقهية في عمان السابعة بعنوان (التقنين والتجديد في
الفقه الإسلامي المعاصر) والتي نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية
في الفترة من 28ـ2 ربيع الثاني 1429 هجري الموافق 5ـ8 إبريل 2008 ميلادي
والتي كانت بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس الأكبر بولاية بوشر...
ومن ضمن هذه البحوث بحث بعنوان(الفقيه والأزمنة المعاصرة) لمعتز الخطيب
كاتب وباحث من سوريا
وفيما تكلمنا عنه سابقاً عن هيمنة التشريعات الغربية على نظام القضاء
وعلى تنظيم التجارة وتنظيم الأراضي والتنظيم الجنائي حيث توقفنا عن
التساؤلات عن مجلة الأحكام العدلية واليوم نواصل هذا الموضوع من خلال
هذا البحث...
موجة التغريب
يقول معتز الخطيب عن موجة التغريب: لا تبدو التفسيرات السابقة كافية
- على الأقل - لفهم هذا الاستثناء من موجة تغريب التشريعات هذه، وربما
يمكن فَهم ملابسات الأمر من خلال شخصية أحمد جودت باشا (1822م-1895م)
الذي كان مقربًا من رشيد باشا المبادر الرئيسي بالتنظيمات، وكان قد
تعلم الفرنسية، ووصفه بعض الباحثين 36 بأنه "علماني" يعتبر
أن المحاكم العلمانية تتوافق مع الإسلام وضرورية له، لكن في الوقت
نفسه كان أحمد جودت قد عارض تبني القانون المدني الفرنسي الذي اقترحه
علي باشا (كان رئيسًا للوزراء سنة 1867م)، على اعتبار "أن تبني
القوانين الأوروبية في هذا الحقل الحساس الذي تمتلك فيه الشريعة دعاوى
قوية يشكل دعوة للمعارضة النشيطة، وطرح جودت ضرورة المحاكم المدنية
التي تحكم بحسب قانون واضح ينال ثقة الأجانب والعثمانيين غير المسلمين"
، وأحمد جودت هذا هو الذي كان يرأس لجنة مجلة الأحكام العدلية التي
قننت الشريعة بشكل كامل لأول مرة، على الصيغة الأوروبية، ووفق المذهب
الحنفي، واستمرت من 1969 حتى 1976م.
حتى الآن يبدو ثمة ارتباك في تفسير هذه المحاولة، برئاسة شخص بهذه
الصفات، لكن يبدو لي أن ما ذكره في مذاكرته يساهم في مزيد من التوضيح،
إذ يقول: "لقد تبنى بعض الأشخاص فكرة ترجمة القوانين المدنية
الفرنسية إلى اللغة التركية للحكم بموجبها في المحاكم النظامية، ولكن
هذه الفكرة غير مقبولة؛ لأن تغيير القوانين الأساسية لأمة ما، قد يعني
دمارها. وقد رأى العلماء أن أولئك الذين ضلوا وحملوا أفكارًا إفرنجية
كتلك، ليسوا بمؤمنين. ومن جهة أخرى دأب الإفرنج على القول: سُنُّوا
قانونكم ودعونا نعرّف رعايانا به" . وبهذا يبدو أن محاولته تلك
كانت محاولة "وطنية"، فنبرته نبرة وطنية وليست إسلامية كما
هو واضح من نصه والملابسات التي أحاطت بالموضوع، في الوقت الذي يحسب
حسابًا للآراء الأخرى التي تعتقد بأن استيراد القوانين في هذا المجال
ضلال.
أما بخصوص مصر التي كانت خارج النفوذ العثماني، ولم تسرِ عليها القوانين
العثمانية الجديدة ولا مجلة الأحكام العدلية، وتسرب إليها التشريع
الغربي بعد معاهدة لندن سنة 1840م من مدخل التجارة، بعد انفتاح سوقها
بعد المعاهدة، وكان الأجانب يخضعون لقضائهم القنصلي حتى في معاملاتهم
مع المصريين، وبلغ الأمر أن وصل عدد المحاكم القنصلية إلى 17 محكمة،
و17 نظامًا قانونيًّا كلٌّ حسب جنسيته، إلى أن تحولت مصر إلى النظام
القانوني الفرنسي في منتصف الستينيات من القرن التاسع عشر حين ترجم
القانون الفرنسي على عهد الخديوي إسماعيل (1863م-1879م).
لكن اختلفت الآراء في تفسير هذا التحول، ففي حين أن المستشار البشري
يرى أن هذا "أمر بُيِّت بليل" ، يُنقَل عن رشيد رضا أن الخديوي
إسماعيل كان يتعرض لضغوط أوروبية لتطبيق قوانينها وخاصة القانون الفرنسي
، لكن رفاعة الطهطاوي الذي ترجم القانون الفرنسي رأى أن هدف الخديوي
من الترجمة تقريبها للمصريين، "حتى لا يجهل أهل هذا الوطن أصول
(قوانين) الممالك الأخرى، ولاسيما أن علاقات الاقتضاء ومناسبات الأخذ
والعطاء تدعو إلى الإلمام بمثل تلك الأصول الوضعية ليكون من يتعامل
معهم في تسوية الأمور على بصيرة"، بينما يذهب الشيخ مخلوف المنياوي
القاضي إلى أن مقصود الخديوي من الترجمة "التعليق على هذه القوانين
من الوجهة الشرعية لمعرفة مدى اتفاق هذه القوانين واختلافها مع أحكام
الشرع"، وقد قام مخلوف بهذا التكليف من الخديوي وعلق عليها في
كتاب سماه "تطبيق القانون المدني والجنائي على مذهب مالك"
.
وبعد عهد إسماعيل، أنشئت المحاكم الأهلية عام 1883م بستة من التقنينات
أُخذت من القوانين الفرنسية، ويوضح البشري بأن الأخذ بالقوانين الفرنسية
هنا لم يكن بسبب جمود رجال الشريعة كما يقال؛ لأن المجلة العثمانية
كانت قائمة، ولأن محمد قدري باشا في مصر كان يقوم بتقنين الأحكام وقتها.
ويقول: "إن الوثائق التاريخية تكشف عن أن السبب الذي دعا المصريين
إلى الأخذ بهذه التقنينات هو رغبتهم في أن يقدموا لدول الامتيازات
نظامًا قانونيًّا مصريًّا ينشأ على شاكلة ما ارتضته هذه الدول بالمحاكم
المختلطة، فترضى من بعد خضوع رعاياها له، وتسترد مصر سيادتها التشريعية
القضائية المنقوصة" .
بعد هذا كله، أمكن إدراك تفاعلات تلك المرحلة التاريخية والتأثيرات
التي تركها الاحتكاك بالغرب، سواء في نفوذه السياسي الاستعماري، أم
في الاحتكاك بمنجزاته الفكرية التي تمثلت على شكل إصلاحات أو تنظيمات،
وكذلك في شكله الاقتصادي التجاري الذي كان بوابة استعارة القوانين
أو فرضها لحماية التجار الأوروبيين والاحتكام إلى قوانينهم. وليس اختلاف
تفسير تلك التحولات الذي أبرزتُ طرفًا منه في مواضع؛ إلا علامة على
اضطراب توجهات تلك المرحلة، التي كانت تعج بالتوجهات المتغربة، والإصلاحية
التي تحاول المزاوجة، والمحافظة .
ومما لفت نظري، أن كل محاولات التقنين الفردية والجماعية، الرسمية
وغير الرسمية، بدءًا من مجلة الأحكام العدلية العثمانية وصولاً إلى
ما بعد الدولة الوطنية، لم تكن تطرح تقنين الشريعة كاملة، بل كانت
تقتصر على قانون الأحوال الشخصية في الغالب الأعم، وحتى مجلة الأحكام
العدلية لم تقنن الفقه، بل قننت (العقود والالتزامات والمرافعات المدنية)
دون الأحكام التجارية وأحكام الأراضي وغيرها، والتي كانت أخذت تشريعاتها
من القوانين الأوروبية.
فكرة تقنين الشريعة
فلم تبرز فكرة تقنين الشريعة كاملة إلا في العصر الحديث في ظل الدولة
الوطنية، مع أطروحة "شمولية الإسلام"، أي في ظل الفقه الحركي،
وتدعّم ذلك مع أطروحة تطبيق الشريعة التي شاعت في العقود الأخيرة في
ظل الحديث عن الحل الإسلامي، حتى وقع في الأوهام أن تطبيق الشريعة
يعني تطبيق الحدود، أي النظام الجنائي.
كما أن دعوة تطبيق الشريعة جاءت شاملة للأحوال الشخصية والمعاوضات
والشركات التجارية والعقوبات ، وتم التركيز على الجنايات أو العقوبات؛
لأن "أول عدوان على أحكام الشريعة كان عدوانًا على أحكام الجنايات
والحدود" . وهنا تأتي أهمية كتاب عبد القادر عودة "التشريع
الجنائي" ، الذي كتبه بإيعاز من حسن البنا، والذي وصفه العوا
قائلاً: "كتاب التشريع الجنائي الإسلامي هو الكتاب الأول في تاريخنا
الفقهي الذي يتناول أحكام الفقه الجنائى الإسلامى بترتيبها الذى تعرفه
كتب القانون الحديثة مقارنة بنظرائها فى القوانين العصرية مع معالجة
الفقه الإسلامى فى مذاهبه الأربعة، وأحيانا يضيف إليها رأى الإمام
ابن حزم الظاهرى ...
واكتسب الكتاب أهمية خاصة؛ لأن الفقه الجنائي الإسلامي تُرك تطبيقه
في كثير من بلاد الإسلام (باستثناء المملكة العربية السعودية واليمن
وإيران وأفغانستان) منذ حلت محله في الدولة العثمانية تنظيمات سليمان
القانوني، ولذلك قلّت العناية به ووقف العمل العلمي لتجديده؛ إذ إنهما
تابعان -عادة- للمصلحة العملية والتطبيق القضائي.
الفقه المدني الإسلامي
وكان حظ الفقه المدني الإسلامي أفضل كثيرا من نظيره الجنائي لأنه استمر
العمل به في صورة مجلة الأحكام العدلية... ولم تمض خمس عشرة سنة حتى
كان الكتاب ُملهِمًا رئيسيًّا للمشرعين والباحثين في عدد من الدول
العربية والإسلامية، ثم تُرجم إلى الفارسية والأردية والإنجليزية،
وأضاف إليه عدد من العلماء الشيعة مقارنته بالمذهب الجعفري، وصدرت
له عدة طبعات في إيران، واستخدم في أفغانستان - أيام العهد الملكي
وما زال حتى الآن على نطاق واسع - فكان مَعينًا للقضاة والمحامين".
إن مما يلفت النظر هنا، أن نقل القوانين الأوروبية وترجمتها، لم يدفع
إلى إنشاء مجلة الأحكام العدلية فقط، بل أنشأ عددًا من الدراسات القانونية
المقارنة بين القانون والشريعة، كنحو ما فعل الشيخ مخلوف، أو محمد
قدري باشا ـ وقد سبقت الإشارة إلى مؤلفاتهم ـ والشيخ سيد عبد الله
علي حسين في كتابه "المقارنات الشرعية بين القوانين الوضعية المدنية
والتشريع الإسلامي: مقارنة بين فقه القانون الفرنسي ومذهب الإمام مالك
بن أنس".
ومما يستدعي التأمل أن تلك الدراسات المقارنة انتهت إلى وجود اتفاق
في نسبة كبيرة بين القانون المدني الفرنسي وبين الأحكام الفقهية، وخاصة
المذهب المالكي، حتى إن بعض الباحثين ذهب إلى القول: "الناظر
إلى هذه المؤلفات يجد عمق التشابه في الفروع بين الفقه الإسلامي والقانون
الفرنسي، ويكاد ينحصر الخلاف في نسبة من المسائل اليسيرة التي يرجع
الخلاف فيها إلى ظروف التطور الحضاري ومقتضيات الصناعة الفنية"
. بل أكثر من ذلك، لوحظ "وجود تطابق بين بعض أحكام مجلة الأحكام
العدلية والقانون المدني الفرنسي، ولفت دافيسون إلى فكرة أن ذلك التطابق
ربما يكون نابعًا من الصدفة، أو نتيجة تأثير الرومان قديمًا على القانون
الإسلامي" .
لكن ثمة مواقف مختلفة تجاه هذا الاتفاق، بعضها حركي يرى أن ذلك الاتفاق
لا يعدو أن يكون "تكأة باطلة للتغرير بالناس"، لكن مؤرخًا
رصينًا كالبشري يذهب إلى "أن كثيرًا من القوانين الوضعية الحالية
تتفق في الحكم مع أحد الآراء الفقهية في مذهب من المذاهب، وهو يرى
إسناد الحكم القانوني إلى الرأي الفقهي الذي يتفق معه بما يجعل له
أساسًا فقهيًّا ويقطع صلته بمصدره الوضعي الأجنبي، وبذلك نمهد لاستقاء
القوانين وتفسيرها وتطبيقها بوساطة القضاء من مصادرها الفقهية - مع
أنها لم تُستقَ منها في الأصل - خاصة إذا كان للرأي الفقهي دليله الشرعي"
.
مبدأ التقنين .. ومنطقه
يقول الخطيب حول مبدأ التقنين : لقد حظيت فكرة تقنين الفقه - منذ ظهرت
- بمعارضة، فقد اعتبر شيخ الإسلام آنذاك حسن فهمي أن مشروعًا كمجلة
الأحكام العدلية من اختصاصه وليس من اختصاص وزارة العدل ، وقد رأى
المعترضون أن في ذلك استيلاءً من الدولة على سلطتهم كناطقين باسم القانون
وحراس له . واستمرت هذه الاعتراضات تاريخيًّا، فقد لقيت محاولات تقنين
عدة في مصر معارضة حقيقية: تارة لأن التقنين سيلتزم مذهبًا معينًا
فيعارض علماء المذاهب الأخرى، وتارة لخروجه عن المذاهب الأربعة، أو
لمخالفته أعراف الناس كقانون 1926م بمنع الزواج بأكثر من واحدة إلا
بإذن القاضي .
واستمرت المعارضة، حتى إن بحوثًا عديدة انشغلت بإيراد حجج المانعين
والرد عليها ، لكن الفارق أن معارضي الفكرة في هذا العصر انحصر أكثرهم
في تيار مخصوص يغلب عليه التيار السلفي من أمثال محمد الأمين الشنقيطي
وبكر أبو زيد وعبد الله البسام وهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية
السعودية ، حتى إن أحد الفقهاء المعاصرين حصر معارضي التقنين بعلماء
السعودية فقط .
لست معنيًّا هنا بإيراد حججٍ ولا ترجيحٍ، ولا الاستدلالِ لفكرة التقنين
على الطريقة الكلاسيكية، بل إدراك مسارات الوعي ومتغيرات التاريخ،
فالتاريخ والفقه الإسلاميان - كما أوضحنا - كانا يرهنان التطبيق القانوني
أو القضائي بالقاضي وحده، فهو الذي يفصل بين الناس، وأحكامه وأقضيته
لازمة للمتخاصمين، وكانت له حرية واسعة في باب التعزير، كما أنه لم
يكن القضاة ملزمين بنصوص مرجعية واحدة، ولهذا تنوعت أحكامهم بين مصر
وآخر، وبين مذهب وآخر؛ لأن القاضي كان يحكم باجتهاده، وبناء على مذهبه
الفقهي الذي يقلده.
وقد "حظيت النصوص التي وضعها المفتي والفقيه المصنّف بمرجعية
عالية، فمنها كان الفقهاء المعاصرون واللاحقون بكل مراتبهم: كتّابًا
بالعدل أو قضاة أو مفتين أو فقهاء مصنِّفين يستمدون أحكامًا معيارية
تعتبر بمثابة مذهب نموذجي" ، وكان هناك عمليات استبدال مستمرة
للحالات والآراء تعكس مرونة المذهب وقابليته الواضحة للتكيف.
أما التقنين فهو يقوم على عنصرين: صياغة الحكم الفقهي بعبارة قانونية،
وإلزام القاضي بالقضاء وفقًا لهذا الحكم ولو كان مخالفًا لرأيه . وإنما
وقع الإشكال في العنصر الثاني، ولهذا وقع الاعتراض على التقنين.
وفي الواقع أن الجدال في الموقف من التقنين - إن تجاوزنا ظاهره - نجده
في حقيقته جدالاً بين موقفين متعارضين: موقف محافظ يسعى للحفاظ على
البناء الفقهي القديم ومنطلقاته، ويحتفظ بتصوره التراثي للقضاء وحاكمية
الشريعة، مقابل موقف تجديدي يحاول أن يتوسل بالنظم المعاصرة الأوربية
لإرساء حاكمية الشريعة في ظل دولة حديثة أوربية المنشأ، وفي ظل صراع
مع قوانين مستوردة، فهو يُدخل الفقه في طور جديد، هذا الطور إما "ثوب
جديد" أو "فقه عصري" أو "فقه معاصر" أو نحو
ذلك، لبيان مرونة الفقه وصلاحيته لكل زمان ومكان، فهذا الموقف يعيش
عصره ويتفاعل مع تحدياته.
وفي حين أن من الفريق الأول من يعتبر التقنين ضلالاً ومحرمًا وبدعة
غربية إلى غير ذلك من الأوصاف . من الفريق الثاني من يرى أن التقنين
واجب، وليس جائزًا فقط ؛ لأنه السبيل إلى تطبيق الشريعة في هذا العصر.
وشَرْحُ منطق كل فريق من شأنه أن يثبت صحة ما قدمناه من صورة الخلاف
بين الفريقين.
و لنا تواصل في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى...
أعلى
عدالة السماء
دروس وعبر
1ـ2
ونطق القــدر
هذه القصة من القصص الواقعية التي تحكي مرارة وقسوة الإنسان لبني الإنسان
البعيد كل البعد عن الله تعالى ، أسيراً لشهوته ولوساوس الشيطان التي
جعلت من المرء لقمة سهلة لنزواته الحيوانية ، والسؤال هل الإنسان عندما
يكون أسيراً لشهوته ويقع في فخاخها واستسلامه لها ووقوعه في الجريمة
تذهب هكذا دون محاسبة وظهور للحقيقة ؟! هذا ما سنعرفه من خلال هذه
القصة والتي هي من الدروس والعبر فإليكموها ...
البداية
كان متنفذا في قرية من قرى شمال العراق ، وكان يعيش حياة رغد في قريته
الجميلة الرابضة على سفح جبل عال تكلل هامته الثلوج صيفا وشتاء .
وكانت تلك القرية محاطة بالبساتين التي تمتد بعيدا إلى أميال وأميال
وهي تؤتي أكلها مرتين وكانت العيون فيها كثيرة باردة الماء وحلوة المذاق
غزيرة الأمواه.
كانت تلك القرية جنة من جنات الله في أرضه : الثمر كثير ، والماء غزير
، والمناظر خلابة ، والخضرة تشيع في كل مكان !
وتزوجت (سعاد) ابن عمها ، وكانت رائعة الجمال ، وكان جمالها حديث القرية
وحديث القرى المجاورة ، وكانت تخطر في ثوبها الأحمر عادية رائحة ،
فتنافس ورود القرية جمالاً ، وتنافس أشجارها قداً واعتدالاً .
وكان ذلك الرجل المتنفذ يراها رائحة إلى العين الكبيرة مع دالتها تحمل
الماء على كتفها ، ويراها غادية إلى دارها تحمل الماء العذب الزلال
، وكان يراها عاملة في الحقل مع زوجها ، جانية للثمر ، فيزداد حبه
لها مع الأيام عمقا ورسوخاُ .
وراودها ذات يوم عن نفسها فاستعصمت ، وهددها فصمدت ولكنها لم تذكر
سرها لزوجها ولا لأهلها خوفا من الفضيحة وخشية سطـوة غـريمها الذي
يحسب له أهل قريته ألف حساب .
وبيت الرجل في نفسه أمراً ، وصمم على تنفيذه ...
كان زوجها يحصد زرعه أواخر أيام الربيع ، وكان عمله قد استغرق عليه
يومه كله ، وكان زرعه قد بقي منه شطر قليل فتحامل على نفسه وحملها
فوق ماتطيق ، ودأب يحصد بعد حلول الظلام .
وكانت زوجه في الدار تهيئ له الطعام ، وكان قد أرسلها إلى الدار مساء
ليلحق بها بعـد قليل ، وكانت معـه النهار كله تعـاونه في الحصاد ،
وتحمل مايحصده إلى ساحة مجاورة لمزرعتـه فأشفق عليها بعـد تعـب طـويل
، وأشفقت عليه بعد جهد جهيد .
وكانت تنتظـره متلهـفـة للقائـه ، وكان يسرع في عمله متلهفا للقائها
، وكان طعامها جاهزاً ، فوقفت بالقرب من باب الـدار ترقب طـريق عـودته
.
وكان الرجل العاشق يترصد زوجها وراء صخـرة عـاتية ، فلما رآه وحيدا
بعد ساعة من غـروب الشمس ، صوب بندقيته وأطـلـق النار عليه فـأرداه
قتيلاً ... ثم تسلل إلى القـرية مستورا بظلام الليل البهيـم .
وطـال انتظار الـزوجـة ، فقصدت أهـلـهـا وأخـبرتهـم بـأمـره ، فـلما
ذهب اخوتها إلى المزرعة ، وجـدوه جثة هامدة وقـد نزف دمه فغاص في بركة
من الدماء .
وكما كان يملأ الـدار انشراحا وفـرحـا حين كان حـيـا ً ، فقد ملأها
حزنا وترحا بعد أن أصبح ميتاً .
واتشحت أرملته بالسواد ، وأصبحت أيامها أشد سواداً من ثيابها ، ودأبت
على التطلع إلى سير التحقيق عن مقتل زوجها .
واهتم رجال الأمن بالحادث ، واهتم المحققون بالحادث أيضاً ، وتضخمت
الملفٌات وكثر السؤال والجواب وأخيراً أغُلقت القضية ، بعد أن توجت
تلك الملفات بالعباراة المألوفة : (الجاني مجهول الهوية ، ولم تعرف
هويته على الرغم من التحقيق الدقيق )
وكهذا نجحت العملية .. ومات المريض كما يقول بعض الأطباء !!
والحق أن هذه القضية بالذات ، كانت قضية صعبة جداً : القتيل ليس له
عدو ، واهله لايشتبهون بأحـد ، وحـادث القتل جـرى في جنح الظـلام والقاتل
لم يترك أثراً لجريمته ، والجثة .
ولنا بقية مع القصة...
المصدر : قصص من الواقع ، لمؤلفه اللواءُ
الركنُ محمود شيت خطاب
أعلى
|