أُسر النّادي الثّقافيِّ ... بينَ الواقِعِ ، والتّطلُعاتِ
سُليمان المعمَري : أُسرة القصّةِ مُواكِبةً
للحركةِ الثّقافيِّةِ
هِلال البادي : الافتِقارُ إلى التّمويلِ يحدُّ من طموحِ الكُتّابِ
إبراهيم السّالمي : أُسرةُ الشِّعر نافِذة للتّواصُل، والاتِّصالِ
شميسة النُّعماني: جزءٌ من المسؤوليّة يقع على الشّاعِر .. فالشّاعِر
مُدان
شمسة الحوسني : أجندتنا زاخِرة بالأفكار ..هي مسألةُ وقتٍ ليس
إلاّ
راشِد الذّهلي : قد تكون مُسابقةُ التّرجمة مُنعطفا في مسيرةِ
التّرجمةِ العُمانيّةِ.
تحقيق ـ بدريّة بنت مُحمّد العامري:
تنبثِقُ من النّادي الثّقافيِّ عدّةُ أُسرٍ مُواكِبةٍ للحِراكِ
الثّقافيِّ على الصّعيدِ المحلّي، والدّوليِّ ، ومن بينِ الأُسرِ
الّتي دُشِّنت في النّادي الثّقافي أُسرةُ الكاتِباتِ الّتي
انحلّت منذ فترةٍ قريبةٍ، و توزّع أعضاؤها تحت مِظلاّتِ بقيّةِ
الأُسرِ، كما انحلّت أُسرةُ التّرفيهِ العلميِّ، واستمرّت ثلاثُ
أُسرٍ فاعِلةٍ في النّادي الثّقافي، وهي أُسرةُ الشِّعرِ، وأسرةُ
القصّةِ، وأُسرةُ التّرجمةِ، وعن فعالياتِ ، وأنشطةِ هذِه الأُسر
التقينا بمجموعةٍ من المثقّفين الّذين ينتمون إلى هذِهِ الأُسر،
وأخذنا آراءهم حول فاعليّةِ الأُسرِ، وما تُقدِّمهُ للمُبدِع
من تحفيزٍ لهُ، وتعريفٍ بِهِ للوسطِ الأدبيِّ.
جهدٌ ملموس
بِدايةً يحدّثنا القاصِّ سُليمان المعمري حول ما تُقدِّمهُ الأُسرة
للمُبدع : لا شك كان لوجودِ أُسرة كتّابِ القصّةِ منذُ تسعينيّات
القرنِ الماضي دورٌ مهمُ في إثراءِ السّاحةِ القصصيّةِ في السّلطنةِ
على أكثرِ من صعيدٍ فهي أولا أخذت على عاتِقِها تسليطُ الضّوءِ
على كلِّ كتابٍ قصصيٍّ يصدُرُ في السّلطنةِ، ومناقشتِهِ بجديّةٍ
من خلالِ تبيانِ فنيّاتِهِ الجماليّةِ، ونقاطِه السلبيّةِ، صحيح
أن هذه الأُمسيات ترسّختْ أكثر خلال السّنتينِ الماضيتينِ ،
ولكنّ هذا الأمر ( أي تسليطُ الضّوءِ على الكُتبِ ) كانَ معمولاً
بِهِ منذُ الإداراتِ السّابِقةِ للأُسرةِ، وأنا واثِقٌ أنّهُ
سيستمرُّ في الإداراتِ اللاحِقةِ، والجميلُ حقّاً أنّ مُعظم
الكُتُبِ السّرديّةِ الّتي صدرتْ في السّنواتِ الأخيرةِ ( قصّةً
كانت أم روايةً أم غير ذلك ) إمّا تمّت مُناقشتها ، وإمّا في
انتظارِ الدّورِ ، النُّقطة الثّانية أنّ وجود كيانٍ مستقلٍّ
ينضوي تحتهُ القاصُّون العمانيّون والمتمثِّلِ في أُسرةِ القصّةِ
التّابعةِ للنّادي الثّقافيِّ جعل إمكانيّة تواصُلِ القاصِّ
العُمانيِّ مع نظرائِهِ العرب أكثر من خلالِ الأُمسياتِ المُتبادلةِ
بين أُسرةِ القصّةِ ومثيلاتِها في الدُّولِ الأُخرى ، ومن خلالِ
تنظيمِ الأٌسرةِ للملتقياتِ القصصيّة الّتي تستضيفُ فيها قاصّين،
ونُقّاداً عرباً مرموقين .. أنا شخصياً مُتفائل بكونِ هذا الفنِّ
الأدبيِّ بدأ يتكرّس لدى النّاس بشكلٍ أفضل من السّابِقِ، ولقد
لعبتْ أُسرة القصّةِ بإداراتِها المُختلفةِ دوراً بارِزاً في
هذا الأمرِ سَواء بشكلٍ مُباشِر أو غيرِ مُباشِر .
أما عن مواكبةِ أُسرةِ القصّةِ للحركةِ الثّقافيّةِ على الصّعيدِ
الدُّوليِّ فيقول أرى أنّها على الطريقِ الصّحيحِ ، خاصّةً بعد
انضمامِ موقِعِها على شبكةِ الانترنت إلى موقع النّادي الثّقافيِّ
ممّا سيُتيح نافِذةً على القصّةِ العُمانيّةِ يقرؤها القاصي
والدّاني ، كما أرى أنّ حركة التّرجمةِ والّتي وضعتها إدارةُ
الأُسرةِ الجديدةِ من شأنِها أن تكون خطوةً أُخرى في الاتِّجاهِ
الصّحيحِ ، ونعرف طبعاً أن ثمّة رواياتٍ ، وقصصاً عُمانيّةً
تُرجمت إلى الانجليزيّةِ ، والفرنسيّةِ، والرُّوسيّةِ، وبعض
اللُّغاتِ الأخرى ، وهي نواةٌ لمشروعٍ أكبر من شانِهِ إخراج
القصّة العُمانيّةِ إلى الفضاءِ الفسيحِ..
تفعيل
كما تحدّثنا إلى القاصِّ هلال البادي عمّا قدّمتهُ الأُسرة للسّاحةِ
الثّقافيّة، يقولُ: ما قدّمتهُ أُسرة القصّة بالنّادي الثّقافي
للمشهدِ الثّقافيِّ أهم ممّا قدّمتهُ لي كقاص...فالأُسرة أثرت
السّاحة بتنشيطها لحركةِ القصّة العُمانيّة، كما أنّ أُسرة القصّة
هي من أنشطِ أُسرِ النّادي الثّقافيِّ إذ لا يمرُّ عليها شهرٌ
تقريبا دونما فعّاليّة، وهذِهِ الفعاليّات من شأنِهِا تفعيل
الكثير من الأقلامِ، و تنشيطها مِمّا يعودُ على السّاحةِ بالنّفعِ.
وعن طُموحِه يقولُ القاصُّ هِلال البادي:المطامِحُ كثيرة إلاّ
أنّ أغلبها يصعُبُ تحقيقهُ في ظلِّ عدمِ وضوحِ ميزانيّةِ النّادي
الثقافي، فنحنُ نطمحُ في إقامةِ مُلتقيات على مستوى الخليجِ
أو الوطن العربيِّ إلا أنّ العائِق المادّي كثيرا ما يحولُ بيننا
وهذِهِ المطامِح، فحالُ النّادي الثّقافي كحالِ أيِّ مؤسّسةٍ
خاصّةٍ تفتقرُ إلى التّمويلِ الّذي يُمكِّنُها من تحقيقِِ مثل
هذِهِ المطامِح، ولا ننسى أنّ مُلتقيات القصّةِ أو غيرِها ستكون
مُلتقياتٌ نخبويّةٌ نوعا مّا..وكم نرجو من الإدارةِ الجديدةِ
الإيفاءِ بالتزاماتِها، وأن تُحقِّق ما يرجوه القاصون منها.
دورٌ بارِزٌ
كما تحدّثنا مع الشاعِرِ إبراهيمِ السّالمي الّذي قال : للأُسرةِ
الشِّعريّةِ دورٌ بارِزٌ وملموسٌ في المشهدِ الثّقافيِّ العُمانيِّ،
وهي لا تختلِفُ تماما عن سواها من المُؤسّساتِ الثّقافيّةِ المعنيّةِ
بالأدبِ، والثّقافةِ غير أنّها تتخصّصُ في مجالِ الشِّعرِ الفصيحِ
، وتضعُ برنامجها بما يُمكنُ أن يُساهِم في الرّقيِّ بالشِّعرِ
الفصيحِ على أرضِ الوطن، وبِما يُمكنُ أن يكونَ نافِذةً حقيقيّةً
للتّواصُلِ، والاتِّصالِ مع الآخرِ من خارِج حدودِ الوطنِ في
المجالِ ذاتِهِ.
وعلى ذلِك تجدُ أنّ برنامِج الأُسرة السّنويّ ينبعُ من الأُطرِ،
والأهدافِ العامّةِ للنّادي الثّقافيِّ، كون أنّ الأُسرة جزء
منه، وتحت إشرافِهِ، ومُتابعتِهِ، وقد استفتحت الأُسرةُ فعالياتِها،
ومناشطِِها لهذا العام باستضافةِ الأُستاذ أحمد الفلاحي في محاضرةٍ
بعُنوان " قراءةٌ في الشِّعرِ العُمانيِّ " وبإذن
الله البرامِج مُستمرّةٌ، وأمّا من خلالِ تقييمي العام لما ساهَمَت
بِهِ الأُسرة في الشِّعرِ الفصيحِ، وللشُّعراءِ أنفُسهم، منذُ
تأسُّسِها لأكثر من عشرةِ أعوامٍ، وتعاقُبٍ مُختلفِ الإداراتِ
حولها، فهي تقومُ جاهِدةً على تقريبِ المِسافاتِ بين مُختلفِ
أجيالِ الشِّعرِ الفصيحِ لدينا بالسّلطنةِ، وهذا العملُ الدّؤوبُ
من الأُسرةِ ما زال قائِما، ومُستمرّا، وفي تصاعُدٍ ، ونموٍّ،
وأبعدُ مساحةً عن ذي قبل، وأصبحت وسائِلهُ الآن أكثر تنوُّعا.
دعامة التواصل
وتقولُ الشّاعِرة شميسة النُّعماني عن أُسرةِ الشِّعرِ:من وجهة
نظري أُسر النّادي الثّقافي أبرزت العديدَ من الأقلامِ، وعرّفتنا،
ودعمتنا للتّواصُلِ مع بقيّة الأقلامِ المُبدِعةِ في السّاحةِ،
والاستفادةِ منها، ومن أيّةِ مُلاحظاتٍ، كذلِك وجودِنا في السّاحةِ
يُعطينا دافِعا أكبر لإظهارِ الأجملِ دوما، و تطويرِ قُدراتِنا،
و التّواصلِ مع السّاحةِِ.
أمّا عن مطامِحها فتقول:نطمحُ في امتدادِ الفعاليّات الثّقافيّة
للولاياتِ، وأن لا تقتصر على محافظةِ مسقط ليكون الاهتمامُ بالمُبدعِ
العُمانيّ ممتدّا بامتدادِ السّلطنةِ، وليتسنّى للمُبدعِ المُشاركةِ،
وقهر الظّروفِ الّتي تحول دون ذلِك ، خاصّةً ونحنُ نرى أنّ أغلب
فعاليّاتِ الأُسرةِ الثّقافيّةِ تُقامُ أيّام الدّوامِ مما يُصعِّب
علينا المُشاركةِ، والحُضورِ، ومن وجهةِ نظري أنّ إقامتِها في
مثلِ هذِه الأوقات لا يُنصف الجميع، لذا نرجو أن تُقام بعض الفعاليّات
نهاية الأسبوع. كذلِك نرجو من أُسرةِ الشِّعرِ أن تضع صياغة
يُتعارف عليها من قِبلِ الشُّعراءِ، والإدارةِ تكون كبرنامج
أو خطّة عمل لفترةٍ معيّنةٍ، لينتظمَ عمل الأُسرةِ، وتكون متواصِلة
مع الحركةِ الثّقافيّةِ من جهةٍ، وتُقيّم فعّالياتِها، ومدى
فعاليّتِها، وأوجه القُصورِ فيها من جهةٍ أُخرى، فمُواكبةُ أحداثِ
العالم العربيِّ، والمُستجدات يجب أن تكون من أولويّاتِ الأُسرةِ،
ولا ضير في الاشتراكِ، والتّعاونِ مع مؤسّساتٍ ثقافيّةٍ أُخرى،
أو التّفرُّدِ بفعاليّاتٍ خاصّةٍ. فيما تقولُ عن قلّةِ نشاطاتِ
الأُسرةِ :لا أعلم من المُدان في ذلِك لكن ثمّة جوانِب يجب أخذها
بعينِ الاعتبارِ وقد ذكرتُها آنِفا، ولا يُمكنُنا إدانةُ الأُسرةِ،
فالشُّعراء كذلِك مُدانون.
عوائق
كما تحدّثنا إلى رئيسِ أُسرةِ التّرجمةِ شمسة الحوسني الّتي
كانت نائِبةً للرّئيسِ في الإدارةِ السّابِقة، وقالت عن طموحاتِ،
وتطلُّعاتِ الأُسرةِ:نعترِفُ بقلّةِ فعّالياتِنا لكن ثمّة عوائِق
واجهتنا، فحداثةُ عهدِ الأُسرةِ، وعدم استقرارِ الإدارةِ، وضُعف
التّنسيق بين الإداريين أنفُسهم، وبينَ الإدارةِ والأعضاء كان
أبرزها، وبإذن الله نتطلّعُ للأفضل، ففي أجندةِ الأُسرةِ الكثير
من الفعاليّات التي ستُفعّل قريبا بإذن الله، فنحنُ حاليّا كإدارةٍ
جديدةٍ نؤسِّس للأُسرةِ بوضعِ قواعد بياناتٍ لثلاثةِ محاور مبدئيّةٍ
وهي: قاعِدةُ بياناتٍ للنُّصوصِ المُترجمةِ، وأُخرى للمترجمينَ
العُمانيين، وقريبا سيبدأ العمل في قاعِدة بيانات تختصُّ بالنُّصوصِ
المُرشّحةِ للتّرجمةِ، وهذا العمل داخليٌّ نوعا، ونحن نسعى لتثبيتِ
ركائِزِ الأُسرةِ الدّاخليّةِ أولا، وبعدها نتطلّعُ للظُّهور
بشكلٍ أكبر بخطىً واثِقة.
وعن خطط الإدارةِ الجديدةِ تقول شمسة الحوسني:بدايةً يجدر بي
أن أُشيرَ إلى أبرزِ ما تحقّق على أرضِ الواقِع، فقد أقامت أُسرةُ
التّرجمةِ مُحاضرة حولَ "مُستقبل التّرجمةِ في عُمان"،
كما أعلننا عن مُسابقةٍ للتّرجمةِ، من شأنِها تفعيلِ حركة التّرجمةِ
في السّلطنةِ، وللخروج بنصوصٍ راقيةَ التّرجمةِ غير تجاريّةٍ.
كما ضمّنت أجندتنا العديد من الأفكار الّتي نصبو لتحقيقها، وسنبدأ
في البدايةِ بإذن الله بالتنسيق مع أُسرِ النّادي الثّقافي الأُخرى
لكي لا يحدُث تضارُب أو ازدواجيّة في مواعيدِ فعاليّاتِنا، وكذلِك
لكي نتعاون معا في إقامةِ فعّاليّاتٍ مُشتركةٍ كالشّعرِ المُترجمِ،
ويوم القراءةِ العالميِّ، كما نطمح في إعادةِ تفعيلِ مُلحق جسر
الخاص بالتّرجمةِ، كذلِك وضعنا في مخطِطنا كوننا نفتقرُ لجمعيةٍ
خاصّةٍ بالمُترجمين برنامج تدريبي للأعضاء، وثمّة فعاليّاتٍ
أُخرى ستُعلِن عنها الأُسرة لاحِقا.
سنة تأسيسية
وتحدّثنا إلى راشِد الذّهلي أحد أعضاء أُسرة التّرجمة ، والذي
قال :لا أستطيعُ القول بأنّني راضٍ تماما عن فاعليّةِ أُسرةِ
التّرجمةِ بالنّادي الثّقافيِّ؛ فمُقارنةٌ سريعةٌ بين خُطّةِ
الأُسرةِ الّتي يُفترضُ أن تسيرَعليها مع ما تمَّ إنجازهُ حتّى
الآن يُظهر أنّ الأُسرة في حاجةٍ إلى تفعيلٍ أفضلٍ لفعاليّاتِها،
ومشاريعِها التّرجميّةِ، لكن هنالِك أسبابٌ عديدة أدّت إلى تأخُّرِ
ظهورِ فعالياتِ الأُسرةِ، وعدمِ فاعّليتِها بالمُستوى المرجوِّ
منها - الّتي تُعذر الأُسرةِ في بعضِ الأسبابِ وتُلام في أسبابٍ
أُخرى - وأبرزها أنَّ الأُسرة في سنتِها التّأسيسيّةِ، ولا يخفى
على المضطّلعين بالعملِ الثّقافيِّ المُؤسّساتيِّ صُعوبة هذِهِ
المرحلةِ، ووعورتِها، أيضا قِلّة الأعضاء (الفاعّلين) في الأُسرةِ،
وارتباطِ مشاريعِ الأُسرةِ ببعضِها البعض؛ ذلِكَ أنّ كُلّ مشروعٍ
مبنيٍّ على مشروعٍ آخر ممّا يُؤدِّي إلى تأخُّرِ سلسِلة من المشاريعِ
في حالةِ تأخُّرِ أيِّ مشروعٍ مِنها، وأودُّ الإشارة هُنا إلى
سببٍ آخر أيضا لا يقتصِرُ فقط على أُسرةِ التّرجمةِ أو الأُسرِ
الأُخرى بالنّادي وإنّما يتعدّى ذلِك إلى معظمِ الجمعيّاتِ الأهليّةِ،
ومؤسّساتِ العملِ التّطوُّعيِّ بالسّلطنةِ - وهو أنّنا في حاجةٍ
إلى فهمٍ أوسعٍ، وأعمقٍ لمفهوميِّ (العمل التّطوُّعيِّ) و(العمل
الجماعيِّ). مع ذلك لا بُدّ من الإشارةِ إلى أهمِّ ما أنجزتهُ
الأُسرةُ حتّى الآن - في رأيي - وهو الإعلانُ عن مُسابقةٍ وطنيّةٍ
سنويّةٍ لترجمةِ الكُتُبِ، الأمر الّذي سيُشكِّل مُنعطفا في
تارِيخِ مَسيرةِ التّرجمةِ بعُمان إذا ما حقّقت الأهدافَ المرجوّة
منها، كذلِك العمل الجاري في إعدادِ ثلاثِ قواعِدَ بياناتٍ لأُسرةِ
التّرجمةِ.
تعاضد
يبقى لأُسرِ النّادي الثّقافيِّ أعذارها ، فالأغلب يشتكي من
غيابِ المٌبدع عن مثلِ هذِه التّجمُعاتِ ، كما يشكو المُبدع
من قصرِ الفعاليّاتِ على العاصمةِ مسقط ، وعدم توسُّعِها إلى
باقي ولاياتِ السّلطنةِ والكثير مما يحدُّ من سقفِ طموحِهِ.
ويظل طُموح أُسر النّادي الثّقافي كبيرا في التّواكُبِ مع المسيرةِ
الثّقافيّةِ ، ولن يتأتّي لمثلِ هذِه المطامِح رؤية النّور ما
لم يتعاضد المُبدع مع مثلِ هذِهِ المُؤسّساتِ لإثراءِ الفضاء
الثّقافيِّ.
أعلى
انطلاق الدورة 59 لمهرجان برلين السينمائي
برلين ـ(د ب أ): أفتتح مهرجان برلين السينمائي
الدولي (برليناله) أمس ولمدة 10 أيام ، بعرض فيلم الإثارة والحركة
"ذا إنترناشونال" (العالمي) ، للمخرج الألماني توم
تيكوير ، تدور أحداثه حول عالم البنوك وجرائم الفساد التي تحدث
بها.ويقوم ببطولة الفيلم الممثل البريطاني كليف أوين 44 عاما
الذي يقوم بدور ليوس سالينجر العميل في الشرطة الدولية (الانتربول)
، والممثلة الشهيرة ناعومي واتس 40 عاما التي تقوم بدور إلينور
وايتمان التي تعمل محامية في نيويورك. وتدور أحداث الفيلم حول
محاولة سالينجر ووايتمان متابعة أنشطة أكبر بنك في العالم بهدف
الكشف عن جرائم الفساد التي يرتكبها. وتوقعهم رحلة البحث عن
عمليات التلاعب إلى العديد من الاماكن حول العام وسط مغامرة
وإثارة تجذب المشاهد.ويضفي البرليناله الذي هل على برلين في
غمرة فصل الشتاء القارس ، سحرا وبريقا على العاصمة الالمانية
التي توافد عليها عدد كبير من النجوم العالميين للسير على البساط
الاحمر بمناسبة المهرجان التاسع والخمسين.ومن بين أبرز النجوم
الذين شاركوا في المهرجان ، ميشيل فايفر وديمي مور ورينيه زيلويجر
وكيت وينسلت وستيف مارتن وكيانو ريفز وجايل جارسيا برنال.ومن
المتوقع أن يصل أيضا النجم الشهير ليوناردو دي كابريو إلى برلين
الاسبوع المقبل من أجل المشاركة في احتفالية "السينما من
أجل السلام" التي تقام بموازاة مع حدث البرليناله.ومن بين
الافلام التي تم اختيارها ليتم عرضها في المسابقة الرئيسية والبالغ
عددها 62 فيلما ، 71 فيلما يتم عرضها للمرة الاولى في العالم
،ومن بينها أفلام من الصين وبريطانيا وإيران وبولندا وأوروجواي
والولايات المتحدة.
أعلى
صوت
خلاص الكاتب
منفى هو العالم الخارجي
ومنفى هو العالم الداخلي
فمن أنت بينهما ؟
سؤال وجهه محمود درويش إلى صديقه ادوارد سعيد عبر قصيدة "منفى
طباق" لكن درويش رحل قبل أن يتلقى إجابة، وحتى لو عاش ألف
عام ما كان سيتلقى إجابة، ليس فقط لأن ادوارد
رحل قبل حتى قبل أن يتلقى السؤال، بل لأنه في الحقيقة لا يملك
إجابة، ومن من المبدعين أو المفكرين يملك إجابة؟ السؤال يوجه
لهم جميعا، ولا أحد إن كان صادقا يملك إجابة، إن كان درويش يعني
بمنفى العالم الداخلي الوطن الأم، فلسطين ومنفى العالم الخارجي،
أميركا، فالسواد الأعظم من الكتاب من المفكرين، يعانون قسوة
المنفيين، لكن في صور أخرى، منفى العالم الداخلي، دواخل الذات
أو ما يسمونه بالغربة النفسية، الإحساس بمشقة التكيف مع الداخل،
ومنفى العالم الخارجي، المكان ، الزمان، الناس، الأيديولوجية،
حين تنصت إلى محطات المذياع لا تشعر بالونس مع ما يبث، حين تشاهد
التلفاز، تشعر أنه، بكليباته، بأفلامه، بمسلسلاته، بصراخ ضيوف
برامجه، تلفاز زمنه ليس زمنك، حين تسير في الشارع تعاني من وحشة
الصحارى مع ضجيج أبواق السيارات، مع صراخ السائقين، وصياح الشباب،
وماذا عن هذا الوطن الذي يتشكل من الجغرافيا والتاريخ ؟
قد يكون هذا خيار الإنسان العادي والعادي جدا، الانتماء بحب
إلى هذا الوطن الذي تشكل من جغرافيا صالت وجالت فيها خيول التاريخ،
خيول غريبة طامعة في مراعيه، تصدت لها خيول دمها مستمد من قلب
هذا الإنسان العادي والعادي جدا، دم يراق دفاعا عن كل شبر فيه،
عن كل إنسان ينتمي إليه، وطن تلقن الإنسان العادي والعادي جدا
جغرافيته وتاريخه من معلم متحمس أو ضجر في المدرسة، الكاتب أيضا
تلقم في عشق جغرافية وتاريخ الوطن من هؤلاء المعلمين كما السائد
من الناس، ومثلهم يضخ من قلبه الدماء في شرايين خيول تصول وتجول
دفاعا عن هذا الوطن، لكنه ليس كما السائد من الناس يهجع رأسه
على وسائد جغرافية الوطن يرتل بفخر أناشيد أمجاده ليغفو متوحدا
في اطمئنان مع خرائطه، إنه ـ المبدع ـ رغم عشقه اللامتناهي لخرائط
الوطن كما السائد بين الناس، رغم إيمانه أن تضاريس جغرافية الوطن
هي جينات وجوده كما السائد بين الناس، إلا أنه لا يشعر بالتوحد
مع ما حوله كما هو الحال مع الانسان العادي والعادي جدا، دوما
هو غريب، دوما رأسه ترتطم بعنف، بوحشية بين جدران منافي الداخل
والخارج، ففي نهر المنفى ألقى به رحم المجهول وبين أنامله خطة
سير، لا يحيد عنها أبدا، أن يسبح ضد التيار، وحيدا عليه أن يمضي
عمره هكذا، شلالات نياجرا تتدفق بعنفوان من ينابيعها في الأعالي،
تستسلم لها قوافل البشر بغير عصيان، بغير حتى سؤال لتسوقها نحو
المصب، بينما هو ـ الكاتب ـ شاء قدره أن يكون مغايرا، معاندا،
مناوئا، وحده يعاني، يسبح ضد تيارات الشلالات الوحشية، مكابدا
ليصل إلى المنابع في الأعالي، منابع الحقيقة وربما كان واهما،
ربما تكون الحقيقة قريبة منه، بل ملتصقة به، في حياة الإنسان
العادي والعادي جدا الذي يشعر ربما بالعجز عن معايشته، لكنه
لا يرى تلك الحقيقة ويمضي عمره مثلما سيزيف، يحمل الصخرة ويصعد
بها إلى قمة الجبل، لتهوي فيهبط ليحملها ويصعد بها ثانية، لتقع
ليهبط ليصعد بها ثالثا، هكذا حتى أبد الآبدين.
سئل فنان ألماني: لماذا أسلمت ؟ وما كان على دين، قال : كنت
أسير في شوارع اسطنبول الصاخبة، لفت انتباهي رجل بسيط، هكذا
تنبئ ملابسه، بسط سجادة وأعطى ظهره للشارع المحموم بلهاث السيارات
وصخب الحياة وأخذ يركع ويسجد وينبث بكلمات لا أفهمها، وقفت بالقرب
منه مشدوها بما يفعل، وحين انتهى سألته : ماذا تفعل، فأجابني
: كنت أصلي، فأسلمت، موقف نراه كثيرا ولا نهتز له، لكن الفنان
الألماني ـ وأظنه كان مخرجا مسرحيا ـ رأى بحساسيته المفرطة ما
لا نراه، رجل بسيط يعطي ظهره لحضارة القرن العشرين بكل ما نظنه
مفاخر العقل البشري من سيارات وقطارات في الأرض وطائرات في السماء
وأناس يركضون بغير وعي في الشوارع، كل ما يعوونه أن ثمة موعدا
لعقد صفقة بمكتب فخم كائن في بناية شاهقة لإحدى الشركات متعددة
الجنسيات أو ينزلقوا في المطاعم ليلتهموا في شراهة سندويتشات
الهمبرجر الضخمة، هذا الرجل التركي البسيط أعطى ظهره لكل هذه
"الأوهام" وشطر وجهه نحو الحقيقة ،السماء، حين رأى
أن خلاص الإنسان في معاهدة سلام مع الله، مع النفس، مع الناس،
الرجل التركي البسيط بصلاته تلك كان ينفذ بحب، بإيمان ، بغير
كثير من التنظير والفلسفة بنود المعاهدة.
وربما يجد الكاتب في وجدان قارئه مهجعا يشعر فيه بالألفة، وجدان
القارئ وطن آخر نقي من عذابات منافي الداخل والخارج، نعم، هذا
في زمن كان هناك قارئ، لكن مع زمن انقرض فيه القارئ فمع من يتواصل
الكاتب، ياه ما أشد غربته، أزمته، ومع ذلك بيننا من يقول إن
الكتاب بخير والثقافة بخير، خلال ندوة نظمت في العاصمة الجزائرية
وشارك فيها الشاعر المصري شعبان يوسف وكتب عنها في صحيفة أخبار
الأدب، فاجأ الشاعر الجزائري محمد فؤاد الحضور قائلا إنه لا
توجد أزمة ثقافة أو مثقفين، و"نحن الكتاب الذين اخترعنا
الأزمة وأخذنا نحلل ونبحث عن الأسباب.
هل فعلا لا توجد أزمة ثقافة أو مثقفين؟ الكاتب البريطاني الشهير
كولن ويلسن يقول إن مشكلة البعض أنهم يفكرون أكثر مما ينبغي،
أيكون هذا حال الكتاب والمبدعين، يبدو كل منهم مثل لاعب الشطرنج
"الجيد" يمضي زمنا طويلا يقلب الخيارات والبدائل،
ومن زحمة التفكير تضل من بين أنامله الحركة الصحيحة والتي قد
تكون بسيطة يتوصل إليها مبتدئ بغير كل هذا الطحن العقلي، وأظنه
المخرج الألماني أمضى سنوات عمره دماغه محموم بالتفكير في الحقيقة،
ليكتشفها بالصدفة في صلاة التركي البسيط؟!
الكاتب الرائع ليو تولستوي حل أزمته بسلوك بسيط، لكنه شجاع استثنائي
لا يطيقه إلا كل كاتب عظيم، أظنه كان من أكثر الكتاب تواصلا
مع قرائه، لكن تولستوي لم يجد ذلك كافيا لحل أزمته، للخروج من
منافيه والتكيف , بل التوحد مع الإنسان العادي والعادي جدا،
تولستوي اكتشف أن خلاصه في تحقيق العدالة لذا قام بتوزيع أراضيه
الزراعية على الفلاحين، لم يكتف بهذا، بل رأى إن كان الله منحه
علما وموهبة فينبغي أن يتيحهما أيضا للإنسان العادي والعادي
جدا، تولستوي أنشأ فصولا دراسية وبدأ يعلم فيها أبناء الفلاحين،
كيف يقرأون، كيف يكتبون، كيف يصبحون أدباء، أظنه كان يهجع على
فراشه ليلا غير مؤرق بالحقيقة، لأنه توصل إليها، إسعاد الآخرين،
ويقينا أنه بذلك ما كان يعاني من عذابات منافي الداخل والخارج.
محمد القصبي*
* كاتب مصري
أعلى