|

|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
تاريخيات
|
|
|
|
|
|
|
دروازة
|
|
|
|
|
ظواهر لغوية
|
|
مبتدأ
يشكل ارتباط العماني
بالبحر علاقة حميمية تأخذ أبعادا وجودية وحضارية وتاريخية عميقة، حتى
إنه ليس من باب المبالغة أن نقول أن الإنسان العماني يمثل جزءا من
ذاكرة البحر!
هذه العلاقه الجدلية بين العماني وجاره الأزلي البحر، تجلت في الكثير
من حياة العماني التي تخضبت بالأزرق وحاورت المطلق، ونشأت جراء ذلك
عادات وطقوس وتقاليد اجتماعية وثقافية وإبداعية خصبة.
الدكتور محمد بن مسلم المهري يقدم في هذا العدد من أشرعة رؤية نقدية
معمقة حول مفردة البحر وتجلياتها في الشعر العماني المعاصر، حيث يعرج
بالحديث إلى دلالات هذه المفردة الزرقاء وحضورها الباذخ في القصيدة
العمانية المعاصرة.
الأديب عبدالله حبيب يكتب هذا الأسبوع مقاطع من رسالة حب، يتحدث فيها
عن ذكريات اللقاء الأخير، والشعرة السوداء المنسية، وصوت طلال مداح،
والقناني في ثلاجته المتواضعة.
أما عبدالله خميس فيعود بعد سفره الذي حصل فيه على الماجستير في السينما
الأسترالية، ليتحدث عن الفيلم "إد وود".. للمخرج تِم بورتون
الذي أعاد فيه اكتشاف المخرج إدوارد دي وود جونيور، الذي كان يعد من
أسوأ المخرجين في تاريخ هوليوود.
الشاعر صالح العامري يعود هو أيضا بعد انقطاع قصير لالتقاط الأنفاس
ليكتب في هجائيّات المثقف البغيض، متحدثا عن المثل الأعلى والمناضل
والتابع والبليد والمهرج والمداح والمعتاش على ورم القبيلة.
في هذا العدد من أشرعة نقرأ أيضا مقالا إبداعيا بعنوان (جدران) للكاتبة
عزيزة الوهيبي، التي التقطت جوانب هامة نطقت به الجدران وأوحت بها
ظلالها، فلسفة وحنينا وبوحا جارحا.
أشرعة تحاور في هذا العدد الناقد التونسي الدكتور محمد لطفي اليوسفي،
حيث يأخذ الحديث منعرجات عدة يجيب عليها اليوسفي بعمق وبلاغة عالية.
كما يتضمن العدد تحقيقا عن القاص الفلسطيني ومشكلات أدبه.
إلى ذلك يشتمل العدد على الكثير من النصوص والمقالات والأعمدة في الثقافة
والتاريخ والنقد، وغير ذلك من المواضيع القيمة التي يجدها القارئ على
صفحات هذا العدد.
المحرر
أعلى
بعد تماثله للشفاء
هلال العامري: عائد للقصيدة
كتب: حسن المطروشي:
طمأن الشاعر الشيخ هلال بن محمد العامري، مدير عام الآداب والفنون
بوزارة التراث والثقافة، محبيه وأصدقاءه وتلامذته وكل من سأل عنه،
أن حالته الصحية تتحسن على نحو طيب، وأنه بدأ يتماثل للشفاء من العارض
الصحي الذي ألم به في الآونة الأخيرة واضطر على إثره للذهاب للعلاج
في الخارج.
جاء ذلك في الحديث المقتضب الذي أدلى به العامري لـ(أشرعة)، وهو أول
حديث صحفي له بعد تلقيه العلاج وعودته إلى الوطن بين أسرته ومحبيه.
وأضاف العامري لـ(أشرعة) التي زارته في مقر عمله بالوزارة، أنه باشر
العمل مؤخرا، وأنه سيواصل مشروعه الثقافي الذي يمثل له معادلا للحياة
والأمل والتفاؤل، مضيفا أنه سيستمر في أداء مهامه وواجباته تجاه هذا
الوطن العزيز.
وأردف العامري قائلا أنه لم ينقطع عن المشهد الثقافي في السلطنة حتى
في أوج معاناته وألمه، حيث كان يتابع ما أمكنه متابعته، وقد كرس جانبا
كبيرا من وقته للقراءة، كما طلب من أسرته وأقربائه الاحتفاظ بالملاحق
والأخبار الثقافية ليتسنى له قراءتها بعد أن يمن الله تعالى عليه بالشفاء،
حرصا منه بأن لا يفوته شيء من أخبار الوطن وحراكه الثقافي.
وأكد العامري خلال حديثه مع (أشرعة) أن لديه الكثير من المشاريع الكتابية
التي يعتزم إنجازها، وأنه عائد إلى الشعر، مشيرا إلى أن القصيدة ستظل
بالنسبة له قيمة كبيرة في الحياة، وتعني له العطاء والنبض والجمال.
في ختام حديثه أشار هلال العامري أنه ينوي خلال هذه الآونة العودة
إلى الصين لاستكمال بعض الفحوصات وإجراء الكشوفات اللازمة للاطمئنان
على سير العلاج وتطورات الوضع الصحي لديه.
أعلى
يرصد فراغا كبيرا يعيشه النقد الأدبي في السلطنة
الناقد التونسي محمد لطفي اليوسفي لـ (أشرعة):
لا أختلف مع أحد
*النقد كتابة موازية غايتها تجديد أسئلة الثقافة العربية
*الجانب البنائي هو الذي يوفر الجمال والمعنى يحقق النفع
* الثقافة الوحيدة في العالم التي لم تطرح قدام الدنيا كنوزها هي الثقافة
العربية .
*"التأسيس" "المغايرة" الاختلاف" لا أؤمن
بها وإنما أؤمن أننا نكتب لننتشل أنفسنا
أجرت الحوار:هاجر محمد بوغانمي
إذا كان من الممكن أن تقدم لشاعر أو قاص بما يفي بشيء من حقه الأدبي
فإن الخطر في كيفية صياغتك لتقديم ناقد يحمل في أطروحاته أكثر من احتمال
تقويمي فقد تخذلك اللغة كدأبها مع المبدعين ،وقد يتوارى الناقد نفسه
خلف جهازه المفاهيمي فلا تجد غير أن تبحث لنفسك عن مخرج من مأزق إيديولوجي
أو فكري أو أخلاقي أيضا لأن الأمر لا يقف عند تقديمك لكاتب بل عليك
أن تخترع لغة موازية للغته وللغة النصوص التي اشتغل عليها حتى تتحاشى
اللبس ،ومع ذلك فإن المجازفة لابد أن تكون على قدر فهمك للنظرية القديمة
وإدراكك لمآزق النظرية الحديثة..
الدكتور محمد لطفي اليوسفي ناقد وأكاديمي تونسي نفذ إلى النصوص العربية
القديمة فتغذى من نظرياتها ونهل من نصوصها في الشعر والنثر ..يرفض
أن يوصف بالناقد المتخصص فكتب عن "الشعر والشعرية" و"المتاهات
والتلاشي" وتفنن في تفكيك "لحظة المكاشفة الشعرية"
و" فتنة المتخيل". كتب دراساته حول الشابي وتجربته الشعرية
والنثرية متمثلة في "مذكرات الشابي" و"الخيال الشعري
عند العرب" وغيرها من الدراسات التي أجمع الكثيرون على أن قارئها
يجد فيها متعتين :متعة شعرية اللغة ومتعة مضمون النقد ..التقيناه في
ركن من أركان المشهد الثقافي بالسلطنة فكان هذا الحوار:
تاريخ اليتم
* قدمت في الجلسة الأولى من ندوة النقد الأدبي
والفني في عمان كلمة حملت عنوان "المصطلح النقدي في الثقافة العربية
:تاريخ المكر تاريخ اليتم"، لو توضح لنا هذه الازدواجية في ظل
ما يشهده النص والكاتب من انبتات واغتراب ثقافي ولغوي أشبه بالكارثة
التي تترصد الطبيعة؟
**الورقة كانت تحمل عنوان "تاريخ المكر
تاريخ اليتم"لأنني لاحظت أن النقد العربي القديم ابتكر مصطلحات
ليقرأ النصوص لكنه لم يكن نقدا بريئا بل كان نقدا إيديولوجيا ونقدا
يريد أن يستحوذ على السلطة ويريد أن يسيطر على النصوص ويلجم المتوحش
فيها والغاية من النقد كانت هي جعل هذه النصوص تخدم المدينة .. لاحظ
العرب أن الشعر والفن بصفة عامة له طابع انشقاقي أي أن الشعر لا يصدر
إلا عن الأهواء القوية،والمدينة الإسلامية الناشئة ترفض هذه الأهواء
وبالتالي في كل نص إبداعي لهؤلاء الشعراء ثمة هذا الجانب الذي يجعل
الكتابة تتحرك ضد الممنوع وضد المحرم أو تزحزحهما على الأقل وبالتالي
كان لا بد من تسييج النصوص وهنا جاءت المصطلحات متحركة في المكر، لتجعل
ما في النصوص من الفتنة يغيب ويحجّب وبذلك توقي المؤمن من مخاطر الكلام،
والعرب كانوا على وعي تام بأن الكلام هو أخطر الأشياء ولذلك نرى أن
الجاحظ في "البيان والتبيين" افتتح كتابه بقوله "اللهم
نعوذ بك من فتنة الكلام "وهذه الفتنة هي التي حرصوا على تدجينها
ولذلك حرموا الاستعارة البعيدة ..كل المصطلحات تحركت في المكر لماذا؟
لأنها تريد أن تبقي الشعر في المدينة كي يخدمها لكنه لا يمكن أن يؤدي
هذه الوظيفة إلا إذا قرأناه قراءة تدجن المتوحش فيه وتلجمه أو تكاد
تمحوه ..
بالنسبة إلى مصطلح "تاريخ اليتم" هنا النقد العربي المعاصر
في رأيي لم يتلفت الى النقد القديم ولم يسائله وبالتالي استخدم مصطلحات
قديمة ظنها مصطلحات استمدت من قراءة النصوص والحال أنها استمدت من
هذه الرغبة في تدجين النصوص وبالتالي ثمة غربة يعيشها النقد المعاصر
لأنه لم يسائل قديمه: لم يسائل النص الإبداعي ولم يسائل النظري وهذه
الغربة أو هذا اليتم هو يتم تاريخي قادم من بعيد..
وثمة يتم آخر وهو استقدام المصطلحات الغربية وتبسيطها وإفقارها وتحويلها
عن مقاديرها وخلعها من أوطانها وعندما تأتي إلى البلاد العربية وإلى
الثقافة العربية تأتي مجوفة وفارغة لأن الناقد عندما يستقدمها يمحو
كثافتها ويحولها وفق طريقة تصبح يتيمة جوفاء وبالتالي بدل أن تعيننا
هذه المصطلحات على قراءة النصوص تبعدنا عنها ..عندما أستخدم جهازا
مفاهيميا قادما من الغرب فإنه لا يقنع النص العربي لأنني اكتفيت بالاستنساخ
وأوهمت نفسي وأوهمت الثقافة العربية بأنني أنا الذي صغت هذا السؤال
والحال أن الذي صاغه هو هذا الآخر الغربي وتكون الذات في هذه الحال
موضع سؤال أما الذي صاغ السؤال فهو هذا الآخر ..المصطلحات التي تروج
بيننا مثل مصطلح "التناص" ومصطلح "موت المؤلف"
ومصطلح "الانزياح" .. لو قرأناها في النص العربي وكيف طبقها
النقد الحديث سوف نلاحظ أنها تشرئب بأعناقها متلفتة إلى ديارها وأوطانها..
إنها هناك تتأسس في القلق والحيرة والسؤال وتظل مفاهيم يقينية ثبوتية
جوفاء بشكل من الأشكال .
تراكم إبداعي
* كيف ينظر الناقد والأكاديمي محمد لطفي اليوسفي لواقع النقد الأدبي
في السلطنة وهل يمكن أن نطبق عليه مبحث التيه والتلاشي أم تعتقد أنه
مازال قيد المساءلة والمكاشفة ؟
** بالنسبة إلى النقد في السلطنة أعتقد أن ثمة تراكما إبداعيا في البلد
لا سيما في الفن التشكيلي وفي الشعر والمسرح رغم أن التجربة في بداياتها
لكنها بدأت تشق طريقها وبالتالي كان النقد كحركة متخلفة جدا عن التراكم
الإبداعي الموجود ولم يقوموا بأي ندوة حول النقد علما وأني أتيت أكثر
من مرة الى مهرجانات هنا، وكنت ألاحظ أن الفنانين الذين يشكون من قلة
النقد عندما تكون هناك جلسات نقدية يهجرونها لأن النقد بالنسبة إليهم
إذا لم يتناولني أنا وإذا لم يتحول إلى وكالة إشهار في خدمة نصي فلا
معنى له ..
إن فراغا كبيرا يعيشه الأدب والفن في السلطنة اسمه "حركة النقد"
فضلا عن أن ما كتب إلى حد الآن في منطقة الخليج كلها تتفق مع نقد إخواني
ونقد يستخف بعقول الناس فالناقد العربي يأخذ نصا لأن صاحبه خليجي فيشرع
في تمجيده وإعلائه.. .. وهؤلاء ما نسميهم بالمتزلفة والمتملقة التي
تكتب لترضي جهة ما وهذا شخصيا كنت أقوله للطلبة، دائما كنت أحذرهم
من هذه الكتابات التي تخدعهم وتقول لهم إن الإبداع وصل إلى أعلى درجاته
في المنطقة والحال أن هذا غير صحيح فالنص العماني مثلا لا يمكن أن
يقرأ إلا في إطار الحركة الثقافية العربية ..لا يمكن أن نقول إنه نص
عظيم إلا متى قارناه بنصوص إبداعية عربية من المحيط الى الخليج وربما
ضمن حركة الإبداع العالمي فبالنسبة إلى حركة النقد في السلطنة أعتقد
أنه إلى حد الآن الجامعة هي التي تقوم بهذا الدورالذي تبناه عدد من
الأساتذة الأكفاء على غرار الدكتور محمد المحروقي والدكتور هلال الحجري
ومجموعة من الشباب الذين يدرسون الماجستير من بينهم الطالب حميد الحجري
الذي قدم أطروحة حول الشاعر سيف الرحبي وقلت يومها إنها مكتوبة بروح
الكاتب وإنها استوفت شروط الأكاديمية وعلقت بقولي: نشهد ميلاد ناقد
اليوم وليس أكاديميا فقط ..
نحن نعاني في الثقافة العربية من مشكلة الناقد الجاهل الذي يعرف نظريات
الغرب ولم يقرأ رواية واحدة من الغرب ..مرة كنت في القاهرة وقلت لجابر
عصفور في ندوة حول الشعر: ما رأيك أن نطلب من كل باحث قبل أن يصعد
على المنصة أن يلقي نصا من الأدب الغربي فرد علي بعبارته: "يا
أخي تريد تبوّز الجلسة ؟! " لأن بالفعل هؤلاء النقاد لم يقرأوا
النصوص الغربية الكبرى التي عليها بنيت النظرية النقدية والنقاد الغرب
أسسوا نظرياتهم استنادا الى نصوص إبداعية كبرى وإذا كنا نجهل هذه النصوص
فإننا لا نستطيع أن نفهم المنهج وهذا مأزق آخر ..من هو المعلم الأكبر
في النهاية ؟..المعلم الأكبر هو المبدع الأكبر لأن من أراد أن يتعلم
لابد أن يتعلم من الشعر والرواية، والنصوص الكبرى هي التي تحتوي على
الأسئلة الكبرى وبالنسبة لواقع النقد في عمان أعتقد حسب ما رأيت أن
الجهود الجيدة التي بالفعل يمكن أن يستند إليها في تقييمها إلى حد
الآن مازالت لم تتخط أسئلة الجامعة فكل الأسماء التي ذكرتها من جامعة
السلطان قابوس بالأساس .
تبادل الأدوار
* المتتبع لمسيرتك العملية والبحثية يلاحظ أنك نجحت في ردم الهوة الإقليمية
و في تطويق الردة الحاصلة بين المصطلح النقدي في مشرق الأمة العربية
ومغربها ، ما الذي ساعدك على بلورة مفاهيمك النقدية ؟
** منذ عهود ولت كنا نتحدث عن التقسيم الإقليمي بين المشرق والمغرب
والآن نتحدث عن تقسيم ثالث بين المشرق والمغرب والخليج ..الثقافة العربية
واحدة، كيف نقتسم امرىء القيس؟ كيف نقتسم المتنبي؟ كيف نقتسم ابن سينا
وابن خلدون والفراهيدي؟ هذه مسألة، المسألة الثانية هي أن العلاقة
بين المشرق والمغرب ظلت دائما فيها نوع من الإحساس بالغبن لدى المغاربة
وهذا منذ القرن السادس تقريبا عندما وصل بن عربي الى القاهرة وطلب
أن يُحمل إلى متصوفة القاهرة فيقول إنه صُعق من سلوكهم ومن لباسهم
ومن طرائقهم فأرسل رسالة الى معلمه الشيخ المهدوي يقول له فيها : سألت
في هذه البلاد عن جماعة ألمس لديهم نفحة الرفيق الأعلى فحملت إلى خانقاه
واسعة الفناء عالية البناء فيها جماعة يلبسون سراويل الفتيان ولا يخشون
في ذلك من الرحمن يدّعون أن أهل المغرب أهل طريقة وهم أهل حقيقة فبالله
كيف يمكن تحصيل الحقيقة بعد تحصيل الطريقة ؟ "..
إذن ما الذي حدث لابن عربي؟ ابن عربي صدم صدمة كبيرة، إن المتصوف عادة
قنوع لا يركض وراء الجاه والمال ولكن متصوفة مصر على النقيض من هذا..
هذا التصور أيضا نجده عند ابن خلدون عندما وصل مصر فارا من تونس رفض
أن يخلع برنصه وكانت هذه قاضية بالنسبة إليه لأن علماء مصر ألّبوا
عليه الحكام وقالوا إنه متمسك بمغربيته ولبرنص ابن خلدون في مصر حكاية
طويلة ..
نصل إلى الثلاثينات سنجد أن في إحدى الرسائل المتناقلة بين الحليوي
والشابي يحدث الأخير الحليوي ويقول له إن المصريين لا يعرفون حتى موقع
بلادنا من شمال إفريقيا ويلومهم كثيرا فيرد عليه الحليوي ويقول إنهم
يحسبون أننا من همج إفريقيا وينسى أنه يدافع عن نفسه في ما هو يحقر
شعبه.. وهذا الإحساس بالغبن والإحساس بالإقصاء بالنسبة للمغرب العربي
موجود وحقيقة تاريخية ولذلك نما هذا التقسيم من جهة، ومن جهة ثانية
المشرق كان دائما يقصي المغرب وثمة نوع من التبسيط خاصة في المناهج
القديمة في الفكر والثقافة جعل المشارقة يتلفتون للمغرب العربي باعتباره
رائدا ومعلما والحال أن هذه التقسيمات على فظاعتها لا معنى لها.. معروف
عن الأمة العربية تاريخيا أنها تتبادل الأدوار في لحظة ينهض المشرق
بدور ريادي فكلما خفت اللهب بالمشرق ينهض المغرب بدوره وهذا نأخذه
حتى عن الفرق السياسية كل فرقة تدمر في المشرق تذهب إلى المغرب العربي
وتبدأ من جديد نتذكر مثلا أن الدولة الأموية عندما سقطت في المشرق
انتقلت إلى الأندلس لكن بالنسبة إلى تجربة الناقد أعتقد أن الناقد
في المغرب العربي تشبع بالمدارس النقدية الغربية الحديثة والتي هي
أغلبها فرنسية وعندما نذكر الإعلام الكبيرة من نوع تودوروف وخوليا
كريستيتا وبارت ودريدا تقريبا الدرس النقدي الحديث هو درس فرنسي بالأساس
ولما كانت الفرنسية هي اللغة الثانية في المغرب العربي تمكنت التجربة
النقدية في المغرب العربي من أن تغتذي متمثلة الأطروحات النقدية علما
أنني أرى أن في المشرق أغلب الكتابات التي ترجمت تقوم على سوء الفهم
والتبسيط ، أقرأ مثلا دريدا بالفرنسية أفهمه بينما أقرأه بالعربية
فلا أفهمه ..لكأن ما يصل من مدارس ومناهج إلى المشرق يصل إما مشوها
أو مفقرا أو قائما على سوء الفهم وهذا ما يشهد به الآن كل الناس..
الحركة النقدية في المغرب العربي قوية جدا مقارنة بما يجري في المشرق
العربي ولهذا الأمر مآزقه فالممارسات النقدية في المغرب تكاد تكون
استنساخا للغربي لكن الرؤية النقدية والجهاز المفاهيمي متوفر في المغرب
نتيجة القرب من جهة ونتيجة الدراية باللغة .
* في مؤلفاتك احتفاء بمقررات العرب القدامى في
النقد والشعر حينا ونزوع نحو الشروخات والانكسارات والانشقاقات التي
لا يجد لها الشاعر أو المتلقي تأويلا علميا دقيقا حينا آخر ،لو توضح
لنا هذا المنجز ؟
**في هذا السؤال أريد أن أشير إلى شيء مهم: جرت العادة في الجامعات
أن يتخصص الأستاذ بالأساس إما في القديم العربي أو في الحديث العربي
ويتخصص في القديم في إشكال واحد وهذا ما يجعل الدرس النقدي في الجامعات
مبتورا ..في رأيي من لا قديم له لا حديث له ومن لا ماضي له لا مستقبل
له فلا يمكن أن أتحدث عن نقد حديث فيما أنا أجهل أطروحات العرب القدامى
ولذلك حين نقرأ العديد من الكتابات نجد أنها تظن أنها تأتي بالجديد
فيما هي في الحقيقة تكرس مقولات قديمة كان قد لهج بها العرب القدامى
دون فهم لتلك المقولات والنظرية العربية التي أسسها العرب هي نظرية
تفي بحاجات العرب في ذلك الزمن إنها بنيت على النظر في النصوص لكنها
من زاوية ما هي فيه من حاجات العرب (الأبعاد الجمالية) أما الأبعاد
المحجبة وهي التي سكتوا عنها وطبعا نظرية العرب في الأدب والنقد نظرية
كبيرة وكلما كبرت النظرية كبرت المساحة التي تتحرك فيها ..مالذي حدث
في العصر الحديث ؟ الذي حدث أن الأطروحات الحديثة لم تنجح في استقراء
النظرية القديمة ولم تنجح في تفكيكها وإعادة مساءلتها في ضوء منجزات
النصوص فالنظرية القديمة بنيت على النصوص التي ظلت فالتة من هذه النظرية..
إن النصوص الإبداعية القديمة تفعل فينا اليوم وتؤثر فينا لا بالأبعاد
التي كشف عنها العرب القدامى بل بالأبعاد المحجبة التي لم يكشف عنها
هؤلاء فكيف نمضي نحن الى هذه النصوص ونعيد استكشافها أي كيف نتسلل
إلى الفجوة القائمة بين النظري وبين النصوص الإبداعية التي بنيت عليها
تلك النظرية ، لو تسللنا الى هذه الفجوة سنجد أن هذه النظرية جاءت
لتحجب الفجوة في بعض الجوانب التي تظنها خطيرة على المدينة وعلى ناسها
وعلى المؤمن البسيط الطيب لذلك محت الطابع الانشقاقي ومحت ما اعتبرته
فتنة والعرب القدامى كانوا دائما ينطلقون من الكلمة وأن أخطر ما في
الوجود هو الكلمة "الكلام صلف تياه "يقول التوحيدي ، إذن
فالفتنة موقعها في الكلام ، ولكن ماهي الفتنة ؟ عندما نفتح لسان العرب
نجد الفتنة والفتاّن هو الشيطان لذلك حرصت النظرية العربية القديمة
على أمرين الأمر الأول هو الربط بين ما هو جميل وبين ما هو نافع ..الجمال
لا يجب ان يوجد بمفرده ولكن على الكتاب أن يكون جميلا أي فيه استعارة
وتشبيه وكناية ..وأن يكون نافعا أي أن يخدم المدينة .
الجانب البنائي هو الذي يوفر الجمال والمعنى هو الذي يحقق النفع بالمعنى
المتداول ولذلك ألحّ العرب على أن المعاني معروفة ومحصلة وهي في المدح
معروفة (الشجاعة والكرم والفتوة ..) وفي الهجاء هي عكس هذه القيم وبالتالي
شدوا النص إلى المجتمع وأقصوا الشاعر من نتاجه.. إن الشاعر عندما يريد
أن يكتب قصيدة في تصورهم عليه أن يلتقط المعاني المطروحة في الطريق
ويجودها ويخرجها إخراجا جميلا ولنا أن نسمع في كل نص عربي المبدع الكبير
المتنبي وابي نواس وابي العلاء المعري لنا أن نسمع صوت الفرد وهو يثأر
لنفسه من الجماعة.. هذا الإقصاء أدى إلى تسلل الذات المقصية من النص
ثم عادت إليه بطريقة موارية وثأرت لنفسها من قيم الجماعة وهذا أيضا
أمر مغيّب.. إن العرب القدامى قرأوا قراءتهم لنصوصهم أما نحن فنعترف
اليوم أننا لم نقرأ قراءتنا لهذه النصوص.. إننا نرى منها ما كان القدامى
قد رأوه وبالتالي هذه النصوص تبادلنا مكرا بمكر ولا تلبي حاجتنا الجمالية
ولا حاجتنا المعرفية لأنها تحيا بيننا غريبة. وحتى إن استوردنا المناهج
الحديثة وطبقناها على هذه النصوص فإن العلاقة بالمناهج الحديثة لن
تكون علاقة تمثل أي إن الناقد يستورد المنهج وهذا ما فعله الرومنسيون
وما يفعله اليوم الناقد العربي..إنه يتعامل مع المنهج الغربي كما لو
أنه لقية نفيسة أي لكأنه عثر على كنز فيعود به إلى بني قومه ويظن أن
هذا سيخلصهم من هوانهم ومن ضعفهم ومن تخلفهم وهذا نجده عندما اعتبر
أن منهج ديكارت سيخلص الأمة العربية والثقافة العربية من كل أوجاعها
فيما بعد تطلع البنيوية في أروبا وعندما انهارت سنة 1968 في فرنسا
بعد ثورة إيار استقدمتها البلاد العربية باعتبارها فتح الفتوح وتأتي
البنيوية التكوينية مع قولدمار ..هذه المناهج في الغرب تأسست في الحيرة
وفي السؤال حالما تصل إلينا تستقر وتطمئن .
* يرى البعض أن الاشتغال على نصوصك النقدية مجازفة محفوفة بالمخاطر
ولكنها مجازفة ممتعة ، بماذا ترد ؟
** بشهادة العديد ممن كتبوا حول كتبي أعتقد أنها لغة منتقاة تصدر عن
حيرة وسؤال لا عن اطمئنان ويقين .لا أعتقد أن ثمة في كتاب من كتبي
أوفي مقال من مقالاتي كلمة "والحق "أو كلمة "ولاشك"لاعتقادي
يقينا أننا اذا قلنا "ولا شك" خرجنا من اليقين فالمعرفة
لا تبنى إلا في الشك وفي الحيرة وأيضا بالنسبة إلى النصوص وهذا ذكرته
فيما سبق إن النص الإبداعي هو نص جمالي وأنا سأكتب نصا حول نص وعلى
النص الذي أكتبه أن يرتقي إلى هذا المستوى الجمالي ..إذا كان النص
الإبداعي لا يمثل بالنسبة لمن يكتب حوله تحديا جماليا سنخلق خطابين:
خطابا إبداعيا جميلا وخطابا نقديا مقززا ومقرفا .. أنا أومن بأن النقد
كتابة وليس تفسيرا للنصوص أنا يشغلني هاجس فيما يتعلق بالإبداع عموما
أو الإبداع العربي فأنتقي من النصوص تلك التي تعينني على استكشاف هذه
المنطقة أي أن النقد عندي ليس تقييما ولا حكما فالناقد يدعي أنه يمتلك
الحقيقة وفي ضوئها يقيم النصوص ويحكم عليها وهذا تصور في منتهى البؤس
الفكري لأنه تصور قديم حيث اعتبرالنقد ميزانا واعتبر غربالا.. في رأيي
النقد اليوم صار كتابة موازية، الغاية منها تجديد أسئلة الثقافة العربية
مطلقا ...
* هل تعتبر نفسك خلافيا ؟
**لا أعتبر نفسي خلافيا ولكني أرى أن أي كتابة لا تتسم بالخلافية لا
تعتبر كتابة أصلا ، من هو الخلافي ؟ هو الذي لا يكرس السائد وليس معنى
ذلك أنه يركض وراء الموضات وإنما عندما أتساءل مثلا :هل إن نصوص المتنبي
التي قيلت في المدح هي فعلا نصوص في المدح أم أنها تخطت المبحث الظاهري
للمدح لكنها في الحقيقة مضت بعيدا في مناطق أخرى تحولت فيها الكتابة
إلى فعل انشقاقي خطير.. لكأن المتنبي عندما يكتب في الفخر يخرج إلى
التخوم الأخرى التي وقف عندها النص الصوفي الذي خرج من أسوار المدينة
وغُرّب خارجها ..المتنبي نصوصه هذه تكاد تخرج لكنها تظل داخل المدينة
وبالتالي إذا كان هذا هو المقصود بخلافي نعم وأنا لست مع الخلافية
التي تثير المشاكل والأحقاد ..أذكر أنني عندما كتبت "لحظة المكاشفة
الشعرية" طرحت على نفسي هذا التحدي: من أين يأتي النص الإبداعي؟
هل ثمة في النصوص المنجزة ما يخبرني على ما قبل النص سواء في النص
الشعري أو في متخيله أو في ثقافته ؟ وبالتالي طرحت على نفسي هذا السؤال
وأخذت من النصوص التي انتقيتها والتي استشهدت بها تلك التي اعتقدت
أنها تنير سبيلي في هذا الاتجاه ولذلك قلّ أن أكتب كتابا فيه شخص أو
شخصان فيكون المتن كبيرا لأنني أبحث عن النص الذي يهديني إلى الطريق
فتصبح الكتابة هنا مليئة بالمفاجآت التي لم أكن شخصيا أتصور أنني سأصل
إليها.. مثلا في كتاب "فتنة المتخيل" لاحظت أن كثيرا ما
يقع تبادل الأدوار فالنصوص داخل المدينة والتي ظن العرب أنهم دجنوها
وروضوها وألغوا توحشها وانشقاقها كنص المتنبي وأبي نواس وغيرها نلاحظ
أنها نصوص تكرس انشقاقية أكثر من تلك الموجودة بالهامش . عندما آخذ
مثلا الخطاب الوعظي في الثقافة العربية مثل ابن الجوزي سأجد أن فيها
مادة أدبية غزيرة حتى لكأن العبقرية العربية انتقلت في لحظة ما من
الشعر إلى أنماط الخطاب الأخرى ولذلك نحن إلى اليوم مازلنا نصنف الكتب
في الأدب كمؤلفات الجاحظ والمقامات وغيرها وكتب الوعظ والحال أننا
لو اقتربنا من هذه الكتب العظيمة لوجدنا أن المادة الأدبية الجمالية
فيها تفوق النصوص الأدبية التي نظن أنها هي الأدب وهي الجميل في الثقافة
العربية ومن هذا المنظور يمكن أن أعتبر نفسي خلافيا إذا كان الأمر
هو الذهاب نحو مناطق غير مفكر فيها ومحاولة تلمس مساربها. أن يقول
لي شخص أيهما أكثر إبداعية وجمالية، الإسراء والمعراج لابن عربي أم
رسالة الغفران للمعري ؟ الجميع سيثبت أن رسالة الغفران أكثر إبداعا
لأنها تتوفر على قدر كبير من الخيال.. وإذا أخذنا كتاب الأغاني والمادة
الأدبية في الأخبار، هذه المادة الأدبية المعرفية لو نعيد قراءتها
سنكتشف أنها تزخر بكنوز لم نكتشفها الى الآن ولذلك أجزم أن الثقافة
الوحيدة في العالم التي لم تطرح قدام الدنيا كنوزها هي الثقافة العربية
لسبب بسيط واحد وهو أننا نعتقد أننا نعرفها والحال أننا نجهلها تمام
الجهل.. المطلوب أن نمضي إلى هذا الذي نسميه "تراثا"لنعيد
استكشافه ونقرأ قراءتنا ، وقتها تلك النصوص ستفي بحاجاتنا وتخدمنا
معرفيا.
في رأيي إن القديم العربي يحيا يتيما بيننا لأننا نظن أننا نعرفه..بينما
النهضة في أروبا بنيت على استكشاف القديم وتذويبه في اللحظة الحاضرة..
حتى عندما نعود إلى القديم نأخذ ما نعرفه عنه كما لو أنه حقيقة والحال
أن هذا الذي نعرفه إنما هو صورة مخترعة فمثلا ابن الجوزي واعظ , أقترب
من نصوصه فأجد فيها مادة أدبية غزيرة وأقترب من المفسر فأجد فيها قوة
خيال مذهلة وبالتالي سأدرس الخيال في الشعر وإذا اختفى في الشعر سأبحث
عنه في كتب التفسير وسأجد أن هذه الكتب بغض النظر عن كونها فعلا جهاديا
فهي كتب يمكن أن أدرسها في علم الجمال المتخيل .
*مع من تختلف مع هؤلاء الثلاثة :الناقد الكاتب أم المؤرخ ؟
**لا أختلف مع أحد ، الناقد الصادق في مشروعه هو الذي لا يكتب ليشتهر
وإنما يكتب ليحقق ذاته ولينتشل نفسه من الإحساس بالتفاهة فلهذا أعتبر
أن كلمات مثل "التأسيس" و"المغايرة" و"الاختلاف"
لا أومن بها وإنما أومن أننا نكتب لننتشل أنفسنا من التفاهة ،أنا شخصيا
أتسلى بالكتابة ولأنها تسلية صادقة يمكن أن تطرح أسئلة حقيقية ..جرت
العادة في الثقافة العربية، وهذا درسته في فتنة المتخيل أن الصورة
الحاصلة للكاتب والناقد عن نفسه عندما نأخذ النصوص العربية سواء كان
في السيرة الذاتية أو في النصوص الشعرية أو في مقدمات الكتب سنلاحظ
لكأن الكاتب العربي يرسم لنفسه صورة متخيلة فيها أبعاد أنه ولي صالح
أو فنان كبير أو واعظ ويشرع في تحلية صورته وتوشيتها بطريقة أنه يريد
أن يسوق نفسه وأن يثبتها في قالب الخطاب وهذا نلمسه في الملتقيات وفي
المنتديات، العديد من الكتاب العرب يتصرفون كالديكة وكالطواويس ولذلك
في فتنة المتخيل تحدثت في الجزء الثالث عن فضيحة نارسيس وتناولت فيها
الصورة التي يرسمها الكاتب العربي لقارئه فتجدين أن الكاتب العربي
يفترض في قارئه نوعا من البلاهة والغباء وبالتالي يعتقد أنه يتوجه
إلى قارىء غبي ومن جهة ثانية النص يطرح بصورة مزركشة ومزينة.. إذا
أخذت مثلا أدونيس أو يوسف الخال أو عبد الرحمن بدوي أونجيب محفوظ أويوسف
ادريس والقائمة تطول.. هؤلاء كتبوا مذكراتهم ومجدوا الفقر ورسموا صورة
الزاهد والمنشق والزعيم السياسي وأنه لا وجود لضعف وأنه شخص لا تردد
لديه ولا قلق وهذه الصورة أربكتني شخصيا وجعلتني أكتب "سطوة المؤلف
وفضيحة نارسيس".
أعلى
زيف في المدنية وهروب من المسؤولية
المدنية الحديثة مفعمة بكثير من الشعارات التي
تقوم أجهزة الإعلام وثورة التكنولوجيا بتعميمها وكأنها خيار لا مناص
منه لتعميم قيم تخدم مصلحة الإنسانية جمعاء، ولكن الحقيقة التي تطرح
نفسها هي أن كل عملية اختبار لمصداقية هذه المدنية بما تحمل من مصطلحات
براقة قد اثبتت فشلها ولؤمها والتفافها على آمال وطموحات الفئات الضعيفة
من البشر وحقها في العيش في عالم آمن ومسالم ومؤمن بمبدأ العدالة الإنسانية
والتكافل الإنساني.
وفي اعتقادي هناك حدثان طرحا نفسيهما بقوة في مسار التأكيد على حاجة
المجتمع الإنساني إلى مزيد من الصدق في التوجهات على اختلاف درجة المسؤولية
ما بين حاكم ومحكوم، أو دولة عظمى وأخرى غير عظمى، أو دولة قوية وأخرى
لا تملك من حطام الدنيا إلا كتلاً بشرية تموج بين أنقاض مبان ومنشآت
هشة وبالية.
الحدث الأول ما يسمى بالهجرة غير المشروعة: فرغم حاجة العديد من الدول
إلى اليد العاملة لأسباب ديموجرافية وتحولات حادة في درجة التوزيع
النسبي بين الأرض الصالحة للعيش وبين عدد الأفراد المقيمين عليها،
إلا أن دولاً عديدة أحاطت نفسها بسياجات من المنع والتحوط من الهجرات
عبر الحدود، كما كان سائداً في الماضي، بل وتحويل هذه التحولات إلى
جرائم يعاقب عليها القانون، فكان أن بقيت الأرض دونما استثمار وبقى
البشر دون مصدر لكسب العيش، فاندفع العديدون من اليائسين إلى حمل السلاح
والتحول إلى صياغة مفاهيم جديدة حول ماهية الصراع بين البشر لانتزاع
حق ضاع بين ركامات الأطماع.
ذلك على الرغم من أن هناك فرصاً كثيرة لحل هذه الإشكالية عن طريق تنظيم
الهجرات البشرية على نحو يتيح فرصة الكسب الشريف للبشر حسب قدراتهم
على العطاء والالتزام بالمعايير الأخلاقية واحترام الآخر.
والحدث الثاني: أو ما يشبه الظاهرة أكثر من كونه حدثاً فهو اعتماد
لغة الحرب كآلية لإخضاع الأمم الغاضبة من هذه التقسيمة غير العادلة
للبشر ما بين معتدل ومتطرف، أو مستأنس ومتوحش، أو متحضر ومتخلف، أو
متمدين وغوغائي في سلوكه.
وهذه التقسيمات هي التي فرضت لغة القمع المادي والمعنوي والنفسي الذي
أدى إلى تزايد الصراع بين البشر، بل ظهرت له تأصيلات وتصنيفات وتيارات
فكرية تؤسس لأرضية تطبيقية بقوة السلاح مثل تصنيفات (صراع الحضارات)
على سبيل المثال.
أو تصنيفات اقتصادية ما بين عقول قادرة على إدارة الثروات وأخرى غير
قادرة، وكانت النتيجة أن تم ترحيل الثروات الإنسانية من بلاد إلى أخرى
بزعم أن في تلك البلاد الأخرى قدرات عقلية اقتصادية أكثر كفاءة على
إدارة الأموال وصناعة (الربح) فاستكان أصحاب المال إلى الشعور بأمان
زائف إلى استقرار أصول أموالهم في قرار مكين بعيدا عن مناطق الاضطرابات
وإلى أن أرباح أموالهم ستتدفق إليهم دون أي جهد في رعاية هذه الأموال
والتعلم اليومي واكتساب الخبرة لطريقة الحفاظ على الأصول وتفعيل الربح
واقتسام المنافع بين أبناء الإقليم الواحد.
وكانت النتيجة المأساوية هي أن قام من يسيطر على آليات الأسواق بنهب
أموال المودعين بقوانين ابتدعها ومارس ضغوطاً كثيرة لإقناع الآخرين
بمصداقيتها وعدالتها لكنها في لحظة الجد وضياع الأموال بين أيدي الناهبين
لم تثبت قدراتها على استرداد الحقوق لأصحابها، وبدا الأمر كما لو أن
البشر واقفون في غابة يتفرجون على وحوش تفترس إنساناً دون قدرة من
أحد على التقدم لإنقاذ حياته.
وما لم تفلح اللصوصية الاقتصادية على القضاء عليه كما في شأن الأزمة
المالية العالمية الراهنة، يقوم السلاح بالإجهاز عليه كما في غزة والعراق
والسودان وأفغانستان وغينيا والكونجو وغيرها من دول وقعت على نحو قدري
في محاور استراتيجية، أو ظهر في مكامن طبقاتها الجيولوجية ثروات لا
تنتبه لها هي بقدر ما ينتبه لها من يملك القدرة على كشف هذه الثروة
وهي بعد كامنة في أعماق سحيقة لا ترى بالعين المجردة للذين يعيشون
على هذه الارض.
إذاً المطلوب لمن يملك أدوات الهيمنة والسيطرة أن يأتي من بعيد ليستخرج
هذه الثروات بنفسه ثم يؤمن طريق خروجها من بلادها الأصلية إلى بلاده
التي تكونت فيها عادات استهلاكية تفوق حاجات الإنسان الطبيعية، فكان
أن استؤنست الحيوانات كالكلاب والقطط لتجهز على ما تبقى منها دون أن
تصل إلى أيدي مستحقيها من البشر الآخرين وبينهم أصحاب الثروة الحقيقيون.
ولا يمكن تفسير شراسة المقاومة لهذه الأطماع سوى لأن أصحاب الحقوق
الأصليين قرروا حماية حقوقهم فتصادمت نوازعهم مع نوازع الناهبين لينشأ
صراع مرير وتعم فوضى عارمة بين ما هو مشروع وما هو غير مشروع، حيث
لا يعرف أحد من المتابعين للأحداث مصدر هذه المشروعية ومدى أحقيتها
بالصمود أمام النقد والتمحيص.
إن في تلك الظواهر والتصنيفات والوقائع ما يؤكد أن المدنية التي يعيشها
العالم هي مدنية زائفة وظالمة لا تستحق من اسمها شيئاً، إذ إن فيها
ما يؤكد أن البشرية تنشطر إلى قسمين واضحين: قسم يريد نهب الآخر وإغرائه
بالسكوت في نفس الوقت، وأحياناً بتخويفه إذا لم يرتدع بالإغراءات والإغواء،
وقسم قرر أن ينتزع حقوقه عنوة والمخاطرة في سبيل ذلك بتعريض حياته
نفسها للهلاك في حالات مواجهة مع القسم الأول أو في حالات لجوء إليه
بطرق تسمى اليوم (هجرة غير مشروعة) فيهلك في الطريق قبل بلوغ الهدف،
وهذا كله يؤكد غياب العقل الانساني، وتواري قدراته الفكرية السامية
وراء نزوعات شريرة تتخفى وراء هالات لم تعد تقدر على حجبها.
محمد عبد الخالق*
* من أسرة تحرير الوطن
أعلى
مقاطع من رسائل حب (3):...ـبك، أحبك، أحبك،
أحبك، أحـ...
--1--
لكني في عزلة حتى وأنا بين ذراعيك. لا أريد إلا أن أكون في عزلة بين
ذراعيك.
--2--
الزمن الذي يشتعل على نحرك.
--3--
تفكَّرتُ في بعض ما قلتِه في لقائنا الأخير، وإني أتفق معك بالكامل:
لا يُفَلْسِفُ الحب ويُنَظِّرُ له أكثر مما ينبغي إلا من لا يعيش حالة
حب. أما من يعيش حالة حب حتى نخاع الروح ونفحة الجسد فإنه يحبُّ فحسب
لأن ليس أمامه سوى أن يفعل ذلك، أو ليس أمامه أن يفعل غير ذلك، حيث
الحب أعمق ألف مرة على الأقل من الفلسفة.
بلى، حين يتعلق الأمر بالحب فإننا لسنا بحاجة إلى الكثير من المعرفة.
صَحّ لسان الحلو!.
--4--
"وتَبْغْى زياده في حُبَّك؟!/ أجيب لك قلب
ثاني مْنْيْنْ؟!".
ها أنا أقول لك للمرة الثانية خلال أقل من ثلاثة أيام ان صوت طلال
مدَّاح -- الذي استمع إليه من جديد وأنا أكتب لك هذه السطور -- يبدو
انه مُصَمَّمٌ لأشجاني، واشرئباباتي، وحروف قلبي الثالث، وحُرُوقِه!.
كم أشعر ان في صوته مزج خلاق لـ"شبه الجزيرة" و"الخليج"
ومزاوجة غير عاديَّة أبداَ للجبل والصحراء والبحر!. يا لتلك الطبوغرافيا
النغميَّة الثريَّة في حنجرته الهائلة!. كم أحس انني من هذا المكان
حين أستمع لأغنياته!. كم أحس انني أستطيع التعرَّف إليك أكثر، وأن
أفهمك أكثر!.
هذا ناهيك -- من ناحية موضوعيَّة صرف -- عن انه لا ينبغي أبداً أن
ننسى ان طلال مدَّاح كان من أوائل من "تجرأوا" في كسرٍ مجيدٍ
للتَّابو وغنَّوا الأغنية الأيروسيَّة/ البورنوغرافيَّة (أه!، وحده
بول أوستر يعرف الفرق بين ما هو "أيروسي" وما هو "بورنوغرافي"!)
في منطقتنا هذي من العالم ("أنا اتمنى أعانق [...]/ والباب مقفول
جُوَّه غرفتك") وذلك ضمن ظروف واعتبارات أقل من مثاليَّة بكثير.
ثم يا لتلك اللوعة في صوته - لوعة لا يمكن إخفاؤها مهما كانت ثيمة
الأغنية وكلماتها سواء أكانت "يا طفلة تحت المطر" أو "سويعات
الأصيل"، وهذا يمس شغافي في عمق الأعماق. وهل يمكن أن يَخرَّ
إنسان ما وهو يغني على المسرح للناس وأمامهم ما لم يكن روحاً ملتاعاً؟!.
إنني أحبه وأحترمه لدرجة انني أحسده على كيفية موته.
"أيها المستحيل الرابع/ ارفق بي/ وتَحَقَّق" (قاسم حدَّاد).
أعرف اني أقول هذا للمرة الخامسة خلال....
أحبك للمرة الـ...سادسة.
هل أتوقف عن حبك للمرة الـ...؟.
لا، للمرة الـ....
"وتَبْغْى زياده في حُبَّك؟!/ أجيب لك قلب ثاني مْنْيْنْ؟!".
--5--
المشابك السوداء الصغيرة التي تشبكين بها شعر
رأسك (أحتفظ ببعض مما تنساه خصلاتك على أصابعي، أو على السرير، أو
على الكنبة، أو بين دفَّتي كتاب، وتفتح ذاكرتي آهاتها الملتاعة بأسنانك
وهي تفكها وتغلقها على عجل في زياراتك السَّريعة سرعة إقلاع وهبوط
طائرة لم تعرف العشق يوماً) توزِّع الفوضى العنيفة والرائعة على الوجود
والكائنات، تماماً كاللحظة التي يغطي فيها شعر رأسك وجهينا كي لا يرى
أحد ما تفعله شفاهنا بالظمأ للنار.
--6--
كيف أستطيع أن أبدأ في عمل أي شيء اليوم قبل
أن أترك لك بوسه "عْوْدَه وايِدْ وايِدْ" على هذا السطر؟.
--7--
هل تعلمين يا حلوتي الفاتنة ما حدث صباح اليوم
بعد بضعة أيام من لقائنا الأخير؟.
لقد نعمتُ البارحة، وفي هذا الضحى أيضاً، بوقت طويل على الفِراش تخلَّله
نومٌ معقولٌ إذا ما حُسبت مدَّته، لكنه متقطع جداً في عمقه واستمراره.
وقد أترفتُ ذلك الوقت بتقلُّباتي الوثيرة على الفِراش، وذلك في إغاضة
مقصودة للساعة المنبِّهة التي تقعي إلى جوار رأسي مثل كلب حراسة يخونني
كل يوم، وكل يوم أنصاع حتى لخيانته.
حين أفقت "بالكامل" بدأت أمارس الطقوس المسترخية ليوم من
غير شَطَطٍ في أيام الإجازة اكتشفتُ فيه المناطق المحتلَّة، والمعطَّلة،
والمغيَّبة من نشاط جسدي وإنسانيتي: فتحت ستائر غرفة النوم والصالة
و"شرابيك" الصَّدر، وفتحت النوافذ، وحاولت قدر الإمكان الاستمتاع
برؤية ما ورائها (رغم أن المشهد المحيط بالبناية هنا، كما تعلمين،
لا يبعث كثيراً على المتعة إلا لمن" يريد انتزاعها من بين فكَّي
أسد" في تنويعٍ بسيطٍ على نيتشه).
ثم ذهبت وئيداً إلى المطبخ وشربت كأس ماء كبير بدرجة الحرارة التي
تروق لي على إثر خلط شيء من ماء قنينة الثلاجة وشيء من ماء القنينة
التي أضعها خارج الثلاجة حسب ما اشتهيتُ من مقداري الخلط.
وشربتُ أيضاً كأساً من قنينة عصير التفاح بما يعادل تفاحة أو أكثر
(لأن التفاح-- كما تصرين -- يُبعد الطبيب- "An apple a day keeps
the doctor away"، أليس كذلك؟!)، ودخنت لفافتين بطريقةٍ "أرستقراطيَّة"
(تعلمتها من نصيحة رولان بارت حول الطريقة التي ينبغي بها قراءة النص
الأدبي.. هاهاهاها هاهاهاها!) أقتَرِفُها بتقليدٍ مفضوح الشَّماتة
حين يحلو لي الأمر، ثم سلقت بيضتين، وتركتهما في القِدر الصغير بعد
أن أطفأت نار الموقد. بعد ذلك استحممتُ تحت دفق الماء بهدوء وتأنٍّ
بعد أن اكتشفت للمرة الأولى-- على إثر تحديقة مُختَبَريَّة في الطُّهر
المنسكب من رشَّاش الماء-- أني لم أنظر أبداً إلى الماء الذي يغسلني
وأنا واقف تحته.
وفي أثناء هذا كنت أدندن وأصرخ بما يراه مزاجي من تنويعات بورنوغرافيَّة،
أو رمانسيَّة، أو سياسيَّة، أو ساخرة وتهكميَّة فحسب، أو جادَّة أكثر
مما تحتمله السخرية في الحمَّام، على أغانٍ، وتصريحات، وعناوين صحف،
وأقوال عظماء (أو من يظنون أنهم كذلك)، أو تافهين مع سبق الإصرار.
أفطرت بعد ذلك بالبيضتين اللتين أضفت إليهما قليلاً من الملح والفلفل
الأسود، وكنت أستعجل الوصول إلى صفارهما (مشكلتي يا حبيبتي أني أعتقد
دوماً أن لكل جوهرٍ مظهرٌ يحجبه. وذلك الجوهر هو ما ينبغي الوصول إليه
بأقصى سرعة ممكنة على الرغم من أحابيل الحجاب، وحتى لو كان الجوهر
كوليسترولاً صِرفاً!).
رشفت بعد ذلك كوباً من الشاي (ايرل غراي، طبعاً) بسكَّر زائد طبعاً
يا حلو أكثر من السُّكر!، وأكلت مكسَّرات مُمَلَّحَة، ودخَّنت باستمتاع
عدة لفافات كان ريقٌ أليفٌ يدلف مع دخانها إلى رئتيَّ. ثم مددت يدي
اليمنى إلى رأسي، ووضعتها على منتصفه من باب العادة القلقة التي تتحرر
كلما كان لديَّ وقت أقل ازدحاماً.
وكما لو أن أصابعي المفتونة التي كانت قد غسلت رأسي قبل وقت قصير كانت
قاصدةً موعداً مُحَدَّدَاً إذا بها في غفلة كاملة مني ومنك تستلُّ
شعرة كستنا- ذهبيَّة طويلة. بلى-- صدِّقي أو لا تصدِّقي-- فقد اندسَّت
شَعرة من شعر رأسك في شَعر رأسي مثل قطَّة خائفة في مزرعة قَشٍّ منذ
ذلك اليوم وتمكنت من الاختباء على الرغم من ثلاثة استحمامات سابقة.
يَاهٍ يا حبيبتي لو تعلمين أيُّ لحظة كانت!. لو تعلمين إني رقصت على
إيقاع موسيقى لم أسمعها، واني حملتُ شَعرتك تلك إلى قبري، وأخرجتُ
يدي من الكفن قُبيل أن يُهال عليَّ التراب، وأخذتها.
لو تعلمين أي وَجْدٍ عَصَفَ بي وأنا أُيَمِّمُ قلبي شطر خصلاتك المسترسلات
في الريح، وفي الروح.
--8--
لا زلتُ أشْتَمُّ أنفاسك البحريَّة منذ لقائنا
الأخير. يصعب على أي علم اكتشاف ما يصدر عن الإبط من حليب، وما يأتي
من الخصر من هواء. كيف حدستِ - يا من تكرهين الحساب والرياضيات مثلي
-- ان قارورة رائحة القواقع الخاصة جداً التي أهديتني قبل أسبوعين
من لقائنا الأخير قد أوشكت على النَّفاذ؟.
كيف عرفت (يا الساحرة يا الشيطانة يا بنت الذين!) أن نجمة على قمَّة
آخر جبل في آخر الأرض كادت تجف؟.
كيف؟!.
--9--
اشتقت إليك منذ طلوع شمس هذا اليوم حتى ظهيرته
بما يكفي لشروق عشر سماوات وإذابة عشر لغات.
--10--
...ـبك، أحبك، أحبك، أحبك، أحبك، أحبك، أحبك،
أحبك، أحبك، أحبك، أحبك، أحبك، أحبك، أحبك، أحبك، أحبك، أحـ...
عبدالله حبيب
* أديب عماني
أعلى
نَهَضَ كالعنقاء من رماد النسيان
"إد وود".. فيلم يعيد اكتشاف مخرج مجهول
تِم بورتون حفر اسمه في سجّل الخالدين بفيلمه
عن أسوأ مخرج في تاريخ هوليوود!
الفيلم يفضح ممارسات المنتجين الأميركيين لقمع المخرجين وتعسفهم ضد
أصحاب الرؤى المغايرة
يعد التفكير بإخراج فيلم عن حياة وأعمال المخرج
الأميركي الراحل إدوارد دي وود جونيور Edward D Wood Jr مسألة مثيرة
للفضول وغريبة على أي مخرج شهير يتبنى مثل هذه الفكرة، فالمخرج الراحل
المذكور (توفي عام 1978) كثيرا ما وُصِفَ بأنه أسوأ مخرج عرفته هوليوود،
وجميع أفلامه التي صنعها فشلت عند عرضها فشلا تجاريا مريعا، ولذا فإنه
من الغريب أن يفكر مخرج هوليوودي معاصر مشهور مثل تِم بورتون Tim Burton
بأن يخرج فيلما عن هذا الرجل.
إن إخراج فيلم عن مخرج لم ترغب فيه هوليوود يوما هو أمر غريب، فالمتوقع
أن هوليوود سترفض تمويل أي فيلم يتحدث عن هذا المخرج مثلما رفضت في
الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي تمويل أفلام هذا المخرج ذاته.
أما الأغرب من ذلك فهو أن يصر تِم بورتون على أن يكون فيلمه عن إدوارد
دي وود جونيور بالأبيض والأسود وبتكلفة إنتاجية عالية نسبيا، فهل يمكن
لهكذا فيلم أن يرى النور؟ وما هي ردات فعل الجمهور حوله؟ وقبل هذا
وذاك: ما الذي يغري مخرج أفلام تجارية ناجحة (منها فيلم "الرجل
الوطواط" بجزأيه الأول والثاني اللذين أُنتجا عامي 1989 و 1992
تباعا) ليُخرِج فيلما عن "أسوأ مخرج في تاريخ هوليوود"؟
ولأن سيل المفارقات الغربية حول فيلم "إد وود" Ed Wood لا
ينتهي، فإنه يجدر التذكير بأن فيلم "إد وود" الذي صنعه بورتون
قد فشل تجاريا عند عرضه، لكنه عاد بعد 20 عاما من صناعته، وتحديدا
بدايةً من عام 2004 وهي سنة نزوله للأسواق على أسطوانة ديفيدي مدمجة،
عاد ليحقق شعبية عالية وليحوّل إدوارد وود الحقيقي من مخرج منسيّ منبدوذ
إلى مخرج تعيد الجماهير اكتشاف أفلامه وتتحرق لمشاهدتها والتعرف عليها!
أما الغرابة الحقيقية فتحل حين نعرف أن فيلم "إد وود" لـ
تِم بورتون يعد في رأي الكثير من النقاد أفضل أفلام تِم بورتون على
الإطلاق، فعلى الرغم من أن تِم بورتون ناجح تجاريا إلا أنه لا شيء
من جميع أعماله يؤهله ليوصف بأنه مبدع خلاق متفرد - رغم كونه صانعا
حاذقا- سوى فيلم "إد وود".. فأي لغز هذا الذي يخبؤه هذا
الفيلم الذي كاد يوما أن يفتك بسمعة مخرجِهِ كمخرج صانع لأفلام تدر
الملايين في شباك التذاكر؟!
إن مغامرة تِم بورتون لإخراج فيلم "إد وود" لهي مغامرة تستحق
التوقف عندها، لاسيما وأن فيلم "إد وود" الذي أخرجه بورتون
يصنف اليوم كواحد من أكثر الأفلام في تكرار المشاهدة بالنسبة لجماهيره..
لقد احتل الفيلم رتبة "فيلم كلط" Cult Film وهي صفة تليق
بنوعية محددة من الأفلام يُقبِل عليها مريدوها بشغف عظيم للمشاهدة
المنزلية، وتحقق عادةً مبيعات عاليه في أسطوانات الديفيدي لكنها تفشل
عند عرضها في صالات السينما، وهو السيناريو الذي حدث عند عرض فيلم
"إد وود" عام 1994، حيث جلب سوء الطالع لمخرجِهِ تِم بورتون
وكادت لعنة إدوارد وود أن تصيبه فيتحول هو الآخر إلى مخرج مكروه عند
أباطرة أستوديوهات الإنتاج الهوليوودية الكبرى..
على أية حال فإنه قبل التعرف على إدوارد وود جونيور الحقيقي الذي يتناول
فيلم "إد وود" بشكل كوميدي وبتصرف جانبا من حياته، وكذلك
قبل التعرف على طبيعة المعالجة الفنية لفيلم "إد وود" الذي
أخرجه تِم بورتون، فإنه يجدر التعرف أولا على بورتون نفسه ليفهم المرء
لماذا يصر مخرج هوليوودي ناجح على صناعة فيلم عن مخرج هوليوودي وصفته
الصحافة الأمريكية بأنه الأسوأ في تاريخ هوليوود.
* * *
تِم بورتون، مخرج فيلم "إد وود"، مخرجٌ نشيط له مكانته في
هوليوود، حيث قدم نخبةً من الأفلام الناجحة تجاريا والتي لا تخلو من
بعض التميز الفني، وهي أفلام عادت في معظمها بدخل كبير على شركات الإنتاج
الهوليودية التي تبنتها. من أفلام تِم بورتون ذائعة الصيت فيلم "الرجل
الوطواط" الذي أنتج عام 1989، تلاه جزء ثانٍ حمل عنوان "عودة
الرجل الوطواط"، وقد تم إنتاجه بعد صدور الجزء الأول بثلاثة أعوام.
من أعمال تِم بورتون المشهورة - التي أنجزها بعد فيلم "إد وود"-
نذكر أفلام "هجوم المريخ"، و "سليبي هولو" Sleepy
Hollow، و"كوكب القردة"، وفيلم "تشارلي ومصنع الشوكولاته"،
وأخيرا فيلمه الأحدث "سويني تود" Sweeney To، وله حاليا
قيد الإعداد فيلمان جديدان انتهى من تصويرهما.
أفلام تِم بورتون في غالبيتها أفلام ذات معايير هوليوودية عالية التكلفة
مليئة بالخدع والمؤثرات الفنية الخاصة.. إنها ليست أفلاما تبحث عن
معنى عميق أو فلسفة خاصة كأفلام الطليعيين من المخرجين أمثال إنجمار
بيرجمان أو بازوليني، لكنها مع ذلك أفلام أنتجها شخص محترف يعرف ماذا
يفعل. على أية حال فإنه إذا كان هناك فيلم سيخلّد تِم بورتون فهو دون
شك فيلم "إد وود"، فهذا الفيلم هو أكثر أفلام بورتون خصوصية..
"إد وود" فيلم شخصي من حيث كونه فيلما أراد المخرج فعلا
أن يصنعه، وليس فيلما كلفته بإنتاجه إحدى مؤسسات الإنتاج الهوليوودية
وكان المخرج مجرد موظف ينفّذ رغبة تلك المؤسسة في إخراجِ فيلمٍ ما.
والمفارقة هنا هي أنه رغم الجودة الفنية للفيلم ووجود رؤية محددة واضحة
لدى المخرج، إلا أن فيلم "إد وود" قد جلب فشلا تجاريا كبيرا
خلافا لجميع الأفلام الأخرى التي أنجزها تِم بورتون وحققت جميعها نجاحا
تجاريا جعله مخرجا محبوبا لدى عمالقة شركات الإنتاج الهوليوودية.
* * *
يتحدث فيلم "إد وود" (الذي لعب دوره النجم الشهير جوني ديب)
عن حقبة معينة من حياة إدوارد دي وود جونيور، الذي عاش بين عامي 1924
و1978، وأخرج نحو عشرين فيلما. هذه الحقبة هي التي يمكن حصرها تقريبا
بين عامي 1953 و1959 وإن كان الفيلم لا يتناول إلا أشياء محددة منتقاة
ومعدّلة بتصرفٍ فنيّ حدثت لإدوارد وود خلال تلك السنوات. إن فيلم "إد
وود" ليس وثيقة تاريخية عما دار بالضبط في حياة إدوارد وود، لكنه
ينتقي من هذه السيرة بعض الأجزاء التي تخدم فكرة محددة أراد صانعو
الفيلم إظهارها.
إد وود مخرج عَمِلَ في هوليوود منذ أواخر الأربعينيات إلى وفاته عام
1978، إلا أن ما يمكن وصفه بفترة ازدهاره -إن جاز التعبير- فهي فترة
الخمسينيات التي أخرج فيها عدة أفلام قام ببطولتها الممثل الأميركي
العجوز آنذاك بِلا لاجوسي Bela Lugosi. نضع عبارة "فترة ازدهار
إد وود" بين قوسين، فهو لم يشهد ازدهارا فعليا يوما، ولكن تلك
الفترة كانت أفضل حالا بقليل من بقية سنوات حياته التي ضاعت في الصراع
مع الممولين من أجل انتزاع نقود كافية لتمويل أفلامه.
مشكلة إد وود الكبرى هي المنتجون.. إن ملخص حياة إد وود ما هو إلا
صراع طويل مع عمالقة هوليوود وأقزامها من ملّاك شركات الإنتاج من أجل
انتزاع تكاليف تصوير أفلامه، حيث كانت هوليوود ـ ولا تزال ـ غير راغبة
في دعم أي مخرج سوى من تثق أنهم سيعيدون إليها المبالغ التي دفعتها
أضعافا مضاعفة عبر إخراج أفلام مصممة لشباك التذاكر وحده.
كل ما أراده إد وود ببساطة هو صناعة قصص يحبها وعرضها على الناس..
لكن الطريق إلى عمالقة الإنتاج كانت موصدة أمامه، فاستعان دوما بصغار
المنتجين الذين لم يكونوا يدعمونه إلا بالقليل من المال، وهو ما أنتج
أفلاما ضعيفة تقنيا ومتواضعة في حيلها الفنية ومضحكة في مؤثراتها البصرية،
الأمر الذي جعل النقاد وكبار المنتجين، بل والجمهور أيضا، يعاملون
أفلامه باعتبارها نُكتا وليس أعمالا فنية.
كان إد وود يصور أفلامه في زمن قياسي جدا لاختصار تكلفة الإنتاج..
فكثير من أفلامه تم تصويرها في خمسة أيام وأحيانا في أربعة، بينما
يستغرق تصوير أي فيلم هوليوودي آخر نحو ثلاثة أشهر في المتوسط.
وتماشيا مع الميزانيات الهزيلة للغاية لأفلام إد وود، كانت خدعه التقنية
ومؤثراته الصوتية بدائية ومكشوفة.. لكن إد وود لم يكن لديه سوى أحد
خيارين: إما التصرف وفقا للميزانية المتاحة وصنع أفلام بالموارد الممكنة،
وإما أن ينسى مرة وإلى الأبد أنه صانع أفلام. كان الخيار واضحا أمام
إد وود.. أن يمضي في طريق الفن الذي لا يعرف سواه مسلحا بتفاؤل من
نوع خاص، فحينما كانت الصحافة تهاجم بضراوة أحد أفلامه، كان إد وود
يقول لنفسه وللآخرين بكل ثقة أن فيلمه القادم سيكون أفضل، وأنه يريد
الحصول على فرصة أخرى.
واصل إد وود طرق أبواب الممولين متوسلا إليهم، كالمتسول، ليدعموا أفلامه،
لكن الدعم المقدم كان زهيدا وشروط الإنتاج مُربِكة وطاحنة، ومع ذلك
فلم ييأس إد وود كليّا يوما وإن كان الإحباط قد نهش فؤادَه في سنوات
حياته الأخيرة وحوّله إلى شخص محطم مدمن للكحوليات.. على أية حال فإن
مِن النقاد مَن يرى أن أي شخص بخلاف إد وود كان سيهجر الفن للأبد ويبحث
عن حرفة أخرى لو كان قد ذاق ما ذاقه إد وود من نكران وإهانات في سبيل
الفن.
يتناول فيلم تِم بورتون حياة إد وود، أو إدوارد دي وود جونيور، في
فترة الخمسينيات من القرن الماضي، حيث يركز الفيلم على ظروف إنتاج
ثلاثة من أفلام إد وود هي "جلين أم جليندا" Glen or Glenda،
و"عروس الوحش" و "الخطّة 9 من الفضاء الخارجي"،
وهي أفلام شارك فيها جميعا الممثل بِلا لاجوسي الذي كان إد وود يكن
له احتراما شديدا. فيلم إد وود لا يتناول صفحات من حياة إد وود فحسب،
لكنه يتناول العلاقة التي جمعت بين إد وود و بِلا لاجوسي، فقد فعل
إد وود ما بوسعه للتعبير عن إعجابه بممثل أفلام الرعب بِلا لاجوسي
الذي كان يعيش خريف عمره وكانت أستوديوهات هوليوود الكبرى قد أدارت
له ظهرها.
الفيلم أيضا معني بتبيان ظروف صناعة الأفلام في هوليوود وما يحصل في
أروقة هذه الصناعة، لاسيما ما يتعلق بسيطرة المنتجين وغطرستهم وتدخلهم
في كل شيء يتعلق بعملية صناعة الأفلام مثل فرض نجوم معينين للعمل حتى
رغما عن أنف مخرج الفيلم، وتغييرهم لعناوين الأفلام وما إلى ذلك من
ممارسات وقحة.
فيلم "إد وود" نفسه عانى تعسّف المنتجين.. فقد قرر المخرج
تِم بورتون أن يصور فيلمه بالأبيض والأسود لأنه يتناسب مع الحقبة التاريخية
التي يتناولها الفيلم ويتلاءم مع طبيعة قصة الفيلم وشخوصه، إلا أن
شركة الإنتاج الأولى التي كانت قد تبنت الفيلم رفضت إنتاجه بالأبيض
والأسود خشية أن يتسبب ذلك في سقوطه في شُبّاك التذاكر، بعدها تبنت
شركة "والت ديزني" إنتاج الفيلم الذي كلف إنتاجه 18 مليون
دولار أمريكي، وهو مبلغ يفوق كثيرا تكلفة إنتاج جميع الأفلام العشرين
التي أنتجها المخرج الراحل إدوارد وود مجتمعة! سقط الفيلم في شباك
التذاكر وكأن لعنة إدوارد وود قد أصابته، ولكن بإنجاز هذا الفيلم حصل
المخرج تِم بورتون على صوته الإبداعي الخاص وصار لديه فيلم جدير بتخليد
اسمه في عالم الفن السابع.
* * *
بعد وفاة إدوارد وود عام 1978، حدثت المفارقة التي حصلت لكثير من الفنانين:
لقد تمت إعادة الاعتبار لهذا المخرج الذي نال يوما لقب "أسوأ
مخرج هوليوودي لجميع الأزمنة"، وما فيلم "إد وود" لـ
تِم بورتون إلا جزء من عملية رد الاعتبار لهذا المخرج الذي أفنى حياته
كلها في حب الفن لكن الحظ قد عاكسه على طول الخط.
ظهر فيلم "إد وود" لـ تِم بورتون عام 1994 وهي الفترة التي
بدأت فيها حركة إعادة الاعتبار لإدوارد وود جونيور، إذ ظهر قبل الفيلم
كتاب وثائقي عرّف بإدوارد وود وكفاحه من أجل صناعة أفلام وانتزاع التمويل
اللازم من براثن وحوش الإنتاج، أما ظهور فيلم "إد وود" لـ
تِم بورتون فقد ساهم بفاعلية في إعادة اكتشاف أعمال هذا المخرج، حتى
أن عددا من الأفلام الوثائقية قد تم إنتاجها مؤخرا للتعريف بـ إد وود
الحقيقي.
لئنْ كانت أفلام إدوارد وود جونيور متواضعة فنيا، إلا أنه كان مخلصا
تماما في أعماقه لحب السينما. لقد بذل كل ما في وسعه ليقدم للناس قصصا
يحبها. أعطى إدوارد وود كل الموهبة التي يملكها - والتي قد تكون محدودة
بعض الشيء- إلا أنه قدمها كاملة ليظل مواظبا على صناعة أفلام دون أن
يسمح للمنتجين الشرسين أن يكسروا عزيمته. ليس مهما أن أفلامه مضحكة
أو ذات خدع عبيطة، وإنما المهم أنه كان صادقا في صناعتها وقد أعطاها
كل الحب وسخر لها كل ما منحته إياه الطبيعة من موهبة-كَبُرت هذه الموهبة
أم صَغُرت.
إن روح التفاني وعشق الفن السابع هو ما نجح فيلم "إد وود"
في عكسه للمتفرجين. لقد صنع تِم بورتون فيلما دافئا عبارة عن تحية
من مبدع لمبدع، ولم يكن مهتما بصناعة فيلم تجاري كأفلامه الأخرى. في
فيلم "إد وود" وجد تِم بورتون صوته الخاص كما لم يحدث في
جميع أفلامه السابقة أو اللاحقة، حتى أن المرء لا يعرف اليوم من الذي
صنع الآخر وقام بتخليده: إدوارد وود الذي منح تِم بورتون شيئا ليقوله،
أم تِم بورتون الذي رد الاعتبار لإدوارد وود وساهم بفاعلية في إعادة
اكتشافه!.
إن أفلام إدوارد دي وود جونيور تحقق اليوم في نسخها على أسطوانات الديفيدي،
وذلك بفضل فيلم "إد وود" لـ تِم بورتون، أرباحا وشهرة دولية
لم تحققها في حياة المخرج الذي صنعها!
اليوم، يوجد مخلوقان اسمهما إد وود يحظيان باحترام عالمي وبشهرة دولية..
الأول هو إد وود المخرج، أو إدوارد دي وود جونيور- كما كان يَكتُبُ
على أفلامه، إذ تمت إعادة اكتشاف أفلام هذا المخرج وأصبحت الجماهير
تتداول أعماله ولاقت انتشارا لم تشهده في حياته. إد وود الآخر هو فيلم
"إد وود" لـ تِم بورتون.. هذا الفيلم الذي سقط في شباك التذاكر
عام 1994، يعود اليوم بعد صدوره في نسخة ديفيدي عام 2004 ليكون واحدا
من أكثر الأفلام حظيا بالمشاهدة وتكرار المشاهدة حول العالم.
إن إد وود لهو مخرج فريد حقا، فهو مرفوض دهرا ثم فجأة يُعاد الاعتبار
إليه، وهو الأمر الذي يبدو أن عدواه قد انتقلت إلى الأفلام التي تتناول
سيرة هذا المخرج، كما حدث لفيلم "إد وود" لـ تِم بورتون
الذي نهض كالعنقاء من رماد الإخفاق التجاري ليصبح اليوم فيلما يثمنه
النقاد والجماهير على حد سواء ويرفعونه في مصاف الأفلام الجديرة حقا
بالمشاهدة.
عبدالله خميس*
* كاتب عماني
أعلى
جـــدران
* ترتعش الجدران أحيانا وتتصدع فينبت بين شقوقها
زهرة أو نبتة تتدلى بفرح كأنها تختلس نظرة للخارج وتنظر من نافذة غاية
في الضآلة والصغر لا تتسع سوى لأنفاس رياح تنفخ الدفء والسكون بين
تلك الخطوط الضيقة وتخبئ أنسامها الباردة في أعماق العمق...
* تتشقق الجدران، يتوسع بداخلها ثقب مدوَر أو كوة حنونة يتخذها الفأر
بيتا دافئا وبديعا. سأتخيل أن للفأر قبعة حمراء وكرسيا خشبيا ومدفأة
وسريرا أيضا وصحنا فيه مثلث من الجبن سرقه ذات جوع من بيت مجاور....
* ترتعش الجدران ومن ارتعاشاتها تولد فتحات خفية
لا نكاد نراها ونتوءات تتخذها أسراب النمل مساكن لها.. تخط خرائط واضحة
وتبني وطنا ودروبا ومسافات وبيوتا تخبئ فيها قوتها الشتوي... ثم تنام
قريرة العين مترعة بالطمأنينة والدفء ولن يأتي صرصور مزعج ليطرق بابها
ويلاحقها بلهوه وموسيقاه المجنونة...
* الجدران تدعي الصمت ونحن نثرثر بجانبها ،، نفشي لها أسرارنا الوردية
ونبوح ماضي الطفولة وأحلام الليلة الفائتة، وهي تنصت باهتمام ثم تنقل
للجدران الأخرى تفاصيل الحكاية وتتلهف كل مساء لثرثرة أخرى تسقطها
في الممرات والغرف والدهاليز المظلمة ....أليس للجدران آذان؟
فلنحذر إذن من صمتها وبياضها السارق للكلمات.
* جدار التصقت به صورة لامرأة تحمل في يدها مغزلا
وفي عينيها حزن شفيف، هي امرأة من صنع ذاكرة فنان عاشق،،، أسفل الصورة
توقيع غير واضح للرسام ،، تبدو ريشته باكية وألوانه مهمومة تذوب في
بعضها وتمتزج بألم تلك الصورة نافذة أخرى لعالم ملون بالشجن ،، تركت
عينيَّ تدخلان روح المكان وتتعمقان في تقاسيم الوجه الحزين والمقل
المتلألئة بدمع خفي،، تركتني ألمس نبض المغزل المتدلي بين يدين من
وجع ،، ثم غادرت الجدار وابتسمت لي الصورة.
* جدار تتأرجح فيه ساعة تدق الوقت ،، تبعثر نزق
الدقائق ،، تتشاكس العقارب في الدائرة ،، تطارد بعضها حتى تتعانق بعد
لهاث في رقم ما أو تلدغ رقما آخر ،، الوقت يعلن موعدا حزينا ويكتب
ميلاد الفرح ،، يحدد يوم عيد منهمكا في الألوان والعناق أو ليلة عرس
ترقص فيها الأثواب والأمنيات وتتطاير الزغاريد أسراب مطوقة باللهفة
،، تتطاير من أفواه مدهونة بالزهر.. الساعة تهمس للجدران نبض تكتكاتها
العنيدة وحين تخبرها بوشاية أو ثرثرة مملة تتثائب الجدران ضجرة فتواصل
الساعة دقاتها الحزينة.
* جدار الحديقة سياج من الفرح يعبره ضوء النهار
يتسلل قلبه فتتهامس خلفه شجيرات مبللة بماء النور وقبلات الشمس وأنفاس
الضحى ويتقافز على الغصون عصفوران عاشقان يمتصان رحيق الحب ويوشوشان
لغيمة عابرة أسرارهما ... جدار الحديقة مسيًج باللقاءات العابرة ولهو
الصغار وهتافاتهم المبعثرة وضجيجهم ... داخل الساحة الخضراء في الحديقة
صفصافة تتعانق على أعوادها عنادل ممسوسة بالعشق والغناء وأراجيح تحلق
نحو الغيم والأفق والكائنات السابحة في كينونة الفضاء ،، وطائرات ورقية
ترفرف بجنون كأنما أياد صغيرة تهتز حينما تلوحها الرياح.
* جدار بيتنا القديم رمادي حالم رسمنا فيه طفولتنا
وضحكاتنا خبأنا فيه عنادنا ولحظات البكاء ولعبة الغميضة ،، تسلقناه
بشقاوة فخدش كفوفنا ووجناتنا الملونة بريق الشمس واحمرار الشفق ،،
امتطيناه مرارا تركنا أقدامنا الصغيرة تتدلى فوقه كأننا دمى من قطن
،، كأننا نرقص في الخفاء وندور في مدارات الفراغ ونداعب هواء الحلم
،، جدار بيتنا سلم للمرح ونحن أسفله ظلال تطارد بعضها أو تقفز على
حبل من سراب،، هو جسر آخر لعبور الحرية بعيدا عن أعين الكبار ،، نقشنا
فيه ذكرياتنا الغضة وخبأنا في أيقونات قلوبنا لحظات لا تنسى تقاسمناها
مع جدارنا القديم.
* جدار بيت جدتي تسكنه الحكايات الخارجة برفق من فم ذاق طعم الماضي
وسكر الأمس ،، من شفاه رطبة بطيب الكلام ،، جدار يحتفظ بأغنيات القيظ
وأهازيج الفصول وبواكير الصباح ،، وشهقة النهار الأولى ونداء الديك
كل فجر .. ذات دهشة نبتت قريبا منه شجيرة حناء وحين أينعت الورقات
ونضج اخضرارها لمست أقدام عروسة خجولة ولونت كفوفها بمسحة الجمال وسافرت
بها نحو أمسيات شفافة تعبق بالحب وغادرت لمدن لياليها مغسولة بأحلام
الورد ونكهة الكيذا وعطر الزعفران،، جدار بيت جدتي تتكئ عليه الأمنيات
ويعشقه اليمام وفوقه يودع الليل النهار ويصحو وفي جبينه قُبلة ورشة
مطر فتنمو مواسم الخصب وتجلس جدتي تخيط للشمس قميصا ويظلها ينكمش في
حضن الجدار الدافئ.
* ثمة جدار تتدلى منه شرفة تحتضن فتاة تقرأ كتابا
لهمنجواي أو تسقي أصص الزهور المصفوفة بعناية أو تسامر نجمة بعيدة
أو نورسا مهاجرا ،، ظلها يداعب وهج القناديل والفراشات الهائمة فوق
لهيب الشموع وعلى أعمدة الإنارة المنتصبة على الطرق ،، ظلها ينسج خيوط
النور كل مساء ويسقط سهوا في بقع الضوء ويعود فجرا مثقلا بالبهجة ..
الجدار أسفل الشرفة يعانق الظلال العابرة ويراقصها
ويلتهم بعضها وتنتظر الفتاة أي عابر يلوح لها بوردة أو كف من غيم.
* مشيت ذات يوم قرب بيت تبزغ من جداره نافذة
ضيقة ستائرها زرقاء أو هكذا خُيل لي .. أخبرتني النافذة أنها مباركة
برذاذ المطر وأن زجاجها تقبله عين الشمس المكحولة بخيوط النهار وتتسلقه
شجيرات الريحان وتطرقه العصافير وتغني بمناقير لها صوت العشق .. سأتخيل
أن بعد النافذة غرفة دافئة تجلس في زاوية منها عجوز تحيك ثوبا للشتاء
وتتمتم بأغنية قديمة وحين تتعب عيناها تستلقي على سرير من خشب وتلتحف
الدعاء ،، سأتخيل فتاة تكتب مذكراتها بحبر الحيرة والحب أو تحادث مرآة
تعكس وجهها الأسمر وكحل مقلتيها وهي تسُر لها بكلمات رقيقة وبأنفاس
من ياسمين.. سأرسم في خيالي أمّاً تؤرجح مهد رضيعها وتحتضنه في شغاف
قلبها وحين ينام تطبع في وجنتيه قبلات بطعم الطيبة والحنان.. ذاك جدار
يضم الدفء والعذوبة سأطرق نافذته علني أصبح عصفورة.
* جدار المسجد مغسول بصلوات المصلين وتحياتهم
وتراتيل الآيات وانسكاب أحداق الشوق في منبر السماء وهتافات الاستغفار
والتسابيح تعطر المنارات بالضياء جدار تمسده كفوف الإيمان وتعانقه
عيون المشتاقين لمأوى الخلد والفردوس المنتظر، ومعارج التقوى يصعدها
المصلين بخطوات تحث السير نحو الخلود ,, هو جدار ينتهي إلى عتبات الخشوع
أبوابه ينابيع ضوء توصل للجنان ،، ينبثق النور من جنباته شلال من اليقين.
* الجدار عالٍ جدا ،، الصبية امتطوا بعضهم الآخر
كي يصلوا للقمة الساحرة .. الجدار يقف ساخرا منهم يضحك بعيون خفية
وهم ينفخون العزائم ،، صمدوا أصروا على أن يقف الآخر فوق الآخر صنعوا
سلما بشريا ،، ابتهج أعلاهم وصل أخيرا والمنظر من الأسفل مبهج ورائع...
كلت الأجساد سقطوا جميعا وبقي آخرهم فوق الجدار شعر بالخوف كيف سيترجل
من الأعلى... ربما سيبقى عاجزا عن الهبوط وسيكتفي أن يتخيل نفسه طائرا
مُجنحا بالحرية.
* جدار مبنى البريد في بلدتي مدهون باللهفة والصباحات
العاشقة حيث تقبع بالداخل صناديق من حب تخبئ في قلوبها أوراق كُتبت
بألم الشوق ورسائل مغموس حبرها بطيب النرجس وأظرف فيها عطر اللقاء
والغربة والحنين .. جدار بابه الحديدي أوصدتها كفوف لوحت للشمس بمناديل
الدفء ودخلت عتباتها أقدام مشتاقة للوقوف أمام أبواب صغيرة لها مفاتيح
بعلاقات ملونة تداعبها أنامل متشوقة لما في الصناديق أهي عتمة تنام
وحيدة؟؟ أم حلم ضبابي؟ أم أطياف الأحبة تتعانق؟؟ أم ساحات من الاخضرار
ترتع فيها فراشات الفرح؟ جدار مبنى البريد حاجز شفاف تقتحمه القلوب
كي تنبض متسعا من الحب.. هو جدار عبق بالأمل.
عزيزة الوهيبي
alwahibi112@maktoob.com
أعلى
هجائيّات المثقف البغيض
1- "المثل الأعلى"
يا مثلنا الأعلى، يا نموذجنا، يا حكمتنا الجليلة: لكَ باطنـُـكَ، فلسنا
قضاة ولا آلهة، فأزح ظاهِرَكَ اللمّاع عن وجوهنا التي تتدفأ بصفاء
الأطفال..
يا أمثولـَتـَنا في العالم، يا ممثلَ أورِدَتِنا وشراييننا وكُراتِنا
الحمراءِ والبيضاء: لا تدع سلال عِنَبِكَ تختلطُ بسلالِ عِنَبِنا ولا
تجرح آهاتِكَ بآهاتنا ولا تُلقِ بجراحك المدينية هدراً في أرياف جراحِنا...
يمشي الكهنة والأحبار والشمامسة والفقهاء بعيداً عن أشجار رُمّاننا،
فامضِ أيّها الكاهن إلى حديقتك المزدهية الغنّاء التي يتجوّل فيها
ظلّك الشاسع المديد.
عـَلّـِقَ رأسَكَ في جذع المنفى، فلا منفى لنا إلا الليل والأمهات
والأطفال والشموع. تنزّل على جبروتِ ضفدعتك واشطرها نصفين، أمّا نحنُ
فسنضمِّدُ جناحَ الفراشة وسنضرعُ أن تـَنِقّ الضفدعةُ وينهقَ الحمارُ
وتسهرَ النجمةُ إلى جوارنا.
اخبطِ الارضَ بمسنّاتِكَ وعجلاتِكَ ودواليبِكَ الواثقة، ودعنا نحن
على الشاطئ المتشمس نحاول بناء قلعة الرّمل.
ويا نموذجنا البليغ البالغ: اطلع على جبل المَرَدةِ والتياتِنَ كي
ترى جذعك الملتبس في مرآة الماء...
ويا نموذجنا الكامل: لسنا كاملين مثل جسدك السمين ورعافك الجيّاش؛
لأننا نتحرّى الأهلة والنقصانات ونحسّ بنا في الضعف والرقة والهشاشة...
ويا نموذجنا المتعرّق هل تقبل أن نُعيرَ يَدَكَ بذرة صغيرة من صيفنا،
قبل أنْ ترحل بك المواسمُ تحت قَدَمَي ِ الجُدْجُدِ الساهِرِ تحتَ
أغصان الليل؟...
تعطّفْ يا نموذجنا العظيم، واسترح في بقعتك العالية. تجنّب الوادي
الصخريَّ كي لا يحزّك الماء، وتقتلك البروق الأسيانة، وتقبضُ النسائمُ
على روحكَ المتفقهة في أمرِ المتصخِّرين...
2- "المناضل"
والآن وقد أشبَعْتـَــنا بذكرياتك المعتقة، وبترنحاتك المسافرة في
الأسماء والمقامات، في التهجيات والتلظيات، في السكرة الماضوية القديمة...
الآن، وقد لوّحتَ لنا بوجهِكَ عشرين عاماً، وثلاثين عاماً، وأربعين
عاماً، وخمسين عاماً:
انفتح مجدُكَ وتلظتْ قرابتُك وتقزّحت شهرتُك.
الآن: تسمّرتَ، وقد كانَ مكانُكَ مؤكَّداً فصدقناك، وجمالُكَ وثيراً
فحدّقنا إليك...
الآنَ صـُلِبْتَ: وليس لكَ في خبثِكَ مسيح، وليس في نبلك يهوذا.الآنَ
تعلّقتَ: وقد تزلزلتْ كعبَتُك، وانسربت مع الريحِ ستارَتُك...
الآنَ انهمر نهرُكَ واندفقتْ براريك، فلا أوّل لك ولا آخر، ولا قرية
ولا طين، ولا وسادة أو أرجوحة تفتحان حنيناً لك إلى مجد الشمس...
حِمارُكَ أعمى، ولؤلؤتُكَ فاسدة، ونارُكَ تركضُ وراءَ لِباسِكَ الجديد،
وجنّتـُكَ حماقة ٌ تنزفُ فصولاً مصبوغة بالادّعاء ...
مـُبارَكٌ طَمْيُكَ أيّها المـُسـَلِّي... الموعودُ بالحِبرِ المهذارِ
والريح الجافلة..
لكَ قدَمٌ تتقدّمُ في المأزق.. لك بئرٌ تجفّ في العين اليَـقِـظة...
تـَسَلّمْ الراية الشحيحة أيها الخضمّ.. تلثمْ وقد طارت عمامتك في
الريح، تزيَّ وقد سقطت عباءتك الزاهية في سَيَلان الألوان...
وكضبٍّ بجدوىً كثيرة الحراشف ومنتفخة الأوداج، تجيء مسترسلاً في الحديث
عن الأسلحة وأخوّة الأسلحة كأنّك فعلاً قد حملتها، وكأنّ المعركة قد
توسّلتْ إليك أن تكون بطلها المغوار وقائدها المظفّر...
ضحكتَ علينا طويلاً، أيتها القهقهة التي انفجرتْ في رأسك، وجعلتك طريح
العراء... يا البدويّ الذي كان جميلاً، فارتفعت عنه الخيمة إلى عنان
السماء، فلم يعد قبالته إلا الأطفال يرجمونه بحجارة الرؤيا...
يا البدويّ المشحون بالأضواء والزئبق والرّصاص والمكيدة..
يا البدويّ الذي طلـَّـق النخلة والخيمة والمربع والجمل والناقة والحليب
والنجوم..
صدّقناك أيّها البطل، فكـُفّ عن ليلنا، عن طريقنا الباديء، عن سخرياتنا
من كـُلّ الحروب والمعارك...
أيها الطاعون الأبكم، ستتحوّل فئرانك وجرذانك غداً إلى نصبٍ لجنديِّك
العريق المعلوم!
3- التابع
حسناً، ستتحقّق عندما تموووووت.. ستكتملُ عندما سنسمع صرختك المدويّة
وأنتَ تلكز بها الأبقار في البريّة النظيفة إلا منك ومن ثورك المبارك،
من متبوعك الراقي، من دبّك السعيد...وحينها سيكون قديسك قد سقط من
على أرجوحة الليل، وهيكلك العنيف - الذي تزجي إليه المديح كعصفور مجنون
يسقسق في بطنه- قد تحطّم وذرته الأيدي المشاغبة .. حسناً عليك أنّ
تعدّ ذرّات التراب وحبّات الحصى حتّى تفقه كيف تبدّل الحال وانبرت
الأقلام، عليك أن تسوق الصباح إلى غابة الخُرافة حتّى تعلم أيّ خِراف
كنت ترعاها في حضرة الليل، وأن تمسح عن جبينك العرق حتّى تتعلم وعثاء
المسافة وغبار السرد.
أيها الغندور سيسقط كتابك على ركبتيك، والشجرة التي تتفيء تحتها وتأكل
من ثمرتها المكرورة الجوفاء ستنحني عليك وتأكلك قبل أن يتمكن أي من
أصدقائك المنسيين من سحب رجليك السائختين في وحل التابعين البائسين..
والآن أيها الذي سحبته الشجرة المباركة في جوفها الملعون لن يمشي في
جنازتك التابعون الحكماء: سانشو بانثا وشيبوب وقـُفـّة، ولن تتوقف
إلا الأبقار المجترّة في حظائرها كي تلقي آخر نظرة لها على الأفق قبيل
المغيب!
4- البليد
اعتشْ على أخبار الليلة الفائتة.. تلقّفْ أرضَ البلادة.. تحرّق إلى
بلد المغفرة..
5- المهرّج
ها قد قفزتَ من حبل الكروان إلى ليل القطّ. ها قد تقنّعت بريش الطاووس
وعنق الزرافة. ها قد انشغلت بالتدحرج من برميل الفراشة إلى خاصرة الذئب
.. ها قد تعافى جدّك ومَرِضَ أطفالـُـك.. ها قد أمسكتَ ذيلـَـكَ بينما
نسيتَ رأسَكَ في عنق الزجاجة. ها قد تنفستَ بمتعة بينما منخراك محفوظان
في الخزانة المغلقة بأشدّ الأقفال... أخذتَ النخيلَ وتركت العطش، ألجمتَ
الحصانَ الهارب من لجامك، كدّستَ الرّمل في الهاوية، جمعتَ الدّخان
في الصناديق التي حملها الماء. أعلنتَ الفرار من الأطفال بينما تنتظر
قدماك الحفرة التي حفرها لك خبثهم الظريف. نططتَ لكنّك كنتَ تَخِرّ،
نزلتَ سِراعاً لكنّك كنتَ تطيرُ في الغُبْن. ويا صاح انظر إلى حبالكَ
التي تجرّ عافيتك، لأقنعتك التي تلوّن مليكك، لقوتِّك التي ترضِّض
قلمك، لخفتِّك التي تُزهق روح طاولتك، لنتانة إبطك التي تشيع في الأخبار!..
6- المدّاح
لا تمدح بل اجرح. لا تسترسل في الزَّبَدِ فيخنقك الملح والماء والموج.
لا تُرَقِّعْ ثوبَكَ لأنّ الدراويش لا يطيقون هيأتك، لا تحملْ إناءَكَ
لأنَّ القادمَ صَفـَّـاع.
7- المعتاش على وَرَم القبيلة
وماذا سيجديك نفعاً أن تكون مربوطاً في إسطبل الذكرى؟ وهل ستقرِّبُكَ
اللذة من نفسِها حين تكون مائدتك مبثوثة للأسلاف؟ أو "عظماً أخيراً
للقبيلة"؟...
صالح العامري*
* شاعر عماني
أعلى
البحر في الشعر العماني المعاصر (1ـ3)
ذاكرةُ البحر المتلاطم على شواطئ السلطنة ذاكرةٌ تروي وتسجل وتتأمل
دون كلل أو ملل
الشاعر العماني التقط معاناة البحّار في تصوير جسد فيه دقائق هذه المعاناة،
ليترك المجال واسعاً أمام المتلقي
القصيدة/ البحر:
في المثل العربي "أندى من البحر"(1) فالبحر جوده لا ينقطع،
ومن جاوره استغنى به عن غيره، فهو مصدر للرزق، وطريق للفتوحات، ونشر
الحضارة والمعرفة، ومسلك للهروب من الطغاة والمستبدين، ودرب للمغامرين،
والباحثين عن غرائب الأمم والشعوب، من هنا كانت علاقة العماني بالبحر
فهو ليس مصدراً للرزق فحسب، "بل هو أيضا أحد جزئيات الواقع الطبيعي
الذي يعيش فيه، حيث تتصل الصحراء بالماء ويتعانق البر بالبحر فالبحر
أحد مظاهر الطبيعة القوية والجميلة التي تؤثر في الحياة الواقعية،
وبالتالي في التجارب الفنية"(2). والواقع أن العمانيين كانوا
يشتغلون في الملاحة منذ قبل الإسلام، فيذكر أبو عبيدة أن أردشير بن
بابك قد جعل الأزد ملاحين شحر عُمان قبل الإسلام بستمائة سنة"
(3).
وبعد ظهور الإسلام تكثر الإشارات إلى اشتغال العمانيين بالبحر فذكر
المسعودي في كلامه على بحر الزنج "وذكر جماعة من نواخذة (هذا
البحر من العمانيين"(4) وقال أيضا:" ووجدت نواخذة بحر الصين
والهند والسند .. والزنج واليمن والقلزم والحبشة.. والعمانيين"(5).
يتضح من النصوص السابقة أن ذاكرة البحر المتلاطم على شواطئ السلطنة
ذاكرة تروي وتسجل وتتأمل دون كلل أو ملل، وإذا عدنا إلى الشعر العماني
قبل الدراسة وجدنا أن للبحر ذكراً عند بعض الشعراء مثل ابن عرابة في
قصيدته" المشهورة التي اشتكى فيها من البحر حين غمر بيته فجعلها
خرابا بعد أن كانت عامرة يقول: (الطويل)
أبا خالد ظني لتحفظ غيبتي
وقد خاب ظني خيبة إثر خيبتي (6)
تطوف بنا ليلاً كمثل عدونا
وقعوست داري ثم خربت بقعتي
وتبتزني من حيث أني غافل
وتجتاحني حتى تناوشت طرتي
مرادك مني غير ما أنا ضامر
وتوكزني حتى لزوم منيتي
وليس لجار أن يعاقب جاره
ولو رابه من فعله كل ريبة
إلا أننا نلمس (أدب البحر أو مفرده البحر) عند
شعراء عُمان في النصف الثاني من القرن العشرين أكثر نضجاً حيث أمتزج
البحر بحياة العمانيين باعتباره مصدرا من مصادر العيش الأساسية، إما
منه أو من خلاله، فصبغت قصائد شعراء عُمان بالبحر من وصف لأهواله،
أو خيراته، ووصف للسفن وأنواعها، وحالات الفرح والحزن في مواسم الخير
والعطاء، وعند قراءة الشعر الخاص بالبحر عند الشعراء العمانيين سنطلع
على جوانب عدة منها: الموقف المباشر، والموقف من القضايا المعاصرة،
والموقف الرمزي من البحر.
الموقف المباشر:
نعني بالموقف موقف الشاعر من القوى المختلفة
التي يتعامل معها في إطار واقعة سواء أكانت هذه القوى مطلقة (الله)
أم إنسانية (البشر) أم كونية (الطبيعة) فموقف الشاعر من هذه القوى
يشي بشكل ما عن طبيعة فكرة وفلسفته في الحياة والفن.. وبالتالي عن
بعض أسرار فنه" (7)
صورة البحر:
وحين نجد مفردة البحر في الشعر العماني فإننا نراها واضحة المعالم
لأنها تشكل أحد المعطيات الهامة في مخيلة الشاعر، والوجه البارز من
وجوه الطبيعة التي استطاعت أن تكون علاقة وطيدة بينه وبين نظام الحياة
عند العمانيين على مر العصور ويؤكد ذلك أن أبا سرور الجامعي حين ينظر
إلى البحر يردد هذه الأبيات: (البسيط)
يا راكب البحر والأمواج تؤنسه
يسعى لما يتمنى من يد الطلب
وسابح في تجاراتٍ يقدمها
إلى مواطنه براً وللنشب
وخائض بأساطيل الوغى بطلُ
يحمي الحمى ويدك الخَصْمَ بالشهبِ
كم دُرِّ تاج على كسرى وإخوته
من الملوك من البحر الخضم جبي
ولؤلؤٍ بنحور الغانيات حظي
لو خاله قيصر من حسن ذاك سبي
وكيف ننسى لذاك الحوت نأكله
لحمامًا طريا فخذ ماشئت وانتخب
إن البحار طريق للوصول إذا
ما عزنا طلبُ بالخيل والركب (8)
من خلال هذه الأبيات تظهر بعض سمات البحر في
واقع الشاعر/ المؤانسة للوصول إلى المنى، وسيلة من وسائل التجارة،
والقوى المتحركة عبر المحيطات لفرض الهيمنة، واللؤلؤ الذي يستخرج من
أعماق البحر للملوك وبنات الملوك والغواني عامة، يتضح مما سبق أن شاعرا
اكتفى بذكر الوظائف التي يمارسها الإنسان في البحر وعَبْرَه فضلاً
عن المتعة بصفته مصدراً من مصادر الجمال الإلهي. ويعبر من هذا الإعجاب
بجمال البحر الشاعر عبدالله الطاني حين يتأمل البحر بجماله وهدوئه
قائلاً: (مجزوء الرمل)
مرحبا بالبحر قد صاغ على الماء عقوده
والسما تمنحه الدرّ فيختار نضيده
وضياء البحر أغناه بألوان جديده
فبدا الشاطئ روضا نثر الأفق وروده
تسألني عن قصيدي وهنا ألف قصيده (9)
وإذا كانت الأبيات الأولى صورت أو تناولت الوظائف
التي يمارسها الإنسان في البحر وعبره فإن أبيات الطائي تصف هدوء صفحة
الماء، وصفاء السماء، ثم انعكاس أنواع البدر والنجوم على الماء لتنفذ
إلى القاع، حتى يبدو الشاطئ وكأنه روض نثر عليه بساط من الورد.
أما هلال السيابي فقد ربط البحر بمشهد رومانسي تتجلى فيه المرأة /
البحر أكسب النص قداسة المحبوبة وجمالها الرباني يقول: (الرمل)
وقفت تستقرئ البحر جمالا
تتـملاه يمــينا وشمــالا
هذه الرهبة من أيــن له
مالها الأمواج أحيانا كسالـى
لم أجد للبحر في هييبـته
جلّ ربي خالق الكون مثـالا
أيها البحر أنا الدر فكـن
كيفما شئت انفتاحا أو عقـالا
أنا في الشاطئ سرّ خالد
فلتفاخر بي على الأفق الهلالا (10)
المرأة هنا تتجانس مع البحر، وتتحد به (هذه الرهبة
من أين له + ما لها الأمواج أحيانا كسالى) الرهبة = للبحر/ المرأة
، الغنج/ الكسل = الموج/ المرأة وكأن هذه الهيبة التي تمثلت في البحر
ما هي إلا صورة المرأة / حين تتجلى في وقار يلمح فيه الكائن الأنثوي.
وهناك سمة أخرى لوصف البحر لدى الشاعر العماني، ألا وهي التلازم بين
صورة البر والبحر، فحين يلمع البحر بأشرعته ولؤلؤه، يكون في الجانب
الآخر العامل بنخيله الدافق بالحب:
ميناء فؤادي أنت وأحلامي
ومنى الروح الهيمى في أفق الأيام
في عينك ألمح أشرعة الأبوام تغني جذلي
وعلى لباتك يسجد نور الحسن وينثر فلاّ
وأحس بصوتك همس النخل الدافق بالحب
يغشي بالبهجة عيني
يسبي بالفرحة قلبي
يا أحلي ما في الدنيا (11)
"لذلك أصبحت النخلة والشراع رمزاً للخليج،
حتى أن بعض المسكوكات اتخذتها واجهة لها. وهذا هو مفتاح الخليج: البحر
والمركب والنخلة، أو الدر وتجارته وحياته البحرية والشاطئ الرملي بما
فيه من تمور وإبل، أو بعبارة أخرى موجزة تجارة البحر وبداوة البر،
ولذلك تعري الحسن فوق شعابها فليس هناك ما يحجبه عن رؤية البحر على
امتداد الأفق من ناحية وبحر الرمال على امتداد الأفق من ناحية ثانية"(12).
لقد جمع الشاعر الصور الجميلة للبحر "الميناء صورة البحر الآمنة،
الأشرعة الرامزة إلى دليل النجاة" وأضافها إلى صورة الصحراء النابضة
"النخيل" التي يعزف على سعفها همس النسيم فتتولد تلك الحياة
الدافقة بالحب والسعادة.
صورة البحار:
البحر ذلك المخلوق العظيم، المركب من الرعب اللامتناهي،
الذي حيكت حوله الأساطير المليئة بالخوف وشبح الموت، يحق لمن اقتحم
مجاهيل هذا العالم المترامي وتحدى أخطاره أن يعتز بماضيه الذي ذلل
هذا المارد وجعله وسيلة من وسائل نقله، ودربا من دروب متعته ونزهته.
(مجزوء الكامل)
كم حدثت عنك المياه
الشط حتى غردا
والنور يرضع قصة
البحار رملك مسعدا
يسقيه من نهر المكارم
والشمائل والندى
يذكي به لهب البطولة
ثائراً ومعربدا (13)
هذا الافتخار بعزيمة رسمت على جبهة الوطن، وسقيت
من نهر المكارم، يدفعها نار من لهب البطولة حكاها ولا يزال يحكيها
البحر للأجيال عن قصة البحار الذي تخطى كل العقبات لبناء وطن وتاريخ
وأمه. وفي مقطوعة أخرى للصقلاوي نرى استلهاماً لماضي البحر من خلال
السفينة (السنبوك) المنتظر، الذي أصبح رمزا للبحار العائد بالنصر والغنيمة.
(مجزوء الوافر)
وألمح في الدجى (سبنوكنا).. ما زال منتظرا (14)
يجوس بطرفه الأيام باطنها وما ظهرا
هنا جدّي.. هنا عمي وخالي عاد منتصرا..!
زهور الحب.. في جذل خرجن إليهمو زمرا
بأثوابٍ مشى التاريخ في خيطانها عبرا
ويحملن المباخر فاح فيها المجد وانتشرا
يرجعن الأناشيد التي قد ما ثلت زهرا
على أنغام (ميدان) و(دندان) سمت صورا (15)
هنا تظهر ثلاثية الصقلاوي 1ـ الصورة الملتحمة بالذاكرة إلى درجة التوحد
(وألمح في الدجى سنبوكنا مازال منتظرا ) 2ـ الصوت (اليامال والدندان
والميدان) 3ـ الحركة (ينادي _ يداعب ) وكأن البحار لم يكن وحده الذي
يحتفل بهذا الانتصار، بل المدينة بمن فيها من رجل وامرأة في طقوس فلكلورية
تعطر مناخات الرحلة البحرية، حيث يستقبل بالمباخر التي تفوح منها العود
والعطر، وتلك الأناشيد والأهازيج التي تلهب العزيمة على مواصلة طريق
المجد والسؤدد.
هناك صورة أخرى تناولها الشاعر العماني التقط من خلالها معاناة البحار
في تصوير جسد فيه دقائق هذه المعاناة، ليترك المجال واسعاً أمام المتلقي
ليتخيل كيف كانت قدرة البحار في التغلب على هذه الصعاب والذي صادف
الباحث في النصوص البحرية العمانية أن الشاعر تقمص شخصية البحّار كقناع
في الحديث عن البحار مرة وعن الشاعر مرة ثانية.
أبحر من قعر الأرض
ومن نزف الأطفال
لصون العرض
أحاور هلعي
من زبد البحر المكتظ
بعد صلاة الفرض
وأنين المركب يهلعني
ممزوجاً بأنين الأرض (16)
يعبر الشاعر عن معاناة البحار في لحظة الانطلاق،
وهي الأصعب بالنسبة له، فلقمة العيش تستجلب من نزف الأطفال، تتلاحق
أمامنا صور المعاناة أثناء الرحلة فيطلعنا على الهلع والخوف الذي يحدثه
زبد البحر، في حين يردد تسبيحاته وابتهالاته في مناجاة ربه أن يخفف
من حالة الهلع التي أضافها أنين المركب.(الكامل)
هو مُبْحِرُ .. والليلُ أشرعة
ورداؤه الارهاق والتعب
وفؤاده الآمال تنتحب
وعروقه الأحزان تصطخب
مستوطن شوق الحنين به
نحو المرافئ .. وهي تغترب
مترقب فيض الصباح وقد
جنت سواقي العمر .. لاحَبَبُ
من ذا يعاتب مبحراً فتكت
بحباله الأرياح واللجب
مالت صواريه وليس به
ميل ولامن عازفٍ نسب (17)
وكأن رحلة البحار يلفها المجهول منذ البداية:
الليل + الريح يواجهها البحار بسفينته وشراعه المظلم + الحبال المنهكة
+ الصواري المائلة من ضربات الأمواج ليجمع هذا المشهد اليائس من الحياة
فؤاد استوطنه الشوق والحنين نحو المرافئ مترقب نبض الصبح إذ كان في
سواقي العمر بقية. كل هذه الصور التي طرحها الشاعر/ البحار من أهوال
وقفت دون وصوله بر الآمان ما كانت إلا لرفع العتب والملام. وإذا كان
الصقلاوي قد أبحر وانطلق فإن الشلل قد أصاب بحاره الآخر فما عاد يطيق
الشطان، والأمواج والأضواء، همه العيش على اليابسة وإن كانت الحياة
بين الغدران والذباب لسان حاله فلتبحر الغنجة إن أرادت إنّا ها هنا
قاعدون. يقول:
ما لشطآنك عاطلة
وبها الفضة والذهب
ما لموجاتك مجفلة
معها الآمال تنسحب
ما لغدرانك جائفة
حولها الذبان يحترب
مالأضوائك مجهدة
راشها سقم فتضطرب!
أترى للهند (غنجتنا)*
سوف تمضي أم بها عطب
أم ترى الأيام معولة
بحشاها يلتظي الوصب (18)
جاء الاستفهام هنا ليوضح الحالة التي وصل إليها
البحار من الانهيار والخوف، والحق أن من شاهد بعضاً من هيجان المحيط
في بلادنا لم يلمْ هذا البحار على تقاعسه عن الذهب والفضة والاستعاضة
عنهما بالغدران الجائفة، بصرف النظر عما تحمل (الغنجة)ـ وهي سفن تمخر
عباب المحيط محملة ببضائع الهند إلى مدينة (صور)ـ من دلالة تاريخية
تحكي المجد العماني الآفل في مجال التجارة والسيادة. من صور معاناة
البحار التي أبرزها الشاعر المعاصر المعاناة النفسية المتمثلة في الغربة
والحزن، وبما إن البحار لا يستطيع التعبير هذه المعاناة بالصورة الملائمة
للواقع فإن الشعراء أقدر في تصوير تلك المعاناة لتغدو مدونة ليطلع
عليها الأجيال.
(1) الميداني، مجمع الأمثال، تحقيق جان عبد الله توما، دار صادر، بيروت،
ط1، 1422هـ 2002م، (3/484) وفي المثل الشعبي "جاور بحر ولا تجاور
سلطان" لأن البحر يعطيك ولا يمن عليك ولا يبخل بما عنده بخلاف
السلاطين إذ سلمت من المن لم تسلم من المذلة والخنوع.
(2) الدرهم، هيا محمد، صورة البحر في الشعر العربي الحديث بالخليج،
دار الثقافة قطر، 1406هـ 1986م، ص 9.
(3) العاني، عبد الرحمن، عمان في العصور الإسلامية، الأولى، شركة المطبوعات
والنشر، بيروت، ط1، 2001، ص 132، ولذلك قال قتيبة بن مسلم الباهلي
عن الأزد الذين شاركوا في الفتح "بدلتهم الرماح بالمرادي والسفن
أعنة الخيل" الكامل لابن الأنثير (5/13ـ14).
(النواخذة: هم ملاّك سفن البحر أو وكلاؤهم عليها.. معربة الواحدة نأخذه،
والمشهور أن الناخذة هو المتصرف في السفينة المتولي لأمرها سواء أكان
يملكها أم كان أجيراً على النظر فيها وتسييرها، تاج العروس (2/581).
(4) السعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق محمد محي الدين عبد
الحميد، مطبعة السعادة، القاهرة، ط1، 1377هـ 1958م، (1/99).
(5) المصدر السابق، (1/128).
(6) ابن عرابة، هلال بن سعيد، جواهر السلوك في مدايح الملوك، تحقق
داود عبد السلام، جامعة بغداد، 1977، ص 24. (بن عرابة) هلال بن سعيد
بن ثاني بن صالح قاضي شاعر عاش في القرن الثالث عشر الهجري هو من بلدة
العلية بوادي الطائيين سافر إلى زنجبار، وكان أحد قضاتها. له ديوان
شعر هو "جواهر السلوك في مدائح الملوك" أغلبة في مدح السيد
سعيد بن سلطان، أنظر معجم أعلام الأباضية، 489.
(7) وادي، طه، شعر شوقي الغنائي والمسرحي، دار
المعارف، القاهرة، ط2، 1981، ص 45 .
(8) ديوان أبي سرور، (1/167)
(9) ديوان، وداعاً أيها الليل الطويل، ص 76.
(10 ) قصيدة " مشهد " صحيفة عمان عدد 318 ،3/6/1978 ،ص 6
.
(11) ديوان، أنت لي قدر، ص 20.
(12) فهمي، ماهر حسن، تطور الشعر العربي الحديث بمنطقة الخليج، مؤسسة
الرسالة بيروت، 1981، ص46.
(13) من ديوان ترنيمة الأمل، ص 144ـ145.
(14) السنبوك: نوع من أنواع السفن العمانية.
(15) من ديوان أنت لي قدر، ص 68، 69، (ميدان ـ الدندان) أهازيج شعبية
تغنى في الأفراح والمناسبات.
(16) العامري، هلال، ديوان الألق الوافد، الهيئة المصرية للكتاب، 1991م،
ص 166.
(17) ديوان أجنحة النهار، ص 63ـ64
(18) ديوان أنت لي قدر، ص 45ـ46
د.محمد بن مسلم المهري*
* باحث عماني
أعلى
(ديار
الأحبة)
دار الشيخ سيد البشير البدوي
دخلت هذه الدار، ثلاث مرات...
دار الشيخ سيد البشير البدوي. كانت أحسن دار في بلدتنا، ولم تكن على
هذه الحال. كانت كبيرة، واسعة، مترامية الأطراف، ممتدة من الشرق والغرب.
قبل دخولي المدرسة الإلزامية، كانوا يخوفونني بالشيخ سيد البشير!!
يقولون إنه مقتول ومدفون بالخرابة، وأن روحه تخرج كل ليلة، تطوف فوق
الديار. ويطلبون مني أن أنام ولا أبكي، فيسمع صوتي. يأتي يختطفني..
ويضعني فوق جبل المبارك سيدي حسين بن عون الدلاشي. الجيران، قالوا
إنهم سمعوا حوافر المهرة وهي تدك السطوح فوق رؤوس مغتصبيه ـ داره المغتصبة
ـ في انتظار عودة القتلة إليها حتى يصابوا باللعنة!!.
دخلت هذه الدار، ثلاث مرات...
المرة الأولى.. لصيد العصافير مع مرزوق ابن صبيحة الفلاحة. الثانية..
عند توزيع زكاة المحصول على الأيامى من سكان الزقاق. أنا أصغر أخوتي
وأخواتي الاثنى عشر فردا، من الذكور والإناث، أقوم بالتوزيع، وأنال
الدعوات..
حمَّلني الغمري المذراوي، نصف كيلة من حبوب القمح في كيس قماشي، وقال
أبي الشيخ: عليك وعلى دار العرباوي، الله يرحمه، كان رجلا طيبا ومطيعا،
تجد ابنه الأكبر ينام هناك، أعطه الزكاة وتعال. الغريب في الأمر وجدت
الدار كالخرابة، المدخل مهمل ويعج بالأوساخ والقاذورات والزجاجات المحطمة،
والكتاكيت الميته، المدخل طويل كالسرداب، الحيطان العالية ترتفع على
الجانبين.. وصلت صحن الدار، فسحة من البراح، بقايا سقيفة بجوارها فرن
للخبيز متهدم، آثار كانون ورماد. غرفة مغلقة بالضبَّة والمفتاح، غرفة
ابن صبيحة الفلاحة، الغرفة الأخرى يستريح الباب على الحلق، قلت هذه
غرفته ينام فيها، طرقت الباب، لامجيب. رددت بصوت مرتفع، يا أهل الدار...
خرجت كلبة سمينة منتفخة البطن، خرجت تهز ذيلها، كلبة وديعة، لم أخف
منها، حاولت إبعادها عني بمقدمة النعال الذي في قدمي. أخذت تدور حولي
في ألفة غريبة وهي تتلمس أطراف ثوبي كأنما تعرفني، وأنا لم أدخل الدار
إلا مرة واحدة!! الملعونة نجست ثوبي. دائما ينصحني أبي، بالابتعاد
عن كلاب الزقاق حتى لا تنجس ثوبي وأنا ذاهب للجامع. الغرفة التي خرجت
منها الكلبة جاءني غطيط نائم.. دفعت الضلفة القذرة بهدوء ودخلت، غرفة
شبه معتمة، رائحة العفونة تفج من الداخل، لا تدخلها شمس، تمر على الباب
مرور الكرام، تبدو حصير قديم على الأرضية الرطبة. محمود الضوي، يغط
في النوم، لا توجد آنية للطعام، الجرة الفخارية مكسورة من الحلق، بها
آثار مياه على الخارج، صور ملونة على الجدران قطعت من المجلات القديمة،
تشير إلى الحرب الكبيرة، العربات محطمة ومحترقة.. توقفت عند صورة باهته
لمولانا الملك المعظم، فاروق الأول، ملك مصر المحروسة، حفظه الله ورعاه..
الضوي ما زال يغط في النوم.. تقدمت خطوة وثانية بالداخل.. الغرفة رحبة
واسعة، على الجدار الغربي.. صورة قديمة، الباشا محمد علي والي مصر
المحروسة، يجلس متكأ على الوسائد الطرية، بجواره سيفه، كما نراه في
كتب تاريخ مصر الحديث، فلاحون مصريون يحفرون قناة في الصحراء، تمثال
ديليسبس. صور أخرى.. من ميدان القتال، قادة في بزتهم العسكرية يعلقون
شارة الصليب المعقوف. جثث الجنود القتلى والخوذات المعدنية ملقاة على
الرمال. السلاح منكس في الأرض ويعلو مؤخرة البندقبة خوذة جندي بريطاني.
لفت نظري البرص الكبير الذي تحرك من وراء الأوراق، يبدو لامعا وهو
يتشبث بأعلى الجدارالشرقي. اقتربت.. توقفت أمام رف خشبي وكتاب قديم
مهترئ الأطراف، يعلوه غبار، ألقيت عليه نظرة.. أصفر الصفحات عن السحر
وقراءة الطالع ربما من كتب الشيخ سيد البشير. الأهالي يقولون إنه من
نسل الشيخ عون، لكن.. لا أحد من بلدتنا يجزم بذلك. في طاقة بالجدار
لمبة نمرة خمسة مطفأة، تركت آثار الدخان على الحائط المدهون باللون
الأخضر الباهت. تشتعل بالكاز والفتيل بجوارها أعواد الثقاب المحترقة.
في الركن الأيسر لمدخل الباب حبل مثبت من الطرفين معلق عليه خرق وثياب
الضو.. قديمة وقذرة.
هذه الغرفة الرحبة، بقايا مجلس سيد البشير في الزمن القديم. أصبحت
الآن مرقدا للكلاب، و..والضو.. مرتعا للحشرات. السقف محمل على كتل
الخشب وأعواد الغاب المضفور وفوقه طين وقش وحطب..
هززت النائم بقدمي وأنا أهتف عليه: ياضو... قم، صح النوم، نحن العصر..
عندما تنبه، خذ زكاة القمح. عاود النوم، صحت فيه، قام وأعتدل متضايقا،
ماذا تريد مني، اتركنى نائما، هذا ما نأخذه منكم يا أولاد الشيخ عمر؟!
قال عمر باستهزاء لأنه ليس اسم أبي، ياضو.. سأرجع وأخبرة، وقعتك سودة.
واستدرت عائدا وأنا أحمل حبوب القمح على ظهري.. تنبه إلى أنه أخطأ،
قام يركض خلفي، ويصيح: تعال، أنا نومي ثقيل.. لم أعرفك ياغالي.. أبوك
فوق رأسي، أنت من عيلة المِر.. قلت له، لا.. أنت ما زلت نائما. قال:
صح.. الآن عرفتك، ابن سيد الرجال.. ماذا تريد؟! قلت: خذ زكاة المحصول،
قال في تصنع: زاد الله من خيركم.. وأخذ كيس القمح واحتار أين يفرغه
نظر إليّ: آخذ الغلال مع الكيس؟ قلت: أبي قال افرغه وهات الكيس، غيرك
له زكاة مثلك، قال كثر الله من أمثالكم، وبارك الله في زراعتكم.. وأفرغ
ما في الكيس على أرضية الغرفة الرطبة وأعاد الفارغ.. مال على حبوب
القمح وحمل حفنة بيده، خرج ونثرها تحت السقيفة، سألته عن السبب قال،
لأجل العصافير تأكل مثلنا، هي لها رزق يأتي إلى باب الدار.. وخرجت
عائدا، عندما سألني أبي عن سبب تأخري قلت كان نائما. وأعتقد بأنني
من عائلة المُر، ولم يكن يريد أن يأخذ مني الزكاة، ابتسم، ابتسامة
غامضة.. قلت لا توجد عائلة في بلدتنا اسمها عيلة المُر!! ابتسم وقال
إنها شهرة جدك الأكبر، الله يرحمه، الحاج محمد علي الخلايفه. وشهرته،
الِمر.. بكسر الميم. وهز رأسه، كأنما يقول، آه كلب البعيد، واقعتك
سوداء..
كانت هذه ثاني مرة، أدخل هذه الدار.. وإن كانت الحكاية لم تنته عند
هذا الحد، لها ذيول أخرى، لكن الحدث الذي أثار انتباه الزقاق هو موت
فلة، الكلبة السمينة بعد أن وضعت أربعة جراء، ماتت.. في الصباح الباكر.
استيقظ الزقاق على صياحة، وعندما دخلوا عليه وجدوه يبكي بحرقة وهو
يحتضن فلة ويهذي.. قال مراد نخلة ابن تونا القبطية: لقد صدم في موت
الكلبة العزيزة عنده.. لكنه صاح في كل من حضر: إتركوني في حالي، الواحد
ما يأخذ منكم غير الهم والغم ووجع القلب.. يا غجر يا دون يا تملية..
وبعد الظهر حملها وسار بها خارج الديار ليدفنها وهو يناجيها، آه..
يافلة!! تركتيني مع همي وغمي من يوم ماهجرتني أمي. العرباوي الكذاب
قال ماتت!! اليوم حسيت فعلا ماتت!! نظيرة البياعة قالت لي بأن الجاحدة
سليمة العرباوية حية ترزق في نجع سيدي حموده الجبالي. آاااه.. من لي
بعدك؟! قالت النسوة الواقفات على عتبات الديار:
ـ الضوي.. أصابته لعنة سيد البشير!!
دخلت هذه الدار، ثلاث مرات...
الليلة، ليلة الكلب... هي الثالثة. وأنا في منتصف الدهليز الطويل،
هبت ريح خفيفة وندية، من داخل الخرابة، فأطفأت السنبلة المشتعلة التي
أحملها في يدي.. انتشرت العتمة حولي، ارتعد الجسد النحيل، وقف شعر
رأسي، أحسست بالخفافيش تقترب مني، تكاد أن تصطدم بوجهي، صرخت، التصقت
بالجدار المرتفع الخشن، ارتجفت ساقاي، ونزلت ناحية الأرض.. أنفاس حارة
تلفح وجهي، أطياف تتحرك في سكون، من داخل الخرابة، بدت نقطة ضوء صغيرة
وبيضاء.. تقترب. أخذت تكبر وتعم الدهليز الطويل، ينتشر الضياء في كل
مكان. كشفت عن وجه الخادم ـ سنهور ـ النوبي، قادما من الداخل وفي يده
عود يابس مشتعلا من أعلاه، يرفعه ويشعل القناديل المعلقة على الجدران.
الدخان ترك له أثرا على الحوائط التي تلمع وتبرق، مدهونة بالألوان
الزاهية، بوابة الدهليز الضخمة، ترتفع عند المدخل وتسد السرداب الطويل.
تأملت الدهليز.. مسقوف بالأخشاب اللامعة النظيفة والملونة ولا أثر
للدخان عليها، رسومات الطيور الملونة المزركشة على الجدران، غصون الأشجار
تبدو خضراء يانعة، والزهور صفراء وحمراء، رائحة البخور تعبق المكان،
اقترب الخادم، بوجه وضاء يلتمع في الضوء، الرأس المعمم بالقماش الأبيض
عدة لفات، مال قليلا ناحيتي وهمس بأدب، سيدي في انتظارك..
اعتدل واستدار، مشى وأنا وراءه على البسط اللامعة على أرضية الدهليز،
عند نهاية الجدران العالية فسحة كبيرة من المكان غير المسقوف، تبدو
السماء من فوق صافية، بهيجة، النجوم منتثرة، درب التبانة يبدو واضحا،
فجأة!! أحد النيازك يسقط نحو الزقاق، نقول عنها النجمة أم ذيل. إنها
فأل سيئ، انقبض قلبي وتمهلت. غرفتان تقتربان من بعضها البعض، ممر بينهما
يؤدي إلى فناء كبير. الغرفة الشرقية بابها مواربا ومضيئة، تبدو قوت
القلوب تداعب طفلها الرضيع، ملامح الوجه الطفولي البريء.. وجهي!! وعندما
اجتزت الممر، بدت الدار كبيرة وواسعة، مترامية الأطراف، ورائحة فراء
الغنم تأتي من نهاية الدار. لاحظت بابا آخرا صغيرا للدار يفتح على
الحارة الغربية. رأيت على الجدار المواجه للشرق، فراء خروف معلقة،
ما زالت طرية وبها آثار الملح الإدكاوي وبقع دماء الذبيحة، مشدودة
بقوة على الجدار بالمسامير ومقلوبة لتجف، عندما تأتي عليها شمس الصباح..
مررت بوسط الفناء، بئر عليها طلمبة لرفع المياه من القاع، وشجرة النخيل
العتيقة تقف على مقربة من البئر. العبدة خيرة، تجلس أمام النار، تدس
الفروع اليابسة في الكانون المستعر، فوقه القزان الكبير، رائحة اللحم
المسلوق تفوح مع الدخان، تنتشر في أنحاء الدار المترامية الأطراف،
العبدة تسعل من كثرة الدخان المنبعث من فروع الأشجار المحترقة. المهرة
السمراء تقف تحت السقيفة، تأكل العليقة، ربت عليها الخادم، وواصل سيره
نحو غرفة الدراويش، عند باب المجلس الكبير، توقف الخادم وانزاح من
أمامي جانبا، وسمح لي بالدخول على الشيخ..
في صدر المجلس، كان الشيخ يقف في استقبالي في الرداء الأبيض والعمامة
البيضاء المكورة فوق رأسه، فتح ذراعيه مرحبا هامسا، كنت أعرف بأنك
تبحث عني، وسوف تأتي إليّ.. ووضع يده الرقيقة الحانية على رأسي، أبارك
حضورك، بعد أن طال الغياب، سنوات وأنا انتظر. ستحل فيك روحي. أنت أنا،
وأنا أنت. غاب سيد البشير، قام سيد البشير.. ونظر ناحية الجميع واستطرد،
الليلة نحتفل بقيام البشير..
في وسط المجلس، قعدت على فراء بيضاء، نظيفة وناعمة الوبر. بدأ الدراويش
القائمون بجوار الجدران، في ضرب الدفوف، يتمايلون بهدوء ويغمغمون،
آدم الضرير، يقف على مقربة من الشيخ وهو يطرقع بالكاسات المعدنية معا،
يهتز بهدوء. أخذ المرشدي المنشد يعلوا صوته، بكت المدامع وقالت أين
أحبانا، لما الحبيب غاب عنا وماجانا.. كيف يغفل وينام، من كان حبيبه
لا ينام؟! أخذ الدراويش وينجذبون أكثر ويرددون معا، مدد ياسيدي البشير
مدد، على طول المدااااد..
اقترب الشيخ مني، ناولني شراب أحمر غامق كالورد، قال، خذ النفحة، اشرب
فسوف تخرج من هنا شخص آخر، آخر.. غير الذي دخل. الداخل مفقود، والخارج
مولود، مولوووود... أخذ الصوت يصفر في أذنيّ وأغمي عليّ...
لمحت ضوءا باهتا يضوي عند مدخل الدهليز، يقترب نحوي.. جاءت المرزوقة
بالمسرجة، تحمل صغيرها تحت إبطها الأيسر، مسرجة الزيت مشتعلة في يدها
اليمنى، تقترب، تقترب.. عندما وصلت عندي، توقفت. تفحصتني وأنا أقعد
على أرضية الدهليز، سألت، ما بك؟! لم أجب، واصلت كلامها، عندما تأخرت،
قلقت عليك، وأخبرت عمك جعفر بما حصل لك. قال أذهبي إليه، حملت المسرجة
وجئت.. ما بك؟! أجبت: دراويش الخرابة أطفئوا السنبلة، والخفافيش كادت
تلتصق بوجهي، خفت ونزلت على الأرض، نمت من الفجيعة!! وصحوت على ضوء
المسرجة. ضحكت وعقبت، لا تخف، كنت أحسب انك رجلا لا خوف عليك!! قم..
لا يوجد درويش في الخرابة إلا أبو رأس سوداء. سألت، من هو؟!، قالت،
الضوي ابن سليمة العرباوية، ستجده بالداخل في غرفة نوم الشيخ.. مع
كلابه الكثيرة. خذ المسرجة معك، فتيل الزيت لن ينطفئ من الهواء.. وأدخل.
واستردت العفار المطفأ السنبلة، وعادت حتى ابتلتعها عتمة الزقاق..
في نهاية السرداب الضو... يعيش مع الكلاب..
الآن، ينام على الحصير البالي، يحدق في السقف. يعلق ثيابه القديمة
على حبل مشدود من طرفيه في ركن الغرفة الواسعة العريضة.. يدندن بلامبالاه:
يلمون الجمل ياصاحبي، والحق على الجمال!!
اليوم.. مر أكثر من عام، أصبحت عندة عدة كلاب، أربعة، أخبرته بأن كلبه
الشهير.. أبو ذيل مقطوع، عضني وأريد خصلة شعر منه، صاح محتجا لا..
لا أحد يمس شعرة من كلبي أبو ذيل مقطوع. هو أفضل واحد عندي وأحبهم
على قلبي، بعد موت فلة!! كان يتحدث كأنهم أولاده، وصاح: البلدة كلها
تعج بالكلاب!! تتركها وتأتي على كلاب الزقاق، وهم من طينة واحدة!!
حرام عليكم ياعيلة المِر، اتركوني في حالي، يكفي ما أنا فيه...
وأخذ يزوم. ويبكي..
وعندما أعطيته ظهري، ترامى صوته إليّ وهو يتوعد العائلة: سيد البشير
راجع لكم ياعائلة المِـر... تسمرت مكاني ورغبت في العودة إليه، تمهلت
قليلا. سألت نفسي هل سيخبرني بالحقيقة؟! هل كان سيد البشير من طينة
أخرى غير طينة أهل الزقاق الذين عاش بينهم؟! أحيانا يذكرون إنه من
نسل الشيخ عون. لم اسمع أحدا من أهل بلدتنا يذكره بسوء، كثيرون يتحاشون
الخوض في سيرته، والبقية تقول لا نعرف عنه شيئا!! وأنا أحس بقوة تجذبني
نحو هذا الغائب الحاضر، أراه دوما في أحلام يقظتي بالنهار، وفي منامي
بالليل.. ما الذي حصل له وما هي حكايته وحكاية الخرابة التي ارتبطت
باسمه؟! هذه الليلة، الليلة الملعونة، لم يتبق ليّ سوى أربع وعشرون
ساعة ويسري داء السعار في بدني، وأظل هائما على وجهي مثل غنوة المجنونة،
أو مقيدا بالسلاسل مثل الخالة خوض المسكينة، إنه الليل.. يا ليل، عضة
كلب، كانت البداية التي فجرت كل هذه الأشياء بداخلي!! وفي الصباح يتكشف
كل شيء..
محمود الضوي، نال علقة ساخنة من أخي عامر أحب أخوتي إليّ، عندما أخبرته...
عثر عليه يصطاد السمك من مياه الترعة الراكدة بالصفيحة، عند ساقية
حبيب، طلب منه أن يخرج من الطين والماء لأنه يريده في أمر هام، فرفض
لأنه أحس بالخطر، خلع أخي نعليه واندفع نحوه، أنت تقيم في ديارنا وتسبنا
يا نجس، تسب أسيادك، وانهال عليه بالضرب حتى وقع على الطين، المتوى
التي تأويك تخصنا، داسه تحت قدميه، العرباوي الجربوع جاء إلى هنا حافيا
وأسكناه في ديارنا وزوجناه أحلى بناتنا وأعطيناه من قوتنا، وعجنه مع
الطمي والمياه العكرة الراكدة، تأتي أنت بعد هذه السنوات وتسب أسيادك
يا خسيس، جذبه من ثوبه وبان ظهره، فانهال عليه ضربا براحة يده حتى
أفقده الوعي.. فزع له مصطفى الحبشي ونزل عن حماره وقال بغضب ملوحا
بيده التي تحمل العصا: حرام عليكم يا ظلمة، ألا يوجد في قلوبكم رحمة
!!. توقف عامر عن الضرب، حرمت عليك عيشتك، أنت وهو، إن كنت رجلا إنزل
لتدافع عنه، ونزل الحبشي رافعا عصاه، ليحميه ويدافع عنه ، فتلقاها
منه، وأمسكه بيدية الاثنتين وطوحه بعيدا فسقط في حضن الجسر، مال والتقط
العصا وانهال عليه ضربا، وهو يصيح بصوته الجهوري، إلحقوني يا عالم،
يا أهل البلد.. أنا في عرضكم، آاااه .. وحضر الأهالي، تدفقوا داخل
الترعة، خلصوه من بين يدي أخي. علوان الغشيم جاء من حوض كوكي والجمالين،
يركض حافيا، وقد خلع ثوبه وظل بالسروال الطويل وعليه الفانلة القطن
وصداريه القديم، رافعا عصاه ويتساءل من يتعارك مع عامر أخي؟! وقف الأهالي
حاجزا بينه وبين المعركة وقالوا للحبشي الأب، كان الواجب على ابنك
أن يترك ابن الشيخ يأدب هذا المنجوس، بدلا أن يقف مدافعا عنه!! حسم
كلام الرجال هذا الأمر، وهدأ علوان ورجع إلى الغيط والساقية والدواب.
وأخذ الحبشي ابنه مترنحا ورفعوه فوق ظهر حماره ، عائدا إلى داخل البلدة
. وقالوا لعامر المر، لا تغضب، لو كلفت أحدا منا لقام بالأمر.. الضوي
جرجروه على التراب إلى الخرابة ورموه داخل الغرفه الواسعة المفتوحة
وبها الكلاب.. مرت أيام ولم نسمع له صوتا أو يترامى إلى المارة نباح
كلابه، قالوا ربما مات . فتحوا عليه الباب ، لم يجدوه، حمل الحصيرة
والصفيحة والعصاه وكلابه، وفك الحبل الذي يشده بالركن ويعلق عليه الخرق
القديمة ، لم يترك بالغرفة سوى الهباب والسخام وبقايا كوالح الذرة
اليابسة محروق جزء منها. مزقوا الصور وحطموا الجرة، وحملوا اللمبة
نمره خمسة الموضوعة في طاقة بالجدار وأعلاها مشطوف، توقف بصري عند
تلك الوريقات الصفراء المبعثرة من الكتاب القديم، شاهدته ذات يوم على
رف خشبي صغير، ربما يخص سيد البشير، جمعت الوريقات، والتقطت بقية الكتاب
المهترئ. المختار من مناقب الأخيار. سكان الزقاق، خلعوا الباب والنافذة
الصغيرة التي تطل على السقيفة ، السقف يتدلي منه السخام من أعواد الغاب
المضفور بعناية فوق كتل الخشب، رفعوا السقف وحملوا الأخشاب وأعواد
الغاب، هدموا السقيفة وخلعوا الأعمدة وأخذوا القش والحطب من فوقها،
هدموا الفرن المتهدم أصلا وأخذو الطوب الأحمر الصالح لبناء فرن جديد
، عرصة الفرن من الحديد المبطط، لم تكن موجودة لأنها سرقت من قبل فهى
أهم ما في الخبيز.. جاءت صبيحة تجري عندما وصلها الخبر، ومرزوق وراءها
قبل أن يستولوا على محتويات الغرفة اليتيمة بالدار ويتفرقوا..
جلست الأم أمام باب الغرفة المغلقة على الأرض المتربة، وأخذ مرزوق
يتفقد ماحل بالدار، عندما رآني، قال بصوت يغلفه الحزن: هل رأيتهم؟!
هززت رأسي بهدوء، ولم تحضرني سرعة البديهة للرد، أو التعقيب على ما
جرى بالدار. عاد متسائلا: أيرضيك ما فعلوه؟!. هززت رأسي بالنفي..
حضوره أنقذ الغرفة، يعرف بأنه سيأتي عليه الدور ـ لعنة البشير ـ بمجرد
أن يلتفت ويعطيهم ظهره. سوف يحطمون القفل الخشبي ـ الضبَّة ـ لن يقف
في طريقهم شيء، سوف يخلعون الباب وينهبوا السقف.. جاء في اللحظة الأخيرة..
تفقدت الغرفة المنهوبة، عندما رفعوا السقف، أنار جنبات الغرفة من الداخل،
جزء من صورة جلالة الملك المعظم مازال متشبثا بالحائط، بقايا رؤوس
بشر، أقدام، جثث القتلى ملقاة في الشوارع. تطلعت على الجدار الغربي
حيث تسطع عليه الشمس، لأول مرة تدخل الشمس هنا، بعد هذه المعركة التي
حدثت، وجدت عبارات خطت بطريقة رديئة، الضوي لا يعرف القراءة أوالكتابة،
ولا العرباوي يعرف الألف من كوز الذرة.. حاولت القراءة بصعوبة:
ـ كل.. شيء، بااااطل، وقبض الريح..
لم يكن صوتي، كنت اسمع سيد البشير وهو ينطق في أعماقي، كل شيء باطل،
وقبض الريح!! أين أنت ياسيدي البشير لترى دارك؟! نهبوك حاضرا، وغائبا!!.
هدأت الضجة، قال الزقاق بهدوء بعد أن استولوا على محتويات الدار لتبرير
فعلتهم: الضو.. وجد أثرا يدله على طريق سليمة العرباوية، فخرج يسعى
في الوصول إليها، لكنه لن يعود، ولن تعرفه بعد هذه السنوات، ولن يعرفها!!
حملت كتاب، المختار من مناقب الأخيار. وبدأت في الخروج من الخرابة.
أجتاز الدهليز الطويل، يأتي من خلفي صوت صبيحة الفلاحة، تبكي بحرقة
وألم. هل سأعود إلى هنا مرة أخرى؟! هل ستكون هي المرة الثالثة والأخيرة؟!
أمام مدخل الدهليز، وقف آدم الضريرخادم الجامع:
ـ لعنة البشير، لحقت بهذا العاصي!!
عبدالسـتار خليف *
* كاتب وروائي مصري
أعلى
إشارات تمازج في تجربة عبدالله الكعبي
(إذا مسّهُ الحُبُّ)
عمق الصورة يظهر في تضادّ يُربك القارئ منذ الوهلة
الاولى ثم يبدأ في الاتّضاح شيئا فشيئا
يحفر التاريخ ويعود بالقديم ويمارس الحاضر ويعيش الطبيعة بكل أشكالها
ومكوناتها
أيمشي ابنتي كاشتعال الشّموع ؟
أجل: ضاحكا يتخطّى الثُّغور ويحزن مثل انتهاء الحديث
ليس فنّيّة الصّورة في تجربة الشاعر ما يحبس أنْفاس اللغة هنا فقط،
وليس الايقاع وحده ما يبز الموسيقى الشعريّة ممتلئة بامتداد الاتّساق
الشعريّ المتدفّق، بل عمق الصورة الذي يظهر في تضادّ يُربك القارئ
منذ الوهلة الاولى ثم يبدأ في الاتّضاح شيئا فشيئا في انحراف لغويّ
يضفي كثيرا من التساؤل عن التركيب الذي يُحْضِرُ
أزْمنة كثيرة متناقضة في أغْلبها، ومتّفقة في
بعضها.
رأينا معا كيف لم يرّ طير الأبابيل طفل الوعود
وقد أرضعته الهموم حليبا ونجما
أفاض على سِكّة الروح ليلا
مع أننا نرى الكشْف واضحا رغم بعد الصّورة التي تبدو في واقعيّة الشاعر،
والتي لا ندركها بالتأويل أو بالواقعيّة ذاتها. فهي تأخذ مسارا زمنيا
خاصّا يعبّر عن لحظات ربما تطول لتصبح أو تمسيَ أعواما. ولا شك ان
الحوار المسيطر على نصوص التجربة يقودنا إلى عالم آخر من الإنسانيّة
التي تتّخذ أشْكالا مختلفة للتكوين من الذّات إلى الآخر. فالحقل الدّلالي
يشير إلى هذا التكوين الذي يؤسس وجودا واسعا للشّاعر.
وفي نصّ (تفتّحي عُشْبة عمري)، يتحوّل الحوار مع الزمن في معجم الأنثى،
وكم رأينا سيطرتها على صرخات الاستغاثة الزمنية عند كثير من الشعراء
الذين تضمحلُّ انفاسهم في إدراك علّوّها حقيقة أو خيالا. وهي تأخذ
الجناح الآخر للرحيل الطويل، بينما يأخذ الوطن الجناح الأول.
كأني أنا
عندما كنت فيك أصير كما سأكون
فيا أيّها الزمن الكائن فينا
أتاخذني صوب قلب الحنون
...
وإن لم تَرد جسدي دعك في صدر حبي جناح يمام
نصفّق شوقا
إلى بلدي
يمارس الشاعر إدراج المتناقضات وجمعها بالصورة
الشعرية، فتصدمنا ببروز غرابة الزمان والمكان التي تصحب أشياء متجرّدة
كلّ التّجرّد من الاتفاق المجتمعي للغة. ولكنها طاقة تفجّرها مسيرة
الألم والامل عند الشاعر ليعود متفائلا حتى في بكائه.
عصف الصورة يحفر التاريخ، ويعود بالقديم ويمارس الحاضر ويعيش الطبيعة
بكل أشكالها ومكوناتها. ونتفاجأ من حيث لا نحتسب بمراوغات لغويّة يسوقها
ذلك الانحراف الغنيّ الرائع الذي يتوّج القصيدة الحديثة الانتصار على
غيرها من التوجهات الشعرية.. ويأخذ النص نَفَسا عميقا في كثير من مواضعه،
لكنه غالبا ما يكون قصيرا في نفس الوقت.
فقد تطمح الروح في بيت شرنقة
بينما
يكتفي الوَعْلُ نحت الحصى بمراوغة الدمعات
التي شردت من وريدي
وقد أدْهشنا تحوّل الجهة الحواريّة في نصوصه أو في بعضها. فالانطلاقة
الأولى تحثّنا للوصول إلى نهاية النص بنَفَسٍ واحد، لكنّ الشاعر يكسر
هذا الجمود الجسْري من البداية إلى النهاية بانتقال وضعيّة الخطاب
وسيطرته من الذات إلى الآخر، في تحوّلٍ لطيف لا يتركُ أيّ أثرٍ لتخلّص
مملٍّ كثيرا ما يضع الصورة في انقطاعٍ عميق أو أقل ما يقال عنه أنّه
يشرّد جماليّتها.
كما أنّ الشّاعر هنا يؤسّس انتقاله بصورة متجرّدة من الاستعمال السابق
لها، وقد يأخذ شيئا من التوهّج الحِكَميّ يُقْلقُ اللغة الحميميّة
تهشّني وحدي عصا جّدّي القديمة
يقرأ السور القصار ينثُّ بي
وبها على وزن القصيدة مرهما
لا يعتلي جِهة الرياح سوى خُطَى الغرباء يا ولدي
وما غجريّة إلا الطريق
وأنت خاطف ظلّها
وهذه الاشارات قليل مما تحْفل به التجربة، والذي قدم بها الشاعر عوالم
واسعة جعلها مسارح تكْشف كينونة الوجود، فكان ذلك حقّا أثرا جميلا
إذا مسّه الحُبُّ.
عبدالله الكعبي
* كاتب عماني
أعلى
(تكتيك) .. يبحث عن اتجاه سياسي موحد للوطن
العربي
العرض يكتشف دهاليزه المغرقة من خلال عكس الأزمة الاجتماعية والدلالات
الرمزية التي تصور واقع الوطن العربي وظهور الكيانات العظمى
أداء تمثيلي يتضمن العديد من الإيحاءات التي بدت تتكشف على مستوى التحولات
الداخلية والخارجية للشخوص
انطلاقا من التكتيك السياسي والعسكري ووصولا
إلى " التكتيك" الاجتماعي الذي يظل مجرد حلم لدى البعض الذين
لا يعرفون لماذا يفشلون عندما يحاولون وضع تخطيط واضح يحدد مسار حياتهم
الخاصة، هكذا كان شأن مسرحية "تكتيك"، والتي حاولت استكشاف
أين يكمن الخلل في كيانها الأسري. وهذه المسرحية من تأليف وإخراج عبد
المنعم عمايري، والتي قدمت خلال فعاليات مهرجان دمشق الرابع عشر بمسرح
الحمراء ضمن فعاليات دمشق عاصمة الثقافة العربية.
وبالرغم من "تقليدية" فكرة المسرحية التي تصف حال أسرة تعاني
المشاكل الاجتماعية، والتي تكون سببا فيما بعد في ضياع مستقبل ابنتهم
الوحيدة، والتي سرعان ما تهرب إلى الشارع من البيت الذي يفتقد إلى
الدفء الأسري... ولكنها سرعان ما تقع في أوحال مستنقع آخر يؤدي بها
إلى الانحراف! وبعد جدال طويل يحاول الأبوان إصلاح ذات البين من خلال
وضع " تكتيك " جديد ولكن بعد فوات الأوان ... وهذا الصدع
الأسري سببه الاختلاف الأيديولوجي بين الأب والأم، فالأب يتبنى فكرا
سياسيا تؤكده معتقداته الشيوعية التي كانت متفشية أيام الاتحاد السوفيتي،
أما الأم فهي يسارية الاتجاه، لذا فهي ترفض فكر زوجها وأتباعه الذين
يسهرون ويعربدون بدون معنى طوال الليل، لذا فهي تقرر الهرب إلى فرنسا،
وبذلك تصبح الطفلة في رعاية الأب. إضافة إلى ذلك، فإن هذا الخلاف الأسري
السطحي في معناه الظاهر، هو في حقيقة الأمر يعد شرخا عميقا في معانيه
الجوهرية ومضامينه على مستوى البنية النصية للعرض.
ولا يفوتنا أن نذكر، أن افتتاح العرض من خلال لقطات "الصور الجامدة"،
جاءت بمثابة العتبة التي توصله إلى أعماق شخصياته، بحثا عن ذواتها
المنكسرة أمام عقبات الحياة العصرية، والتي أصبحت متأججة بالهموم والآهات
والأوجاع والدموع حول مصير القضايا القومية المحيط بها.
وقد تم تدشين العرض المسرحي من خلال تفجير الأزمة التي تعاني منها
الأسرة، فبعد عودة الأم إلى البيت، يدور جدال طويل هدفه تصفية الحسابات
السابقة، ثم يقرر الأبوان البحث عن الابنة " كنزة"، والتي
وقعت هي الأخرى ضحية في يد صاحب الملاهي الليلية " حربي"
الشيوعي الاتجاه، والذي يسيطر عليها وعلى باقي بنات جيلها، لذا نلاحظ
بأن هناك ظلالا لشخصيتها، فهي بالرغم من أنها شخصية واحدة، إلا أن
الرؤية الإخراجية استخدمت الصورة البصرية للتعبير عن الانقسامات التي
تحدث لهذه الشخصية لتصوير ملامحها ووجوهها المتعددة، والتي رسمت زوايا
لها، وجعلتنا ندرك بأن مصير الابنة أصبح مثل البقية، اللاتي يمشين
في نفس المسار الذي رسمه لهن القدر الاجتماعي.
كما أن المتابع للعرض المسرحي يكتشف دهاليزه المغرقة في الواقعية من
خلال عكس الأزمة الاجتماعية، بالإضافة إلى الدلالات الرمزية التي تصور
واقع الوطن العربي وظهور الكيانات العظمى التي حولت العالم إلى قطب
واحد، مع تسليط الضوء بصورة فنية على بعض الثغرات التي كانت نتيجتها
ضياع بعض الأقطار العربية، وهذا بدوره حفز ذهنية المشاهد على البحث
عن الدلالة الشرعية لمفهوم الابنة، فهل هي الوطن الضائع الذي كان بسبب
غياب " التكتيك" الفعلي ، وعدم الاتحاد وتفرق الكلمة واختلاف
التوجهات السياسية والأيدلوجية للأمة العربية.
على مستوى الأداء التمثيلي تألق أبطال العرض المسرحي، من خلال أداء
الأدوار الرئيسية الأب والزوجة والابنة، حيث كان رهان المخرج على قدرات
الممثلين واستخدمها كأداة رئيسية في الركح، بمثابة الورقة الناجحة
التي استطاع أبطالها اللعب بها بجدارة. بالرغم من تقليدية الفكرة إلا
أن الأداء التمثيلي حدد بطريقة فنية فذة، استطاعت أن ترسم لوحة جمالية
من خلال الأداء الحركي السريع الذي كان يحكم الفعل المسرحي على الخشبة،
ويخدم فكرة العرض الرئيسية في نفس الوقت، لكونه يتضمن العديد من الإيحاءات
التي بدت تتكشف على مستوى التحولات الداخلية والخارجية للشخوص. وهذا
العرض بطولة الفنان فايز قزق وقاسم ملحو ورغد مخلوف وأسامة حلال ونسرين
فندي ورميز.
كما أن العرض المسرحي "تكتيك" اعتمد على التشكيلات الاستعراضية
الراقصة من خلال إيجاد ظلال لشخصية الابنة التي تحمل العديد من الدلالات
من خلال الأداء الحركي والاستعراضي الذي قامت به مجموعة من الفتيات،
هن: يارا عيد، حور ملص، داريا جميل، لانا شميط، لانا فهمي، رؤى ريشة،
ماجدة الحرك، عزّة سواح، ريناتا مجبل، ديانا. أما تصميم "الكريوجرافي"
فقد كان من قبل فريق العمل المكون من مصممي الاستعراضات المحترفين:
عزة سواح وديانا كريميد وريتنايا والفنان علاء الحرك .
كما كان الجمهور النخبوي والعام على موعد مع اللمسات الإبداعية التي
صممت ونفذت الديكور العام للعرض المسرحي، حيث استغل المخرج الركح في
إطاره الواسع، بينما همش الديكور وأوغل في تصوير السينوجرافيا على
الخشبة، مستخدما خلفية مكونة من الصفائح المعدنية والتي تم توظيفها
بطرق متعددة، وفي نفس الوقت فأنها خدمت الرؤية الإخراجية، وساعدت على
تعميق التفاعل بين المشاهد وجسد الممثل، والذي بالفعل كان يحتل مكان
السيادة على الركح. كما نسجت أشعة الإضاءة ظلالها الأثيرية على أجساد
الممثلين والحدث وكذلك الكورس، مما جعل الممل الذي قد يشعر به المشاهد
عند متابعته لبعض العروض المسرحية يتوارى، ففي كل لحظة كان على موعد
مع تكتيك جديد.
وبالنسبة للملابس والإكسسوارات المستخدمة في العرض فقد جاءت ترجمة
للأبعاد النفسية والجسمية لشخوصه، حيث عكست المشاهد الأولى أهم ملامح
الاتجاهات الفكرية والطبقات الارستقراطية التي ينتمون إليها. ثم تحولت
في مرحلة لاحقة لتصف المراحل العمرية للشخصيات وخصوصا عندما ظهرت الابنة
التي لا يتجاوز عمرها السابعة عشرة، والتي تنعت بالتهور والحركة الزائدة...فالرؤية
الإخراجية لتصميم الملابس لهذه الشخصية تحديدا، جعلتها تتسم بلمسة
احترافية تناغمت مع بقية مفردات العرض المسرحي، ليكون بحق هناك "
تكتيك" على مستوى العرض المسرحي المقدم.
عزة القصابي*
* ناقدة فنية عمانية
أعلى
تاريخيات
الهند والخليج العربي
حظيت منطقة الخليج العربي منذ القدم بالأهمية
الاستراتيجية البالغة، وخاصة من الناحية التجارية، حيث برزت كمركز
تجاري نموذجي يربط بين الشرق والغرب، وكطريق تجاري مهم أخذ يلعب دوره
الهام في نقل التجارة بين المحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط.
فمنذ القدم كانت السفن والمراكب تنقل البضائع والثروات من الشرق الأقصى
والهند عن طريق بحر الصين في المحيط الهندي ثم بحر العرب، فالخليج
العربي حتى رأسه الشمالي في جنوب العراق، ومن هناك تنقل حمولتها برا
عن طريق العراق إلى حلب وإلى البحر الأبيض المتوسط ، ليتم نقلها إلى
البندقية في ايطاليا وإلى بقية أوروبا .
وكانت بلاد الهند من أهم المناطق التي حرص سكان الخليج العربي على
ضرورة تقوية علاقاتهم التجارية معها ، وسخروا سفنهم لخدمة حركة التبادل
التجاري مع هذه المنطقة.
وتعود العلاقات التجارية بين الهند ومناطق الخليج العربي إلى 500 عام
قبل الميلاد ، حيث كانت السفن الهندية تصل إلى مملكة بابل في العراق،
وهذا ما أكدت عليه النصوص والرسوم الكثيرة التي عثر عليها في مدينة
بابل الأثرية.
وقد اعتمد سكان الخليج في القدم على الرياح الموسمية في وصولهم إلى
الهند، حيث جرت العادة أن تبدأ حركة السفن في الخليج العربي مع بداية
هبوب الرياح الشمالية الشرقية الموسمية في الخريف والشتاء، اما العودة
فكانت مع هبوب الرياح الجنوبية الغربية في أواخر الربيع وأوائل الصيف
.
وكانت من أهم السلع التي كان سكان الخليج العربي يقومون بتصديرها إلى
الهند التمور والفاكهة والخيول العربية والبغال والحمير والأحجار الكريمة
واللؤلؤ، وفي المقابل كانوا يجلبون من الهند التوابل والملابس والأقمشة
والأخشاب والأعشاب، وغيرها من البضائع التي كانت الهند المصدر الرئيسي
والحصري لها.
وبحكم النشاط التجاري المتزايد بين المنطقتين أصبح لسكان الخليج جاليات
كبيرة على سواحل الهند خاصة في كلكتا والملبار، وكانوا يمارسون شعائرهم
وفرائضهم الدينية بحرية ويسر ، وأصبحت لهم المساجد والمحاكم الخاصة
بهم ، وفي المقابل أيضا كانت هناك جاليات هندية استقرت في مختلف مدن
وموانئ الخليج العربي ، وكانت لها أسواق تجارية سميت باسمها مثل السوق
الهندي الذي كان يعتبر من أجمل أسواق مدينة البصرة .
وفي العصور الحديثة تطورت التجارة مابين الخليج العربي والهند ، وكان
من أهم الأسباب التي ساهمت في هذا التطور هو أن ركاب السفن المحملة
بالبضائع المشهورة من الهند كانوا أيضا تجارا في نفس الوقت، حيث كانوا
يبيعون بضائعهم مباشرة فور نزولها في الأسواق الخليجية، إضافة إلى
نجاح سكان الخليج في بناء السفن الكببيرة التي مكنتهم من الوصول إلى
السواحل الهندية بسرعة أكثر من ذي قبل ، علاوة على أن الدولة العثمانية
أصدرت في عام 1779م مرسوما يقضي بحرمان السفن الأوروبية أن تبحر في
منطقة السويس ، مما ضاعف من أهمية موانئ الخليج العربي ، وجعلها بمثابة
المركز الذي تصدر منه البضائع الهندية إلى حلب في بلاد الشام واسطانبول
في تركيا .
وكان ميناء مسقط بمثابة المحطة الرئيسية للسلع المتبادلة بين الهند
وبلاد فارس والعراق وشبه الجزيرة العربية خاصة في أواخر القرن الثامن
عشر الميلادي .
وقد تضمنت المصادر البريطانية أن مسقط كانت سوق لقسم كبير من التجارة
بين الخليج والهند ، وان لها أسطولا مرموقا وتجارها يبنون لأنفسهم
في نواح متعددة من بلاد الهند أنواعا مختلفة من السفن ذات الأشرعة
المربعة القادرة على الحمولة الضخمة لدرجة أن امام عمان أحمد بن سعيد
( 1749 - 1783 ) أصبح يتبادل الهدايا مع أمراء الهنود ويوقع الاتفاقيات
التجارية معهم.
ومع تزايد النشاط الاقتصادي البريطاني في منطقة الخليج العربي في النصف
الثاني من القرن التاسع عشر ، ظهرت أعداد كبيرة من الرعايا الهنود
تقيم في موانئ الخليج العربي، وكانوا يعملون وكلاء للشركات والمصالح
البريطانية، وكان هؤلاء الهنود يحملون الجنسية البريطانية للاستفادة
من نظام الامتيازات والاتفاقيات البريطانية مع سكان الخليج .
محمد بن حمد الشعيلي*
* أكاديمي في الجامعة العربية المفتوحة
alshaili@hotmail.com
أعلى
تـراثيـات
أسفار خالدة:
(أوضح المسالك) لابن هشام
من أهم مؤلفات العلامة النحوي الكبير ابن هشام
والذي قال عنه ابن خلدون (ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع أنه ظهر عالم
بمصر يقال له ابن هشام أنحى من سيبويه!) وهذا الكتاب يتناول ألفية
الإمام ابن مالك في النحو والصرف بالشرح ويعد من أشهر شروحها وأكثرها
تداولا نظرا لبساطة أسلوب ابن هشام والتي عودنا عليها في أغلب كتبه
التي ما إن ظهرت للوجود حتى لاقت رواجا كبيرا بين طلبة العلم منذ عصر
مؤلفها حتى عصرنا الحالي ويقع الكتاب في أربعة مجلدات متوسطة الحجم
ومن أشهر حواشيه المعاصرة حاشية العلامة محيي الدين عبد الحميد والتي
أسماها بعدة السالك زاد فيها من الفوائد ما يضيق بنا المقام عن حصره
حيث أفرغ فيه خلاصة ما تناولته شروح الألفية مما أهمله ابن هشام بقصد
أو بغير قصد.
ــــــــــــــــــــــ
الإجازة
ورد في (بدائع البدائه) لابن ظافر الأزدي: الإجازة
أن ينظم الشاعر على شعر غيره في معناه ما يكون به تمامه وكماله. وقد
يكون بين متعاصرين وغير متعاصرين؛ وهي مشتقة من الإجازة في السقي،
يقال: أجاز فلان فلاناً إذا سقاه أو سقى له، فكأنهم شبهوا عمل الشاعر
المجيز لعمل الشاعر المجاز شعره، بسقي الشخص للشخص، قال يعقوب بن السكيت:
يقال للذي يرد الماء: مستجيز، وأنشد:
وقالوا فقيم قيم الماء فاستجز
عبادة إن المستجيز على قتر
قال أبو علي حسن بن رشيق مولى الأزد: ويجوز أن
يكون من أجزت عن فلان الكأس إذا صرفتها عنه - دون أن يشربها - إلى
من يليه، وكأنهم شبهوا الشاعر لما تعدى إتمام شعره بمجيز الكأس، قال
أبو نواس:
وقلت لساقيها أجزها فـلـم يكـن
لينهى أمير المؤمنـين وأشـربـا
فجوزها عني عصاراً ترى لـهـا
على الشرف الأعلى شعاعاً مطنبا
ــــــــــــــــــــــ
لا تلمني
وروى عمران بن عبد العزيز الزهري أن عمر بن أبي
ربيعة شبب بزينب بنت موسى، أخت قدامة بن موسى الجمحي، وكان سبب تشبيبه
بها أن ابن أبي عتيق ذكرها له، فأطنب في وصفها بالحسن والجمال، فصنع
فيها قصيدته التي أولها:
يا خليلي من ملامٍ دعاني
وألما الغداة بالأظعـان
فبلغ ذلك ابن أبي عتيق. فلامه في ذكرها، فقال له:
لا تلمني عتيق حسبي الذي بي
إن عندي عتيق ما قد كفاني
لا تلمني فأنت زينتهـا لـي
فبدره ابن أبي عتيق فقال:
أنت مثل الشيطان للإنسان
فقال عمر: هكذا ورب الكعبة قلته، فقال ابن أبي عتيق: إن شيطانك - ورب
العزة - ربما ألم بي، فيجد عندي من عصيانه خلاف ما يجد عندك من طاعته،
فيصيب مني وأصيب منه.
ــــــــــــــــــــــ
منزلة
روى محمد بن داود بن الجراح قال: كان أبو تمام
حبيب بن أوس الطائي عند الحسن بن وهب، فدخل عليهما أبو نهشل بن حميد،
فلما رآه أبو تمام، قال:
أعضك الله أبا نهشل
ثم قال للحسن: أجز فقال:
بخد ريمٍ أبيضٍ أكحل
ثم قال: أجز يا أبا نهشل، فقال:
يطمع في الوصل فإن رمته
صار مع العيوق في منزل
ــــــــــــــــــــــ
أفضلهن
سئل أعرابيٌّ عن النّساء، وكان ذا همٍّ بهنّ،
فقال: أفضل النّساء أطولهنّ إذا قامت، وأعظمهنّ إذا قعدت، وأصدقهنّ
إذا قالت، التي إذا ضحكت تبسّمت، وإذا جوّدت؛ التي تطيع زوجها، وتلزم
بيتها؛ العزيزة في قومها، الذّليلة في نفسها، الولود، التي كلّ أمرها
محمود
ــــــــــــــــــــــ
شفاعة القوافي
روى الزّبير بن بكار عن أبيه قال: كان عندنا
بالمدينة رجلٌ من قريش كانت له امرأة تعجبه ويعجبها، وكانت تحول بينه
وبين طلب الرّزق، وكلّ ذلك يحتمله لشدّة محبّته إيّاها فلمّا ساءت
حاله وكثر دينه قال:
إذا المرء لم يطلب معاشاً لنفـسـه
شكى الفقر أو لام الصّديق فأكثرا
وصار على الأدنين كلاًّ وأوشكـت
قلوب ذوي القربى له أن تنكّـرا
فسر في بلاد الله والتمس الغـنـى
تعش ذا يسارٍ أو تموت فتـعـذرا
ولا ترض من عيشٍ بدونٍ ولا تنـم
وكيف ينام الليل من كان معسـرا
وما طالب الحاجات من حيث يبتغي
من النّاس إلاّ من أجدّ وشـمّـرا
فلّما أصبح قال لامرأته: أنا، والله أحبّك، ولا
صبر لي على ما نحن فيه من ضيق العيش، فجهّزيني. فجهّزته، فخرج حتّى
قدم على معاوية بن أبي سفيان فقام بين الصّفّين، فأخبره بحاله، وأنشده
الشّعر. فرقّ له، وأمر له بألف دينارٍ وقال له: لقد دلّني حالك على
محبّتك لأهلك وكراهيّتك لفراقهم فخذ وانصرف إليهم فأخذها وانصرف راجعاً.
ــــــــــــــــــــــ
حدود المحبة
جميل بن معمر
لئن كان في حبّ الحبيب حبيبـه
حدودٌ لقد حلّت عـلـي حـدود
ألا أيّها الغيران بي أن أحبّـهـا
بسخطك ينمو حـبّـهـا ويزيد
فلو متّ كان الموت يخلف للهوى
لها في فؤادي الوجد وهو جديد
وتحسب نسوانٌ إذا جـئت زائراً
بثينة أنّـي بـعـضـهّـن أريد
فتخبركم عنّا جنـوبٌ مـضـلّةٌ
وتخبرنا هتف العـشـيّ بـرود
إذا بلغتكم حاجةٌ رجعـت لـنـا
إليكم بأخرى مثلـهـا فـيعـود
ــــــــــــــــــــــ
شوق فاضح
روى إبراهيم بن حسن بن يزيد، عن شيخٍ من ساكني
العقيق قال: إنّي لواقفٌ بالعقيق، وقد جاء الحاج، إذ طلعت امرأة على
راحلة وحولها نسوة، فنظرنا إليها، فأعجبتنا حالها. فلمّا كانت حذاء
قصر سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان، عدلت إلينا، ونحن ننظر.
فنزلت قصراً من تلك القصور فأقامت فيه ساعةً ثمّ خرجت، فركبت ومضت،
وإنّ عينيها لتنقطان دموعاً. فقلت: لأنظر ما صنعت هذه المرأة? فدخلت
القصر، فإذا كتاب يواجهني في الجّدار، فقرأته فإذا هو:
أليس كفى حزناً لذي الشّوق أن يرى،
منازل من يهوى معطلةً قـفـرا?
بلى، إنّ ذا الشّوق الموكّل بالهـوى،
يزيد اشتياقاً كلّما حاول الـصّـبـرا
وتحته مكتوبٌ: وكتبته آمنة بنت عمر بن عبد العزيز. وكان سفيان بن عاصم
زوجها فتوفّي عنها.
ــــــــــــــــــــــ
داء..
قال الحسن بن رفاعة: رأيت علويّة المجنون يوماً
وفي عنقه حبلٌ والصّبيان يجرّونه، فلمّا رآني قال: يا أبا عليٍّ بماذا
يعذّب الله أهل الجّرائم يوم القيامة? قلت: بأشدّ العذاب. قال: فأنا،
والله، في أشدّ من عذابه. لو عذّب الله أهل جهنّم بالحبّ والهجر والرّقباء
لكان أشدّ عليهم، ثمّ قال:
انظر إلى ما صنع الـحـبّ
لم يبق لي جسمٌ ولا قـلـب
أنحل جسمي حبّ من لم يزل
من شأنه الهجران والعتـب
ما كان أغناني عن حبّ من
من دونه الأستار والحجـب
قال: وحضرته وقد أتوه بطبيبٍ يعالجه، والطّبيب يعاتبه ويقول له: لو
تركتني لعالجتك ورجوت أن تبرأ، فقال في ذلك:
أنا منك أعلم أيها الـمـتـكـلّـم
ما بي أجلّ من الجّنون وأعظـم
أنا عاشقٌ، فإن استطعت لعاشـقٍ
برأً مننت به وأنـت مـحـكّـم
هيهات، أنت لغير ما بي عـالـمٌ
وسواك، بالدّاء الذي بي أعـلـم
دائي دسيسٌ، قد تضـمّـنـه ال
هوى، تحت الجّوانح ناره تتضّرم
ــــــــــــــــــــــ
قضاء فصل
عن إبراهيم بن مرزوق؛ قال: جاء رجلان إلى إياس
بن معاوية يختصمان في قطيفتين، وهو قاض، إحداهما حمراء، والأخرى خضراء؛
فقال أحدهما: دخلت الحوض لاغتسل ووضعت قطيفتي، وجاء هذا، فوضع قطيفته
بجنب قطيفتي، ثم دخل فاغتسل فخرج قبل، فأخذ قطيفتي فمضى بها، ثم خرجت
فاتبعته فزعم، أنها قطيفته فقال: لك بينة ? فقال: لا فقال: إيتوني
بمشط فأتى بمشط فسرح رأس هذا، ورأس هذا فخرج من رأس أحدهما صوف أحمر،
وخرج من رأس الآخر صوف أخضر، فقضى بالحمراء للذي خرج من رأسه صوف أحمر،
وبالخضراء للذي خرج من رأسه صوف أخضر.
أعلى
الأدب الشعبي
بوح
..
التهكم على التجارب
تواصلا لموضوع طرحنا فيما معناه في هذه الزاوية
ـ سابقا ـ وتحدث حول الشعراء والبحث عن الشهرة والمجد على حساب الآخرين
نجدد الحديث مرة أخرى لنشير إلى نقاط مهمة من المؤمل ان يعيها الشعراء
ويحاولوا بطريقة أو بأخرى تعميمها من أجل المصلحة العامة المستهدفة.
بدأت بلبلة شعراء الألقاب في الوسط الثقافي هذه الأيام تأخذ منحى آخر
يصل إلى مرحلة الخطر بالتعدي على رموز الشعر في السلطنة بمختلف مستوياتهم
الفنية ، وكان قد سبق هذا التصعيد انحرافا كبيرا في القواعد الفنية
للنصوص كـ (شعر) ، و انحرافا مرافقا على مستوى التعامل مع الشعراء
كـ (شعراء) ، إلى أن اصبح بعض الشعراء حاملي الألقاب يحملون صفة الشِعر
والشاعر ، مقَلَدين بها دون سواهم ، فظهرت آثار سلبية كثيرة انعكست
على سمعة الساحة الشعرية بعمومها ، وبالتالي حجب الثقة عن (الشعر الشعبي)
والذي قد يولد في حالاته المنطقية آنذاك ابتعاد كل الموارد التي من
الممكن أن تقدم الدعم المادي والمعنوي لهذا القطاع تحديدا .
وإن قمنا بالتخفيف من وطأة ما يحدث في زوايا مختلفة من المساحات المتاحة
إعلاميا ، إلا ان الواجب يحتّم علينا بالوقوف حازمين أمام هذه الفئات
التي تحاول بطريقة أو بأخرى تشويه سمعة الساحة الشعرية بتلفيق ما لا
علاقة له بالواقع أو تضخيم الحيثيات الصغيرة لجعلها قضية رأي عامة
وتبني عملية الدفاع عنها لإضافة لقب (البطل)، وهذه الفئة ذاتها يجب
ان تعي تماما بأن الشاعر العماني بمختلف مستوياته بدءا من كاتب (الميدان)
كونه ركيزة ومرجعا يستند عليه ، وانتهاء بـ (الحداثيين) ـ منهم ـ كونه
نتاج خلاصة تجربة وتراكم معرفي يفتّح ذهنيات المتلقي من خلال إبداعه
، فالمستويات هنا من المؤكد ارتباطها بالزمان والمكان بل وبعضها يصل
لمرتبة التفّوق على الكثير من المستويات التالية ، وليس عيبا ان يعي
الشاعر مستواه الفني في الكتابة وان يقدمه للجمهور بما استطاع .
ان إدراك ذلك يقودنا إلى حقيقة الإبداع في النص والخُلق ، ويهيئنا
للتعامل باحترام مع النص والشاعر في زمانه ومكانته ، ويبعدنا عن التقليل
من شأن شعراء التجربة المعنيين ، والذين تطاول على شخصهم وعلى مستوياتهم
أسماء معينة نالت التبجيل في محافل تجارية لا تمت للشعر بصله ، بل
ولا تتعدى قصائدهم إن وضعناها تحت اسم (الشعر) أكثر من خمسة نصوص فقط
إذا ما تمت المقارنة كما وكيف . فهل لهكذا تجارب الحق في صناعة التُهم
وتوزيعها ظلما على المبدعين ـ بمستوياتهم المختلفة ـ من أجل الوصول
لمستوى مكاني آني قد لا يقدم ولا يؤخر في الكثير من الأحيان شيئا ،
ولكنه يؤثر على آخرين!.
إن العمل المشترك يُفْضي إلى نتاج مرّتب يقدم الفائدة للجميع ، ولا
يهمّش تجارب عن أخرى ، بل ويحدد بحسب أولويات التجربة آليات التعامل
مع الأحداث الثقافية والمحافل المحلية والدولية الرسمية منها والخاصة
، وهذا ما من شأنه ان يرقى بالشعر قبل الشاعر، ونتمنى ان ينعكس هذا
الوضع على مستوى الفِعل الشخصي المباشر للشاعر نحو فضاء واسع من الابداع
، والإبتعاد عن هذه المسائل الخطيرة التي يستسهل مداها البعض ، هل
سنصل إلى الهدف ؟!
ـ فيصل العلوي *
ـــــــــــــــــــ
ومضة ..
الحب يا من تسكن الروح قاضـــي ..
بيني وبين اللي أشوفه من الحب !
ضيّق فضاي ، ولا أحسّك تقاضي ..
من ردّة الفعل بسما القلب للقلب
وهذا انا بْكّل الفضاء فيك راضي
كلّي رحابه بمفرقٍ ضيّق الدرب !
fai79@hotmail.com
ـــــــــــــــــــ
حلم
البارحة والسما تقـرا لـي نجومـيكنت أشعل الشمع..أتنفـس بدخانـه
البارحة والسمـا دخانهـا غيومـي
كنت أكتب الشعر..أتظلـل بأغصانـه
البارحة والعمر مكفوف فـي يومـي
مر بعيوني وأنا أنسـج لـه أكفانـه
تصحى الثلاثيـن أول..أول حلومـي
قلت آخذ الحزن وأترك كل ريحانـه
من صادفتني وأنا مذبوح بـ/همومي
يمره الحزن فصلٍ ذابل ألوانـــــه
بنت اسرقتني أعز الحلم من نومـي
(أسوارة من ذهب) وعيونها دانـة
قلت آآخذ الشط..تاخذ مني علومـي
وأترك لها مع سفين البحر..شطآنـه
ناديتها : هالسواحل من ظمأ : قومي ..
يفداك هالبحر وأنتي أجمل أوطـانـه
قامت تجدف وأنا خانتنـي عزومـي
ما تدري إني البحـر ويديـه ربانـه
أومت على الموج قبل فراقها يومـي
وقالت: (لك البحر مالي فيه أي خانه)
لمت الثلاثين يا مريـم وأنـا لومـي
إن الظمـا نابتـة بالصدر..غدرانـه
من يومها والفضا ما ياسع نجومـي
طيرٍ نأى بالفـراق و فـل جنحانـه
صالح الرئيسي
ـــــــــــــــــــ
مسافره خلاسْ !
مسافره خلاسْ !
ونحنَ الدوبنا
يا دوبْ جينا
شايلينْ فى العُيونْ أمطارْ
وجايينْ
من ليالى الشوقْ
ودايرِنكْ تكونى نهارْ
وجيناكْ
قُلنا نبقى سَوا
ونكون للحبْ أهلْ وديارْ
وجيناكْ
شانْ تكونْ ريدتنا
للعُشَاقْ وطنْ ومزارْ
عشَانْ الدنيا
تبقى حديقه
من أطفالْ .. ومنْ أطيارْ
تقومى تسافرى !
شِنْ يَبْقَالنَا
مِنْ بَعْدِكْ
وشِنْ يَبْقَالنَا من أشعارْ !
-2-
مسافره خلاسْ !
ولكينْ كيفْ
مُنو البِكرِمْ
مَعَايا الضيفْ
مُنو البِرْكِزْ
معاىْ فى الحاره
فوق القيفْ
مُنو البتحدى فى تَالاَيا
بردَ الليلْ
وحرَ الصيفْ
مُنو السَّوانى
أبقى جميلْ
بَعَدْ ما كتَ زىَّ الطيفْ
بحبِكْ
أيوه يا حليوه
لأنكْ لىْ دُعاشْ وخريفْ
لأنكْ
لىْ وَطنْ جايى
من التاريخْ ... بحدَّ السيفْ
- سيد أحمد الحردلو
o شاعر سوداني .
ـــــــــــــــــــ
رواق الحلم
قبل لا يعبرك حلمي طواف وأضرحة أشعار
قبل لا ترحل الضحكه إلى دمنة من دفينك
هنـا لـو يبصرك حلمي شبابيك وظلام أسفار
متين الحلـم يعبـر لي مدينه لابسـه دينـك؟
مخاضك جوع في حارة حوتها أرصفه من قار
يشكلها وطن وشراع دقل مرسي على طينك
هنـا لـو يكفـر غيابـك تفاصيـل ٍ رمـت للنـار
جيـاع أطفال في غربـة بكتها رحلـة سنينك
هنـا لو يكسرك ظلـي شوارع أرصفه من عار
رجيتك لا تضن أنـك سترويني بشرف تينك
علـى ضفـة غيـاب الحب قدسهـا بلا عشتـار
تجمـع حفنـة الرملـه علـى مشرق بساتينـك
لبث حب الرمال اللي بحضنك ساعته محتار
أخـذ كامل نفسه اللي بقاله من شذى زينـك
دخيلك يلفظ أنفاسه وهـو مخنق من اللي صار
يصلي عـ الفقر جرحه دعاك ويدعي ٍ وينك
فقيرك يرتجي عفوك يطلب خبـزة الأشعار
قبـل ليموت في جوعه وينسى راحـة يمينـك
فقـيرك مات فـ المنفى بعد ما صارع الأقدار
كثر ما مات في جوعـه وقمحه في طواحينك
طرابين الهوى اللي تحن وتحضن الأزهار
تموت فـ داخل المشتل بعد ما ينطفي جبينك
وتفقـد نورها ظلمة غياب ٍ يسكـن الأبصار
بعد ما يبكي ٍ وجـه المكان يصرخ ضنينـك
متين الوقت بك ينطق مسافاتك غياب أعذار؟
حزين ٍ لو طفى حلمي بعد ما جر سكينك
يمر الجرح في داخل مدينه حزنها أمطار
بها حتى الشوارع لم لمت إسدال ساقينك
خذي جلدي فتيل أسراج قبل لا تذبل الأنوار
خـذي لي من رواق الحـلم حزن يسكن شرايينك
عبدالله بن سالم المقيمي
ـــــــــــــــــــ
باب الصفح
دقِّيت بَابْ الصَّفْح يامرْيمْ ومعْذوره
دَامك خذيتي رَحْلَة الفرْحَه من ايَّامي
وش ينْفعِكْ دامك سجَنْتي الصُّبْح وطْيوره
وش ينْفعِكْ نَزْف الدَّما لو ماتت احْلامي
واقف اناجي الصُّبْح وَاثْريه انْطفى نورَه
شفْتي الْحزِِِِن وشْلون خلَّى ذا الصبح ضامي
ناديت فيك الحبّ حتَّى صاح دَيْجُورَه
ماغير قلبي اللي يجاوبني وهو دامي
توني عرَفت إنِّ الوفا قد ضيِّع حْضوره
ماعاد له داعي اجرِّ الْجرْح بالآمي
ماتت على كفَّيك روح الْحب مغدوره
وتْفجَّرَتْ أوْجاع قلْبي داخلَ عْضامي
الْبعْد خلَّى حارة الأشْواق مهْجوره
لاجيت أمْشي صوبهَا تتْجمِّدَ اقْْدامي
أهْدَرْت فيك الشُّوق حتَّى جفَّت بْحوره
واهْديت لكْ هذا الشَّعِرْ من حسْرَة اقْلامي
شوفي ترى هذا الوجَعْ قد شيِّدَ جْسوره
واصْبح على صدْرِي الْحزِنْ مسْتوطن وْحامي
يعْبَرْ إلى قلبي ويزْهق روح عصْفوره
وآنا أظلَّ احْيا علََى التِّذْكار قْدَّامي
ماعاد لي منكِّ سوى البرواز والصوره
والشَّيله الْلي بخَّرَتْ درْجي وأكْمامي
شيخ الفراق يْشيخ حتَّى طاح باكوره
نام الزَّمَنْ في داخله متْوسَّد اعْوامي
هذا قصيدي لك وهذا آخر شْعوره
ماشاخ حبِّك داخلي .. لو شاختَ ايَّامي
عبدالعزيز العميري
ـــــــــــــــــــ
صفار العشب
مولد المصباح يخنقه الستار
بعثر الأفراح تنكيس الشموع
عنفوان الليل خذلان النهار
اشتعال الريح أخفاق الهجوع
في حضن غزة تفاصيل الغبار
في حضن غزة مناديل ودموع
في حضن غزة قروح وإنشطار
هيمنة أكفان في وجه السطوع
ما سوى غزة صفار الاخضرار
ما سوى غزة مسارات الرجوع
سافرت لأوكارها روح السعار
دون تأشيرات / لا سكر وشوع
ما نصفها وقتها المسكون نار
لحظة استغفار / سجدات وخشوع
عطرها الفواح / تسبيل الصغار
صوتها الباعث رسالات اليسوع
صار يقراها البحر من كل غار
وجهه اللي يذبح أنفاس الجذوع
الرغيف يْتل عرق الانهيار
غزة اللي ع الملأ تقتات جوع
واجب نقوم لها مليون طار
لازم أنقوم لها شارع وصوع
ننتشي يزرع أياديها مطار
ننتفض نزرع خطاويها شموع
غابش بن عبيد البوسعيدي
أعلى
دروازة
أحداث الظهيرة
حدث ذلك عندما ذهب سليّم ولد خليفين إلى ضاحيته
في وسط القرية، وكان أوان تلقيح النخل، وبينما كان محتضنا قمة النخلة
العوّانة، إذ سمع حديثا وضحكات خفيفة تأتي من الأسفل تماما، بالقرب
من الجذع، فلفت ذلك انتباهه، فتوجه ببصره ليرى من كان هناك متوقفا
عن عمله في تنظيف النخلة من أشواكها، فرأى ما لم يصدقه الوصف، لكنه
بقي في مكانه ساكنا، وهو يرقب مصدر الأصوات حتى اختفت بين النخيل.
قال: لقد رأيت العجب، ولم أكن أتخيل، فأنا في ذروة عملي، وفي مكان
لا يمكن لي أن أسهو فيه أو أنام، لقد رأيت فتاتين من اللاتي قد عهدنا
أنهن قد متن منذ زمن، وما كانتا قريبتاي حتى اتهم بالتفكير بهما، بل
إنهما تحدثتا عن أمور حدثت مؤخرا في القرية.
نزل مسرعا، وذهب ناحية بيته، يقول إن هذه الحادثة كانت الأولى التي
حدثت له، ولم يخبر أحدا عنها حتى لا يتهمه البعض بالجنون أو بالتواطؤ
مع السحرة، لكن الأمر قد تكرر معه بعد ذلك كثيرا حتى بات يشك في نفسه.
يقول: كانت عادتي بعد أن أصلي الظهر وأتناول غدائي، أن أذهب إلى مقيل
صنعته لي في أطراف مزارع النخيل، وكنت ألتقي ببعض الناس وأنا في طريقي،
أسلم على البعض وأتناول بعض الحديث مع الآخر، وعادة لا أطيل مكوثي
معهم لكي لا أضيع عليّ قيلولتي، لم يكن هنالك ما يشدني من الأمور،
لأن كل الأشياء كانت عادية وتحدث يوميا، لكن بعد تلك الحادثة وأنا
فوق النخلة، صارت تتكرر لدي حوادث أخرى وفي الظهيرة، في عز النهار،
لم يكن ما يترك لعقلي الشك أنني كنت أتوهم الأمور، فبعد أيام كان الشايب
مصبح ينتظرني بعصاه عند قنطرة الفلج، ومن لا يعرف الشايب مصبّح الذي
ترك موته فراغا غريبا في المكان، كان بمثابة الأب والمعلم للجميع،
نعم كان هناك جالسا على القنطرة ومتكئا على عصاه كعادته، كنت بداخلي
أقول إن ما يحدث لا يتعدى كونه حلما، اقتربت منه وسلمت عليه لكنه لم
يبادلني التحية، ولأنني كنت في شك مما يحدث تجاوزته، أقسم لكم يا أعزائي
أنه كان ينظر إلي نظرة مريبة، لقد بقى أثر تلك النظرة في مخيلتي لأيام،
وقبل أن تموت وتغيب في الذاكرة، يحدث شيء آخر، في الظهيرة أيضا، وبالقرب
من الفلج، ولكن في مكان آخر، قريبا من المخاضة، هناك حيث عرجت لأغتسل،
خرجت من المخاضة امرأة يقطر الماء من شعرها، لقد انتهت للتو من اغتسالها،
كانت ثيابها مبللة، نظرت في وجهي صامتة، ثم ضحكت، أوووه نعم، نفس النظرة
المريبة، ولكن لماذا تلك الضحكة الغريبة؟ لا أعرف صدقوني، لقد بتّ
على وشك الجنون، هذه عويشه زوجة خلفان السرك، نعم هي، هذه المرأة الميتة
منذ سبع سنوات، هي بعينها أعرفها، تلك التي ماتت ساعة المخاض، يا إلهي،
قلت: ماذا يحدث لي بالضبط، ولماذا أنا، بعد ذلك تكررت معي أحداث كثيرة،
كل ما أراه في أوقات الظهيرة بشرا عشت بينهم، لكنهم أصبحوا في قائمة
الموتى .. حاولت أن اكتم ما يحدث، لكن وجدتني اذهب مباشرة للمعلم عبيد،
أخبرته بكل ما جرى، كان ينصت إلي باهتمام، وعندما انتهيت من سرد قصتي،
نظر مباشرة في عينيّ، رأيت تلك النظرة المريبة، هي ذاتها تحتل وجهه،
النظرة التي كان الموتى يوجهونها ناحيتي، وذلك الصمت العجيب الذي سيطر
عليه، كنت أشعر باكتظاظ في المكان، شعرت بأجساد تتراكم حولي، شعرت
بأنفاسهم، بهمسهم، فجأة هززت المعلم عبيد من كتفيه، هززته بقوة وأنا
أصرخ مناديا عليه باسمه، ثم ابتسم في وجهي وقال: هل قلت إن لديك موضوعا
مهما تود أن تحدثني به؟ قلت له: لا، فقد نسيت ما جئت من أجله.
خرجت من عنده، كنت أشعر بعيونهم تثقب ظهري، لكنني لم أكترث بهم، قررت
بعدها أن أبدل عادة الظهيرة، صرت أقضي المقيل في بيتي، ولا أخرج إلا
بعد صلاة العصر.
يقال إن المعلم عبيد قد اختفى فجأة من القرية، تاركا أشياءه كما هي،
حتى إن زوجته سمعته في آخر يوم يتحدث مع أحد تحت العريش، كان ذلك في
وقت الظهيرة، ولم يخبرها بنية سفره، وبعد أيام عاد إلى بيته ولم يعد
يستقبل الناس ولا يجالسهم، فبدت طباعه مختلفة تماما لما عهده الناس
عليه، وقيل إنه صنع مزمارا، فكان يخرج في أوقات معينة للجبال، وهناك
يصدح نايه مترددا صداه، مسافرا بين ضفاف الوديان البعيدة.
زهران القاسمي
أعلى
عينان
وجْهَتي قَفْرٌ,
وعيناكِ طريقي
قلتُ: عيناكِ
ونامت قريتي إذ أخْرَجَتْني
ثانيَ اثنينِ,
وكان البحرُ يقْفُوني,
ويقفوني حمامُ الحقلِ,
والأشجارُ والأحجارُ,
تقفوني جِراءُ الحيِّ,
تقفوني نعاجُ الجارةِ السمراءِ في المرعى,
ويقفوني غرابُ البينِ,
والبَطُّ صديقي
وجْهَتي عشْبٌ,
وعيناكِ طريقي
قلت: عيناكِ
وودّعْتُ سفوحي
كنبيٍّ أتقصَّى أَثَرَ الركبانِ
في البيداءِ والريحِ،
أُباري هَوْدجَ الظعن،ِ
وقدْ أودَعْتُه كلَّ هَشيمي
مِنْ حداءِ البَرِّ والبحرِ،
سأرمي الآن أضلاعي
لطيرِ السَبْسَبِ الضاري،
وأمضي،
سأغني، وأسوقُ الإبلَ العطشى
إلى غدرانِ روحي
أَبَتي .. هذا ابْنُكَ الخَطَّاءُ,
هذا النزِقُ،
المَقْصيُّ من دَرْسِ الكتاتيبِ لِتَدْليساتِه،
المذْمومُ في الحوزاتِ،
إني قد سقَيْتُ القومَ طُرّاً قهوةَ الهيلِ,
أدَرْتُ التَّمْرَ للمجْلسِ،
حدَّثْتُ رؤوسَ الجَمْعِ
عن خيلي
وعن سيفي
وأسلافي،
وكنتَ الماثلَ الأمثلَ
في أعماقِ صوتي ووضوحي
عن براهيني تحدثتُ
وطوفاني العميقِ
وجهتي غيمٌ،
وعيناكِ طريقي
قلتُ: عيناكِ الدفاترْ ورَسَمْتُ الأندلسْ
طائرُ الليلِ المهاجرْ فوقَ شُبَّاكي نَعَسْ
جئتُ، إيماني كبائرْ وغواياتي فَرَسْ
قَلِقٌ والدربُ كافرْ وسماواتي جرسْ
بعضُ إخواني صَغائرْ بعضُ جيراني حَرَسْ
ها كَبِرْنا كالدوائرْ ويبِسْـنا كالنفسْ
سأُغَني وأُجاهرْ كلما قيلَ: احترِسْ
فاجمعيني قلبَ ثائرْ خَرَّ من أيدي العَسَسْ
قلتُ: عيناكِ
سأُعْلي خيمةَ الذكرى
صعوداً بارتفاعِ النخلِ,
أقْتَصُّ من الأعْرابِ والأغْرابِ
تكفيراً لإثمينا أمامَ الحُبِّ,
أدعوكِ إلى المحرابِ
نَتْلو قُبْلةً للرفضِ,
قولي:
ضَمَّني هذا الفتى البَحَّارُ,
هذا البدويُّ الخَشِنُ التكوينِ,
قولي:
ضَمَّني هذا .....
ونامي واستفيقي
وجهتي الله,
وعيناكِ طريقي
حسن المطروشي *
* شاعر عماني
أعلى
ظواهر لغوية
تعاقب الواو والياء
صنع ابن جني كتابا في التبادل بين الواو والياء
سماه التعاقب. فقال في لحوت العود ولحيته: قشرت ما عليه من اللحاء،
قال: وقد ذكرت ذلك في كتابنا الموسوم بالتعاقب . (الخصائص ،1/ 264)
،وجعل له ابن سيدة موضعا في المخصص (14 /19-26) وابن السكيت في إصلاح
المنطق ، (135-145).
وقد عرّف ابن سيدة التعاقب قائلا: "هي أن تدخل الياء على الواو
والواو على الياء من غير علة، فأما ما دخلت فيه الواو على الياء والياء
على الواو لعلة فليس من ذلك لأنه قانون من قوانين التصريف. (المخصص
14/19).
فالذي يبدو من هذا التعريف أن التعاقب لا يتحقق إلا بأمرين:
الأول: أن يكون الانتقال من الواو إلى الياء والعكس ليس ناشئا عن علة
صرفية موجبة، فلا يدخل في المعاقبة نحو ميزان وميقات من الوزن والوقت؛
لأن الواو قلبت ياء لعلة تصريفية هي سكونها وانكسار ما قبلها.
وقد يكون حلول الياء محل الواو أو العكس ناشئا من نسيانهم أصل اللفظ
يقولون: (الديمة) بقلب الواو ياء لسكونها وكسر ما قبلها، فإذا زال
الكسر عادت الواو كما في (دوموا) لانفتاح ما قبلها، وقد ورد عن بعض
العرب (ديموا) في (دوموا) . (أدب الكاتب ، 97 ).
وذكر ابن جنّي أن بعض العرب ظن أن الياء أصلية وليست منقلبة عن واو
فلم يروها مع أن (دوموا) من الدوام فالواو أصلية، وكان يجب الرجوع
إليها بعد زوال الكسرة وفتح ما قبلها .. وهذا من البدل الذي يلتزمونه
مع ذهاب العلة الموجبة له. (التصريف الملوكي، لابن جني، 22 ).
الثاني: أن يكون المعنى واحدا في الصيغة الواوية والصيغة اليائية،
ولذا لا يعد من التعاقب ما اختلف معناه، فالكور: المبني من الطين،
والكير الزق الذي ينفخ فيه (المزهر ، 2/ 260) فلا تعاقب هنا.
ومن التعاقب تحيزت إلى فئة وتحوزت، وساغ الرجل طعامه يسيغه ويسوغه
(أدب الكاتب 465)، وعزوت الرجل وعزيته إذا نسبته إلى أبيه، ويقال:
ساخت الأرض تسوخ وتسيخ ورد ذلك في حديث سُراقة في الهجرة. (النهاية
في غريب الحديث 2/416).
ويرى اللغويون أن كل موضع تستعمل فيه الكسرة والضمة أو الياء والواو
فالأولى منها للحجازيين، والثانية للتميميين غالبًا، ومن ذلك المياثر
والمواثر، وطغيت وطغوت، وإن بينهما لبينا وبونا، ولغيت ولغوت.
وقرأ عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ ( الله لا إله إلا هو الحي القيّام)
(البقرة ، 255 ) (انظر: معاني القرآن للفراء ، 1/190 ) وقراءة حفص
المتداولة (القيوم).
أما قوله تعالى: (جعل الله الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس) فالأصل
: قواما، حوّلت واوها ياء، ومن ذلك ما جاء من كلام العرب مقولا على
أصله من قول حميد الأرقط:
(قِوام دنيا وقِوام دين)
وبعضهم قرأ الآية (قواما للناس) (تفسير الطبري ، 6/ 160 )
وفي الحديث: "كفى بالمرء إثما أن يضيِّع من يقوت" أي من
تلزمه نفقته ويروى (من يقيت) على اللغة الأخرى (النهاية في غريب الحديث
4/119 ) والكلوة لغة في الكلية نُسبت لأهل اليمن (المصباح المنير ،
2/444).
والجليُّ أن دخول الواو على الياء والياء على الواو يحدث عند القبيلة
الواحدة وعند القبيلتين، وإخال أن ذلك ناشئ من تأثر القبائل بعضها
ببعض فمن يجمع بين الاستعمالين فقد جمع مع لهجته لهجة أخرى "وقد
يجوز أن تكون لغته في الأصل إحداها ثم إنه استفاد الأخرى من قبيلة
أخرى وطال بها عهده وكثر استعماله لها، فلحقت لطول المدة واتصال استعمالها
بلغته الأولى "(الخصائص 1/372) ومبدأ التخفيف هو الهدف الأساسي
الذي يسعى إليه قانون التعاقب هذا ، فهو في الأصل لهجات .
وأقول إن اللغة نتاج اجتماعي ووليدة البيئة التي تحيا فيها فالمجتمع
المتحضِّر يفضّل حركة معينة على حين يفضل المجتمع البدوي حركة أخرى،
ووضُح هنا أن الكسرة مختصة بالحضر والضمة مختصة بالبدو فيما تناقلته
كتب اللغة من كلمات، والواو امتداد للضمة والياء امتداد للكسرة، ولذلك
رأينا أن كلا منها تختص ـ غالبا ـ بطائفة من العرب.
وبعد فإن كان ما أفضينا به من حديث يعدّ مورثا كشفنا عنه في تضاعيف
كتب اللغة ومظانها المختلفة، فإن أصداء ذلك الموروث اللغوي لا يزال
يتردد عند أهل عمان، وقد استندنا في صواب ما يقولون إلى معجم لسان
العرب لابن منظور، فمنهم من يقول: (كُلوة وكِلية) , و(لغيت ولغوت)
ومن حديثهم: (طهو الطعام وطهيه) (لسان العرب، 14/ 16) و(شوي اللحم
وشيّه) (السابق، 14/ 446) ، و (لوى لسانه لويا وليّا) (السابق، 15/
262) وألفاظ أخرى بوسع المرء استقراءها من حديث الناس في هذا الوطن.
د. سالم البلوشي
Salemabdullah@gmail.com
أعلى
|