|
فتاوى وأحكام
*كيف يحيي المسلمون ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلّم لا سيما ما
تمر به الأمة من مشكلات معاصرة، كيف يُبعث الأمل، وكيف يُستغل هذا
الحدث؟
**إن الله تعالى بعث نبيه صلى الله عليه وسلّم والناس في ضلالة عمياء،
فقد امتن الله تعالى على العرب الأميين بمبعثه عندما قال (هُوَ الَّذِي
بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ
وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا
مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (الجمعة:2)، وامتّن بذلك على كل
المؤمنين عندما قال عز من قائل (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ
آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (آل عمران:164).
فالله سبحانه وتعالى يمتن هنا على المؤمنين بهذه النعمة العظيمة أن
بعث فيهم رسولاً من أنفسهم.
ما هي مهمته؟ (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ)، لماذا؟ ليجدوا من خلال
هذه الآيات سر الله تبارك وتعالى في تنزيله حتى يؤمنوا إيماناً صادقاً
يحوّلهم من واقع إلى واقع، يحوّلهم من حياة الكفر إلى حياة الإيمان
ومن الضلال إلى الهدى ومن الغي إلى الرشد ومن الفساد إلى الصلاح ومن
التشتت إلى الاجتماع.
(وَيُزَكِّيهِمْ)، لم يكن صلى الله عليه وسلّم مجرد تالٍ للقرآن، وإنما
كان مُزكياً لهذه الأمة بحيث يربيهم على تزكية النفوس وتطهيرها من
أرجاسها، فالتزكية هي بمعنى التطهير وبمعنى التنمية، هي بمعنى التطهير
لأن فيها تطهيراً للنفوس من أدرانها، وفيها معنى التنمية لأن في التزكية
تنمية لفضائل النفوس، فأصل زكا بمعنى طهُر وبمعنى نما، وقد اجتمع المعنيان
في هذه المهمة التي قام بها رسول الله صلى الله عليه وسلّم، كان يطهر
هذه النفوس من رجسها، وكان ينمّي فضائلها.
ومع هذا (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، يعلمهم كتاب
الله، ويعلمهم الحكمة المقرونة بهذا الكتاب، قيل هي السنة، وقيل الحكمة
المعاني التي يفيض بها القرآن الكريم.
(وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) كانوا على ضلالة،
وأي ضلالة من تلك الضلالة التي كان عليها العرب، كانوا في ضلالة عمياء،
كانوا أوغل الناس في الضلالة قدما، وأعماهم عن الحق بصيرة، ما كانوا
مستبصرين بالحق، وإذا بهذا القرآن يحوّلهم من وضع إلى وضع آخر.
كانوا كما يصفهم الاستاذ الرافعي (كانوا بين راعٍ للغنم، وداعٍ للصنم،
وعالم على وهم، وجاهل على فهم، وإنسان كأنه من شره آلة لفناء الإنسان،
وشيطان كأنه من خبثه مادة لوجود الشيطان).
وإذا به يحوّلهم على وضع آخر فيكونون كما قال الاستاذ الرافعي نفسه
بحيث يصور أن هذا القرآن كان كأنما أخذ بجزيرة العرب من طرفها فنفضها
تحت شعاع الشمس فتفرقت ذراتها في الأرض ووقع وراء كل عربي يحمل إلى
الناس هذا الهدى كأنما هو رسول من عند الله سبحانه وتعالى.
هكذا كان تأثير القرآن الكريم عليهم، وهكذا كان تأثير التربية التي
جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلّم.
والناس إنما أصيبوا بسبب بعدهم عن القرآن، وبعدهم عن هدي الرسول عليه
وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، فهم اتخذوا هذا القرآن مهجورا،
إنما بقي القرآن لافتتاح اللقاءات وافتتاح المناسبات أو اختتامها،
ومع ذلك تُرك العمل به وتُرك العمل بسنة النبي صلى الله عليه وسلّم،
النبي صلى الله عليه وسلّم ترك الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها
لا يزيغ عنها إلا هالك.
فإذن نحن علينا أن نستمسك بهذا الكتاب العزيز، وبهدي الرسول صلى الله
عليه وسلّم. ولئن كنا نحب النبي صلى الله عليه وسلم، وأي الناس أولى
بالمحبة من النبي صلى الله عليه وسلّم؟ لأن حب الإنسان لغيره هو ناشئ
عن أمرين، إما أن يكون ناشئاً عن تعظيمه إياه بحيث يراه أنه متفوق
عليه.
وإما أن يكون ناشئاً عن إحساسه بأنه أنعم عليه بنعمة ، وأسدى إليه
معروفا. وعلى كلا الحالين فالنبي صلى الله عليه وسلّم أولى بأن يكون
أكثر الناس قدراً في نفوس الناس، وأكثر الناس حباً في قلوب جميع الناس.
أما من حيث عظم النبي صلى الله عليه وسلّم فإنه حسبنا ما أثنى الله
تبارك وتعالى به عليه، حسبنا أن الله تعالى قال فيه (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ
إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107)، فرسالته لم تكن رحمة
لأمة من الناس دون غيرهم، ولم تكن رسالته رحمة للبشر وحدهم، ولم تكن
رسالته رحمة للأرض وحدها، ولم تكن رسالته رحمة للمجموعة الشمسية وحدها،
وإنما هي رحمة للعالمين.
والعالمون جمع عالم، والعالم يصدق على كل ما كان علامة ودليلاً على
وجود الخالق سبحانه، فمعنى ذلك أن كل ذرة في هذا الكون مشمولة بهذه
الرحمة، مغمورة بهذه النعمة، وهذا يدل على عظمه، ما كان ليختاره الله
تبارك وتعالى لهذه الرسالة العظيمة إلا وهو أعظم البشر جميعاً.
ونحن نجد أن غير المسلمين يعترفون بعظم قدر النبي صلى الله عليه وسلّم،
أي العقلاء من غير المسلمين يعترفون بعظم قدر النبي صلى الله عليه
وسلّم، فمثلاً المستشرق مسيو ديرمنجام في كتابه (حياة محمد) يقول:
لقد كان محمد أصدق البشر لهجة، وأصفاهم سريرة، وأحسنهم سيرة، وأعدلهم
سلوكا، وأوفرهم عقلا. هكذا يصف الرسول صلى الله عليه وسلّم.
ونجد الشاعر والفيلسوف شبلي شميّل، وهو كان فيما قبل نصرانياً كاثوليكياً
ثم صار ملحداً لا يؤمن بأي دين من الأديان، ولكن مع ذلك كيف يعترف
بقدر النبي صلى الله عليه وسلّم، فعندما كان يقرأ في مجلة (المنار)
صفحات يخصصها صاحب المنار لمناقب النبي صلى الله عليه وسلّم كتب إليه
رسالة مختصرة وبعدها أبيات، يقول في رسالته:
إلى غزالي عصره السيد محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار:
أنت تنظر إلى محمد كنبي وتجعله عظيما، وأنا أنظر إليه كرجل وأجعله
أعظم.
ونحن وإن كان في الاعتقاد الديني أو المبدأ الديني على طرفي نقيض فإننا
يجمع بيننا العقل الواسع والإخلاص في القول وذلك أوثق لعرى المودة
بيننا. ثم قال (الحق أولى أن يقال)، وتحت هذا العنوان كتب هذه الأبيات:
دع من محمد في سدى قرآنه *** ما قد نحاه للحمة الغايات
إني وإن أك قد كفرت بدينه *** هل اكفرن بمحكم الآيات
أو ما حوت في ناصع الألفاظ من *** حكم روادع للهوى وعظات
وشرائع لو أنهم عقلوا بها **** ما قيّدوا العمران بالعادات
نعم المدبر والحكيم وإنه *** رب الفصاحة مصطفى الكلمات
رجل الحجا رجل السياسة والدها *** بطل حليف النصر في الغارات
ببلاغة القرآن قد غلب النهى *** وبسيفه أنحى على الهامات
من دونه الأبطال في كل الورى *** من سابق أو حاضر أو آتي
هكذا يعترف ملحد بقدر الرسول صلى الله عليه وسلّم، ونجد لهؤلاء أمثالاً
كثيرين.
فإذن النبي صلى الله عليه وسلّم بهذا الاعتبار ـ أي باعتبار شخصيته
ـ أولى الناس بأن يُحب. وباعتبار ما أسداه من خير ونعمة فإنه أولى
الناس أيضاً بالمحبة، لأنه بُعث لإنقاذ هذه البشرية، وبُعث ليكون رحمة
للكون بأسره (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107)،
وقد كان حريصاً على إنقاذ البشر، حسبكم ما وصفه الله تعالى به (لَقَدْ
جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ
حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة:128)،
فهو حريص على هداية الناس جميعا، وإنقاذهم من الضلالة، وإخراجهم من
الظلمات إلى النور، وتبصيرهم بالحق والدخول بهم في جنة عرضها السماوات
والأرض، هو يأخذ بحُجَز البشر عن النار بدعوتهم إلى الخير وحرصه على
أن يكونوا على استقامة.
فإذن كل خير جاءنا إنما كان النبي صلى الله عليه وسلّم سبباً له، إذ
الله تعالى أرسله لأن يكون رحمة للعالمين، فالخير كله من الله ولكن
أجراه الله تعالى على يدي عبده ورسوله صلى الله عليه وسلّم لأنه لا
خير في هذا الكون إلا عندما يؤخذ بهدى الله، ويستجيب الكون لداعي الله،
وينقاد لأمره، ويذعن لحكمه، ويقف في حدود طاعته.
ولئن كان الأمر كذلك فإن من شأن المحب أن يسارع في هوى محبوبه، على
أن حب النبي صلى الله عليه وسلّم ليس عاطفة جيّاشة فحسب بحيث لا تكاد
تثور حتى تغور، ولا تكاد تتقد حتى تخمد، وإنما حب النبي صلى الله عليه
وسلّم يجب أن يكون عقيدة في النفس ومنهجاً في الحياة، ولذلك جعل الله
تعالى اتباعه تصديقاً لما يدّعيه الإنسان من حب الله وسبب الوصول إلى
الفوز بحب الله، فالله سبحانه وتعالى يقول (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ
اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (آل عمران:31).
فترون كيف وقعت المتابعة للنبي صلى الله عليه وسلّم، كيف وقع الاتّباع
له صلى الله عليه وسلّم بين طرفي المحبة، بين حب العباد لله وحب الله
تعالى للعباد، فاتّباع النبي صلى الله عليه وسلّم تجسيد لحب العباد
لله، وسبب لنيلهم الحب من الله تعالى. فإذن علينا أن نحرص على اتّباعه،
وبهذا نكون نكون قد أحيينا ذكرياته صلى الله عليه وسلّم.
أما مجرد أن يجتمع الناس لقراءة قصته صلى الله عليه وسلّم ولا يبقى
لذلك أثر في نفوسهم فهذا ليس هو تجسيداً لحبه صلى الله عيه وسلّم،
إنما إحياء سنته، والغيرة على دينه، والحفاظ على عهده، والقيام بدعوته
ذلك كله هو التجسيد الحق لمحبته صلى الله عليه وسلّم.
على أنه عليه أفضل الصلاة والسلام بُعث متمماً لمكارم الأخلاق، والله
تعالى عندما وصفه، وصفه الخلق العظيم قال (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ
عَظِيمٍ) (القلم:4)، ما قال له وإنك لعلى علم واسع، أو على عقل راجح،
وإنما قال له (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، فالخلق هو مقياس
التفاضل بين الناس، الناس مطالبون بأن يجسدوا الأخلاق الفاضلة، وأن
يقتدوا بالنبي صلى الله عليه وسلّم في الإتيان بمكارم الأخلاق وأن
يترفعوا بأنفسهم عن سفاسفها.
ونحن نجد دركات الشر التي وقع فيها الناس، في هذا اليوم اطلعت في صورة
من صحيفة نشرت دعوة بين الناس، يدعو أحد من الناس الرجال والنساء إلى
أن يتجردوا من ثيابهم وأن يمشوا عراة زاعماً أن أهل الجنة إنما يكونوا
عراة لا يلبسون الثياب، وأنهم إن أرادوا الاقتداء بأهل الجنة فليكونوا
عراة، وان آدم أبا البشر ولد عاريا والناس يبعثون عراة، فعلى هذا ما
الداعي لئن يلبسوا الثياب. أي تردٍ للناس في أخلاقهم هذا؟ هذا السقوط
ليس بعده سقوط.
فإذن يجب على من يحيي ذكراه صلى الله عليه وسلّم أن يحرص على تجسيد
مكارم الأخلاق بنفسه، وأن يدعو إلى هذه المكارم، وأن يحذّر الناس من
هذه السقطات التي لا تصل بهم إلا إلى هاوية سحيقة لا يعلم قعرها إلا
الله تبارك وتعالى، ونسأل الله تعالى العافية.
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
الدروس والعبر في ذكرى مولد خير البشر
أحمد السيابي: النزعة الشعوبية هدفت إلى الاستنقاص
من سلوك وعادات العرب
سالم الحارثي: التشريعات الإسلامية تحمل في طياتها الهداية للبشرية
إسماعيل الأغبـري: القيم الأخلاقية والمعاني السامية تقوّم السلوك
الفردي والجماعي
تحقيق ـ أحمد بن ناصر الحارثي: يطل علينا شهر
ربيع الأول من كل عام وهو يحمل بين جنباته ذكرى ملأت الدنيا ضياء ونورا
وفاح أريج شذاها في الأرض والسماء وسطرها التاريخ بأحرف من ذهب إنها
ذكرى ميلاد خير خلق الله وصفوة الأنبياء سيدنا محمد صلى الله عليه
وسلم، وتتجدد هذه الحادثة العظيمة الجليلة كل عام لتدفعنا إلى أخذ
العظات النافعة والدروس البالغة من أبعادها التي لو أردنا أن نحصيها
لعجزنا ولكننا نحاول أن نكتشف مكنوناتها وأسرارها.
وفي هذا التحقيق سنحاول التركيز على بعض من جوانبها حيث سنقف على قوله
صلى الله عليه وسلم "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" لنتعرف
على أبعاد هذه المقولة وما تحمله من دلالات ومعاني وسنتطرق كذلك إلى
شمولية الرسالة من خلال قوله تعالى "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"
وكيف لنا أن نستجلي المعاني والدلالات التي تضمنتها هذه الآية الكريمة،
كما سنتحدث عن كيفية استثمار هذه المناسبة العظيمة في بعث الهمم إلى
اقتفاء هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
في البداية كان هذا اللقاء مع سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي الأمين
العام بمكتب الإفتاء حيث سألناه السؤال التالي: يقول الرسول الكريم
صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" مما
يوحي أن العرب كانوا يعيشون فترة ازدهار فكري وحضاري، كيف يمكن توضيح
هذا المفهوم في ظل الهجمة الشعوبية إبان ازدهار الحضارة العربية الإسلامية
آنذاك؟
المحافظة على الديانة الإبراهيمية
فأجاب: من المعلوم أن خليل الله إبراهيم عليه السلام هو أبو الأنبياء
وهو صاحب رسالة كبرى وهو من أولي العزم وقد انتشر دين إبراهيم عليه
السلام قبل مجيء نبي الله موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام خاصة
في الجزيرة العربية حيث إن الديانة الإبراهيمية انتشرت في الجزيرة
العربية والعرب ظلوا محافظين أوفياء على الديانة الإبراهيمية ولم يتأثروا
بالديانة اليهودية والمسيحية إلا مؤخرا ببعض التأثيرات المحدودة إن
صح التعبير فالعرب بقوا على دين الله إبراهيم ثم بمرور الزمن وخفوت
نور النبوة بدأت تتسرب إلى العرب بعض الأمور في العقيدة ووصلت إلى
أمور شركية كعبادة الأصنام وعبادة الأوثان لأنهم رأوا الشعوب المجاورة
كانوا يعبدونها كما قيل أن عمر بن لحي الخزاعي وهو من خزاعة القبيلة
التي كانت مسيطرة على الحرم ذهب إلى الشام ووجدهم يعبدون أصناما فسألهم
ما هذه فقالوا له هذه أصنام نستغيثها فتغيثنا ونستنصرها فتنصرنا ويتعلقون
بها ويحسون بمردود ذلك التعلق وهي أشياء وهمية فجاء بصنم من الشام
فوضعه عند الكعبة فهو أول صنم وضع في الجزيرة العربية وفي الحرم بالذات
ويسمى (هبل) وهو يعتبر أبو الأصنام ـ إن صح التعبير ـ في الجزيرة العربية
فعندما تغلب المشركون على المسلمين في معركة أحد كان أبو سفيان بن
حرب قائد المشركين يصيح بأعلى صوته "أعل هبل" فرد عليه المسلمون
"الله أكبر" الله أعلى وأكبر.
المحافظة على المفردات الاجتماعية
مشيرا إلى أنه وبالرغم من أن العرب أعتنقوا أمورا شركية وفي مقدمتها
عبادة الأصنام لكنهم ظلوا في الأمور الاجتماعية وفي مناسك الحج متمسكين
بدين النبي إبراهيم "الديانة الإبراهيمية" ما عدا أن قريش
حرفت في بعض المناسك الداعية إلى التميز باعتبارهم هم حماة الحرم وسدنة
البيت العتيق فوضعوا لأنفسهم بعض التميز في قضية الإفاضة والنفرة فادعوا
ذلك التميز وبقيت معظم مناسك الحج كما جاءت في الديانة الإبراهيمية
أما الأمور الاجتماعية فظلوا متمسكين بها وأوفياء لها كإكرام الضيف
وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم وحرمة الجار وحماية الجار الابتعاد عن
الكذب والتمسك بالصدق والأمانة والوفاء بالعهد هذه كلها مفردات اجتماعية
عظيمة أقرها الإسلام وظل العرب متمسكين بها نتيجة بقائها من الديانة
الإبراهيمية فتمسك بها العرب اجتماعيا إلى حد كبير ومنقطع النظير وأقرها
الإسلام،
مضيفا أن الإنسان عندما يقرأ كتب التاريخ وكتب الأدب يجد في الحقيقة
ما يبهره من تمسك العرب بتلك المفردات الاجتماعية العظيمة والعربي
كان لا يمكن أن يسيء إلى جاره وجاء في مقولتهم "الجار قبل الدار"
وكان العربي لا يمكن أن يسيء إلى امرأة جاره كقول الشاعر العربي عنترة:
وأغض طرفي إن بدأت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها
وهذه من حقوق حماية الجار، وبما أن شرائع الأنبياء
في العقيدة هي واحدة لأن العقيدة متصلة بالصفات الإلهية فهذه لا يوجد
بها تغيير أو تبديل فالله تعالى في أسمائه وصفاته لا يتغير وهو هو
في الأزل وفيما لا يزال، والشرائع وإن جاءت نسبيا مختلفة إلا أنها
في منظومتها العامة هي متفقة كلها تحل الحلال وتحرم الحرام وتحرم الخبائث
وتبيح الطيبات وفي المنظومة الإيمانية هي متفقة فالإسلام أقر هذه العادات
الاجتماعية والأعراف الاجتماعية عند العرب وإنما هذب بعضها أو رتبها
أو حسنها إذا كانت دخل بها شيء من الشرك ولكن بصورة إجمالية وضعها
على حالها هذا هو السر عندما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "إنما
بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" هذه هي مكارم الأخلاق.
النزعة الشعوبية
وعندما بنى العرب دولتهم دولة الخلافة الراشدة وتوسعوا بها على حساب
الدول الأخرى على حساب إمبراطورية الفرس والروم ودخلت تلك الشعوب في
مجملها في الإسلام في إطار الإسلام المحرر إن صح التعبير ويقال لها
الفتوحات الإسلامية وأنا أسميها التحريرات الإسلامية لأنها حررت تلك
الشعوب من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ومن جور الأديان إلى عدل
الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة فالإنسان ينطلق في
هذه الدنيا حسب المفاهيم الإسلامية وفي ظل العبودية للخالق الواحد
وليس في ظل العبودية للبشر أو لصنم أو لأي كائن آخر، ونتيجة لذلك أن
كثيرا من أولئكم القوم رأوا أن في هؤلاء المسلمين الذين كانوا يستحقرونهم
قبل الإسلام ويعتبرونهم أهل بداوة وأهل التخلف الحضاري وأنهم بقلتهم
وانحصارهم في الجزيرة العربية في ظل حياة جافة لا مطر ولا شجر ولا
أنهار ولا أشجار يأتون ويسيطرون على هذه الممالك الكبرى ذات الزراعة
وذات الأنهار وذات الأمطار والخيرات الوفيرة يأتون ويطيحون بهذه القوى
العسكرية الضخمة سواء التي كانت تحت هيمنة الروم أو هيمنة الفرس فنتيجة
لذلك داخلهم شيء من الاستياء فجاءت مرحلة الهجمة الأعجمية على الدولة
الإسلامية بعدما انتهت دولة الخلافة وجاءت الدولة الأموية التي كانت
ذات نزعة قومية عربية شديدة فأججت مشاعر الأقوام الأخرى غير العربية
تجاه العرب وسيطرة العرب واستئثار العرب بالإمكانيات وبالدولة فأخذوا
يبحثون عن ما يصمون به العرب وهذه تسمى بالنزعة الشعوبية أي جاءت شعوب
أخرى كثيرة وهي شعوب أعجمية فجاءت بنزعتها واستيائها من سيطرة العرب
عليهم وإطاحة العرب بممتلكاتهم أطاحوا بها في ظل الإسلام فأخذوا ينتقصون
من العرب من عاداتهم ومن سلوكهم وجاءت في أدبياتهم الكثير من ذلك.
الرد على الشعوبين
وأضاف: في المقابل ظهر هنالك أدباء عرب في مقدمتهم الجاحظ وغيره من
المؤلفين الموسوعيين وأخذوا يردون على أولئكم الشعوبيين فيما ينتقصون
به العرب ويظهرون فضل العرب وعظمتهم فكانت هذه الهجمة الشعوبية كبيرة
وقوية لا سيما وأنهم في الدولة العباسية هيمنوا على مقدرات الدولة
العباسية ومقدرات الأمة الإسلامية بشكل عام وفي ظل الخلافة العباسية
انحسر الدور العربي فهيمن الفرس أولا على الخلافة العباسية ثم الترك
ثم جاءت الشعوب الأخرى كالديلم والسلاجقة وشعوب آسيا الصغرى والوسطى
هيمنوا على الدولة العباسية وعلى مقدرات الأمة الإسلامية وهذا أيضا
ما جعل أن يظهر كتّاب ومؤلفون آخرون كالجاحظ وغيره في الرد على الشعوبية
فأبرزوا محاسن العرب وتاريخ العرب وأمجاد العرب وعظمة العرب في عاداتهم
وأخلاقهم وفي مجتمعاتهم ومنها كتاب البخلاء للجاحظ على سبيل المثال
فقد ألفه في الرد على أولئك الشعوبيين.
الشريعة الإسلامية شاملة ومتوازنة
أما حول التعرف على شمولية الرسالة المحمدية والدلالات والمعاني التي
تحملها الآية الكريمة "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" التقينا
سالم بن سعيد الحارثي باحث بمكتب الإفتاء فقال: يلحظ من هذه الآية
الكريمة ملحظان اثنان الأول إتيان كلمة "رحمة" نكرة والثاني
انتقاء كلمة "العالمين" دون أي كلمة أخرى، وفي هذا قمة اللطف
الرباني بالإنسانية إذ لم تكن الرحمة لفئة المسلمين دون غيرهم ولا
لعرق دون آخر ولا لخلق دون آخر إذ يتضح ذلك جليا من تشريعات الإسلام
التي تحمل في طياتها الهداية للبشرية بما تحويه خصائص الشمولية والتجدد
والتوازن بين الروح والبدن، كما إنها رحمة لغير المسلمين وهذا يتضح
من التشريعات التي تحفظ حقوق غير المسلمين من إبلاغهم للهداية الربانية
وحماية أهل الذمة منهم وإنصافهم ممن ظلمهم ولا أدل على ذلك من تعامله
صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين فقد وفى عهوده مع اليهود ومع مشركي
قريش بل أحسن معاملة وفودهم وأكثر من ذلك أن فتح مكة كان نصرة لبعض
الحلفاء الذين لم يكونوا على ملة الإسلام، الرحمة الربانية شملت كل
شيء.
وأضاف أن الرحمة الربانية التي بعث بها رسول الله شملت الحيوان حتى
عند الذبح فقد أرشد إلى إحسان الذبح والقتل إذ جاء عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل كتب الإحسان على كل شيء
فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته
وليرح ذبيحته" بل أخبر رسول الله عن الأجر في الإحسان لكل شيء
حتى البهائم ففي الحديث المشهور عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل
فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل لقد
بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه ماء
ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له قالوا يا رسول
الله وإن لنا في البهائم أجرا فقال في كل كبد رطبة أجر.
استثمار هذه المناسبة
وعن كيفية استثمار هذه المناسبة شاركنا فيها الدكتور إسماعيل بن صالح
الأغبري خبير الوعظ والإرشاد بالمديرية العامة للوعظ والإرشاد حيث
سألناه عن هذه المناسبة وكيفية بعث الهمم إلى اقتفاء هدي النبي صلى
الله عليه وسلم فقال: يمكن النظر إلى السلوك الفردي والجماعي في المجتمع
من خلال تجسيد المعاني السامية والقيم الأخلاقية الإسلامية المحمدية
الرفيعة كالصدق مع النفس ومع الآخر الذي من شأنه أن يقوي العلاقات
بين الأفراد فكل يثق بالآخر ويطمئن إليه والأمانة بأوسع أبوابها والتي
من شأنها أن ترسخ عرى الإيمان وتعلم الإنسان المراقبة الذاتية وتذكّر
المرء بأن الله مطلع على الصغيرة والكبيرة فالأمانة خلق إسلامي محمدي
لها أثرها الإيجابي على الفرد والمجتمعات، ومن القيم الإسلامية المحمدية
التسامح مع الآخر فيما جاز فيه التسامح فعدم احتكار الحق أو القطع
بأن الصواب في القول الفلاني دون غيره مما يساهم في تلطيف الأجواء
والتقريب بين أفراد المجتمع.
الإشاعات المغرضة
ويضيف أن إحسان الظن بالآخر وعدم التشكيك في كل قول وفعل مما يساهم
في إشاعة روح الأخوة فسوء الظن يوغر الصدور ويورث الأحقاد وتولد الحسد
والعداوة ومن المثل الإسلامية المحمدية تجنب الإشاعات المغرضة أو المسارعة
إلى تصديق كل قول أو المساهمة في نشر الأخبار الكاذبة فالإشاعة تسبب
البلبلة والضجيج في المجتمعات وتفقد الثقة بين الناس وهي مع ذلك محض
كذب وافتراء وتدليس وتغرير يعود ضررها الدنيوي والأخروي على مختلقها
ولها آثار سلبية كثيرة على أفراد المجتمع.
مؤكدا أن التواضع خلق محمدي أصيل وهو إيجابي لا سلبي حسب مفاهيم كثير
من الناس وهو لا يعني التفريط في الحق أو قبول الذل بل هو خلق معتبر
بالمعنى الإيجابي.
أعلى
|