الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 


دروازة






مبتدأ

للسفر متعته ومباهجه وفوائده وذكرياته أيضا.. وللمدن بريقها وغواياتها الآسرة التي تصيب قلوب عشاقها بالفتنة والحنين. فكم كتب الأدباء عن السفر، وكم أسهب الحكماء والفلاسفة في وصف ضروراته، وكم أوصى به العلماء.. وكم تلبس به الدراويش والصعاليك. أما الزميل خلفان الزيدي فله قصصه التي لا تنتهي مع حكايات المدن والرحيل بين طرقاتها والمشي ليلا تحت مصابيح الأرصفة البعيدة. في هذا العدد يكتب الزيدي عن تجواله في جزيرة قبرص، ويصف دهشته الأولى بفتنة هذه الجزيرة قائلا: (وكأنها لي وحدي.. تنتظرني هناك في الشاطئ الجنوبي بين صخرتين، تراقب صفحة الماء، وهي تبسط كفيها وقلبها لأول عابر يمر قربها).
من جهته يكتب الزميل عبدالستار خليف عن جانب آخر من ذكريات خلفان الزيدي مع الأمكنة، إلا أنه هذه المرة يرصد حنين الزيدي إلى مواطن الطفولة ومدارج الصبى، كما تجلت في كتابه (ذاكرة الحنين).
من جهته يكتب الدكتور حمود الدغيشي عن بناء المكان وتقنية الاستذكار في قصة "مقاطع على هامش حياة صغيرة" للقاصة رحمة المغيزوي، حيث يؤكد الدغيشي أن النقد يحاول امتحان العلاقة بين المكان وعناصر العمل القصصي للكشف عن القيمة الرمزية المرتبطة بهذا الفضاء.
أشرعة في هذا العدد تطرح قضية المصطلحات الأدبية والنقدية وما يتكنفها من التباسات في النسبة وإشكالات في الهوية. وتحاور أشرعة عددا من المختصين الذين ارتأى بعضهم أنه في غمرة افتتاننا بالآخر ظلمنا تراثنا الأدبي والفكري، فيما يرى البعض أنه لا تنازع فيما هو عربي محض، فيما أعلن البعض أنه آن الأوان لإعادة النظر في الاستراتيجيات الثقافية العربية، فيما دعى البعض إلى الرجوع إلى إلى تراثنا الذي يغنينا عن الاستجداء.
الكاتبة آمنة الربيع ـ وتزامنا مع معرض مسقط الدولي الرابع عشر للكتاب ـ تطرح تساؤلات مهمة في مقالها الأسبوعي الذي تستهله بقولها: (لماذا يمنع الكتاب أو يسحب من معرض الكتاب؟ من الذي يحدد أن الكتاب الفلاني جيد للقراءة وللقراء، وأن الكتاب الفلاني الآخر غير جيد لا للقراءة ولا للقراء؟).
مقالات ومواضيع لأسماء مهمة أيضا يتضمنها هذا العدد من أشرعة لصالح العامري وعبدالله خميس وزهران القاسمي وعزة القصابي وعبديغوث وناصر الرواحي والدكتور سالم البلوشي ومحمد الشعيلي وأمل المغيزوي وغيرهم الكثير، الذين يلتقيهم القارئ على ضفاف أشرعة.

المحرر


أعلى





نصان

شوق سليماني

أهذا مقامي في
الصدور
رياحين تحل مكانها الحروف
سليمان كأن مدينة
تمنى
وخاتمي جناح
كما ارتداد طرف
أتيت الحب سهلا
سليمان كأني كأنك
القلوب مآلها السقوط

القربة

أيا نافخ القربة
ـ اللهَ ـ
خَفِّفْ ملامي
يموت الصدى صامتا
والصراخ اتهامي
نفخت شتاتا
نفخت بكاء
تخيلت فعلا
فكل الجراح ظلام
أيا نافخ القربة السيف صار
سرابا
تسمرت حتى المسامير مثلي
تعود فرادى
كأنك تلحم حالا بحالي
متى كان دمعي اللحاف
بعيدا عن الدرب
يبكي الضمير
ومهما نفخت، صرخت
وجانب صوتك صوتي
فإن التلاشي أسبابه
فجوة في السلام

عبدالله الكعبي*
* شاعر عماني


أعلى






قـبـرص .. أول العشـق.. أفروديت (1 -2)

تجوال: خلفان الزيدي

وكأنها لي وحدي.. تنتظرني هناك في الشاطئ الجنوبي بين صخرتين، تراقب صفحة الماء، وهي تبسط كفيها وقلبها لأول عابر يمر قربها.. خلتها تنتظرني أن أكون انا العابر الأول الذي يأتيها، ويسلب فؤادها كما سلبت فؤادي.. كانت اشجار البرتقال تصطف على الشارع الجبلي المفضي إليها، ومن البعيد تتراءى كروم العنب، وهي تتدلى بالعناقيد ذات الالوان البهيجة، وتغري العابرين بفاكهة ذات منافع شتى.
كنت انظر جهة الصخرتين، وابحث عن أفروديت المستلقية هناك.. تشاكس الآلهة هيفيستوس إله الحدادة والنار، وآريس إله الحرب، وأنكايسيس الأمير الطروادي، أو أدونيس الصياد الجميل.. ليكون للحياة نبضها وايقاعها.. ويتصاعد العشق يحلق بالقلوب، ويطير فرحا في سماوات بعيدة.. اسمع خفقان قلبي الصغير.. والعطش يبلغ مداه.. وهذا البحر الممتد هناك.. تتلاطم امواجه، وهي تتسابق لتلامس جسد فينوس النائمة على رماله الصفراء.. وروحي المتيمة تسابق اشواقي وحنيني..
عندما وقفت المركبة بنا.. كنت أول الهابطين منها.. رأيتني اهرع جريا للوصول إلى الصخرتين.. كانت السماء حينها زرقاء صافية.. وكانت نسائم البحر تهب باردة رطبة.. وامواج اليم بدأت تسكن.. بعدما قذف تحت قدمي رغوة زبد أبيض، تكشفت عن صدفة انفتحت مطلقة طيف نوراني.. واضطربت صفحة الماء.. وهي ترى الطيف ينكشف عن غادة حسناء متلألئة.. كتمثال من نور لها شعر كأشعة الشمس، ينساب فوق كتفيها العاجيتين.. فيهب النسيم العاشق يقبله.. ثم يرتد ليتركه ينتشر فوق خصرها، ويغطي بعضا من صدرها العاري..
وقبل أن اهرع إليها عاشقا.. متيما.. غريبا يبحث مناه.. غمرني موج الماء.. وأغرقني.. كما أغرقني عشق فينوس أو أفروديت أو عشتار.. بمسمياتها الاسطورية.

***
- اذا ستذهب إلى قبرص؟.
- نعم .. هل هي بعيدة عن مسقط؟.
لم يجد صاحبي الذي احدثه عن وجهة سفري القادمة.. إلى جزيرة قبرص، غير حيرة كبيرة يبسطها أمامي، وهو يتساءل عن كينونة هذا المسافر الذي يذهب إلى بقعة لا يعرف موقعها، ولا يدري أي سماء تظلها، ولا أي ارض تقلها..
لم اعرف عن قبرص غير أنها جزيرة، وما عدا ذلك، مرهون باكتشاف ما سيأتي من احداث، وما سيطرأ من تفاصيل، تأخذني إلى بلاد لا اعرف محلها من الشرق أو الغرب.
يقال ـ والعهدة على ما سمعته من بعض الأصدقاء ـ أن قبرص ابعد أرض في بلاد الله، إنها جنته في السماء الدنيا، من دخلها.. لا يود الخروج منها، ومن خرج منها ـ مرغما ـ طلب الرجوع إليها ثانية، واشتاقت نفسه إليها، وما عاد يغريه شيئا غير السفر مجددا إليها.
كان عنوان قبرص غائبا من المدن والعواصم التي ارتسمت على شاشة عملاقة داخل المطار، وانا أنهي اجراءات السفر، سألت موظف الطيران عنها، فقال لي ان اسمها يسكن في المحطة التالية من رحلتي.. ستجدها معنونة بمدنها وعاصمتها في المطار التالي.. فقط عليك أن لا تنسى ابتسامة أفروديت.. ابحث عنها حال وصولك!.
كان الاسم كفيلا بارتجاج القلب وخفقانه، ووجدت كياني يهتز، وكأن عاشق وجد مناه بعد طول مسير، وصار قريبا من هدفه الذي تعنى لأجله..
أفروديت.. ربة الحب والجمال، من لها سجدت الأرباب، وتصارعت الآلهة.. أكون انا عما قريب في حضرتها، باسطا قلبي.. اهبه اياها، بخفقاته ونبضاته.. بأحاسيسه ومشاعره.. وهو قرباني إليها.. فلتفعل به كما شاءت وشاء لها الهوى..
أفروديت.. هذه الحسناء التي تبزغ من زبد البحر، فتولد كائنا بهيا، أجدني أسابق الخطوات، واطوي المسافات للوصول إليها، كيما أكون الها للجمال في حضرتها، وربا للحسن في قربها، كي اطفئ نار الوجد، وظمأ القلوب.. وكانت رحلة طويلة، رغم أنها لم تتجاوز الثماني ساعات..
اقتربت مني مضيفة الطيران، وسألتني عما اذا كنت اطلب شيئا قبل موعد العشاء، نظرت إلى عينيها، وسحت في لجة اخضرارهما، بحثا عن صورة مقاربة لأفروديت.. ولم اكن عصيا على الولوج إلى ساحتها، وجدت في عينيها تقاطع المشرقين والمغربين، وانا في كل الجهات انظر إليها، واحتضن حروف كلماتها، وهي تعيد سؤالها على مسامعي، وتستفسر عن طلبي..
- ماء عينيكِ.
ثم اردفت مقاطعا نفسي: يكفيني الماء لأروي ظمئي..
في فضاءات المساء، كنت أحلق قريبا من السماء، وأكاد ألمس نجومها بيدي، وأنا اطلق خفقات قلبي، تنبض بعشق ولد للتو، لعينين خضراوين، تنظراني لي، وتسحبان من شفاه تسكن ادناهما، ابتسامة حقيقية، لي وحدي.. كنت أتمنى أن يعرف الراكب الجالس محاذاتي، مشاعري في تلك اللحظة، لكنني ادركت أن ابتسامة كالتي تلقيتها، قذفت نحوه من ذات العينين، ووجدته يطلب كطلبي، ماء ليروي ظمأه..
كانت انوار القراءة وحدها التي تبين بعض ملامح الركاب وطاقم الطائرة الذي يمر بينهما، يتلقى الطلبات.. ويجيب على تساؤلات المسافرين.. يقذف ابتسامة هنا، ويبث اطمئنان هناك.
وجدت الذي يجلس جنبي، يغيظني وهو يكشف لي عن اعجابه بالمضيفة ذات العيون الخضر، وكأنني لست العاشق الأول لها، أنا الذي نظرت بصيرا في عينيها، وسحت في لجة الزبرجد الساكن مقلتيها.. وأنا الذي دب خفوقه أول مرة، ونبضت حنايا عشقه لخاطرها..
كانت خيوط الظلام قد بدأت تنسج عباءتها، فالركاب الذين اضاءوا مصابيح القراءة أعلى المقاعد، عادوا لإطفائها، وراحو في سبات، يطوي ساعات الرحلة، ويختزلها، كنت غارقا في التفكير، في صورة الجميلة أفروديت، متسائلا: هل تشبه النساء؟.. وهل في عينيها اخضرار؟.. ام زرقة البحر، أم لون الشهد؟.. أي لون يسكن عينيها، وأي عشق ينبض بين ضلوعها؟.. وأنا احلق عاليا، اسافر لخيالاتي، أحسب ساعات الرحلة المتبقية، والمسار الذي تأخذنا الطائرة إليه.
مرت الساعات الثماني سراعا بالنسبة للنائمين على المقاعد، الذين لم يفيقوا إلا على صوت طاقم الطائرة وهو يلقي تعليماته المملة على اسماعنا.. الرجاء من حضرات الركاب المسافرين إعادة مقاعدهم إلى وضعها المعتاد، وذلك استعدادا للهبوط في مطار لارنكا الدولي.. اما أنا فقد كانت ساعات الرحلة بألف ساعة وساعة، مرت بطيئة وانا احسب الوقت، وأهيم في خيالاتي، متفننا برسم صورة للجميلة أفروديت.
في مطار لارنكا الدولي تفحصت المستقبلين، علي اصل إلى بغيتي، واتعرف إلى مضيفي في هذه البلاد، كنت اطوف اللوحات واللافتات المرفوعة، متفحصا اسمي بين المطلوب التعرف عليهم، وكان ان اهتديت إلى مرادي على ما تهوى الأنفس وتلذ الأعين..
كانت ساعة المطار تشير وقتئذ إلى الثانية والنصف بعد منتصف ليل الأحد السابع عشر من نوفمبر، وكان مستقبلي "حسين" ذو الأصول العربية، يبدي ترحيبه الشديد بي وبالمجموعة السياحية التي وجدتني ضمنها، في جولة تعبر مدن ومناطق الجزيرة، كل له هدف وغاية، البعض منها تحدد سلفا، والبعض الآخر وجد هدفه يتحدد لحظة صعوده الطائرة، حينما عرف ان ثمة جميلة في هذه الجزيرة، تسمى أفروديت أو فينوس.. ربة الحب والجمال.
كان حسين يبث فينا الاعجاب بجزيرته، وهو يطرأ التوقيت الذي جئنا فيه، ويحكي عن طبيعة جزيرة قبرص التي تتمتع بمناخ معتدل لطيف، مشمش طوال العام، قال لنا: إنها الجزيرة الأكثر دفئا في البحر الأبيض المتوسط، وهي ثالث أكبر جزيرة فيه، بعد صقلية وسردينيا، وتقع في نهاية الجزء الجنوبي الغربي منه.
كانت المعلومات المناخية والجغرافية التي يسوقها حسين، بمثابة فاتحة لي للتعرف عن قرب على الجزيرة المجهولة، المتوارية عن معرفتي المتواضعة بالبلدان والمحيطات.
وبرغم أن النعاس قد بدأ يدب في عيني، والتعب يأخذ مبلغه، إلا أن حسين راح يواصل الحديث، ونحن نقطع الطريق إلى مدينة ليماسول جنوب غرب لارنكا، لم يتسن لي التعرف أكثر على المدينة، أو رؤية معالمها في تلك الليلة المظلمة، حيث غلبني النوم، وكأني بـ (حسين) وقد توقف عن الكلام المباح..
صباح اليوم التالي، استيقظت على رنين هاتف غرفتي في الفندق الذي يقع وسط ليماسول، وكان المتحدث على الطرف الآخر حسين، وهو يطلب مني النزول للبدء في اكتشاف المدينة..
كانت بهو الفندق مختلفا عما وجدته عليه أول الأمر، حينما دلفت إليه قبيل الفجر، فقد بدأت حركة السياح تدب في ارجائه، وامكن رؤية اللوحات الفنية المعلقة على ممراته الداخلية، وتعرفت عن قرب على بعض ملامح الحياة في ليماسول، وطبيعة الناس في هذه المدينة.
في حافلة صغيرة، كنا نقطع شوارع ليماسول، وكان حسين يتحدث بإسهاب عن حياته، وكيف انتقل مع عائلته من لبنان خلال الحرب الأهلية، ليستقر به المطاف في هذه البلاد، ويكون حياته فيها، اخبرنا انه تأقلم مع الحياة التي بدت متقاربة بعض الشيء مع حياة بيروت، غير أن الغلاء هنا طاغ إلى حد كبير، والمعيشة مرتفعة التكاليف، وربما يعود ذلك لطبيعة الجزيرة السياحية، وكونها مقصدا للسياح الأثرياء من مختلف دول العالم.
لكن الحرب الأهلية التي هرب حسين منها في لبنان، سبقته إلى قبرص، وكأنه هارب من الجحيم إلى الجحيم.. كانت الجزيرة حصلت على استقلالها من بريطانيا في عام 1960 مع دستور يعطي ضمانات للأقليات (ولاسيما الأتراك)، ولكن الغالبية اليونانية ألغت هذه الضمانات، وفي عام 1974 شهدت الجزيرة انقلابا عسكريا ناجحا قاده ضباط من القبارصة اليونانيين تابعين لقوات الحرس الوطني، واستطاعت الإطاحة بحكم الرئيس مكاريوس الذي اضطر إلى الفرار خارج البلاد.
كانت الدولة التركية تراقب الأوضاع السياسية المضطربة في قبرص عن كثب، واعتقدت أن الوقت قد حان لحسم عسكري، ينهي ـ كما تعتقد ـ الصراع الطويل الممتد بين القبارصة الأتراك واليونانيين، فاجتاح في عام 1974 الجيش التركي قبرص، وسيطر على مساحات واسعة شمالي البلاد.
وطوال عامي 1974 و1975 لم يستطع الجانبان التوصل في مباحثاتهما إلى تسوية للأزمة، مما حدا بالقبارصة الأتراك بزعامة رؤوف دنكطاش إلى إعلان المناطق الشمالية القبرصية منطقة حكم ذاتي، وأطلقوا عليها اسم الولايات القبرصية التركية الفدرالية، لكن ذلك لم يكن كافيا لاستقرار الأوضاع.
ففي عام 1983 أعلن القبارصة الأتراك تلك المناطق جمهورية مستقلة تحت مسمى "جمهورية شمالي قبرص التركية" ورأسها الزعيم رؤوف دنكطاش، وأعلنت الدولة التركية على الفور الاعتراف بها، لكنها عجزت عن نيل اعتراف أي دولة أخرى في العالم، كما لم تمنحها الأمم المتحدة عضويتها، وأصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 541 الذي أعلن فيه عدم شرعية هذا الاستقلال، ومطالبة القوات التركية بالانسحاب، وظل الجميع يعترف فقط بحكومة قبرصية واحدة، لدولة قبرصية واحدة في الجنوب.
وعلى ذلك بقيت المشكلة القبرصية تراوح مكانها، حكومة في الشمال غير معترف بها سوى من تركيا، ووجود عسكري تركي هناك يقدر بنحو ثلاثين ألف جندي.. وحكومة أخرى في الجنوب تحظى بالشرعية الدولية، وظل الوحدويون في الجانبين يطالبون بعودة الوحدة إلى الجزيرة المقسمة، وارتفعت أصواتهم بأن الوقت قد حان لتذليل الصعاب ومحاولة تجاوز إحن الماضي.
لم تكن مشكلة توحيد الجزيرة قد انتهت، حينئذ، وكان على حسين أن يتعايش مع التطورات الإيجابية الناتجة عن التقارب التركي اليوناني، في مسألة توحيد الجزيرة، وإيجاد حل للمشكلة التي دامت سنوات طويلة، وهو ينظر بتفاؤل للسنوات التالية، إذ اشار لي: ان ثمة بشائر أمل تلوح في المستقبل، تنهي العداء بين شطري الجزيرة، وقد كان ما تنبأ به حسين، في الأعوام التالية لزيارتي هذه.
كنت معه اتقاسم التفاؤل.. وارسمه على محيا الأيام القادمة، واستمع إلى كلمات اغنية بإيقاعات يونانية.. تحكي قصة حب بين شاب يسكن الشطر الجنوبي من الجزيرة، وفتاة في الشطر الشمالي، مثل هذه الحكاية كانت تتناسل بشكل كبير، كانت رغبة الناس في الوحدة، وإعادة لم الجزيرة وتوحيدها، عارمة تنتاب الجميع.. دون استثناء، لكن العقبة امامهم تتمثل في اهواء الساسة، الذين يديرون اللعبة.. كيفما يحلو لهم.
طلبت من حسين ان يبعد بنا قليلا عن حديث السياسة، ويأخذنا إلى مسارب أخرى.
كانت ليماسول في تلك الساعة، على غير المعتاد من الهدوء وشبه انعدام الحركة، والكثير من المحلات التجارية التي نمر عليها مغلقة، فيما عدا بعض المقاهي والمطاعم التي فتحت ابوابها، دون أن تكون مكتظة بالمرتادين.
وجدت في الصورة الماثلة تلك، عودة أخرى للحديث عن السياسة وافعالها، فلا بد أن ما يجري امامي هو اضراب شامل.. يهدف لشل حركة الحياة في المدينة، وينذر بعواقب وخيمة علينا، غير أن حسين قطع الشك ذلك بالاشارة إلى انه يوم الأحد.. وفيه تغلق المقاهي والمطاعم وكل المحلات، ذلك أن البلد كلها في إجازة يومي السبت والأحد، وكل شيء يعطل، كان الطريق البحري الذي سلكناه يبدو خاليا، رغم صفاء مياه البحر، ورغم جمال الطقس في تلك الساعة المشمسة من ساعات ظهيرة يوم الأحد.. والمقاهي المحيطة به، مغلقة هي الأخرى، ومراكب الصيد جاثمة على الشاطئ، وكذلك الحال بالنسبة للمراكب السياحية، التي تأخذ المرتادين في جولة بحرية، تنظر للجمال القبرصي من خارج الحدود.
وعلى عكس المعتاد في مناطق أخرى، لا يخرج الناس للتسوق في يوم اجازاتهم، بل انهم يقضون معظم اليوم في البيوت، ويذهبون إلى الكنائس، وقد يخرجون مساء الأحد للتريض والمشي، والاستعداد لأيام العمل التالية، وجدنا في طريقنا مطعم ذو بهو خارجي، مسقوف بالاعمدة الخشبية ذو نقوش وشبابيك تسمح لخيوط الشمس بالانسياب، كان المكان مغريا للجلوس فيه، وتناول وجبة الغداء.
تفحصت قائمة الطعام التي وضعها النادل امامي، كان الكثير من اصنافها يعتمد على لحم الخنزير كوجبة مفضلة للقبارصة، تطهى بطرق متعددة، ويتفنن في تقديمها بوصفات مختلفة، وبالنسبة لي.. لم يكن الخيار امامي، سوى طلب وجبة اسماك، تنقذني من مطب تناول لحم الخنزير ومشتقاته..
لكن هروبي من هذا المطب، ومحاولتي المستميتة تجنب هذه الاطعمة، كاد ان يوقعني في المحظور، ففي تلك الليلة، وفي حفلة عشاء اقيمت على شرف مجموعتنا السياحية، اغرتني ذبيحة اللحم الموضوع على صحن كبير، في صورة تشابه "الغوزي" عندنا، كان اللحم بارقا، يتلألأ.. كومة حمراء، فاقع لونها تسر الناظرين..
امسكت بالسكين الطويلة الموضوعة قريبا من الصحن، ورحت اقطع شريحة تطفئ جوعي، ونهمي، ثم اخذت بعض المقبلات، ووضعتها حول الطبق، وأنا امني نفسي بعشاء، ستحدثني نفسي عنه طويلا، لكن ذلك لم يدم طويلا، ففي الوقت الذي وضعت السكين والشوكة على شريحة اللحم، وتأهبت لأول لقمة، امسكني نادل في المطعم، وهو يخبرني أن شريحة اللحم تلك، ما هي إلا لحم الخنزير الذي اتجنب تناوله، وحتى الاقتراب من مشتقاته.. وكان خياري حينئذ هو تناول المقبلات وبعض الخضار المسلوقة.
وعدت تلك الليلة إلى غرفتي، اطل من نافذتها على المدينة التي هدأت قبل ان يحين موعد نومها، وراحت في سكون، كنت ما زلت افتش عن أفروديت أو فينوس، وعن محلها من الجزيرة، وأين يمكن مشاهدتها، تذكرت أنني في زحمة الحديث عن وضع الجزيرة السياسي، وعن طبيعتها الاجتماعية، نسيت أن أسال حسين عن أفروديت، وعن فينوس جميلة الجميلات، وربة الحسن.
كان الكتاب التعريفي الموضوع على منضدة صغيرة داخل الغرفة، يحمل بعض الصور السياحية الجميلة من قبرص، قرأت فيه بما تسنى لي من كلمات.. اعرف بعض معانيها، كي اتوصل إلى كينونة ما ترمي إليه، واحاول أن اجتث صورة قد تبقى عالقة في ذهني.. حينما اعود إلى دياري، واحكي قصتي.
في ليلة بان قمرها.. كانت روحي تحلق نحو عشق لم تتضح كينونته، ولم تتبين معالمه، ولا وضحت ملامحه، عشق يأخذني لتخيل صورة أفروديت تتجسد في صور عدة، ترمقني بعينها الخضراوين، كلون هذه الجزيرة البادي من علو شاهق.. أو عسليتان كلون الشهد.. وانا ابسط امامها عشقي وجنوني..
وغبت في لجة الحلم.. في خيالات الجنون.. كنت معها، اقذف ابتسامتي، فتتلقاها بابتسامة ترتد لقلبي.. فيشتعل جنوني..
صبيحة اليوم التالي.. كان أول ما هممت بسؤاله لحسين هو: اين تسكن أفروديت؟.
وكأن سؤالي لم يباغته.. وكأنه تهيأ للإجابة عليه.. وتوقع طرحه.. مطلقا نحوي ابتسامة، عمقت في ذاتي.. فضول البحث عن المعشوقة المجهولة.. وغير الابتسامة تلك.. لم ينطق حسين بكلمة أخرى..
كان صمته ذلك وابتسامته الغامضة، توصد ابوابا مغلقة تأهبت لفتحها.. وكشف بطائنها، ولم اقو على حمل هذا المجهول على كاهلي، فعدت لأبحث عن اجابة شافية، كان حسين يمضي بي ونحن نخرج من باب الفندق، باتجاه السيارة، حينما توقف فجأة، وهو يطفئ نار الشوق في صدري..
ـ سنذهب إليها اليوم .. إنها قريب منا.

للتجوال بقية الأسبوع القادم


أعلى






للصورة بعدان
الكتاب

لماذا يمنع الكتاب أو يسحب من معرض الكتاب؟
من الذي يحدد أن الكتاب الفلاني جيد للقراءة وللقراء، وأن الكتاب الفلاني الآخر غير جيد لا للقراءة ولا للقراء؟
لعب الكتاب عبر التاريخ دورا كبيرا في تطور المدن والحضارات الكبيرة، وشكل مرحلة توصف بالانتقالية والعميقة في الارتقاء بلهاث البشرية في مراحل استقرارها الاجتماعي والسياسي. وإذا استثنينا التطرق بالكلام حول أمور تخص الكتاب كالطباعة والتوزيع والسعر والنسخ والانتشار والنسبة القرائية لعدد القراء، وهي بالطبع من الأمور المركزية في انتشار الكتاب، لا نستطيع أن نستثني الكلام عن ظاهرتين عنيفتين استبدادتين لازمتا تاريخ رحلة الكتاب عبر العصور المنغلقة أو المنفتحة، هاتين الظاهرتين هما المنع والحرق.
في كتابه (تاريخ الكتاب) المكون من قسمين يشير الدكتور الكسندر ستيبتشفيتش إلى أنه في العصر الوسيط حين كانت الكتب تُنسخ داخل أسوار الأديرة أو في ورش النسخ التابعة للأسقفيات، كان مكافحة الكتب "غير المرغوبة والخطرة" حسب تعبيره، أسهل مما كانت عليه في العصر اليوناني ـ الروماني. ويسجل الكسندر أن أقدم مثال لمنع الكتاب في تاريخ المسيحية قد سجل في العصر القديم في سنة 325م، حين اتخذ مجمع نيقيه قرارا بمنع مؤلفات أسقف الإسكندرية آريوس التي ورد فيها آراء عن التثليث تتعارض مع تفسيرات الكنيسة الرسمية. كما يشير ألكسندر إلى أن أول تسجيل للكتب غير المرغوبة قد حدث في القرن الخامس الميلادي في سنة 494م.
تلكم الإشارات السابقة لا تشير فحسب وإنما تؤكد على أن منع الكتاب وحرقه وظيفة هامة في التاريخ، تكاد تتجاوز أهميتها عناصر الكون الأربعة في تلك الأزمنة، أما في عصرنا الحاضر، فتماثل أداة فاعلة لتنشيط الممنوع، والدعاية المجانية له!
يُنشط الممنوع بمجرد أن ندرك أن كل ممنوع مرغوب. فتاريخ المنع والحرق في المجتمعات العربية والإسلامية تاريخ عظيم! يصل إلى درجة من الابتذال والحقارة التي تُدهش المتابعين والمتأملين والحالمين بالخروج من هذه المجتمعات واستبداد الرقابة والسلطة فيها إلى الحرية والعدالة. ومهما دخل من أسباب في تنشيط تلك الظاهرتين، فإن أكثر الكبائر وضوحا هو الاختلاف السياسي مع فكر وعقيدة المبدع! لقد تمكنت السلطة السياسية في المجتمعات العربية والإسلامية عبر نضالها غير المشرّف لوأد الاختلاف من ترسيخ المبدأ القائل: من ليس معنا، فهو ضدنا! كلنا نتذكر كيف تم الزج بقضية الحجاب في فرنسا إلى الرأي العام فتحول الفكر الحرّ المنطلق من قناعات إيمانية شخصيّة، إلى لعبة سياسية يتحزب لها اليمين المتطرف، ضد اليسار أيضا المتطرّف! فبدت اللعبة المكشوفة مضحكة جدا، إن لم تكن سخيفة! ويظهر أن الوشيجة ما بين الحجاب والكتاب متصلة ومتقاربة ومتباعدة، كما أنها متجاذبة ومتنافرة، كالعلاقة التي ما بين السلطة والمبدع. ويمكن الكشف عن هذه الوشيجة من واقع تتبع المعجم الدلالي والمعنى الإشاري لتطور الألفاظ. إذاً من الواضح تاريخيا أن أي سلطة مستبدة تريد منع الكتاب أو حرقه لاختلاف مع فكر المبدع وعقيدته، تستقطب في أبسط الأحوال مشجب الدين والهرطقة وانحراف المبدع في أفكاره التي ترى السلطة أنها تضرّ بالقارىء، وبالضرورة يستقر لدى السلطة بشكل تدريجي وسوسيولوجي مبدأ موازيا للمبدأ السابق يقول: إنّ أي ضرر بالقارىء هو ضرر بالمجتمع، وانطلاقا من مبدأ الدفاع عن المجتمع وفرض الوصايا، تنشطر القريحة لاقتراح تحقيق إحدى العقوبات الثلاثة بالكتب غير "المرغوبة والخطرة": إما السحب أو المنع أو الحرق! وكلها والعياذ بالله عقوبات انتقالية منذ بدء عصر التدوين إلى عصر ما بعد الحداثة وزمن الميتافيزيقية! وهذه العبقرية الداهية ذات الدم البارد تمكنت تاريخيا من أن تخلق عدم الثقة في القارىء فزعزعت مفاهيمه الشخصية، واستلبت تفكيره حتى جعله كائنا مشوها نفسيا وممسوخا من الداخل وجاهزا كأي ذئب طريد لاقتناص أي رأي مختلف عن رأيه، والانقضاض عليه دونما رحمة.
فهل كان الشخص الذي اعتدى على الأديب الراحل نجيب محفوظ وطعنه بالسكين قارئا لمؤلفاته؟ وهل كان حرق مؤلفات ابن رشد، والتنكيل بالشاعر لسان الدين ابن الخطيب نابع عن احترام في الاختلاف الفكري؟ أليس مبدأ الاختلاف آية من آيات القرآن؟ إن تراث الكذب والإدعاء، إحدى فضائح هذا التاريخ القديم والمعاصر! وفي تعبير دقيق وبليغ يصف الدكتور نصر حامد أبو زيد القوانين المعطلة لنصرة الاختلاف واحترامه وتقديره في الرقي بالفكر والمجتمعات، يصفها في بلاده بكراكيب السطوح، وهو وصف على ما فيه من التفكه والضحك، فيه الشعور بالمرارة والأسى، من واقع مؤسسات وسلطات ومجتمعات عربية وإسلامية تعتقد تاريخيا أنها قد قطعت شوطا في المدنية والتقدم والعدالة، لكنها عبر اختبارات بسيطة، تكشف عن التعثر والتخبط في التعامل مع ما تعتقد أنه يتعارض مع سياستها، وكأن المبدع سوف يقوم بانقلاب ما، أو أنه سيشكل طابورا مدججا بالرصاص لإطاحتها. تبدو المفارقة العجيبة حقا هي أن لا تتحاور السلطات مع إنسان مقهور استطاعت كما أسلفنا النجاح في تدجينه وتهذيبه وكهربته عبر مراحل تاريخية طويلة من الذّل والامتهان! لأنها كما يبدو لا تستطيع أن تتكهن في لحظة ما بسلوكه النفسي وانفعاله المكبوت، فمثلا: الطفل الفلسطيني الذي رأى أمه تموت بين عينيه، وتربى على برامج من القتل اليومي، ماذا يُنتظر من ردة فعله أو انفعاله في قادم الأجيال التي رأت وخزنت في ذاكرتها مفهوم الظلم الشهادة؟ هل تستطيع العلوم النفسية المتقدمة بما توفر لها من قراءة تفكيكية ونفسية للإنسان المقهور التنبؤ بردود غضبه وقهره عبر عشر سنوات قادمة على الأقل؟ وحال هذا الطفل وأجيال شبيهة مثله عاشت غاضبة ومقهورة ما يقرب سبعين سنة من حروب الإبادة بالرصاص والكلمات جنبا إلى جنب، لا يختلف عن حال الإنسان المبدع المسلوب أو المقهور، بدرجة من الدرجات. وإذا كان تاريخ الكتاب هو تاريخ فضح الكذب، فإن تاريخ فضح الكذب من فضح تقاليد السلطات. ويبدو أن عبارة الفيلسوف جيته الشهيرة والصادقة القائلة بأن الذي لم يتعلم الدروس الثلاثة آلاف سنة الأخيرة سيظل في العتمة، باتت بحاجة لاختبارات كثيرة أخرى ليس من الصدق، بل للمزيد من الكذب..

آمنة الربيع


أعلى





القـرنُ والوحيدُ وأشياء أخرى

وحيد القرن وابن بطوطة
وكأنني أتذكّرُ الآن تلك اللحظة التي التمع فيها (الكركدنّ)، أو (الخرتيت) أو (وحيد القرن) في عينيْ ابن بطوطة كسراب من لهب أسود، أو كرأس بلا جسم، وكأنني أرى الآن ذلك الحيوان يتقدم في أحراش الهند وغاباتها نحو الرجال الذين يريدون رأسه، كما يتقدّم إلى ابن بطوطة ليصفه في كـتابه "تـُحفةُ النـُـظـّار، في غرائبِ الأمصار، وعجائبِ الأسفار" المعروفِ برحلةِ ابنِ بطوطة:
"ولـمـا اجتـزنا نهر السِّـند المعروفِ بـِ "بـَنجْ آب": دخـلـْنا غـِيضة قـصـب؛ لسـلوك الطريق، لأنـّه في وسـطـها. فخرج علينا الكركدنّ. وصورتـه أنـّه حيوانٌ أسودُ اللون عظيمُ الجـِرْم ِ، رأسـه كبيرٌ مـتفاوتُ الضـّخامة. ولذلكَ يـُضرَبُ بـه المثلُ فيـُقال: "الكركدنّ رأسٌ بلا بـدن". وهـو دون الفيل، ورأسـه أكبر مـن رأس الفيل بأضعاف. وله قـَرْنٌ واحـدٌ بين عينيه، طولـه نحو ثلاثة أذرُع، وعـرضـه نحو الشـبـر. ولمـا خرج علينا عارضـه بعضُ الفـرسان في طريقـه: فضربَ الفـَرَسَ الذي كانَ تحتـه بـقـرنـه، فأنفـذه في فخذه وصـرعـه، وعاد إلى الغـِيضة، فلم نقدرْ عليه.
وقد رأيتُ الكركدنّ مرة ثانية في هذا الطريق، بعد صلاة العصر، وهـو يرعى نبات الأرض، فلمـا قصدناه هـرب مـنـا.
ورأيـتـه مرّة أخـرى ونحن مـع مـلـك الهند، دخـلنا غـيضة قـصـب، وركـب السلطان على الفيل وركـبنا مـعـه الفـِيـَلـَة. ودخـلـت الرِّجالة والفـرسان، فأثاروه وقتلوه واستاقوا رأسـه إلى المَـحَـلّـة".

وحيد القرن وسلفادور دالي
في ليلة السابع عشر من ديسمبر من عام 1955، جاء الهذيانيّ ُ والمُوَسْوِسُ والمُهَلْوِسُ والمؤمن كثيراً بالفنّ (فحين لا يؤمن المرء بشيء ينتهي إلى رسم لا شيء).. جاء سالفادور دالي إلى باريس في سيّارة "رولز رويس" مملوءة بالقرنبيط، رغم أنه لم يكن بعد موسم قرنبيط، وألقى كلمة أمام حشد هائل في المدرج الكبير لجامعة السوربون.
وفي خضمّ امتلاء المدرج بكلماته واستنتاجاته وسخريته بالفنّ الحديث المعاصر والرسامين الشباب والتجريديين والأخلاقيين والأكاديميين مع استثناءات قليلة.. استشهد دالي، في خطبته الفنيّة تلك، بذكرى واقعة، حدثت له في طفولته، حين كان في التاسعة من عمره، حيث كان يجلس عارياً في غرفة الطعام، مرتكزاً بكوعه على المائدة التي نُثـِرَ عليها فتاتٌ من الخبز، متظاهراً بالنوم، كي يلتفت اهتمام الخادمة.
ما حدث بعد ذلك، كما يسرده دالي، هو نوعٌ من النشوة الغِنائيةِ بغِناء عندليب، سالتْ لها دموع عينيه، وبعدها مباشرة، وقعتْ عيناه على لوحة "صانعة الدانتيلا" لفيرمير، المعلقة على حائط غرفة مكتبة أبيه، من خلال الباب الذي تركته الخادمة مُوارَبا، في لحظة كان يفكر فيها دالي بقرون الخراتيت!.
فيما بعد، كما يسرد دالي أيقونته الهذيانيّة، طلب الفنان من متحف اللوفر إذناً برسم نسخة للوحة "صانعة الدانتيلا". وصل دالي ذات صباح إلى المتحف وهو يفكّر في قرون الخراتيت، وأمام دهشة الجميع فقد ظهرت على اللوحة التي يرسمها قرون الخراتيت!.
لكن ما السبب في ذلك كله؟ ماالذي يبحث عنه دالي في تلك الحادثة المبكرة التي استدعاها من بئر طفولته؟. إنّ الألم الذي أحدثه احتكاك كوعه بفتافيت الخبز الجافة: مكنه من النظر إلى لوحة "صانعة الدانتيلا" على حقيقتها، كاكتشاف نادر مذهل.. وقد كانت قرون الخراتيت مشحونة ومعبأة بها أثناء تلك النشوة العقلية التي هزّته عميقا.
ذهب دالي، في سيرته الذاتية، ومن خلال كلمته التي ألقاها في مدرج السوربون، للحديث حول تركيب وتشكيل زهرة عبّاد الشمس، التي توصّل ليوناردو دافنشي إلى بعض خصائصها عبر رسوماته. اكتشف دالي في دراسته المعمقة أنّ في اتصال اللولبيات التي تكون زهرة عبّاد الشمس، توجد بوضوح الانحناءة الكاملة لقرن الخرتيت!، وفي كل زهرة عبّاد شمس وجد، على الأقل، خمس عشرة صانعة دانتيلا.. وأنّ كل شيء في رسومات "رافائيل" يتكون من مكعبات وأسطوانات لها أشكال مشابهة للمنحنيات اللوغاريتمية الملاحظة في قرون الخراتيت!.

وأين سيبلغ بك الهذيان والحلم يا دالي؟.. إنّ دالي قد وافق أحد أصدقائه كما يبدو، على تحليل إحدى اللوحات، التي رأى فيها صديقـُهُ وجه "جالا" ـ محبوبة دالي ـ مكوّناً من ثمانية عشر قرن خرتيت!. والخُلاصة التي سيصل إليها هي أنّ في لوحاته أعراض لقرون خراتيت تشير وتلمح إلى إعلاء ذلك العنصر الذي تحوّل داخله بالتدريج إلى عنصر صوفيّ. ولهذا تماماً عرض على الجمهور الباريسيّ لوحة خرتيت مسكين، يحمل على طرف أنفه صانعة دانتيلا صغيرة، بينما كانت صانعة الدانتيلا نفسها عبارة عن قرن خرتيت ضخم، ليس له وحشية قرون الخراتيت، ويمتلك قوة روحية عظيمة..
هكذا قال دالي عن الخراتيت، منحياً الحديث عن الثيران، التي تركها، تركض أو تتحجّر، في لوحاتِ مواطنه اللدود بيكاسو!..
وليس من باب استعراض الكتب، ولا القراءات، بل من قبيل وحيد القرن ذاته، من باب الحيوان الذي ترك تأثيره على تجربة فنية كبرى، سيتحفنا دالي في سيرته الذاتية، في "يوميات عبقري" تلك التي ترجمها إلى العربية أحمد عمر شاهين، وصدرت ضمن كتاب الهلال، بالرأي الخرتيتيّ التالي:
"أشكـُرُ مـَرّة ً ثانـِية ً: سيجمونـَدْ فرويد، وأُوافـِقُ بصوتٍ أكثرَ عـُلـُوّاً على حقائـِقـِهِ الكبيرةِ التي اكتشفها. ففي تحليلي الاستبطانـِيِّ المـُدَقـِّق ِ المـُتواصـِل ِ لأفكاري الضئيلة: اكتشفتُ لـِتـَوِّي، ودونَ أنْ أُدْرِكَ، أني لمْ أرسـُمْ شيئاً في حياتي كـُلـِّها إلا قرونَ الخراتيت.
في سـِنِّ العاشرةِ، كـُنـْتُ طـِفلاً كالجـُندُب، أتلو صلواتي على أربعٍ، أمامَ طاوِلةٍ مصنوعةٍ مـِنْ قرنِ خرتيت. كانتْ بالنسبةِ لي خـَرْتيتاً بالفعل.
ألقيتُ نظرة ً أخرى على كـُلِّ رُسومي، وذُهـِلـْتُ مـِنْ كـَمِّ الخراتيتِ التي تحتويه. حتـّى لوحتي المشهورة "خـُبز" هـِيَ بالفعل ِ قرنُ خـَرتيتٍ يستلقي في سـَلـّة. أفهمُ الآنَ حماستي يومَ أهداني "لوبـِز" عـَصايَ الشهيرة َ المصنوعة َ مـِنْ قرنِ خـَرْتيت؛ بمجرَّدِ أنِ امتـَلـَكـْتـُها: أثارَتْ بـِداخـِلي تخيـّـُلاتٍ غيرَ معقولةٍ تماماً، والتصقتُ بها بطريقةٍ مـَرَضـِيـّةٍ غيرِ مفهومةٍ، تـَصـِلُ إلى دَرَجةِ المـَسّ. لـِدَرَجةِ أنـّني ضربتُ ذاتَ مـَرّةٍ حـَلاقاً كادَ يكسـِرُها دونَ قـَصـْد، وذلكَ حينَ أحنى بـِسـُرْعةٍ كبيرةٍ الكـُرْسـِيَّ الذي وَضـَعـْتـُها عليهِ بـِرِقـّة. ضربتـُهُ بـِشـِدّةٍ على كـَتـِفـِه. لكنـِّي بالطبعِ مـَنـَحـْتـُهُ بـَقشيشاً كبيراً جـِدّاً حـتـّى لا يغضـِب.
الخراتيتُ.. أيها الخراتيتُ.. مـَنْ أنتِ؟"..

وحيد القرن في النيبال

بعد أسبوع كامل، وبعد أن ضقت ذرعاً بالغبارالمتطاير، الذي يزكم الأنوف، في العاصمة النيبالية "كاتماندو"، اشتريت بعض أصابع الموز، وصعدت الحافلة المتوجهة إلى غابات شِتْوان، لتمضية ثلاثة أيّام هناك، وللعودة بعدها إلى كاتماندو مجدداً، كي لا أبتعد كثيراً عن "ألسنة وحكايات" المدينة، وعن "كاميلا" و"بابو" الذين صادقتهما بعيداً عن الألسنة، وقريباً من القلب...
سحرتني الغابة، بفضائلها وأنسامها، بأخلاقها وأشجارها الكثة، بحشائشها وأزهارها، بطيورها وحيواناتها.. وانفرطتُ في نشوة النهر، في الصباح الباكر، بينما كنتُ برفقة سائِحَيْن آخـَرَيْن، أحدهما امرأة، في جندول صغير، يجدف به مجدافيّ خبر خفة القارب وسِرّ الماء وكائنات الماء.. وفي صمت جليل، عبرنا النهر، متأملين أعشاش "نقّار الخشب" تارة، وتارة مراتع صغار التماسيح، وأخرى بهجة الغابة ورذاذ الأسرار وعبق الفضاء المخمور المُشَجّر...
في شِتوان أيضاً، ما أزال أتذكر نظرة الفيل الكبير، الذي كان الصيّادون ينشرون عاجه الأبيض، والذي ستتداوله أيدي السائحين باستغراب ومودّة، تلك النظرة التي سدّدها لي، كأنه يصرخ في داخله صرخة استغاثة، بينما كان المزارعون يتحدثون عن المقارنة بين ناب الفيل وإظفر الإنسان، وأنّ كلاهما ينموان، ولا يحدث قصّهما ألماً...
وفي شِتوان، بعد أن قطعنا أربعة كيلو مترات، متوغلين في الغابة، مشياً على الأقدام، هطل قبالتنا، بأمتار قليلة، رُخّ البريةِ وأبو هولها الضخم... كان وحيد القرن هناك، مسدّداً نفسه بالجري قبالتنا، نحونا، في بغتة قادمة من بين الأشجار الكثيفة، ثمّ ما لبث متسمّراً ورافعاً قرنه المهول كعلامة تحدّ لا توصف.. كأنه يعاين اندحارنا النفسيّ، وفوضانا البائسة..
ركضنا نحن الأربعة، بعد صرخة المرشد السياحي، نحو الأشجار، لنتسلقها في فجأة كرتونية ومشهد يختلط به الرعب والكوميديا.. تسلقتُ كقرد قد أسعفه الموز القديم بشيء من النشاط، بينما كان الأكاديميّ الهنديّ، القادم من بونا، يرتب أمر صعود زوجته البدينة ورائي، ثمّ يلحق بها، متشبثاً بجذع قصير، واتته الصدفة الناقصة أن يرتفع إليه..
أرسل المرشد السياحيّ عصاه الطويلة، إلى حيث يقف وحيد القرن تماماً، (هل ستنفعنا عصاك يا صاح؟). وكان موفقاً كرامي سهام متمرّس.. بينما كان التوقيتُ دقيقاً في اقتراب مزارع على ظهر فيل ضخم، يعيش سلامه الكامل هناك، على تلك القبة الخرافية، ناهِراً وحيد القرن، وآمِراً إيّاه بالتراجع والذهاب بعيداً إلى داخل الأحراش الغابيّة..
وفي لحظة صمت قاتل، ألقى وحيدُ القرن علينا جميعاً، نظرة استعطاف وتعفف، لاوياً بدنه وقرنه في سرعة مدهشة، إلى أن غطّته الغابة بكبريائها وحراشفها الخضراء الكثيفة... ( ومادمت يا صديقنا حشائشياً، كرفيقك الفيل، فلماذا لا تحكّ قرنك المهتاج بشجرة ما بدل أن تغرسه في بطن ما؟)..
شكرناه في قلوبنا المنخلعة، واستعدنا الطريق والمشي، بحذر ما يزال ساخناً من حكاية القرن والوحيد..
كانت المرأة البدينة ما تزال ترتعش، وقد تحركّت أمعاؤها كثيراً، في ذلك الطريق، بينما كان الزوج الأكاديميّ الطيب يهديء من روعها حيناً، وحيناً آخر يعلق على أمعائها بكلمات طريفة، كنتُ والمرشد صامتين حيالها، حتّى لا ننفجر من الضحك!..

وحيد القرن والسيد المسيح

في عقلية القرون الوسطى، وفي حُمّى المعاني والرموز، التي تمثلها الأشجار والطيور والحيوانات، نقرأ في كتاب جِيوم "كتاب الحيوان المقدّس" بأنّ " وحيد القرن يمثّل السيّد المسيح، وقد اتّخذ هيأتنا. وهو في رحم العذراء خانه اليهود، وأسلموه إلى يد بيلاطس. أمّا قرنه فهو يعني حقيقة الإنجيل"!.
لعلّ ذلك يصبّ أيضاً، في تأويل ٍ ما، إلى أنّ قرن الخرتيت مثل شجرة طيبة أصلها ثابت، وفرعها في السماء!..
لنعترف، أخيراً، وليس آخراً، أنّ وحيد القرن، يمتلك شيئاً قدسياً وحيداً، هو قرنـه. وأن لا سرعته ولا جسمه ولا حشائشيته هي الأكثر قوّة فيه، (ومن يدري ربّما الأنفس والأنبل فيه أيضاً)، بل قرنه الظافر، المعزّز بالشمس والهواء ونداء البراري... وعبره، ومن خلاله، تنتحب كينونته، ويتصاعد حنينه السريّ إلى المُطلق..


صالح العامري*
* شاعر عماني


أعلى






وليم جولدنج .. وانتفاء صفة البراءة من العالم الإنساني
غيرت الحرب من رؤية جولدنج للحياة، ووجد أن الأطفال ليسوا بتلك البراءة أيضا

تتبدى رؤى جولدنج عن الإنسانية في أغلب أعماله الأدبية خصوصا رائعته المشهورة (سيد الذباب)

لم يكن وليم جولدنج ضابطا في البحرية البريطانية بقلبه المائل نحو عالم الأدب بكل جمالياته وغموضه، بل كان ذلك الشاب المعانق لخبايا العالم البربري. لقد منحته تجاربه رؤية أفضل لعالم يعج باللا عقلانية والسوداوية التي تبدت مقنعة الملامح في رائعته (سيد الذباب).
وقبل أن أبدأ في الدخول إلى عالم (سيد الذباب) لفت انتباهي ذلك التعليق البسيط على ظهر الرواية، والمنسوب إلى (النيويورك تايمز). ووقع أول ما وقعت عيني عليه تلك الجملة التي تنتهي بـ : " ... على حمل القارئ نحو الذروة الدموية للقصة "
ولم أدر أنني سأصير مرددا طوال نهاري وليلي تلك الكلمات التي ألفت الرقصة الشهيرة التي أخذتني نحو الذروة الدموية اللا متوقعة للأحداث. حينما أصبحت أترنم في كل وقت ومكان قائلا :" اقتلوا الوحش اقتلوه .. اسفكوا دمه ... انحروه .. ".

من هو وليم جولدنج ؟

ولد وليم جيرالد جولدنج في سنة 1911 للميلاد في بلدة كورنويل في بريطانيا من عائلة موهوبة. درس الفيزياء والأدب الإنجليزي في جامعتي مارلبورو وأكسفورد. وشارك في الحرب العالمية الثانية عندما التحق بالبحرية الملكية البريطانية في العام 1940. ولقد غيرت الحرب من رؤية جولدنج للحياة، إذ لم يعد يؤمن ببراءة الإنسان، ووجد أن الأطفال ليسوا بتلك البراءة أيضا. ولا أحد بريء حيث يؤثر المجتمع وطريقة الحياة بجعله يتظاهر بأنه بريء. وإن الظروف العصيبة هي التي تجعل الإنسان يظهر الجانب السوداوي منه.
ولقد عمل بعد الحرب من العام 1945 إلى العام 1962 مدرسا في سالزبوري، عندما بدأ في الدخول إلى عالم الكتابة، وابتدأ في نشر كتاباته وأولها (سيد الذباب) عام 1954، و(الوارثون) 1955، تليها (بنتشر مارتن) 1956، و(السقوط الحر) 1959، وتوالت بعدها رواياته التي تقارب السبعة عشر رواية.
وتتبدى رؤى جولدنج عن الإنسانية في أغلب أعماله الأدبية خصوصا رائعته المشهورة (سيد الذباب) التي لم تنل شهرتها في الحال، والتي تعتبر الآن أحد أفضل الكتب في الأدب الإنجليزي.
حصل ويلم جولدنج على أكبر جائزة في الأدب البريطاني وهي جائزة (بوكر ماك كونيل)، وحصل في العام 1983 على جائزة نوبل للآداب على ما قدمه للأدب العالمي. ولقد درس وليم جولدنج في اليونان أيضا، وأحب الأدب اليوناني وتأثر به، وظهر ذلك جليا في مؤلفاته وخصوصا كتابه الأخير (اللسان المزدوج) في العام 1993.
توفي جولدنج في العام 1993 في ويلتشاير في بريطانيا قبل نشر كتابه الأخير الذي نشر في العام 1995.

سيـد الذباب

تعتبر رواية سيد الذباب من أعظم روايات وليم جولدنج. والتي تم نشرها في العام 1954 ومنح على إثرها جائزة نوبل للأدب في العام 1983.
تتكون هذه الرواية من تتابع اثني عشر فصلا في تناغم متناسق لتؤلف فصول الرواية، التي يتمثل في مجراها الخفي الشيطان أو الشر الكامن بداخل النفس البشرية. ويتجلى كل ذلك واضحا في التقمص الموهوب لشخصيات النص، وتجليات الأحداث وانزلاقها نحو ذروة الدموية المبتورة. وهي قصة عن مجموعة من الفتيان الصغار وقعت لهم حادثة بالطائرة وهم الناجون الوحيدون في جزيرة مهجورة. ولقد حاول هؤلاء الفتية البقاء بدون مساعدة من عالم الكبار، واتخذوا بقاءهم كلعبة مسلية حيث اختاروا أكبرهم ليكون القائد. وسرعان ما انقسموا إلى فريقين بسبب اختلافهم في طريقة رؤيتهم للأمور. وتختار المجموعة الأخرى قائدا لها، ومن ثم تتقاتل المجموعتان بطريقة أبعد ما تكون عن الطرق البريئة لعالم الصغار. يوضح جولدنج في هذه الرواية طبيعة الكائن البشري والذي ليس بريئا نقيا كما نعتقد، إذ قبل أن يحصل الأولاد على أساسيات النظام الاجتماعي وطريقة تشكيله، وجدوا أنفسهم واقفين على المنصة متأهبين لصياغة النظم والقوانين، وبذلك أصبحوا متوحشين وعديمي الرحمة مثل الحيوانات.
إن أفكارا كهذه يطرحها جولدنج تعطي توضيحا شاملا عن بربرية الحرب، تلك اللعبة التي يعرفها الإنسان منذ البداية الأولى، واللعبة التي لن تتوقف الطبيعة الإنسانية عنها، والتي يصيغها جولدنج للقارئ بلغة تتسم بالسوداوية والتشاؤمية مشحونة بالظلام والعنف لتسير به رويدا رويدا للنهاية التي رسمها له.
وتبدأ سلسلة أحداث الرواية بالفصل الأول (صوت البوق الصدفي) حيث يلتقي رالف وبيجي معا بعد حادثة إسقاط الطائرة التي تقلهم في تلك الجزيرة (الغابة) المهجورة التي ترك حادث سقوط الطائرة أثرا بينا عليها مما يمثل أول عمل تدميري للجنس البشري على براءة الطبية متمثلة في هذه الجزيرة. وبذلك فإنهم سيكونون في معزل عن الحرب الدائرة في الخارج وسيبنون بأنفسهم عالمهم الخاص.
ولقد رأي بيجي بوقا صدفيا وقام بتعليم رالف كيفية استخدامه لإصدار صوت لمناداة بقية الأولاد الذين يكونون قد نجوا من تلك الحادثة على الجزيرة. وقد مهد هذا الفصل بحوار بدائي بين رالف وبيجي لاستحالة إنقاذهم ومعرفة العالم الآخر بوجودهم في تلك الجزيرة، ودفن بصيص الأمل في صدر رالف ذي الإثني عشر عاما من أن يقوم والده الذي يعمل ضابطا في الجيش بإنقاذهم حينما يعطى إجازة.
ولقد نجحت فكرة البوق الصدفي فانضم إليهم أفراد الجوقة جوني والتوأمان سام واريك وسيمون وبقية الأولاد بما في ذلك الصغار والذين تبلغ أعمارهم السادسة والسابعة. وتبلورت بعض القوانين بعد تنصيب رالف رئيسا. ومع إصرار جاك الذي يناهز عمر رالف على محاولة الصيد، انضم إليه أفراد جوقته في محاولاته البدائية للصيد. وبالرغم من أنه لم يفلح في صيد خنزير صغير بسكينه في المرة الأولى، إلا أن فشله ذلك أنذر بالمستقبل المتوحش لهذا الفتى.
ويأخذنا جولدنج في هذا الفصل بكل يسر من عالم البرائة (المفترض) والذي تبدى عاريا في حوار رالف وبيجي وحلم إنقاذهم، وفي الطريقة التي يصف بها تعامل الأولاد مع بعضهم البعض وأسلوب الحديث الجريء وطريقة لبسهم وتصرفاتهم. ليحطنا بعد كل ذلك خطوة بخطوة لينفي كل تلك البراءة المفترضة في تتابع الفصول الأخرى. وبذلك فهو لا يرمي الاتهام (الفكرة) بل يترك الأحداث تتسلسل لتصوغ لنا تلك الفكرة الدموية.
يبدأ مشهد الفصل الثاني (نار على الجبل) بوصف دقيق للبرلمان المصغر الذي اختلقه الأولاد في عالمهم الجديد، وتفصيل وقائع ما حدث في أول اجتماع لهم عندما حاول رالف جاهدا التوضيح للجميع بأنهم وحيدون على أرض الجزيرة وأنه لا وجود للكبار أبدا وذلك بعد جهد وارتباك واضحين وبمساندة فعلية من بيجي. فيما أعاد جاك ذكر فشله الأول في الصيد وطالب بوجود بعض الصيادين معه. كما تمت إضافة بعض القوانين مثل: اعطاء الإذن لمن يمسك بالبوق بالتحدث فقط. وبشكل غير متوقع تحدث أحد الصغار ذي الست سنوات عن وجود وحش في مكان ما بالجزيرة ولكن الجميع ردوا بأن ذلك من تخيله فقط.
وشدد رالف على إشعال نار لتكون إشارة من أجل إنقاذهم، وتحرك الجميع بشكل مبعثر وأهوج لجمع الحطب لإشعال تلك النار دونما وجود تخطيط واضح لتلك الفكرة وكيفية تنظيمها بل وحتى طريقة إشعالها. ولقد قاموا في النهاية باستخدام نظارتي بيجي لإشعالها وذلك بفعل قسري من جاك. وفي غياب التخطيط والحرص، انتشرت النار بسرعة تحت الجبل مبتلعة ذلك الصبي الصغير ووحشه في مخيلته.
ولقد بدا بيجي نافرا من تصرفات الأولاد الطفولية (وهم أطفال حقا ولكن بيجي كان يتصرف تصرفات البالغين) حينما ذكرهم بطريقتهم اللا مسؤولة في التعامل مع النار. كما بدأ جاك في إبداء علامات الشراسة أثناء مجادلته رالف وادعاؤه بأن (قانون البوق) لا يعتد به في الجبل.
ويبدأ الفصل الثالث (أكواخ على الشاطئ) بمشهد جاك وهو يترصد خنزيرا، وعندما وصل إلى الشاطئ وجد سيمون ورالف منهمكين في بناء الأكواخ. واشتكى رالف من عدم وجود أولاد للمساعدة في بناء الأكواخ فيما حاول جاك المجادلة بان الصيد أهم من بناء الأكواخ. ولقد تطور هذا الأمر إلى مجادلة أخرى بينه وبين رالف عندما أصر رالف على أهمية وجود النار كإشارة، ويصر جاك على أهمية الصيد مما قاد ذلك إلى بداية تنافر مشترك بينهما. كان سيمون يقطف الفواكه للصغار متجاهلاً هرج الآخرين ومتخذاً طريقه إلى الغابه حيث عثر على مكان خال من الأشجار, وتسلق إلى بساط من النباتات المعرشة وبقى هناك, كان يستمتع بالهدوء والسكون في هذه النقطة المنعزلة حيث يستطيع البقاء على تواصل مع الطبيعة.
ويبرز من خلال هذا الفعل مصطلحي الإنسانية والرؤية الضيقة من حيث اهتم جاك بالصيد فقط وعدم مقدرته على رؤية الأمور الضرورية الأخرى لبقائهم أحياء, واقترب للعراك مع رالف والذي أنذر بازدياد الخلافات القادمة على طول الخط. فيما أبرزت تصرفات سيمون شخصيته الطيبة والمسالمة والمحب لمساعدة الغير في ضبابية الصفات الأخرى.
وفي بداية الفصل الرابع يصف جولدنج (وجوه مطلية وشعور طويلة) الطريقة التي اعتاد الأولاد عليها للعيش على هذه الجزيرة, ووصف بدقة بارعة طريقة لعبهم وطريقة أكلهم بل وحتى مشاعر الشوق والوحدة والخوف, وكان وصفه لبرسيفال الذي انعزل بداخل الأكواخ يومين في البكاء والحديث مع نفسه والغناء حتى اعتبره الآخرون مخبولاً مشهداً مدللاً على انقسام الحال وبداية تضاربه في حين واقترابه وتماسكه في أحايين أخرى. ولقد صور الكثير من طريقة ألعابهم ولهوهم على الشاطئ ومنها بناء القلاع الرملية وطريقة تعدى الكبار منهم على الصغار بشكل مفصل وبريء كما يحدث في عالم الأطفال في كل مكان.
وفي هذا الفصل مشهد مقارن للانفلات الطبيعي من النظم والقوانين البشرية (المدنية) والانطلاق المثير في نواحي الطبيعة بكل تجلياتها وغموضها. وكان المشهد متبديا بشكل سافر في صورة هنري المتأمل وروجر الذي كان يتبعه بشكل متخف.
ونتحول بعدها وبشكل انتقالي إلى مشهد جاك القريب وهو يصبغ جسمه ووجهه بمزيج من الطين الأبيض والأحمر شارحا لروجر أنها ألون تمويهية للصيد (كما في الحرب )، وفي الجانب المقابل لهذه الجدية الشرسة كان رالف وبعض الآخرون يستحمون في البركة عندما رأى رالف دخان سفينة عابرة فيما لم يكن هنالك من إشارة على أن هناك إشارة من قبلهم، وبدا مشهد رالف متقدا وهو يجري مخترقا بجسده النحيل النباتات والأشجار وهي تخترق جسمه متجها إلى الجبل ليجد النار قد انطفأت، وليتحول تلهفه إلى غضب عارم ليفجره في وجه جاك وفرقة الصيد القادمة من الغابة بفرح ليتحول الموقف حينها إلى ألم وحزن.
وهكذا يسير تناغم الأحداث في الصعود التدريجي نحو الذروة ليصل إلى كسر نظارات بيجي عندما اعتدى عليه جاك وضربه حينما احتدم الجدال بينه وبين رالف حول ضياع فرصة العودة إلى المنزل فيما كان هو يحاول تبرير ضرورة الصيد، وذلك الانقسام المأساوي الذي تركه هذا الجدال على بعض الصبية الذين بكوا بسبب ذلك.
وخيمت سحابة بدأت تثقل شيئا فشيئا حاملة معها ترسبات الأحداث الصغيرة والكبيرة التي مر بها الأولاد في مسيرة الأيام الماضية، وعبرت بهم ذلك السكون المظلم الذي خلفه أول عراك بينهم وانحسار الغطاء عن عدوانية جاك وشراسته لينتهي بتلك الرقصة التي مثلوا فيها طريقة قتل الخنزير حيث يتجمع الصيادون في دائرة ويكون في وسطها من يمثل صراخ الخنزير وهم يتظاهرون بحصاره وضربه ويرددون (اقتلوا الخنزير .. انحروه .. اسحقوه) والتي كشفت بداية انزلاقهم نحو البربرية المطمورة.
ولتعبر بهم تلك السحابة أياما من الخوف والترقب وتضارب الفرقة والاتفاق، حيث يعود الحديث عن وجود الوحش بالغابة أو ذلك الذي يخرج من الماء برغم بعض صرخات السخرية من تلك الفكرة وبرغم تأكيد سيمون أنه كان الوحش الذي تخيله الولد الصغير، إلا أن فكرة الوحش والخوف كانت ساكنة في أعماق العقول الصغيرة .
وقفزت الأحداث إلى قمة الاختلاف، وابتدأت مظاهر الفرقة واللجوء إلى حوار العنف في التبدي، حاملة معها تلك الفكرة التي ستحط رحاها بنا إلى عالم من البربرية لا يختلف أبدا عن العالم الذي نعرفه ونعيش فيه. ذلك العالم المملوء بالخوف والرعب من المعلوم والمجهول معا، ذلك العالم الذي تتفشى فيه فكرة العنف والحرب وإقصاء الآخر.
ويعيش هؤلاء الصبية عالم الخوف بكل بساطته وعفويته، حيث تبدأ أسطورة البحث عن التفسير في الظهور على السطح بعد حكاية برسيفال الصغير عن الوحش القادم من الماء، يتبعه بعد ذلك تفجير التوأمان حقيقة الوحش القابع على قمة الجبل، والتي كانت القشة المرتجاة لقصم ظهر العلاقة المتأرجحة لهذه المجموعة المتنافرة التماسك.
ونرانا نلج توالي الأحداث بكل حاسة لدينا، حيث انتقى جولدنج تركيب مصطلحاته وتنميق فقرات الفصول بكل تمعن جارا إيانا للدخول إلى عالمها المرعب المبهم، ونعيش حالة التأهب والترقب لدى أولئك الصغار الذين يواجهون عالم الخوف لوحدهم بدون مساندة أو احتماء.
وتتسارع أحداث الرواية انزلاقا إلى المشهد الدموي (المظلم) والذي اختلطت فيه الطبيعة، بالهلامية، باللا شعور، حيث صور لنا جولدنج في (مشهد قتل) صورة تمثيلية مرعبة لأول عملية قتل يقترفها هؤلاء (الأبرياء) عندما مزج تللك الأحاسيس المتقدة في قلوبهم وتعبيرهم عن انتصارهم (الوحشي) عندما قتلوا أول خنزير، لتتراكم الصور متداخلة في مسرحيتهم الراقصة، ولتوقع معها أول ضحية لهذه البربرية (الدفينة).
لقد هيأ الكاتب الجو ورسم المحيط الخارجي بشكل متقن ليرمي بالنتيجة المرتجاة رميا سلسا يسير بكل تناغم مع سير الأحداث. حيث كان اسوداد الجو بفعل السحب الثقيلة السوداء، ودوي صوت الرعد، والمطر الغزير وغروب الشمس، وانهماك الصبية في تمثيل رقصة قتل الخنزير وضرورة وجود أحدهم في وسط الدائرة لتمثيل دور الخنزير مقدمة لدخول سيمون المسكين مندفعا من الغابة ليقع في منتصف الدائرة، وتختلط الأمور في ظل هذا الجو المشحون فينهال عليه الضرب من كل صوب حتى يخر صريعا مضرجا بدمائه ولتجرف جثته الأمواج بعد ذلك.
وتتسارع الخطى بعد هذه الحادثة حيث انتشرت البربرية إلى جميع أفراد المجموعة واتبع معظمهم طريق جاك الصياد الذي يمجد البربرية والعنف واستقروا في القلعة الصخرية والتي منها اندلعت شرارة الحرب التي قضت على بيجي حليف رالف أولا ومن ثم اتحدت المجموعة لتبدأ في مطاردة رالف بغية قتله والنيل منه بكل الوسائل الممكنة حتى بلغ الأمر بهم لإحراق الغابة وانتشار النار في كامل أرجاء الجزيرة والتي وضعت نهاية القصة بإنقاذ الصبية من الجزيرة بقدوم سفينة حربية ونزول الضابط في الجانب الذي يوجد فيه رالف الذي فقد الأمل في نجاته وظن أنه قد قضي عليه.
وهكذا أخذنا جولدنج من بداية هذه الرواية الفذة إلى نهايتها لنرى كيف أن الطفولة وهي رمز البراءة في العالم الإنساني ليست بريئة كما نظن، وليست رمزا للبراءة كما نعتقد، إذ تتجلى فكرة انتفاء البراءة من العالم الإنساني في الشطر الأخير من الرواية حيث ظهر الضابط بمظهر الجاهل بأمر الأحداث الحقيقية التي تجري على أرض الجزيرة معتقدا أنها مجرد لعبة بريئة فقط، وأبدى استنكاره ودهشته عندما علم أن إثنين منهم قد قتلا وجرفت جثتيهما الأمواج وذلك بعد أن نثر أسئلته عليهم ليستوضح المشهد الماثل أمامه، والذي لم يستطع معه إلا أن يرد: (كنت أفترض) حيث كشفت هذه العبارة وبشكل سافر عن ستار البراءة (المفترضة) تاركا فسحة ساهمة للقارئ استجماع نفسه، ولبكاء رالف وبقية الصبية على نهاية البراءة وظلام قلب الإنسان.

ناصر بن محمد الرواحي

أعلى






ظواهر لغوية
فَعَل وأفْعَل

تتخذ ظاهرة (فعَلْت وأفْعَلت) موقعا مهما في خريطة المتحدثين بالعربية والكاتبين بها، والمعنيُّ بهذا المصطلح ذلك لفعل الماضي المجرد من الهمزة والمزيد بها، ومنه ما نسمع من حديث الناس: كرمت فلانا، وأكرمته، وسُدل الستار, وأُسدل، وغاظني فعلك، وأغاظني، وجبرته على فعل الشيء بمعنى (ألزمته) وأجبرته. وخطئ في الحساب وأخطأ.
وقد حظيت هذه الظاهرة باهتمام اللغويين قديمًا وعلى رأسهم سيبويه. وقد تحدث ابن النديم عن طائفة من العلماء ظهر لهم اهتمام بهذه الظاهرة منهم: قطرب، وأبو عبيد، وأبو زيد، والفراء والتوَّزي، وابن السِّكيت، والزجاج.
ويرى بعض الدارسين المحدثين أن الخلط بين فعل وأفعل شاع منذ القرن الثالث الهجري (1).
وقد بدأت معالجته في مصنفات اللحن على نحو ما فعل ابن السكيت في إصلاح المنطق وابن قتيبة في أدب الكاتب، وثعلب في الفصيح.
وقد أنكرت طائفة من اللغويين أن تكون (فَعَل) و(أفْعَل) بمعنى واحد، ومن هؤلاء (الأصمعي) الذي أنكر كثيرًا مما ورد على (أفْعَل) (2).
أمّا سيبويه فقد تنبه إلى أمر اللهجات، فذهب إلى إمكان اتفاق (فَعَل) و(أفْعل) في المعنى واختلافهما في اللهجات فقال: "ويجيء، فعَلتُ، وأفْعَلتُ المعنى فيهما واحد، إلا أنّ اللغتين اختلفتا"(3).
وقد تعرّضت الباحثة صالحة غنيم إلى أمر صلة (فَعَل وأفْعل) بلهجات القبائل العربية فتقول مثلاً في رجعته وأرْجعته: عُزي (أرجعته) إلى هُذيل أما (رجع) فنظنها لمن عداها من القبائل العربية، وعليها جاء قوله تعالى: (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم) (التوبة/83) (4).
وتناول علماء اللغة القدامى والذين معهم من علماء التصحيح اللغوي ظاهرة (فَعَل) و(أفْعَل) من جوانب مختلفة فمنهم من فرّق بين (فَعَل) و(أفْعَل) نجد ذلك عند ابن مكي في أثناء حديثه عن (خفر) و(أخفر) (5) فالأول يدل على الحفظ والأمن، والثاني يدّل على النقيض، أي غدر وخاس به ونقض عهده(6).
ومنهم من جعل (فعل وأفعل) من قبيل الترادف، وأنهما لغتان في بعض ما روى عن العرب ومن ذلك ما جاء في تعقيب الخفاجي على الحريري في درة الغوّاص، عن أبي عبيد خطئ وأخطأ لغتان(7)، وقد ذكر الزجاج في (فعلت وأفعلت)، بأن خطئت الشيء، وأخطأت في معنى واحد"(8).
أما جبر الثلاثي المجرد فالفصحى فيه على (أجبر) المزيد بالهمزة. وهذا الوجه الذي يصنف اليوم في العامية ويعدّ من الأخطاء الشائعة تميمي الأصل تقول : (جبرته على الأمر)(9).
وأحسب أن العامة توهموا في الأفعال المتعدية أنها لازمة فعدوها بالهمزة، ويمكن أن تُعدَّ بعض هذه الأفعال بقية من لغات القبائل العربية بقيت حتى يومنا هذا.
ويظنُّ أيضًا بأن رغبة العامة في إظهار مقدرتهم في النطق بالأفصح في بعض ما يتحدثون به هي التي دعتهم إلى إضافة الهمزة إلى الفعل المجرد منها فوقعوا في الخطأ.

(1) انظر : مطر ، عبدالعزيز ، لحن العامة ، 194.
(2) انظر: الغنيم، صالحة، راشد، اللهجات في الكتاب لسيبويه، أصواتا وبنية، جدة، السعودية، دار المدني، الطبعة الأولى، 1985، ص 394.
(3) الكتاب، 4/61.
(4) انظر: غنيم، صالحة، اللهجات في الكتاب لسيبويه، ص 399، وابن منظور، لسان العرب، 8/115.
(5) تثقيف اللسان، 344.
(6) ابن قتيبة، أدب الكاتب، 363، وانظر؛ قدرو أحمد محمد. مصنفات اللحن والتثقيف اللغوي حتى القرن العاشر الهجري، منشورات وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية، 1996، ص 20.
(7) شرح درة الغوّاص.427
(8) الزجاج: فعلت وأفعلت، تصحيح بدر الدين النعساني، مطبعة السعادة بمصر، 1325هـ، ص 140.
(9) لسان العرب ( جبر)

د. سالم البلوشي

أعلى






جهل بالذات أم افتتان بالآخر؟!
(المصطلحات الأدبية والنقدية)... التباسات في النسبة وإشكالات في الهوية

سعيد الصقلاوي: في غمرة افتتاننا بالآخر ظلمنا تراثنا الأدبي والفكري
محمد عبدالخالق: لا تنازع فيما هو عربي خالص
غالب المطلبي: آن الأوان لإعادة النظر في استراتيجياتنا الثقافية
طالب المعمري: الرجوع إلى تراثنا يغنينا عن الاستجداء

استطلاع ـ عبد الحليم البداعي:
المتمعن في المنجز التراثي العربي في مجالي الأدب والنقد يلاحظ بشكل جلي الجهد المميز الذي بذله أدباء ونقاد العرب عبر عصور توالت فيها الحقب حقبة إثر حقبة وكل حقبة منها تنافس الحقبة التي سبقتها وتتمخض عن منجز له ما بعده في هذين المجالين.. ورغم هذا وذاك يردد البعض منا ـ بشكل مؤسف ـ أن معظم ما نعول عليه حاليا فيما يتصل بالمصطلحات الأدبية والنقدية وما يتعلق بتفاصيل مدلولاتها يحمل (ملكية فكرية خالصة) يتمتع بامتيازها الغربيون وحدهم فقط ويدعي هؤلاء أن العرب لم يعرفوها قط متجاهلين حقيقة أن السواد الأعظم منه كان العرب هم السباقون إلى معرفته ـ وإن اختلفت مسمياتهم ـ بل أبدعوا في تأصيله أيما إبداع.. ولكنها حمى الافتتان بالآخر والتي تحول دون رؤية صاحبها لحقائق الأمور وتجعل بينه وبينها غشاوة... إنه موضوع شائك حملته (أشرعة) وألقت به على طاولة النقاش مع نخبة من الكتاب والأدباء والنقاد فكان هذا التحقيق...

إشعاع حضاري
البداية كانت مع الزميل الكاتب الصحفي محمد عبدالخالق والذي يقول: حين شرعنا في دراسة جهود علماء الأدب والنقد العرب كنا أمام جهد فكري متقدم كما وكيفا وتاريخا، وسجل تاريخ الأدب العربي أسماء لامعة في قدراتها العقلية على إنشاء علم النقد الأدبي بأدواته ومسمياته في عالم البلاغة وفصاحة القول.. وقد استند هذا الجهد النقدي العريق على رصيد أكثر توغلا في الزمن وأكثر تجذرا في فن القول، ومن الأسماء اللامعة في هذا المجال نذكر الباقلاني والجرجاني وقدامة بن جعفر وابن المعتز والآمدي.. وكلهم لهم صولات وجولات في استنباط مواطن الجمال في الشعر العربي القديم والوسيط.
وفي وقت كانت أوروبا غارقة فيه في عصور الظلام والجهل كان المشرق العربي يشع حضارة ونورا على كافة الأصعدة العلمية والأدبية وقد شكلت المساجلات النقدية التي أقامها هؤلاء النقاد العرب وغيرهم من سابقيهم ولاحقيهم رصيدا يشكل فخرا كبيرا لمسيرة الفكر العربي والإسلامي في جانبه الأدبي مما حسن كثيرا من أدوات الشعراء في قرضهم الشعر فيما بعد.
ولذلك فإن ابتكار مصطلحات في البلاغة الشعرية والنثرية هو جهد عربي خالص وإذا كان يواجهه مسميات مناظرة تعطي نفس الدلالة اللفظية للمصطلح العربي في العلوم الأوروبية فلا يعني ذلك أن تلك المصطلحات نتاج أوروبي حيث لا يصح الأخذ بنتاج زمن متأخر بعد قيام عصر النهضة الأوروبية بنهاية العصور الوسطى على أنه يحتفظ بريادة هذا الضرب من ضروب النقد الأدبي. وأمامنا كتب موثقة تركها النقاد العرب زاخرة بالقضايا النقدية وبتمحيص النصوص الشعرية وبلاغيات القول فيها وبشروح وافية على الفرق بين أنواع البيان والبديع والمحسنات اللفظية وأوزان الشعر وبحوره العروضية وتزخر المكتبات بهذه الكتب كما تزخر بها قاعات الدرس حتى يومنا هذا.
وحتى لا نضيع بالقارئ الكريم عن المقصد من التماح التزيد والغلو لدى نقاد ومؤرخي الغرب باستلاب ما هو عربي أصيل ونسبته إلى أنفسهم، لذلك نورد في عجالة شواهد على المعراك النقدية التي دارت في عصور مختلفة حول بيت واحد من الشعر أحيانا أو حول الإنتاج الأدبي لشاعر واحد ثم التداخل بين قضايا علم الكلام الذي ابتدعه العرب (مسمى وقالبا) وعلوم الأدب والبلاغة ومن الأبيات الشهيرة التي أثارت القضايا هذه الأبيات:
انظر إليه كزورق من فضة
قد أثقلته حمولة من عنبر
وقول الشاعر:
فإن تفق الأنام وأنت منهم
فإن المسك بعض دم الغزال
وقول الشاعر:
نثرتهم فوق الأحيدب نثرة
كما نثرت فوق العروس الدراهم
أما الشعراء الذي أثاروا تداخلا بين علم الكلام وعلم الأدب والبلاغة فمنهم بشار بن برد والحسن بن هانئ وأبو العلاء المعري والمتنبي وغيرهم كثير ممن يضيق المجال لتناول القضايا النقدية التي أثيرت حول إنتاجهم الشعري والفلسفي.

الانفتاح على الآخر
محطتنا الحوارية الثانية كانت مع الدكتور والشاعر العراقي غالب المطلبي من كلية العلوم التطبيقية بعبري والذي افتتح حديثه بالقول: يمثل الانفتاح على الثقافة الإنسانية تقدما حقيقيا في ثقافة الأمة نفسها، بل مثل هذا الأمر عُدّ تاريخيا من الركائز الأساسية لثقافتنا العربية في عصورها المنصرمة، لكننا لو تأملنا تلك الحركة الثقافية الكبرى نجد أنها لم تكن قائمة على الإحساس بانكفاء الهوية الخاصة بها بل هي قائمة على تعميق الإحساس بتلك الهوية، فساعدها ذلك في تمثل ثقافة الآخر من غير أي إحساس بالنكوص بل صارت ثقافة الآخر متمما حيويا لتقدمها وإبراز كينونتها.
إن ما نراه اليوم يقع على الضد من هذا، إذ نلاحظ أن كثيرا من المثقفين العرب يقعون ضحية لإحساس بنقص شديد أمام ثقافة الآخر فيحاولون جهدهم أن يجعلوا من تلك الثقافة معيارا لتصورهم عن سيرورة الثقافة وحدودها ويحاولون ان يكونوا جزءا منها وبإلغاء شبه تام لثقافتهم القومية بل نصادف فيهم من يضع الثقافة القومية في باب استهجانهم ناسين في الوقت نفسه أن رسالتهم في أن الانفتاح على الثقافات الأخرى لا يمثل سببا مقنعا للانقطاع عن ثقافتهم القومية التاريخية، بل هو سبب لتعميقها وإغناء حيويتها، إنهم بعبارة أخرى يقعون من غير أن يشعروا بذلك ضحية لإحساس عميق بما يمكن ان نصطلح عليه بالاحتلال الثقافي غير المباشر.
لقد كانوا وبسبب من هيمنة ثقافة الآخر وإحساسهم بالقهر أمامها مندفعين إلى تقديس المعجم (الاصطلاحي) الخاص بثقافة ذلك الآخر واستعارتهم إياه استعارة عمياء، وهو تقديس لا ينبع من حقيقة ذلك المعجم وحدها بل من إحساس قهري بفقدان الهوية التاريخية للثقافة القومية.
إن هذه الحالة كثيرا ما نلتقي بها في ثقافتنا (النقدية) على وجه الخصوص، إذ تبدو هذه الثقافة نموذجا جيدا لإحساسنا بالانقطاع عن التراث النقدي العربي ومصطلحه وإمكانات الإفادة منه وهو انقطاع قاد أيضا إلى عدم قدرتنا على بناء مناهج نقدية عربية من الممكن لها أن تسهم في الثقافة الإنسانية وان تكشف عن التجربة الأدبية العربية التاريخية فحوصرت جهودنا لتبدو إلى حد بعيد جهودا منصبة على محاولات يائسة في اجترار محاولات الآخر في تطوير نظريته النقدية.
إننا مثلا لا نهتم بدراسة تطور المصطلح الأدبي العربي، ولا ننعم النظر في النظرية الأدبية العربية، ولا نحاول بناء أسس منهجية في دراسة المصطلح العربي النقدي وتطوره، لا نحاول أن نمعن الفكر مثلا في نظرية ابن طباطبا في أدبية النص الأدبي، لا نحاول منح تلك الحركة النقدية روح المعاصرة، بتعبير أدق لا نحاول أن نجعل ذلك من إجراءات حياتنا (النقدية) اليومية.
خلاصة القول عندي أننا لا نملك في العصر الحديث أية هوية (نقدية) وان ذلك متأتٍ من شعور عميق بالنكوص أمام نظرية نقدية جاء بها الآخر، نحصر أنفسنا في داخلها، وقد آن الأوان لإعادة النظر في استراتيجياتنا الثقافية وعلى رأسها الحركة النقدية للخروج من عنق هذه الزجاجة المستوردة.

الافتتان بالآخر
الشاعر سعيد الصقلاوي هو الآخر كان له رأي في هذه المسألة حيث يقول: منذ إطلالة ما يطلق عليه المعاصرون من النقاد والكتاب ببداية التنوير في مطلع القرن التاسع عشر والعالم العربي بشكل خاص مفتتن بما لدى الآخر من حضارة وأدب وفكر وتقدم وتطور، وهذا حقه ولكنه في حميا غمرة الافتتان لم يعط تراثه ومخزونه الفكري والحضاري اهتماما متبصرا ووعيا نافذا ولو فكر في حملة نابليون على مصر التي استقدم فيها المختصين في الفنون والآداب والعلوم والفكر بغرض توثيق ما لدى المصريين من ثقافة حضارية لأمكن التعرف على افتتان الآخر بنا وليس الفرنسيون وحدهم الذين فعلوا ذلك وسلكوا هذا المنهج وإنما سار على منهجهم البريطانيون في رصد الثقافة الحضرية والتراث الحضاري للدولة العثمانية باعتبارها ممثلة للعالم الإسلامي. فجمع البريطانيون كل ما أمكنهم في شتى مناحي الثقافة الحضرية والتراث الحضاري الإسلامي في العهد العثماني. وهذا دليل على افتتان الآخر بنا وهذا افتتان تجلى في العصر الحديث والسؤال في هذا السياق ينبغي أن يطرح على النحو التالي: ما دام الآخر وهو هنا الغرب الامبراطوري وغير الامبراطوري مفتتنا بما لدينا فهذا يعني أننا نتوفر على إرث حضاري وتراث ينبغي عدم التفريط فيه والتخلي عنه وتجاهله، وإزاءه يدفعنا الواجب لاكتشاف أنفسنا وإعادة بنائها من خلال الوقوف على أرضية صلبة يتيحها لنا هذا التراث الحضاري الذي يجب علينا السعي حثيثا لإعادة قراءته ببصيرة ثاقبة وقلب محيط وأذن واعية ولعلني أسوق في هذا المجال حادثة شاركت فيها أثناء زيارتي للسويد وكنت وصديقي الفنان المعماري علي ثويني والدكتور عادل في زيادة أحد أصدقائهما الذي كان يملك ورشة لتصليح الالكترونيات كالحاسوب وغيره.. وفيما كنا نتبادل أطراف الحديث دخل أحد العراقيين علينا وجلس ولم يسلم فقلت له إنك جلست ولم تسلم علينا ونحن نريد التعرف عليك ونتشرف بمعرفتك.. فقدم نفسه على أنه عالم في اللغة، فسألته: في أي لغة؟ فأجاب: في اللغة الألمانية، فتحدث عن مزايا اللغة الألمانية وذم اللغة العربية وحاولنا جميعا أن نبين له خطأ هذا الاعتقاد الفكري إلا أنه أبى واستكبر فقلنا له هل قرأت كتاب الخصائص لابن جني؟ فلم يعرفه.. وهل اطلعت على الأشباه والنظائر؟ فلم يعرفه أيضا.. وثار غاضبا باعتبار أننا نذكر له سياقات تاريخية فقلنا له: تعرف الفرق بين جلس وقعد؟ فأجاب بأن معناهما واحد.. فقلن له: كلا، ذلك أن اجلس تعني أن المرء كان واقفا فجلس. بينما تعني اقعد أن المرء كان نائما فقعد، فضحك أحد العراقيين الحاضرين وقال له باللهجة العراقية (شمروك) فخرج مغاضبا ولم يعد، وفي مهرجان البلدية لعام 2009 في الأمسية الثقافية التي عقدت في صالة النور تحدث الكاتب الكبير أدونيس عن أن تحالف الدين والسياسة والمال قد سبب تخلف العالم العربي والإسلامي ونسي هذا الكاتب الكبير أن اسرائيل في قامت على تحالف الدين والمال والسياسة ولكنها متقدمة.. ألم يظهر مؤخرا ما يسمى بتداخل الفنون في العمل السردي كتداخل الشعر بالسرد باعتبار ذلك تطورا في فن الكتابة وإزالة الحدود الفاصلة بينها أليس هذا صورة عن ألف ليلة وليلة.
جميل أن نفتتن بالآخر ما دام لديه الجديد والأجد والجميل والأجمل والفضيل والأفضل وعليك أن تستفيد من جديده ولكن قبل ذلك عليك أن تعرف نفسك وتكتشف ذاتك وتثق بقدراتك في أنك قادر على الإنجاز والعطاء فإسرائيل أحيت لغة تتكلم وتتعلم بها مع أن غير قليل منا يسعى إلى تحييد لغة القرآن ووصمها بما في نفوس الحاقدين عليها.. الافتتان بالآخر لا ينبغي النظر إليه إلا من الناحية التي تثري الثقافة والفكر والعلم وتبني ولا تهدم وتعمر وتقوم وتضيف، وعدم النظر إليها فيما يضر ولا ينفع أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

استغراق كلي
محطتنا الحوارية الأخيرة كانت مع الدكتور الشاعر طالب المعمري والذي يقول: منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي وحملة نابليون على مصر بدأت الدراسات النقدية العربية تنحو منحى آخر وكان ذلك المنحى يركز على تكريس دور الأمة في تخلفها ودرو الآخر في تطورها؛ باحثا في المؤثرات الغربية على الثقافة العربية؛ وليس غريبا أن تتأثر الحضارات وتؤثر ولكن الغريب أن نجعل ثقافة أمة وتطورها ونموها من الآخر دون النظر إلى تاريخها العلمي الطويل ساحقين بذلك شخصية الأمة بإلغاء دورها إلغاء تاما؛ بحيث لا يصبح لموروث الأمة أي اعتبار على الإطلاق.
من خلال الدراسة المستفيضة لعوامل التحديث في العالم العربي؛ نجد أغلب الباحثين يردون التطور العربي في العلوم والفنون نتاج التأثر بالغرب؛ ويدفعهم ذلك إلى إصدار حكم بالإعدام على الحضارة العربية التي امتدت حوالي 15 قرنا مهمشين دورها تماما بل وحاكمين بعجزها المطلق في مواصلة مشوار العلم والثقافة؛ إذ مدت صلاحيتها قد انتهت من وجهة نظرهم، ومن هنا أتت النظرة للآخر بعين الإكبار وأن لا سبيل للأمة في حداثتها إلا عن طريقه.
ومن خلال تلك النظرة وخاصة عند أولئك الذين استغرقهم الغرب استغراقا كليا حتى افتتنوا به وأصبحوا بوعي أو من دون وعي دعاة لاتباع الغرب كلية دون النظر إلى ما يتناسب من ثقافته لثقافتنا وما يتضاد مع ثقافتنا؛ متناسين أن الرصيد الثقافي المتراكم لا يمكن هدمه بهذه السهولة وجازمين أن التغيير يأتي من طريق أخذ الآخر بحذافيره من ألفه إلى الياء.
وفي هذا السياق يقول أدونيس الشاعر والمفكر السوري؛ والذي من وجهة نظري منظر هذا الاتجاه في حوار أجراه معه صقر أبو فخر وطبعته المؤسسة العربية للدراسات والنشر بعنوان حوار مع أدونيس: "مشروع الحداثة بكامله فشل في المجتمع العربي. وأكبر دليل على فشله هو أننا أخذنا منجزات العقل الغربي ورفضنا مبادئ هذا العقل. رفضنا العقل نفسه وأخذنا منجزاته فقط."، ثم يقول: "وإذا كان لدينا بروق فكرية جيدة فهي لا تعود إلى النمو الطبيعي للمجتمع وإلى تفتح طبيعي من داخل المجتمع وحركة تطوره، بقدر ما تعود إلى الانشقاقات التي جاءتنا خلال صلاتنا بالفكر الغربي" ولذلك فإن أدونيس يعتقد أن الحضارة العربية دون ذلك المدد الغربي من الثقافة لن يبقى لها شيء؛ يقول: "وهنا أطرح سؤالا ضديا: لو انتزعنا من الثقافة العربية اليوم مؤثرات الفكر الغربي كلها وجميع أشكال التأثير، فماذا يبقى فيها؟ وماذا يبقى منها؟ ويجيب صقر أبو فخر: "لا شيء، عدا الفكر الخارج من الكهوف.

محو الذات
ويضيف المعمري: بهذا الحكم نرى وضوح الحكم اللاغي لمنجزات العقل العربي وتحجيم ثقافته ونفي سبقه ومنجزاته في شتى العلوم والفنون؛ ومن هنا تتضح أعلى درجات الافتتان بالآخر ومحو الذات والذوبان في الغير وتحقير الذات بحجة الحداثة. إن هذه النظرة القاسية للذات أوجدت تيارا معاديا للهوية رافضا لفتح باب النظر في منجزات العقل العربي واتهامه بالقصور وعدم القدرة على الإنجاز كما عند الجابري في نقد العقل العربي.
ومن خلال ذلك التيار المعادي للذات والمكرس للغير وهيمنته المتعالية على الثقافة العربية ظهر تيار انساق مستسلما لذلك التيار الذي أوجد في نفوسهم تعلقا بالآخر، وصدهم عن البحث في منجزات العقل العربي الذي ربما كان الغربيون أنفسهم أكثر اعترافا بمنجزاته وريادته في كثير من العلوم والفنون من العرب أصحاب الشأن؛ ومن خلال ذلك أصبح ما يردده الغرب من مصطلحات وما يصل إليه من نتائج صحيحا دون تحقيق، ورائدا دون تميز، بينما هناك من الأمور من أسسها العرب قبل الغرب بقرون طويلة.
إن التهافت على استخدام المصطلحات الغربية ـ ولا أعيب ذلك إن كان صالحا ـ مرده في نظري إلى أربعة عوامل: الأول: الافتتان بالآخر والإعلاء من شأنه، في مقابل تحقير الذات، وتصنيفها في مرتبة دنيا؛ من خلال الانطلاق من قاعدة لم يدع الغربيون لنا شيئا لنبدعه، فما بقي إلا التقليد والاجترار. الثاني: الجهل بالذات جهلا تاما؛ نتج ذلك من الإيمان بالنقص الذي أورث عدم القدرة على البحث والتقصي في موروثنا العربي وامتحان الثقافة العربية واكتناه أسرار الدراسات الإنسانية والاجتماعية للوقوف على مواطن الريادة في العلوم والفنون والسير على منوالها بدلا من التقليد الأعمى للآخر. الثالث: الخوف من الحكم بالرجعية والتخلف والأصولية الذي أشاعه بعض الدارسين اليوم لمن يخالف نظرتهم في قبول كل ما هو غربي. الرابع: التقليد الأعمى فيما أسميه بالموضة الأدبية والنقدية؛ إذ كثير من الدارسين يردد بعض المصطلحات دون وعي لمعناها سوى مجرد التقليد لما هو شائع بغية ملاحقة الحداثة أو الاتصاف بها.

مثاقفة
ويستطرد: يجدر بنا ونحن نناقش مثل هذه القضية أن ننبه على أمر هام جدا وهو أن العلوم والفنون في تطور مستمر وأن عملية المثاقفة بين الأمم والشعوب كائنة في كل زمان ومكان؛ وهناك كثير من القضايا التي نشأت في أمة وتابعت تطورها أمم أخرى؛ وربما من أمثلة تلك المصطلحات النقدية التي يكاد بعض النقاد يجعلونها من المصطلحات الغربية البحتة وينفون الجهد العربي فيها مصطلح (التناص)؛ الذي درس في الثقافة العربية بمسمى التضمين والاقتباس، والذي تطور بشكل ملحوظ في الثقافة العربية من الدراسات التي كانت تعده سرقة أدبية في بداية الأمر، إلى معالجة أمره كونه أحد عناصر الفصاحة. ولا شك أن المصطلح في النقد الغربي تطور وأصبح أكثر شمولا من حيث النوع والكم فأصبح تمازج النصوص ظاهرة صحية لها اعتباراتها الفنية والمعنوية ودلالتها المضمونية التي نظرت لتوظيف النصوص من خلال التناص إلى أهداف أخرى مثل تفعيل الرمز والقناع الذي احتاجه الشعر المعاصر لما طرأ عليه من تغير في الشكل والمضمون.
ومن أمثلة العلوم اللغوية التي كان للعرب فيها قدم الريادة وأخذها الغرب بعد ذلك بمسماها ونسبت إليهم كلية علم السيمياء وهو علم عربي قديم اهتم به العرب القدماء في ممارساتهم النقدية الفطرية وأصله الجاحظ في كتاباته، وهناك بحث جيد في هذا المجال للدكتور محمد كماش بعنوان الأصول اللسانية في المصادر العربية أثبت بالأدلة سبق الجاحظ في تأسيس هذا العلم. يقول الجاحظ في البيان والتبين في باب البيان: "والبيان اسمٌ جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير، حتى يُفْضي السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله كائناً ما كان ذلك البيان، ومن أيِّ جنس كان الدليل، لأن مدار الأمر والغاية التي يجري القائل والسامع، إنما هو الفَهْم والإفهام، فبأي شيء بلغتَ الإفهامَ وأوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع" و(السيمياء) بمعناه اللغوي المقابل (للعلامات) مصطلح عربي، استعمل في الميدان اللغوي المتداول اليوم، يشهد له قول الراغب الأصفهاني (ت 502هـ/1108م) في أثناء تفسيره الآية الكريمة: {وَمِنْهُ شجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل:10]، قال: ..والسِّيماء والسِّيمياءُ العلامة، قال الرقاشي: لَهُ سِيمِيَاءُ لا تَشُقُّ عَلَى البَصَرْ.
ورغم ذلك أود أن أنبه على أنه لا ضير من استخدام المصطلح الغربي أو الوافد إن كان ذلك الاستخدام عن وعي بعملية التطور التي تلحق المصطلحات والنظريات، فتطور هذه النظريات واستمرارها لا يلغي من ريادتها ولا يمنع من استخدامها بحجة أنها طورت في ثقافة أخرى؛ والمرفوض هنا هو تجاوز النشأة الأولى للنظرية بحجة المغايرة فحسب أو لأغراض إيديولوجية غير داخلة في الموضوعية النقدية بغية بث أفكار يؤمن بها فئات من الدارسين.

بعيدا عن الاجترار
لا شك أن هناك جهودا كثيرة من قبل الدارسين المنصفين في الشرق والغرب تحاول لفت النظر إلى الجهود العربية في كثير من العلوم والفنون آخذة في عين الاعتبار شمولية العلم وعدم اختصاصه بأمة دون أخرى. وعلى العرب وخاصة الدارسين أن يكونوا أكثر وعيا باستخدام المصطلحات الوافدة؛ إذ ليس من الاستقلال الأخذ عن الآخر دون معرفة كافية بما يحيط المصطلح من تناسب مع الثقافة العربية.
وعليه فإننا يجب أن نراعي في عملية التطبيق العملي للمصطلح وجوده وعدم وجوده في ثقافتنا؛ محاولين ممارسة النظرة النقدية بعيدا عن الاجترار الذي يفقد السبق العلمي والكشف والتقدم؛ ومن هذا أؤكد على الحرص الشديد من امتهان ثقافتنا بالحط من قدر جهودنا؛ كما أؤكد على أن ذلك أيضا يجب ألا يقف حجر عثرة في سبيل الإفادة من الجهود المبذولة حول العالم والتواصل معها ومحاولة المشاركة الفاعلة فيما يخدم ثقافتنا في حدود الاعتزاز بالنفس والبعد عن التقليد.
وخلاصة الأمر ومن خلال اطلاعي على كثير من القراءات النقدية أجد استخدام المصطلح النقدي قد أصابه حمى الغرور بالآخر والافتتان به، مما دفع إلى نقطة الصفر والانحدار نحو السالب والوقوف موقف الآخذ بل أشبه كثيرا من الباحثين في تهافتهم بذلك المستجدي الذي لا يكاد يجد كلمة إلا انكب عليها يرددها بينما هناك مقابل لها في لغتنا وأساس في دراساتنا؛ يغنيه عن الاستجداء.


أعلى





توجت بمواهب الشباب
رؤية تحليلية في عروض أيام صحار المسرحية (2ـ2)

وحوش المدينة

مسرحية (وحوش المدينة).. من تأليف درويش الأسيوطي.. إعداد وإخراج تركي البلوشي. إن المشاهدة الأولى لهذا العرض، جعلتنا ندرك أن الإعداد لهذا العمل كان عن طريق تكثيف الحدث الدرامي، فبرغم أن طبيعة الموضوع تقوم على فكرة الصراع بين الخير والشر التي طالما استهلكت في الأعمال الدرامية، إلا أن العمل ركز على ازدواجية الطبيعة الإنسانية وتناقضها من خلال بعض النماذج البشرية. ففي هذه المسرحية، نجد أن هناك تناقضا واضحا، نتيجة اختفاء المآرب الشريرة وراء قناع القدسية، وذلك حينما نصطدم بحقيقة شخصية الكاهن الذي يقدسه الناس، بينما هو السبب في وقوع البلاء!
ومن زاوية أخرى، نكتشف بأن الكاهن ليس شخصية خرافية أو أسطورية، حيث من السهل أن نجد له نسخا في حياتنا اليومية، من خلال ما نسمع من تصريحات قادة الرأي والسياسيين في العالم الذين يبيعون الوهم للناس، ولكنه سرعان ما يتضح بأنها مجرد أبواق خاوية تردد شعارات كاذبة!!...
ويمكن أن نلاحظ ذلك عندما ادعى الكاهن بأنه يمثل "القانون" لذا فهو يرتكب الجرائم البشعة وراء ذلك الستار دون أن يحاسبه أحد!.. وذلك التناقض لدى بطل العرض قادنا إلى الحوار الجدلي بينه وبين الشخصيات التي تمردت عليه، وهذا بدوره أوجد صراعا فكريا وفعليا، جعلنا نعيش معركة حقيقية يتنافس أبطالها لنيل النصر مهما كلفهم ذلك!
وانطلاقا من تلك الخلفية التي جسدت الصراع بين القوى الشريرة ورموز الخير، جاءت (السينوغرافيا) لترسم لنا ملحمة ذلك الصراع، من خلال مد خشبة المسرح إلى الصفوف الأمامية للجمهور، حيث أدخلت الخيول عبر ممرات صالة المتفرجين. وفي الوقت ذاته، استطاع العرض أن يربط بين الصراع الدائر على الخشبة، وبين المعركة الحقيقية التي تدور أحداثها الحية أمام تصفيق وهتاف الجماهير. مما جعل الحضور يستمتع بمشاهدة العرض وكأنه أمام فيلم سينمائي، ولكنه هذه المرة في المسرح، وهناك عناصر عديدة ساعدت على تعزيز واقعية العرض منها فرش أرض المعركة بالرمال الحقيقية.
وتكاملا بين صالة الجمهور والتي صورت أحداث المعركة التي دارت بين أنصار الكاهن وبين أعدائه، فإن المخرج لم يغفل أيضا خشبة المسرح، حيث معبد الكاهن الذي كان يضج بالزائرين الذين يعظمونه وهم يحملون الشمعدان، والذي كان يتظاهر بأنه الرب وهو رجل القانون الأوحد، لذا يجب أن تنحي الرؤوس له تحية وإجلالا!!.. حيث تم توظيف "الديكور" بطريقة تجسد ذلك التضخيم لشخص الكاهن الذي ظهر في مستوى أعلى من الناس.. كما لعبت "الإضاءة" دورا مهما في الإيحاء بقداسة المكان الذي يتواجد الكاهن فيه، والذي عزز تلك الرؤية البصرية "المؤثرات الصوتية والموسيقية" التي سيطرت على الإيقاع العام للعرض، كما تناغمت مع التحولات التي شهدها أبطاله.
ولا يفوتنا الإشارة إلى أن تصميم "الأزياء المسرحية" جاء ليتناسب مع الموضوع المقدم، فبرغم أنه لا توجد إشارة إلى البعدين الزماني أو المكاني للأحداث، إلا أن الملابس والإكسسوارات المستخدمة أوحت بتزامن الحدث مع الشخوص، كما ساعد "الماكياج" في رسم الملامح العامة للشخصيات .
أما على مستوى "الأداء الحركي والاستعراضي" للشخصيات، فقد تألق بطل العرض الفنان تركي البلوشي ومخرج العمل مع بقية الطاقم التمثيلي، وذلك من خلال التمثيل على الخشبة أو استعراض الخيول في المعركة والتي تجسد الصراع الدائر بين أنصار الكاهن والمتمردين مع استخدام العصي كأداة للدفاع وأحيانا أخرى لرفع إيقاع العمل... وهذا جعل الجمهور يتفاعل مع العرض برمته قالبا ومضمونا.
بلها وشرب مايها

(بلها وشرب مايها) مسرحية كوميدية اجتماعية من تأليف ناصر العيسائي وإخراج مؤيد العيسائي... ويلخص لنا هذا العرض قصة شاب يبحث عن عمل بعد تخرجه، إلا أنه يصطدم بالواقع، حيث تغلق أمامه جميع الأبواب، ولا يتبقى له سوى باب واحد وهو (شركة الدواجن)!.
ولقد انتهج العرض أسلوبا بسيطا يخدم الفكرة الأساسية فيه من خلال قالب حواري سردي، مما جعله يقترب من العروض التجارية الجماهيرية، والتي تعتمد الكوميديا فيها على الارتجال والمفارقات السلوكية واللفظية. إلا أنه في أحيان كثيرة يكون نجم العرض في مثل هذه العروض هو المحرك الرئيسي للحدث، كما أنه وسيلة مثلى لزيادة دخل شباك التذاكر!.. وبما أننا أمام "عرض مسرحي طلابي"، كان لا بد أن ندرك بأن العرض سوف يحاور الناس بأسلوب بسيط، بالطبع مع اختفاء الهدف المادي.
ولقد استهل العرض بمشهدية أقرب "اللقطات التليفزيونية" الصامتة، ذات الطابع الاستعراضي الكوميدي السريع، بغية فتح شهية المشاهد لمتابعة بقية الأحداث، والتي تصور الرحلة الشاقة التي قضاها الباحث عن العمل، بغض النظر، إذا كان قد حصل على تقدير عال عند تخرجه أم لا ! .....
وتأتي المفاجأة، عندما يتم قبول الخريج في شركة الدواجن لينال شرف وظيفة (ختام البيض)!.. وهذا التناقض اثار فضول وتفاعل الجمهور وتعاطفه مع البطل، وخاصة بعد اصطدامه بالمدير (الهندي) الذي كان يحظى بثقة صاحب الشركة، ويتقاضى راتبا يزيد على الألف ريال!! علاوة على الامتيازات الأخرى .. وفي المقابل فإن الخريج يعرض عليه راتب شهري لا يتجاوز مئة وعشرين ريالا!
وبذلك يعيش بطل العرض في دوامة الصراع بين واقعه الذي يتمثل في شخصية المدير (الهندي) وابن صاحب الشركة الذي يثق في المدير ثقة عمياء، في حين أنه يستبعد ابن بلده!!.. وهكذا استمر العرض في سرد معاناة الباحث عن العمل واصطدامه بالواقع المرير ومنغصاته التي تتطلب منه التنازل عن مثله، ولكن إلى متى؟!
أكد "الديكور" واقعية الموضوع، فقد اتسم بالثبات طيلة فترة العرض، حيث إن جميع الأحداث دارت في شركة الدواجن، والتي تتكون من مكتب الموظف السوداني والمدير الهندي ومكان تواجد رشود المراسل!!.. كما عزفت باقي "المؤثرات الفنية" على الموضوع الأساسي، وتم إدخال بعض الأغاني التي ترتبط بجنسيات الموظفين في الشركة، مثل سماع مقاطع من أغنية هندية أو أغنية سودانية .
وبالرغم من بساطة الشكل لهذا العرض، إلا أنه طرح إحدى القضايا المهمة التي تتعلق بالمجتمع، والتي يفترض أن تناقش أمام المشاهد بجرأة بغية تنويره، إلا أن أداء الشخصيات جاء أقل من المستوى المتوقع!.. ويعتبر الممثل في مثل هذه العروض بمثابة حجر الأساس فيه، وذلك لكونه يتكئ برمته على الممثلين الذين يفترض أنهم يمتلكون أدوات قوية تساعدهم على جذب انتباه الجمهور..
وأخيرا، كان لا بد من حل مشكلة الصوت في الخشبة قبل بدء العرض، حيث كان الصوت ضعيفا، الأمر الذي جعل الجمهور غير قادر على التواصل أو سماع ما يدور على المنصة.

زهرة الحكايا

مسرحية (زهرة الحكايا) من تأليف عباس الحايك ومن إخراج الطالبة إسراء العجمي... ويستلهم هذا العرض موضوعه من قصص الجدة ورواياتها الشيقة والمستفيضة، ليسرد لنا فصولا من حياة زهرة الفتاة "الصغيرة، الكبيرة"، والتي كانت تمتلك شعرا أسود طويلا..! بالرغم من أدعية والدتها لكي يحفظها الله من العين، إلا أنها تتعرض للحسد، وتحولت بين يوم وضحاهها إلى فتاة صلعاء!! تثير الشفقة، فكان مكانها المنزل لتظل حبيسة الجدران!
قسمت خشبة المسرح حسب المراحل الزمنية من عمر زهرة، ففي البداية نجد زهرة أسيرة "القفص" الذي وضع على يسار خشبة المسرح، والذي حمل العديد من الدلالات الرمزية التي تجسد المعاناة التي تعيشها بطلة العرض، وذلك لكونها أسيرة "الفكر التقليدي" الذي فرضه أهلها عليها، مما ترتب عليه، عزلها عن المجتمع المحيط بها، خوفا من أن يعرف الناس بمرضها ويسخروا منها!...
أما الجانب الأيمن من الخشبة، فقد نقلنا إلى الفصول الربيعية من عمر زهرة، عندما كانت طفلة صغيرة، وتمتلك شعرا أسود طويلا، تحلم به البنات اللاتي كن في عمرها، ثم ما تلبث خشبة المسرح أن تتوحد، لتسرد لنا تفاصيل أكثر عن حكاية زهرة التي ظلمها المجتمع قبل أن تصيبها لعنة العين!.. حيث كشف العرض النقاب عن بعض العادات البالية لدى بعض الأسر، والتي يفترض أن تذوب مع تطور الحياة والتعليم والتدفق الحضاري!..
ويمكن تلمس ذلك من خلال التفرقة العنصرية بين الإناث والذكور، والنظرة الدونية للأنثى على اعتبار أنها تمثل عارا على عائلتها، مما يجعلها تصطدم بمجموعة من المحظورات (التابوهات)، اعتقادا بأن ذلك سيحافظ عليها، في حين أن ذلك من شأنه أن يزعزع الثقة في نفسها، ويجعلها أكثر اقترابا من الخطأ!
وهكذا ظلت (زهرة) رهينة "الفكر الاجتماعي التقليدي" الذي تنكر لإنسانيتها، وجعلها أسيرة الشكوك والخوف من حديث الناس عنها، وذلك نتيجة عدم تقبل أسرتها لمرضها بالإضافة إلى كونها أنثى بالدرجة الأولى، مما جعلها تحرم من مشاركة المجتمع في أفراحه وأحزانه.
ومن ناحية أخرى، نجد أن "الضغط الاجتماعي" من قبل الأسرة يتحول لدى زهرة إلى "مرض نفسي" يجعلها تصدق بأن المجتمع ينبذها ويعتبرها رمزا للتشاؤم واللعنة، لذا أصبحت رهينة "الوهم" الذي نشأت عليه، لذا فهي ترفض الخروج من ذلك القفص مهما حصل!
وتتأزم الأحداث وتتشابك لتصل إلى ذروتها عندما تصرخ زهرة معلنة احتجاجها على الأطر التي تحيط بها وتجعلها منكسرة... وفي النهاية، نشاهد زهرة تتمرد وتخرج لتكشف للناس حقيقة مرضها، لتكون بذلك صرخة مدوية اختارها المؤلف لتعانق لحظة الفرح عند زواج رفيقة عمرها، لذا فهي تقرر الذهاب لتشاطر المجتمع أفراحه وتشعر الآخرين بوجودها، دون أن تلتفت لنداء والدتها التي تطالبها بالرجوع إلى السجن الذي ابتدأ "إجباري" عندما فرضه أهلها عليها ثم تحول إلى سجن "اختياري" عندما ترسخ في قرارة نفسها بأنها (تابوه) محرم، يفترض أن يبتعد الناس عنه، لكيلا لا تصيبهم نفس اللعنة التي سلطت عليها، بذلك تنهي زهرة ربيعها ليتحول إلى خريف دائم، وهي لم تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها!
وترجمت مخرجة العمل "حرفية النص" الذي راعت فيه الفكرة التقليدية التي تتحدث عن حكاية زهرة التي أصيبت بالحسد، وذلك من خلال "الديكور" الذي جسد بيتا تقليديا عربيا قديما، مع تصميم القفص بشكل رمزي للدلالة على السجن المعنوي والمادي الذي عاشت زهرة فيه. كما يجدر الإشارة إلى توظيف "الأغنية الشعبية" في العرض لم يستخدم كمؤثر فقط، وإنما ساعد على تكثيف الواقع الاجتماعي الذي كانت تعيش الفتاة فيه، والذي كان يعاني من الكثير من الترسبات، كما يحسب للعرض توظيفه لـ"الفلكلور الشعبي العماني" عند الحديث عن الزواج.
تفاوت الأداء التمثيلي بين المتوسط والجيد. إلا أنه لم ينخفض إيقاعه دون المستوى المطلوب، وفي نفس الوقت غاب "الماكياج المسرحي" الذي من شأنه أن يميز الملامح العامة للشخصيات، نظرا للتقارب العمري بين الطلبة المشاركين، فعلى سبيل المثال لم نستطع أن نميز بين الأم وزهرة الكبيرة من حيث الملامح العامة.. كذلك يفترض تعميق فكرة الإرهاق والمرض لدى المشاهد، فنحن لم نلاحظ أية ملامح ظاهرة تؤكد مرضها.
وخلاصة القول، تناغمت أيام صحار المسرحية الثانية مع ليالي ووهج وتراث وجمال طبيعة ولاية صحار البحرية، وحظيت العروض المشاركة بمتابعة جماهيرية عامة وطلابية. كما كشفت عن المواهب الطلابية الفنية البكر، مما يؤكد رغبة أولئك الشباب في الولوج إلى عالم الفن، إن لم يكن كمحترفين، على الأقل كهواة يمتلكون الموهبة التي من الممكن أن تنضج مستقبلا.
ومما لاشك فيه، أن إحياء مثل هذه التظاهرة من شأنها الارتقاء بالدراما العمانية، فهي وسيلة جيدة لصقل المواهب الطلابية، غير أنه من الملاحظ ندرة حضور العاملين في الحقل الفني في هذه الأيام، حيث يفترض أن يحرصوا على حضور مثل هذه الفعاليات، لتقديم الدعم المعنوي والفني للشباب العماني.

عزة القصابي*
* ناقدة فنية عمانية


أعلى



( رؤية أدبية )
( بعض مما علق من صدى الأمس )
ذاكرة الحنين .. همس الطفولة والصبا والحلم الجميل

* همس ..
( كلما فتحت عيني على مرآك ..
وعانق بصري شموخك ..
وتشربت هامتي بمجدك ..
أجد الحنين يشدني لبقايا ذاكرة تناثرت هنا وهناك ..
تركها الذين كانوا هنا ذات يوم ..ورحلوا ..
ألملّم ذاكرتهم ..ثم .. أرحل كما رحلوا . )
(خلفان الزيدي في ذاكرة الحنين)
ذاكرة الحنين ، حنين الأبل إلى المرابض ..إلى الديار . حنين الراوي والكاتب والشاعر والإنسان ..إلى مراتع الطفولة والصبا.. والحلم الجميل ، الذي ولىّ .. محال أن نسترجعه ، أن نطوي الزمن طيا لنعيد الكرة من جديد .الحنين إلى أيام البراءة واللهو واللعب وخيرات الوادي والأحلام الصغيرة ، واللمبجة والشهباء ، ومواسم الفرح الطفولي ، ومواسم الشجن ، والنوم تحت المرجل ، وياليلة العيد وهمس الغياب ، ورحلة الشتاء والصيف ، بعض مفردات ذاكرة الحنين ، صدى من الأمس في أعماق الكاتب الحالم ، جاءت من عصر الرومانسية الذي مضى وولى ..الزميل خلفان الزيدي ، يطمح في محاولة دؤوبة لاسترجاعه ، لاجتراره مرة أخرى بصوت هادئ ، غير صارخ ولا زاعق ولا منفعل على ضياعه أو ذهابه بعيدا ، بهدوء يلتقط الخيط السردي الدرامي في لحظات شجن ليأخذنا معه إلى السيل العرم الذي قسم القرية إلى قسمين ويومها جرف الوادي أحد الرفاق الصغار ، سلب الروح والحياة والحلم ، بدلا من الحصول على خيرات الوادي ، كان العكس ، السيل ابتلع الحلم الصغير ، ومع ذلك يظل الكاتب يحلم .الصغير يحلم ..مثلما يحلم ـ خالد ـ بالمدينة / الحلم .. حتى في أصعب اللحظات وقسوتها.لايتردد في بالمنادة بتحقيق المدينة / الحلم .. الأمل المنشدود الذي يأمله في الأيام القادمات من وراء الغيب ، هل تتحقق المدينة الفاضلة التي نادى بها أفلاطون في عالمه المثالي ؟!هذه بعض مما علق من صدي الأمس في ذاكرة الحنين .. عالم أجمل وأفضل . عالم رومانسي من الأحلام الوردية الجميلة . الحياة بدون الحلم عند الشاعر والكاتب لامعنى لها ، نجده دوما ، مطالبا بالحلم ، الحلم يابدرية..يابدرية الحلم. تحقيق الحلم الجميل في عالم عز علينا تحقيق أحلام الطفولة البريئة.يحكي لنا الكاتب عن الأساطير القديمة ، التي ظل يحملها في ذاكرته منذ أيام الطفولة وحتى بستفرغها الآن حبرا ونثرا على الورق ..
* صمت الذاكرة ..
في هذا الصمت المخيم على الأمكنة ، تتحرك الأحجار والصخور ، وتنطق وتحكي الشهباء عن تاريخها وأيام مجدها ، ورجالاتها وحكامها ، وتروي كالجدات أحاديث الأمس ، تناقله الجدات صباح مساء ، وجاء اليوم ليحدثنا أحد الأبناء عما سمعه من أحاديث الأمس ، من الذاكرة الشفوية ، لنسجله في المدونات ، وفي مسيرة التاريخ البشري ، يقول ابن نزوى عن مدينته التي عاش في ربوعها وتغنى بجمالها ، وأحبها وكتب عنها في ذاكرة الحنين ، حنين الإبل إلى الديار ، قال : ككل سكون يعقبه حراك ..كانت نزوى تسكن ذاكرة الصمت ، وتوغل في سبات كامل ، حتى إذا ما أنتشت وتفتت أزاهيرها ونمت رياحينها . وانسابت مياه الوادي رقراقة على ضفتي حارتها ، تفتقت الذاكرة عن حديث الأمس ، وعن الحكايات التي روتها الجدات في جلسة تذكار صباحية أحيانا ، ومسائية أحايين كثيرة .. في تلك الأحاديث المروية حكت نزوى كما لم تحك من قبل . وباحت بما كنته أعماقها واختزنته دروبها . واحتوته معالمها . كانت الحكايات أكبر من الأمسيات . ومن جلسات الجدات . ومن الصفحات المكتوبة ، وكانت الذاكرة تتسع شيئا فشيئا ، حتى إذا ما بزعت شمس صباح جديد.سكن حديثها.وصمتت عن الكلام المباح.
* الأسـطورة ..
توقفت نزوى عن سرد حكايات الجدات ، وبدأ أحد الحفدة يحكي..
يقول كمن يهمس لنا خوفا ورعبا من قسوة الطبيعة الغامضة التي لايجد عقله الصغير تفسيرا لها : سمعنا أسطورة مازالت محفورة في أذهاننا الصغيرة ( أن للوادي أياد تشد كل من يحاول التقرب منه وتعكير مجراه ، وسلب خيراته ، الوادي يأتي إلينا بحمولته فيضعها حيث يشاء)
تذكرت ذلك وأمي تشدد عليَّ في الهاتف عدم المجازفة ومحاولة عبور الأودية أثناء قوة جريانها ، فلاتجازف بالعبور ...
كانت أسطورة الوادي تنبع من الخوف ، يستطرد ـ خلفان الزيدي ـ من ذاكرة الحنين : جرف الوادي ذات يوم شاحنة محملة بمختلف أنواع البضائع والمواد الغذائية ، قلنا في قرارة أنفسنا إنها جزء من الخيرات التي يهبها لنا الوادي ، ولابد أن تكون لنا غنيمة من هذه الخيرات ...
نسأل : ماهذه الخيرات التي جاءت مع الوادي ؟
يجيب : كتب مدرسية وأقلام ومساطر . كراتين ...فواكه وخضراوات ... والسيارة المحاصرة التي جرفتها الأودية ، كانت أمنية مستحيلة ، تمنى الجميع الوصول إليها . وهنا تبدأ المأساة ، بعد هذا الجو الأسطورى من البراءة والحلم والخيال ..قفز أحد الحالمين من الرفاق الصغار إلى الوادي ليأتي بحصيلة ـ حلمه الصغير ـ صيده ، لكنه غاب بين الأمواج ، وأصبح هو جزءا من الحصيلة ـ الحلم ـ التي جرفها الوادي إلى حيث ذهب .وفي عبارات حزن يقول الكاتب :
ـ لم يعد زميلنا بما كنا نشتهي ..
ضاع الحلم يابدرية.. كما صرخ الراوي فيما بعد ، ضاع الحلم الصغير الآن ، ضاع الحلم البرئ ، هل سيضيع الحلم الأكبر فيما بعد ؟! وعاد الرفيق الصغير بعد ساعات محمولا على الأعناق على أكتاف رجال الشرطة .والوادي الذي كان حلما تحول إلى مصدر رعب وخوف ، وعندما عاد الراوي الحالم فيما بعد .. كانت الأسطورة مازالت محفورة في ذهنه ونصيحة الأم والحرص وعدم المجازفة ..فأصبح لا يجازف لبلوغ حلمه .الآن يقول بعين العقل والحكمة والتروي : وكما كنت صغيرا ، جلست غير بعيد أراقب زخات المطر ، كانت ذاتي تنشد ، كما لم تنشد من قبل :
ـ ( يا الله بالسيل والرحمة يسقي المزناج والصرمة ) .
* همس ..
( ...وأمر كما الذين مروا من هنا ..في هذه البقعة ، حيث تتلاقى الجهات ..وتتقارب الأزمنه ..أقتفي أثر الشخوص .. أناظر الأمكنة .. وأستعيد بعض ذاكرتها ..اجدد الحنين إلى تلك الأيام التي طافت قبلي هذا المكان .. وإلى الصورة المتدلية من هامة الشهباء ..أيتها الشامخة في ذرى المجد ..هذا أنا أواصل اقتفاء الأثر .. وأطوف ذاكرة الأيام ..أفتش عن اللذين رحلوا ..أبحث عن ذاكرتهم..يكفيني منها الفتات ..كيما أهمس ببعض مما علق من صدى الأمس .. قبل أن تأذن ساعات الرحيل . )
( ذاكرة الحنين ، خلفان الزيدي )
* المدينة / الحلم ..
وقفزت ، قفزة كبيرة ، من الحلم الصغير ، حلم الطفولة والبراءة بالحصول على ـ خيرات الوادي ـ القادمة من المجهول ، كتب مدرسية وأقلام ومساطر .ومن الحلم صغير. إلى الحلم الأكبر .. المدينة . توقفت كثيرا عند المدينة / الحلم ..تحت عنوان ـ الحلم يابدرية ـ كتبت برمانسية وشفافية جميلة ، كشاعر حالم يتغنى بهذه المدينة ، يحلم في المنام بهذا الحلم ، أحلام الشعراء بالمدينة الفاضلة التي تعيش في خيالهم ، ولا تفارق ذاكرتهم ، أحببت بدوري ـ بدرية ـ المدينة / الحلم الجميل ، الذي يجب أن يكون ، لا ماهو كائن ..
يقول خالد : تصوري يا بدرية وأنت تجلسين على الشرفة ، تتراءى لك المدينة بكل تفاصيلها وشخوصها . هناك ستمارسين حريتك دون قيود . ستخرجين كما تشاءين دون أن يلتفت إليك امرؤ ليلقي عليك موعظة أو نصيحة لاتجدي في زماننا هذا نفعا . تخيلي البشر هناك يابدرية . أناس من أجناس وشعوب مختلفة . لكل منهم حياته ومنهجه في الحياة .سنجري في طرقاتها أنا وأنت ولن تتبعنا الأنظار أو تترصدنا الألسن . هذه هي المدينة / الحلم التي يريدها خالد . فهل تحقق حلمه ؟ ويمضي يحكي عن المدينة وعن الحياة هناك وعن حلمه الذي يشيده معها ..ويوازن بين حلمه الصغير الموؤد . كان هو يجري في الساقية يحمل حلما صغيرا وئد قبل أن يكبر ثم مالبث أن عاود الحياة بعد حين من الزمن . هنا تنبهه بدريه : خالد ، أنا بدرية . ألم تعد تتذكرني ؟ هل مازالت المدينة حلمك الذي لانهاية له ؟ بدرية هي مدينة الحلم . وحلم المدينة. كلا لنا حلم بعيد المنال .أجتمعنا على غفلة من الزمن ، وافترقنا على غفلة أخرى ، كنا كمن يحلم بحياة أخرى ، ثم يتفاجأ أن الزمن كتب له حياة مغايرة . ودون أن تكتمل حكايتنا .. سنكمل الرمق الأخير من الحلم .أغمض عينيه وراح في حلم عميق . ولما استيقظ . كان كل شيء قد غاب وانطوى ..لقد ضاع الحلم الجميل ، مثلما جرف الوادي رفيق الطفولة .
* حارة الوادي..
جاءت حارة الوادي هي الأخرى تنطق وتحكي ، ورغم صغرها فإنها تقول كل شيء ، إنها ترشدنا عن الشهباء من جميع الزوايا ، كما نجد الجامع على مدخلها ، والبرزة أيضا.. حارة الوادي تقف شاهدة على تاريخ وذاكرة ممتدة بامتداد من سكنوا هنا ..يقول الشاهد عن الحارة من ذاكرة الحنين والذي جاء بعد هذه السنوات الطوال يحدثنا عنها قبل أن يبدأ في الهمس الثالث من الذاكرة :حارة الوادي رغم صغرها تقول كل شيء ، لكن قولها هذا لايعي حقيقته إلا الذين عبروا الحارة واقتربوا منها في أزمنة متعاقبة ، حينما تسأل وأنت غريب الديار عن الشهباء ، تجد أمامك حارة الوادي ماثلة بجهتيها الشرقية والغربية ، وحينما تسأل عن الجامع تبرز لك حارة الوادي الغربية كمكان يحتضن نداء الصلاة والعبادة والدروس العلمية والدينية ، وهناك ـ باعتبار ما انقضى من زمن ـ ملجأ وملاذ العاني والمحتاج الضرير .ولن تتوقف ذاكرة حارة الوادي عن البوح وسرد الحكايات التي ولدت هنا ، فثمة شواهد أخرى قد تحكي في زمن آخر لكنها ستكون حتما في ذات المكان ..
* همس ..
(... هو الهمس لايخفت ، لايبارح الذاكرة ..يجدد التذكار لأيام سلفت وشخوص رحلت ..وما بقي غير الفتات ..وتلك الشامخة تستعيد حكايات الذين كانوا هنا ..تنبئ عن أخبارهم ..دون أن تقول شيئا آخر ..وحدها المآقي من ينزف الدمع وهي تجوب الأمكنة .. وتبحث عن أحادبث مروية .. عن الذين سكنوا هنا .. وشكلوا بعضا من ذاكرة الحنين ...أيتها الشامخة في ذرى المجد .. الموغلة في الصمت .. هذا أنا مجددا .. أمر كما الذين مروا من هنا .. أبحث عن ذاكرتهم .. عن همساتهم .. وعن حكاياتهم .. يشدني الحنين إلى أيامهم ..هذه التي رحلت كما رحلوا ..وإلى أمكنتهم .. تلك المنسية في غياهب المدينة وهي تجدد ذاكرتها .. وتنسج حكايات شخوص أخرى ..ستمر من هنا .. هذا أنا أحاول نبش الصمت..كيما أهمس ببعض مما علق من صدى الأمس .. قبل أن تأذن ساعات الرحيل )
( من نصوص ذاكرة الحنين .. )
* مواسم أخرى للفرح ..
في مواسم الفرح ، نجد ذاكرة الحنين عند الكاتب أقوى من همس الطفولة والحزن على رفيق الدراسة الذي فقد أثناء السيل ..كانت مواسم الفرح تتوالى ، ولذلك كانت تطغى وتتراكم فوق طبقات الحزن والشجن ، ويجد الصغار متعة وهم يحتضنون الفرحة ، الفرح أقوى في حياة الصغار من الحزن ، كل شيء يجلب السرور لهم ، حتى المواقف اليومية العادية ، تكون فرصة نادرة للفرح ، مثل هطول المطر فإنه يجلب السعادة إلى قلوب الصغار ، وكما يقول الحالم الصغير عن هذه المواسم وهذه اللحظات الجميلة : ينشدون كلمات التسبيح والتهليل والتكبير .. وكانت فرحة قرب العيد الكبير تكتمل يوم الثامن من ذي الحجة حينما تمتلئ المساجد بعد صلاة الفجر وحتى الضحى لقراءة ماتيسر من القرآن والحصول على الوقف المعين ..كان يوم الثامن من ذي الحجة يوما مرتقبا حيث تنهال الأوقاف عليهم من كل جانب ..فهذا وقف المسجد وذاك وقف المنطقة وذا وقف القبيلة . وكان التباهي بحجم ما تحصل من المبالغ في ذلك اليوم ، هو الفاصل بين الفرحة والشوق للعيدية ..
وقد ركز الكاتب على هذه المواقف الجميلة السعيدة في حياة الطفولة والصبا كثيرا ، لأنها تثير شهية القارئ ، وشهية كل إنسان يرى نفسه في هذه المواقف التي حدثت له في طفولته ، ويواصل وصف مشاهد الفرح ، كأنما الراوي يستلذ باسترجاع هذه المواسم للفرحة ، يستطرد : كانت الفرحة ببساطتها تتثاقل في كل الأركان .. حتى الذين تعسرت بهم الأحوال .. وانقطعت بهم السبل . كانت الفرحة تسري في منازلهم . ويدركون بمعنى وقيمة الأسرة الكبيرة التي تأبى وترفض أن تفارق البسمة شفاه أحد في هذا اليوم البهيج . نجد في هذه الفقرة القصيرة يورد ذكر الفرحة والبسمة ويضفي السرور على الموقف العام للمشهد الذي يتناوله ، كأنما الفرحة كانت هي القاعدة ، والحزن حالة استثنائية عابرة ، لأن الراوي كان ومازال يعيش حالة الحلم الذي يهمس به كل حين. نجده يتمهل قليلا و .. يهمس.وقبل الهمس نلاحظ شيئا آخر على مدار هذه الذاكرة .. الصمت . الهمس والصمت هما الطابع العام الغالب على حنين الذاكرة .. ولذا انسابت الكلمات بعذوبة وطلاقة وهدوء .. هي كتابات حالمة ، رومانسية تحتاج إلى الصوت الهامس والحديث الصامت في معظم المواقف ..لأننا نلجأ إلى الحنين وإلى الديار في وقت نفتقد فيه الحلم .. الحلم يابدرية ، في وقت تصبح فيه الكلمة الجميلة الطيبة عزيزة المنال ، ونحن نعيش في وقت ـ ثقافة الموت والدم والقتل والتدمير والخراب ـ نعود إلى الذاكرة ، نسترجع الأشياء العزيزة والجميلة في حياتنا ، لحدوث التوازن النفسي ـ الداخلي ـ مع الضغوطات الكثير الخارجية التي أصبحنا نعاني منها صباح مساء .. وكما ذكر الكاتب في مشهد موسم الفرح الطفولي من قبل : متخمة هي الذاكرة بالأحداث والصور ـ أقول هنا لابد من حدوث انتقاء وقد فقد الكاتب في هذا الانتقاء ـ ويستطرد قائلا : تضج بالحنين وتعج بالحكايات ..كانت صورة ذاك اليوم البهيج تراود خيالاته وتداعب تذكاراته .. الكتاب أعطانا بحق ـ وجه الفرح الطفولي ـ بصورة بريئة جميلة نفتقدها ، ونحن الآن كما قلت من قبل في أمس الحاجة إلى الفرحة والبسمة في زمن انتشرت فيه ثقافة الموت والقتل والدمار ، وهنا أيضا يأتي دور الكاتب في التبشير بالأمل ..بالنور في نهاية النفق المظلم الذي نعيش فيه ونعايشه ليل نهار .. يقول لنا ، إن كان قد ضاع الحلم يابدرية فلا تفقدوا الأمل في الفرحة والبسمة التي كانت على الشفاة في زمن الطفولة البريئة السعيدة ، هنا تطهير للنفس الجريحة والروح المعذبة من الحزن والضياع وفقدان الأمل ..
* دمعة على زمن رحل ..
ومن هنا تسقط دمعة على رحيل هذا الزمن الطيب الذي رحل ، زمن بدرية وزمن الأحلام الصغيرة في الحصول على ( خيرات الوادي ) أقلام ومساطر وكراريس ، وإن كان البعض قد فكر للحظة واحدة في السيارة التي جرفها الوادي ، لكنه يستبعد الحصول على هذا الحلم الكبير وهو الحالم الصغير الذي يفرح وينشد لحبات المطر ..هنا كان الحنين أقوى ، يكتب مرثية تحت عنوان: دمعة على زمن رحل . مرثية نثرية ، يقولها شاعر حالم ، يستخرجها من حبة القلب ..وتمضي الليالي..وتتبدل الصورة ..
وفي فقرة أخرى ، أو مشهد آخر كما يحلو لي أن أقول ..يواصل هذه الغنائية في المرثية ، إنه حزين على زمن الحلم ويعبر عن حزنه بطريقته الخاصة ، طريقة الفنان الذي يتألم ويود أن ينقل لنا هذه الشحنة ، وأن نتألم نحن بدورنا معه ، حزنا على زمن الحلم ..
يوما بعد يوم ..كان كل شيء يتماهي ويندثر ..
يواصل في فقرة جديدة أخرى ..
كانت أحاديث الأمس ..وضحكاته وتفاصيله ..
وحدها كانت تناظر كل ذلك .. ولاتقول شيئا .. حتى يوم تبدلت صورتها..وبدت كيوم مولدها .. لم تقل شيئا ..شامخة كما عهدا الذين رحلوا
حتى مواسم الفرح والأهازيج .. بدت إحتفالية مصطنعة ..
كان الحنين لتلك الأيام يجتر بعضه بعضا . والشوق إلى معانقة صور الفرح وإلى التلاقي مع الشجن الحزين الذي ينبعث مع الكلمات ..
* الصمت والهمس ..
أتوقف عند ملمح آخر من ملامح حنين الذاكرة .. هو الصمت والهمس ..بدأ الحنين بالهمس .. ثم صمت الذاكرة ـ أوردت هذه الفقرة النثرية كاملة فيما قبل ـ ويعود إلى الهمس .. قبل أن يتحدث إلى الشهباء ، وينتقل إلى صمت وحراك قبل أن يبارح الليل سكونه في بيوت الحارة وأجساد الصغار المتكومة في زاوية الغرفة .وليال حالمة ، تجد النساء فيها منبتها وبغيتها ، وتتمنى لو هبت الريح كل ليلة ..وبعد قليل يعود الراوي والكاتب إلى صمت آخر للذاكرة ، يعقبه همس بالحنين ، بعد نوبة صمت للبحث في الذاكرة عن الحلم المفقود ، عن مواسم الفرح والشجن ، عن النوم تحت المرجل ، وليلة العيد ..وأخيرا همس الغياب ..الغياب ، الغياب ..
* همس الغياب ..
( أيها الراحل في دروب الغياب ، تراودك ذاكرة الوطن المنسية من أشياء حقيبة سفرك ..وصورة الحبيبة الماثلة في شرفة الوداع ..وحيدة كانت هناك ترفع تلويحة الوداع ..تلقي بدموعها دون أن يرتد صدى الحنين ..هو الغياب يكتب كل حكايات المحبين..ويختم قصص العشاق..لكنك غير العاشقين .. ودون المحبين .. مازلت تحوم حول طيف عابر.. وتفتش عن وطن وحبيبة.)
(بعض مما علق من صدى الأمس..في ذاكرة الحنين)
كلمة أخيرة ، لا أود أن أغادر الكتاب قبل أن اذكرها ، كانت كلمة البداية ، التي ظلت معي وفي وجداني طوال الحنين والشوق والفرح والشجن ، كلمة وفاء وعرفان بالجميل ، إلى الأب ..يقول فيها : لقد كبرنا يا أبي ، كبرنا حدَّ الوجع ، وحدَّ الأنين .. من حنين الذاكرة ..

عبدالسـتار خليف *
* كاتب وروائي مصري


أعلى





يمثل نقطة تحول في تاريخ السينما الأميركية
"الأغنية السيئة لسويتباك العذب" أول فيلم يضع قضايا الأفارقة الأميركان على الشاشة

الفيلم أسّسَ لـ "سينما الاستغلال الأسود" المختصة بالأميركيين الملونين
لم يجد الفيلم من يموله، لكنه حقق نجاحا مدويا في شبّاك التذاكر!

يحتل فيلم "الأغنية السيئة لسويتباك العذب" The Sweet Sweetback's Baadasssss Song للمخرج الأميركي مِلفِن فان بيبلز Melvin Van Peebles مكانةً كفيلم طليعي لأسباب تختلف إلى حد بعيد عن الأسباب التي من أجلها يتم تصنيف الكثير من الأفلام بأنها تجريبية، فهو لا يحتل هذه المكانة لتقديمه مبادرات تقنية مبتكرة تتعلق بالمونتاج أو التصوير أو الإضاءة أو نحوها، ولا لكونه مختلفا بشكل جذري عن غيره في مؤثراته البصرية وأسلوبه البصري.
إن مكانة "الأغنية السيئة لسويتباك العذب" ـ الذي رأى النور عام 1971م ـ تنبع من كونه رائدا في مضمونه وموضوعه، فهو فيلم مؤسس لما عرف بعد ذلك باسم "سينما الاستغلال الأسود" المعنية بقضايا السود والتي كشفت لهوليوود أن المجتمع الأسود يمكن أن يكون جمهورا يُراهن عليه لنجاح الأفلام تجاريا، وأن الأفارقة الأميركيين يمكن أن يصبحوا أبطال أفلام ذوي قاعدة جماهيرية عريضة. فضلا عن ذلك فالفيلم متميز في تحديه لاشتراطات الإنتاج السينمائي الصعبة ونجاحه في تمويل نفسه بعيدا عن هيمنة أباطرة التمويل الاحتكاريين، إضافة إلى نجاحه في اختراق معايير سينما هوليوود التي وضعها الإنسان الأبيض بأن وضع قضايا الأميركي الأسود لأول مرة على الشاشة الكبيرة من وجهة نظر الإنسان الأسود نفسه. على أن الفيلم لا يخلو من قيم جمالية تتعلق بالمونتاج والمؤثرات الصوتية والبصرية، إلا أنها ليست العناصر الأهم التي تمنح الفيلم أهميته قياسا للعناصر الآنفة الذكر.
أخرج الفيلم مِلفِن فان بيبلز وهو نفسه من كتب قصته وقام بمونتاجه وألف موسيقاه التصويرية ولعب دور البطولة فيه. يدور الفيلم حول رجل أميركي فقير من أصل إفريقي يدعى "سويتباك" أو (ذو الظَهر العذب) الذي بدأ حياته منذ سن الطفولة كفرّاش في خانٍ للغانيات أجبرته ظروف الحياة على أن ينشأ فيه وسط عالمهن القاسي. قصة الفيلم تتمحور حول تحول سويتباك من شخص سلبي خانع للواقع إلى إنسان واع بالقضايا التي أودت به وببني جلدته ليعيشوا في قاع المجتمع، إذ أن أحداث الفيلم تدور في حارات الأميركان السود وتسلط الضوء على التفرقة العنصرية التي كانت سائدة في هذا المجتمع وقت صناعة الفيلم.
النقطة المحورية في حياة سويتباك هي قيامه بقتل شرطيين أبيضين بعد أن قاما باعتقال ناشط سياسي أسود من جماعة "النمور السود" الأميركية المطالبة بالمساواة وبحياة أفضل للملونين الأميركان. لم يحتمل سويتباك أن يظل مكتوف الأيدي وهو يراقب الشرطيين يهينان المضطهد الأسود ويعذبانه بلا جريرة ارتكبها، فكان أن هاجم الشرطيين بآلة حادة كان يحملها أدت إلى وفاتهما.
منذ تلك اللحظة يهرب سويتباك محاولا البحث عن ملجأ آمن من قبضة الإنسان الأبيض في فترة عصيبة في التاريخ الأميركي حين لم يكن السود قد نالوا أية حقوق مدنية تذكر. رحلة الفيلم هي رحلة هروب سويتباك إلى ملاذ آمن وتشرده راكضا على قدميه من مكان لمكان ساعيا للوصول إلى الحدود الأميركية المكسيكية ليهرب من قبضة مطارديه.

* * *
النقطة الأكثر أهمية في فيلم "الأغنية السيئة لسويتباك العذب" هي أنه كان أول فيلم أميركي يتناول بهذا العمق أوضاع الأميركيين من اصل إفريقي بهذا الوعي السياسي والتمردي الجريء. الفيلم عبارة عن صرخة ضد التمييز والبؤس اللذين يرزح تحت طائلتهما الأميركان السود. أول جملة تظهر مكتوبة على الشاشة في فيلم سويتباك تقول: "إلى كل الإخوة والأخوات الذين عانوا بما يكفي من (الرَجل)".
يستخدم ملفن فان بيبلز كلمة (الرجل) لتعني الإنسان الأبيض. إن الإنسان الأبيض كموقف وإيديولوجيا في التعامل مع الأفارقة الأميركان يحضر هنا تحت ترميز بسيط هو كلمة (الرجل)، إذ تحمل هذه الكلمة شحنة ترميزية. بعد جملة "إلى كل الإخوة والأخوات الذين عانوا بما يكفي من (الرجل)" تأتي جملة تقول: "الفيلم من بطولة: المجتمع الأسود". مرة أخرى يحضر هنا المجتمع بكامله كحالة وكموقف ليكون إحدى شخصيات الفيلم. لا يفتقر الفيلم إلى الشجاعة الكافية ليشير إلى الظلم الذي يوقعه قانون الإنسان الأبيض بالملونين، كما أنه لا يخلو من دعوة إلى التمرد على هذا الواقع القاتم.
يشترك فيلم "الأغنية السيئة لسويتباك العذب" مع ما يعرف بالسينما الثالثة في عدةِ نقاطِ التقاءٍ منها كونه فيلما عن المقهورين بالأساس. "السينما الثالثة" اصطلاح نقدي يشير إلى نوعية من الأفلام ارتبطت ارتباطا غير حصري بدول العالم الثالث. هي باختصار سينما المستعمَرين والمتحررين حديثا من الاستعمار، والتي تتصف بجماليات خاصة تميزها عن سينما هوليوود وعن السينما الأوروبية النخبوية.
من عناصر التقاء فيلم "الأغنية السيئة لسويتباك العذب" بالسينما الثالثة، فضلا عن كونه فيلما عن المقهورين، ما يعرف بأسلوب التصوير بتقنيات حرب الشوارع، والمقصود بذلك تصوير الفيلم بشكل سريع وخاطف فيما يشبه تقنية حرب الشوارع الخاطفة التي يستخدمها عادة الثوار في دول العالم الثالث. يعني التصوير بأسلوب حرب الشوارع ضمن ما يعنيه صناعة أفلام منخفضة التكلفة والقيام بتصويرها في أماكنها الحقيقية سعيا للمصداقية وتجنبا للتكلفة العالية التي يتطلبها التصوير في الاستوديوهات. معظم مشاهد فيلم "الأغنية السيئة لسويتباك العذب" تم تصويرها في الأماكن المفتوحة في الصحارى الأميركية حيث يقضي بطل الفيلم، سويتباك، ثلاثة أرباع الفيلم هائما على وجهه فارا من الشرطة.
ان الدرجة التي يتقارب بها فيلم "الأغنية السيئة لسويتباك العذب" مع السينما الثالثة هي الدرجة التي تجعله فيلما تجريبيا بحق، لأنه كلما أَخَذَ من آليات وأساليب السينما الثالثة كلما ابتعد عن معايير تيار السينما المهيمنة المتمثلة في سينما هوليوود. لقد أدرك المخرج أن قصته لن تحظى بإعجاب ممولي أفلام التيار المهيمن، فلماذا إذن يستخدم أساليبهم في الإخراج طالما هم رافضون له؟! كان التصوير بتقنية حرب الشوارع هو الحل لملفن فان بيبلز وذلك باستخدام المواقع الحقيقية ومواءمة قصة الفيلم لتتطلب أقل قدر ممكن من الديكورات والاكسسوارت ـ ـ وهو ما يتناسب مع الميزانية المحدودة التي أنتج بواسطتها الفيلم.
إنه لمن نافل القول إن ابتكار حلول خلاقة لمعالجة صعوبات التمويل والإنتاج يعد علامة من العلامات التي تجعل الفيلم الطليعي طليعيا. لقد نجح فيلم "الأغنية السيئة لسويتباك العذب" في تمويل نفسه بدون أن يضحي بالكثير من الجودة في المحصلة النهائية للفيلم... فعلى سبيل المثال فإن الفيلم يتضمن مشهدا يتم فيه حرق سيارة على قارعة الطريق.
لم يكن المخرج وفريق عمله يملكون التكلفة المالية الكافية لتمثيل هكذا مشهد، فما كان منهم إلا ان قاموا بحرق سيارة حقيقية قديمة واقفة على الرصيف، ولما جاءت فرقة المطافئ الحقيقية لإخماد الحريق قاموا بتصوير المشهد المراد دون ان يتكبدوا لأجل ذلك سوى دولارات بسيطة. إن المرء يستطيع أن يتخيل كم كان مشهدا كهذا سيكلف في فيلم من إنتاج هوليوود وكيف أن حلا إخراجيا ذكيا قد أنقذ الفيلم من تكبد تكلفة لا طائل من ورائها.

* * *

الصيغة النهائية التي خرج بها فيلم "الأغنية السيئة لسويتباك العذب" هي ثمرة للتقدم التقني في مجالات التصوير والمونتاج التي كانت صناعة السينما قد وصلت إليها عند إنتاج الفيلم. إن هِبَةَ السبعينات الحقيقية هي اختراع الزووم، وقد عرف فيلم "سويتباك" كيف يستفيد من هذا الاختراع. لقد تم توظيف الزووم جماليا ليرينا إلى أي مدى كان سويتباك معزولا ووحيدا وسط أرض شاسعة معادية، وذلك من خلال التنقل بين الزووم للداخل والزووم للخارج، أي الاقتراب والابتعاد عن الشخصية.
إن الحقيقة المتمثلة في كون فيلم "الأغنية السيئة لسويتباك العذب" فيلما ذا تكلفة إنتاجية منخفضة لم تمنع الفيلم من أن يحظى ببعض المؤثرات البصرية الخاصة. أضف الى ذلك فإن الأسلوب البصري العام للفيلم قريب في ذائقته من الأفلام التي صُنعت في السبعينات، فهناك المونتاج القافز الذي قد يكون وصل للفيلم بتأثير من الموجة الفرنسية الجديدة، وكذلك هناك تغيير الموسيقى التصويرية بشكل فجائي في منتصف المشهد بلا مقدمات، وكذلك الإفراط في استخدام تقنية المزج الإحلالي المونتاجيّة وهي مسألةُ دمجِ لقطتين في واحدة.
كما قام الفيلم بتخطي بعض الأساليب التقنية الشائعة في عهده واستخدم حلولا جديدة بعض الشيء منها استخدام الجمل الشارحة التي تظهر على الشاشة (الكباشن) كشكل من أشكال السرد السينمائي. كما استخدم الفيلم أيضا الألوان السالبة Negative Colours و ما يشبه الصور الظلية او (السلويت)، إلا انه كان سلويتّا أبيضَ اللون خلافا لكون اللون الشائع للسلويت هو الأسود.
أما على صعيد الصوت فقد كان الفيلم متميزا نوعا ما في موسيقاه، حيث مزج بين الموسيقى التقليدية اليونانية مع موسيقى الجاز والفونك Funk في خليط غير مألوف. ومن ضمن استخداماته الجديدة في الموسيقى قيامة بتشغيل معزوفتين موسيقيتين في ذات الوقت خالقا نوعا من التأثير السمعي الخاص.
باختصار، عَمِلَ فيلم "الأغنية السيئة لسويتباك العذب" كل ما في وسعه لخلق مؤثرات بصرية وسمعية يمكن لها أن تثري قيمَهُ الجمالية وتمنحه جودةً خاصة تؤهله ليحقق دخلا جيدا في شُباك التذاكر. لقد سعى ملفن فان بيبلز إلى إثبات أن الأفلام المستقلة ذات التكلفة الإنتاجية المنخفضة يمكن لها هي الأخرى أن تدر ربحا جيدا في شباك التذاكر اذا قَدّمت حلولا بصرية وسمعية مختلفة تجعلها أهلا للمنافسة. تحقق ما أراده المخرج ونجح الفيلم نجاحا منقطع النظير في شباك التذاكر رغم انه عانى الكثير جدا في البداية ليجد من يموله ولو بفتات النقود.

* * *
إن من أهم ما حققه فيلم "الأغنية السيئة لسويتباك العذب" أنه أعطى للأميركيين من أصل إفريقي مساحة أوسع ليقولوا قصصهم الخاصة بهم على شاشة السينما. لقد أسس الفيلم لما عُرِفَ لاحقا بـ "سينما الاستغلال الأسود" المعنية بقضايا الأميركيين السود، وهي وإن كانت تسمية بيضاء عنصرية، إلا أن الفيلم كان بحق نقطة تحول في تاريخ السينما الأميركية.
لقد أثبت الفيلم أن الأميركيين من أصل إفريقي قادرون على صناعة سينما تعبر عنهم وعن قضاياهم، وأن الممثل الأسود يمكن أن يكون نجما لامعا يدر النقود للمنتجين، كما أدرك المنتجون أن أفلام السود قادرة على تحقيق نجاح تجاري في شباك التذاكر وهي تجذب متفرجين بيضا وسودا على حد سواء.
دفع نجاح فيلم "سويتباك" كبريات أستوديوهات هوليوود إلى إدخال أبطال سود في قصصهم وإلى إسناد أدوار البطولة لممثلين سود. فضلا عن ذلك فإن هناك سيناريوهات كان قد تم تأليفها أصلا ليلعب بطولتها ممثل أبيض، إلا أن نجاح "سويتباك" جعل المنتجين يحولون الشخصية إلى أمريكي زنجي بعد أن ثبت لهم أن الأفلام التي يلعب بطولتها سود مربحة تجاريا.
وبعيدا عن كل ذلك، فإن المنجَز الحقيقي الذي حققه فيلم "الأغنية السيئة لسويتباك العذب" هو ما يرتبط بالمجتمع الأميركي الأسود ككل، فقد صار للأفارقة الأميركان منبر فني يعبر عن قضاياهم بحرفية عالية تجبر الآخر على احترامهم. لقد أدخل "الأغنية السيئة لسويتباك العذب" المضطهدين من الأفارقة الأميركان إلى عالم السينما، ومن غير المطروح أن يخرجوا منها بعد ذلك أبدا.


عبدالله خميس*
* كاتب عماني


أعلى





بناء المكان وتقنية الاستذكار..
في قصة "مقاطع على هامش حياة صغيرة" لرحمة المغيزوي

يحاول النقد الجديد امتحان العلاقة بين المكان وعناصر العمل القصصي للكشف عن القيمة الرمزية المرتبطة بهذا الفضاء
أول ما يبدو لنا في فاعلية المكان في ذات الشخصية، من خلال العلاقات اللغوية والتصويرية

على الرغم من غلبة عنصر الزمان في الرواية والقصة فإنها تشبه في بعض مظاهرها الفنون التشكيلية، ورغم اعتماد النص القصصي على الإيقاع ودرجة السرعة، إلا أنها من جانب آخر تقدم لوحات تشكيلية تعمل على تنمية الأحداث وإضاءة الشخصيات. من البديهيات الراسخة في نقد الرواية أو القصة أن المكان ليس مكانا حقيقيا وإنما هو مكان فنـّي مُتخيـّل يُعبّر عنه بمفردات لا بتصوير الموجودات. لكن هذا المكان المتخيـّل لا يكتسب ملامحه وأهميته وديمومته إذا لم يتماثل بدرجة أو أخرى مع العالم الحقيقي خارج النص وذلك لأنه من العسير جدا بناء الحدث والشخصية في مكان دونما ملامح. وفضلا عن ذلك فإن المكان يوصل الإحساس بمغزى الحياة ويضاعف التأكيد على تواصلها وامتدادها. بَـيْدَ أن الخيال يخلق أحيانا أمكنة مفترضة لا معادل لها على الواقع الإنساني ويتمثل ذلك في الأساطير والخرافات والحكايات الشعبية.
لقد ميـّز بعض النقاد بين مكانين:
أ ـ مكان محدد تضبطه الإشارات الاختبارية كالمقاسات والأعداد والأحجام والمساحات....
ب ـ مكان دلالي تؤسسه الأحداث والمشاعر لشخصيات الرواية أو القصة.
إن المكان الأول موضوع والثاني رؤية. فالبحر على سبيل المثال هو البحر المعروف كما أن الجبل هو نفسه، على أن هذا البحر أو ذاك الجبل قد يمتزج بالإنسان فيتـلوّن بلونه ويكتسب خصوصيّته، بل إن دلالة كلٍّ منهما قد تختلف من مبدع إلى آخر.
إن النقد الجديد يحاول جاهدا امتحان العلاقة بين المكان وعناصر العمل القصصي بحيث تقاس درجة الفضاء الروائي أو كثافته أو سيولته أو طبوغرافيته في محاولة للكشف عن القيمة الرمزية والأيديولوجية المرتبطة بهذا الفضاء. إن الفضاء الروائي يُخلق كغيره من المكوّنات الأخرى للسرد من الكلمات، ومن هنا يختلف المكان الفني عن المكان الطبيعي كاختلاف التصوير الفوتغرافي عن الرسم الفني (بريشة الفنان) لأن الفنان التشكيلي يضفي أبعادا كثيرة نفسية وفكرية واجتماعية على عمله الفني. لهذا يُعدّ المكان ضروريا في بناء السرد؛ لأن الحدث لا يُقدم إلا مصحوبا بالزمان والمكان. والحقيقة أنه ليس هناك مكان محدد مسبقا وإنما تتشكل الأمكنة من خلال الأحداث التي يصنعها الناس (في الفن)، ولهذا لا يأتي الفضاء مكانا معتادا مُعاشا. يحاول الراوي في رسمه للمكان أن يكون بناؤه له منسجما مع مزاج الشخصيات وطبائعها. على أنه قد يخرج أحيانا عن ذلك إذا أراد خلق مفارقة أو رفض للمكان الموصوف، أو إذا أراد إيجاد تأثير متبادل بين الشخصية والمكان الذي تعيش فيه أو البيئة التي تحيط بها.
يقوم المكان عن طريق عناصره بالكشف عن نفسية الإنسان وتحديد ثقافته وشعوره ورؤيته للعالم وللآخرين ولنفسه (أنماط البناء والأثاث في البيوت). إن التعويل على الوصف الدقيق لكل جزئيات المكان يقوم على إيهام القارئ بأنه يشاهد حقيقة أو واقعا، محاولا أن يُنـْسِيَ القارئ أنه إنما يتعامل مع عالم خيالي، والتدقيق في الوصف يجبر على التصديق، أي أن القارئ يحسّ أنه يرى الأشياء ويسمعها في النص القصصي أكثر مما هي عليه في الطبيعة (هذا إن وُجدت حقا).
أما الاستذكار (السرد الاستذكاري) اللواحق: فهو كل عودة إلى الماضي وإحالة إلى أحداث سابقة. أو أن يترك الراوي مستوى النصّ ليعود إلى بعض الأحداث الماضية ويرويها في لحظة لاحقة لحدوثها. وبمعنى آخر توجد اللواحق أو الاستذكارات في الفقر التي تتضمن في نقطة معينة من زمن القص ـ حدثا يقع من الحكاية في زمن سابق فيتقدم النص إلى الأمام بارتداد زمن الحكاية إلى الوراء أي إلى نقطة زمنية من الحكاية تفصلنا عنها مسافات تطول أو تقصر ، سمّاها جيرار جينيت " المدى الفاصل".

ويقسم الاستذكار إلى أنواع:
1ـ استذكار خارجي: حيث العودة إلى ما قبل بداية الحدث الأوّل في الخطاب/الرواية. أي يتنزّل في زمن سابق للزمن الذي تبدأ منه أحداث الرواية.
2ـ الاستذكار الداخلي: يتعلق بأحداث تجاوزها السرد، ويتنزّل من الحكاية في الحيِّـز الزمني الذي تمتـدّ عليه أحداث الرواية . أو يعود إلى ماض لاحق ٍلبداية الرواية قد تأخـَّر تقديمُه في النصّ.
3ـ استذكار مَزْجي أو مشترك: تنطلق بدايته من نقطة زمنية سابقة للحيـِّز الذي تمتـدّ عليه أحداث الرواية ، لكنه يكون ذا امتداد يبلغ به زمن انطلاق الأحداث ويجعلها متزامنة في حيـِّز الرواية.
إن أول ما يبدو لنا في قصة "مقاطع على هامش حياة قصيرة" فاعلية المكان في ذات الشخصية، إذ إن البناء المكاني للشخصية يشكل حيّزا حسيا وشعوريا وذهنيا، من خلال العلاقات اللغوية والتصويرية التي تبدو بواسطتها الشخصية وقد تم بينها وبين الأشياء الخارجية نوعٌ من المناجاة المكانية الصامتة الناطقة في الوقت نفسه، ويلاحظ ذلك في الخطاب السردي الآتي "عندما نودي على اسمه في بداية وقوفه في هذا المكان لم يجد ما يفعله في لحظتها إلا ابتلاع ريقه ببطء وبصوت بدا له مسموعا لدى جميع المخلوقات، نظر إلى السقف الأزرق المرتفع بلا أعمدة..."
لعل نظر الشخصية ـ الذي يوحي بالغربة الحسية ـ إلى السقف الأزرق المشكـِّل محاولة تطلـُّع غير عادية من الناحية الرمزية وما يقابلها من انخفاض للبصر تجاه شخصيات غريبة عن كيانها الثقافي في الخطاب السردي الآتي "وللرجال الواقفين بجانبه في وقار حسدهم عليه في كل، خطوة داس بها وجه الرخام الأزرق في أرضية الطابور"، يمنح الإحساس بمأساة الفشل في البيئة المكانية المحيطة به. إن الكاتبة في هذه القصة لا تتعامل مع المجال المكاني بذاته لمجرد الضرورة بقدر ما تتعامل معه كونه تصويرا لغويا يشكل معادلا حسيا ومعنويا للمجال الشعوري والذهني لشخصية الرجل الأب في هذا الموقف الدرامي الذي تبدو فيه وهي تبحث عن معنى لشقائها وانحدارها، في الوقت نفسه الذي تبدو فيه موضع تحقيق لسعادة الآخر وهي البنت. وارتباطنا بهذا المعنى المزدوج في شخصية الأب يتم في جزء كبير منه من خلال طريقة وصف الأشياء الحسية. فالمكان ذو السقف الأزرق بلا أعمدة، والسير المرتبك تجاه الميكرفون، والتفكير في الطابور، والإزار الذي ظهر من تحت الدشداشة، كلها أوصاف حسية تستعرض المجال الشعوري والذهني للشخصية التعيسة والشقية التي تبحث من خلال هذا الانحدار الشعوري عن معنى السعادة للابنة من خلال حضوره تفوّقها وإلقاء كلمة طالما فتـّـش بين ركام شقائه عنها فلم يجد إلا كلمة.. شكرا.. شكرا. وعلى الرغم من السرد الخطابي المغلـّف بالرؤية الخارجية ـ التي تقوم على خبرة الراوي الحسية ـ إلا أن "الرؤية مع" ـ التي يتبنى فيها الراوي منظور الشخصية ـ كانت حاضرة في هذا المقطع للكشف عن المجال الشعوري في هذه الشخصية أثناء استشعاره طعم السيجارة قبل دخوله المدرسة في السرد الآتي: "شعر لبرهة بنفسه كالمنعتق من منغصات الحياة كليا، أحس بجسده ليس بالقصير، ولا بالطويل، ليس بالخفيف ولا بالثقيل، شعر أنه بلا جسد مرئي أو اسم ملتصق باسم أمه، إنه بلا عقل حتى، إنه حر ويستطيع التحليق والطيران إلى أن تنتهي الدنيا ويفنى الخلق".
إن فاعلية المكان في الشخصية تمثلت في الرجوع الاستذكاري إلى مرحلة الطفولة، وهو استذكار خارجي، لقد أوحى إليه مكان المدرسة والموقف الراهن مكان الطفولة، المكان الذي تكـدّس في ذاكرته بشتـّى أنواع الشقاء، من صنعه سيجارة من ورق الكرتون المقوّى، وحمل أكياس الطحين من بيوت القرية إلى بيته، وجمعه جريد النخل لوقود الفرن توفيرا للغاز، كلها "ذكرى بدون لون في مخيلته". إن هذه الأوصاف المكانية التي تتعلق بالماضي تـُلقي بظلالها على ذاكرته في الحاضر الراهن، وتكثــّف ازدواجية الموقف والشعور بالمفارقة، بين شعوره في الماضي في ظل تلك الأمكنة بأن يكون "حبة قمح صغيرة وضعيفة وقابلة للكسر والطحن والانحناء والمضغ أخيرا" وبين دعوته لحضور تفوّق ابنته وتميّزها في مدرسة حـُرم منها طيلة حياته الماضية. ويستغرق "مقطع النسيان" في سبر أغوار الذاكرة، الذاكرة التي تحمل ثقل المفارقة، منذ مغادرة والده البيت إلى بيت جديد وزوجة أخرى، ومعاناة الأم وشقائها في القيام بشؤون البيت وتوفير سبل العيش لأفراده، ومن ثم فقد زوجته لتزداد مأساة الشقاء وتترك مشاعر مبعثرة بين الماضي والحاضر.
ركزت الكاتبة في هذا المقطع على إظهار المشاعر والانفعالات من خلال الرؤية الخارجية أحيانا "والرؤية مع" أحيانا أخرى، على أن الرؤية الخارجية تأتي ممهِّدة "للرؤية مع"، على الرغم من أن الرؤية الأخيرة لا تحتل أهمية بارزة في هذا المقطع، فالكاتبة ركزت على الأوصاف والحركات الخارجية كمعادل درامي تراجيدي لحياة الأب الماضية، ومع ذلك فإن "الرؤية مع" شكلت جزءا من خلال التفكير الدرامي الآتي: "دار بخلده أن يقطع إحدى أذنيه أو أحد أصابعه.." وفي السرد الآخر تبرز "الرؤية مع" "... بكى هو مطولا في داخله باحثا عن ستار الليل الذي افتقده في عز نهار مشمس".
وفي "مقطع من ضباب" ما زال الغوص في الذاكرة، لكنه هذه المرة يبدأ بالسرد الشعري، كتمهيد للجو العاطفي الذي كان يلف حياة الرجل مع أمه، من حبٍّ وشقاء وتضحية، شأنه في حلمه هذا "شأن أحلام طفل قلق. أحلام تتوالى في تركيب بنائي لا يجد تفسيرا له إلا في كونه تعبيرا عن دفق أولي لذاكرة تقف، بعد لأي من الزمن، أمام طفولتها الممزقة، وماضيها المعقد، لتستحضرهما وتستجلي فيهما حقيقة ما زالت في حاضرها، بحاجة إلى جلاء": "في إغفاءات الفجر المتتالية رآها جليا، كانت روحها صرفة، جميلة وحنونة، كأن تجرّد الموت من مادية الأجساد استلّ منها صفرة المرض المزمن كما استلّ منها كل ما راكمته الأيام من المشاحنات والأحداث". إن فقد الأم يمثل قمة الضياع بالنسبة له. ولنعد معه إلى محطات الضياع منذ طفولته:
1ـ الفعل: فقد الأب بانتقاله إلى بيت جديد وزوجة أخرى، بعد أن طلق أمه ثلاثا.
ردّ الفعل: دخوله غرفته وصمته وجزّ حاجبيه، محاولة قطع أذنيه، مسك الشفرة ومحاولة قطع الشعر الكثيف فوق عينه اليمنى، السير حافيا بين رمال القرية في الشمس الحارقة.
2ـ الفعل: فقد الزوجة بالموت.
ردّ الفعل: جزّ حاجبيه الاثنين.
3ـ الفعل: فقد الأم بالموت.
ردّ الفعل: محاولة الانتحار، ونلحظه في السرد الآتي ".. وترك من بعدها الدنيا دون أن يملك شجاعة كافية ليعود في محاولة ناجحة إلى شفرة حلاقته ليقطع ما يصله بالوجود.."
إن محطات الضياع التي استعرضناها هي التي صنعت من الرجل حبّة قمح كلما رأى نفسه فيها شعر بالضياع، ولم تكن المحطات الثلاث متوازنة التأثير والفاعلية، فالمحطة الأخيرة المتعلقة بموت الأم ـ على الرغم من ردّة الفعل الوحيدة ـ هي التي شكلت الضياع والشقاء الأبدي؛ وهو أمر طبيعي إذا لاحظنا أن السرد في القصة أهمل الحديث عن أية علاقة سلبية أو إيجابية تربط شخصية الرجل بأبيه أو بزوجته وإنما أبرز العلاقة القوية والحميمة بين الرجل وأمه:
"أمه لم تكن تشبه الأخريات، لا يذكر أنه رآها تبكي علنا أو تتذمر من حياتهم أمام جاراتها، سمعها كثيرا وهي تتحدث عن قدرة الإنسان على تكوين نفسه حتى من حفنة، علمتهم دائما أن يمسكوا بستار الليل الأسود ليداروا دموعهم عن البشر، قالت لهم دائما وصفا أصبح حكمة في الأفواه "أنبت لكم لحما على عظامكم الغضة من لفح النار في القيظ والشتاء". ولم يكن حديث الرجل الأخير أمام الحضور الذي يشبه الاستفاقة من حلم الضياع في قوله: "يا أولاد الحلال سيجارة.. سيجارة واحدة لأعيش بينكم لا غير". سوى تأكيد على الشعور بالاغتراب وفقد الذات التي تأبى التصالح مع الماضي والانسجام مع الحاضر وتجاوزه إلى المستقبل. إن شخصية الرجل في الماضي ـ أي بعد فقد الأم ـ تبدو مقترنة بالثبات والركود بعد أن سُدت في وجهها كل الطرق المشروعة للتعلق بالحياة والإحساس باستمرارها. وتحولها الحاسم في حدود هذا المستوى إلى ممارسة الحياة في سياق الفشل، إنما هو احتجاج درامي ساخر، مبعثه افتقاد الشخصية لمن يحميها من الشقاء، والسياق الخارجي المباشر للحدث يوحي بأنها ضحية للمجتمع الظالم المتمثـّل في الأب. إن أبرز ما اقترنت به شخصية الرجل في السياقات النصية هو كونها موضوعا للشقاء المادي والمعنوي معا. ولقد صورت الكاتبة هذه الشخصية على نحو يبدو فيه عالمها الداخلي مفرغا من الإحساس بالحياة في المجتمع. إن أبرز خصائص البناء اللغوي التصويري للشخصية في هذا النموذج استخدام الكاتبة لأسلوب المداولة بين خارج الشخصية وبين داخلها وبين وصفها المكاني الساكن وبين بعدها الوظيفي المتحرك وبين علاقتها بالماضي في ضوء الحاضر وعلاقتها بالحاضر في ضوء الماضي وعلاقتها بالمستقبل الذي تنجذب إليه في ضوء توترها مع الماضي من جهة والحاضر من جهة أخرى.
عن طريق استخدام هذا النظام استطاعت الكاتبة أن تصل باللغة مستوى تبدو فيه نسيجا تصويريا دراميا جسّم فيه الشقاء الإنساني ماديا ومعنويا. وإذا كانت شخصية الرجل من الناحية الفنية تبدو معادلا فنيا للشقاء المادي والمعنوي، فإن شخصية الطفلة التلميذة تبدوـ وهي تداري بقعة الطحين التي التصقت بثوبها ـ رمزا لإرادة التعلق بالحياة واستشرافا جميلا بالسعادة من خلال البحث عن الإحساس بها خارج حدود بيئة الأب.

د. حمود الدغيشي*
* أكاديمي عماني


أعلى




مقاطع على هامش حياة صغيرة

مقطع السيجارة

ـ يا أولاد الحلال.. سيجارة... سيجارة واحدة لأتكلم لا غير .
"عندما نودي على اسمه في بداية وقوفه في هذا المكان لم يجد ما يفعله في لحظتها إلا ابتلاع ريقه ببطء وبصوت بدا له مسموعا لدى جميع المخلوقات، نظر الى السقف الأزرق المرتفع بلا أعمدة فوقه، أخفض بصره ليتمعن في وجوه من حوله، ثم عاد وابتلع ريقه للمرة الثانية وبحركة ظاهرة في وسط حنجرته، عندما امتدت إليه يد بالميكرفون ليقول شيئا أمام الحضور، ارتبك، كاد أن يتعثر بخطوته الثانية وهو يسير قاطعا المسافة بينه وبين الميكروفون، اقترب، ابتسم، عدل في أثناء سيره من وضع عمامته المائلة جهة اليمين قليلا، حك ذقنه غير الحليق في موضعين أو أكثر، ربت على علبة السيجارة في جيبه باستغاثة مكتومة، عد في سره خطواته في محاولة لطرد التوتر الرابض على هيئة رعشة في أنامله خاصة، فكر بعمق فيما سيقوله لطابور الأجساد الصغيرة وللرجال الواقفين بجانبه في وقار حسدهم عليه في كل خطوة داس بها وجه الرخام الأزرق في أرضية الطابور.
في تلك اللحظة بالذات ـ والميكرفون بين يديه ـ لم يشته إلا سيجارة بين شفتيه هذا اليوم، سيجارة لا غير تجيره من الحر المتصاعد داخله منذ الأمس، وتنهي كل شيء على خير أمام الحاضرين. استشعر طعم السيجارة التي دخنها قبل يدخل المدرسة شعر لبرهة بنفسه كالمنعتق من منغصات الحياة كليا، أحس بجسده ليس بالقصير لا الطويل، ليس بالخفيف ولا الثقيل، شعر أنه بلا جسد مرئي أو اسم ملتصق باسم أمه، إنه بلا عقل حتى. أنه حر ويستطيع التحليق والطيران الى أن تنتهي الدنيا ويفنى الخلق.
شجعته عينا مديرة المدرسة المبتسمة على الكلام، ركز بصره على ابنته التي دفعتها يد المعلمة برفق الى جانبه لتلتقط لهما صورة ذكرت أنها ستعلقها في لوحة التميز، لحظة وعندما طلبت منه المعلمة أن يضع يده على كتف ابنته شعر بتوجس الجسد الصغير المحاذي له، صمت برهة ، دار ـ بانفعال خفي ـ طرف إزاره الذي ظهر من تحت "دشداشته"، لخطوة ابتعدت ابنته عنه وغطت بكفها النحيل بقعة طحين يابسة على ثوبها المدرسي، حدث نفسه بأسى كبير أنه أهملها، حضر حفل تفوقها بعد إلحاح متواصل منها ومن أمه، رفع الميكرفون الى فمه بحذر كبير ونظر ذات اليمين وذات الشمال وكرر بصوت مهزوز، وهو يمج في خياله سيجارة ضخمة..

ـ شكرا... شكرا .

مقطع من حبة قمح

أمه .. لم تكن تشبه النساء الأخريات، لا يذكر أنه رآها تبكي علنا أو تتذمر من حياتهم أمام جاراتها، سمعها كثيرا وهي تتحدث عن قدرة الإنسان على تكوين نفسه حتى من حفنة سراب، علمتهم دائما أن يمسكوا بستار الليل الأسود ليداروا دموعهم عن البشر، قالت لهم دائما وصفا أصبح حكمة في الأفواه" أنبت لكم لحما على عظامكم الغضة من لفح النار في القيظ والشتاء" .بمرارة طاف بخاطره طائف من الطفولة " وهو صغير أمسك بالورق وبقطع الكرتون المقوى أحيانا، لفها وثناها على بعضها، أشعل النار فيها وصنع سيجارته التي لا تبعث الريب والشك، مع دخانها المتصاعد من فمه لم يضيره أبدا أن يحمل أكياس الطحين من بيوت القرية الى بيتهم، ولم تثره رائحة الخبز الساخنة التي طالما عبقت في أنفه، فيما بقي مسيره المتواصل طوال تلك السنوات لجمع جريد النخيل ليستخدموه كوقود للفرن توفيرا للغاز، ذكرى بدون لون في مخيلته".
في أيامه تلك وهو يجلس القرفصاء أمام فرن أمه فكر دائما كم من المؤذي جدا أن تكون حبة قمح صغيرة وضعيفة وقابلة للكسر والطحن والانحناء والمضغ أخيرا، استعرض وأنامل والدته ملطخة بالطحين الرطب وأصابع أخته الصغرى المبللة بالماء، حياة حبة قمح منذ أنضجتها حرارة الشمس في الحقول الى أن تنضجها حرارة الفرن، أعاد التفكير مرارا وحرارة الأرغفة الساخنة تثير جلد راحة يده، أكد لنفسه.
ـ كم هي قاسية حياة حبة القمح !

مقطع النسيان

غداة يوم الاثنين المنصرم منذ سنين لا يعرفها، كانت طريقته الخاصة للاحتجاج جد غريبة ومؤثرة، لم يكتشف للآن كيف أنتجها عقله المتواضع وكيف ابتدعها واستمر بها كنمط تعايش غير محايد، قابل للتكرار كلما أراد أن يقول للآخرين أنه موجود دون أن يبكي أو يتذمر أو يحرك لسانه بتأتأة غير مفهومة لديهم .
أخيرا أقنع نفسه أنها كانت وليدة الساعة التي خرج فيها والده الى بيت جديد وزوجة أخرى تاركا أفواههم الصغيرة معلقة كحبال من مسد مع ثلاث كلمات طلاق في عنق امرأة ضئيلة الجسد طوال سنين عجاف. تذكره الناس جليا كيف دخل غرفته وهو صامت وكيف خرج وقد جز أحد حاجبيه، دار بخلده أن يقطع إحدى أذنيه أو أحد أصابعه ولكنه ببساطة غير معتادة أمسك شفرة حلاقته ومررها لمرتين أو ثلاث على الشعر الكثيف النابت فوق عينه اليمني. وفي الوقت الذي ضحك الناس منه بكى هو مطولا في داخله باحثا عن ستار الليل الذي افتقده في عز نهار مشمس، بحاجب واحد كث ومبعثر الشعر أخذ يسير حافيا بين رمال القرية التي تحولت تحت أقدامه الى مسامير .
وغداة يوم مر عليه عشر سنوات كاملة خرج الى الناس وقد جز حاجبيه الاثنين احتجاجا على الموت الذي أخذ زوجته وترك في عنق أمه مجددا أربع أفواه باكية.
مقطع من ضباب

في إغفاءات الفجر المتتالية رآها جليا، كانت روحا صرفة، جميلة وحنونة، كأن تجرد الموت من مادية الأجساد أستل منها صفرة المرض المزمن كما استل منهما كل ما راكمته الأيام من المشاحنات والأحداث . ذكرته بابتسامة طيبة وواسعة أن القلوب تشابهت كثيرا منذ أن وعى على الحياة، وذكرها بحنان وافتقاد بأن قبلها تشابه مع الهواء الذي ضاق به صدرها.
سألها ذات مرة لماذا رحلت؟، بقيت تنظر إليه دون إجابة، اقترب من طيفها وسألها هل أحبته؟ أومأت إليه بالإيجاب، واختفت، عندها تنفس دموعا كثيرة في وجه الفجر. وساعة أضاءت الشمس المكان، أصبح يقينه مكتملا بأنه كالشمس أحبها، لم يألف بعدها شيئا، ربما لأنها حاضرة وغائبة، مشرقة وراحلة، تعلم منها أن طول المكوث في مكان ما يخلف الألفة ولكنه يورث الملل، لذلك رحلت، تركته وحيدا، وترك من بعدها الدنيا دون يملك شجاعة كافية ليعود في محاولة ناجحة الى شفرة حلاقته ليقطع ما يصله بالوجود .
لعشر سنوات أحبها وأهملها كما أحب وأهمل أبنته الواقفة بمحاذاته في الصورة، وكما أحب وعصى أمه، الفرق أن مرضها كان مثل الشيب قدم في الحياة وقدم في الممات وكلاهما يحمل مذاق القبر، وأن أمه عجزت عن جعله عكازا تستند عليه في شيبها .في الوقت الذي ما زالت ابنته تبتسم لرفيقاتها مدارية بكفها النحيل بقعة طحين يابسة على ثوبها المدرسي، حدث هو فيه نفسه ـ متحسسا بيد مرتجفة موضع حاجبيه ـ بصوت بدا واضحا للحضور.
ـ يا أولاد الحلال.. سيجارة... سيجارة واحدة لأعيش بينكم لا غير .

رحمة المغيزوي*
* قاصة عمانية


أعلى




تـراثيـات



غزل المنية!

تغازلني المنية من قريب
وتلحظني ملاحظة الرقيب
وتنشر لي كتابا فيه طيي
بخط الدهر أسطره مشيبي
كتاب في معانيه غموض
يلوح لكل أواب منيب
أرى الأعصار تعصر ماء عودي
وقدما كنت ريان القضيب
أدال الشيب يا صاحي شبابي
فعوضت البغيض من الحبيب
وبدلت التثاقل من نشاطي
ومن حسن النضارة بالشحوب
كذاك الشمس يعلوها إصفرار
إذا جنحت ومالت للغروب
تحاربنا جنود لا تجارى
ولا تلقى بآساد الحروب
هي الأقدار والآجال تأتي
فتنزل بالمطبب والطبيب
وما آسى على الدنيا ولكن
على ما قد ركبت من الذنوب
فيا لهفي على طول اغتراري
يا ويحي من اليوم العصيب


أبو إسحاق الألبيري

ـــــــــــــــــــ

أسفار خالدة:
أسرار البلاغة للجرجاني

أشهر تآليف الإمام الجرجاني وأجلها، قال السيد محمد رشيد رضا: (وهذا الكتاب يفضل جميع ما بين أيدينا من كتب هذا الفن، لأنها تقتصر على سرد القواعد والأحكام بعبارات اصطلاحية تنكرها بلاغة الأساليب العربية(..
يعتبر الجرجاني بهذا الكتاب عند كثير من الباحثين واضع نظرية النظم، وملخصها: أن جمال البلاغة ليس في اللفظ ولا في المعنى، وإنما في نظم الكلام، أي الأسلوب، وبناء الجملة، ومواقع الإيجاز والإطناب، وضرورة مطابقة الكلام لمقتضى الحال. كما يعتبر (أساس البلاغة) بمثابة المقدمة المنهجية لكتاب الجرجاني التطبيقي (دلائل الإعجاز). وقد تأثر الجرجاني في كتابه هذا بأسلوب الجاحظ، وكان يردد أقواله بإعجاب، ويستشهد بها في زهو وثقة.

ـــــــــــــــــــ

أعلام:
أبو إسحاق الحصري

أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن تميم، المعروف بالحصري، القيرواني الشاعر المشهور، وله ديوان شعر، وكتاب زهر الآداب وثمر الألباب جمع فيه كل غريبة في ثلاثة أجزاء، وكتاب المصون في سر الهوى المكنون في مجلد واحد فيه ملح وآداب. ذكره ابن رشيق في كتابه الأنموذج، وحكى شيئاً من أخباره وأحواله، وأنشد جملة من أشعاره، وقال: كان شبان القيروان يجتمعون عنده، ويأخذون عنه، ورأس عندهم، وشرف لديهم، وسارت تأليفاته وانثالت عليه الصلات من كل الجهات، وأورد من شعره:
إني أحبك حباً لـيس يبـلـغـه
فهم، ولا ينتهي وصفي إلى صفته

ـــــــــــــــــــ


طلبت ودي..

قال صالح بن محمد الهاشمي: دخلت على أبي سعيدٍ الثغري فأخرج لي كتاباً من أبي تمام إليه، ففتحته فإذا فيه:
إِنِّي أَتَتْنِي مِنْ لَدُنْـكَ صَـحِـيفَةٌ
غَلَبَتْ هُمُومَ الصَّدْرِ وَهْيَ غَوَالِبُ
وَطَلَبْتَ وُدِّي والتَّنَـائِفُ بَـيْنَـنَـا
فَنَدَاكَ مَطْلُوبٌ وَمَجْدُكَ طَـالِـبُ
ثم قال لي: كتبت إلى أبي تمامٍ كتاباً، وقرنته ببرٍ له، فجعل جوابه هذا الشعر، ولم يخاطبني بحرفٍ سواه.

ـــــــــــــــــــ


حسن ظن

قيل إن بعض العابدات كانت تقول: والله لقد سئمت الحياة حتى لو وجدت الموت يباع لاشتريته شوقاً إلى الله وحباً للقائه، فقيل لها: على ثقةٍ أنت من عملك? قالت: لا والله؛ لحبي إياه وحسن ظني به، أفتراه يعذبني؟!.

ـــــــــــــــــــ

عبث الهوى بغصون قلبي!

أجرني من صدودك بعد وعـدك
وخلِّص مهجتي من نار بعـدكْ
وخصِّصني بـرقٍّ دون عـتـقٍ
لأدعى بين أقوامي بـعـبـدكْ
وقصِّر طول ليلات الـتـنـائي
ومـا لاقـيت مـن أيَّام صـدِّكْ
ومعصية العذول ومن نهـانـي
ضلالاً في الهوى عن حفظ ودِّكْ
وأنفـاسٍ أصـعِّـدهـا إذا مـا
ذكرتك والدَّياجي مثل جـعـدكْ
لأنت لديَّ مجتـمـع الأمـانـي
وأكثر مـا وددت بـقـاء ودِّكْ
وقد عبث الهوى بغصون قلبـي
كما عبث الدَّلال بغصـن قـدِّكْ

ابن عبد الحق الحجازي

ـــــــــــــــــــ


لا علينا ولا لنا

روى ابو يعقُوب يُوسف بن يعقوب بن عبد العزيز الكاتب، قال: لقيت بَدويّةً من أهلِ الشامِ في بعضِ المواسم، من بني مُرَّةَ فأَنشدتني لنفسِها:
وكنا كمن قد كانَ يُذكَرُ قَبلَـنـا
من الناسِ في الحُبِّ الذي كان بينَنا
فأَمسى فِراقُ الموتِ فرّقَ بينَنَـا
وشَتَّت بعْدَ الوصلِ للحينِ وصلنـا
فياليتَ أَنا ما خُلِقنـا ولـيتـنـا
نُسيَنا وُكنّا لا علـينـا ولا لَـنـا
ثم تنهدت وقالت إنك لا تجدُ مَزيداً إلا دُونَ هذا، وغُشيَ عَليها.


ـــــــــــــــــــ

جل ما يمضي

قيل من أَراد طولَ البَقاء فَلْيوَطَن نفسه على المصائب. والمُصيبة للصابِر واحدةٌ وللجازع اْثنتان. وقال أَكْتم بن صَيْفيّ: حِيلُة من لا حِيلة له الصبر. وذكروا عن بعض الحُكماء أنه أُصيب بابن له فَبكى حَوْلا ثم سَلا، فقيل له: مالك لا تَبْكي? قال كان جُرحا فَبَرِئ. قال أبو خِرَاش الهُذَلي:
بَلَى إنها تَعْفو الكـلُـوم وإنـمـا
نُوكّل بالأدنىَ وإن جَلَّ مَا يَمْضي


ـــــــــــــــــــ

عظني

قال رجل لبعض الحًكماء: عِظْني. قال: لا يَراك اللهّ بحيث نَهَاك، ولا يَفْقِدك من حيثُ أمرَك. وقيل لحكيم: عِظْني. قال: جميعُ المواعظ كلّها مُنتظمة في حرف واحد? قال: وما هو? قال: تُجْمِع على طاعة اللّه، فإذا أنت قد حَوَيت المواعظ كُلَّها. وقال أبو جعفر لسُفْيان عِظْني. قال: وما عَمِلتَ فيما عَلِمْتَ فأعِظَك فيما جهلتَ?. قال هارون لابن السمّاك: عِظني. قال: كفى بالقرآن واعظاً؛ يقول الله تبارك وتعالى: " ألمْ تر كيفَ فَعَلَ رَبكَ بِعَاد. إرَمَ ذَاتِ العِماد التي لمْ يُخْلَق مثلُها في البِلاد". إلى قوله "فصَّبّ عليهم ربك سَوْط عَذَاب. إنَّ ربك لبَالمِرْصاد".


ـــــــــــــــــــ

كفاية معنى

كتب محمدُ بن عبد الملك الزيات كتاباً عن المُعتصم إلى عبد اللهّ بن طاهر الخراسانيّ، فكان في فصل منه: لو لم يكن من فَضل الشُّكر إلا أنك لا تراه إلا بين نِعمة مقصورة عليك، أو زيادة مُنتظرة لها لكَفَى. ثم قال لمحمد بن إبراهيم بن زياد: كيف ترى? قال: كأنهما قُرطان بينهما وَجْه حَسن.


ـــــــــــــــــــ

اجعله من ذنوبك!

حكى الأصمعي، قال: أتي عبد الملك بن مروان، برجل قد قامت عليه البينة بسرقة يقطع في مثلها، فأمر بقطع يده.
فأنشأ الرجل يقول:
يدي يا أمير المؤمنين أعـيذهـا
بعفوك من عار عليها يشينهـا
فلا خير في الدّنيا ولا في نعيمها
إذا ما شمال فارقتها يمينـهـا
فقال: هذا حد من حدود الله تعالى، ولا بد من إقامته عليك.
فقالت أم له كبيرة السن: يا أمير المؤمنين، كادي، وكاسبي، وابني، وواحدي، فهبه لي.
فقال لها: بئس الكاد كادك، وبئس الكاسب كاسبك، لا بد من إقامة حدود الله عز وجل.
فقالت: يا أمير المؤمنين، اجعله من ذنوبك التي تستغفر الله منها.
فقال: خلوه، فأطلق.


أعلى




الأدب الشعبي


بوح..
شاعراتنا مذيعات

أصبحت الشاعرة الشعبية العمانية تبحث عن أدوار مغايرة عن (الشعر)، وإذا ما افترضنا بتعدد المواهب لدى الفرد الواحد، فهل من الصدف ان يتميزن أغلب شاعراتنا بموهبة المذيع؟ قبل أكثر من عشر سنوات كنا لا نجد من الشاعرات اسما وشعرا بما لا يتجاوز الخمس فقط، وكل تلك التجارب المتاحة في وسائل الإعلام بمحدوديتها نجدها مهتمة بثقافة نصها ومحاولة ظهوره بالصورة التي تشعرك بوجود تجربة شعرية لا تقل عن تجربة الشاعر العماني وتتساير معه، بل وتنافسه في أحيان عديدة (آنذاك).
أما الآن فأصبح البحث عن تغطية النقص مقابل البحث عن أدوار أخرى مغايرة عن الشعر (القضية) ما هو إلا لتكريس فكرة الآ شعر عند الاسماء العمانية الشعبية رغم قلتها إذا ما افترضنا إنهن "أسماء" لا أكثر، وهو أيضا تأكيد على ما يسميها بعض الشعراء معاناة الإعلام وتكوين الوجود أمام عين الجمهور، وهذه الخلفيات التي قد يعتقدها البعض.
يحاول الكثير من الشعراء البحث عن طرق مواجهتها بالصورة التي ترتقي بالفكر الثقافي، وتحاول النهوض بالشاعر بعيدا عن الدخول عبر بوابات الآخرين، ولكن، ما تشهده الحركة النسائية في الشعر الشعبي لا تخالف المتوقع كثيرا، بل وتسعى نفسها في أحيان كثيرة زرع الاهتزاز في ثقة المتلقي لتلك التجربة (رغم بساطتها).
وما احدثته حركة الفضائيات النهمة التي عرّت المرأة في الأغاني والأفلام، أصبحت تعرّي القصيدة من الشعر، بل وسعت بشكل أو بآخر للاحتيال على القصيدة بجعلها أداة تجارية داره للمال، تعتمد بصورة واضحة (في هذا الجانب) على وسامة الشاعر وجمال الشاعرة، وبما أن المرأة هي الأكثر تأثيرا على المشاهد فإن الطلب عليها (في دور الشاعرة وإن كانت لا تحمل الشعر، أو المذيعة إن كانت لا تمتلك الموهبة) يزداد خاصة مع استسهال الشاعرات لمبدأ وقدسية المرأة ككائن حي ـ قبل كل شي ـ.
وبدأت الشاعرة العمانية منذ قرابة ثلاث سنين تقريبا السعي نحو تحقيق جزء بسيط مما يطلبه الشاعر في فترات سابقة فأصبحت المذيعة تقدم برنامجا هدفه الأسمى هو النهوض بالتجربة الشعرية العمانية وتعريف الساحة بمحتوياتها بصوت يصل إلى الخليج على أقل تقدير، وكان هذا السعي (سليباته وإيجابياته) مشكورا قد بدت ثماره واضحة للعيان من مختلف الاتجاهات، ومن البديهي جدا ان يدفع هذا النجاح نحو تكثيف الجهود من أجل تطوير مثل تلك الأفكار والسعي لها بتكاتف الجميع، وما يحدث أن بعد هذه النقلة الجميلة في حركة الإعلام المسموع في تجربة الشعر الشعبي، وفي هذا الزمن أصبحن الشاعرات يحملن فكرة "المذيعة" كهدف لزامي في تكوين شخصيتهن، بحيث أصبحت القصيدة هي الضحية البعيدة عن الشعر، فكل من تطلق الساحة عليهن "شاعرات" أصبحن الآن في عداد المذيعات، ولا أعلم هل الشاعرة مقتنعة في قرارة نفسها بأنها الأفضل دائما في وظيفتي الشعر والتقديم؟ ومع بقاء الخيار من الجواب متاحا، هل نرمي باللوم على الشاعرات انفسهن في خوض هذه التجارب (الفجأة) أم ان الساعين لهن من مخرجين ومعديّن يتحملوا الجزء الأكبر في توسيع هوّة الفارق بين الأسم والتجربة؟
هذه الاسئلة قد يراها البعض سهلة الجواب ولكن الجواب في كلتا حالتيه مرا يضحي بشيئا عن الآخر، ولن نكتشف الإجابة واقعيا باثرها الذي نستشرفه الا بعد زمن، والخوف ان يأتي ذلك الزمان بواقعٍ أسوأ من المتوقع وبظروف لا نستطيع فيها تقديم شيء عن آخر فنخسر كل شيء، لذا اتمنى أن تقف الشاعرة امام المرآه تقارن بينها وبين قصيدتها وبين ثقافتها، بينها وبين صورتها وواقعها، وبين كل شيء وساحتها، تطرح امام نفسها السؤال الشعر أو أي شيء آخر؟ لحظتها لن تجد إلا خيارا واحدا متاحا للتنفيذ من أجل الإبداع إذا ما سَمَىَ الهدف للعامة، لذا فأنت أمام قرار قد يخيّرك بينك (الفرد) وبين (الجماعة).. لمن النُصرَة؟!

ومضة..

أعوامك تْمر وانا آشوف بوحـــــي
يكبر كُبر إحساسي بأول الحـــــــــب !
وْكل ما أشوفك كني أشوف روحي
تدفعني الرغبة أبايعك هالقــــــــــلـب
كل عام وانتي الطيبه في جروحــي
وكل عام وانتي مسكني بآخر الدرب

فيصل بن سعيد العلوي *
*

ـــــــــــــــــــ


عامد كان بطعم آخر

تعرفيني يـ النخيل؟
تعرفي الطفل اللي كنته؟
وكان يتشاقى عليك؟
ياما رد البيت دشداشة شعوره مشققه
من صوت ما حط اعتبارات الطفولة
نصب نبضه
طوح بايد الفظاظة
وغام جو ممتلي أشياء الربيع
طا .. ح بلور وتهشم
تعرفيني؟
تذكريني؟
وتذكريني يـ السواقي؟
يوم كنتي لي ملاذ؟
من سهام ما خطتني
أغسل بفضة قراحك
كل جرح واستريح
وش كثر نهرك تضائل!
صار ناحل!
صار ناااااحل!
مثل خيط ابره
وكان الناس
تحسدنا عليه.
وانت يـ اللمبا الكبير؟
وظلك اللي كان باااذخ؟
عاث فيه الريح؟ أدري
ابكي
ابكي
لا تداري دمعتك
أدري هذا الريح جاير
والغضب ما فيه قلب.
ياما طوحنا حجرنا
ياما جرحنا غصونك
ياما غنينا لثمارك.
كم مقيل
وكم مقيل
ضمنا الفي البخيل
يصرخ بوجه الهجير
خف يا تنين
خف
ذي العيدان الصغيرة
ما تحمل جام نارك.
يا صباحات الخرير
والفراش
والعصافير
وغناها
والحقول المستريحة
في وداعتها
وصمت القبح
تستجير بعامدك
من هجير ومن ضغاين
أفئده
يشتهي الشيخ الكبير
تحت ظلك
مرقده
واللي بعض أحيان توقف
هالشقاوة
مثل شوكة في هناه
تذكري؟؟
يـ النخيل ويـ السواقي ويـ الظليل بعامد كان بطعم آخر.

حمود الحجري

ـــــــــــــــــــ


على قد عقلي


خذني على قد عقلي وقول لي اشتقتك
اخاف باكر اموت وما قلت لي شي
ياللي حياتي ابتدت من يوم ما شفتك
وان غبت في يوم عني ما اعتبرني حي
اضيع بين زعلك ورضاك .. وفي صمتك
كنك سوالف عطر نامت ما بين يدي
جيت ارتمي لك عذر سابق لمعرفتك
واسرق بقايا ظلامك وانتثر لك ضي
لو بالخطأ القاك او اطري في ذاكرتك
ما كنت ببكي فراقك والشمع مطفي
وما كنت اطلقت سرب طيوري وزرتك
من غير حاجة على سورك أمر شوي
ممكن تقول لعنادك (بس) أنا احتجتك
ابغاك تروي تفاصيلي بجنونك ري
ويا سيد الجوف سامحني انا ازعجتك
طلبت اسولف رجعت وما قلت لك شي

ياسر المشيفري

ـــــــــــــــــــ


أهديه عمري

يا ليت عمري ينكتب لجل عيناه
ويا ليت قلبي ما وقف يوم شافه
شفته وشفت الصدق في كل معناه
زين وزاد الزين قرب المسافه
شفت الهدب يدمع وموجه تعداه
ما جلت هذا الحب كدّر مزاجه
لين انكشف وجهه وبالدمع غطاه
وسمعت صوته داخلي كالربابه
ونّت عليل تايه افغير ممشاه
لي ما صرخ صرخه قلبي صدابه
ولي ما بكى الفكر والعقل واسااه
مسكين راعي الحب حبه سرابه
يشكي غرام الشوق من عظم بلواه
وأناهب مطمعي نشر القصايد في غرامه
لكن موج الحب ماهو بكذاب
خلى المشاعر ترتسم لي كتابه
أكتب بكفي وأجرح الجرح لي طاب
عشان يبري الجرح من هو سعابه
لكن وصله كان سطرٍ بالألواح
وأنا عذابي ينوصف بالسحابه
تسقي فوادي ليل صبحٍ ومرواح
همٍ وحزن وشوق ماحد درابه

سلطان بن سليم العلوي

ـــــــــــــــــــ

برد وسلام

مرو ْ على الجرح ريح وطاحت أسواره
هم زمجرو الشمس لجل أطير عصفوره
برد وسلام ودفا وأمطار مدراره
حطو على الطين شبت حينها ثوره
أسرابهم طير يشعل بالفضا ناره
يقطع مسافات لجل أيجيب صنطوره
ما نوخ أركابهم هالوقت أسفاره
شمر سواعد عزمهم صوت ٍ وصوره
يشرون ماي الصبر مهما علا طاره
ماي الصبر في ثراهم ينبت اسطوره
انفاسهم يم / للساعين عباره
تاخذ بهم لأنتعاش الورد وأعطوره
هم يزرعوا للأمل اعواد قيثاره
داخل صدور ٍ غزاها الليل بجسوره
يرموا البياض / الطهر / بدروب منهاره
لعيون سكه سفر حورى ممطوره
جو ْ وجه محرابهم مليون كفاره
ساعاتهم في يدين الغير مأسوره
جو أرض ميدانهم أجيوش جراره
صحو ْ بنادق / عتاد / الواح / طبشوره
حرب البسوس انطفت من عقب صفاره
ما جاب ميزانها في حربهم زوره
كل ما غفت غارة ٍ تورق لهم غاره
ما ياخذ الثار إلا فارس اعصوره
نقرأ تفاصيلهم من عين محاره
تورق لنا ادراجهم آيات ماثوره
سنو سيوف وكتب .. اقلام .. كتاره
لجل انحدار الجرم من قمة اقصوره
يعدو للجرح ريح وتنمحي داره
يستأثرو الشمس لجل اجناح عصفوره

غابش بن عبيد البوسيعيدي


ـــــــــــــــــــ


جناح الشوق

قم صبني في العين من غير ذكري
رامي ولي منك تباريح كسري
ذاب " الرغاء" وانتشى الملح عطري
ينشد بنات اليم سنتين تتري
عند النوي صعصع الرمز وتري
ورغم البطا بعثره وناس تكري

لين احتكر خاوي اثري
اعد نجمات الفلاحي لتسري
شب الفتيل يرتكي الشعث بدري
زم العذر نجم الخراعيب يتري
كم صبني وانسي مواعيد ذكري
عطر الخظام كم به الشيح يثري
واكسر جناح الشوق واطلق سراحه
كفت" ووفت" والسما بالف راحة
عانق صفاة الدرب ولكل زاحه
تلبس من انفاس البساتين واحه
واستنهضت عناة بها الطبع ساحه
شبه "عواند" لين صيح صياحه
هاجت فلول الذات بتصوير تفاحه
"عطبول" في قمة سماها متاحه
تواق وبه ثبر الطنايا سناحه
دق الدجى ليا اكترث قفله ومفتاحه
واكسر جناح الشوق واطلق سراحه
وعلى ابيض جدايل جيدها الف مسباحه

خلفان بن مسلم بن غانم الحارثي


أعلى




تاريخيات

عمان ... أولى الكيانات السياسية الخليجية المستقلة

كانت منطقة الخليج العربي قبل الغزو البرتغالي في مطلع القرن السادس عشر الميلادي تعيش تحت سيطرة القوى المحلية، والتي لم ترق إلى ما قد يشكل نظام الدولة المتعارف عليه ، حيث كانت المشيخات هي النظام السياسي السائد.
وتعتبر منطقة الخليج من أهم المناطق التي استأثرت باهتمام مختلف القوى، وأصبحت ميدانا حقيقيا للتنافس فيما بينها للسيطرة عليها، وابتدء في ذلك البرتغاليين ومن ثم الهولنديون حتى انحصر التنافس الحقيقي في النهاية بين بريطانيا وفرنسا.
ويمكن القول إن أشهر الأنظمة السياسية في تلك الفترة تجسد في مملكة هرمز التي تناولناها في موضوع سابق، والتي كانت تعتبر القوة المتنامية، وهدفا للأطماع البرتغالية، بالاضافة إلى مشيخة الجبور التي سيطرت على منطقتي الاحساء والبحرين منذ مطلع القرن الخامس عشر الميلادي، بينما احتفظت كل من مسقط وقلهات وخورفكان بالصبغة التجارية، والتي كانت من أهم المراكز التجارية في منطقة الخليج العربي قبيل وصول البرتغاليين.
فقد أدرك البرتغاليون الأهمية الاستراتيجية للسيطرة على مناطق الخليج العربي والبحر الأحمر وعمان بهدف القضاء على التجارة العربية والوصول إلى الهند وثروات الشرق، فضلا عن بعض الأهداف الدينية والسياسية غير المعلنة.
وكانت عمان في تلك الفترة تعيش حالة من الانقسام الشديد، مما سهل من مهمة البرتغاليين في السيطرة على مدن الساحل العماني بعد ان تمكنوا جزر الحلانيات في عام 1506م، ثم اتجهوا إلى قلهات وقريات واستولوا عليهما، ومن ثم عمدوا إلى حصار مسقط وتمكنوا منها أيضا، وبعدها واصلوا سيرهم نحو صحار وخورفكان وتمكنوا منها أيضا.
وأمام هذا الخطر المحدق الذي أحاط بالعمانيين، لم يكن هناك من حل سوى التوحد والالتفاف حول شخصية قادرة على توحيد البلاد ودرء الخطر البرتغالي وانقاذ البلاد منهم ومن تعسفهم وسيطرتهم الوحشية عليها.
وكان للعمانيين ما أرادوا عندما وجدوا ضآلتهم في شخصية الإمام ناصر بن مرشد اليعربي الذي نجح في مهمته، وتمكن من توحيد العمانيين تحت رايته، وانشاء دولة مركزية موحدة في عام 1624م ، لتبرز عمان ككيان سياسي مستقل، ولتنجح في ان تكون أولى الوحدات السياسية العربية في منطقة الخليج العربي في العصر الحديث .
ولم تتوقف طموح الدولة الجديدة عند هذا الحد، بل تجاوز ذلك الى الخروج من مجرد دولة إلى تأسيس امبراطورية مترامية الأطراف كان لها حضور بارز وقوي في منطقة الخليج العربي وشرقي أفريقيا، كانت بدايته في مواصلة الجهاد ضد البرتغاليين وتخليص المنطقة منهم ، فبعد أن نجح الامام ناصر بن مرشد في مهمته، استمر خلفه الامام سلطان بن سيف الأول وابنه سيف بن سلطان في مواصلة نفس السياسة وتمكنوا من تطهير المنطقة بشكل نهائي من الوجود البرتغالي، وتعدى ذلك إلى مطاردتهم وملاحقتهم في مناطق متعددة من المحيط الهندي، وتحرير ممباسا وكلوة والجزيرة الخضراء وبات وزنجبار في عام 1698م .وبعد انجاز المهمة الأصعب في تخليص البلاد من الغزو الأجنبي، كان لهذه الدولة اهتماماتها الأخرى في مختلف المجالات، حيث نجحت في تكوين قوة بحرية أضافت لعمان الكثير من الهيبة وجعلتها في منأى عن محاولة التدخل في شؤونها من قبل القوى الأخرى سواء الإقليمية أو الدولية، فضلا عن اهتمامهم بتشييد القلاع والحصون والاستحكامات العسكرية المتعددة، لتكون رادعا أمام أي محاولة للتدخلات الجنبية، وكذلك الاهتمام بالزراعة والتجارة لتدعيم الاقتصاد العماني الذي مر بحالة من النشوة والازدهار وضعت عمان في حالة من الرخاء والتطور، وكذلك انشاء المدارس العلمية التي استقطبت الكثير من طلاب العلم، وانتهت بتخريج الكثير من الأئمة والفقهاء والعلماء في شتى العلوم، ظلت مزدهرة حتى انتهاء هذه الدولة في عام 1743م .

محمد بن حمد الشعيلي*
*اكاديمي في الجامعة العربية المفتوحة


أعلى


 

دروازة
حكايا الريح

وحدها تلك القمة
باردة
هادئة
ومدببة
مثل رمح عتيق

كان يا ما كان في المكان الذي حدثت فيه هذه الحكاية ، والزمان الذي يتكثف فوق سطوح المنازل وأعلى قلوب النخل مباشرة ، إذ تلاقى خلفان ولد الجبل وحسنا بنت الوادي في الدرب الذي يمتد موازيا لفلج القرية ، كانت تحمل وقرا من القت ، وهو يحمل مبدعا من السفرجل ، وكل منهما كان ذاهبا في الاتجاه المعاكس للآخر ناحية بيته ، فتبادلا التحية والسلام ، وتناشدا عن أحوالهما ، وبعد أن تحدثا قليلا ، أعطاها ثلاث سفرجلات وسارا في دربهما المنشود .
كانت تلك المرة الأولى التي يلتقيان فيها ، وتكرر اللقاء بعد ذلك مرة بعد مرة ، حتى صارا يقفان على قارعة الطريق ، ثم يتحدثان عن أمور مختلفة ، غير مدركين ولا عابئين بمن يمر بهما ، وكان الوقت يطول في كل مرة ويزداد كل منهما قربا من الآخر ، ولكن الأمور لا تحدث كما يرغب البعض ، فبدأت الألسن تتحدث عنهما ، وبدأ الناس يتغامزون عن علاقاتهما ويضربون الأمثال عليهما، بعدها صارا يضربان المواعيد بعيدا عن العيون، وفي كل مرة يبدلان الأمكنة، توجسا من العيون وخوفا من الكلام، وشيئا فشيئا عرف كل منهما كل شيء عن صاحبه، واشتدت الأواصر بينهما، حتى أقسما أنهما لم يعيشا حالة الشوق والعشق هذه من قبل، وهكذا تعقدت العلاقة بينهما وباتا لا يقويان على الفراق .
هو من سلالة الجبل، يرى أن الريح المسافرة في الأعالي تهبط لترتاح في القيعان، هناك بين الصخور أو تحت ظلال النخيل النابتة على الضفاف، وهي من سلالة الوادي ترى أن الحياة مستقرها ومستودعها ضفاف الوديان، وأن الأجداد اختاروها مسكنا لهم، حيث كان الوادي ينضح بالمياه والحياة ، وبعد أن أدركا فلسفة الوديان والجبال ، وأن الوديان لا تكون وديانا إلا بوجود الجبال الشاهقة التي تتصل مباشرة بالسماء وبالمطر والرياح ، وأن الجبال لا تكون جبالا ما لم تتخللها الشغاف التي ترتبط معا لتصير وديانا عظيمة تمتد في مداها حتى تصل إلى البحار البعيدة.
وفي أحد أيام الله ، زار القرية رجل غريب ، يعرف شيئا قليلا عن الجبل ، فاستقبله خلفان بكرمه المعهود، وأنزله منزلا يليق به، وقربه من نفسه وحكى له عن الجبال والوديان، وذلك عندما آنس منه الصدق، ثم أخبره عن حسنا، وكيف أنها تختلف عن بنات القرية، وأسر له بحبها، وبعد أيام عرفه بها، وأطلعه على كل شيء بينهما ، حتى إذا تمكن الغريب في الأرض، بدأ يذهب للوادي وحيدا، ثم عرف الدرب إلى قلب حسنا، وأنكر على صديقه ما كان من قبله، واشتدت في السر الأواصر، وكان خلفان يرى تغيرا يحدث في علاقته بحبيبته، وبرودا لم يعهده، ثم اكتشف ما يحدث بعد ذلك ، فالريح التي تجوب السهول والقمم أخبرته ذات مساء عن كل شيء ، عندها قرر الجبل أن يقف صامتا، يرقب من علوه على الكائنات السفلية وهي تتواعد في أحضانه ، حتى إذا أشتد الوقت بالغريب ، رحل إلى غير رجعة .
يقال أن الوديان كانت في ما مضى جميلة وخضراء ولها صفة الخصوصية ، ولكن الغريب عندما سافر بعيدا حمل الأسرار معه، فبدأ الغرباء يتوافدون إلى المكان ، وشيئا فشيئا أصبحت الأمكنة السفلية مشاعا للجميع، بينما بقيت الجبال صامتة وصامدة، تحمل إليها الريح الحكايات الغريبة التي لا تصدقها العقول .

زهران القاسمي

أعلى




هُنــاك....
حكاية الشاعرة والقصيدة المخطوفتان

عبديغوث
شِعر لويز شِعر غنائي، يتسم بالبساطة ويذهب مباشرة إلى موضع الألم

كان من الممكن مفاجأتها بالقصيدة كما فاجأها أهلها بقبر أمها

إذا كانت لويز أولني Lois Olney، الشاعرة الأسترالية من السكان الأصليّين، قد أُختطفت من حُضن أمها وهي بعد رضيعة في شهرها الثامن، فإن كاتب هذه السطور يعترف للقارئ الكريم، بأنه هو الآخر قد اختطفَ من الشاعرة قصيدة، قصيدة كانت قد انتهت للتو من كتابتها وقراءتها، في تلك الأمسية الشعرية من عام 2006م، في مدينة بيرث ـ Perth بغرب أستراليا، ضمن مهرجان الشعر الذي يقام هناك سنويا في فصل الربيع.
أصل الحكاية:
في تلك السنوات البغيضة بالنسبة للسكان الأصليين (1869 - 1969) طبق المستعمِر "الأبيض المتحضّر" سياسة تقضي باختطاف الأطفال الأبوريجينال ـ Aboriginal، ووضعهم تحت "الرعاية" الجبرية من قبل عائلات بيض، والتي استمرت حتى عقد السبعينات من القرن الماضي في بعض المناطق من استراليا، وكانت الشاعرة واحدة من ضحايا تلك المرحلة حيث اُختطفت من وسط عائلتها في العام 1963م.
أصبح هؤلاء الأطفال يعرفون في الثقافة الأسترالية بـ "الأطفال المسروقين ـStolen Children" أو بـ"الجيل الضائع ـ Stolen Generation" والتي تحولت ذكراها فيما بعد إلى: "Sorry Day" حيث يُوقدُ الجلاد والضحية الشموع معا في هذا اليوم، كنوع من الاعتذار الرمزي عن تلك السنوات، وهي "مشكلة نفسية" اعتاد عليها "السيد الأنيق" عند إحساسه بالذنب بعد فوات الأوان!
تروي خالة لويز وتُدعى سيو بوببيSue Bobby ، ذكرى ميلاد الشاعرة، ورحلة البحث المضنية عنها إلى أن التقيا:
"كانت أمها صغيرة في سن السادسة عشر أو السابعة عشر حين ولدتها، لم تحظ برعايتها حينما أخذوها منها، بحثتُ عنها كثيرا، في كل مكان، بحثتُ عنها بعد أن ماتت أمها، أخذتُ زمنا طويلا حتى عثرتُ عليها".
وتواصل الخالة حكايتها وهي تحتضنها:
"أخذتها إلى قبر أمها، لقد حاولت بشتى الطرق أن أعتني بها، كان الأمر قاسيا عليّ".
وأخذت الخالة تبكي.
وتروي لويز من جهتها ـ وهو اسمها المعُطى من قبل العائلة التي تبنتها، والتي تعترف لويز بأنها لقيت معاملة حسنة من قبلها، رغم إحساسها بالفقد ـ حكايتها حين عادت إلى أهلها بعد سنوات طويلة، وبدأت في تعلم لغتها الأصلية:
"كانوا جميعهم هناك، وكنت أبحث عن أمي، وأمي لم تكن هناك، وفي المقبرة أشاروا إلى قبر، وقالوا لي: هذه أمك، حينها شعرت بالانتماء، لقد عرفت أين أمي وأين عائلتي، وأحاط بي الأهل الذين لم أعرف بعضهم، وأخذوا يغنّون أغنية من أغانينا".
تصف لويز التي تحظى باحترام واسع بين السكان الأصليين، طبيعة ناس بلادها الذين يعيشون في تناغم كُلي مع الكون: "لدينا وحدة مع الوجود تعود إلى طريقة عيشنا مع النبات والحيوان والإنسان، لذلك فإن آثار أقدامنا جد صغيرة على الأرض"!
شعر لويز شعر غنائي، يتسم بالبساطة والعفوية، مثل معظم شعر السكان الأصليين، ويذهب مباشرة إلى موضع الألم، كلماتها جارحة وتفيض باللوعة والمرارة، وهي ترثي البلد الذي كان، والذي تطالب باسمه الجميع، بما فيهم أهلها بأن يحترموا ثقافته ويحافظوا على جماله، فثمة فردوسا مفقودا تحلم الشاعرة بإقامته على أرض أجدادها، رغم أنه يتلاشى يوما إثر يوم.
يحمل شعر لويز آلام وآمال شعبها، وحنينا " لتلك الأيام التي كنا فيها أحرارا وبلادنا حرة ولم نكن بحاجة إلى حماية من أحد"، على حد تعبير شاعرة أسترالية أخرى.
نهاية الحكاية:
أعود إلى الأمسية التي أدت فيها لويز قصيدتها ولا أقول قرأتها، إذ لم تصعد إلى المنصة، وفضلت أن تؤديها حافية على أرضية القاعة ـ مثلما هي عادة المشي الحافي عند السكان الأصليين ـ دون تأخذ معها القصيدة المكتوبة، فما يُكتب من القلب يُحفظ عن ظهر قلب، كانت تروح وتأتي بطريقة خُيل فيها إلي، أنها بصحبة كائنات أخرى غير مرئية، كان صوتها جهوريا وبه نغمة أسى، وحين دوّت القاعة بالتصفيق بعد انتهائها من (الرقص)، عادت لويز إلى مقعدها صامتة!
فيما يلي (خيانة متواضعة) للقصيدة ـ مع الشكر لمراجع (الترجمة) ـ كنوع من الاعتذار من قبل كاتب هذه السطور ، على خطفه منها القصيدة التي بلا عنوان، لذلك سيسميها "القصيدة المخطوفة" مثل شاعرتها، متأسفا في الوقت ذاته على تفويته فرصة اللقاء بها ثانية بعد عام من هذه الحكاية، في أمسية شعرية ـ كان سيحظى بشرف المشاركة معها ـ، جمعت شعراء من السكان الأصليين مع شعراء من الكاتبين بغير الانجليزية في حانة مموسقة، وكان من الممكن مفاجأتها بالقصيدة، كما فاجأها أهلها بقبر أمها، ولا بأس من التقاط صورة تذكارية أيضا.
"القصيدة المخطوفة"
سُرقنا، أُخذنا
شُرِّدْنا، ضعنا.
هذا ما أخبرونا إياه
وما من سؤال سُئل
سُرقنا، أُخذنا
شُرِّدْنا، ضعنا.
أخذ الأمر مني زمنا طويلا
لأجد مكاني
سُرقتُ، أُخذتُ
شُرِّدْت، ضعتُ.
كيف يمكنني أن أحدثكم
عن الجرح الغائر في صدري
سُرقتُ، أُخذتُ
شُرِّدْت، ضعتُ.
هذا مكاننا
من الممكن أن نتشارك فيه
سُرقتُ، أُخذتُ
شُرِّدْت، ضعتُ.

سُرقتُ، أُخذتُ
شُرِّدْت، ضعتُ
لكنني لم أضع أبدا.
"القصيدة المخطوفة": قصيدة لويز أولني Lois Olney بخط يدها وتوقيعها
لويز أولني: شاعرة من "بلاد الملوك الصغار"

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept