|
فتاوى وأحكام
ما حكم قراءة المولد والمالد ؟
الجواب :
أما بالنسبة لقراءة المولد هذا هو الاحتفال بذكرى ميلاد سيدنا رسول
الله صلى الله عليه وسلّم ، وهذا أمر لم يكن عند السلف الصالح إذ لم
يكن معهوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلّم ولا في عهد الصحابة
رضوان الله عليهم ، وإنما حدث ذلك بعد قرون ويقال بأنه حدث إبان الدولة
الفاطمية ، ولذلك وقف العلماء موقفين منه ، منهم من نظر إلى أنه بدعة
وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار وعلى هذا هو غير جائز أي الاحتفال
بمناسبة ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلّم .
ومنهم من قال بأنه
سائغ لأن فيه تذكيراً بنعمة بعثة النبي صلى الله عليه وسلّم ، وهذا
رأي وجيه ، ولكن لا بد من أن نعتبر بعض الاعتبارات ، ربما بالغ بعض
الناس في ذلك في الاحتفال بذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلّم وأحدثوا
أشياء لم تكن ليرضى بها الرسول صلى الله عليه وسلّم ، من بين هذه الأشياء
الاختلاط بين النساء والرجال ، ومن بين هذه الأشياء الإسراف الذي ينهى
عنه الإسلام ، وكذلك تقديس كلام أحد بعينه لأن القدسية لكلام الله
، فلا حرج أن يقرأ الإنسان الكتاب الذي ألف في حكاية قصة مولد النبي
صلى الله عليه وسلّم ولكن هذا على أن لا يكون يعتقد في قراءة ذلك الكلام
التعبد الذي في قراءة كلام الله تبارك وتعالى ، فإن كلام الله تعالى
تعبدنا بتلاوته بل لو قرأ القرآن الكريم شخص أعجمي لا يعرف من العربية
شيئاً ، فإنه يكون بذلك متعبداً بهذه التلاوة التي يتلوها لكتاب الله
، بينما كلام غيره من كلام أهل العلم بل حتى الأحاديث النبوية لا يتعبد
أحد بتلاوتها لذاتها ، وإنما لأجل فهم دلالات الحق ومقاصد الشرع وإرشاد
الإنسان إلى سبيل الحق والدين ، أما أن يعتبر الإنسان كلام أحد له
قدسية بحيث يقرأه متبركاً به كما يتبرك بقراءة كلام الله تبارك وتعالى
فهذا غير سائغ .
ولذلك نحن نقترح في
تذكير الناس بمثل هذه المناسبة العظيمة أن تلقى محاضرة يدعى فيها الناس
إلى اتباع السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام ، وإحياء
ما اندرس من هذه السنة ، والقيام بالدعوة التي دعا إليها الرسول صلى
الله عليه وسلّم حتى لا يكون الناس يشتغلون بمجرد الأمور الظاهرة ،
ويشتغلون بالشكل ويتركون الحقيقة والمضمون .
ومن ناحية أخرى ما
يسمى بالمالد هذا أمر آخر ، هذا أمر أنا بنفسي لا أعرفه ولكن حسبما
قيل لي بأنهم يعتقدون اعتقادات خارجة عن الحق ، ويستحضرون الشياطين
إلى آخره ، هذه أمور لا تجوز أبداً ، ولا يجوز لأحد أن يدعو غير الله
تبارك وتعالى ، فإن دعاء غير الله يدخل من اتخاذ غير الله تبارك وتعالى
إله يعبد ، والحق سبحانه وتعالى شددّ في ذلك كثيرا ًفي كتابه فقد قال
( قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ
مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا
ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي
الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا
كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ
كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الرعد:16( .
ويقول سبحانه وتعالى
( مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا
وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ ) (فاطر:2) ، ويقول ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ
مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ
هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ
مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ
الْمُتَوَكِّلُونَ) (الزمر:38) .
ونجد أن الله سبحانه
وتعالى يخاطب في كتابه الرسول صلى الله عليه وسلّم وهو أشرف الخلق
وأعلاهم منزلة وأعلاهم قدرا فيقول له ( قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي
نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ) (الأعراف: من الآية188)
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلّم لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرا فكيف
بغيره عليه أفضل الصلاة والسلام ، بل كيف يملك ميت أو يملك أحد أياً
كان حياً أو ميتاً لأي أحد نفعاً ولا ضرا ، أو أن يلجأ إنسان إلى مردة
الجن أو الشياطين أو نحو ذلك فيطلب منهم قضاء حاجة أو دفع مضرة أو
تحقيق منفعة ذلك كله مما يعد من الشركيات ، والله تعالى المستعان .
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
يامحمد يامنصور
العرب قبل الإسلام كانوا قبائل متناحرة يأكل
القوي الضعيف إلى أن أنعم الله عليهم بالإسلام ووحدهم ، ففي يوم ذي
قار قبل ان يصل الإسلام إلى قبائل بكر وتغلب، وغيرها أي بعد غزوة بدر
بأشهر، توحدت هذه القبائل ضد العدو المتربص بها وهم الفرس حيث وقعت
بينهما حرب وكانت النصرة للجيش العربي وكانت الحرب بعد ان جهر الرسول
بالدعوة ووقف الرسول وهو يفتخر بالعرب الذين دخلوا الحرب ودعا لهم
بالإسلام امام اكبر معقل لقريش وقال لهم تنتصر ربيعة باسمي .
وكان احد العرب الذين آمنوا برسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ وهو
من المشهور بالشعر لا يحضرني اسمه دخل على قبيلة هانئ بن شيبان ورأى
الجيش العربي وهم يتحاورون ما سيكون النداء للحرب فلا يقولون ربيعة
وبني تميم واياد وطيء فقال لهم قولوا (يامحمد يامنصور) ! فقالوا :
له نحن لم نؤمن بدين محمد فقال لهم اذاً خذوا مشورتي ؛ ولا تقولوا
إله ؛ إلا رب الكعبة فقالوا له ومن يكون ؟ قال إله محمد فوافق بعض
الفرسان على هذا النداء فأصبحوا ينادون بها قبيل الالتحام مع جيش الفرس
وتصادم السيوف بالسيوف فانتصر العرب على الفرس فكانت هذه الحرب هي
أول معركة يقتص بها العرب من الفرس.
وروي عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه لما بلغه انتصار قبائل بكر
بقيادة هانئ بن مسعود الشيباني على عساكر الفرس في ذي قار قال : (
هذا أول يوم انتصف فيه العرب من العجم ، وبي نصروا ) .
ففي هذه المعركة يجب علينا أن نخط خطوطا ننطلق منها، وهي أن العرب
قبل أن ينتصروا على الفرس كانوا جماعات متفرقة بعضها موال للفرس والبعض
الآخر للروم وبعضها مستقلة بنفسها والسؤال هنا مهما ابتعد العرب أو
أي دولة أو قبيلة عن بعضها يصيبها الوهن والضعف ولهذا كانت العرب في
ذلك الوقت ينظرون إلى الأمبراطورية الفارسية والرومانية بأنهما لاتقهران
ولكن بالوحدة وجدوا بأن هؤلاء أضعف مما يتوقعون ...!
أخي القارئ الكريم : لقد قال العرب عبارة تكونت من كلمتين ( يامحمد
يامنصور )
فهل وعينا ذلك..؟.
فهذه من الأسباب التي جعلتهم ينتصروا على الفرس بالإضافة إلى توحدهم
فهذه حكمة من الله تعالى وتمهيداً بأنكم إيها العرب لن تتنصروا على
عدوكم إلا بالهدي القويم .
وعلى هذا فعلى المسلمين اليوم وهم يعيشون ذكرى مولد الرسول ـ صلى الله
عليه وسلم ـ أن يغتنموا هذه الفرصة وأن يلملموا صفهم وأن يواكبوا سبق
التقدم ؛ لأن العرب حتى الآن لم يقدموا للإنسانية أي تقدم في الصناعات
العلمية والفضائية لهذا فهم مطالبون من قبل دينهم والإنسانية ان يتركوا
التكاسل والإتكال لغير الله تعالى وأن يفتحوا صفحة جديدة للعالم ،
لكي يعلنوا بأن العرب المسلمين أهلاً لحمل الرسالة الخالدة .( قل عسى
أن يكون قريبا ...).
وفي الختام نسأل الله تعالى أن يوحد شتاتنا وأن يجمعنا على الحق والدين
والصراط المستقيم اللهم آمين.
أحمد بن سعيد الجرداني
أعلى
المولد النبوي الشريف وارتقاء البشرية
جاء المولد الشريف نورا وهداية للناس ، وارتقاء
بالبشرية إلى قمم التحضر، وسبل الترقي في كل مناحي الحياة الشخصية،
والأسرية والاجتماعية، والنفسية والثقافية، والسياسية، والحربية، والإنسانية،
وطُوِّرَتْ طرائق التعامل بين الناس، حتى جعل التبسم في وجوه الناس
من الإيمان والدين، فقال:"تبسمك في وجه أخيك صدقة"، ونزلت
تشريعات السماء للدين الخاتم تقول:"يا أيها الذين آمنوا لا يسخر
قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا
منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد
الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون،يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا
كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب
أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم
يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا
إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير"،فبنى المجتمع الإنساني
بناء جديدا،ورسَّخ معانيَ الأخوة الحقيقية،وأرسى دعائم الأمن والأمان
التي لم تستطع البشرية على اتساع حياتها أن تحققها،أوتنعم في أفيائها
بالسعادة والأمان، فترى الإسلام ينص على أن" المسلم مَنْ سلم
المسلمون من لسانه ويده،والمهاجر من هجر ما يغضب الله ورسوله،وأن "
المسلم أخو المسلم لايظلمه ولا يسلمه ولا يخذله"،و"أنه بحسب
امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم،كلُّ المسلم على المسلم حرام:مالُه
وعرضُه ودمُه"،و"لا يحلُّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث:زنا
بعد إحصان،والتارك لدينه، المفارق للجماعة"، وأنه لو اجتمع عشرة
من الناس على قتل مسلم قُتِلُوا به جميعا قصاصا، وأن الرسول الكريم
- صلى الله عليه وسلم- نظر ذات يوم إلى الكعبة(البيت الحرام المعظم،
وصاحب القداسة في نفوس المسلمين،والذي يُفْتَدَى بالغالي،والرخيص)،فقال:
ما أعظمَك وما أعظمَ شأنَك!، وما أجلَّ حرمتَك! ولكن حرمة المسلم عند
الله أعظمُ حرمة منك"،هكذا قَدْرُ الإنسانِ في شرعة الإسلام،إنه
صاحب حرمة، وله شأن كبير، واستُنَّتْ شرعةُ القصاص رعايةً لحرمة الإنسان
،كما حرم الله الخمر حفاظا على حياة الإنسان وإعلاءً من قدره حتى لا
ينزل إلى مستوًى لا يليق بآدميته؛ لأنه باحتسائه الخمرَ يصير ألعوبة،
يميل يمينا ويسارا ويهذي بكلام لايعرف معناه، فيمسي مُلْقًى على الأرض
لايمكنه المشي، فينظر إليه الناس نظرةَ ازدراءٍ واحتقار لأنه لم يحترم
آدميته، وضيِّع حق ربه ودينه،وكذلك حرَّم الربا لأن فيه استغلالا لحاجة
الفقراء ، وامتصاصا لدماء المحاويج، وازديادا للمال من غير الطريق
المشروعة،الأمر الذي تسوء معه الحياة، وتتدنى المعاملات بين الناس،
وتتهتك الأواصر، وتتقطع العلاقات ، ويمسي الناس يتربص فقيرُهم بغنيهم،
ويستغل غنيُّهم فقيرَهم ، فتسمَّم الحياة، ويشقى الوجود،ويتعس الناسُ
ويتمنون الموت ، وحرَّم الإسلام الغشَّ، واعتبرالدينُ أن : "من
غشنا فليس منا " فقد نفى الإسلامَ والإيمانَ عن الغشاشين المزوِّرين،
الآخذين لما ليس لهم، الناهبين حقوق الناس، كما شرع الصدقة وجعل في
الإسلام حقا سوى الزكاة وأمر الأغنياء بالنظر المستمر في حاجة الفقراء
، وجعل مكانا كبيرا لليتيم ، "فمن مسح على رأس يتيم فله بكل شعرة
حسنة" و"أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين" وأشار بالسبابة
والوسطى كناية عن القرب الشديد،وإن الله -تعالى- لينظر نظر رحمة إلى
بيت فيه يتيم يُكْفَلُ.
إن ميلاد الرسول الكريم يذكِّرنا بمولد الإسلام وتطهيره لهذه المجتمعات
العربية وأخذه بيدها من الحضيض إلى السمو، ومن الضيق إلى السعة، ومن
جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد،نعم،إن
المولد النبوي مولدٌ جديدٌ للكون ، مولدٌ شعرت فيه الإنسانية بإنسانيتها،
والأحياء بالحياة الحقيقية كما قال - تعالى- :"استجيبوا لله وللرسول
إذا دعاكم لما يحييكم"،"إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم"،
وفي مجال الحفاظ على المرأة وبيان قدرها حث على احترام النساء، وقال:"ما
أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم،ولأَنْ أبيت كريما مغلوبا خيرٌ
من أن أبيت لئيما غالبا"،وقال للسائل عن حسن الصحبة وأكرمِ مَنْ
يصاحب، حيث قال السائل له : "من أحق الناس بحسن صحابتي ؟".
قال له:" أمك،قال:ثم أي؟. قال:أمك،قال ثم أي. قال: أمك،قال ثم
أي. قال: أبوك "،وقال: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي"،
وقال:"خيركم من بَكَّرَ بأنثى"أي خيرنا من كان أول رزقه
من الأبناء نساء أو إناثا؛ حتى يقضي على تلك العادة العربية السيئة
التي تعتبر المولودة البنت شؤما، ويتوارى أحدهم من القوم من سوء ما
بشر به من البنات، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب، وليقضي على عادة
وأد البنات أحياء تحت التراب،،وفي آخر أنفاسه في هذه الحياة يقول رسول
الإسلام:"استوصوا بالنساء خيرا"،"النساءَ النساءَ،اتقوا
الله في النساء"،وفي مجال الأبناء وحسن تربيتهم يقول:"اتقوا
الله واعدلوا بين أبنائكم"،و"ربوا أبناءكم على ثلاث :على
حب الله ورسوله وحب آل بيته وحب القرآن"، وفي مجال العلاقات العامة
وحسن المعاملة مع الناس يقول:لا يحل لامرئ مسلم أن يهجر أخاه المسلم
فوق ثلاث، يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام"،
ويقول:"ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه"،
وجعل للجار حقوقا لم تستطع القوانين البشرية حتى هذه اللحظة أن تسن
مثلها،حيث جعل من علائم الإيمان إكرامُ الجار وعدمُ إيذائه، وجعل من
حق المسلم على المسلم عيادتَه عند مرضه وردَّ السلام عليه إذا سلم،وتشميتَه
عند عطاسه،وإجابةَ دعوته إذا دعاه لطعام ونحوه، وإرشادَه إذا كان ضالا،
واتباعَ جنازته عند موته،نعم، جاء المولد فوُلِدَ معه الكونُ ، وسعدت
به الدُّنَا والحيوات ، وتذوق الكون معنى الحياة الحقيقية،ومعنى الإنسانية
السامي حتى في الحروب حيث أمر الإسلام باتباع قوانين وضوابط لم تعرفها
كبريات الحضارات الإنسانية- تلك التي لا تحسن إلا التدمير والهدم وإرسال
القذائف وهدم القرى والمدن على رؤوس أصحابها المظلومين-، وكم راح من
الملايين في الحربين العالميتين الآثمتين،وزهقت أرواح أناس مسالمين
لا َ لهم ولاجملَ،طوتْهُمُ الحروب، وذهبوا إلى ربهم مظلومين يلعنون
ظالميهم ،أما الإسلام فوضع الضوابط الحربية التي منها أنه لا يُجْهَزُ
على جريح ولا يقتلُ الأسيرُ، ولا تحرقُ الأشجارُ، ولا يُعْقَرُ النخيلُ،
ولا تقتلُ النساءُ ولا الصبيانُ ولا الأطفالُ، ولا تنتهكُ حرماتُ الرجال
ولا النساء ، ومن وقع في الأسر يعامل معاملة كريمة من حيث المطعم والمشرب
والمنام،وكان الرسول في غزوة بدر يعفو عن الأسير الذي يعلِّم عشرةً
من المسلمين، ويعفو عن المفتدِي نفسَهُ بالمال؛ لأنه ليس من طبيعته
القتلُ ورؤيةُ الدماء، ولا التشفي ولا الثأر، بل من أخص خصائصه الصفح
والعفو، وخصوصا عند المقدرة ، فهذا سيد الأوس يقول في أحد الاتتصارات
:"اليوم يوم الملحمة"، فرد الرسول قائلا :" بل اليوم
يوم المرحمة"، وكلنا يعرف قصة فتح مكة ودخول الرسول الكريم منتصرا
عزيزا، معه الجيش الكبير العرمرم، تضطرب به جنبات مكة، وتموج به شوارعها
وأَزِقَّتُها وحَوَارِيها، وترتج له ميامنها ومياسرها وحواشيها، وكان
بوسعه - ومعه الحق كل الحق- أن يُفْنِيَ كلَّ من أمامه لكنه - وهو
العفو الرؤوف الرحيم- يقول لأهل مكة الذين أتعبوه وأخرجوه وآذوه :"
ما تظنون أني فاعل بكم؟" قالوا:أخ كريم،وابن أخ كريم. قال:"اذهبوا
فأنتم الطلقاء"' هذه أخلاقنا نحن المسلمين، وأخلاق حبيبنا ورسولنا
الذي نعيش مناسبة ولادته، فنتذكر سيرته، وسمو أخلاقه، ونفخر بأننا
من أتباعه وأحبابه، ومن الماضين على سيرته، الناشرين لدعوته، المحبين
لشرعته، الداعين إلى ديانته، العاملين بسنته،هذا المولد يجيء فيحيي
فينا الالتزام بهذا الدين العزيز، ويضخ في قلوبنا ودماء أجسادنا روحا
جديدة، وعواطف صادقة فريدة، وتعهدا ساميا صحيحا باتباع هذا النبي العظيم،
والذود عن حياض سنته، والموت في سبيل نشر دينه وعزته، اللهم لك الحمد
أنْ خلقتَنا مسلمين، ورزقتنا حب رسولك العظيم، واتباع سنته، فاكتبنا
في الفائزين، واجعلنا من عبادك الراشدين، الذين كتبتهم في المقبولين،
وسلكتهم في عقد عبادك المرحومين، يا رب العالمين،وكل عام وأنتم بخير
، وصلى الله وسلم وبارك على صاحب الذكرى، وعلى آله وصحبه أجمعين.
د جمال عبد العزيز أحمد
كلية دار العلوم جامعة القاهرة
جمهورية مصر العربية
أعلى
رسول الله حقًّا
لا شك أن الحديث عن الرسول عليه من الله أفضل
الصلاة وأتم التسليم حديث تنشرح له صدور أهل الإيمان، وتتشوق له نفوس
الصالحين، ويدفع العالمين إلى الاستقامة على الصراط المستقيم. كيف
لا وهو صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم وخاتم النبيين وهو أولى بالمؤمنين
من أنفسهم قد خصه الله تعالى بخصال رفيعة وكثيرة انفرد بها عن بقية
الأنبياء السابقين عليهم السلام فهو أول من يقرع باب الجنة ويدخلها
وله المقام المحمود ولواء الحمد، وهو أول شافع، إلى غير ذلك من الخصال
والفضائل.
إن علينا تجاه نبينا صلى الله عليه وسلم حقوقاً واجبة، لا بد أن نؤديها،
ولأهمية مثل هذا الموضوع، وغفلة كثير من المسلمين عن الحقوق الواجبة
عليهم تجاه نبيهم صلى الله عليه وسلم أحببنا أن تكون هذه الكلمات.
فأول هذه الحقوق شهادة أن محمداً رسول الله ومعناها طاعته فيما أمر،
وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن يُعبد الله بما شرع.
فطاعته فيما أمر: تشمل جميع الأوامر التي أمرنا رسول الله صلى الله
عليه وسلم أن نطيعه فيها، وهذه تشمل جميع الأوامر دون استثناء وتصديقه
فيما أخبر: كل ما أخبر به المصطفى صلى الله عليه وسلم يجب علينا، وحق
له علينا أن نصدقه .
فرسولنا صلوات الله وسلامه عليه مرسل من ربه، لا يمثل نفسه، وإنما
يمثل الإرادة العليا، إرادة المولى عز وجل في علاه ، (( وَمَا يَنْطِقُ
عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) النجم:3، 4 من قرأ
سيرته عرف بصدق أنه لا يمكن أن يكون دجالاً. رسالته امتدت طولا حتى
شملت آباد الزمن، وامتدت عرضا حتى انتظمت آفاق الأمم، وامتدت عمقا
حتى شؤون الدنيا والآخرة. لقد كان يقطع الليل تسبيحًا وقرآنًا وقيامًا
لله تعالى لا يفارقه أحيانا، وبكاء يفيض من خشية الله ألوانًا، لم
ينتقم لنفسه مع الندرة، ولا شمت بعدوّ هزِم بعد النصرة، بل يعفو ويصفح
عمن اعتدى. إن الدجالين لا يمكن أن يحملوا بين جنوبهم مثل هذا القلب
الشاكر، ولا يمكن أن يكون لهم مثل هذا اللسان الذاكر، ولا يمكن أن
يكون لهم مثل هذا البدن الصابر على طاعة الله وعبادته إن هذا القلب
الطاهر قلب رسول الله المحب لربه الخائف من عذابه الراجي لرحمته المقبل
عليه بكل همته، إنه دليل على أنه رسول الله.
انظر أخي القارئ الكريم كيف كان الصحابة رضوان الله عليهم مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم، قال عروة بن مسعود الثقفي: والله، لقد وفدت
على الملوك؛ وفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكا قط
يعظمه أصحابه مثل ما يعظم أصحاب محمد محمدا، والله إن تنخم نخامة إلا
وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره،
وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده،
ولا يحدّقون إليه النظر تعظيما له.
سيدي يا رسول الله،
خلقت مبرأ من كل عيب ... كأنّك خلقتَ كما تشاء
كفاك شرفًا وفخرًا قول الله تعالى (( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
)) القلم:4 لقد جمع الله لك المحاسن كلها.
إن الناظر في سيرته في غزواته ومعاملاته لأعدائه يرى مواقف كثيرة تدل
على عظيم قيادته وكمال معرفته وخبرته بأساليب الحروب وإدارة الجيوش
، مع أنه لم يتعلم الفنون الحربية ولا الهندسة العسكرية في مدرسة أو
كلية. لقد انتصر على قلة جيشه في مواقع كثيرة، ودخل مكة مصدر الهجوم
ومنبع المؤامرات فاتحًا، وقضى على أعدائه وتتبعهم حتى قضى على نفوذهم،
بعدما غدروا كثيرًا بمعاهداته، ولم يكفوا عن المؤامرات والمكائد. ولم
تكن سياسته سياسة اعتداء وقهر وظلم، إنما كانت سياسته سياسة دفاع ومقاومة
وعدل ومحبة وتسامح. فهذا هو رسول الله حقا.
هذا والله تعالى أعلم
أنس فرج محمد فرج
أعلى
نور الإسلام
دين عظيم دعا إليه رجل عظيم ليخرج الناس من الظلمات
الى النور الى الناس كافة فلا فرق بين عربي وعجمي وابيض واسود فهو
رسول الرحمة للعالمين، خير البشر وآخر الرسل بعثه الله ليطهر الناس
من الوثنية والشرك إلى نور الهداية والايمان انه الاسلام دين محمد
ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل 1400 سنة كانت بداية بزوغ فجر جديد انار
الارض في مشارقها ومغاربها، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم
بن عبد مناف ولد بمكة عام الفيل انجبته السيدة آمنة بنت وهب وعاش عليه
السلام يتيما فقد توفي والده وهو طفل وتولى رعايته عمه ابو طالب من
بعد جده ورق عليه رقة شديدة وكان يقدمه على اولاده الا انه بقى على
ملة الكفر ولم يسلم، ولما بلغ عليه السلام خمسا وعشرين سنة خرج الى
الشام في تجارة لخديجة ومعه ميسرة غلامها فوصل بصرى ، وكان يلقب الصادق
الامين ورجع واتصف بسمو اخلاقه ورفعتها وهي اسباب زادت من ثقة خديجة
في محمد عليه السلام وشاء القدر ان يجمع بينهما في رباط قدسي شريف،
فتزوجها عليه السلام وهي اولى الزوجات ولم يتخذ له زوجة اخرى ونزل
جبريل عليه السلام على النبي ليبشرها بالجنة وببيت من قصب لا صخب فيه
ولا نصب، وكيف لا وهي الزوجة الوفية الشريفة فقد كان عليه السلام يحب
الخلاء بنفسه في غار حراء هناك نزل الوحي وقال له اقرأ ثلاث مرات فرد
عليه السلام ما انا بقارئ فقال جبريل اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان
من علق اقرأ وربك الاكرم، ورجع الى منزله يرتجف خوفا مما حدث له فوجد
من يهدئ من روعه ويدخل السكينة إلى قلبه، وكان عمره 40 سنة وهذه هي
البداية لسطوع هذا النور بنزول الوحي على خير البشر وتكليفه بهذه المهمة
الصعبة من رب العالمين، وكان الوحي ينزل عليه بصور متعددة:
1 الرؤيا 2 ـ ان يتمثل له صورة الصحابي دحية الكلبي فيكلمه 3ـ وما
يلقيه الملك في قلبه من غير ان يراه 4 ـ كان يأتيه مثل صلصلة الجرس
وهو اشد عليه حتى يتصبب عرقا ' 5 _ يأتيه في الصوره التي خلق عليها'
ولما دعا قومه الى الدين الجديد وترك عبادة الاوثان لقي الكثير من
الاذى والتعذيب من قبل الكفار وقد حاز سبق الايمان ابو بكر الصديق
فآزره وخفف عنه ثم تبعه عثمان وطلحة وسعد رضي الله عنهم 'واول النساء
تصديقا برسالته زوجته خديجة وكان بعض ممن اسلموا صغارا امثال علي بن
ابي طالب فهو لم يتجاوز ثماني سنين عندما امن، والتف حول رسول الله
اصحابه ممن آمنوا برسالته وكثر عددهم فردا فردا وتحملوا التعذيب في
سبيل هذا الدين ورسوله ونال العديد منهم الشهادة ومنهم سمية بنت خياط
اول شهيدة نالت التعذيب هي وزوجها وكان محمد يمر عليهم وهم يعذبون
ويقول مقولته الشهيرة "صبرا آل ياسر ان موعدكم الجنة" اعظم
بشارة لهذه العائلة المؤمنة الصابرة' وكان الصديق اذا مر بأحد العبيد
يعذب اشتراه ومنهم بلال بن رباح الحبشي لقد كانت السنوات الثلث الاولى
من عمر الرسالة سرية ثم اعلن في الرابعة ونزل قوله تعالى واصدع بما
تؤمر واعرض عن المشركين، وشهدت الدعوة هجرت المسلمين إلى الحبشة فرارا
بدينهم وحظوا بالترحاب والسلام والهدوء ومارسوا شعائرهم بحرية وقد
اسلم ملكها ويدعى النجاشي، وقويت شوكة الاسلام ودخل الالاف في دين
الله افواجا وخاض المسلمون غزوات كثيرة سقط فيها العديد من الصحابة
الكرام ، فالحمد لله على نعمة الاسلام فهو النور في العتمة والهادي
عند الضلال.
عزة بنت محمد الطوقية
أعلى
نافذة على الأسرة
الزوجة في بيت النبوة
سالم بن سعيد الحارثي
أدعوك أخي القارئ اليوم إلى نزهة قصيرة في بيت النبوة لترى نماذج رائعة
من التعامل الراقي من لدن الذي اصطفاه الله تعالى ليكون رسولا للعالمين
ولست أزعم أنه مقال يحلل كل حادثة ليأخذ منها الخلاصة والعبرة بل هو
نزهة في بستان أقتطف لك شيئا من أزهاره وأترك لك شم أزاهيره ورياحينه
فتعال معي لأريك بعضا من مواقفه صلى الله عليه وسلم في بيته مع أزواجه
صلى الله عليه وسلم.
أ- طيب معشره صلى الله عليه وسلم عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ : (مَا
ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ
امْرَأَةً لَهُ قَطُّ وَلَا خَادِمًا( يتضح جليا في هذا الحديث الشريف
أن رسول الله لم يكن بالغضوب المتجهم الذي يلبس جلد النمر ويكشر عن
أنيابه لأتفه الأسباب فيده الشريفة لم تكن لتضرب امرأة إذ المعتاد
من كثير من الأزواج ضرب زوجاتهم تشفيا أو انتقاما أو تأديبا، ولكن
الهدي النبوي يرشدنا إلى الترفع عن ذلك مهما كانت الملابسات والأسباب،
ومع أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم كانت تصدر عنهن من التصرفات
ما قد يتوهم أن رسول الله يضيق بهن ذرعا إلا أنه وكما وصفه رب العزة
(وإنك لعلى خلق عظيم) فقد دخل إحدى الليالي بيت إحدى نسائه.
ولم تكن ليلتها وإنما دخل ليبول فلما خرج وذهب إلى الأخرى التي هي
ليلتها أغلقت عليه الباب ولم تفتح له فكان يقول لها إنما دخلت من أجل
البول وهي مصرة على الإغلاق فلما فتحت لم يغضب عليها ولم يضربها مع
أنها فعلت فعلاً كبيراً.
بل نجده يلاطف زوجاته ويحرص على الترويح عنهن وتقوية العلاقة معهن
فعن عائشة رضي الله عنها (كنت أشرب وأنا حائض، فأناوله النبي صلى الله
عليه وسلم فيضع فاه على موضع فيَّ، وأتعرق العَرق أي آخذ ما على العظم
من اللحم فيتناوله ويضع فاه في موضع فيَّ) فانظر كيف يقترب رسول الله
من زوجه ويحرص على أن يضع فاه حيث وضعت هي فاها.
بل تأمل أخي المسلم كيف يتلطف رسول الله في عشرته مع أزواجه بما روته
عائشة رضي الله عنها: أنها كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر
قالت: فسابقته فسبقتُه على رجلي، فلما حملتُ اللحمَ سابقته فسبقني،
فقال: ((هذه بتلك السبقة).
وأكثر من ذلك أن رسول الله كان يخدم أهله في بيته ويعينهم على القيام
بشؤونهم فقد سئلت عائشة ـ رضي الله عنها ـ : "ما كان النبي ـ
صلى الله عليه وسلم ـ يصنع في بيته؟
قالت: كان يكون في مهنة أهله ـ أي: في خدمتهم ـ ، فإذا حضرت الصلاة
خرج إلى الصلاة.
ب- العدل بين الزوجات
ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في العد بين زوجاته
فأسوق لك أخي نماذج من عدله صلى الله عليه وسلم لترى ذلك الأدب الذي
أدب الله به نبيه صلى الله عليه وسلم فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ
- : " لا يفضِّل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان
قلَّ يوم يأتي إلا وهو يطوف علينا جميعًا فيدنو من امرأة من غير مسيس
حتى يبلغ إلى التي هو يومُها فيبيت عندها" وما جاء في رواية أخرى
لعائشة"كان يقسم لكل امرأة منهن يومها وليلتها، غير أن سودة بنت
زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة - رضي الله عنها - زوج النبي صلى الله
عليه وسلم تبتغي بذلك رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم "
وأكثر من ذلك أن رسول الله كان يقرع بين نسائه عندما يعن له سفر فيأخذ
إحداهن معه ليشتركن معه في واجب الجهاد وهو ما ترويه عائشة رضي الله
عنها إذ تقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفرًا أقرع
بين نسائه فأيَّتهُن خرج سهمُها خرج بها معه" ولم يهمل الرسول
صلى الله عليه وسلم العدل بين أزواجه حتى في أشد الحالات حرجا فقد
روت عائشة رضي الله عنها" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
يسأل في مرضه الذي مات فيه: أين أنا غدًا؟ يريد يوم عائشة، قالت: فأذن
له أزواجه أن يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها، قالت:
فمات في اليوم الذي كان يدور عليَّ فيه في بيتي، فقبضه الله وإن رأسه
لبين نَحْري وسَحْري وخالط ريقه ريقي".
هذه نبذة من بيت النبوة نقلتها لك أخي القارئ وأترك لك إجالة البصيرة
فيها لتتخذها منهجا لك في حياتك وتنشئ عليها أسرتك.
أعلى
ركن الطفل المسلم
مولد الحبيب
ناصر عبد الفتاح
احتفل اهل مكة بهزيمة أبرهة ملك الحبشة والذي غزا بلدهم على رأس جيش
كبير يتقدمه فيل ضخم .. أراد أبرهة هدم الكعبة فخذله الله تعالى وسلط
عليه طيرا أبابيل يحمل أحجارا نارية .. ألقى الطير أحجاره على جيش
أبرهة فهلك في الحال وعرف هذا العام بعام الفيل نسبة للفيل الضخم الذى
كلفه أبرهة بهدم الكعبة.
تزوج عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم من السيدة آمنة بنت وهب وعاشا
عدة أشهر ترفرف عليهما السعادة ثم خرج عبد الله في تجارة إلى الشام
وعند عودته أصابه المرض وما لبث أن فارق الحياة وترك زوجته حاملا في
الشهر السادس.
اشتد حزن السيدة آمنة ولم يخفف عنها سوى الجنين الذي تحمله وتنتظر
ولادته في شوق ولهفة حتى إنها كانت ترى في منامها كأن نورا يخرج منها
فيضيء قصور الشام.
مرت الأسابيع ببطء وحانت لحظة الولادة وخرج محمد إلى الدنيا في يوم
الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول في عام الفيل .. وأقبلت المرضعات
إلى قريش وكانت عادة أهل مكة أن يعطين أطفالهن لهن كي يرضعنهن بعيدا
عن جو مكة الشديد الحر مقابل أجر وبعض الهدايا.
أحست المرضعة حليمة السعدية بشيء يجذبها إلى محمد .. لكنها فقيرة ولا
تملك إلا حمارا أعرجا وناقة هزيلة.
اقتربت حليمة من محمد وما أن حملته حتى أحست براحة شديدة وإذ بحمارها
ينطلق في سرعة ورشاقة وإذ بناقتها الهزيلة تدر لبنا غزيرا.
عاشت حليمة في الرخاء حتى انتهت فترة الرضاعة واضطرت أن تعيد محمدا
إلى أمه وهي تتمنى ألا تفارقه.
مكث محمد في أحضان أمه حتى بلغ السادسة من عمره واشتاقت آمنة لزيارة
زوجها عبد الله فرحلت إلى يثرب وهناك شعرت بآلام شديدة ولم تلبث أن
توفيت فصار محمد بلا أب يرعاه ولا أم تحنو عليه.
احتضن عبدالمطلب بن هاشم حفيده وقبله ثم دخل الكعبة واستغرق في الصلاة
والدعاء ثم عهد إلى السيدة حليمة السعدية كي ترضعه في البادية .. شب
محمد وترعرع وما كاد يبلغ السادسة من عمره إلا وتوفيت أمه ثم رحل جده
فمكث مع عمه أبي طالب .. نشأ محمد طاهرا مطهرا فلم تهفو نفسه إلى اللهو
أو الخمر ولم يسجد لصنم قط .. نشأ محبا للخير متحليا بالأخلاق الفاضلة
حتى إن قومه لقبوه قومه بالصادق الأمين .. وكان عمه يأخذه معه في أسفاره
حتى إن أحد الرهبان أخبر أبا طالب أنه سيكون لمحمد شأن عظيم.
احتضن عبد المطلب حفيده اليتيم وغمره بالرعاية والحنان وبلغ حبه له
أنه كان يجلسه فوق البساط الذي يوضع له بجوار الكعبة ولا يجرؤ أحد
على الجلوس فوقه وكلما حاول أولاده منع محمد قال عبد المطلب :
- دعوا ابني فوالله إن له لشأنا .
ثم يربت على كتفيه ويمسح ظهره بيده، ولم تدم تلك اللحظات السعيدة طويلا
إذ رحل عبد المطلب فاحتضنه عمه أبو طالب وشمله بالرعاية والحنان وكان
يأخذه معه في رحلاته وأسفاره حتى لا يفارقه وفي إحدى رحلاته إلى الشام
نزلت القافلة مدينة بصرى وحين مروا على صومعة الراهب بحيرا تلقوا دعوته
إلى الطعام .. تعجب القوم لأنه لم يفعل ذلك من قبل .. أخذ بحيرا يتابع
محمدا حتى فرغ من الطعام فاقترب من أبي طالب وقال له:
ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه من اليهود فإنه كائن لابن أخيك
شأن عظيم.
نشأ الشاب محمد طاهرا وفيا أمينا محبا للخير، فكان يعطف على الفقراء
ويساعد المحتاجين ويطعم الجائعين وشب كارها للأصنام ممتنعا عن الخمر
.. أحب أهل مكة محمدا ولقبوه بالصادق الأمين وعرضت عليه السيدة خديجة
بنت خويلد أن يخرج بتجارة لها وتمنت أن تتزوجه وحقق الله أمنيتها وعاش
الزوجان في سعادة ورزقهما الله بالقاسم وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة
وعبد الله.
وذات يوم أعادت القبائل العربية بناء الكعبة وأرادت كل قبيلة أن تحظى
بشرف وضع الحجر الأسود وكاد ينشب قتال بينهم لولا أن حكموا محمدا بينهم
فوضع الحجر الأسود في ثوب وجعل كل قبيلة تأخذ بطرف من أطراف الثوب
ورفعوا الحجر ثم وضعه محمد بيده الشريفة في مكانه.
كان محمد يخلو بنفسه في غار حراء طوال شهر رمضان يتأمل في خلق السماوات
والأرض ويعبد الله كما كان يعبده جده إبراهيم عليه السلام وفي ليلة
القدر هبط الوحي عليه بسورة اقرأ ثم قال له:
" يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل ".
وكلفه بدعوة قومه إلى عبادة الله وهجر عبادة الأصنام .. بدأ محمد بدعوة
أهل بيته فآمنت به زوجته خديجة وابن عمه على بن أبي طالب وخادمه زيد
بن حارثة وآمن به صديقه أبو بكر الصديق وغيره.
دعا النبي أهل قريش فآمن به عدد قليل وكذبه كثيرون وآذوه واشتكوا إلى
عمه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (والله يا عم لو وضعوا الشمس
في يميني والقمر في يساري على أن اترك هذا الامر حتى يظهره الله او
اهلك دونه ما تركت).
وأعد الله لنبيه رحلة عظيمة حيث أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد
الأقصى وهناك صلى بالأنبياء إماما ثم عرج بالرسول صلى الله عليه وسلم
على ظهر البراق حتى وصل إلى السماء السابعة في لمح البصر وبلغ منزلة
لم يبلغها أحد من العالمين حيث اقترب من عرش الرحمن وخر ساجدا خاشعا
لله وفرض الله عليه الصلوات الخمس. عاد النبي إلى بيته بعد انتهاء
رحلته والتي لم تستغرق سوى زمن قصير جدا أثناء الليل.
اشتد إيذاء المشركين للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهاجروا إلى
يثرب وهناك التف أهلها حوله ونصروه فأقام مسجده وبيته بها وعرفت يثرب
بالمدينة المنورة عقب تشريف النبي بها.
بنى النبي الدولة الإسلامية بالمدينة لكن المشركين خشوا أن ينتشر دينه
في أنحاء الجزيرة العربية فوقعت غزوات ثلاث بينهم وبين المسلمين. انتصر
المسلمون في غزوة بدر وطهر الله تعالى الأرض من زعماء الشرك وفي غزوة
أحد انتصر المسلون في أول النهار ثم خالفوا أوامر الرسول صلى الله
عليه وسلم وتركوا أماكنهم فدارت الدائرة عليهم وضاع نصرهم وفي غزوة
الخندق فرت حشود المشركين منهزمة بعد أن فشل حصارها على المدينة ..
وأخيرا تم عقد صلح الحديبية وسرعان ما نقضت قريش الصلح فانطلق النبي
صلى الله عليه وسلم إلى مكة وفتحها ودخل الناس في دين الله أفواجا
وأرسل النبي رسله إلى كافة ملوك الأرض يدعوهم إلى دين الإسلام.
قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)
سورة الأنبياء - الآية 107.
وقال تعالى :( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً
وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) سورة سبأ
- الآية 28.
انطلقت الرسل إلى كل البلاد إلا بلدا واحد لم ينتظر قدوم الرسل بل
بادر أهله بالإسلام .. إنه بلدنا الطيب عمان وكان السبق في الإسلام
لأهل عمان على يد الصحابي الجليل مازن بن غضوبة الذي هرع إلى المدينة
المنورة حين علم بأمر الدين الجديد فاستمع إلى الحبيب وأسلم بين يديه
وجاءت دعوات النبي صلى الله عليه وسلم التي اختص بها بلدنا الطيب :
- (( الله اهدهم وثبتهم )) .. (( اللهم ارزقهم العفاف والكفاف والرضا
بما قدرت لهم )) .. (( اللهم وسع عليهم في ميرتهم ( تجارتهم ) وأكثر
خيرهم من بحرهم )) .. (( اللهم لا تسلط عليهم عدوا من غيرهم )) .
وفي الثاني عشر من شهر ربيع الأول لحق النبي صلى الله بالرفيق الأعلى
عن عمر يناهز 63 عاما بعد أن أدى رسالته وبنى أركان الدولة الإسلامية
وترك لنا خير الدنيا والآخرة.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا
بعدي أبدا : كتاب الله وسنتي )
وكانت آخر وصاياه : ( الصلاة وما ملكت أيمانكم ) صدق رسول الله صلى
الله عليه وسلم.
أعلى
مبادئ وأسس استخدمها الرسول عليه الصلاة والسلام في التربية
أرسل الله نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم ليخرج الناس من الظلمات
إلى النور، وحدَّد وظيفته بقوله سبحانه في آيات متعدِّدة، منها: "هُوَ
الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ
آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ "
وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم بتأدية ما أمره الله خير قيام، فربى
وكون خير جيل، وهو جيل الصحابة رضوان الله عليهم، وقد قال الله عنهم:
"وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ
وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ
عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ
فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ"، وأيضا "لَقَدْ
رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ
فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ
وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ".
ومنذ أن أمر الله رسوله بالدعوة والبلاغ قام صلى الله عليه وسلم بمهمته
وفق منهج قويم يقوم على الأسس التالية:
1ـ الإيمان والخضوع: غرسُ الإيمان تحصل به طمأنينة القلب، وسكينة النفس،
والتعلق بالخالق، والاستمداد منه، واللجوء إليه، والتوكل عليه، يقينًا
بوحدانيته، وإقرارًا بعظمته، وتسليمًا لحكمته، وخضوعًا لقدرته، واعتقادًا
بربوبيته، وكل ذلك يؤسس لعبودية الله التي تربط العبد بربه تحقيقًا
لغاية وجوده "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ".
وشمولاً لكل حياته "قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ
وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ". والرسول الكريم صلى
الله عليه وسلم جعل الإيمان حيًّا في قلوب أصحابه، وجعل العبادة صبغة
حياتهم.
2ـ التقوى والتذكر: التقوى حالة صلة دائمة بالله، ورقابة مستمرة له،
وحياء عظيم منه أوصى بها الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: "اتق
الله حيثما كنت" رواه أحمد والترمذي، وبيّن موضعها فقال: "التقوى
هاهنا، وأشار إلى صدره" رواه مسلم. وصوّر أثرها عندما ذكر قصة
الرجل الذي احتاجت ابنة عمه، فساومها على عرضها "فلما جلس بين
شعبها الأربع قالت اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقام عنها"
رواه البخاري، وذكر بها من غفل عنها: "إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ
إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا
هُم مُّبْصِرُونَ". فإذا عمرت التقوى القلب سمت أخلاقه وتهذبت
سلوكياته.
3ـ الإخلاص والتجرد: ربط العباد بربهم من خلال الإخلاص له في كل عمل،
"قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ
الدِّينَ". "وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا
الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ". وقال صلى الله عليه
وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"، وحذر
صلى الله عليه وسلم من الرياء فقال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك
الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء. والرياء
هو فعل الخير بقصد أن يراه الناس ويحمدوه عليه، فترى المُرائي يُحسِّن
العمل أمام الآخرين، ولا يقصد طاعة اللّه.
4ـ الزهد والتعلق: ربط صلى الله عليه وسلم الصحابة وعلّقهم بالآخرة
وما عند الله، وحثهم على التجافي عن الدنيا وعدم الركون إليها، حيث
يقول لهم: "أكثروا ذكر هادم اللذات يعني الموت"، ولما أهدي
إليه صلى الله عليه وسلم جبّة سندس، وكان ينهى عن الحرير فتعجب الناس
منها فقال: "والذي نفس محمد بيده.. لمناديل سعد بن معاذ في الجنة
أحسن من هذا".
ولما دخل عمر رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو على حصير
قد أثر على جنبه فقال: يا رسول الله لو اتخذت فرشًا أوثر من هذا، فقال:
"ما لي وللدنيا وما للدنيا وما لي، والذي نفسي بيده.. ما مثلي
ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة، ثم راح
وتركها". وعرفهم حقيقة متعة الدنيا "لو كانت الدنيا تعدل
عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء".
5ـ العلم والعمل: ربّى الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة على العلم
والعمل، فلم يكن يعلمهم العلم دون العمل، بل يأمرهم بالعمل ويحثهم
عليه، وأساليبه في ذلك كثيرة متنوعة، فيقول أحد التابعين: "حدثنا
من كان يُقرئنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إنهم كانوا يقترئون
من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى
حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا: فعلمنا العلم والعمل"
6ـ القدوة: كان صلى الله عليه وسلم قدوة لأصحابه في كل خير، فما من
أمر إلا كان أسبقهم إليه، وما من نهي إلا كان أبعدهم عنه. وحق له أن
يشهد الله له بأنه الأسوة الحسنة: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ
اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ
الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً" ، وقال علي رضي الله عنه:
"كنا إذا حمي الوطيس واحمرت الحدق نتقي برسول الله صلى الله عليه
وسلم".
7ـ الاستقلالية والإيجابية: حث الرسول صلى الله عليه وسلم على الاستقلالية
وعدم التبعية فقال: "لا تكونوا إمّعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا
وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن
أساءوا فلا تظلموا" وجعل الإيجابية شعارًا عامًّا يوم قال: "الدين
النصيحة"، قلنا لمن؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين
وعامتهم".
وأكد على أهمية الإصلاح عندما قرر أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
شعيرة مهمة في قوة وضعف المجتمعات "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف،
ولتنهن عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه
فلا يستجاب لكم".
ويجعل المبادرة مزية كبرى فيقول صلى الله عليه وسلم: "من سنَّ
في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص
من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر
من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء".
8ـ المراعاة والاستمرارية: كان صلى الله عليه وسلم يراعي في التهذيب
والتقويم نفسية الأشخاص وقدراتهم المختلفة، فيوجه كل واحد بما يناسبه،
فذاك يقول له: "لا تغضب"، وآخر يقول له: "لا يزال لسانك
رطبًا بذكر الله" وهكذا...، ثم يجعل التهذيب عملا مستمرًّا صورته
الاستقامة: "قل آمنت بالله ثم استقم". ويرغب في الديمومة،
فيقول عندما سُئل أي العمل أحب إلى الله؟ قال صلى الله عليه وسلم:
"أدومه وإن قل". ويجعل المتابعة ضامنًا للاستمرار كما قال
صلى الله عليه وسلم: "تعاهدوا هذا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده
لهو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها"، ويقول: "سدّدوا وقاربوا
وأبشروا". ورسم أعظم صورة للاستمرار بقوله صلى الله عليه وسلم:
"إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فان استطاع أن لا يقوم حتى
يغرسها فليفعل"
9ـ المشاركة والتخصصية: فلم يجعل صلى الله عليه وسلم الدعوة حكرًا
على العلماء ولا العطاء مقتصرًا على الأغنياء، بل قال: "بلغوا
عني ولو آية". وقال في التبرع: "اتقوا النار ولو بشق تمرة"؛
ليشعر كل أحد بإمكانية الإسهام والمشاركة، ومع ذلك جعل لكل من المسلمين
تخصصا يقوم فيه بالعبء الأكبر، فالعلماء واجبهم في البيان والدعوة
والتعليم أعظم، وقد راعى صلى الله عليه وسلم ذلك التخصص فقال: "أرحم
أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر، وأشدهم أو أصدقهم حياء
عثمان وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأعلمهم بما أنزل الله
عليّ أُبي بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة
بن الجراح".
10ـ التنوع والمنهجية: لم يقتصر في التهذيب والتعليم على أسلوب واحد،
بل نوَّع صلى الله عليه وسلم بين الأمثال والقصص والمحاورات، فمرة
يقول: "كان فيمن كان قبلكم ثلاثة نفر".. ويذكر القصة، وتارة
يضرب الأمثال فيقول: "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى
بنيانا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس
يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة قال فأنا اللبنة
وأنا خاتم النبيين"، وتارة يخط خطًّا مستقيمًا وبجانبه خطوط مائلة
ويتلو: "وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ
وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ
وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ". وكل هذا التنوع بمنهجية
هدفها وصول المعلومة المعرفية بوضوح، وتحقق الهدف التربوي التأثيري
بعمق.
عبدالله بن يحيى الحارثي
أعلى
هذا الحبيب صلى الله عليه وسلم
من أعظم النعم علينا نحن المسلمين أننا أتباع
خير المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وفي ذكرى مولده العطرة,
يجب علينا أن نُظهر من الحب له والتمسك بهديه ما يدل على أننا نحب
رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالحب بالأفعال وليس بالأقوال. هذا الحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم
له من الحقوق علينا الكثير: منها أن نتمسك بسنته الشريفة ونظهر فخرنا
وعزنا بأننا من أتباعه وممن يفتخرون أنهم من أمته المسلمة (صلى الله
عليه وسلم). لقد شرًف الله تعالى هذه الأمة الكريمة ببعثته صلى الله
عليه وسلم وشرًفها كذلك بمولد خير البشرية محمد صلى الله عليه وسلم,
شهر ربيع الأول.
فمن حق هذا الشهر أن يتيه على بقية الشهور فخراً واعتزازاً, لقد تزيًنت
الدنيا بمولد خير الخلق أجمعين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قال
الله تعالى: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيرا, وداعياً
إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً) سورة الأحزاب 45, 46 في هذه الذكرى
العطرة على كل مسلم ومسلمة, يدعي حب الله ورسوله, عليه أن يقف مع نفسه
وقفة تأمل واعتبار, لحالنا في هذا الوقت من زماننا فهل حالنا هذا يرضى
عنه الله ورسوله؟
هذا الحبيب صلى الله عليه وسلم: دعوته أساسها التوحد والألفة والإخاء
فهل تآخينا وأظهرنا ذلك في تعاملاتنا مع بعضنا البعض؟ ففي هذه الذكرى
العطرة نقول إنها فرصة لكل مسلم ومسلمة أن يُصلح الجميع من حاله مع
ربه أولاً, ثم مع صاحب الذكرى العطرة صلى الله عليه وسلم, فيقتدي به
في أخلاقه, وصفاته وكل حركاته وسكناته, هذا الحبيب صلى الله عليه وسلم:
جاء للبشرية وكانت تتخبط في ظلمات الجهل والضلال لكن بمولده هلً النور
على هذه الدنيا, فبعد عبادة الأصنام, جاءت دعوة الإسلام بالتوحيد الخالص
لله رب العالمين, وبعد الضلال جاء الهدى والنور, قال أمير الشعراء
أحمد شوقي في هذا المعنى:
جئتَ والناس فوضى لا تمر بهم إلا على صنم قد هام في صنم
وهكذا جاء محمد صلى الله عليه وسلم, في الوقت الذي اشتدت فيه حاجة
الدنيا إليه: وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر. لقد امتن الله تعالى
على البشرية جمعاء ببعثة هذا الحبيب: المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي
كان مولده حاملاً للنور الكامل والهداية الربانية لكل البشر أجمعين,
ويكفينا فخراً: أننا من أمة خير المرسلين سيدنا محمد بن عبدالله صلى
الله عليه وسلم, هذا الحبيب: صلى الله عليه وسلم جعله ربُ العالمين
مشعل الهداية ونور الإيمان وقبس الرحمة ومنارة العدل, وروضة السلام.
قال تعالى (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم
تُخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين*يهدي
به الله من اتبع رضوانه سبل السلام, ويخرجهم من الظلمات إلى النور
بإذنه, ويهديهم إلى صراط مستقيم) سورة المائدة 15, 16. الأخ المسلم
الكريم: علينا في ذكرى مولد هذا الحبيب: الهادي البشير صلى الله عليه
وسلم علينا أن نتذكًر كيف كان مولده صلى الله عليه وسلم, وكيف كانت
نشأته, وكيف تربى على الأخلاق العربية الأصيلة, وكيف رباه خالق الخلق
أجمعين سبحانه وتعالى, حتى مدحه بأعظم مدح ووصفه بأجمل وصف فقال تعالى
(وإنك لعلى خُلُقٍ عظيم) ففي هذه الذكرى ليتنا نُربي أولادنا على مثل
هذه الصفات ومكارم الأخلاق ونُنشئ جيلاً مسلماً ينفع نفسه وينفع وطنه,
وكذلك ينفع الإسلام, فبمثل هذا تنهض الأمة الإسلامية, ومن أراد النجاة
والفلاح في الدنيا والآخرة فعليه بالتمسك بأخلاق الإسلام العظيمة,
وينشر هذه الأخلاق في تعامله مع الناس, حتى ينظر الناس إليه فيرون
فيه الخُلق العظيم الذي به يضمن مجاورة الحبيب محمداً صلى الله عليه
وسلم في الجنة إن شاء الله ربُ العالمين, الأخ المسلم الكريم:
في ذكرى مولد هذا الحبيب صلى الله عليه وسلم: علينا أن نرجع لكتب السيرة
النبوية, وسنرى فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نشأ يتيماً ولم
يمنعه هذا اليُتم من مزاولة العمل منذ الصغر, فلقد تربى على الرجولة
منذ نعومة أظفاره, فعمل برعي الغنم, وعمل بالتجارة مع عمه أبو طالب,
وسافر معه إلى الشام حتى تعرًف عليه بحيرة الراهب في إحدى السًفرات
فأوصى عمه أن يردًه إلى مكة خوفاً عليه من كيد الكائدين.
هذا الحبيب صلى الله عليه وسلم: أعطانا المثل الأعلى في الصدق والأمانة
وحُسن الخُلق, حتى وصفه أهل مكة جميعاً بالصادق الأمين صلى الله عليه
وسلم هذا الحبيب: سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أعظم هدية
أهداها الله تعالى الكريم المنان صاحب الفضل والإنعام إلى خلقه جميعاً
قال تعالى في كتابه الكريم (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) الأنبياء
107 فمن رحمة الله تعالى بنا أن أرسل إلينا الرحمة المهداة التي بسببها
رفع الله عنا العذاب في حال حياته وحتى بعد مماته طالما أننا نستغفر
الله تعالى, قال تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان
الله معذبهم وهم يستغفرون) الأنفال 33
لقد جاء هذا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم ومعه الدواء الذي يشفي
البشرية من أمراضها, والعلاج الناجع الذي يبرئها من أدرانها قال تعالى
(يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور, وهدى
ورحمة للمؤمنين* قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)
سورة يونس 57 58. من حقنا أن نفرح بأننا من أُمة المسلمين, التي هي
خير أُمًة أُخرجت للناس نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر.
هذا الحبيب فى ذكراه: أُوصي كل مسلم ومسلمة عند قراءة هذه السطور أن
يُكثر الجميع من الصلاة والسلام, على سيدنا محمد بن عبدالله, طب القلوب
ودوائها, وعافية الأبدان وشفائها, ونور الأبصار وضيائها, صلى الله
عليك وسلم سيدي يا رسول الله, يا من أرسلك الله رحمة للعالمين. وسلم
تسليماً كثيراً, اللهم آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
إبراهيم السيد العربي
أعلى
رحمة للعالمين
إعداد : مبارك بن عبدالله العامري
أوجب الله سبحانه وتعالى على المؤمنين الاقتداء بالنبي صلى الله عليه
وسلم بهديه واتِّباع سُنَّته وتوقير محبته صلى الله عليه وسلم فوق
محبة الآباء والأبناء والأزواج والعشيرة، والتجارة والأموال، وأوعد
من تخلف عن تحقيق ذلك بالعقاب، فقال سبحانه وتعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ
ءابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ
وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا
وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} أخواني القراء تعالوا
نستقي شربة من النبع العذب الصافي تروي كل عطشٍ ظمآن ونقتبس قنديلاً
من السراج الذي أوقده محمد صلى الله عليه وسلم إذ نقف على حديث عظيم
عجيب يربط أول أمة محمد بآخرها ينقلها نقلة أخرى تجتمع أمته كلها في
صعيد واحد هناك في الدار الآخرة في عرصات القيامة في منزلة تتشوق لها
كثير من النفوس فيا فوز ويا سعادة ويا هناء من حظي بتلك المنزلة حديثا
حيث تظلله مشاعر الحب من ذلك القلب الكبير قلب محمد صلى الله عليه
وسلم الذي يفيض بحب لا حدود له رغم كثرة العناء والمعاناة ولكنه قلب
محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك القلب الرحيم العطوف حب لم يقتصر
على الجيل الذي عايشه ورباه على عينه وبادله مشاعر الحب وجهد وجاهد
في الدفاع عنه والفداء له ولكنه حب تجاوز الحدود ليصل إلى قوم لم يرهم
ولم يخالطهم لكنهم آمنوا به واقتدوا به وتأسوا بهديه وتمنوا لقاءه
ولو فقدوا كل شيء في الحياة فكافأهم صلى الله عليه وسلم بأن أفاض عليهم
أعظم مشاعر الوداد فتوجهم بتاج الإخاء وما أعظمه من تاج فعبر عن ذلك
بشوق لا يملك المؤمن المحب المشتاق دمع عينه عن الجريان فتعالوا معنا
عباد الله نجسد كل هذه المعاني من خلال هذا الحديث العظيم ونقف معه
نستلهم الدروس والعبر. أرسل الله تبارك وتعالى محمداً رحمة للعالمين
فقال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}،
رحمة بالإنسان والحيوان والجمادات، يصفه ربه فيقول: {فَبِمَا رَحْمَةٍ
مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ
لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}، فالرحمة صفة لازمة له، فهي عنوانه، وهي
سمته التي يعرف بها، فقلوب الناس تهواه وتغشاه وتحبه لأنه رحمة بعث
بالرحمة والعطف والحنان، بعث بالرفق واللين فما أرحمه من نبي، فهذه
سيرته العطرة مليئة بالمشاهد الدالة على رحمته ـ صلى الله عليه وسلم
ـ يسير يوماً من الأيام خارج مكة فإذا به يجد عجوزاً تحمل الحطب على
رأسها قد أنهكها التعب، وشق عليها بعد الطريق، وآلمتها حرارة الشمس،
فلما رأى حالها ـ صلى الله عليه وسلم ـ رحمها وهو أبو الرحماء، فقال:
يا خالة أآخذ معك الحطب إلى البيت ففرحت وسرت، فأعطته ـ صلى الله عليه
وسلم ـ الحطب فحمله عنها حتى أوصله إلى بيتها، أليست هذه هي الرحمة،
أهناك أحد وصلت به رحمته إلى هذا المستوى، أهناك رحمة تعدل هذه الرحمة،
أيوجد إنسان يحمل رحمة كرحمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟ لا والله
ليس هناك أحد يرحم الناس كما يرحمهم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ،
ولا غرابة فهو أبو الرحماء وهو من أرسل رحمة للعالمين.
الراحمون جميعهم كانوا يداً ***هي أنت بل أنت اليد البيضاء
إن رحمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تعددت في عدة أمور ومع أصناف
الناس فكما رأينا رحمته بالعجوز هاهي رحمته تبرز مع الشيوخ الكبار،
فهذا أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ يأتي بأبيه (أبو قحافة) إلى رسول الله
ليبايعه وكان قد كبر سنه فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: هلا تركته في
بيته حتى نأتيه، يا الله ما أروعها من رحمة وما أرقه من قلب رحيم،
لم يقل أنا رسول فهو أحق أن يأتي إليّ حاشاه أن يقول ذلك ـ صلى الله
عليه وسلم ـ وهو من بعث بالرحمة والتواضع.
رحمته ـ صلى الله عليه وسلم ـ نالت الكبير والصغير والرجل والمرأة
فلم تترك أحدا إلا نالته يأتي إليه الطفل الصغير فيقبله ويرق عليه
ويرحمه فيقول أحد الحاضرين من الأعراب تقبل الأطفال يا رسول الله؟!
والله إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا!! فيقول عليه الصلاة
والسلام أو أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك ثم أعلنها مدوية في
سماء الجفاء والغلظة, أطلق منهجاً ربانياً (من لا يرحم لا يرحم)، ولم
تقتصر رحمته مع الأطفال أن يقبلهم فحسب بل الأمر أبلغ من ذلك فهو يحملهم
على ظهره ويترك أحدهم يلعب بخاتم النبوة على ظهره، وهو يمازحهم فيقول
للصغير يا عمير ما فعل النغير, وهو من يحنكهم فهو رحمة على هؤلاء الصغار،
لا يرونه إلا رأوا الرحمة في وجهه, فهو يعطيهم ويعطف عليهم ويرق قلبه
لهم, فيكون في الصلاة ويسمع صوت طفل يبكي وهو يحب أن يطول في الصلاة
فيستعجل فيها رحمة بالطفل الذي يبكي لعله أن يكون جائعاً أو مريضا,
ورحمة بقلب أمه الحنون عندما تسمع ولدها يبكي فتحن عليه, فيرق قلب
النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويرحم حالهما جميعاً فيستعجل في الصلاة.
الله أكبر والله لو بحث الناس في قلوب البشر جميعا منذ أن خلق الله
آدم إلى أن تقوم الساعة ما وجدوا أرحم ولا أرق ولا أشفق من قلب محمد
ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
إن محمدا هو الرحمة المهداة والنعمة المسداة، رأى الناس النور والخير
والرحمة بعد أن أرسل، وزاح عنهم ظلام القسوة والغلظة والجفاء، وأشرقت
عليهم الدنيا بعد أن جاءتهم رحمته ـ صلى الله عليه وسلم ـ, فقد كانوا
في ظلمة الظلمة, وقسوة القساة, وغلظة الطغاة الجبارين.
يـا وردةً يـزهـو بـهـا البستانُ *** ورحـيـقَ شـهـدٍ لـذََهُ الـظمآن
يـا نـور مـشـكـاةٍ بـليلٍ مظلمٍ *** كـشَـفَ الـجـمال ففاحت الأفنانُ
يـا رحـمـةً لـلـعـالمين بِعطفه *** نَـصـرَ الضَّعيفَ فأُنْصِفَ الإنسانُ
لم تقتصر رحمته ـ صلى الله عليه وسلم ـ على البشر والإنسان بل إنها
وصلت حتى الحيوان والجمادات، فهذا جمل أحد الأنصار عذبه صاحبه وجعله
يعاني من شدة الجوع فجاء هذا الجمل إلى نبي الرحمة, إلى الرحمة المهداة
يشكو إليه قسوة صاحبه, جاء يذرف الدمع من عينيه فرق رسول الله ـ صلى
الله عليه وسلم ـ لحاله ورحمه, وقال أين صاحب هذا الجمل؟ فجاء الأنصاري
فقال شكى إلي أنك تجيعه، اتق الله فيه, حتى الحيوانات تعرف أنه رحمة
للعالمين جاء بالرحمة وبعث بها، وها هي الحمامة عندما أخذ أحد الصحابة
أفراخها جاءت تشتكي إلى القلب الرحيم, إلى القلب الحنون, إلى القلب
الذي يعطف على الحيوانات والطيور فلما رآها رسول الله ـ صلى الله عليه
وسلم ـ رحمها ورق قلبه لها, ِلما رآى من حالها على أفراخها، فقال عليه
الصلاة والسلام بقلب يملأه الرحمة, وتغمره الشفقة على هذه الحمامة
من فجع هذه بولدها ردوا عليها ولدها، يا الله ما أرحمك يا رسول الله
تحن على طائر صغير لا يساوي شيئاً في هذا الكون لكنها الرحمة العالمية
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}.
لم تكن رحمته ـ صلى الله عليه وسلم ـ مواقف وأحداث فحسب بل إنه أمر
وشرع ومنهج وأخلاق شرعها للناس فقد قال عليه الصلاة والسلام مرغبا
في الرحمة والرفق واللين على الناس: (اللهم من ولي من أمر أمتي فرفق
بهم فارفق به), وقال متوعدا من شق عليهم وأغلظ وجفاء (ومن ولي من أمر
أمتي فشق عليهم فاشقق عليه), وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (من لا
يرحم لا يرحم), وقال: (الراحمون يرحمهم الله), فالرحمة خلق عظيم من
أخلاقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصفة رفيعة من صفاته، وأمر عظيم فطر
عليها, فيا لله ما أرحمه بعباد الله فهو أرحم الناس.
أعلى
ماذا قال الغرب عن مولد النبي؟
هذا باب واسع جدًا ، ولا يمكن إحصاء ما جاء فيه
؛ لأنه يندر أن يخرج كتاب عن العظماء ولم يصدر كاتبه بمحمد صلى الله
عليه وسلم ـ ، ولم يكتب باحث عن موضوع اجتماعي أو أخلاقي أو إنساني
، ويستطيع أن يتجاهل الرسول الأعظم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ولم يتغن
شاعر بأمجاد الإنسانية ويتناسى مآثر الرسول الأعظم ـ صلى الله عليه
وسلم ـ في توطيد صرح الحق والعدالة .
وعدد كبير من علماء الغرب وفلاسفته كتبوا كتبًا مستقلة عن حياة الرسول
ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، نذكر منها : السويسري " دي منته "
له كتاب " محمد والقرآن " ، والمستشرق الأميركي " بودلي
" له " حياة محمد " طبع مرارًا باللغة العربية ، و
" بلاشير " له كتاب " مسألة محمد " ، و"
جوته " الشاعر الألماني ألف " النشيد المحمدي " ، وكتاب
" مسرحية محمد " ، و" بثورت سميت " له كتاب "
حياة محمد " ، و" وليم ميور " له " حياة محمد
" وغيرهم كثير .
ولو قدر للجنة مؤلفة من خبراء اللغات الحية في أن تستعرض الموسوعات
العلمية في البحث عما كتب عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لحصل عندهم معجم
كبير ، وهنا نذكر شيئـًا من كلماتهم المنصفة والواضحة في حق النبي
محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
1ـ محمد هذا الرجل العظيم الملهم الذي أقام الإسلام ، ولد حوالي 570
ميلادية في قبيلة عربية تعبد الأصنام ، ونشأ يتيمًا محبًا للفقراء
والمحتاجين والأرامل واليتامى والأرقاء والمستضعفين ، وقد أحدث بشخصيته
الخارقة للعادة ثورة في شبه الجزيرة العربية ، وفي الشرق كله ، فقد
حطم الأصنام بيديه وأقام دينـًا يدعو إلى الله وحده ، ورفع عن المرأة
قيد العبودية التي فرضتها تقاليد الصحراء ونادى بالعدالة الاجتماعية
، ولقد عرض عليه في آخر أيامه أن يكون حاكمًا بأمره أو قدِّيسًا ،
ولكنه أصر على أنه ليس إلا عبدًا من عباد الله أرسله إلى العالم منذرًا
وبشيرًا " .
(جيمس متشنر )
2ـ وفي القرنين الخامس والسادس كان العالم المتمدِّن على شفا جرف هار
من الفوضى ؛ لأن العقائد التي كانت تعين على إقامة الحضارة قد انهارت
، ولم يك ثمَّ ما يعتد به مما يقوم مقامها ، وكان يبدو حينئذٍ أن المدينة
الكبرى التي قامت بعد جهود أربعة آلاف سنة مشرفة على التفكك والانحلال
، وأن البشرية توشك أن ترجع ثانية إلى ما كانت عليه من الهمجية ، فالقبائل
تتحارب وتتناحر بلا قانون ولا نظام ، والنظم التي خلفتها المسيحية
كانت تعمل على الفرقة والانهيار بدلا ً من الاتحاد والنظام ، وصارت
المدنية الشجرة الضخمة المتفرعة التي امتد ظلها إلى العالم كله واقفة
تترنح وقد تسرب إليها العطب حتى اللباب ، وبين مظاهر الفساد الشامل
ولد الرجل ( محمد ) الذي وحد العالم جميعه ".
(دينسو)
3ـ تجمع كل مراجعنا وأسانيدنا فيما ينسب إلى محمد في شبابه من سيرة
التواضع والاحتشام وطهارة الخلق أنه على صورة نادرة الوجود بين المكيين
" .
(وليم موير ـ في كتابه : حياة محمد )
4ـ إن محمدًا من أكبر مريدي الخير للإنسانية ، فإذا حق لآسيا أن تفخر
بأبنائها فيحق لها أن تفخر بهذا الرجل الجليل الأوحد كل الفخر .. إن
هذا الرسول حرَّم سفك الدماء وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، وأقر
المساواة واستنكر الاستبداد ومنح الإنسان حقوقه ، فلتتذكر أوربا أنها
مدينة بالفضل لهذا الرجل العظيم " .
(جون فونوبرت ـ في كتابه : اعتذار إلى محمد والإسلام )
5ـ يكفي محمدً فخرًا أنه خلَّص أمة ذليلة دموية من مخالب شياطين العادات
الذميمة ، وفتح على وجوههم طريق الرقي والتقدم ، وأن شريعة محمد ستسود
العالم لانسجامها مع العقل والحكمة " .
(تولستوي)
6ـ إني مصمم بالاعتقاد على أنه سيأتي يوم يتفق فيه القوم ، وزعماء
النصرانية على أن محمدًا نبي ، وأن الله بعثه حقـًا للناس كافة بشيرًا
ونذيرًا " .
( بورست سميث)
7ـ إن البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد إليها ، إذ أنه رغم أميته
استطاع قبل بضعة عشر قرنـًا أن يأتي بتشريع سنكون نحن الأوربيين أسعد
ما نكون إذا توصلنا إلى قمته " .
( شبرك النمساوي )
8ـ إن رجال الدين في القرون الوسطى ـ نتيجة للجهل أو التعصب ـ قد رسموا
لدين محمد صورة قاتمة ، لقد كانوا يعتبرونه عدوًا للمسيحية ، لكنني
أطلعت على أمر هذا الرجل فوجدته أعجوبة خارقة ، وتوصلت إلى أنه لم
يكن عدوًا للمسيحية ، بل يجب أن يسمى منقذ البشرية ، وفي رأيي أنه
لو تولى أمر العالم اليوم لوفق في حل مشكلاتنا بما يؤمن السلام والسعادة
التي يرنو البشر إليها " .
( برنادشو)
إعداد ـ يحيى بن أحمد بن علي بني عرابة
معهد العلوم الشرعية
أعلى
أمة الصفاء ..
سيف بن عبدالله الناعبي
أمة الإسلام أمة صفاء ونقاء في العقيدة والعبادات والمعاملات، وقد
نهى النبي عما يوغر الصدور ويبعث على الفرقة والشحناء فقال : لا تباغضوا
ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخواناً، ولا
يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث . وقال حاثاً على المحبة والألفة:
والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا
رواه مسلم وعندما سُئل النبي أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب صدوق
اللسان قالوا: صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي،
لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد ، وسلامة الصدر نعمة من النعم التي
توهب لأهل الجنة حينما يدخلونها: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم
مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ ) وسلامة الصدر
راحة في الدنيا وغنيمة في الآخرة وهي من أسباب دخول الجنة. قال ابن
حزم وكأنه يطل على واقع كثير من المتحاسدين والمتباغضين، أصحاب القلوب
المريضة:
رأيت أكثر الناس ـ إلا من عصم الله وقليل ما هم ـ يتعجلون الشقاء والهم
والتعب لأنفسهم في الدنيا ويحتقبون عظيم الإثم الموجب للنار في الآخرة
بما لا يحظون معه بنفع أصلاً، من نيات خبيثة يضبون عليها من تمنى الغلاء
المهلك للناس وللصغار، ومن لا ذنب له، وتمنى أشد البلاء لمن يكرهونه،
وقد علموا يقيناً أن تلك النيات الفاسدة لا تعجل لهم شيئاً مما يتمنونه
أو يوجب كونه وأنهم لو صفوا نياتهم وحسنوها لتعجلوا الراحة لأنفسهم
وتفرغوا بذلك لمصالح أمورهم، ولاقتنوا بذلك عظيم الأجر في المعاد من
غير أن يؤخر ذلك شيئاً مما يريدونه أو يمنع كونه، فأي غبن أعظم من
هذا الحال التي نبهنا عليها؟ وأي سعد أعظم من الحال التي دعونا إليها.
وكثير من الناس اليوم يتورع عن أكل الحرام أو النظر الحرام ويترك قلبة
يرتع في مهاوي الحقد والحسد والغل والضغينة وبعض الناس يظن أن سلامة
القلب تكمن في سهولة غشه وخداعه والضحك عليه وهذا خلاف المقصود.
قال ابن القيم رحمه الله: ( الفرق بين سلامة الصدر والبله والتغفل:
أن سلامة القلب تكون من عدم إرادة الشر بعد معرفته، فيسلم قلبه من
إرادته وقصده لا من معرفته والعمل به، وهذا بخلاف البله والغفلة فإنها
جهل وقلة معرفة، وهذا لا يحمد إذ هو نقص، وإنما يحمد الناس من هو كذلك
لسلامتهم منه ). والكمال أن يكون عارفاً بتفاصيل الشر سليماً من إرادته
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ( لست بخبِ ولا يخدعني الخب ) وكان
عمر أعقل من أن يُخدع وأروع من أن يَخدَع.
وسلامة الصدر من أسباب دخول الجنة فعن أنس بن مالك قال: ( كنا جلوساً
مع الرسول فقال: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة ، فطلع رجل من الأنصار
تنطف لحيته من وضوئه قد تعلق نعليه في يده الشمال فلما كان الغد قال
النبي مثل ذلك فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث
قال النبي مثل مقالته أيضاً فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما
قام النبي تبعه عبدالله بن عمرو بن العاص فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت
ألا أدخل عليه ثلاثاً، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت فقال:
نعم، قال أنس: وكان عبدالله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم
يره يقوم من الليل شيئاَ غير أنه إذا تعار وتقلب على فراشه ذكر الله
عز وجل وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبدالله غير أني لم أسمعه يقول
إلا خيراً فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله قلت: يا عبدالله
إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر، ولكن سمعت رسول الله يقول لك
ثلاث مرار يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلعت أنت الثلاث مرات
فأردت أن أوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به فلم أرك تعمل كثير عمل،
فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني
لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً ولا أحسد أحداً على خير أعطاه
الله إياه. فقال عبدالله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق ) [رواه
الإمام أحمد]
أعلى
لا للإسراف.. نعم للاقتصاد
قال تعالى:( يا بني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجدٍ وكلوا واشربوا ولا
تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين) 31 الأعراف
عزيزتي المرأة إن العالم ينزلق يوماً بعد يوم إلى مجاعة عالمية لا
يدري المرء مدى أبعادها، فالتغيرات المناخية التي تحيق بالعالم من
كل الجهات أثرت كثيراً في خصوبة الأراضي ومساحاتها الصالحة للزراعة،
ولأن الإنسان لا يمكنه أن يأكل شيئاً إلا من هذه الأرض، حتى الحيوانات
التي يتغذى عليها غذاؤها يأتي من الأرض، فإنه لا بد أن يتأثر بالتغير
المناخي كتأثر المخلوقات الأخرى بهذا التغير، واليوم بدأت تتجلى الأسباب
التي حرم الإسلام لأجلها الإسراف، فإن الإسراف ابتدأ أول ما ابتدأ
من الدول الغربية التي اجتاحتها الثورة الصناعية في نهاية القرن التاسع
عشر وبداية القرن العشرين، والتي ابتدأت أول ما ابتدأت في بريطانيا
في منتصف القرن الثامن عشر، ولكن بعد ذلك انتشرت الثورة الصناعية في
كل أوروبا وأميركا واليابان، وقد قامت هذه الدول بتشجيع المرأة على
العمل لكي تستغلها في تشغيل المصانع التي بدأت تتناسل يوما بعد يوم
إثر الثورة الصناعية، حتى إنهم غرسوا في عقل المرأة أن عاملة بدالة
في مصنع أو مكتب هي أكثر إنتاجا وأكثر ذكاءً وتفوقاً من ربة البيت،
مما أدى بالنساء للرغبة بالعمل وفي أي مجال مما أدى إلى إهمال البيت
فضاع الزوج والأولاد، وأصبحت أخلاقهم في مهب الريح في ظل غياب المربي
الأول في البيت ألا وهي الأم، ولقد تم تشجيع المرأة للعمل في المصانع
لأسباب كثيرة وأهمها أن أجر المرأة أقل من أجر الرجل، وإلى الآن النساء
في أوروبا وأميركا يتقاضين أجراً أقل من الرجال.
عمل المرأة أدى إلى زيادة الدخل للأسر، مما جعلها تسرف في الطلبات
على الغذاء والكماليات، ومن المعروف أن الشعوب الغربية هي من أكثر
الشعوب إسرافاً في العالم، هذا طبعاً قبل أن تدخل الدول العربية وخصوصاً
الخليجية في هذا الماراثون الجنوني في التسابق على الإسراف، وأنا أعترف
لكم أن التعود على الاقتصاد في المصروفات ليس بالأمر السهل في ظل هذه
الظروف التي يعيشها العالم، فما هو كمالي في الماضي تحول بقدرة قادر
إلى ضروري، ولكن يجب أن نحاول ونجمح على الأقل التسابق لاقتناع آخر
الموضات في كل شيء، وبذلك سنؤدي إلى التخفيف من عبء رب البيت الذي
أصبح يرزح تحت الظروف القاسية من ارتفاع للأسعار ومن تسارع الاكتشافات
الجديدة.
طبعاً المصانع همها الأول الربح، ولذلك هي تتفنن في التغيير من صفات
البضائع التي تصنعها، حتى لا تكسد بضاعتها بعدما يصبح كل واحد من البشر
قد اقتناها، ولذلك تغير باستمرار في مواصفات المنتجات ودائما ما تجعل
من الصعب العثور على قطع غيار للأجهزة الالكترونية والكهربائية القديمة،
أو أنها تعمل على رفع أسعار قطع الغيار حتى يفكر الإنسان بشراء الجديد
بدل تكليف نفسه بإصلاح القديم ما دام الفرق لن يكون كثيراً.
وشراء الجديد يؤدي إلى إعدام القديم مما يشكل عبئاً جديداً على البيئة،
كان في الماضي شراء ثلاجة يعتبر نعمة لا تضاهيها نعمة، وتجد المرء
يعمل المستحيل للمحافظة على هذه النعمة، حتى المصانع كانت تعمل بضمير
وكانت تعطيك ثلاجة أو جهاز كهربائي ذات مواصفات عالية تجعله يتحمل
العمل لسنين طويلة، وقد تجد بعض الأجهزة الكهربائية القديمة قد بدأت
تصدأ بينما لا تزال تؤدي دورها المعهود وبنجاح.
أما الآن فأصبحت المصانع تنتج كل ما هو سريع العطل حتى تضمن أن تنفد
بضاعتها وبسرعة، أسباب كثيرة أدت إلى جعل المصانع تفعل ذلك، ومن ضمنها
الفوائد الهائلة التي تسددها أرباحاً للبنوك التي تقترض منها باستمرار
لتصنيع بضاعتها، الأسباب تتداخل مع بعضها مكونة دوامة لا نهاية لها.
والإسراف يؤدي إلى تلويث البيئة أكثر وأكثر، فكلما رمينا فستاناً هذا
يعني أن المصنع سينتج فستاناً آخر من مواد أخرى؛ وصنعه سيؤدي إذا استنزاف
البترول لتدوير آلات المصنع التي ستصنع الفستان، من خيوط وغيره إلى
أن يخرج بالشكل الذي اشتريناه به، وكل ذلك طبعاً يؤدي إلى تلويث البيئة،
حتى رمي الفستان القديم فيه تلويث للبيئة، ألم أقل لكم أن أسباب تحريم
الإسراف بدأت تتضح أسبابه اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى.
حتى اسرافنا في استهلاك الصابون يؤدي إلى تلويث البيئة، من ناحية تصنيعه
ومن ناحية استهلاكه، ففي الماضي كانت النساء تغسل بيديها ولذلك كانت
لا تبدل ملابسها وملابس الأولاد كلما اتسخت قليلا، وكان كل أفراد البيت
يراعون هذه النقطة، ولكن الآن ومع توفر الغسالة الكهربائية أصبح تغيير
الملابس ـ حتى وإن لم تكن متسخةـ لا يشكل عبئاً إلا على البيئة، وعلى
الشغالة إن وجدت، فهي ستقضي جل وقتها في ترتيب الملابس وكيها كلما
كان لا يوجد عمل آخر في البيت.
وقد بينت الدراسات أن إسرافنا في تنظيف أولادنا يضعف جهازهم المناعي!
والإسراف في الماء والكهرباء يشكل عبئاً ثقيلاً على البيئة، وعلى جيوبنا،
ولو نفد النفط قبل أن يكون هناك بديلاً له فإن كل الحياة ستتوقف؛ فتوليد
الكهرباء وتحلية المياه يحتاجان إلى طاقة، إذن يجب أن نقتصد على الأقل
حتى يتم اكتشاف مصدراً للطاقة نظيف ومضمون بديلا عن النفط.
وقد كان في الماضي الإسراف يقتصر على المرأة فقط، وكان الرجل يحاول
أن يكبح جماحها بتخفيض المصاريف، أو إعطاؤها بالتقطير بالرغم أن مطالبها
كانت تعتبر لا شيء مقارنة بمطالبها اليوم أما الآن فإن الرجل يتساوى
مع المرأة في الإسراف مما زاد العبء على البيئة أكثر فأكثر، ولذلك
عزيزتي المرأة يجب أن ترجعي لعقلك الذي فطرك الله به، وذلك بأن تجمحي
رغبة الإسراف التي بدأت تزداد يوماً بعد يوم، وزوجك إذا رآك تقتصدين
في كل شيء لا بد أنه سيسعده ذلك وسيخفف من إسرافه أيضاً، فمفتاح البيت
أصبح اليوم في جيبك، تتسوقين على راحتك، وتلبسين وتطبخين كل ما يروق
لك، ولكن في كل مرة تتسوقي فيها تذكري هل فعلاً أنت محتاجة لكل هذه
الملابس والإكسسوارات؟ وهل هي لا يمكن الاستغناء عنها؟؟ فكري جيداً
قبل أن تُحملي عربة تسوقك بما لذ وطاب، اسألي نفسك هل الدنيا تستحق
أن نعطيها كل هذا الاهتمام بالمأكل والمشرب؟ فنحن نأكل لكي نعيش، ولا
نعيش لكي نأكل، فلقيمات قليلة تكفي لإعاشة هذا البدن ولا تصدقي الذين
يأمرونك بالأكل حتى لا تتعرضي لفقر الدم، وللشعور بالتعب والإرهاق،
ولكن صدقي خبراء التغذية عندما يقولون أن نوع الطعام الذي نأكله أهم
من كميته، إذن فلنأكل ما هو مفيد وما يجعل هذا الجسم يمشي ويتحرك،
ولأن النفس البشرية مجبولة على الملل حاولي أن تغيري في الأطباق التي
تعدينها ولكن بلا إسراف.
وتذكري عزيزتي أن إسرافك في تحضير كميات كبيرة من الطعام يحرم آخرين
منه، والأكل الكثير يربك المعدة، مما يؤدي إلى تدهور الصحة، ووضع الطعام
الزائد في الثلاجة غير صحي، إذن فكري بالمقادير التي تحتاجها أسرتك
قبل أن تطبخي.
عزيزتي المرأة أرجو أن تفكري في كلامي هذا وتجعلينه نصب عينيك كلما
دخلت المطبخ أو السوق؛ حتى لا نورث عادة الإسراف لأولادنا، وبذلك لن
يستطيع أحفادنا العيش بسلام في هذا الكوكب.
فالإسراف هو السبب الرئيسي للتغيرات المناخية، والسبب الرئيسي لمحق
النعمة، والسبب الرئيسي للأزمة الاقتصادية التي يمر بها العالم، والسبب
الرئيسي للمجاعات وتصحر البيئة وقلة الموارد المائية، أو كثرتها في
أماكن أخرى مما تؤدي إلى جرف التربة، ادخري حتى لا تتفاقم المشكلة.
عزة بنت محمد الكمياني
azza2002@live.com
أعلى
|