|
فتاوى وأحكام
*امرأة عندما تنوي الصلاة تأتيها رعشة قوية جداً لا تستطيع معها إكمال
الصلاة قال البعض إن ذلك مس من الجان، فهل هو فعلاً مس من الجان؟ وماذا
تفعل؟
**الغيب لله تعالى، ولتستعذ بالله من شر الجنة والناس، ولتتلو آية
الكرسي والمعوذتين قبل دخولها في الصلاة، ونسأل الله تعالى لها العافية.
*نذر ان جاءه ولد أن يذبح جملاً فأتت زوجته بسقط وكان ميتاً، فما الحكم
في هذه الحالة؟
**إن كان قصد ذلك الحمل بعينه إن رزق مولوداً حياً من ذلك الحمل بعينه
ففي هذه الحالة ليس عليه شيء، أما إذا كان نوى في أي وقت يرزق مولوداً
عليه أن ينحر جملاً أي نذر لله بذلك ففي هذه الحالة عليه أن يفي بنذره.
*ما المقصود بكلمة الذكر في قوله تعالى (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) (طـه: من الآية124)؟
**القرآن يفسر بعضه بعضا فالله تبارك وتعالى ذكر الذكر الذي يُعرَض
عنه (وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ
فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً * خَالِدِينَ فِيهِ
وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً) (طـه:99-101)، ( وَقَدْ
آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً ) أي القرآن الكريم، (وَإِنَّهُ
لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) (الزخرف: من الآية44)، فمن أعرض عن هذا
الذكر فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى.
*امرأة تتفكر في خلق الله تعالى وتشعر بعظمة
الله لكنها في أحياناً أخرى يتداخلها وسواس ويغزوها الشيطان فيبعدها
عن التفكر في هذه العظمة؟
**الأصل أن الكون كله مسرح لاعتبار الإنسان،
فإن كل ذرة من ذرات الكون ـ كما يقول أحد علمائنا ـ هي كلمة من كلمات
الله، ناطقة بوجود الله، دالة على شهود عظمته سبحانه وتعالى، وما عداها
فهو كالشرح لتلك الكلمة، فكل ذرة من ذرات الكون فيها دلائل شتى على
وجود الله، ودلائل متعددة على وحدانيته سبحانه، ودلائل متعددة على
عظمته وقدرته وجلاله وعلمه، فإن كل الكائنات تدل على الله تبارك وتعالى
وصفاته من خلال إن الإنسان يرى أن كل ما في الكون مصنوع حادث كان بعد
أن لم يكن، فالذرة بتراكيبها بحيث إن فيها نواة وفيها الكترونات تدور
من حولها وفيها من النيوترونات وغيرها ما هو مقدر تقديراً عجيباً،
ذلك كله شاهد على أن الله تبارك وتعالى هو الذي أوجد هذه الذرة وهو
الذي خلقها، فهي معربة بلسان حالها عن افتقارها إلى واجب الوجود لذاته
سبحانه وتعالى الذي تجلى في كل موجود وجوده وغمر الكون كله شهوده .
وعندما ينظر الإنسان أيضاً إلى ما فوق هذه الذرات، عندما ينظر إلى
العناصر وكيف تتكون من هذه الذرات وكيف تلتئم وتتحد بمشيئة الله سبحانه
وتعالى، وعندما ينظر بعد ذلك إلى المركبات وينظر إلى الأجسام وينظر
إلى الأجرام الفلكية وغيرها يأخذه العجب ويرى كيف الرباط الذي يربط
ما بين هذا الكون المترامي الأطراف الواسع الأرجاء بحيث إنه مع هذه
السعة التي تفوت مدارك البشر لا يخرج عن كونه وحدة متكاملة كل جزء
منه مكمل لبقية الأجزاء وفي ذلك دلالة واضحة على وحدانية الله تعالى،
لأن وحدة نظام الكون دليل على أنه صادر عن مكون واحد.
ولذلك نحن نرى في كتاب الله سبحانه عندما ذكر الله عز وجل وحدانيته،
عندما وصف نفسه بالوحدانية حيث قال (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا
إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) (البقرة:163)، أتبع ذلك
قوله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ
النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا
بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ
وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ
وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة:164)، فإن كل ما
ذكر في هذه الآية الكريمة إنما يدل على وحدانية الله سبحانه .
ومثل ذلك أيضاً قوله تبارك وتعالى (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ
عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ
* أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا
كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ
هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ
خِلالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ
حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
* أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ
وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً
مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ
مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (النمل:59ـ 63).
فإذاً الكون كله إنما هو مسرح لاعتبار الإنسان إذ تتجلى له عظمة المعبود
تبارك وتعالى، وتتجلى له في نظرته إلى نظام هذا الكون وحدانيته سبحانه،
ويتجلى له علمه سبحانه وتعالى وقدرته وحياته وإرادته ومشيئته لأن ذلك
كله مما يدل على أن مكون هذا الكون قد أحاط بكل شيء علما وقد أحاط
بكل شيء قدرة، وأنه لا يخرج شيء من هذا الكون عن إرادته سبحانه، فالإنسان
من خلال نظرته إلى هذه الكائنات تتجلى له الحقائق الغيبية كما هي،
تتجلى له عظمة الله سبحانه وتعالى وصفاته العظيمة وبهذا يكون الإنسان
موصولاً بالله .
أما الوسوسة التي يمليها الشيطان على الإنسان فإن على المؤمن أن يستعيذ
بالله تعالى من هذه الوسوسة مهما طرأت عليه وأن يغالبها ، فالله تعالى
يقول (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ
بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا
مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ)
(الأعراف:200ـ201) ، فهكذا شأن المتقين إذا ألمّ بهم شيء من الشيطان
أن يتذكروا ويتراجعوا ويدركوا وسوسة الشيطان وشره ومكائده وما يريده
بهم إلى آخر ذلك ، فهذا كله مما يجب أن يتفطن له الإنسان .
ومهما يكن فإن الإنسان الذي يحس بعظمة الله تبارك وتعالى من خلال نظرته
إلى الكائنات ويحس بنعمته سبحانه وتعالى تغمره من خلال نظرته إلى ما
سهّل له في خلال الكون فإنه يكون موصولاً بربه، فالإنسان يُطلب منه
أن يمعن فكره في هذه الحقائق ليدرك أنه أفقر ما يكون إلى الله سبحانه
وتعالى في جميع أحواله فهو تبارك وتعالى يقول مذكّراً لعباده (قُتِلَ
الأِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ
خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ
فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ * كَلا لَمَّا يَقْضِ
مَا أَمَرَهُ * فَلْيَنْظُرِ الأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا
صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا
فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ
غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ)
(عبس:17 ـ32) .
الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات يذكّر الإنسان أولاً بنعمة خلقه
إياه، فقد خلق البشر من عدم، وخلقه من أمر مهين جداً في منتهى المهانة،
من خلية وهي المُعبّر عنها بالنطفة وهي من دقتها وحقارتها تنظر بالمجهر
ولا تكاد تبصر، فهذه الخلية طوره الله سبحانه وتعالى بعد أنه خلقه
منها طوراً بعد طور حتى كانت هذه ملايين الملايين من الخلايا التي
هي في جسم الإنسان وهي متنوعة ولها وظائف متعددة بقدر حاجة الإنسان
إليها، ثم إنه مع ذلك وجد بينها هذا الانسجام، ثم مع هذا وُجد أيضاً
في الإنسان ذلكم السر الغيبي وهو نفخ الله تبارك وتعالى فيه من روحه
بحيث تحول إلى كائن آخر فصار فيه الإحساس وصارت فيه المدارك، وبعد
ذلك خرج إلى هذا الكون وأخذ يتدرج في مدارج الرقي شيئاً بعد شيء، حواسه
الظاهرة والباطنة تنمو ومداركه تنمو وقواه تنمو فإذا به بشر سوي سميع
بصير عليم قدير يتصرف بإرادة ويستطيع أن يُحكم الأمور التي يحتاج إلى
إحكامها في حياته وهكذا .
هذا مما يدعوه إلى الاعتبار، ثم مع ذلك تطور هذا الإنسان طوراً بعد
طور وأخذ ينتكس في أطواره الأخيرة (وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ
فِي الْخَلْق) (يّـس: من الآية68)، ثم يموت بعد ذلك ثم يقبر، ثم مع
هذا كله أيضاً يُذكّر هذا الإنسان بنعمة الغذاء الذي يسره الله تعالى
له، فالإنسان بحاجة إلى الغذاء، والغذاء هو ميسر للإنسان بقدر حاجة
الجسد، فما كانت الحاجة إليه أدعى كان أكثر يسرا، نحن لا نستغني في
جميع الأحوال عن الهواء في نومنا وفي يقظتنا في حركتنا وفي سكوننا
في ذكرنا وفي غفلتنا، وجعل الله تعالى في هذه الأحوال هذا الهواء ميسراً
يستنشقه الإنسان في نومه وفي يقظته في ذكره في غفلته في حركته وفي
سكونه من غير أي عناء ومن غير أي ثمن .
ثم تأتي بعد ذلك الحاجة إلى الماء ثم تأتي بعد ذلك الحاجة إلى الطعام
وهكذا يبين الله تعالى (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ)
كيف يُسر هذا الطعام، مر بمراحل كثيرة (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ
صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا
حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ
غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ)،
من الذي يسّر ذلك، من الذي أنزل هذا الماء، لو أن الله سبحانه وتعالى
أمسك قطر السماء من يستطيع أن ينزل ما أمسكه الله تعالى؟ لو أن الله
تعالى جعل هذه الأرض تتشقق وتغور المياه التي فيها إلى أبعاد لا يمكن
أن يتوصل إليها الإنسان من الذي يستطيع أن يسترد هذا الذي ذهب الله
به (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ
بِمَاءٍ مَعِينٍ) (الملك:30).
فإذاً هذا كله مما يدعو هذا الإنسان إلى أن يكون كثير الاعتبار بهذا
كله شاكراً نعمة الله تعالى عليه، يحس ويشعر في جميع أحواله أن نعم
الله تعالى تغمره لا يستطيع أبداً أن يفي بأقل جزء من أقل نعمة من
هذه النعم ولو وقف حياته كلها على طاعة الله وعبادته من أولها إلى
آخرها فكان لسانه ذاكراً دائماً لربه وكانت كل جارحة من جوارحه تعمل
بطاعة الله لما استطاع مع هذا كله أن يفي بشكر أقل نعمة بل أقل جزء
من أقل نعمة من هذه النعم العظيمة، والله تعالى المستعان.
يجيب عن أسئلتكم
سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي
المفتي العام للسلطنة
أعلى
الاحتفال بالمولد النبوي
البرعي: الاحتفال بمولد النبي تذكير للناس بـ"نعمة
عظيمة"
القرضاوي: نحن بحاجة إلى هذه الدروس والاحتفال هو تذكير الناس
بهذه المعاني لأن من ورائه ثمرة إيجابية تربط المسلمين بالإسلام
وبسيرة النبي صلى الله عليه وسلم
أيمن حسين:
تحل علينا في الثاني عشر من ربيع الأول من كل
عام الذكرى العطرة لمولد المصطفى صلى الله عليه وسلم، وسط فرحة جماهير
الأمتين العربية والإسلامية، التي تنتظر تلك المناسبة من العام للعام
كي تحتفل بالنور الذي أضاء ظلام البشرية، وذلك وسط اختلافات كبيرة
من العلماء في الكيفية التي يتم بها الاحتفال، وفيما يلي عرض لأهم
تلك الآراء التي تناولت مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي الشريف:
أمر مباح
بداية يؤكد الدكتور الأمير البرعي الباحث في شئون آل البيت وأحد أئمة
مساجد الأزهر ان الاحتفال بالمولد النبوي الشريف أمر محمود ومطلوب.
ويضيف البرعي أن الاحتفال بمولد النبي تذكير للناس بـ"نعمة عظيمة"
مؤكدا أن "التذكير بالنعم مشروع ومحمود ومطلوب والله تعالى أمرنا
به في القرآن الكريم".
وأبدى الأمير في الوقت نفسه استنكاره للاحتفالات التي "تخالطها
منكرات ومخالفات شرعية" داعيا إلى ضبط مظاهر الاحتفال بمولد النبي،
والمتمثلة في الزحام الشديد.
وفي نفس السياق يؤكد مفتي الديار المصرية فضيلة الدكتور علي جمعة أن
المولد النبوي الشريف إطلالة للرحمة الالهية بالنسبة للتاريخ البشري
جميعه، فلقد عبر القرآن الكريم عن وجود النبي صلى الله عليه وآله وسلم
بأنه "رحمة للعالمين"، وهذه الرحمة لم تكن محدودة فهي تشمل
تربية البشر وتزكيتهم وتعليمهم وهدايتهم نحو الصراط المستقيم وتقدمهم
على صعيد حياتهم المادية والمعنوية، كما انها لا تقتصر على أهل ذلك
الزمان بل تمتد على امتداد التاريخ بأسره "وآخرين منهم لما يلحقوا
بهم" "الجمعة 3".
ويضيف أن الاحتفال بذكرى مولد سيد الكونين وخاتم الانبياء والمرسلين
سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم من افضل الاعمال واعظم القربات،
لأنها تعبير عن الفرح والحب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومحبة
النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصل من أصول الايمان، وقد صح عنه انه
صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا يؤمن احدكم حتى أكون أحب إليه
من والده وولده والناس أجمعين" رواه البخاري.
ويؤكد فضيلته أن الاحتفال بمولده صلى الله عليه وآله وسلم أمر مقطوع
بمشروعيته، لأنه أصل الأصول ودعامتها الاولى، فقد علم الله سبحانه
وتعالى قدر نبيه، فعرف الوجود بأسره باسمه وبمبعثه وبمقامه وبمكانته
فالكون كله في سرور دائم وفرح مطلق بنور الله وفرجه ونعمته على العالمين
وحجته.
وقد درج سلفنا الصالح منذ القرن الرابع والخامس على الاحتفال بمولد
الرسول الأعظم صلوات الله عليه وسلامه بإحياء ليلة المولد بشتى انواع
القربات من إطعام الطعام وتلاوة القرآن والاذكار وإنشاد الأشعار والمدائح
في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كما نص على ذلك غير واحد من
المؤرخين مثل الحافظين ابن الجوزي وابن كثير، والحافظ ابن دحية الأندلسي،
والحافظ ابن حجر وخاتمة الحفاظ جلال الدين السيوطي رحمهم الله تعالى.
وسطية واعتدال
من جانبه يرى فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي ـ رئيس الاتحاد العالمي
لعلماء المسلمين ـ أن هناك لوني من الاحتفال يمكن أن نقره ونعتبره
نافعاً للمسلمين، ونحن نعلم أن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا
يحتفلون بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا بالهجرة النبوية ولا
بغزوة بدر، لأن هذه الأشياء عاشوها بالفعل، وكانوا يحيون مع الرسول
صلى الله عليه وسلم، كان الرسول صلى الله عليه وسلم حياً في ضمائرهم،
لم يغب عن وعيهم، كان سعد بن أبي وقاص يقول: كنا نروي أبناءنا مغازي
رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نحفِّظهم السورة من القرآن، بأن
يحكوا للأولاد ماذا حدث في غزوة بدر وفي غزوة أحد، وفي غزوة الخندق
وفي غزوة خيبر، فكانوا يحكون لهم ماذا حدث في حياة النبي صلى الله
عليه وسلم، فلم يكونوا إذن في حاجة إلى تذكّر هذه الأشياء.
ثم جاء عصر نسي الناس هذه الأحداث وأصبحت غائبة عن وعيهم، وغائبة عن
عقولهم وضمائرهم، فاحتاج الناس إلى إحياء هذه المعاني التي ماتت والتذكير
بهذه المآثر التي نُسيت، صحيح اتُّخِذت بعض البدع في هذه الأشياء ولكنني
أقول إننا نحتفل بأن نذكر الناس بحقائق السيرة النبوية وحقائق الرسالة
المحمدية، فعندما أحتفل بمولد الرسول فأنا أحتفل بمولد الرسالة، فأنا
أذكِّر الناس برسالة رسول الله وبسيرة رسول الله.
نحن في حاجة إلى هذه الدروس فهذا النوع من الاحتفال تذكير الناس بهذه
المعاني، أعتقد أن وراءه ثمرة إيجابية هي ربط المسلمين بالإسلام وربطهم
بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم ليأخذوا منه الأسوة والقدوة، أما الأشياء
التي تخرج عن هذا فليست من الاحتفال؛ ولا نقر أحدًا عليها. لذلك كله
فإن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف جائز إذا انتفت المحرمات التي
تصاحب هذا الاحتفال .
نخلص من ذلك إلى أن الاحتفال بالمولد النبوي جائز ولكن بشرط ألا يخرج
عن التعاليم التي تمدنا بها الشريعة الإلهية وتعاليم رسولنا الكريم
صلى الله عليه وسلم، بحيث تتحقق لنا الفائدة المرجوة من وراء الاحتفال
بمولد الهادي صلى الله عليه وسلم.
وكالة الأنباء العربية
أعلى
فضله صلى الله عليه وسلم على الأنبياء
عن جابر بن عبدالله أن رسول الله. صلى الله عليه
وسلم قال: أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر،
وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فايما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلي,
وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث
إلى قوه خاصة، وبُعثتُ إلى الناس عامة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (بُعثت بجوامع الكلم ونصرت بالرعب،
وبينما أنا نائم رأيتني أتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فوضعت في يدي.
وعن أُبي بن كعب قال: كنت في المسجد فدخل رجل فصلى فقرأ قراءة أنكرتها
عليه ثم دخل آخر فقرأ قراءة، سوى قراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة دخلنا
جميعا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها
عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه فأمرهما رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقرآ فحسن النبي صلى الله عليه وسلم شأنهما, فسقط في نفسي من
التكذيب.
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد غشيني ضرب في صدري ففضت
عرقا فقال لي يا أُبي: أُرسل إلي ان أقرأ القرآن على أحرف فرددت إليه:
ان هون على أمتي، فرد إلي الثانية اقرأه على حرفين فرددت إليه، أن
هون على أمتي. فرد إلي الثالثة، اقرأه على سبعة أحرف فلك بكل ردة رددتها
مسألة تسألنيها: فقلت اللهم اغفر لأمتي, اللهم اغفر لأمتي. وأخرت الثالثة
ليوم يرغب إلي الخلق كلهم حتى إبراهيم عليه السلام: انفرد بإخراجه
الإمام مسلم رحمه الله تعالى.
وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (آتي باب الجنة يوم
القيامة فاستفتح فيقول الخازن من أنت؟ فأقول محمداً. فيقول بك أمرت
ألا افتح لأحد قبلك انفرد باخراجه مسلم.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنا
أول الناس خروجا إذا بعثوا، وانأ خطيبهم إذا وفدوا، وانأ مبشرهم إذا
يئسوا لواء الحمد بيدي وانأ أكرم ولد ادم على ربي ولا فخر. رواه الترمذي.
قال ابن الانباري المعنى: أنى لا أتكبر بهذه الأوصاف وإنما أقولها
شكرا لربي ومنبها أمتي على إنعامه علي: وقال ابن عقيل: إنما نفي الفخر
الذي هو الكبر الواقع في النفس المنهي عنه الذي قيل فيه: (إن الله
لا يحب كل مختال فخور) سورة لقمان آية:18 ولم ينف فخر التجمل بما ذكره
من النعم التي بمثلها يفتخر ومثله قول الله تعالى (إن الله لا يحب
الفرحين) سورة القصص آية 76
قال الخطابي ما زلت أسأل عن معنى قوله لواء الحمد بيدي: حتى وجدته
في حديث يروى عن عقبة بن عامر، أن أول من يدخل الجنة الحمادون لله
على كل حال، يعقد لهم لواء فيدخلون الجنة.
وقد روى مسلم في إفراده من حديث أنس بن مالك ان النبي صلى الله عليه
وسلم قال أنا أول الناس يشفع يوم القيامة وأنا أكثر الأنبياء تبعا
يوم القيامة, وأنا أول من يقرع باب الجنة.
صلى الله عليك وسلم سيدي يا رسول الله. يا من جعلك الله خاتم الأنبياء
والمرسلين, ويا من بعثك الله رحمة للعالمين. ويا من بمولدك غيرت خريطة
العالم أجمع فأخرجت الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربك العلي العظيم.
وُلِدَ الهدى فالكائناتُ ضياءُ وفم الزمان تبسم وثناء
ومحمد خير خلق الله والعجم محمد خير من يمشى على القدم
اللهم ارزقنا شفاعته واحشرنا في زمرته اللهم آمين ـ صلى الله على محمد
ـ صلى الله عليه وسلم، والحمد لله رب العالمين.
إبراهيم السيد العربي
أعلى
مولد الهادي البشير
ولد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولكن ولادته
وخروجه من بطن امه آمنة بنت وهب ليس كميلاد أي طفل من الاطفال ولكن
ميلاده عليه الصلاة والسلام كان ايذانا من الله العلي القدير بالتغيير
الكبير في حياة الخلق اجمعين وبالاخص الثقلان الانس والجن لأن الله
تعالى جعله رحمة للعالمين جميعا (وما ارسلناك الا رحمة للعالمين) حقا
انه ليس كطفل كسائر الاطفال الذين يولدون ولكنه نور من الله العلي
القدير شاءه ربه في الازل ان يمحو به الضلالة والجهالة والعمى هذه
الآفات التي جثمت على الدنيا وشاءه الله ان يدحر به الشيطان وان يدفع
به الشر والبغي والطغيان وان يكسر به شوكة الظلم عن اناس ضعفاء كانوا
مستضعفين في الارض ومجتمعا متخلفا وبالاخص في هذه الجزيرة العربية
لأنه لا سلطان الا للقوي فهو مجتمع سادته البداوة وسادته ملة واحدة
وهي عبادة احجار صماء لا تنفع ولا تضر، فهم لا يعرفون بعثا ولا حسابا
ولا مصيرا ابديا في الآخرة ولا يعرفون للمرأة حقوقا. فبعضهم ملازم
لشرب الخمر او لعب الميسر وكانوا يستقسمون بالازلام، ومعنى الازلام
السهام هي ان احدهم اذا اراد فعل شيء او السفر الى مكان يخرج سهما
من كنانته فان خرج سهم به افعل مضى واذا خرج به لا تفعل اخر ورجع وكانوا
قبائل متنافرة ومختلفة ولكن بعضهم اتصفوا بالشهامة والكرم واقراء الضيف
وحماية الجار واغاثة المستجير ومنهم من ثبت يعبد الله تعالى على ملة
ابراهيم الخليل ـ عليه السلام ـ كورقة بن نوفل ابن عم خديجة بنت خويلد
ام المؤمنين رضي الله عنهما.
وكان العبيد ايضا مستضعفين يسخرهم مواليهم وسادتهم للاعمال الشاقة.
ولكن كانت هناك حضارة في اليمن وفي الشام والعراق فاليمن والعراق كانتا
تحت وطأة الفرس والشام كانت تحت حكم الروم فلما اراد الله لهذه الامة
الانقاذ من التهلكة وانتشالها من عمق الهوة العظيمة بعث محمداً عليه
الصلاة والسلام ليكون منقذا وهاديا ونورا مستضاء الى الطريق المستقيم
فهو ـ صلى الله عليه وسلم ـ دعوة ابراهيم الخليل وبشارة عيسى بن مريم،
اما دعوة ابراهيم عليه السلام قال الله تعالى في الآية الكريمة (129)
من سورة البقرة (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم
الكتاب والحكمة ويزكيهم انك انت العزيز الحكيم).
وذلك حينما رفع ابراهيم عليه السلام وابنه اسماعيل قواعد بيت الله
(الكعبة المشرفة) وبعد ان رفعا قواعد البيت فهو (صلى الله عليه وسلم)
ينتمي نسبه الى اسماعيل عليه السلام، اما بشارة عيسى بن مريم عليه
السلام فقد قال الله تعالى في سورة الصف في الآية الكريمة (6) (وَإِذْ
قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ
اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ
وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا
جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (6).
فالنبي عيسى عليه السلام آخر انبياء بني اسرائيل اذ لا نبي بعده منهم
وكتابه الذي انزله الله عليه هو الانجيل وهو آخر الكتب الذي انزلها
الله على بني اسرائيل كما ان التوارة انزلت على موسى والزبور على داؤود
وكذلك صحف ابراهيم وموسى ـ عليهما السلام ـ فقد بشر الله بهذا النبي
العظيم في التوارة والانجيل فصفته (صلى الله عليه وسلم) مكتوبة في
هذه الكتب وانه يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم
والاغلال التي كانت على الامم الذين من قبلهم أي الاغلال التي كانت
عليهم، والاصر هي التكاليف الصعبة كقتل النفس في توبتهم وقيل ذنبهم
الذي عملوه فيضعه عنه بغفرانه لهم.
اما الاغلال فهي الاحكام الشاقة التي كانت عليهم في دينهم (التفسير
الميسر للقرآن الكريم ـ الجزء الاول ـ للعلامة الرضي الشيخ سعيد بن
احمد بن سعيد الكندي) الآية (157) (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي
الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم
عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والاغلال
التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذين
انزل معه اولئك هم المفلحون) فالذين آمنوا به هو النبي الامي والنور
الذي انزل معه هو القرآن العظيم.
جعله الله امياً لا يقرأ ولا يكتب فقومه عرفوا اميته وعرفوا عنه الصدق
في القول والفعل ولكن الذين اغواهم الشيطان لم يحالفهم الحظ من اتباعه
فاستمروا على كفرهم وضلالهم وتكذيبهم فقد خسروا آخرتهم.
وكذلك هو رؤيا امه آمنة بنت وهب رأت رؤيا وقالت (كأني خرج مني نور
او سراج او شهاب ـ روايات ـ أضاء به قصور بصرى) ويروى قصور الشام.
انتهى النص من السيرة الجامعة من المعجزات اللامعة
للامام القطب محمد بن يوسف اطفيش رحمه الله تعالى.
بعثه الله على فترة من الدين وانقطاع من الوحي فهو آخر الانبياء بصورته
واولهم بمعناه ـ بعثه الله نبيا وآدم عليه السلام بين الطين والماء
ارسله الله بشير ونذيرا وهاديا وسراجا منيرا لينير للعالمين طريق الحق
وسبيل الرشد، بعثه الله الى العرب خاصة وللعالمين عامة، وايده الله
بالمعجزات العظيمة الباهرة واعظم هذه المعجزات القرآن العظيم الذي
لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد فقد تحداهم
الله تعالى بأن يأتوا بمثله او بعشر سور منه او حتى بسورة منه فعجزوا
عن ذلك ونصره الله بالملائكه المسومين في بدر وفي الاحزاب وغيرها من
المعارك وانزل السكينة عليه وعلى المؤمنين واحل له الغنائم وكانت لا
تحل لمن قبله وايده الله بالاسراء ليلا من المسجد الحرام الى المسجد
الاقصى في فلسطين ثم بالعروج الى السموات العلا.
وقبل مولده عليه الصلاة والسلام اهلك الله ابرهة وجيشه العظيم حينما
جاء ليهدم الكعبة المشرفة فأهلكوا كلهم عن بكرة ابيهم وكان معهم الفيل
فسميت بحادثة الفيل وسمى الله بهذه الحادثة احدى سور القرآن الكريم
(سورة الفيل) قال الله في اولها بعد البسملة (الم تر كيف فعل ربك بأصحاب
الفيل ـ الى آخر هذه السورة) سورة الفيل.
وبعد هذه الحادثة (قصة اصحاب الفيل) صارت لقريش مكانة رفيعة وصارت
مكة المكرمة لها منعة وصار للكعبة المشرفة شأنها العظيم فاليها يحج
الناس الى يوم القيامة.
كما خص الله نبيه بقبلة غير قبلة بيت المقدس اثناء الصلاة قال الله
تعالى:(قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولّ وجهك
شطر المسجد الحرام) أي التوجه نحو الكعبة المشرفة اثناء تأدية الصلاة.
وجعل امته خير امة اخرجت للناس فهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر
ما داموا كذلك. فهم الحامدون لربهم والراكعون والساجدون.
هذا قليل من كثير وباختصار شديد فيما ذكرته بمناسبة مولد سيد الخلق
محمد (صلى الله عليه وسلم) وعلى آله وصحبة أجمعين.
إعداد ـ احمد بن سعود بن سليمان الكندي
أعلى
|