قضــايا
القدس عاصمة العرب وعاصمة الثقافة.. وعقدة
الأمن الاسرائيلية
بعد فترة وجيزة من حربها الغاشمة على قطاع
غزة، وما صاحبتها من فضح للممارسات الإسرائيلية، عاودت إسرائيل مرة
ثانية التأكيد على أنها دولة خارجة عن القانون والأخلاق، ودولة لا
تحترم الآخر ولا تتعامل معه، فإسرائيل صارت تنظر إلى كل من يخالفها
الرأي والمعتقد على أنه عدو لا يجب التعامل معه، بل ويجب محاربته
بكل الوسائل المتاحة.
لقد صارت عقدة الأمن والوجود تحكم التصرفات الإسرائيلية، وهي عقدة
إن تمكنت من القيادات الإسرائيلية الآن وفي المستقبل، فإنها كفيلة
بالقضاء على إسرائيل من الأساس، إذ من شأن المبالغة في الإجراءات
الأمنية، والخوف من الانفتاح على العالم أن يدمر إسرائيل داخلياً
وخارجياً من الأساس.
عاصمة الثقافة
في هذا الإطار جاءت الاعتراضات الإسرائيلية الشديدة على اختيار العرب
للقدس كعاصمة للثقافة العربية، لدرجة جعلها تؤجج المدينة بالجنود
منعاً لقيام أية احتفالات في المدينة المقدس، تعكس روحها العربية،
وتعيد تذكير العرب والمسلمين بالتاريخ المشرق للمدينة على مر التاريخ.
فإسرائيل التي بذلت وتبذل جهوداً مضنية من أجل طمس الهوية العربية
والإسلامية للقدس تتعمد منع احتفالية القدس عاصمة للثقافة من أجل
تحقيق عدة أمور أهمها:
أولاً: التأكيد على أن القدس عاصمة إسرائيل ولا حق للعرب فيها، فكما
يعلم الجميع تتعمد إسرائيل منذ أن احتلت فلسطين قلب الحقائق رأساً
على عقب، وذلك من أجل أن يعلم الرأي العام العالمي الا حق للفلسطينيين
في أراضيهم، وأن كل ما ينادوا به ليس إلا محض افتراء، وقد نجحت في
ذلك بدرجة كبيرة وصلت لحد عدم معرفة كثير من الشعوب لدولة كانت تسمى
فيما مضي فلسطين، وذلك بسبب امتلاكها لآلة إعلامية قادرة على النفاذ
للرأي العام في كثير من دول العالم خاصة المتقدمة منها.
لذلك فإن من شأن قيام الدول العربية لاختيار القدس عاصمة للثقافة
العربية أن تمثل مشكلة كبيرة لإسرائيل، لأنها لا تؤثر بالسلب على
سنوات وعقود طويلة من الأكاذيب التي تحاول إسرائيل تحويلها لحقائق،
ولكن لأن من شأن ذلك أن يوجد جيل جديد من الشباب العربي والفلسطيني
بل والعالمي، يؤمن بأن القدس عربية وإسلامية ولا حق لإسرائيل فيها.
ثانياً: منع العرب والمسلمين من القيام بأي أنشطة مستقبلية تتعلق
بالقدس، خوفاً من أن يؤدي ذلك للفت الأنظار إلى المدينة المقدسة
وما يتم فيها من انتهاكات مستمرة وحفريات قد تؤثر علي المسجد الأقصى،
فكما يعلم الجميع تقوم إسرائيل ومنذ فترة طويلة بعمل حفريات تحت
المسجد الاقصى، مستغلة انشغال العالم بالمآسى التي يتعرض لها الفلسطينيون
في الضفة الغربية وقطاع غزة لاستكمال مخططاتها الخاصة بهدم المسجد
الأقصى، وذلك من أجل إعادة بناء هيكلهم المزعوم.
ثالثاً: نشر الإحساس بالضعف والمهانة في نفوس المسلمين، حيث تعنى
عملية المنع فيما تعني أننا غير قادرين على ممارسة أي نشاط داخل
المدينة المقدس، وأننا لا نملك دفع إسرائيل لاحترام الأديان وترك
المسلمين للممارسة النشاطات السلمية في المدينة المقدسة، وإن كان
ذلك يضر بسمعة إسرائيل التي لا تحترم الأديان السماوية وتحول بين
منتسبيها وبين القيام بأية ممارسات داخل المدينة، وذلك على العكس
تماماً مما كان يحدث اثناء الحكم الإسلامي لفلسطين، حيث كانت حرية
العبادة مكفولة للجميع بما في ذلك اليهود، وكلنا يذكر الكلمات العظيمة
للرئيس الراحل أنور السادات عندما قال لرئيس الوزراء الإسرائيلي
أنذاك بيجن "القدس لكل الأديان" وذلك في إشارة لروحانية
وعالمية المدينة، إلا أن إسرائيل تصر على إثبات مخالفتها للشرائع
والمواثيق الدولية الخاصة بتلك المدينة المقدسة.
دعاوى زائفة
الحقيقة أن القارئ للتاريخ يتأكد من كذب الإدعاءات الإسرائيلية الخاصة
بالمدينة المقدسة، فقبل الميلاد بنحو ثلاثة آلاف عام، كانت أولى
الهجرات العربية الكنعانية إلى شمال شبه الجزيرة العربية، واستقرت
على الضفة الغربية لنهر الأردن، أي المنطقة الجبلية من فلسطين، منسابة
إلى البحر المتوسط. وسميت الأرض: من النهر إلى البحر، بـ "أرض
كنعان"، وأنشأ هؤلاء الكنعانيون مدينة (أورسالم). ثم استقبلت
تلك المنطقة ـ 2500 ق.م ـ بعض القبائل القادمة من جزر البحر المتوسط،
تسمى قبائل (فلستين)، إلى سواحله الشرقية الجنوبية، عُرفوا بسكان
السواحل أو (بالستين).
اختلط هؤلاء المهاجرون الجدد بالكنعانيين، لكن غلب الدم الكنعاني
على هذا الشعب، وغلب اسم (بالستين) على المكان.
وحسب الباحث عبدالتواب مصطفي تؤكد أعمال التنقيب البريطانية التي
تمت في تلك المنطقة، عام 1961، أن الوجود الكنعاني اليبوسي بها،
وبالقدس تحديداً، يعود إلى ثلاثة آلاف عام.
ويضيف أن أول اسم ثابت لمدينة القدس هو (أورسالم)، يوم أسسها الكنعانيون
العموريون، القادمون من جزيرة العرب، في بداية العصر البرونزي، أي
قبل خمسة آلاف عام. وهذا الاسم العموري يعني (أسسها سالم). وقد ورد
في نصوص مصرية قديمة، تعود إلى عهد سنوسرت الثالث (1879/1842 ق.م).
ثم ذكرت في ألواح تل العمارنة، التي تضمنت ست رسائل، بعث بها ملك
المدينة (أورسالم) إلى أخناتون، فرعون مصر، في القرن الرابع عشر
قبل الميلاد، تحديداً في 1370 ق.م. ثم ما لبثت تلك المدينة أن أخذت
اسم (يبوس)، نسبة إلى اليبوسيين. وهم من بطون العرب، أيضاً، وقد
بنو قلعتها (صهيون)، التي تعني بالكنعانية (مرتفع)، كما بنوا هيكلاً
لإلههم (سالم)، فكان بيتاً للعبادة.
ولا تثبت المصادر التاريخية ريادة العرب (الكنعانيون ـ العموريون
ـ اليبوسيون) في عمران أرض فلسطين، وتشييد مدنها وقراها، فحسب، بل
إن من هذه المصادر ما يعود بتلك البداية إلى أربعة آلاف عام قبل
الميلاد، ثم إنها تلتقي جميعها، ومعها المصادر اليهودية على حقيقة
أن تلك الأرض كانت ملكاً لهؤلاء العرب، قبل أن تطأها قدما أبي الأنبياء،
إبراهيم ـ عليه السلام ـ وقبل أن يكون هناك يهودية، أو يهود، أو
اسحاق، أو داود. وظلت تلك الأرض عربية، كذلك، يوم نزل بها هؤلاء،
بل ويوم تمكنوا ـ كما تمكن نزلاء أو غزاة كثيرون غيرهم ـ من إقامة
ملك (عارض) لهم بتلك الأرض، سرعان ما سقط، ثم زال.
غزوات متتالية
ومن جانبه يؤكد الدكتور أحمد يوسف القرعي أن هناك شعوباً عديدة أقامت
بالقدس قبل مملكة داوود وبعدها نتيجة الغزوات المتتالية ومنها الغزو
المقدوني (حوالي سنة 330 ق.م) والروماني (63 ق.م)
حتى جاء الفتح العربي 638 للميلاد ثم الاحتلال الصليبي (1099
ـ1187) والانتداب البريطاني (1917 ـ1947).
ويضيف أنه على مدار كل تلك السنين لم تتسم إقامة مختلف الغزاة والمحتلين
للمدينة بانتمائهم إليها حيث لا يحصر الانتماء بالسنين بل بالنشأة
والارتباط التاريخي لها والإقامة المستمرة فيها والسيادة عليها وهي
مقومات لم تجتمع إلا في العرب والمسلمين الذين استمرت سيادتهم عليها
بحوالي 33% من تاريخها بينما لم تبلغ السيادة اليهودية سوي نحو
13% ونسبة السيادة الصليبية حوالي 12% أما النسبة الباقية وهي
حوالي 42% فكانت فترات متفرقة للغزاة الوثنيين، والوثنية فترة
زائلة في تاريخ القدس والمنطقة العربية والإسلامية.
والغزوة الصهيونية الأخيرة (1967 ـ 2009) تعتبر الغزوة الحادية
والأربعين للمدينة. وهي في الوقت نفسه أقصر الغزوات لفترات الاحتلال
عمراً بين ما تعرضت له المدينة من احتلال وغزو. ومع ذلك ظل الأساس
السكاني الغالب (طوال تاريخ القدس الطويل) وبعد تحرير المدينة
طوال عصور التاريخ كانت القدس تعود إلى أصولها ووضعها الطبيعي بعد
زوال الاحتلال الأجنبي.
يعني ذلك أن القدس كانت وستظل عربية وإسلامية مهما اتخذت إسرائيل
من إجراءات ومهما نشرت من أكاذيب، فالتاريخ لن يتغير والحقائق لن
تتبدل، وأصحاب الأرض يوماً ما عائدون مهما تعرضوا لضربات وانتهاكات،
وما يحدث الأن من احتفالية عربية وإسلامية بالقدس لهو خير دليل علي
ذلك.
أسامة نور الدين*
* وكالة الأنباء العربية ـ القاهرة
قضايا
إسرائيل وإرهاصات حرب جديدة على إيران
تعود مرة ثانية لسطح الأحداث التهديدات الإسرائيلية
بشن حرب خاطفة على المنشآت النووية الإيرانية، وكأنها تحاول توجيه
رسائل تهديد للإدارة الأميركية الجديدة، بأنها إذ لم تتدخل بقوة
لحل أزمة الملف النووي الإيراني، فإن إسرائيل قد تتحرك بمفردها لوضع
حد لذلك الملف الشائك الذي يقلق مضاجع القادة الصهاينة الذين لا
يرغبون في إيجاد أية قوة منافسة لهم في المنطقة، خاصة وأن الإدارة
الأميركية الجديدة لديها من المشاكل الداخلية ما قد يشغلها عن الشؤون
الخارجية، ولأن أمن إسرائيل يرتبط بقدر كبير بالدور الذي تلعبه الولايات
المتحدة في المنطقة، إذاً من الضروري أن يضغط اللوبي الصهيوني في
الولايات المتحدة والحكومة الإسرائيلية في المنطقة من أجل دفع مختلف
الأطراف الغربية للاهتمام بذلك الملف، وكعادتها دائماً ما تبدأ إسرائيل
بخطوة التصعيد الأولي تاركة لحلفائها تكملة المسيرة، مثلما فعلت
مؤخراً بالإعلان عن امتلاكها طائرة بدون طيار قدرة على جمع المعلومات
الاستخبارية والتجسس على ايران، وكأنها تحاول استفزاز إيران للرد
عليها، مما قد يدخل المنطقة في سباق تسلح يهدد امن واستقرار المنطقة،
ما لم يتم التدخل من قبل الشركاء الدوليين والإقليميين لوضع حد للملف
النووي الإيراني.
خطوة استفزازية
يبدو من واقع التصريحات الإيرانية والإسرائيلية فيما يتعلق بعمليات
التسلح في البلدين، أننا مقبلون على سباق تسلح يشبه ذلك الذي كان
قائماً بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في خمسينيات وستينيات
القرن الماضي، فقد ذكرت وكالة "اسوشيتد بريس" ان مؤسسة
صناعة الطائرات الاسرائيلية تخطط لعرض طائرة من طراز "إيتام"
مزودة بنظم جمع المعلومات، وذلك ردا على تجارب الصواريخ التي تستمر
ايران على القيام بها هذه الأيام.
كما أفادت صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن أكبر طائرة بدون
طيار يستخدمها سلاح الجو الإسرائيلي خاضت قبل عدة أسابيع ما يسمى
بـ"معمودية النار"، حيث نفذت طلعتها الاستكشافية الأولى
في سماء قطاع غزة خلال عملية "الرصاص المنصهر" التي نفذت
في الفترة من 27 ديسمبر 2008 ولغاية 18 يناير 2009. وذكرت صحيفة
"يديعوت أحرونوت" أن طائرة "ايتان" الموجهة
عن بعد قادرة على التحليق في الجو على ارتفاعات شاهقة ومنخفضة لمدة
24 ساعة، ما يمكنها من القيام بطلعات استطلاعية واستخبارية في أجواء
دول بعيدة مثل إيران.
كما تصل سرعة الطائرة إلى حوالي 234 كيلومترًا في الساعة، بمدى يصل
إلى أكثر من ألفي وخمسمائة كيلومتر، أي مدى مقاتلة فانتوم من طراز
"إف. 15- إيجل" الأميركية القادرة على حمل رؤوسٍ نوويةٍ.
وتتميز الطائرة بتفوقٍ نوعيٍّ آخر؛ حيث تقوم بأداء مهامها بصورة
مستقلة؛ بما في ذلك الإقلاع والهبوط، وتنحصر مهمة مشغل هذه الطائرة
في تغذيتها بالإحداثيات الخاصة بالهدف المحدد للرصد أو القصف.
وبالرغم من أن الهدف المعلن من وجود هذه الطائرة هو إيران، إلا أن
مخاطرها تتعدى ذلك بكثير، إذ من شأن وجود سباق تسلح بين إيران وإسرائيل،
أن يغري العديد من الدول العربية المجاورة بالدخول في ذلك السباق،
مما قد يشكل تهديدا خطيرا للأمن والاستقرار في المنطقة، فهو من جهة
سيؤثر على عمليات التنمية التي تنتهجها بعض الدول العربية في الوقت
الحالي، ومن جهة ثانية سيؤدي ذلك إلى حدوث توترات بين الفينة والأخرى
بين الدول العربية وبعضها البعض وبين الدول العربية وإسرائيل، وهذا
كله قد يدفع بالدول الغربية صاحبة المصالح الكبرى في المنطقة لأن
تتدخل بقوة في المنطقة، وبذلك يسهل عليها السيطرة عليها مرة ثانية.
تهديد خطير
والحقيقة أن تلك الطائرة تمثل تهديدا خطيرا ليس فقط لإيران ولكن
لغالبية الدول العربية، إذ يمكن لإسرائيل من خلالها أن تستهدف العديد
من المواقع والشخصيات العربية التي تهدد مصالحها في المنطقة، إذ
تتمتع الطائرة بمواصفات فنية تصعب معه عمليات رصدها أو إصابتها بوسائل
الدفاع الجوي الموجودة في العديد من البلدان العربية.
وقد سبق لإسرائيل فعل ذلك، عندما قام سلاح الجو الإسرائيلي بقصف
المفاعل النووي العراقي " تموز" في السابع من يونيو من
العام 1981م؛ حيث مرَّت الطائرات الفانتوم الأميركية الصنع التي
قامت بقصف المفاعل عبر الأجواء الأردنية، ونجحت في الإفلات من وسائل
الدفاع الجوي العراقية في ذلك الوقت، بينما لم تنتبه لها أصلاً الدفاعات
الأردنية، أو تجاهلتها.
وبين الحين والآخر تخترق الطائرات الحربية الصهيونية الأجواء السورية؛
حيث تقوم بعمليات قصف واستطلاع دون مضايقات من البطاريات الأرضية
السورية، ومن دون رد فعلٍ سياسيٍّ، ومن بين هذه العمليات تحليق الطائرات
الصهيونية فوق قصر الرئاسة السوري في مدينة اللاذقية الساحلية خلال
وجود الرئيس بشار الأسد فيه، بينما قامت في سبتمبر 2007م بتدمير
موقع "الكبار" العسكري، الذي زعمت واشنطن وتل أبيب أنه
كان عبارة عن مشروع مفاعل نووي سوري، كما أنَّه من الممكن أن يقوم
الكيان الصهيوني بإطلاق هذه الطائرة من قواعد بحرية متحركة في المياه
الدولية القريبة من إيران.
سيناريو إيران
أما فيما يتعلق بإيران فقد أقرت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية،
أن أي هجوم إسرائيلي على إيران سيكون مصيره الفشل. وإذا نجح فقد
يتسبب برد فعل شديد، كما أن تلك الضربة قد تتمخض عن إشعال حرب طويلة
الأمد بين إيران وإسرائيل".
وأضافت هآرتس قائلة أن هناك احتمالية أخرى، وهي أن تؤدي الهجمة لدفع
حلفاء "تل أبيب"، إلى التنكر لتحالفاتهم معها، وأخيراً
قد يؤدي الهجوم إلى تنديد دولي واسع، يعزل إسرائيل، ويحولها إلى
"دولة" مارقة.
والواضح من كلام هآرتس أن إسرائيل تخشى من مواجهة إيران بأكثر مما
تخشى إيران من مواجهة إسرائيل، فالحكومات الإسرائيلية بأشكالها المختلفة
تخشى من أن يؤدي فشلها في تدمير المنشآت النووية الإيرانية إلي تقوية
إيران وتحويلها إلي دولة إقليمية عظمى.
يضاف إلى ذلك خوفها من أن يؤدي ذلك إلى إضعاف قدرة الردع الإسرائيلية،
مما قد يجعلها عرضة للهجمات من الشمال والجنوب.
لذلك فإن المتوقع أن تضغط الحكومة الإسرائيلية الجديدة برئاسة نتنياهو
على الحكومات الغربية من أجل دفعها لوضع حد للبرنامج النووي الإيراني،
باعتبار ان ذلك هو الحل السحري الذي اعتادت إسرائيل أن تستخدمه خلال
السنوات والعقود الماضية في تعاملها مع الأزمات التي تعترض طريقها،
خاصة وأنه للتو خارجة من حرب شرسة مع قطاع غزة، تسببت في تشويه صورة
إسرائيل أمام الرأي العام العالمي، ولذلك لا تريد الحكومة الجديدة
في تكرار اخطاء الحكومات السابقة، وخسارة الداخل والخارج على السواء.
نخلص من ذلك إلى ان الخوف ليس على البرنامج النووي الإيراني، الذي
لن يتضرر في الغالب لا من قبل إسرائيل ولا من قبل الغرب الذي تشغله
أزمات اقتصادية طاحنة هذه الأيام، وإنما الخوف على المنطقة العربية
التي قد تتحول في لحظة من اللحظات إلى ساحة جديدة للحرب الباردة
ما بين الغرب وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة ثانية.
أسامة نور الدين*
وكالة الأنباء العربية ـ القاهرة
قضـايا
اليسار الفلسطيني اليوم ... ما بعد غزة
كان غياب/ أو تواضع الدور الفعلي والملموس
لقوى التيار اليساري والقومي في فلسطين من بين أبرز علامات الوضوح
الساطعة والاستخلاصات السياسية والفكرية في الحياة الداخلية الفلسطينية
التي تكونت في السنوات الأخيرة، وبرز هذا الغياب بشكل فاقع في المرحلة
التالية من الوقائع التي تلاحقت بعد الانتفاضة الثانية، وفي مرحلة
احتدام الانقسام الفلسطيني قبيل وبعيد الانتخابات التشريعية التي
جرت بداية العام 2006، وهي الانتخابات التي أظهرت على السطح دون
لبس أو غموض حجم التراجع المريع لحضور قوى اليسار في الخريطة السياسية
الفلسطينية الراهنة، حيث تفاقمت مظاهر الغياب والتراجع خلال محنة
العدوان على قطاع غزة. وبالتأكيد فإن ما وراء الغياب والتراجع مسبباته
الذاتية والموضوعية التي تحتاج لبحث مستفيض.
أزمات وعمليات ومخرجات
لقد أفرزت الانتخابات التشريعية عام 2006 حقائق واضحة تفقأ العين
، وأول هذه الحقائق تمثل في هشاشة وتراجع حضور قوى اليسار الفلسطيني
وضياعها، فاليسار قد فقد حضوره ورونقه في المشهد السياسي الفلسطيني،
إذ بعد أن كانت الفصائل الفلسطينية اليسارية تتحرك ضمن مساحة سياسية
وشعبية معقولة، أصبحت هذه الفصائل هامشية التأثير في المسار السياسي
العام، بل وأصبح بعضها يمثل عبئاً معطلاً، وعاملاً استخدامياً في
استقطابات الانقسام الفلسطيني الداخلي. ولم تكن حظوظ اليسار إياه
في مرحلة (ما قبل غزة) والمرحلة التالية (ما بعد غزة) سوى ارتساماً
دقيقاً ونتاجاً صافياً لمآلات انتهت إليها معظم فصائل اليسار الفلسطيني
(مع الاستثناء النسبي للجبهة الشعبية) على خلفية الأزمات الطاحنة
التي ضربتها في جذورها. وامتد الأمر ليصبح حالة عامة في المنطقة
العربية في ظل تراجع دور التيارات اليسارية، وحتى داخل الدولة الصهيونية
"ويسارها الصهيوني" الذي تلاشى واختفى وراء "قوى
اليمين التوراتي واليمين القومي العقائدي الصهيوني" كما أشارت
الانتخابات الأخيرة للكنيست الثامنة عشرة التي جرت في العاشر من
فبراير 2009. وبالطبع فإن الغياب العملي والتراجع الملموس لحضور
فصائل وقوى اليسار الفلسطيني لم يكن ليتأتى هكذا، فجأة، ودون مقدمات،
بل جاء في سياقات متواصلة لعمليات متكاملة من تداخل الأزمات وامتزاجها
بين الذاتي والموضوعي ، فهي أزمات جاءت من مداخل مختلفة لتنتهي في
مخرجات محددة وسمت حدود وفعل قوى اليسار الفلسطيني إلى التخوم الراهنة
وفق معادلة متتالية ثلاثية الحدود ملخصها: أزمات/عمليات/مخرجات.
ففي مرحلة ما قبل غزة وأثناء الحملة البربرية الصهيونية على القطاع
تصدرت كتائب القسام وسرايا القدس، ومجموعات من كتائب الأقصى الدور
الميداني على الأرض، كما شاركت كتائب أبوعلي مصطفى التابعة للجبهة
الشعبية، بينما غابت باقي قوى التيار اليساري والقومي عن الإسهام
بالعمل العسكري المقاوم لأسباب شتى تلخص إلى حد بعيد ما اعتمل واختمر
داخل هذه القوى، عبر تراكمت تجمعت رويداً رويداً على مدار السنوات
الأخيرة. وتبين فيها للقاصي والداني حجم هذا التراجع بأداء اليسار
بشكل فاقع في الضفة الغربية، فقد عجزت القوى اليسارية عن تحريك الشارع
أثناء العدوان على قطاع غزة، ولم تستطع أن تترجم شعارها الذي أطلقته
وتوعدت فيه بانتفاضة ثالثة، بل وشاركت ببعض الفعاليات المجتزئة التي
وقعت في مدينة رام الله بشكل رئيسي مختبئة وراء الفعاليات التي دعت
إليها مؤسسات مستقلة، بينما شارك بالفعاليات المذكورة العديد من
الأفراد اليساريين الذين كانوا قد غادروا أحزابهم بصفتهم الشخصية
والوطنية. أما فعاليات مدينة الخليل ومناطقها فقد قادها بشكل رئيسي
حزب التحرير الإسلامي.
تجاهل المتغيرات
وبالتأكيد، فإننا في الإشارة إلى تراجع اليسار ودوره، وتراجع أدائه،
لا ننطلق من موقع الشماتة أو الإساءة لأدوار وطنية سبق وأن أنجزتها
قوى اليسار، بل ننطلق من موقع دراسة الظاهرة ومحاولة الاجتهاد في
تقديم إجابات محددة في تفسير واقع الحال، وهو أمر يحتمل الخطأ والصواب
بنسب مختلفة. فمع غياب قوى التيار اليساري باتت الأسئلة الجدية تطرح
نفسها على طاولة البحث، في محاولة لتقديم إجابات ولو أولية تقترب
من التشخيص الدقيق لواقع الحال، لتبدأ عملية الاستشفاء بالتشخيص.
وحتى يكون التشخيص شاملاً ومتوازناً، عليه تناول العوامل الذاتية
والموضوعية بصراحة وجرأة بل وبقسوة، لمعرفة العوامل التي دفعت باليسار
الفلسطيني إلى هذا السبات المرضي في جميع جوانب الحياة الوطنية الفلسطينية.
وفي تشخيص الأسباب، نستطيع القول بأنه الوقت الذي ارتسمت فيه الحقائق
الجديدة في مسار الخريطة السياسية الفلسطينية، ما زالت غالبية قوى
اليسار الفلسطيني تعيش حالة التيه وضياع البوصلة، وجمود غالبية الأحزاب
وتقوقعها وتكلسها ومراوحتها عند حدود معينة في حياتها الداخلية وعلاقاتها
الخارجية، وفوضى الماضي من العمل السياسي الفلسطيني وفي زمن الحرب
الباردة، دون أن تدرك بأن واقعاً جديداً قد تشكل على الأرض خلال
السنوات العشر ونيف التي انقضت من التاريخ الوطني الفلسطيني المعاصر،
فلم تغادر التمترس المسبق في المواقف، كما لم تغادر منطق وأساليب
"المماحكة اللفظية والنفخ في الهواء" التي استهلكتها تاريخياً،
وأن تغير و"تصلح في أحسن الأحوال" من أدواتها ومن برامجها
وفعلها على الأرض.
اليسار التخويني
ومن نافل القول بأن محاولة التعمق في التماس والتقاط جذور الأزمات
التي عصفت بقوى اليسار الفلسطيني، تستدعي بالضرورة العودة إلى الماضي
القريب قليلاً من أجل وضع اليد على مكامن الأزمات منذ بداياتها،
في ظل حالات النزف المستمر التي تعرضت لها قوى اليسار، دون أن تقف
أمام استحقاق المراجعة النقدية والشجاعة، خصوصاً وأن النزف الذي
أصابها جميعها بدأ في غالبه في قلب هرم التنظيم أو الحزب أو التكوين
السياسي، وتحديداً في صف الكادر المتمرس بالعمل وبميدان التجربة،
لينتشر في المستويات كافة. وعليه لقد فقدت القوى اليسارية الفلسطينية
الغالبية الساحقة من كادراتها وهيئاتها وعناصرها الفاعلة في معمعان
الأزمات والصراعات غير المبدئية التي ضربت أطنابها داخلها، وتحولت
إلى بؤرة صراع ومواجهة بين تيارات اختلفت وجهاتها، وفقدت الصبر والقدرة
على التعايش، فحكمت بعضها على بعض، ولكن بمنطق يساري تخويني على
قاعدة "مناضل أو انتهازي" و "جذري أو منحرف"،
وتصرفت على هذا الأساس، ليطفو على السطح دفعة واحدة اتهامات واتهامات
مضادة من العيار الثقيل. ولنا أكثر من مثال حي وطازج في التجربة
الفلسطينية ذاتها التي نتكلم عنها الآن، وليس أبعدها الانقسام الذي
أصاب واحداً من هذه الفصائل المنضوية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية
عام 1991، وهو انقسام رافقته أبشع النعوت المتبادلة بين طرفي الانقسام،
وهي نعوت لم يزخر بمثلها قاموس الشتائم في اللغة العربية، بل وتزينت
الشتائم باسترجاع عبارات المرحلة السوفييتية، ولينشطر التنظيم نهاية
الأمر أفقياً وعامودياً، وليتبين بعد ذلك بأن جذور الانقسام لم تكن
لتستند على خلفيات سياسية أو حتى فكرية أو ذات بعد وطني، بل جاءت
في جوهرها على خلفيات لها علاقة بصراعات مريرة غير مبدئية تغذت من
نسغ النرجسية والحسابات الضيقة ومنطق الإقصاء والتأمر الداخلي، وهو
أمر ما زال يلعب دوراً رئيسياً في توالد الانقسامات اليسارية وبالتالي
في إضعاف اليسار ذاته وتوالد أزماته. والدليل على ذلك أن طرفي الانقسام
المشار إليه أعلاه، باتا على سكة واحدة من الاصطفاف السياسي في الساحة
الفلسطينية وان أمسى كل واحد من هذين الطرفين يحمل عنواناً خاصاً
به، ويتمثل في منظمة التحرير وهيئاتها المختلفة.
غياب التقييم النقدي أو حتى محاكاته
في هذا السياق، قامت مؤتمرات فصائل اليسار المتعاقبة بتشخيص وتقييم
وتوصيف الكثير مما تعلق ببرامج وممارسة ما كانت تطلق عليه في أدبياتها
"القيادة المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية"، ولكن
المثير للدهشة هو أننا قلما نجد تقييماً ونقداً جاداً ذاتياً في
هذا المضمار، فقد لعبت غالبية فصائل اليسار دور حصان طروادة في تغطية
مظاهر الخلل في الإطار الرسمي الفلسطيني حيث التبعية العملية للقيادة
التي تسميها (متنفذة). كما أن معظم أدبيات التقييم الشكلي تبدأ بمنحوتات
صنمية من نمط القول "إن الأحداث جاءت لتثبت صحة خطنا وسياساتنا..".
هذه المنحوتات عن الموقف السياسي والبرامج "المعصومة من الخطأ"
أصبحت تقليداً يسارياً بائساً، يقفز عن تحليل الواقع والاعتراف بمظاهر
الخلل، عدا عن غياب المعالجة الجدية للعامل الذاتي ودوره في معضلات
العمل الوطني والسياسي، وتقييم المنهج الذي تدير به هذه الفصائل
شؤونها التنظيمية والنقابية وكيفية قراءة الواقع وتنشئة الكوادر،
والدكتاتورية البيروقراطية المتأصلة التي كانت تكبح أخلاقية الكوادر
الشابة وقمع الكوادر وبالتتالي نمو ظاهرة النزف المستمر في كادراتها،
مما يدفعها إلى الانشقاق والهجرة وعدم قدرتها على تعويض هذه الكوادر
وضخ الحيوية والتجديد في بنائها التنظيمي.
ومن هذا المنطلق، فإن في تشخيص أزمات اليسار الفلسطيني، نجد الأمور
في صلبها بنيوية شاملة، تاريخية وراهنة، جعل من التفكك والتراجع،
سمة من سمات فصائل وأحزاب اليسار الفلسطيني، في ظل حالة النفي العدمي
العاجز عن توليد الجديد في البرامج والرؤى والاشتقاقات والهيئات
لدى أطراف التيار اليساري، والعاجز عن إزاحة اللبس والضبابية في
ممارسته السياسية، وفي ظل الصراعات الداخلية في إطار بناها الداخلية،
وهي صراعات كانت في غالبيتها غير مبدئية وعبرت عن نفسها بانشقاقات
متتالية. واليوم، يجد اليسار الفلسطيني نفسه أسير تراثه من الأدبيات
ذات الطابع الإنشائي في غالبيتها، ومن المماحكات النظرية التي استنزفته
في سجالات لم تستطع أن تعدو به إلى الأمام ولو بخطوات السلحفاة،
فبقي بعض اليسار من التنظيمات والأشخاص في الساحة الفلسطينية في
خانة الذين يصعب تصنيفهم أو تمييزهم، حيث اختاروا المنطقة الرمادية
تحت عناوين محشوة بالغوغائية ولغة الديماغوجيا السياسية، والتنظيمية
الداخلية، متخذين عادة إدمان الكذب والنفاق السياسي كطريق، لا يعرف
الضوابط. كما بقي اليسار ذاته بمكوّناته الماركسية والقومية على
حدّ سواء، يعيش حالة من الإحباط المهيمن الذي يترافق مع تخبط تنظيمي
وفكري وعملاني على جميع الصعد، وبقي متمسكاً بمقولات مركزية ذات
طابع دوغمائي ولم يتخطاها ليعيد إنتاج ذاته بل وما زال
يتشبث بطرح نموذج قضى نحبه.
علي بدوان*
* كاتب فلسطيني / عضو اتحاد الكاتب العرب/
مكتب الوطن بيروت
أعلى