الدروس الخصوصية ... فيتامينات أم مهدئات ؟!
ـ دروس التقوية ..أتكون الحل ؟!
ـ الجرعــة الإضافيــة هل تفيد أبناءنا ؟
تحقيق ـ حفصة بنت محمد الجهوري
حالة تأهب قصوى بدأت تجتاح معظم الأسر لاستقبال
امتحانات الشهادة العامة بالإضافة إلى شهادة التعليم الأساسي التي
باتت على الأبواب .. وهناك من ينتظر هذه المناسبة باهتمام وتحفز
ويعتبرها بمثابة الغيث بعد قحط ، في الوقت الذي تشكل فيه فترة استنزاف
لمافي الجيب بالنسبة للكثير من أولياء الأمور. ولذلك تزداد الطرقات
على الأبواب من قبل أولئك الذين يدعون أنهم يملكون فيتامينات النجاح
لأبنائنا من خلال الدروس الخصوصية التي يتم بها تنظيف جيوب أولياء
الأمور...
واذا كان هناك من يملك القدرة المالية على تلبية طلبات مدرسي الدروس
الخصوصية فان هناك فئة أجتماعية يشكل هذا الموسم بالنسبة لها موسم
البحث عن مزيد من المتاعب المادية ونعني بهم أولياء الأمور من ذوي
الدخل المحدود التي باتت الدروس الخصوصية مصدر استنزاف ، ليس لميزانية
الأسرة وحسب ، بل كذلك لأية مدخرات لديها.. فالدروس الخصوصية أصبحت
عملية تسليع للعملية التعليمية بشكل يجعلها تخضع لمفاهيم العرض والطلب
والبيع والشراء..
ورغم أن الدروس أصبحت ضرورة من وجهة نظر البعض إلا أن هناك هجوما
معاكسا عليها من البعض الآخر.. فلماذا يلجأ معظم أولياء أمور الطلاب
إلى هذه الدروس؟ وهل هي حقا الطريق المختصر للنجاح؟ وهل أصبحت بديلا
عما يدرسه الطالب في مدارسنا؟؟
فلماذا أغلب الطلاب حتى في المرحلة الابتدائية باتوا يلجؤون إلى
الدروس الخصوصية، هل الخلل في الطلاب أنفسهم, وفي تدني مستوى الفهم
والاستيعاب لديهم؟ أم إن المناهج معقدة وتحتاج إلى مساعدة إضافية
لفك تعقيداتها لضيق الحصص اليومية وكثرة الإجازات التي تستنزف العام
الدراسي ؟ أم إن المشكلة تتعلق بالمدرسين أنفسهم وطريقة تعليمهم؟
أم كثرت الواجبات اللاصفية الموكلة للطلاب؟؟
" فتــون " طرقت الأبواب بدورها
ولكن ليس لإعطاء دروس خصوصية . وانما لسبر غور مايعتمل في النفوس
من هذا الموضوع الحيوي ... حيث توجهت بأسئلتها واستفساراتها إلى
كل من له علاقة بالعملية التعليمية ، خاصة وأن الدروس الخصوصية وصلت
إلى مراحل التعليم الأساسي .
البــديل
أحمد بن سالم الشكيلي (طالب شهادة ثانوية) يقول:بصراحة أنا أذهب
الى المدرسة لتسجيل الحضور فقط فالصفوف في مدارسنا مزدحمة بالطلبة
ولا نفهم شيئا أثناء الشرح... وللأسف هناك أيضا بعض المدرسين لا
يقومون بأداء واجبهم بضمير أثناء الحصص الدراسية ولأسباب نجهلها
مما ولدّ لدينا إحساسا بعدم الثقة بما يقدمونه لنا وهذا ما جعلنا
نتوجه بقوة نحو البديل (دروس التقوية) التي أصبحت يفضلها معظم الطلاب
خاصة وأن الطالب حينما يكون بمفرده يستطيع أن ِيحصل على المعلومة
التي يريدها وبدون تشويش من أحد.
مـــرض
الطالبة شيماء أحمد الحارثي( ثانوية عامة) تقول: أنا أرفض رفضا قاطعا
الدروس الخصوصية وأرى أن من يطلب هذه الدروس إما طلاب مهملون أو
فاقدو الثقة بذاتهم فهذه الدروس مرض يصعب التخلص منه والإدمان عليها
منتشر جدا هذه الأيام. وتؤكد شيماء على أن من يقول أن دروس التقوية
مفتاح السر للنجاح في الثانوية العامة مخطئ جدا فاعتماد الطالب على
ذاته مع القليل من التركيز كفيلان بالتخلي عن فكرة الدروس الخصوصية
وتحقيق النجاح الذي يحلم به كل طالب طوال العام الدراسي .
للطوارئ ... فقط!!!
الطالب معتصم بن وليد العامري - الحادي عشر - يقول: إنني مضطر للجوء
إلى الدروس الخصوصية؛ فالأساتذة لا يشرحون داخل الفصل بما يمكنني
من فهم واستيعاب المنهج، وكذلك فإنهم لا يتطرقون إلى الكثير من الجزئيات
في المادة وبسبب ضيق وقت الحصة يكون الشرح بشكل سطحي لذلك بصراحة
لا يمكنني فهمها بمفردي فأنا حريص على الدروس الخصوصية، لأنه أصبح
مطلوباً منا أن نحصل على درجات مرتفعة في كل المواد، وهناك بعض المواد
التي تتصف بصعوبتها؛لذلك لا يكون في مخيلتنا إلا المدرس الخصوصي
فهو موجود دوما لحالات الطوارئ .
اســتنزاف
بعض أولياء الأمور يكتوون بنيران الدروس الخصوصية ويؤكدون أنهم يسعون
لإرضاء ضمائرهم وعدم التقصير مع أبنائهم إذا طلبوا درسا خصوصيا مهما
كانت التكلفة المادية.
وهذا ما أكده منير أسعد ولي امر لطالبين في مرحلة الشهادة الثانوية
حيث يقول: إن الدروس الخصوصية استنزاف واضح للإمكانات المادية للأهل
ولكننا لا نستطيع فعل شيء إزاء ذلك وليس أمامنا سوى تلبية رغبة الأبناء
فهي بالنسبة لهم السبيل لتحصيل درجات أكثر وذلك رغم عدم قناعتنا
بها... ففي أحيان كثيرة قد يضيع مستقبل ابنائنا على علامة واحدة
خاصة وإن كان يحلم بالتعليم الجامعي و ما باليد حيلة علينا سوى الدفع
والصمت لنرضي ضمائرنا وأبناءنا .
عبء وتفاخر
فاطمة حسين الغزالي تؤكد أن أولياء الأمور يضطرون للرضوخ لرغبة أبنائهم,
رغبة منهم في تحقيق النجاح والحصول على درجات متميزة في المواد العلمية
التي تشكل عبئا كبيرا وتحديدا مواد العلوم والرياضيات والإنجليزي.
وتضيف: ولكن البعض يرى من الضروري أن يأخذ أبناءه الدروس لأن ابن
الجيران أو ابن عمه ليس أفضل منه. وهنا تصبح المسألة تفاخرا حتى
ولو كانت النقود عن طريق الدين, فولي أمر لديه 4 طلاب ويأخذون دروسا
في جميع المواد الرئيسية عليه أن يدفع نصف راتبه للدروس هذا إذا
لم يكن كاملا.
أتكون مصلحة للطالب؟!
سعاد بنت سالم ـ ولية أمرـ ترى أنه إن كانت مصلحة الطلاب تتوقف على
الدروس فلن يستطع ولي الأمر أن يتأخر عن ابنه ففي النهاية لا يريد
ولي الأمر أن يقصر في حق أبنائه. وتضيف : إن المدرسة والنظام الجديد
في التدريس هم السبب الرئيسي في لجوء الطلاب إلى الدروس الخصوصية
فالطالب لا يستطيع أن يستوعب كل العبء الذي يضعه المعلم على كاهله,
فكل الدروس والأنشطة الصفية المفاجئة والأنشطة اللاصفية من أبحاث
وتقارير ومشاريع تستنزف منه الكثير من الوقت فلا يجد وقتا كافيا
لاستذكار دروسه وهنا تأتي أهمية الدروس الخصوصية.
أبناء غائبون
يقول ـ ولي أمر لطالب في المرحلة الإعدادية : " إنني أصبحت
أكره العام الدراسي بشكل كبير، يجعلني أحس بأنني طالب وذلك لما يحدث
من انقلاب داخل المنزل، وحالة الطوارئ الدائمة، وأبنائي الذين لا
أراهم إلا قليلاً على مدار اليوم لارتباطهم بمواعيد الدروس الخصوصية
عقب انتهاء اليوم الدراسي، بالإضافة للأعباء المادية الكبيرة التي
أتحملها نتيجة الدروس الخصوصية.
وللمعلمين في المدارس رأي
يقول راشد بن محمد الجهوري (مدرس مادة العلوم
العامة) : لا أرى أي ضرر من وجود الدروس الخصوصية ما دام أن المعلمين
لا يقومون بأي تقصير في أداء واجبهم بالمدارس.
ويضيف: ازدحام الصفوف لا يساعد المدرسين على إيصال معلومتهم بالشكل
المطلوب بالإضافة إلى غياب التنسيق بين الأهل والمدرسة في كثير من
الأمور التي تهم الطالب فمعظم الطلاب لا يتمتعون بالجدية و الاستهتار
الصفة الغالبة داخل الحصة , أما في وقت الدرس الخصوصي فالطالب مختلف
تماما يتمتع بالجدية والمتابعة والتصميم على ادراك الفهم وهذا بالتأكيد
يعود للمراقبة من قبل الأهل والمدرس على السواء ولكن للأسف تكون
المدرسة مرتعا لتقضية وقت الفراغ ليس إلا .
إيجابيات وسلبيات
أما ليلى بنت علي المعمري ( مدرسة جغرافيا) تقول : لقد أصبحت الدروس
مثل المخدر بالنسبة للطلاب كما أنها أضحت نوعاً من التفاخر والتباهي
بين الطلاب والأهالي أيضا فبعضهم يأخذ الدروس علي سبيل الغيرة وتقليد
زملائه في التسابق لحجز مدرسين معينين للمزيد من التفاخر فيما بينهم
.
وأضافت : أنا معلمة وأكون قريبة جدا من الطالبات فجميع الطلبة الذين
يعتمدون على المدرس الخصوصي يعتبرون الحصص هي مجرد تحصيل حاصل داخل
المدرسة لذلك يقومون بالتشويش على زملائهم ومن الواجب علينا التكاتف
أولياء الأمور للحد من هذه الظاهرة ومناقشتها .
وأضافت: إن بعض الطلاب يعاني فعلا من ضعف المستوى وفي هذه الحالة
فإن الدروس الخصوصية تكون مفيدة له.. ولا ضرر في أن يكون طالب أول
إثنين يذهبون إلى مدرسين متخصصين ولكن المشكلة إذا كان معظم الطلاب
يذهبون إليه.
أسعارالمدرسين ارتفعت !!
ويقول أحد مدرسي الدروس الخصوصية والذي اعتقد في بداية الأمر أنني
أستفسر لأخذ درس تقوية معه: تختلف أسعار الدروس الخصوصية بحسب كل
مرحلة وتبدأ الأسعار من الصف الأول وحتى السادس يكون سعر المادة
الواحدة 50 ريالا في الشهر بمعدل حصتين في الأسبوع، أما الصفوف من
السابع والثامن والتاسع فتزيد عنها قليلا ليتراوح سعر المادة ما
بين 50 إلى 60 ريالا ثم تصل الأسعار إلى ذروتها في العاشر والحادي
عشر والثاني عشر لتصل إلى 70 ريال في الشهر هذا إذا كانت الحصة تأخذ
بشكل فردي .
في المقابل يكون سعر الحصص 40 ريالا في الشهر لكل طالب إذا كانوا
مجموعة وتختلف المواد الأدبية في المرحلة الثانوية أسعارها عن المواد
العلمية وطبعا يتعامل المعلمون الخصوصيين بالمبدأ التجاري إذا اشتريت
أكثر من سلعة يكون هناك خصم على سعرها.
ويختلف السعر من معلم لآخر.
تدني رواتب المعلمين
الطريف أثناء قيامي بالتحقيق قابلت أحد المدرسين وكنت قد ذهبت إليه
بصفتي طالبة أريد أن أحضر الحصة وبعدها أخبرته بأنني أقوم بعمل تحقيق
حول الدروس الخصوصية ثار عليّ بشكل حاد وقال لي وما بها الدروس الخصوصية؟
إذا كانت هي من تمكن الطلاب اجتياز الامتحانات والحصول على أعلى
الدرجات وتأهلهم للدراسات العليا وتعتبر الحلم المنتظر لكل أب وأم
فلولا جهود المدرس الخصوصي لما نجح الكثير من الطلاب في دراستهم
مؤكدا أن المعلمين هم أقل المهن حظا مع تدني الرواتب الخاصة بمعلمي
المدارس الحكومة والخاصة أيضا لا يجد المعلم مفراً من إعطاء الدروس
الخصوصية فالايجارات ارتفعت بشكل جنوني وزيادة الأسعار طالت كل شيء
فلماذا تكون الدروس علي حالها والحمد لله نحن لا نسرق ولكننا نكد
ونتعب فيها خاصة وأن الطالب هو من يطلبها ولا يسعي إليها المعلم
وهذه وجهة نظري.
وللطب النفسي رأي أخير ...
الدكتور راشد الزيدي (أخصائي في الطب النفسي
والسلوكي) قال: إن ظاهرة الدروس الخصوصية ليست ترفيهية بل إنها كغيرها
من الظواهر الاجتماعية الناشئة والمحتاجة إلى حل فهي ظاهرة نفسية
أكثر منها ظاهرة تعليمية حيث أن هناك العديد من الأسباب المؤدية
إليها فربما يكون الأهل هم المحرض للأبناء على الدروس الخصوصية وربما
عامل الغيرة بين الأصدقاء كون أحد الطلاب يحصل على درس خصوصي ويلجأ
الآخر إلى التقليد بالحصول على درس خصوصي بلا ضرورة وإنما لمجرد
المشاركة مع الأصدقاء وكأنها نزهة بالرغم من أن الطلاب متفوقون ولكن
ثقتهم بذاتهم تكون ضعيفة لذلك يعملون على تدعيمها بالدروس الخصوصية.
ويضيف: وهذه الظاهرة تندرج عليها ثلاثة عناصر لتحمل المسؤولية :
الأول المدرس الذي لم يستطع توصيل المعلومة بصورة واضحة وسهلة للتلاميذ
ولم يقم بمتابعة حالة طلابه, والثاني التلميذ الذي لم يفهم جيداً
ولم يحاول الفهم، ويطالب ولي أمره بمساعدته بدرس خصوصي، أما العنصر
الثالث ولي الأمر الذي يستجيب لرغبة الابن أو الابنة ويتحمل نفقات
الدروس الخصوصية.
بعض أولياء الأمور يتخذون من الدروس الخصوصية بديلا عن تقصيرهم وانشغالهم
عن أبنائهم , فالآباء ينشغلون عنهم بمشاغل أخرى، أو لا يتقنون فن
التدريس، مما يضطرهم إلى اللجوء لمعلم متخصص، يهتم بأبنائهم ويرعاهم
دراسياً.
ويضيف الزيدي : بالرغم من أن المعلم يؤدي عمله
على أكمل وجه ويجتهد في أن يرقى بتلاميذه، يكون من بين هؤلاء الطالب
الضعيف في تحصيله! وربما يرجع ذلك لأسباب يمكن علاجها داخل المدرسة،
وقد تكون لأسباب متعلقة بالتلميذ نفسه، ويلجأ إما إلى طبيب نفسي
لحل مشاكله أو إلى مدرس متخصص ولكن قد يكون بدون فائدة.
واختتم قوله : إن المنهج الدراسي القائم حاليا ليس المسؤول عن تدني
مستوى الطلاب وانتشار ظاهرة الدرس الخصوصي أو درس التقوية, ولكن
الأمر يعود إلى سوء تنظيم وقت الطالب لو نظم وقته جيدا لوجد الوقت
الكافي للمذاكرة ولأداء بحوثه وتقارير ومشاريعه الموكل بها و مشكلة
الدروس الخصوصية تحتاج لحل جدي تتكاتف على تنفيذه العديد من الأطراف،
المدرس الرافض لمبدأ الدروس الخصوصية والطالب الواثق بقدراته وأولياء
الأمور المتابعين للطالب في المنزل والمدرسة.