الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 


رسائل ممطرة
سيرة الحجر






مبتدأ

في الوقت الذي تناضل فيه فلسطين من أجل حريتها وحقوق أبنائها، أمام قوى الهمجية والاحتلال، متشبثة بالقدس عاصمة أبدية لها، فإن العالم العربي والإسلامي بأجمعه يشاطر أشقاءه في فلسطين احتفالهم بالقدس عاصمة للثقافة العربية هذا العام.
في هذا السياق يكتب الكاتب محمد بن عبدالله العليان عن اليوم الذي زلزل العرب والمسلمين، وهو يوم سقوط القدس الشرقية الموافق الأربعاء 7 يونيو 1967، إذ يرسم العليان تفاصيل الحدث الأليم لحظة بلحظة حتى دخول جنود الاحتلال إلى أرض القدس الشرقية. ويسجل دهشته من بعض الدول العربية التي لها علاقات دبلوماسية أو اتصالات رسمية مع إسرائيل، ولكن ليس لها أي سعي يذكر لوقف سياسات تهويد المدينة.
الشاعر صالح العامري عايش الأمطار والتحولات المناخية التي شهدتها البلاد مؤخرا، برؤيته الخاصة، فقد استدرجت لذهنه الكثير من التداعيات والذكريات والهذيانات المجنونة، حتى صرخ قائلا: "للفأس فراشته المرهفة، وكذلك كلّ قطرة مطر في العينين. ألهذا يذبحنا المطر بلذاذاته؟!"
من جهة أخرى تواصل أشرعة سرد حكاية جيل الرواد في الفن التشكيلي العماني، إذ تحاور في هذا العدد الفنانة رابحة محمود، التي تروي تفاصيل حكايتها مع البياض والريشة والألوان وعالم الإبداع والابتكار، كما تتوقف عند منعرجات تجربتها الخصبة وتثير ذاكرتها التي تبوح بالكثير من رؤاها وأفكارها على صعيد التعاطي مع اللوحة.
الأديب عبدالله حبيب يكشف في هذا العدد من أشرعة عن مقطع جديد من رسائل عشقه، متحدثا فيها إلى محبوبته عبر حوار يندمج فيه الخاص بالعام، والذاتي بالموضوعي، والوجداني بالفكري، حيث يطارح ويصارح معشوقته بجرأته في شؤون الحب والوله كجرأته في شؤون الفكر والثقافة، إذ يقول: (تأكدتُ أن "قسمتي الاختياريَّة" هي أن أكون سقيماً بالعشق، والالتياث، والوَجْد، والبُحران، ولا أستطيع أن أكون غير هذا. قسمتي هي أن أكون قريباً منك، وقريباً من أشخاص ومبادئ اعتنقتها مبكراً).
الكاتب عبدالله خميس يستكمل في هذا العدد مدخله إلى المونتاج السينمائي، حيث يسلط الضوء على تجربة المونتاج السوفييتي، الذي يرى فيه جماليات جديدة ولغة سينمائية مغايرة، حيث يذهب إلى أن المخرجين السوفييت نظروا للمونتاج بوصفه ساردا وشريكا فاعلا في طرح رؤية الفيلم، مشيرا إلى أن اهتمامهم بالصيغة والأسلوب في أفلامهم قاد إلى نشوء سينما ذات توجه عقلاني.
مواضيع مغايرة، ونصوص مميزة أخرى تنتظر قارئ أشرعة للبوح بين يديه..


المحرر

 

أعلى





وجه لا يصلح للتكرار

هذا الذي يجلس قبالتي يكاد يثير جنوني، منذ أن جلست وهو لا ينفك عن مراقبتي، كلما رفعت رأسي رأيته يرقبني وابتسامة على ثغره، أغرق في كتابتي، وكلما أمسكت بكوب العصير، ألمحه يمسك بكوب أمامه.. لم أستطع تجميع فكرة واحدة.. أشرت للساقية، حدثتها وأنا أشير إليه، ابتسمت ولم تعلّق، تذكرت أنها الصين، فسألتها بالانجليزية فأشارت لي بالانتظار.. أتى ساق آخر.. سألني بانجليزية مكسّرة: كيف لي أن خدمك سيدي؟
أشرت إلى الرجل الجالس قبالتي إن كان يعرفه.. لمحت الرجل ينظر إلي ويبتسم مستخفا بي..ابتسم الساقي هو الآخر، ثم ذهب دون أن يجيبني، أخذ يهمس للساقية وينظران نحوي ويبتسمان.. غضضت ، انكببت على ورقي أكمل ما كتبت ولكني ما استطعت، كنت اشعر بعينيه تعريّاني.. جال في بالي خاطر: يا رب! لمَ لا يكون من الاستخبارات الصينيه؟ نعم لم لا يكون ذلك، البارحة حين أقبل عليّ الشاب الأميركي / الأفريقي "ديفيد"، عرض عليّ أن أشاركه في توزيع دولارات مبيّضة، لم أرفض مباشرة، تحججت باضطرار نزولي لبهو الفندق بسبب صديق ينتظرني هناك، ولكن ما يدريني، لربما كان "ديفيد" مراقبا من قبل الشرطة الصينية.
ولكن لا، هذا الجالس قبالتي ملامحه شرق أوسطية، الابتسامة الخبيثة لا تكاد تُخفي الخيبات المتنامية خلف عينيه، نعم كأني قد رأيته من قبل في مكان ما.. لربما كان عربيا آخر، يودّ أن يتقاسم ترف الغربة..
انشغلت عنه بالكلمات التي ترفض الانصياع، وكأنها بمجرد أن عبرت الحدود غادرتني، وهذا الجالس هناك، أتراه يتعمد هذه البسمة الخبيثة، ومالي كلما حركت يدي حرك يدا، وكلما غيرت من هيئة جلستي غير هو كذلك... دفعت بكوب العصير.. اندلق على الورق. أشرت على النادل بالحساب.. أقبل والابتسامة نفسها، قلت داخلي :"أهو اليوم العالمي للابتسام؟!". دفعت الحساب، وخرجت مستعجلا، تركا الورق، ودون أن انظر للذي يجلس قبالتي..بحثت في جيب سترتي عن هاتفي النقال، أخرجته بعجل.. فسقط جواز السفر.. اخذته.. شعور غريب دفعني لفتحه.. كنت أصرخ حين تبيّن أنها صورة الرجل الذي كان يجلس قبالتي... هممت لأعود للمقهى، وقفت وأنا أقرأ البيانات.. كان اسمي.. كان تاريخ ميلادي..كان... أنا!!!.


نبهان الحنشي*
* قاص عماني


أعلى





رواد الفن التشكيلي في عُمان

الفنانة رابحة محمود لـ(أشرعة):
خلقت بالموهبة وتعلمت من تجربتي وصنعني التحدي والمنافسة
أنا عاشقة لعمان وطبيعتها الساحرة
تشجيع مرسم الشباب توازى مع قوة عزيمة جيلنا
لابد من الالتفات لمادة التشكيل والبحث في طرق تدريسها
سأتبرع بأعمال لمتحف الفن التشكيلي العماني حال إنشائه
لماذا لا نسعى للمتلقي ونعقد ندوات لتثقيفه تشكيليا
جيل الشباب بدأ انطلاقته من المعارض الشخصية وفرصتهم أكبر لتسويق أعمالهم

تصفح أوراق ذاكرتها ـ إيهاب مباشر:
على سبيل التقديم
تتعاقب الأجيال على عوالمنا، مخلفة عصارات أفكارهم، إرثا يبني حضارات الشعوب. والفنون من أولى اللبنات التي قامت على إثرها العديد من حضارات العالم قديمها وحديثها، ولاسيما إذا كان فنا هادفا كالفن التشكيلي الذي يسهم في رسم ملامح من واقع الأمم، مصورا ثقافتها وقدرة أهلها على الإبداع، ناهيك على أن لغته عالمية تغذي حوار الحضارات المتعاقبة، وهو ما أصبح مطلبا ملحا لكسر حالة التعصب التي تسيطر على بعض العقول في بقاع المعمورة. وإذا كان هذا دور ورسالة الفنون، فما بالنا بالأنامل التي صنعت هذا المجد وكانت وراء صياغة هذا التاريخ. والمشهد التشكيلي بالسلطنة بشهادة القاصي والداني، يمر بحالة من التوهج الذي نتمنى أن ينهض أكثر وأكثر فيصل إلى العالمية، بعد أن أثبت أحقيته في السمو على المستويين الإقليمي والعربي.
بقي لنا أن نقدم باقة شكر، لمن كان لهم شرف تأسيس اللبنة الأولى، لهذا الصرح التشكيلي بالسلطنة، وهم بحق ـ وبشهادة الأجيال المتعاقبة وبالاستناد إلى البعد والتأسيس الزمني ـ جيل الرواد الذين تعلم منهم الجميع ـ سواء (اعترفوا بهذا الفضل أم أنكروه) ـ فقد حملوا على عواتقهم مسئولية الوصول به إلى الحالة الراهنة التي نشرف بها جميعا. ولقد كانت بادرة من (أشرعة) السباقة إلى كل ما هو جديد، لكي نقدم لجيل الرواد (لمسة إكبار ووفاء واعتراف بالجميل) لما قدموه للمشهد التشكيلي بالسلطنة، فكانت هذه الزاوية الأسبوعية من (أشرعة) تحت عنوان (رواد الفن التشكيلي في عُمان) وها نحن مع الفنانة التشكيلية رابحة محمود، نتصفح أوراق ذاكرتها، فتضيء مسيرة مشرفة من عمرها الفني..
ذاكرة الأيام
البدايات الأولى للفنان لا تمحى من ذاكرته، ولا تغفلها ذاكرة الأيام، وهي تتوازى مع قضية ارتباط الإنسان ببيئته الأولى التي احتضنت أولى خطواته، ولأن رصيد فنانتنا التشكيلية ونجاحاتها المتواصلة ومشاركاتها المحلية والدولية، ستشغل حيزا كبيرا في هذا اللقاء، فآثرت الفنانة رابحة محمود أن تتناول تجربتها ومشوارها الفني منذ بصمات الأنامل الأولى فتقول: وجدت نفسي داخل التشكيل ولم يشدني أحد إليه، لأننا في الأساس عائلة فنية، وعندما أعود بذاكرتي إلى المرحلة الابتدائية أو ما قبلها، أتذكر الصور التي بداخل الكتب وليس الكلمات المكتوبة بصفحاتها، فأنا طبيعتي بصرية وربما يعود ذلك إلى الموهبة أو الجينات، فكل هذه الأشياء موجودة في تركيبتي الشخصية، ويرى المتصفح لكتبي في بداية سنين عمري أن كل صفحاتها مليئة بالرسومات، وأكيد أنا أشترك في هذه البداية مع كل الرسامين.
نشأت على عشق والدتي للأعمال الفنية، وقد ذكر أحد الفنانين الكبار أن الموهبة تستحوذ على نسبة واحد في المئة من الشخص، وهي التي تعطي قيمة للعمل، فإما ينميها الشخص وإما تندثر، فأنا اشتغلت على هذه الموهبة وقمت بتنميتها، فلوحة الفنان هي عبارة عن تسعة وتسعين بالمئة جهده الفكري والعضلي، فاشتغال الفنان على اللوحة بالتسعة والتسعين بالمئة، يجعلها مكتملة وتشتمل على جميع الأسس والقواعد الفنية واللون، فالواحد في المئة موهبة هي التي تعطي روحا للوحة، فالتميز الفني الموجود بداخلي مثل الكاريزما بالنسبة للشخص، فأنا خلقت بالموهبة، والجينات الفنية تورث عبر الأجيال، فأنا على سبيل المثال فنانة تشكيلية وأختي نادرة محمود فنانة تشكيلية معروفة وابنة أخي عالية الفارسي فنانة تشكيلية أيضا، وزوجة أخي طاهرة فدا فنانة تشكيلية، فنحن عائلة فنية.
مواهب الأجيال
وعن مجتمعاتنا العربية والمقارنة بغيرها من المجتمعات في تعاطيها مع مواهب الأطفال تقول: مجتمعاتنا العربية تختلف عن المجتمعات الغربية التي تفتش في مواهب الطفل ثم يوجه التوجيه المناسب، أبناؤنا يحرمون من هذا التوجيه، فلا يهتم أحد بمواهبهم في مدارسنا، كانت دراستي الأولى في العراق وكان الرسم مادة أساسية يمتحنوننا فيها، وكانت المعلمات تجتمع حول لوحاتي، لكن للأسف لم أوجه التوجيه المطلوب الذي يظهر موهبتي في مراحل التعليم المختلفة. في أوروبا توجد حصة تذوق فني، فإذا كانت عند الطفل موهبة يسلط الضوء عليها، وقد رأيتهم في أوروبا يجعلون رياض الأطفال يزورون المتاحف مثل اللوفر ويجعلونهم يطلعون على لوحة فان جوخ، ويطلعونهم على لوحات لزهرة دوار الشمس، وفي اليوم التالي لزيارة المتحف يأخذونهم إلى الحدائق كي يروا زهرة دوار الشمس على الطبيعة، فمن هنا تكون جمالية الربط بين اللوحات والطبيعة، لأن الطفل يحب الطبيعة جدا ونحن في عمان لدينا أروع طبيعة ممكنة، ولابد من التفات واضعي المناهج التعليمية إلى مادة التشكيل والبحث في الطرق الصحيحة لتدريسها، مثلما كنا نتعامل معها في السابق من خلال المناهج التي تتناولها، ولماذا لا تكون هناك مرجعية للتعليم في هذه الشأن ولتكن جمعية الفنون التشكيلية، وطبعا مهم جدا عندما نريد أن نعلم هؤلاء الأبناء أن يوجد متحف يضم أعمال التشكيليين العمانيين للاطلاع على هذه التجارب وليدربوا الأبناء على التذوق الفني، التربية الفنية تحتاج إلى المناهج وإلى التذوق والكثير من الأشياء والمفردات ممكن أن تضاف في هذا الجانب وقد رأيت بعض الطلبة يأخذهم معلمهم لرؤية الأحجار بأشكالها وألوانها، وهذا يضيف بعدا آخر إلى هذا الموضوع وهو احترام الطبيعة وحبها. فلابد وأن نأخذ الأطفال إلى الطبيعة، ومثال على ذلك البحر وقت الضحى، ونسأل الأطفال كم لونا ترونه في البحر، فلو أنك سألت الطفل عن لون البحر قبل أن تذهب به إليه لقال لك لونه أزرق، لكنك عندما تأخذه إليه وتسأله فيجيب: اللون الأزرق والتريكواز والنيلي، فهو بذلك سيرى أشياء وألوانا لم يكن قد رآها من قبل في البحر من خلال زيارته للطبيعة، فالطفل في بداية عمره تفكيره بسيط ولكنك عندما تزيد من مهاراته المعرفية بهذه الزيارات الميدانية فهذا ربما يفتق عنده الموهبة، وهذا يشجعنا إلى أن نذهب به إلى الحديقة ليرى تدرجات اللون الأخضر الذي اعتاد عليها لونا واحدا وهو الأخضر. هذه الأشياء تراكمية ولا تأتي بين يوم وليلة، وأنا على استعداد أن أتبرع بأعمال لي لتعلق في متحف الفن التشكيلي حال إنشائه بدل أن تخزن في المخازن وتتآكل بفعل الطبيعة.
تجربتي .. ومرسم الشباب
وعن المنافسة والتحدي وكيف بلورهما مرسم الشباب لديها تقول الفنانة رابحة محمود: افتتاح مرسم الشباب بلور موهبتي، وكان فرصة لتنمية الموهبة فكانت المنافسة والتحدي الذي صنعني، فالمنافسة كانت على مستوى الشباب، وقد جمعنا مرسم الشباب كمجموعة الفنانين الشباب، فكنا نأتي للمرسم يوميا ونرسم وكل واحد في قرارة نفسه يريد أن يكون في مستوى أكبر من الآخر، ويتميز بأسلوب خاص، فكان المدخل إلى المنافسة بزخم قوي وقد جاء التشجيع بمنتهى قوة عزيمتنا وكأنك بالضبط تلقي ولدا في البحر ثم تطالبه بالعوم دون أن تعطيه أي دروس عملية في السباحة، عندما كانت البداية في هذا الجو فقد تأثر بعض الشباب ببعضهم البعض، وهذا لم يكن هاجسي لأنني كنت على نفس المستوى وأنا أريد أن أتميز بأسلوب متفرد، فكنت أتعلم من تجربتي حيث كنت مولعة بقراءة الكتب التي تتناول القضايا الفنية، لأنني لم أدرس الفن أكاديميا وفي رأيي أن الدراسة الأكاديمية لا تصنع فنانا، إنها تختصر المسافات فقط، أنا مولعة بشراء الكتب الفنية وشرائط الفيديو التي تعنى بالتجارب الفنية، وهناك شيء مهم جدا كان له الأثر الطيب في صقل موهبتي الفنية بالإضافة إلى الكتب والاطلاع وهو زيارتي لمتاحف أي دولة أقوم بالسفر إليها، كانت التجارب الغربية في التشكيل خلال الثمانينات حديثة جدا، وكان اطلاعي عليها خلال السفر مهم جدا، وقتها لم أكن أستطع مواكبة التيارات الحديثة في الفن، لأن تجربتنا في التشكيل في هذا الوقت لم تكن كبيرة، فكان التفاعل مع هذه التجارب صعبا جدا، كانت بداية جيلنا منافسة على الواقعية ثم انتقل إلى الانطباعية. وتضيف: قضية التحدي كانت مرتبطة ببداية مرسم الشباب ومشاركاته الخارجية على المستوى الخليجي والعربي والعالمي، فأصبحنا على المحك مع التجارب العالمية، وكان مجلس التعاون يقيم مهرجانات ثقافية وفنية في باريس وطوكيو، فكانت تأتي مشاركاتنا بجانب مشاركات الفنانين العرب الكبار، فهذه البداية كانت بمثابة التحدي بالنسبة لي، وكنت دائمة التردد وقتها في مشاركاتي الخارجية، ولكن هذا التحدي جعل الفنان العماني يسرع في وتيرته لأن الخلفية بسيطة ولابد من المنافسة طالما أنك قبلت الولوج إلى العوالم الفنية المختلفة، كلنا جئنا متعلمين ولو في أبسط الأحوال، لكن هذا جعل بدايتنا مع مرسم الشباب بداية صحيحة. ومن ألوان التحدي اشتراكنا في أسبوع ثقافي خليجي في اليابان، ولا أقدر أن أوصف هذا الشعب كم هو محب للفنون، فهم يقيمون المعارض في مكان ويقومون بتبديلها كل يومين بجميع أنواع الرسم من أقدم الكلاسيكيات إلى أحدثها، فهو شعب محب للفن. البيوت والحارات العمانية القديمة من أجمل وأروع الأبنية تميزا وجمالا وخصوصية، وهي تحافظ أيضا على البيئة، لكن للأسف أبيدت حارات بكاملها، وأنا كنت أصور في الثمانينات العديد من البيوت والحارات العمانية القديمة، لكن الآن طبعا هي غير موجودة، وأنا أثمن هنا دور الصناعات الحرفية التي تهتم بهذه الأشياء وتقوم بتطويرها وهذا توجه جيد. جيلنا أثر وتأثر وإن لم يكن النجاح حليفنا طوال مشوارنا الفني لكنا توقفنا، والطبيعة البشرية وسنن الكون تقتضي التغير والتحول وهو ما يقوم به جيل الشباب التشكيليين، وجيلنا أخذ فرصته كاملة في السفر وأوقات وفرص التحدي والرعاية.
مفردات التراث العماني
وعن العلاقة التي تربطها بمفردات البيئة والتراث العماني تقول الفنانة رابحة محمود: أنا عاشقة لعمان وطبيعتها الجميلة من صحراء ونخيل وأشجار وكل أهل عمان، أحب عمان الداخل بطبيعتها والفلكلور والأزياء ونظرتي لها ليست نظرة سريعة، لكنها نظرة عمق للتراث والخصوصية، لابد وأن نهتم بفكرنا ولغتنا وتراثنا في ظل العولمة واجتياحاتها لكل شيء جميل، أحرص على أن كل شيء داخل لوحتي يكون عمانيا. وبالعودة إلى الطبيعة العمانية كانت ابنتي تدرس في الجامعة الأميركية بالشارقة وكان عندهم (بروجكت) عن التصوير والتحميض الفيلمي، فكانت زميلاتها في غاية الحيرة، لأنهن لا يجدن ما يصورنه، وكانت ابنتي قد صورت القرية التراثية في مهرجان مسقط، وأنا كذلك كنت دائمة التصوير لها لأن تيمتي في الرسم (المرأة العمانية) وقد اخترت هذه التيمة التي أعتبرها ذريعة لأنني أحب اللون والأشكال وأنا لا أحب البهرجة والزخرفة المجانية فأنا أحب أن تتسم بالعمق وأن تظهر القيم التشكيلية في لوحتي من خلالها.
فكر وإبداع
فكر الفنان وثقافته ومدى وعيه بما يقدم من تجارب إبداعية، قضية تشغلها كما تشغل العديد من الفنانين الذين لديهم وعي كبير بما يقدمونه من إبداع، وهو ما أعطته أولوية في لقائها مع (أشرعة) الثقافي فقالت: لابد وأن يكون هناك فكر وراء عمل الفنان، فاللوحة مبنية على أفكار لأنني كفنانة أريد أن أوصل فكرة، لذا فلابد أن يثقف الفنان نفسه، والآن التوجهات الحديثة في العديد من البلدان الأوروبية أن الفنان عليه استقاء الأفكار فقط وهناك عناصر أخرى تنفذ هذه الأعمال، فأساس الأعمال الفنية أفكار جديدة ثم يأتي غيرهم ليعمل على هذه الأفكار ويؤكدها، فتصبح اتجاها حديثا، ولولا اشتغال من أتى بعدهم على هذه الأفكار لاندثرت بسرعة وما قامت لها قائمة، فالفكرة إذا كانت عبقرية سيشتغل عليها الفنان مثل (الفيديو آرت) الذي أصبح اتجاها حديثا في التشكيل، مثلما جاءتنا الانطباعية حيث كان الانطباعيون ترفض أعمالهم في المعارض لعدم تقبل هذا الاتجاه، فكانوا يوصمون أعمالهم بالعشوائية وبأنها مغبشة، مازالت الاتجاهات القديمة موجودة، وهناك الكثير من الأشياء تؤثر في الفن في أوروبا ومنها رعاية المؤسسات الخاصة لمعارض الفن التشكيلي وهذا الشيء غير معمول به هنا بالسلطنة ولابد وأن يفعّل لأن له تأثيرا على الحركة التشكيلية هنا وسيكون موضوعا له إيجابياته، بالإضافة إلى أنه أصبحت هناك شركات تسويق فنية في أوروبا ومردودها على الفن جيد جدا، لأنها تتحمل عبئا كبيرا من الناحية التسويقية والتنظيمية للمعارض، وتساعد الفنان على تسويق أعماله وبالإضافة إلى وجود مجموعات النقاد، لكننا لم نصل هنا طبعا لأي مرحلة من هذه المراحل.
وطالما كان الحديث عن ثقافة ووعي المبدع، فكان لابد أن نتناول قضية ثقافة المتلقي والسبل الكفيلة بتفعيلها فقالت: ثقافة المتلقي تشكيليا غير موجودة على الإطلاق، لأنها تعتبر ثقافة مجتمع بالكامل، وأولى الوسائل التي توجد ثقافة التشكيل لدى المتلقي، وهي مسئولية الفنانين، أن نخرج بفنوننا إلى المتلقي ولا تقتصر عروضنا على المعارض المغلقة أو المتاحف، ولابد أن يدخل الفن في الأشياء التي يتعامل معها الناس، مثل صناعة السيارات والأثاث وغيرهما، وهو ليس توجها بقدر ما هو عودة إلى فطرة الإنسان الأولى، فالإنسان البدائي كان يصنع آنيته ثم يقوم بالنقش عليها، وعلى مستوى السلطنة نجد الأجانب الذين يعيشون فيها، هم مرتادو معارضنا التشكيلية لأنهم نشأوا على حب الفن وتربوا على أهميته في حياتهم منذ نعومة أظفارهم، والواجب على الآباء أن يأخذوا أبناءهم إلى المعارض ويربطوا فكرهم بين ما يرونه في المعرض والطبيعة من حولهم. والناس هناك على اختلاف مشاربهم الثقافية وتوجهاتهم يتداخلون بشكل إيجابي مع الحركة الفنية ويقدرون ما يقوم به الفنان من أعمال، ولذلك تولدت عندهم ثقافة التشكيل، وهو شيء تراكمي ولا يأتي أو يتولد بين يوم وليلة.
وهنا لابد وأن أثير سؤالا، لماذا تقع مسئولية تثقيف المتلقي عليه فقط، لماذا لا نقوم نحن بالسعي إليه لتثقيفه، ونحن بإمكاننا كتشكيليين أن نأخذ تشكيلنا وثقافتنا إليه وتكون معارضنا في فضاء أرحب في الأسواق والجامعات والمعاهد العلمية وعلى الشواطئ، وقد قامت الجمعية بتنفيذ فكرة مماثلة وأظنها تتكرر في المناسبات الوطنية، فيقام معرض ومرسم مفتوح على كورنيش مطرح، من المؤكد أنها طريقة جيدة لتثقيف المتلقي وإن كانت بشكل غير مباشر، وهناك العديد من الطرق المباشرة لذلك ومنها أن تعقد الجمعية ندوات تثقيف وتوعية تشكيلية في كل المحافل، وأتمنى أن تكون بادرة من القائمين على الجمعية، لكنه موضوع يحتاج إلى دعم المؤسسات وهو دور مواز لما تقوم به الجمعية في هذه الجزئية، والشيء الذي أحب أن أؤكد عليه أن هذا التثقيف لابد أن يشمل كل مناطق السلطنة وتكون هناك جولات أو قوافل تشكيلية تذهب إليهم للتعريف أكثر بالفن التشكيلي ومدارسه.
قضايا التشكيليين
وخلال لقائها عرجت الفنانة رابحة محمود على بعض القضايا التي تهم التشكيليين وتتناول بعض ما يشغلهم مثل قضية التفرغ وإقامة المعارض الشخصية فقالت:
قضية تفرغ الفنان من القضايا الملحة التي تفرض نفسها، كلما كانت هناك مساحة للحديث عن الفنان التشكيلي، فكيف يأتي الفنان التشكيلي بالوقت الكافي لإنجاز أعماله وهو مطالب بالسعي وراء لقمة العيش، كل فنانينا غير متفرغين ولذلك نقترح أن يكون هناك تفريغ للفنان ولو بشكل جزئي في الأوقات التي يستعد فيها لإقامة معرض وكذلك للأوقات التي يستقطعها كي يحضر معرضا خارجيا أو مناسبة ثقافية وفنية تشارك بها السلطنة. وإقامة المعارض الشخصية من أصعب الأشياء على المبدع الفنان، فأنا على سبيل المثال عندي أعمال كثيرة مخزنة ولم تتح لها فرصة العرض بمعرض شخصي، المعرض يحتاج إلى ترتيبات كثيرة وأنا لا أحب أن أركض وراءها لتسويق أعمالي. جيل الشباب بدأ انطلاقته من المعارض الشخصية وهم يجدون فرصتهم أكثر في تسويق أعمالهم في الجاليريهات المتواجدة في السلطنة أو التي تقام في الخارج، عندي لوحات تكفي لإقامة عشرة معارض شخصية لكنني لا أستطيع تنظيم هذه المعارض.
والإعلام العماني لم يقصر مع الفنان التشكيلي، لكن يبدو أنني لا أحب التعامل مع (الميديا)، كنت في السابق أكثر تعاملا مع الإعلام أما الآن فهذا الموضوع لا يستهويني، أقمت معرضا شخصيا في الجمعية لكن استفادتي المادية منه كانت قليلة. وهنا أتساءل: لماذا لا يكون هناك وكيل عن الفنان التشكيلي يقوم بتسويق أعماله وعمل الدعاية اللازمة له حتى يجنبه مشقة تنظيم المعارض وتسويق أعماله، لكن أين وكيف نجد من يقوم بهذه المهمة، في أوروبا يتبعون منهجا معينا يطبقونه على الفنان وبخاصة المبتدئ، فيقومون بعمل الدعاية المكثفة اللازمة له ولأعماله ثم يستفيدون بحوالي سبعين في المائة من مبيعات أعماله، وهذا وإن نظر إليه البعض على أنه استغلال للفنان ومجهوده ولكنه هو المستفيد، فسقف مبيعاته سيكون مرتفعا جدا وفي الغالب هم يتعاملون مع الفنانين المبتدئين ويكون المردود كبيرا بالنسبة لهم وهي تكون فترة محددة للفنان وبعد ذلك ينطلق إلى آفاق أرحب، وأنا من ناحيتي على استعداد لإعطاء من يقوم بهذه المهمة ويسوق أعمالي حوالي ثلاثين في المئة، والنساء ينجحن في عملية التسويق أكثر من الرجال، لأن المرأة لديها قابلية من كل عناصر المجتمع. الجمعية العمانية للفنون التشكيلية داعم قوي للفنان العماني، لا يوجد لدينا أكاديميات فنون والجمعية لعبت دورا مهما في التنافس والتحدي هو الذي يخلق الفنان.

أعلى







القدس عاصمة الثقافة العربية 2009
يوم زلزل العرب والمسلمين
سقوط القدس الشرقية يوم الأربعاء 7 يونيو 1967

من المدهش أن الدول العربية التي لها علاقات دبلوماسية أو اتصالات رسمية مع إسرائيل ليس لها أي سعي يذكر لوقف سياسات تهويد المدينة الشرقية

يذكر الملك حسين أن يوم سقوط القدس كان أصعب أيامه حيث خسر العرب والمسلمون المدينة المقدسة في عهده


الذي أعد هذا التاريخ المختصر وربما أغلب من سيقرؤه كانوا إما أطفالا لا يذكرون هذه الحرب أو لم يولدوا بعد. لكن ليس من المبالغة القول إن انتصار إسرائيل في حرب يونيو ـ 1967 غير بالفعل الشرق الأوسط الحديث. كما جعل القدس في قلب الصراع بسبب تعلق أتباع الديانات الثلاث بها: المسلمون والنصارى واليهود. ولا يلوح أي سلام قابل للاستمرار بدون عودة القدس الشرقية إلى العرب والمسلمين مرة أخرى أو أن تصبح عاصمة للدولة الفلسطينية الموعودة . بيد ليس من المبالغة القول أيضا أن هذه العودة بعيدة المنال في ظل الظروف الراهنة .
وربما لن يتجاوز العرض الإسرائيلي شيئا شبيها بخطة ييجال آلون التي عرضها على الملك حسين في لقاء سري في لندن في 27 سبتمبر 1968 ورفضها الملك رحمه الله و التي قضت بعودة السيادة العربية على جبل الطور أو سور المسجد الأقصى (الذي يضم المقدسات الإسلامية) ورفع علم الأردن عليه. وهي الخطة التي فصلها المؤرخ الإسرائيلي ـ البريطاني آفي شلايم في كتابه الاخبر Lion of Jordan: The Life of King Hussein in War and Peace ، أسد الأردن : حياة الملك حسين في الحرب و السلام . طبعا هذه المرة سيكون العرض رفع العلم الفلسطيني مع احتفاظ اليهود بجزء يبنون عليه هيكلا.
ويفسر هذا قمع إسرائيل لاحتفاليات القدس عاصمة الثقافة العربية 2009 في القدس الشرقية نفسها وإجراءات تهويدها. وانه لمن المدهش أن الدول العربية التي لها إما علاقات دبلوماسية أو اتصالات رسمية مع إسرائيل ليس لها أي سعي يذكر لوقف سياسات تهويد المدينة الشرقية، بل الإجراءات ضد السور نفسه.
ولنعد إلى اليوم الحاسم يوم سقوط المسجد الأقصى في أيدي القوات الإسرائيلية صبيحة الأربعاء 7 يونيو 1967.
كانت القوات الإسرائيلية التي اشتركت في تطويق مدينة القدس واقتحامها مؤلفة من لواء المشاة عتصيوني الذي كان حينها يضم سبع كتائب مشاة وكتيبة دبابات وكانت جميع وحداته مرابطة في القدس الغربية (المحتلة منذ عام 1948) والمناطق المحيطة بها، و لواء هارل المدرع ولواء المظليين بينما كان لواء مشاة آلي محمول يرابط في منطقة اللطرون.
بدأ القتال الساعة العاشرة صباح يوم 5 يونيو 1967.
وحتى الساعة الثانية عشرة ظهراً كانت المعارك بين الجنود الأردنيين والقوات الإسرائيلية مقتصرة على تبادل نيران المدفعية والأسلحة الخفيفة إلى أن قامت كتيبة مشاة أردنية باحتلال جبل المكبر شرقي القدس في الساعة الواحدة والنصف ظهراً فاستعادته أربع كتائب من لواء عتصيوني الإسرائيلي تعززها سرية من اثنتي عشرة دبابة بعد استشهاد وفقد مائة جندي أردني من أصل خمسمائة. وبذلك هددت القوات الإسرائيلية طريق القدس ـ أريحا.
كما اجتاحت القوات الإسرائيلية، تحت قصف كثيف من المدفعية والطيران، مواقع الشيخ عبد العزيز وتلة الرادار وبيت اكسا ومنطقة الشيخ جراح والطنطور وجبل سكوبس وتمكنت من احتلال بيت حنينا والنبي صموئيل وبدّو شمالي القدس وبذلك أحكمت تطويق القدس من الشمال والجنوب وسيطرت على الطرق المؤدية إليها. وفي هذا السياق يذكر المقدم غازي الربابعة الذي قاد إحدى كتائب اللواء الأردني الذي دافع عن القدس يذكر في مقابلة مع قناة العربية أن السرية التي كانت على ميمنته في الشيخ جراح كان عددها 105 جنود استشهد منهم 97 جنديا ولم يخرج من الموقع سوى خمسة جرحى فقط.
واصلت القوات الإسرائيلية الهجوم باتجاه القدس القديمة وأصبحت في باب الزاهرة فيما قاوم الجنود الأردنيون في كل من جبل الزيتون ومستشفى المطلع وأبو طور ورأس العمود. واستمرت القوات الأردنية داخل أسوار القدس القديمة في القتال طيلة ساعات النهار وعلى مدار ليلة 7 يونيو 1967.
وفي هذه الأثناء قصفت القوات الإسرائيلية السور أو الحرم الشريف فأصيبت قبابه ومساجده وأرضه في عشرين موضعاً كما دمّرت قبة كنيسة القديسة حنا عند باب الأسباط .
واستشهد جراء ذلك 300 مدني من بينهم عائلات بكاملها. وقد فصل الصحفي الأميركي المسلم عبدالله شليفر Abdullah Schleifer أحداث الهجوم الإسرائيلي على المدينة الشرقية في كتابه The Fall of Jerusalem ، سقوط القدس، الذي عده مؤرخو المنطقة الغربيين شهادة مقاومة من الطراز الأول. وان شليفر قد عمل مراسلا لشبكة ان بي سي NBC الأميركية في القاهرة ومراسلا خاصا لجريدة نيويورك تايمز في القدس في أعقاب حرب 1967.
أخيراً تمكنت القوات الإسرائيلية من اقتحام البلدة القديمة عبر بوابة مندلبوم وحي المصرارة وفندق الإمبسدور وباب العمود، ونفذت ذلك وحدات لواء المظليين. في الوقت نفسه اقتحم لواء آلي البلدة عبر باب المغاربة وباب الأسباط. وسقطت القدس صباح يوم الأربعاء 7 يونيو 1967م.
دخل الجنود الإسرائيليون المسجد الأقصى من باب الأسود ودمروا مئذنة باب الأسباط بالكامل. كما قام الجنود بنهب سجاد المسجد القديم وأهديت قطعة منه إلى رئيسة وزراء إسرائيل آنذاك جولدا مائير.
مكث الجنود الإسرائيليون ثمانية أيام داخل المسجد الأقصى منعوا خلالها الأذان والصلاة حتى تدخلت تركيا فأمرت إسرائيل قواتها بالجلاء عنه. خلال هذه الأثناء رفض اللواء الإسرائيلي أوزي ناركيس قائد القوات التي اقتحمت المدينة اقتراحا من أحد ضباطه بنسف ما بداخل السور كله. كما أمر موشي ديان أثناء زيارته للمكان بعد ثلاثة أيام بإنزال علم إسرائيل من فوق قبة الصخرة.
وللمفارقة، وبعد أن أقامت معها عدة دول عربية علاقات دبلوماسية أو اتصالات رسمية، لا تقيم إسرائيل حاليا مثل هذا الاعتبار لحساسية العرب والمسلمين تجاه المكان حتى أنها أصبحت تهدد المقابر الإسلامية المحيطة بالسور. فهي حاليا تخطط لتحويل مقبرة باب الرحمة إلى حديقة عامة. وتضم المقبرة قبري الصحابيين شداد بن أوس وعبادة بن الصامت رضي الله عنهما. وقد شهد هذان الصحابيان فتح بيت المقدس في العام 15هـ. وتقع المقبرة شرق السور الشرقي من ناحية باب الرحمة المغلق.
بلغت خسائر القوات الأردنية في معارك القدس والضفة الغربية: 700 شهيد و6000 بين جريح ومفقود. أما الخسائر الإسرائيلية فكانت على الجبهة الأردنية: 550 قتيلاً و2400 جريح. ويذكر الملك حسين رحمه الله في أحاديثه مع صحفي فرنسي نشرت لاحقا في كتاب مهنتي كملك (النسخة العربية) أن يوم سقوط القدس كان أصعب أيامه حيث خسر العرب والمسلمون المدينة المقدسة في عهده هو نفسه.

محمد بن عبدالله العليان *
* إعلامي عماني وعضو الرابطة الدولية للكتاب العلميين ISWA

أعلى






تاريخيات
مروان الحمار

قامت الدولة الأموية سنة 40 هـ ، وكان أول خلفائها معاوية بن أبي سفيان ، الذي دخل في صراع مع الإمام علي بن أبي طالب ، مطالبا إياه بدم الخليفة عثمان بن عفان الذي ينتمي إلى بني أمية ، والذي قتل سنة 35 هـ عن عمر يناهز الثمانين عاما ، بعد أن تم محاصرته في بيته أكثر من أربعين يوما ، ومن ثم تمت مهاجمته وهو يقرأ القرآن فجرا ، وقتل ، وكان مقتله سببا فيما حدث بعد ذلك من صراع بين المسلمين في معركتي الجمل وصفين .
وكان معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشيّ واليا على الشام في خلافة عثمان بن عفان ، واستغل مقتله للدخول في صراع مع الخليفة علي بن أبي طالب ، الذي تم اغتياله سنة 40 هـ على يد عبدالرحمن بن ملجم ، وتولى ابنه الحسن أمور الخلافة ، غير انه سرعان ما تنازل عنها بعد أقل من سبعة أشهر لمعاوية ، الذي أسس الدولة الأموية واتخذ مدينة دمشق عاصمة لها 0
واستمرت الدولة الأموية 92 عاما ، حتى سقطت في عام 132 هـ ، على يد العباسيين ، وتوالى عليها أربعة عشر خليفة ، كان آخرهم مروان بن محمد بن مروان بن محمد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص، بن أمية، الملقب بمروان الجعدي نسبة إلى مربيه ومؤدبه جعد بن درهم ، ويعرف أيضا بمروان الحمار لكثرة ماتحمل وصبر في سبيل انقاذ الدولة الأموية ، والتي ورث حكمها وهي مهددة بالسقوط ، وكان ذلك ماحدث .
ولد مروان بن محمد في عام 70 هـ ، وكانت امه من أصل كردي وهي لبابة جارية إبراهيم بن الأشتر ، وعرف عنه الشجاعة والقوة في القتال والعزم في الحروب ، وعشقه للجهاد ، وكان واليا على أذربيجان وأرمينية والجزيرة في عهد الخليفة هشام بن عبدالملك ، مما أكسبه محبة المسلمين وولائهم له ، والتفافهم حوله .
ويعتبر مروان بن محمد من أفضل خلفاء بني أمية ، ومن أكثرهم شجاعة ، ولكن من سوء حظه أنه تولى الخلافة وهي مثقلة بالأخطاء ومكبلة بالفتن والثورات ، فحاول الحفاظ على تماسكها ، والحيلولة دون سقوطها ولكنه فشل في ذلك ، حيث لم يكن باستطاعته السيطرة على الضعف الذي كان ينخر في جسم الدولة قبل مجيئه .
تولى مروان مقاليد الحكم في صفر عام 127 هـ ، بعد مقتل الخليفة الويد بن يزيد ، الذي عرف بالمجون والفسق ، والذي عبث بالدولة ، حتى أن مقتله جاء بعد أحداث دامية عصفت بالبيت الأموي ونالت من تماسكه واستقراره ، وكانت بداية النهاية .
واستمر مروان الحمار في الخلافة خمس سنوات ، لم يهنأ بها ، حيث قضاها في محاربة الخارجين على الدولة ، خاصة في بلاد الشام ، وأخذ يتنقل بين حمص وغوطة ودمشق وفلسطين ، والرقة والرصافة وتدمر ، يحاول جاهدا إخماد الثورات فيها ، ولكن كلما حاول اخماد ثورة في مكان ، يجدها اندلعت في مكان آخر ، وكان ذلك من أسباب اتخاذه لمدينة حران في شمال الشام مقرا لحكمه ، حتى يظل بعيدا عن الاضطرابات والصراعات المتجسدة في مدينة دمشق وما جاورها في قلب الشام .
وكانت من أكثر المناطق سخونة في عهده منطقة خراسان التي اندلعت فيها ثورة عارمة بقيادة أبو مسلم الخراساني الذي كان ينادي لقيام الدولة العباسية ، وتمكن من السيطرة عليها وعزل واليها نصر بن سيار ، فكان ذلك تمهيدا لاعلان الخلافة العباسية بقيادة عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس المعروف بأبو العباس السفاح لكثرة ماقتل من الأمويين .
قام أبو العباس السفاح بإرسال الجيوش تلو الأخرى للقضاء على جيوب المقاومة الأموية ، ونجحت في ذلك ، ومن ثم عمد إلى تجهيز جيش كبير للقضاء على ماتبقى من الأمويين بقيادة مروان الحمار ، والتقى الجيشان في معركة الزاب في عام 132 هـ ، والتي أسفرت عن هزيمة متوقعة لمروان بن محمد ، الذي فر بعدها إلى مصر ، ولكن جيوش العباسيين أدركته في قرية أبو صير المصرية ، وتمكنت من قتله في 28 من ذي الحجة سنة 132هـ ، معلنة بذلك رسميا وفاة الدولة الأموية التي تمكنت من احداث نقلة نوعية في تاريخ الإسلام في شتى الميادين ومختلف المجالات ، والتي ستنجح فيما بعد في احياء مجدها ، عندما تأسست الدولة الأموية في بلاد الأندلس بقيادة عبدالرحمن بن معاوية الذي تمكن من الفرار من مذبحة العباسيين والاستقرار في بلاد الأندلس وانشاء دولة اسلامية استمرت زهاء ثمانية قرون .

محمد بن حمد الشعيلي*
*أكاديمي في الجامعة العربية المفتوحة



أعلى






دمع آخر...

عمود إنارة مطفأ، ليس ثمة طائر يمتطيه ويغرد فوقه، ولا فراشة ترفرف بأجنحتها حوله وتختال مزدانة، ولا نور يزيده ألقا ودفئا، ولا عابر يتكئ عليه ويقرأ صمته وحزنه.... ثم يمضي ساحبا ظله وبقايا انكسار وغربة...
عمود وحيد غارق في ظلامه وبؤسه، تظلله شجرة كبيرة تزيده حنينا للضوء في الصباح وتزيده عتمة في المساء، وقريبا منه جلس مقعد خشبي فارغ ربما استراح عليه ذات صيف صديقان مشطا طرق الحياة التي أتعبتهم بزحامها ودروبها الملتوية ولحظاتها الضجرة ... صديقان نفخا في وجه الفراغ هم الحلم والمصير ...أو ربما اتخذه قارئ نهم ملاذا لسلوته وأنسه وأغرق عينيه في السطور ،، أبحر في دفتي كتاب وغاص في جنباته وقرر أن يتخذ البياض وطنا له.. قرر أن يستقر في قلب ورقة ... قارئ صادق أبا ماضي وشاكسه طاغور وعرف همنجواي وعاش مع أبطال منيف...
ذاك مقعد منسي يقع أسفل عمود حزين شاكسته الظلال، رقصت عليه بنزق وذابت على وجهه، وألقت عليه الشمس ماء حرارتها الملتهب، وربما رأفت به غيمة عابرة فدثرته بسلام ثم سكبت مطرها شفقة أو ربما حبا.. وبعد بكاء رحلت.. سبحت في مدارها بعد أن بللته وغسلته من غبار الفصول والأيام...
أراني أسمع الآن حوارا دافئا مشحونا بالشجن بين العمود والمقعد ...
يا صديقي تطوقني العتمة كل مساء، تحاصرني أشباح الليل أصبحت أخاف الظلام ...عيني مطفأة وفي ذاكرتي عطب ما.. من يستبدل عتمتي بالنور؟؟ وشقائي بالسعد من يشعل فتيل الحلم بداخلي؟؟؟ ويمسح عن وجهي هذه الكآبة.....
لا أخفيك أشتاق للمسة فراشة طيبة ورقيقة ليتها تلصق روحها على كتفي وتهدهد ما تبقى من أنين وترسم بهاءها وشفافيتها في محياي الباهت وتخدشني قليلا بحبها، ما أحلاه من خدش وما أروعه من جرح... ما أبهى هذا الشعور أن يحبك أحد حتى الموت.. أن يحتضنك حد الإنغماس أن يتعمق بداخلك ويتخذك وطنا آخر... وما أبأسه من شعور أن تتمرد الأمنيات الصغيرة ولا تتحقق... أن تموت وأنت على قيد الحياة... ما أبأسك حين تقف منكسرا وتنتصب متوجعا...
ليتها تأتي الفراشة وتطوف حولي برقصها الجميل وتخاصرني وتذوب بداخل ضوئي المفقود، وتطرق نافذتي التعسة، سأمدها حتما بالفرح، سأرسم لها خيوطا ناعمة.. وشلالات رقراقة سأسكنها قلب ضوئي... سأزرع في أنفاسها ربيعا قادما ومساءات حالمة ... سأنسج لها قميصا من نور... وأحلاما زهـــرية...
أشعر بالغيرة من الأعمدة الأخرى أنها مضاءة وممسوسة بالسكينة والحبور .. أشعر بها تسخر مني.. تضحك.. وتتسمر بكل فخر منتصبة وأنا منسي ومعتم.... ألا تأتي فراشة واحدة؟؟؟ واحدة فقط تتفقد موتي، لكن منذ متى والفراشات تعشق العتمة؟ إنها ترفض السواد وتموت من أجل النور، إذن عزائي الوحيد أنني لن أتسبب في موتها بعد الآن...
لكنني شغوف بالوهج، ألا يأتي عامل الحديقة هنا ليغير تلف مصباحي؟؟ ألا يشتكي صبي من الظلام حولي الذي يتسبب في مشاكسته وإخفاء كرته؟.. ألا تتعثر إمرأة عجوز بحجر لم تبصره ثم تتذمر وتصر على أن يأتي أحد ما ويجد حلا لأزمتي هذه؟... ألا يأتي القمر ويلقي شيئا من ضيائه فوقي؟؟ أم وحده يعبر الفضاء مسرورا ويختبئ في إطار الشرفات ويختلس النظر لنافذة صغيرة يبزغ منها وجه حالم.. ألا يعبر من هنا من يحمل شمعة تلاحقها الكائنات الجميلة والصغيرة ذات الأجنحة.. الكائنات المحبة للاحتراق والضوء.... شغوف أنا بالأجنحة الشفيفة...
آآآآه يسكنني الوجع ،، تنتابني الغربة ينهشني الحنين بمخالبه، يدمي جراحاتي،، وطني النور وأنا الآن بلا وطن .. بيتي شاحب وأنا باهت ووحيد...
يتمتم المقعد بعد أن أنصت لحزن العمود...يتمتم بهمس جريح..أتدري يا صاحبي أيها الواقف بقربي لست وحدك المحزون... أنا أيضا أحن لعابر متعب يستريح في كنفي وينشد فيَ الراحة والسكون ويتخذ مني مأوىً حنونا...
أحن لطفلة تدلي قدميها الصغيرتين فوقي وتلعق البوظة وقبل أن تجلس لن تنسى أن تمسح الغبار عني خشية أن يلوث ثوبها البهي... أشعر بها تربت على حزني وتخبئ لمسات أصابعها الصغيرة ثم تبعثر ذرات الغبار في الهواء الذي حتما سيشاكس جدائلها ... أين تلك الصغيرة الآن؟؟؟ ربما تبحث في هذا المساء عن بقعة بيضاء... عن متكئ دافئ ...عن مقعد لا يصاحب عمودا بائسا...
يهتز العمود حنينا وأسفا..... وتتساقط من الشجرة وريقات دامعة...
ويكمل المقعد.. وحدي أجلس ومن خلفي صراخ الصغار وهتافاتهم وترانيم أصواتهم... ومن أمامي خطوات تحث السير بعيدا نحو الغيب...

**********
يقترب المساء ولا زلنا وحيدين نحتاج لضوء ولمسة ،،نحتاج لقبلة وحكاية تنسكب في حزننا مواسم عرس بهي.. تتدلى حروفها من فوقنا ... أيتها الشمس ألقي حزمة شعاعك.. أيتها النجمة أسقطي شيئا من جمالك... كي لا نشعر بالأنين... كي لا نكون منسيين ... كي تعود لنا الحياة وتعبرنا الليالي وتشتاقنا الضحوات البكر والعصافير والناس والذكريات....

*********
المقعد والعمود.... وحيدان الآن إلا من الوحدة... حالمين بفرح قادم...
يخيم المساء عليهما ... يزداد الوجع... تكبر بقعة الألم وتتسع.. تمر رياح ساخنة من أمامهما، تلفحهما وتنفخ أنفاسها الساخنة وتتساقط من الشجرة وريقات يابسة تتراكض سريعا تذهب بعيدا... تختفي شيئا فشيئا، ربما ترحل نحو أرصفة بعيدة أو تتراكم في زقاق ما .... ترحلَها الرياح عنوة ،،، كأنها تشذب ظفائر الشجر لا حاجة للون الباهت وسط الإخضرار... لا حاجة للوريقات الميتة، حتما ستأوي لمكان آخر... ستدوسها أحذية المارين... ستتفتت ستندثر .... لا يهم أنتهت رحلتها في الحياة... يجب أن تكوني شجرة أنيقة وجميلة ...هكذا همست الرياح للشجرة .. يجب أن تنفضي عنك هذا الشقاء ... اليباس يزيدك شحوبا... ما أروع أن يعشقك الربيع... دعيني أسرح جدائلك النضرة... دعيني أغني لك ترنيمة الحب...

آخر الدمع...
صخب في الحديقة ،، صغار يصافحون الشمس...
عشب يرتعش تحت الأقدام ... طائرات ورقية تتطاير
قصيا،،، أحلام تتفتح في قلوب الصغار وشفاه تغني للحياة
وعمود إنارة ينتحب وحيدا يجاوره مقعد خشبي ومن حولهما رياح
تشاكس الوريقات.. وتؤرجح الغصون بحميمية وعذوبة.


عزيزة الوهيبي

 

أعلى






يـوم الجـمــال الهــادئ

الأم حين تلد فإنها أشبه بالشاعر حين يكتب قصيدة وبالربيع حين يُفتّح وردة
الشعر يزهر في الربيع لأن الربيع أقرب إلى الشعر وضوعه أجمل هدية للأم


ما العلاقة التي تربط الأم بالشعر بالربيع؟
أهي مصادفة أم نشوة إنسانية، في أن يتم الاحتفال بمثلث الجمال هذا في يوم واحد؟ يوم من أيام السنة، نتذكر فيه أن الحب أصل الحياة (الأم)، الجمال عابر(الشعر)، والحياة قصيرة (الربيع).

الأم

من يملأ فراغ هذه الكلمات ليتحدث عن الأم؟
أي كلمة يمكن أن تعبر عن الأم، سوى أنها أم؟
الأم رحم الحياة، كما الأرض رحم البذار، لذلك ننادي الأرض بالأم، وبالوطن الذي نحنّ إليه، الجنة تحت أقدامها.
الأم أسرارنا، صورنا ونحن صور أمهاتنا، ولو تقاسمنا الشبه بين الوالدين. الجنين في ظلمته الفردوسية، يتعرف على حياة أمه، مشاعرها، نبض قلبها، وهي مشغولة به في نومها وصحوها، وتنام على الجنب الذي يُريحه، وحين يمرض الطفل تمرض أمه، تتذوق الدواء قبله، وحين يكبر تظل على الدوام قلقة عليه، لأنه قطعة من روحها.
ربما المطر والشجرة أكثر شبها بالأم: المطر لأنه حنون والشجرة لأنها صبورة.
اليتيم الأكثر بيننا من يعرف معنى الأم: يمكن حلول امرأة أخرى بديلة حتى عن حبيباتنا، لكن من يحل محل الأم؟ ولمن يهدي اليتيم وردة الربيع والشعر؟
أي كلام يمكن أن ينطق به الشعر والربيع عن الأم؟
الأم تشبه مشاعر الشاعر وجمال الربيع.

الشعـر

يقولون عن الشعر، ماذا يقولون!؟ هذه عبارة محوّرة عن عبارة شكسبير: "يقولون، ماذا يقولون؟ دعهم يقولون"!
عاش الشعر
مات الشعر
هكذا يقولون، والشعر ماض، لأنه من معدن خالص، هودج نور في ظُلمة.
المشكلة ليست في الشعر، المشكلة فينا نحن البشر، ندّعي أننا نعرفه، نتحدث عنه، ننظّر فيه وكأنه ملكية خاصة، إلى درجة أن الشعر فرً إلى ينابيعه الأولى، كما تفرٌ الطريدة إلى أغوار الجبال.
ولكن أين هذه الينابيع؟
حاول الإنسان كثيرا عن يبحث في جذور الشعر، فوجد نفسه في عُمق الكون: شذرات وتصورات، ايقاعات بدائية، طقوس دينية، أشعار من الطبيعة ومن أجناس شتى، أسرار غامضة، حدوسات وكشوفات تحتاج نفسها إلى حدوسات وكشوفات ....
يا لهذا السر الأعظم الذي يشبه الموت والآلهة!
يقولون: العالم تغيّر وبالتالي تغيّر الشعر، ذائقة الناس لم يعد لديها الوقت لتذوق (الربيع الهادئ) في الشعر، ولكن ألم يتغير العالم من قبل، وسيتغير من بعد، والشعر سابحا في فلكه الخالد!؟
الشعر في أعماقنا، والأعماق أعمق مما نتصور، ومما يتصور الشاعر نفسه.
هذا ليس دفاعا عن الشعر، لأن الشعر لا يحتاج أصلا إلى دفاع.
الشعر أقرب إلى الربيع، لأن الشعر: نضر، خيّال، تيّاه، فتّان
الشعر أقرب إلى الأم، لأن مشاعره كبيرة كقلب الأم.

الربيـع

حينما باغتني الربيع برائحته لأول مرة في حياتي في أول صباح له في تلك البلاد البعيدة، شممتُ الجمال حقا، فتمايلت كتمايل العاشق الثمل، هذا المخاض اللدن للحياة، هذه الإشراق لروح الأشجار والأطيار والأنهار والأزهار، هذا الربيع الذي يجنن القلب بجنته على الأرض، فأغمضتُ عينيي، أخذتُ نفسا عميقا، تنفست عطر الكون، ثم ترنحتُ.
حين يُدشن الربيع نفسه كل عام في يوم عاطر، تتجمل العين، يصفو الذهن، تسمو الروح وتغرد الحياة، وكأنني فجأة عرفت أن الأرض تلد كما الأم، وكما الشعر فرددت نيروزية البحتري:
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا
من الحسن حتى كاد أن يتكلما
وقد نبه النيروز في غسق الدجى
أوائل ورد كن بالأمس نوما
يفتقها برد الندى فكأنما
يبث حديثا كان قبل مكتما
فمن شجر رد الربيع لباسه
عليه كما نشرت وشيا منمنما
أحل فأبدى للعيون بشاشة
وكان قذى للعين إذ كان محرما
ورق نسيم الريح حتى حسبته
يجيء بأنفاس الأحبة نعما

الأم والشعر والربيع

تزهر الأم عند الولادة رغم ألم المخاض
يزهر الشعر عند الولادة رغم ألم المكابدة
يزهر الربيع رغم ألم الخريف

الأم حين تلد....
فإنها تشبه الشاعر حين يلد قصيدة
والربيع حين يُفتّح وردة.

الطفل الوليد قطعة من القلب
القصيدة قطعة من القلب
أزهار الربيع قطعة من القلب

الأم تجدد دائم عند كل ولادة
الشعر تجدد دائم عند كل قصيدة
الربيع تجدد دائم عند كل عام

الشعر يزهو في الربيع
لأن الربيع أقرب إلى الشعر
وضوعه أجمل هدية للأم

أليس الأم والربيع والشعر هم الحب حقا؟
أليس ثمة وشيجة لهذا الجمال الهادئ ا؟
ما اسمها؟
نسيتُ.
لكنني لن أنسى ذلك اليوم في حياتي، حين ذكرتني رائحة الربيع، برائحة الثياب المكنونة لأمي، وبأول قصيدة كتبتها لأول بنت أحببتها في حياتي، حبيبة تشبه الأم والشعر والربيع.

عبديـغوث


أعلى







مدخل إلى المونتاج السينمائي (2ـ2)
المونتاج السوفييتي.. جماليات جديدة ولغة سينمائية مغايرة
نظر المخرجون السوفييت للمونتاج بوصفه ساردا وشريكا فاعلا في طرح رؤية الفيلم
اهتمام السوفييت بالصيغة والأسلوب في أفلامهم قاد إلى نشوء سينما ذات توجه عقلاني

رغم أن السينما في روسيا ودول أوروبا الشرقية ـ التي شكلت لاحقا الاتحاد السوفييتي ـ قد بدأت متزامنة تقريبا مع بداية السينما في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأميركية، إلا أن هذه السينما كانت في سنواتها الأولى متأخرة عن جيرانها من الناحية الكمية في عدد الأفلام المنتَجة، ومن الناحية التقنية من حيث ضعف معامل الطباعة والتحميض وأستوديوهات العمليات الفنية المختلفة اللازمة للصناعة السينمائية.
لقد اعتمدت روسيا وأوروبا الشرقية على نفس كاميرات التصوير وأدوات المونتاج والشرائط الفيلمية وغيرها من لوازم التصوير التي كان يتم تصنيعها في أميركا وأوروبا الغربية، فقد كان الاعتماد تاما على استيراد هذه اللوازم من الخارج، ولم تكن هناك صناعة سينمائية تقنية خالصة في روسيا وأوروبا الشرقية لغاية أوائل العشرينيات من القرن الماضي.
كان الإنتاج المحلي قليلا، ولم تكن هناك أستوديوهات متكاملة لمختلف أوجه الصناعة السينمائية مثل مصانع تصنيع الأفلام ومعامل التحميض وغيرها. في العقدين الأولين من القرن العشرين، كانت 90 بالمئة من الأفلام المعروضة في دور السينما في الاتحاد السوفييتي عبارة عن أفلام مستوردة من أميركا وأوروبا الغربية. إلا أن قادة الثورة الروسية والزعماء الأوائل للاتحاد السوفييتي ـ وعلى رأسهم لينين ـ رأوا في السينما وسيلة مهمة من وسائل تدعيم الثورة، وهنا بدأ التاريخ الفعلي للسينما السوفييتية.
لاحظ زعماء الثورة البلشفية أن السينما فن يحظى بإقبال جماهيري عالٍ، ولما كانت مبادئ الاشتراكية تقوم على النشاطات التي تصب في صالح الجماعات لا في صالح الأفراد فقد تم النظر إلى السينما باعتبارها وسيلة أساسية لخدمة مبادئ الاشتراكية. بهذا المعنى فإن الاهتمام بالسينما في العقد الأول من عمر الاتحاد السوفييتي قد انبثق من أسباب أيديولوجية ترى في السينما وسيلة ملائمة لخدمة أغراض الحزب الحاكم وفلسفته، ولذا فقد وجدت السينما بعض الرعاية طالما كانت فاعلة كوسيلة لبناء مجتمع اشتراكي.
حفلت تلك الحقبة على أية حال بوجود مبدعين روس اغتنموا الفرصة ليقدموا سينما متميزة أدت بهم إلى ابتكار فنيات وجماليات جديدة جعلت من السينما السوفييتية في ذلك العهد مختلفة عن السينما التي قدمها جيرانهم في أوروبا الغربية أو منافسيهم في الولايات المتحدة. إن ما قدمه هؤلاء السينمائيون المبدعون وتحديدا خلال الفترة بين عامي 1925 و1930 هو ما أصبح يُعرف تاريخيا بنظرية المونتاج السوفييتي، والتي تركت أثرها في سينما العالم أجمع بعد ذلك.

***

ظهرت مدرسة المونتاج السوفييتي في العشرينيات من القرن العشرين، وكانت نقلة نوعية طليعية في الفن السينمائي. كان المبدأ الجوهري للمونتاج السينمائي في فجر السينما يختزل عملية المونتاج في تجميع اللقطات التي تم تصويرها في شريط واحد وذلك بعد استبعاد اللقطات السيئة. هذا المفهوم البدائي للمونتاج السينمائي يتجاهل حقيقة أن للمونتاج دورا سرديا، وأنه شريك في خلق الرؤية العامة التي يريد المخرج وبقية صانعي الفيلم إيصالها.
رأى نفر من المخرجين السوفييت أن المونتاج ليس وَضْعُ لقطة بجوار أخرى فحسب بغرض تجميع اللقطات حسنة التصوير معا وإقصاء اللقطات الرديئة، وإنما رأوا أن المونتاج يمكن أن يعزز فكرة الفيلم أو رسالته إن صح التعبير، ويضيف للحدث المعروض أبعادا ودلالات أخرى. ما رآه هؤلاء المخرجون هو إمكانية المونتاج ليكون ساردا سينمائيا وشريكا فعليا في خلق الرؤية التي يطرحها الفيلم. فعلى سبيل المثال فإنه في حالة وجود رجل وزوجته يتشاجران، فإنه يمكن أثناء مشهد الشجار تضمين لقطات أخرى لا علاقة مباشرة لها بشجار الزوجين بهدف شحن هذا الشجار بدلالات أخرى. إذ يمكن مثلا إدخال لقطة شجار بين حيوانين أو بين جيش وجيش للقول بأن الصراع موجود في كل شيء حولنا. قد لا تبدو هذه الفكرة مدهشة اليوم لنا كجماهير اعتدنا من السينما والدراما التليفزيونية أن تقدم لنا مثل هذه الأفكار واللقطات، إلا أن الأمر كان ثوريا في بدايته واحتاج إلى سنوات من التنظير والتطبيق والتجريب حتى يستخرج المبدعون كافة الآفاق الكامنة التي يختزنها فن المونتاج السينمائي.
قد يكون المثال الذي سقناه شديد التبسيط، ولكننا لو عدنا للوراء لوجدنا أن الأفلام السابقة على تطبيقات مدرسة المونتاج السوفييتي تتسم بكون فكرة المونتاج فيها ليست أكثر من مجرد تجميع اللقطات جنبا إلى جنب في الشريط السينمائي المعد للعرض. فلقطة زوج وزوجة يتشاجران في أي فيلم غير سوفييتي صُنِعَ في تلك الفترة أو قبلها كنا سنرى فيها غالبا الزوج والزوجة في ذات اللقطة يتبادلان الحوار الحاد، وعلى الأرجح أننا لن نرى شيئا آخر. لكن مع المونتاج السوفييتي أصبحنا نرى عدة لقطات خاصة بالزوج لوحده، منها لقطات بعيدة ومتوسطة ومقربة، ولقطات أخرى خاصة بالزوجة وحدها، وفئة ثالثة يظهر فيها الزوجان معا في ذات اللقطة، وفئة رابعة نخرج فيها خارج صراع الزوجين إلى صراع كائنات أخرى ثم نعود بعد ذلك إلى الزوجين. لقد أصبح الصراع مركّبا ومحمّلا بالدلالات، وأصبح يقول من المعاني والأفكار أكثر مما كانت تقوله الأفلام الأخرى التي اعتمدت على أساليب المونتاج البسيطة.

***

رفض المخرجون الروس في العشرينيات من القرن الماضي التصورات والوظائف البسيطة للمونتاج السينمائي.. أولى الوظائف المرفوضة هي الفرضية التي ترى المونتاج مجرد عملية تجميعٍ للقطات فحسب. رأى المخرج السوفييتي سيرجي آيزنشتاين ـ والذي كتب العديد من المقالات والكتب عن المونتاج السوفييتي ـ أن المونتاج ليس عملية وضع اللقطات بجوار بعضها، ولكن "فوق بعضها البعض".
ما عناه آيزنشتاين هو أن كل لقطة في الفيلم عبارة عن لبنة تضيف شيئا جديدا إلى اللقطة السابقة لها.. الجديد الذي تضيفه كل لقطة هو معلومة جديدة أو إحساس جديد يتخلق لدى المشاهد. على يدي آيزنشتاين ورفاقه أصبح للمونتاج معنىً عقليا، فهو ليس مجرد عملية آلية بحتة لتركيب لقطات الفيلم وفقا لتسلسل الأحداث، ولكنه عبارة عن وسيلة لجعل الأحداث تقول شيئا ما يفوق الإخبار عن مجرد وقوع حدث. إن المشهد الشهير المعروف باسم "مشهد سلالم أوديسا" من فيلم "البارجة بوتمكين" يشرح وجهة النظر هذه بوضوح.
أخرج آيزنشتاين فيلم "البارجة بوتمكين" عام 1925.. في مشهد "سلالم أوديسا" تقوم قوات القيصر بمهاجمة عدد من المدنيين المتظاهرين.. المتظاهرون مدنيون عزّل، وقوات القيصر يحملون البنادق، وكانت النتيجة مجزرة كبيرة. لو كان هذا المشهد في فيلم أميركي تم إنتاجه في العشرينيات، لرأينا على الأرجح كاميرا ثابتة تصور مشهد المواجهة بين المتظاهرين وقوات القيصر في لقطة بعيدة أو متوسطة.. سيكون الهدف هو مجرد إخبار المشاهدين أن صداما قد وقع.. الهدف هنا إخباريّ بحت لمجرد إعلامنا بحدوث حادثة معينة في سيرورة قصة الفيلم. في فيلم سيرجي آيزنشتاين يدوم مشهد الاصطدام عند سلالم مدينة أوديسا عدة دقائق.. الكاميرا تعرض لقطات الصراع من عشرات الزوايا لنرى اللاتكافؤ بين قوات القيصر المسلحين وبين المدنيين العزل.
استخدم آيزنشتاين لقطات سريعة متعاقبة لتصوير الصراع، كما أظهر حالات كثيرة تعرضت لإطلاق النار عليها، فقد تتبعت الكاميرا إصابة عدد من الشخصيات من النساء والأطفال والشباب تعقبت اللقطات المتتابعة ما حدث لهم. لم يكتفِ الفيلم بلقطة بعيدة عامة للمعركة تكتفي بأن ترينا فريقين يتصارعان، لكن آيزنشتاين ذهب أبعد ليرينا حالات متفرقة كثيرة لبعض ممن خاضوا الصراع، وقد شاهدنا هذه اللقطات عبر مونتاج سريع ومن زوايا تصوير عديدة.
لقد قال مونتاج آيزنشتاين شيئا محددا، قال أن الصراع كان وحشيا من قبل قوات القيصر وأن المدنيين الأبرياء الذين سقطوا ليسوا مجرد أرقام ولكنهم أشخاص لكل منهم هوية ووجود مستقل.. لقد رأينا وجوههم وألفناها ورأيناهم يسقطون كالذباب بيد من لم يحترم حقهم في الوجود، ولأن هكذا طغيان كان قائما فالثورة عليه لاشك قائمة وهي حتمية تاريخية دون ريب. ولأن مونتاج آيزنشتاين قد قال وجهة نظر محددة وحمل أيديولوجيا معينة قام بإيصالها للمشاهدين، لذا فهو يُعرف أيضا باسم المونتاج العقلاني أو الذهني..

***

تأثرت أفكار منظّرو مدرسة المونتاج السوفييتي بالجماعة الأدبية المعروفة باسم "الشكلانيين الروس"، وهم نفر من النقاد والكتاب والفنانين كانوا مهتمين بالشكل في التعبير الفني.. أي الشكل بمعنى الصيغة أو الأسلوب. بقدر اهتمام المخرجين الروس المؤسسين لمدرسة المونتاج السوفييتي بالمضامين التي تتحدث عنها أفلامهم، فقد اهتموا كذلك بالشكل الفني الذي يستطيع أن يحمل معانيهم ويعبر عنها.. لذا فإن سينما المونتاج السوفييتي سينما مهتمة بالصيغة أو الأسلوب، وهو ما صنع فارقا إبداعيا في مسيرة فن السينما.
بعد عمالقة مدرسة المونتاج السوفييتي لم تعد الأفلام مجرد وعاء يحمل قصة مكتوبة، ولكن الفيلم قد أصبح في حد ذاته وسيلة تعبير جديدة. وفي هذا السياق فقد ابتكر دِزيجا فيرتوف، وهو معاصر آخر لـ آيزنشتاين ومن رواد مدرسة المونتاج السوفييتي، مصطلح "العدسة/العين"، باعتبار أن العدسة للكاميرا هي كما العين للإنسان، إنها سارد مستقل قائم بذاته وليس مجرد أداة أو وسيط يحمل إلينا أفكار الآخرين.
صنع رواد مدرسة المونتاج السوفييتي أفلاما خالدة في فترة قصيرة، إذ لم يسمح الحزب الحاكم لهم بالتجريب أكثر من ذلك، إذ أن الحزب لم يرضَ إلا بالأفلام التي تقول مقولتها بوضوح ومباشَرة دونما إجهاد للمُشاهد. سطّح الحزب الحاكم السينما السوفييتية لغاية ما بعد وفاة ستالين وتسبب في خلق أفلام متواضعة ودعائية، أما فترة مدرسة المونتاج السوفييتي في العشرينيات من القرن العشرين فقد تركت أفلاما خالدة هي الصفحات الأكثر إشراقا في تاريخ سينما الاتحاد السوفييتي.

عبدالله خميس*
* كاتب عماني

أعلى






( ديار الأحبة )
دار نظيرة بنت صالح الشناوي

دار التايه . الرجل الغائب ، بدأ اسمه يتلاشى مع مرور الأيام . بدأنا نحن الصغار الذين لم نشاهده نقول دار نظيرة البياعة . الدار ، دار أبيها صالح الشناوي ، بناها في الزمن البعيد ، أقام فيها وتزوج نجية ابنة عمه ، أنجبت له نظيرة ومسعود .. مات مسعود زين الشباب ولم يعمر طويلا . حزن عليه حزنا شديدا .هو الابن الوحيد له وسنده في هذه الدنيا . كلما دخل من باب الدار تذكره وتألم لفراقه وشاهد الحزن ينام في عيون الزوجة والابنة. باع الدار وانتقل خلف البلدة بالقرب من المزروعات .. وبعد أيام مات حسرة وكمدا على ولده وداره التي باعها بتراب الفلوس . جاء أحد رجال بلدتنا وطلب يد نظيرة على سنة الله ورسوله ، حملها وعادت إلى الدار القديمة التي اشتراها من أبيها .. وبعد شهور قلائل مات وترك لها الدار. جاء التايه وأزال السور الداخلي بينه وبين خرابة البشير ، زاد من مساحتها ، واختلط الحابل بالنابل .. وأصبح يطلق عليها دار التايه ، ومازالت ملكيتها للآن تعود إلى نظيرة بنت الشيخ صالح الشناوي ..
الزقاق ، بعد دار نظيرة يبدأ في الإنحدار ناحية الشرق ، في نهايته يقف الجامع القديم ، بعض المارة في الطريق إلى دكان البقال . طفل صغير يبكي.. يخرج الصوت من دار الغمري المحارجي . زوجة العم آدم الضرير تجادل نظيرة في عملية الشراء بالمقايضة ـ عينا ـ بالبيض الذي تضعه في مقدمة شالها الأسود وتمسكه بحرص .. تريد علبة النشوق وباكو دخان الحناوي ، ماركة الغزالة ، وقطعة صابون للغسيل ، وتلقيمة شاي ، وحبة بخور.. المرأة البدناء تعترض لأن عدد البيض لايكفي مقابل كل هذه الطلبات ، المواد التموينية شحيحة في الأسواق يامزيونة ، والقرش لا يأتي إلا بخلع الضرس ، الحرب أكلت الأخضر واليابس ، الناس لاتجد القوت أو الخبز الحاف ..والإنجليز ملأوا مخازنهم للعسكر . ربنا يخلصنا منهم . ومن سنينهم السوداء ..
الدار ، الآن .. لايوجد بها سوى نظيرة ، وابنتها ، فرزانة ، الأم تدللها ـ فوز ـ لأنها ابنتها الوحيدة الصغيرة وتزغطها مثل البط والحمام ، يطلقون عليها في الزقاق البطة البحاحة !! تقعد على منفذ البيع مكان أمها لحين ذهابها إلى المدينة لشراء البضاعة والمواد التموينية التي يقبل عليها سكان الزقاق ..
كلما مررت من أمامها ألاحظ الطبق الزنك المرشوق فوق مدخل الدار..أجد نفسي في حيرة ، وأنسى أن أسال أخي علوان عن سر ذلك .. فهو يهتم بأمور السحر والزار والحروز والتمائم والربط والأحجبة. الزقاق ، داخل الديار، أصوات الملاعق ترن وهي ترتطم بالآنية النحاسية أثناء تناول العشاء ، يأكلون الأرز القافر دون لحم أو أدم ، يضعون عليه اللبن الحليب المغلي وقليلا من السكر ، الوجبة المفضلة في الزقاق . لا أثر لرئحة الطعام الدسم يفوح من فرجات الأبواب ،أو دخان المواقد والكوانين ، الأيام قحط... والكلبة ترقد في قاع الفرن . مثل نردده دوما في الأيام الصعبة القاسية ، التي لاتشتعل فيها الأفران للخبيز أو إعداد برام الأرز المدسوس بالزغاليل المحشوة بالخلطة والفلفل الأسود ، والمشبع بالسمن البقري.هيه.. بدأت أشعر بالجوع ..
نظيرة الشناوية ، تتاجر في اللبان المر والحلو ، العسل الأسود ، إبر الخياطة ، ومكرات ـ بكرات ـ الخيط الأبيض والأسود ، إبر بابور الكاز ، زهرة الغسيل الزرقاء ، الصابون ذوالرائحة ، اللب والفول السوداني ، الدخان والمعسل والنشوق . السكر والشاي الفرط .. كنت مترددا وخائفا من الإقتراب من الدار أو منفذ البيع.. عندما اقتربت بوجهي من النافذة ، لم أر شيئا بالداخل ، العتمة ، عيني لم تعتد عليها في بادئ الأمر . لمبة الكيروسين بالداخل ، صغيرة لها ضوء شاحب معلقة على الجدار الطيني الخشن ، رائحة البضاعة تفوح من الداخل ، البصل والشطة والثوم والتمر المجفف ، التبغ ماركة الغزالة ودفتر البفرة والمعسل والبخور . قليلا بدأت عيناي تتعودان على عتمة الغرفة المنخفضة عن أرضية الزقاق . صوت نظيرة وهي تأكل في حبة البطاطا الذهبية الطرية ، رائحتها لذيذة ، تفضل .. سمعت صوتها ، رأتني ، ولم أتمكن من رؤيتها في الغرفة شبه المعتمة . طلباتك ياغالي .. قلت بتردد : خاله نذيرة ...قالت في إنشراح قبل أن استكمل كلامي،ياعيون خالتك نظيرة .. مازالت تبتسم وسعيدة لأنني وضعتها في مكانة خالتي . ونذيرة .. ربما ذكرتها بما مضى من أيام التايه . اقتربت مني أكثر وأعطتني جزءا من حبة البطاطا ، أخذته بلهفة وفرح .. تضع منديلا أزرق على شعرها المصبوغ بالحناء، ضفيرتان تتدلى واحدة على الصدر والأخرى على ظهرها، الرقبة تبدو قصيرة من فتحة صدرها. العينان ، سمراوان ، واسعتان . يشعان بالطيبة والحنان والصراحة، اطلب ياأمير يا ابن الأمراء . قلت لها : كلبكم عضني. ضحكت بعذوبة وقالت : الكلب الذي عضك نكسر له أسنانه ليتوووب .. قلت في نفسي: أهذه أمنا الغولة التي كنت أخشاها وأخاف منها، رقيقة وهادئة ومرحة !! نظيرة بائعة الحلوى والسجائر وعلب الكبريت والنشوق ، شجعتني على مواصلة حديثي : أريد خصلة شعر منه ، عبودة المزين يصنع ليّ مرهما من الشعر المحروق والبن المطحون ..يدهن مكان العضة . قالت بطيبة زائدة عن الحد ، اطلب عيون خالتك نظيرة .. أقول لك خذهم. لا يغلى عليك الكلب وصاحبة الكلب. أدارت وجهها ناحية الداخل وهتفت: بنت يافوز .. جاء الصوت ، نعم ياأمه.. عندما حضرت قالت لها : افتحي الباب لابن الشيخ ، يريد الكلب ، قالت بقلق ، كلبنا الرومي .. أنا لا استغني عنه . قالت الأم : يريد خصلة شعر منه يابطة يابحاحة ، اجري افتحي الباب بسرعة ، وأدخليه لحد الكلب ، وإياك الكلب يؤذيه أو يمس ثوبه ، بصوت ناعم قالت ، السمع والطاعة ياصاحب البضاعة ..عقبت الأم ، بسرعة يافوازة ..ليس هذا وقت الدلع والدلال.
البطة البحاحة فتحت الباب وهي تبتسم ، أغلقت الضلفة ، سارت أمامي داخل الدار الكبيرة الواسعة .الدهليز مسقوف الذي عبرناه ، بناني الحمام معلقة قرب السقف ، في جزء من زلعة فخارية ، تنام فيه الحمام . دار غريبة عن بقية الدور التي دخلتها ومترامية الأطراف ، خن للأرانب ، مساقي البط . حاصل للحبوب ، كنيف . دار فيها محلا للأدب ، في الليل نساء الزقاق تقضين حاجتهن في خرابة البشير ، الرجال يذهبون إلى الجامع أو في السرداب . غرفة الفرن ، هناك في طرف الحوش ، تقف وحيدة . الدار محكمة من جميع الجهات ، درجات السلم من الطين والأحجار البيض تؤدي إلى غرفة السطح ، عندما وجدت تعلقي بها قالت : غرفة التايه . ولم تقل أبويا ...استكملت ، الغائب حجته معاه ، سوف يعود لها .
قبل أن أبرح فناء الدار كانت بي رغبة في سؤالها: أين دار البشير ؟! .نظرت إليّ في حيرة ، بعد مدة قليلة سألتني بغموض ، ماذا تريد منها ؟! . أجبت : كنت اسمع إن في يده البركة .. قالت بحذر : كان يعيش في الخرابة ، قبل أن يقيم فيها العرباوي الجمَّال .. وصمتت..عدت أسأل: وأين ذهب ؟! أجابت : العلم عند الله ..لكنني سمعت ذات ليلة من التايه ، بعد موت ولده الرضيع ، قام بدفنه في الدار ، وبعد مدة هربت زوجته ، لماذا هربت ؟! أجابت : طفشت من الدار لإنها مسكونه بالجن والعفاريت ..وصمتت ، سألت : وهو ماذا فعل ؟ قالت في غموض : خرج يبحث عنها في بلاد الله الواسعة ، ولم نعرف عنه شيئا !! سألت : هل وجدها ؟! أجابت : لم نعرف وهو لم يرجع ..سألت ، والدار ؟! لم تتبين حقيقة سؤالي ، قالت ، دار مسكونه ، خرابة.. ماذا تريد منها ؟! قلت ، لا شيء.. عقبت: تقع خلف جدار الحوش .. وأضافت:اسمع إنه رجل تقي ، التايه كان من أتباعه ، لكن لا أحد منا رآه أو شاهده ، ليلة اختفائه !! سألت : ماذا حصل له في هذه الليلة ؟! قالت دفعة واحدة : استولوا على الأرض ، واغتصبوا الدار وقتلوا العبد النوبي وطردوا الدراويش ..سألت : من فعل كل هذا ؟! أجابت : هم ... سألت ، من هم ؟! .سكتت ، بعد قليل أجابت بضيق : عندك نظيرة اسألها .
وصلنا غرفة الفرن ، يرقد الكلب ، أبيض اللون .. أشارت ، كلبنا ..أحضره مسعود من البندر من عند الخواجه اليوناني . قلت في حزن ، لا ، ليس هو... قالت إنه هادئ ولا تخف منه .ينام معنا في الدهليز ، أتريده ، سأحضر الحبل وأربطه وأعطيه لك . قلت : لا .. ليس هو..بصوت حاد ، اقتربت مني : لاتغضب ، وضعت النور فوق سطح الفرن ، واقتربت مني ، تذكرت يوم أن دخلنا حقل الذرة الأخضر ونامت على الأرض بين الأعواد العالية .. تراجعت للوراء حتي أوقفني الجدار ، التصقت بي ، وضمت رأسي بين صدرها ، أحسست بشيء لدن يتأرجح وهي تتحرك أمام وجهي ، قلت لها ، سأختنق . قالت : لاتخف..ياجبان. وتنهدت .. وخرجت أنفاسها حارة ، شعرت بها في فروة رأسي . قلت لا أريد شيئا ، والشعر ، لا أريده ..تأخرنا كثيرا في الغرفة ، جاء صوت نظيرة من بعيد وهي تنادي بضيق ، يافوز.. بنت يافوز ، توقفت عن ضمي ، تراجعت بسرعة للوراء ، وخرجت وهي تصلح من فتحة الصدر وتمسح براحة يديها على جانبيها ، نعم ياأمه . عندما إقتربنا من الدهليز سألتها : وجدت الكلب . قالت : موجود .. سألت وهي تقف أمام باب غرفة البضاعة ، قص الشعر ؟ أجابت : رفض .. سألت عن السبب عندما توقفنا بالدهليز المسقوف ، والحمامات ترقد هادئة ، قلت لها : ليس هو الكلب ياخاله نذيرة .. قالت البدينة وهي تدخل الغرفة ، تأخرتي يافوز ، قالت ، رفض يأخذ الكلب .. قالت ، أنت عقلك تائه مثل أبيك ، يأخذ شعر من الكلب . قالت ، لم أجد المقص ..دخلت الأم بالداخل ، وأوصلتني فرزانه إلى الباب الخارجي وصوت الأم تقول من داخل الغرفة ، اغلقي الباب وراء ابن عمك الشيخ .. جذبت الضلفة الثقيلة نحوها ، ووقفت بين الحائط وحد الباب بحيث لا استطيع المرور ، همست ، تعالى في الصبح بعد ماتخرج أمي للسوق ، سأحضر لك جروا صغيرا من عند عائلة علي حبنه .. وقبل أن أغادر عتبة الباب قرصتني في ذراعي ، هذه حتى لاتنس أن تأتي وتأخذ الجرو الرومي .
وظلت فرزانة تترقبني ، تنتظرني ، وأعبر من أمام الباب ركضا .. وعندما تلمحني تمط رقبتها وتنظر من النافذة وتقول ، وأنت راجع أنا منتظراك ..
عندما ذهبت لها لأحصل على الكلب الرومي الأبيض ، ، قالت تعال من الباب ، وابتعدت عن النافذة ، وفتحت هي من الداخل ، مواربا ، ودلفت ، ودفعت الباب حتى استراح على الحلق ، أين الجرو ؟! في غرفة الفرن ، وأمك ؟! لاتخف .. في السوق .. لكن الأم حضرت بعد مدة ، الباب لم يكن مغلقا..نسيت فرزانة إغلاقه من الداخل بالمزلاج الخشبي . وبحثت الأم حتى أحست بها في غرفة الفرن ، عندما شاهدتنا صرخت : يالهوتي !! يافضيحتي.. وانهالت علينا بالضرب، واندفعت للخارج، ومازال صوت الأم وهي تصرخ في وجه ابنتها ، ياحسرتي عليك يافوز، ياخيبة بختي فيك !! .
هربت واستمرت هي تضرب فيها ، حتى حضرت الجارات ، وبعض أهل الزقاق ، سألوها عن سبب ضربها ، لم تستطع إخبارهم ، قالت إنها تأكل البضاعة التي تحضرها من السوق للزبائن ، عرقي وتعبي وشقائي تضعه في جوفها ، ياخيبة بختي فيك يا بنتي ، أقول عليك عاقلة ونبيهة .. تطلعي عبيطة وهبلة ، عليك العوض ومنك العوض يارب . قالت النسوة : هي ابنتك الوحيدة ، وأنت تجهدي نفسك من أجلها.. كله لها ، فلا داعي للحزن والبكاء ، كنا قلنا عوضك على الله لو كانت توزع الحلوى على الشبان في الزقاق ، نسيت الأم نفسها ، وقالت : كان أرحم عندي ، قالت جارتها الغمرية زوجة المحارجي : ياشيخه .. كفي عن ضرب البنت كل يوم ..وحاسبي على نفسك وصحتك ، ومر موضوع فرزانة بسلام ، لكن الشبان ، كانوا يتوقفون بالزقاق ، أمام النافذة ، ويسألون عن أشياء لاتباع بالغرفة ، يتحدثون ويضحكون معها ، وأحيانا يسألونها عن سبب ضرب أمها لها ، وماهي حكاية الأوضة الجوانية ، والجرو وابن الشيخ المرَّ ..
في مساء ذات يوم دخل مسعود دار الشناوية وبعد أن استراح ، سألها : خير يا أم فوز ، عندما عدت من البندر ، أخبرتني فريدة إنك طلبتيني .. خيرا .
قالت بحزن : ماعاد في الدار خير .. طلبتك لتتصرف مع أختك ، قبل أن تجلب لنا الفضيحة مثل حميدة أخت رمضان الزربا.هزالأعوري رأسه كعادته وسأل بهدوء بارد : ماالذي حصل منها ؟! قالت نظيرة : ضبطتها مع ابن الشيخ في غرفة الفرن..عقب الأعوري : أولاده كثير ، من فيهم ؟!
أجابت : الصافي ..أصغر أولاده وأحبهم إلى قلبه .
سأل : ابن من في الحريم ؟!
أجابت : الغالية بنت كبير البوادي ، أصغر زوجاته .عقب على قولها : أنت تصنعين من الحبة قبة !! هذ الولد صغير ، لم يبلغ سن الحلم !! ثم أطرق برهة مفكرا وقال بدهشة : أعرف بأن الغالية عاقر لاتنجب ...
قالت بدهشة : عاقر !! من أخبرك بأسرار الحريم ؟! أجاب : كنت في البوادي قبل الحرب وكانت أمها تسأل عن سيدي عون المبارك وتقول إنها سمعت بأن سره باتع ..يعمل لها حجاب لتنجب ..سألت نظيرة وهي تهز رأسها : هذا أكيد يامسعود..سوف أسال الغجرية فهي تدخل بيت الشيخ وتقرأ الطالع لزوجاته .وعندما أتأكد سوف أحرق قلبها عليه. قال مسعود : لقد تزوجها قبل الحرب وها قد مرعشر سنوات ..هزت رأسها وسألت نفسها : من أين أتت بهذا الشقي ؟!
بعد مدة صمت ، قالت : أختك فارت وأصبحت على وجه زواج ، والبنت تحكم عليها بسيرتها وسمعتها ، وخطوات سيرها في البلد .. وأنت أدرى مني بكل هذه الأمور . قال بهدوء بارد كأنما الأمر لايعنيه : وماذا تريدين مني أن أفعل ؟ عائلة الشيخ المرَّ كبيرة ،نصف البلد .ونحن ناس على قد حالنا نمشي جنب الحيط . قالت : من قبل جاءني فتحي ابن بهية ، ظننت أنه جاء ليشتري سجائر دون علم أمه ، قال ليّ أريدك في كلمة سر . ودخل بالداخل وأغلقت الباب ، أخبرني بأنه شاهد فوز تدخل غيط الذرة مع ابن الشيخ المرَّ ولا يخرجا ..
سأل مسعود الأعوري بضيق : ما الذي ذهب بها إلى أرض عائلة المرَّ ؟!
أجابت : ذهبت لإحضار أعواد الملوخية من أرض الذرة.
قال : أنت تاركة لها الحبل على الغارب ..
قالت : أنت أخوها الكبير.. تريد أن تضع رأسك في الطين ؟ ولن ترفع رأسك في أهل الزقاق ..
قال في شهامة مفقودة عنده : كنت أدفنها قبل أن تفعل ذلك . وأستريح منها .
تنهدت نظيرة فهي تعرف عزيمته ورجولته: لم أطلبك لتفعل هذا ..البنت فارت . لم تعد صغيرة .مثلها تزوجن وأنجبن ، وهي ظلت تنتظر ابن الحلال ، ولا أحد يتقدم لها.. والزواج سترة للبنت ، وهو أحسن حل لها . أنت تزوج العوانس والأرامل وبنات البلاد المجاورة ....قاطعها : أسعى على رزقي ورزق أولادي. قالت مستكملة كلامها : عندما يأتي الدور على أختك تنساها ...
قال : أنا قلت أنك لاتودين أن تبتعد عنك بسرعة ، أو تتزوج بعيدا عن البلدة ، الشبان كثير ، يكون نصيبها وقسمتها هنا.. قريب منك .
قالت : لكنها فقيرة ..
قال : الفقيرة لها الفقير مثلها ..
قالت : وأنت ، لا تريد لها السعد ..
قال : إنه السوق .. الزواج تجارة وشطارة ..
قالت : ابحث لها عن رجل ، يأخذها من الزقاق حتى نستريح وهي تستريح وأنت ترتاح . مهرة الحبشية رفيقتها ،مولودة معها في يوم واحد ، تزوجت. تزوجت عن طريقك ، شاب من البندر ، عامل في الشركة ، وسكنت في بيت من الطوب الأحمر والأسمنت المسلح ، من يومها وهي حزينة تقعد تفكر .. سألتني عن سبب أنك اخترت الحبشية لتتزوج في المدينة وتركتها هي ، قلت لها أنت مازلت صغيرة يافوز ، قالت إنها في مثل عمري ، قلت لها هي فحلة ، جسمها أكبر من سنها والناس ينخدعوا فيها ، البنت بدأت تفكر وأنت عايش في سوق العوانس.. ولاتفكر في أختك..سوف تصبح مثل البيت الوقف .
بعد يومين .. أحضر لها مسعود الأعوري شابا كفيفا من بلدة مجاورة لبلدتنا ، عمله ، ترتيل القرآن على قبور الموتي .سكتت نظيرة ورفضت فرزانة . المرة الثانية أحضر رجلا ضخم الجثة وميسور الحال ، يعمل في البناء ، متزوج ، زوجته لاتنجب . وافقت نظيرة ورفضت فرزانة ، وأصر مسعود على قبول الرجل .. قبل إعلان الخطوبة هربت . ظلت نظيرة تدعو على من كان السبب في ضياع ابنتها منها ، وتسب ولدها الوحيد الذي ترك أخته تهيم في البلاد واهتم ببنات الناس الأغراب ..
وفي المساء يجتمع الأولاد في الزقاق يقول أكبرهم : فرزانه هربت يا أولاد ...يردد وراءه الجميع : خطفها سيد البشير ..
قالت له : لقد حذرتك من قبل ولم تتحرك أو تفعل شيئا ..
قال : كان سوق البنات .. واقف . العوانس سوقهن .. ماشي . والأرامل، يدفعن للرجال الآن معاشا شهريا ، ويقلن ظل رجل ، أحسن من ظل حائط . الدار بدون رجل خلاء ، خراب !!
أحست نظيرة بالضيق من كلامه ، صاحت: أنا لا آخد منك غير كلام في كلام .. أية لعنة حلت علينا ، من أفعالك ياتايه مع الحريم ..قال بضيق عندما جاءت على ذكر أبيه : نحن في مشكلتنا الآن ..قالت بهدوء : هاقد أصابتنا الفضيحة.دان تدان ما أقرب الأيام ، تعال يا تائه لترى خلفك ونتيجة أفعالك .. اعترض متضايقا من عبارتها الأخيرة وعقب: إنها لعنة البشير.. قالت بصوت مرتفع : لاعلاقة لنا بحكاية سيد البشير ، لسنا من أسياد البلدة الذين اشتركوا في هدم داره..طول عمري منذ أن تزوجت أبوك ونحن في دارنا لانؤذي أحدا ولا أحد يؤذينا ..قال : كنا جيرانه .. وأبي قال إنه سمع الإستغاثة ، ولم يتحرك. كانت له يد في الموضوع . كان نائما فوق صدرك ولم ينزل من عليك حتى آذان الفجر، استحم وخرج للصلاة ، وكأنه لم يسمع شيئا ، وجد البلدة مقلوبة .. عاليها على واطيها .
صرخت فيه : لماذا تقول لي الآن هذا الكلام ؟! زوج غنوة الشرقاوية كان مستيقظا هو الآخر ، وسمع فرسته وهي تصهل كأنما تستغيث ، وصراخ خادمه سنهور النوبي وهو يدافع عن سيده حتى قتل المسكين . ولم يخرج الشرقاوي من داره !! قال الأعوري : الشرقاوي جاء غريبا على البلدة ، لو فتح فمه لطردوه أو قتلوه وتزوجوا امرأته المليحة ... قاطعته بنبرة حزن : المسكينة جنت ....
قال : زوجها كان جزاؤه تحت عجلات القطار ..
عقبت : قضاء وقدر .. اعترض : كان هناك من دفعه من الخلف .. فسقط على الشريط أمام القطار الذي مر عليه وهرسه تحت عجلاته الحديدية ..
قالت : هي الملعونة كانت تود الخلاص من زوجها ، لتتزوج زهران أكبر أبناء سيد الرجال المرَّ ..كل أهالي البلدة يعرفون حكاية الحادثة لكن ..من يستطيع أن يقول البغل في الأبريق !! وأضافت نظيرة : لكن المسكينة لم تتزوج ابن سيد الرجال المر حتى الآن !! قال الأعوري الخبير بالنساء : لقد أخلى بها ..أراد معاشرتها دون زواج .. ولكنها رفضت أن يدخل ويخرج من دارها ، دون أن يعقد عليها، فهى لن تتحمل كلام أهل الزقاق . قال لها زهران المرَّ أخشى أن تفعلي بي مافعلتيه بزوجك !! وظلت معلقة مثل البيت الوقف . وهو الآن مريض بالعنة. أصبح غير قادرعلى معاشرة الحريم ..
قالت نظيرة : غنية الشرقاوية تقول إنها تحس بحوافر الفرسه آخر الليل وهي تركض في الزقاق وتدخل وتخرج من السرداب ..
الأعوري بشعوره بعقدة الذنب : داري كانت جزء من داره .. عائلة الغول استولوا على أخشاب الدهليز .قالت الأم : نحن في حكايتنا ، وأنت في حكاية البشير .. اترك كل هذا الآن وتفرغ للبحث عن مقصوفة الرقبة أختك ..قال الأعورى : فرزانه أمرها بسيط ..سوف أغطس وأقب وأعثر عليها ، وأحضرها معي وأدفنها في خرابة البشير ..
بعد برهة صمت قالت الأم : قلبي يحدثني إن بنتي انخطفت يامسعود . أحد شبان البلد يكون أكل عقلها بالكلام المعسول وأخذها إلى الكفر القديم ..
قال : لا نجمة تحرقها ، ولا أرض تبلعها ، أوحدأة تخطفها. الأيام ضنك وهي مثل الساقية لاتشبع .إن كان أحد تزوجها ، يكون فعل خيرا . سوف يأتيني خبرها . كل حكايات سوق الزواج والطلاق تصلني . هذه شغلي الشاغل ليل نهار .
ولم يعثر لها على أثر . وظلت نظيرة وحيده بالدار تهلوس : هذه دار شؤم عليك يانظيرة . هذه الدار مقبرة لك.. تدفنين نفسك بين حيطانها. سوف أحرق قلب الغالية بنت شيخ البوادي على ابنها كما حرقت قلبي على ابنتي..
نظيرة ، أغلقت نافذة غرفتها التي تطل على الزقاق ، ولم تعد تخرج للسوق لشراء البضاعة ، أو تقابل الجارات ..
حبست نفسها بالدار ..

عبدالسـتار خليف *
* كاتب وروائي مصري

أعلى




مقاطع من رسائل حب (7)
البنت التي واظبت على إحضار وجبات لأبيها الذي تَمَّ إعدامه


(1)

كم أفهم يا نور عيوني يا حبيبة روحي وفؤادي، يا امَّاه وابَّاه، يا كل هَلِي وعْمَامِي وخُوالي وحِيَّاني وطُوايفي ويْدُودي، أن يكون مغزى هديتك قلماً فاخراً.
لكني يا حبيبتي قررت ألا أكتب بقلمك الهدية خشية أن أخدشه، أو أؤذيه من غير قصد، أو أسيء استعماله فيما لا تحبين من كتاباتي الصغيرة (استثناءً وحيداً فقط كي أتأكد من أنك لم تُهْدِني قلماً فاخراً من غير حبر في واحدة من "حركاتك" ـ هاهاهاهاهاهاهاهاهاهاها! ـ ـ كتبت به اسمك واسمي على ورقة بيضاء مثل أي عاشق مراهق في "هذا" العمر "..."، وتحت الاسمين مباشرة رسمت أيضاً صورة "القلب المجروح": القلب والسَّهم الذي يخترقه ـ تصوَّري، تصوري يا من أعدت الشيخ إلى صباه)!. عوضاً عن الكتابة به في قادِمِ الوقت دفنتُ، إذاً، قلمك في قلبي، وإني عبر ذلك القلب/القلم أحاول أن أكتب لك هذا.
شكراً يا "...". أحبك. أحبك بما لم يكتبه قلم وما لم ينبض به قلب. أحبك.

(2)
دعيني من فضلك يا حبيبتي أقول من جديد (وأنا، بصراحة، غاضب الآن في إثر انتهاء مكالمتنا الهاتفية قبل دقائق) هذا الكلام البسيط العميق الذي يمكن العثور عليه حتى في أردأ الروايات الرومانسية العربية (يوسف السباعي مِثالاً) وحتى بعض أسوأ الأفلام العربية (بعض الأفلام المصرية التجارية نموذجاً): الزواج يقتل الحب. نقطة وانتهى السطر وانتهى الكلام الحكيم القادم من أقلام وكاميرات الأغبياء.
بعضهم يستطيع أن يكون زوجاً صالحاً أحسده قليلاًـ قليلاً فقط. لكني، في الجانب الآخر من العملة، لا أحسده على الإطلاق، بل انحني أمامه احتراماً، لأنه بصدد "تكوين أسرة سعيدة"، ولكني يا حبيبتي لست بصدد "تكوين أسرة سعيدة".
إني لا أصدِر بهذا الكلام "حُكماً كونيَّاً" على مؤسسة الزواج لا سمح الله، وإنما أصدُر عن حساسيتي وكينونتي الصغيرة المضطربة أصلاً اللتين عرفتُ من قبل، وأعرف الآن جيداً أكثر أنهما ترتبكان كثيراً أمام أي شكل من أشكال مأسسة العاطفة.
إن كان هذا عجزاً عما أسميتِه بكل إحكام، واقتصاد، وبلاغة "الحياة في الحياة" بدلاً من "الحياة في تاريخ الحياة" فإني أتفق معك وأعترف بقصوري. ليس هناك ما هو أكثر قوة لأي إنسان من الاعتراف بقصوره في هذا أو ذاك من الشؤون، هذا على الرغم من توكيدي لك من جديد انني في الحقيقة لا أعيش في الكتب ـ هذه التهمة الجائرة التي لا تزالين توجهينها لي بإصرار مزعج ـ بل ان بعض تلك الكتب يعيش فيَّ لأسباب خارجة عن إرادتي تماماً (وربما لأسباب خارجة عن إرادة تلك الكتب أيضاً).
منذ أن عرفتك "..." تأكدتُ ان "قسمتي الاختياريَّة" هي أن أكون سقيماً بالعشق، والإلتياث، والوَجْد، والبُحران، ولا أستطيع أن أكون غير هذا. قسمتي هي أن أكون قريباً منك، وقريباً من أشخاص ومبادىء اعتنقتها مبكراً. لكن التجربة المُرَّة المريرة (والتي حدث معظمها خارج الكتب يا سيدتي الجميلة والله، والله العظيم) باحت لي بأنه إذا كان المرء مؤمناً بذلك المبدأ أو هذا الشخص (ولو تعرفين كم لديَّ إيمان بك) بهذه الدرجة من القرب والحميمية فإن أول ما عليه أن يفعل هو الابتعاد النهائي والكامل عن أي مؤسسة تُمَثِّلُ هذا الشخص أو ذلك المبدأ.
حبيبتي: لقد تعبت كثيراً من الوفاء والإخلاص لأشياء وأشخاص على حساب وفائي وإخلاصي لنفسي التي لا أريد أن أخسر المزيد منها، حيث اكتشفت بعد غير قليل من التجارب اني وحيد تماماً في النهاية. وهذا الكلام لا يخصك على الإطلاق بل يتعلق بأشياء وأشخاص آخرين. ولا تعتقدي اني بهذا الكلام غير واعٍ لتناقضاتي النرجسية من حيث، مثلاً، أن من يقول كلاماً مثل هذا (ضد المؤسسة) عليه أن لا يكون مفرط الغيرة على حبيبته (التي هي خارج المؤسسة لغاية الآن). إنني آسف جداً لهذا التناقض الصارخ يا حبيبتي. لا أستطيع سوى أن أكون غيوراً بصورة مجنونة أندم عليها "...". في النهاية، أنا ذَكَرٌ شرقي، أُف!. آه من كل تلك الجينات!. (أرأيت أن الكتب لا تستطيع أن تفعل الكثير هنا؟!).
لكن فيما يخصنا يا حبيبتي ـ يا للمفارقة ـ أول ما علي اثباته في حبك هو رفضي لمؤسسة الزواج. لقد تعبت كثيرا مع المؤسسات حتى البديلة التي حُسِبْتُ عليها، وأريد أن أكون حُرَّاً وملتَزِماً في نفس الوقت بطريقتي الخاصة (وفي ما يخص الزواج لم تكن جينيالوجيا مؤسسته في التاريخ سوى تنظيم للدعارة. وقد قامت بتلك المَأْسَسَة خلال فترة المعابد القديمة السلطات الدينية تحديداً وبالضبط. وأنت وأنا أشرف، وأكرم، وأطهر، وأنبل من ذلك بكثير).
فقط، فقط.
"..." ولأننا اتفقنا على اننا متجاوزين لمسألة "الكرامة الشخصية" و"جرح المشاعر" في حديثنا عن الموضوع (وأنا أنحني لك احتراماً بسبب ذلك، وهذا ما يجعلني أتحدث عن الأمر بصورة مفتوحة قد تقترب من الفظاظة بغير قصد) فإنني سأصارحك إنني أغضب كثيراً حين تكونين ـ يا أعز الأعزاء ـ من يغازل المؤسسة من خلالي. أعرف انك تفعلين ذلك بحسن نية، لكني لا استطيع نسيان مقولة سارتر: "الطريق إلى جهنم مفروشة بالنوايا الحسنة".
لا تستطيع "قسمتي الإختياريَّة" سوى أن تكون أنت. أنت وحدك. وحدك. أنت وحدك. هل تفهمين؟!.
رحلتي صعبة، وكذلك رحلتك. إنني أبكي بدل الدموع أحجاراً من دم الروح لأني لا أستطيع أن أساعدك، ولا أستطيع أن أساعد نفسي.
لأني أحبك.

(3)
لم أهاتفك البارحة يا حبيبتي لثلاثة أسباب (على الأقل). الأول هو اني بصراحة لا زلت "زعلان" عليك بسبب "..."، وأشعر بتوتر وكآبة كبيرين نتيجة لذلك.
السبب الثاني هو اني ضمن هذا الظرف تركت هاتفي سهواً في سيارة صديق (وللأمانة: اعتقدت لاحقا حين اكتشفت الأمر ان ذلك من "محاسن الصدف" حيث لم تكن لدي وسيلة للحديث الهاتفي إليك ولا أي شخص آخر في العالم - نعم، وللأمانة، هو من جديد: "قرفي الشديد من كل شيء وعدم رغبتي في التواصل مع أي أحد" أحياناً. ومن "محاسن الصدف" أيضاً ان صاحبي ذاك لم يكتشف أمر وجود هاتفي في سيارته إلا اليوم).
السبب الثالث هو اني سهرت بلا هاتف، إذن، مع صديق بريطاني عجوز أراني نسخة من الكتاب الأخير للمؤرخ البريطاني الفذ أورلاندو فايغس (ورد اسمه من قبل في شيء من أحاديثنا باعتباره نقيضاً إيجابيَّاً من جيل "المؤرخين الجدد" للكلاسيكي الممتاز إريك هوبسباوم الذي بدأوا أخيراً ـ آه، أخيراً! ـ ـ في ترجمة بعض أعماله إلى العربية): "الهامسون: الحياة الشخصيَّة في روسيا الستالينيَّة" لتصفحه.
هذا الكتاب ـ كما يبوح العنوان ـ بحثٌ شغوفٌ صبورٌ مدعم بالوثائق والصور عن الرعب الهائل الذي اخترق أدق تفاصيل حياة البشر هناك خلال الفترة الستالينيَّة. وهو كتاب يتجاوز خطاب "البروباغاندا" ضد ـ الستالينيَّة المألوفة جداً لمن اتفق معها أو اختلف ليحتضن الأمانة التاريخية والأكاديمية الدؤوب (الكتاب صادر عن دار "بنغوين" وهذا يقول لك فوراً شيئاً عن مستواه وموثوقيته). أثناء تصفحي للكتاب وقفتُ على القصة الفعلية التالية التي يحتويها.
اعتُقل أحدهم (اسمه مذكور طبعاً في الكتاب ولكن ليس في ذاكرتي) بتهمة "خيانة الثورة" الرائجة جداً خلال تلك الفترة وذلك بناء على وشاية كاذبة من أحد أعضاء الجهاز الإستخباري الرهيب "الكي جي بي" (وذلك لأسباب تتعلق بعداء محض شخصي لا علاقة لها لا بـ"الثورة" ولا بـ"خيانة الثورة")، وزُجَّ به في أحد المعتقلات مع آلاف غيره من المتهمين بنفس "الخيانة"، وتم إعدامه بعد الاعتقال بساعات، ودُفن فوراً في مقبرة جماعية ـ خلال ساعات قصيرة انتهى كل شيء هكذا. لقد قال انطوان دو سانت إغزوبري انه "بموت إنسانٍ ما يموت عالم صغير"، وقبله بقرون طويلة ذهب شيخنا الجليل ابن عربي إلى ان "الإنسان كَوْنٌ صغير والكون إنسان كبير".
إلى هنا تبدو الحكاية مألوفة جداً، وعادية جداً، لمن يعرف أقل القليل عن فظاعات الحقبة الستالينيَّة التي كانت السبب الرئيس الذي أودى بثورة 1917 التاريخية ومشروعها الطموح والنبيل الذي ألهب خيال وأفكار وبنادق البشر على امتداد المعمورة لعقود طويلة من الزمن. لكن الحكاية، في الحقيقة، لم تنته؛ بل انها تبدأ هنا. كيف؟
كان كل ما تبقى للمغدور من أهل وعائلةٍ بنت واحدة. وكانت هذه البنت الوفيَّة تواظب على الوقوف في طابور طويل لمدة يومين وليلتين في الشتاء الروسي القاسي مع آلاف غيرها من مواطنيها، وذلك حتى تتمكن من إيصال وجبة باردة (لم يكن مسموحاً بالوجبات الساخنة) إلى أبيها الذي لم يُسمح لها بالطبع بـ"رؤيته"، بل قيل لها في مكيدة مضاعَفة انها ستتمكن من رؤيته بعد "انتهاء التحقيقات"، أما حصوله على الوجبة التي تحضرها فمن حقه ويتم إيصالها له في كل مرة تجلبها البنت!.
لم تكن البنت تعلم ان أبوها قد أعدم بعد ساعات قليلة من اعتقاله، وكان الجلادون يعرفون ذلك، وكانوا يتلذذون في ساديَّة جهنميَّة مفرطة بالتهام الوجبة الباردة (لكن الفاخرة والمتنوعة قدر الإمكان) بعد انصراف الفتاة مباشرة. وقد كانوا يفعلون الشيء فيما يخص الوجبات المَأتِيِّ بها لمعتَقلين آخرين تم اعدامهم الفوري بدورهم.
أرأيت إلى أي درجة يمكن أن تصل خِسَّة، ووضاعة، ونذالة، وحقارة "الإنسان"؟. أرأيت لماذا لا يمكن نسيان مقولة يونغ - في سياق خلافه المعروف مع فرويد - انه ينبغي أن لا نستعجل في إطلاق أحكام "كبيرة" بخصوص "الإنسان" الذي خرج لتوِّه من الغابة ونحن لا نعلم على وجه اليقين ما الذي يمكن أن يفعل؟. حسن جداً يا حبيبتي، يا أختي في "الإنسانية"، هذا بعض ما يفعله "الإنسان".
لكن على رُسْلِكِ فالحكاية لم تنته بعد. كيف؟
كانت البنت، إذن، تجلب ـ حسب الإمكانيات ـ الوجبة الباردة أكثر من مرة في الأسبوع إلى والدها الراقد ـ في الحقيقة ـ ـ في القبر الجماعي المجهول وهي في غاية السعادة لأنها كانت تعتقد انها تساعد والدها غذائياً وصحيَّاً قدر الإمكان حتى "انتهاء التحقيقات" التي ستراه بعدها. لكنها بسبب الوقوف المتواصل في طابور طويل لمدة يومين وليلتين في واحد من أقسى الشتاءات على الأرض بدأت تصاب بمختلف الأمراض. ولذلك فقد خفَّت وتيرة مجيئها إلى المعتقل متوسِّلة إلى الجلادين أن لا يخبروا والدها باعتلالها الصحي حتى لا يقلق عليها في وضعه الصعب أصلاً. وقد طمأنها الجلادون ("الرفاق") بابتسامات كبيرة انهم لن يبلغوه بذلك أبداً، وان الوجبات تصله ويستمتع بها في كل مرة تأتي بها!.
لكن الأوضاع الصحية للفتاة تفاقمت. وباختصار شديد، ماتت وهي لا تعلم شيئاً عن مصير والدها ومصير الوجبات الباردة الجيدة التي تحضرها له بتفانٍ كبير. ربما كان في جهلها بموت أبيها شيء من الرحمة و"الإنسانيَّة" في أية حال.
ما الذي تتوقعي أن يحدث لي بعد الوقوف على هذه الحكاية الموثَّقة بالتفاصيل الدقيقة في مساء كان كئيباً أصلاً من دون الحاجة إلى شبح ستالين؟. كيف يمكن بعد شيء مثل هذا أن نكتب قصصاً "فنتازيَّة" قصيرة أو روايات تلعب فيها "المُخَيِّلة" الدور الرئيس؟
نعم يا حبيبتي، إلى هذه الدرجة كانت البارحة ليلة سيئة للغاية.
أرجوك، إذاً، أن تغفري لي عدم اتصالي. أحبك مثل تلك الفتاة الروسية التي أحبت والدها إلى ذلك الحد. أحبك إلى أبعد الحدود. أحبك من غير حدود. أحبك. أحبك.

عبدالله حبيب*
* أديب عماني

أعلى





هزيمة لكيان واحد!

الشاشة تتقيأ الدماء.. الأجساد المتراكمة على قارعة الذهول تجبرك على الذهاب إلى النوم مبكرا، تغلق التلفاز، تدخل غرفة النوم بهدوء حتى لا تيقظ الجدران النائمة، تمسح وجه مفتاح الإضاءة، مستدعيا الليل إلى غرفتك، تزيح الغطاء الذي لم يرتب منذ الليلة الماضية، تدخل قدميك تحته بلطف كمن يجرب الدفأ للمرة الأولى، تدعو باقي الجسد للتدثر، تغطيه بالكامل، وتخبأ رأسك جيدا، تغلق عينيك.. ثم تشهق بعنف لتبدأ نوبة البكاء بجنون، يتصاعد النشيج.. وتتصاعد اللعنات، اللعنة عليهم، والناس والمقابر والحرب، اللعنة على الصمت والكلام، ولعنة محترمة علي لأنني أعيش هذه الحياة.. تب خوفي.. تب لساني.. وتب حبك أيضا!
***
ظهرا يبدأ القصف الجوي، أتسمر كما تسمرتُ أمامكَ بالأمس، حين قلتَ: "للربيع طعم آسن أجربه ببرودٍ معتاد، وعندكِ لي ربيع لا يأسن محتاج أن تسمحي لي بتجربته".. صاروخ يقع على أكاديمية ما يقتل حوالي المئة، "يسأل درويش: هل شعرتَ برغبة في أن تعيش الموت في حضن امرأة؟ سأعترف له: فقط إن كنت أنتِ هي". آه يا شقيق المآسي ما الذي تحاول بعثرته، هل هذا العام كريم ـ على غير عادة الزمن ـ ليمنحني حربين في الوقت ذاته!
تتهاطل القذائف.. يتساقط القتلى.. أعد قبرا، لا يلبث أن يبصقني حين يدرك أنه لا زال بي بعض النبض، أبحث عن قبر آخر، فأجدك مفصلا على قياس موتي.. "هلا كبرتِ ببطء، فساعة وجهكِ توقف الوقت، لم تبذرين المسافة الوقتية بين عينينا، ألم يحن الموعد لتجربة الموت؟ إني... أحبكِ".. يبدأ التدخل البري، تزحف الدبابات مارة على الأخضر واليابس، تستمر الطائرات في إلقاء قنابلها، زوارق بحرية تشارك في الهجوم، الأرض الصغيرة محاصرة، الهجوم كاسح، لا وسيلة للخروج، لا مفر من المحتوم، لا ثقب زمني ولا جغرافي يسحبنا خارج المعمعة، لا مجال لتدخل من الخارج، فجميع المنافذ مسدودة، وكلانا هو الطرف الضعيف في قضيته.
ليت الأمم المتحدة تخرجك قسرا من عقلي، قرار المقاومة غير مجد، أمام انحياز الحظ للطرف الآخر، لمَ تبتسم السماء للكيانين الواقفين قبالتنا، حقا أن للذكر مثل حظ الأنثيين! وإلا كيف ينحاز القدر بسفور له.. تب الحظ!
***
كيف أهرب بالنوم إن كان النوم يهرب مني؟ الحياة الدائرية التي نحبو على حوافها لا تعترف بالجسور، والأجنحة محرمة مثل الكلام المختصر عن كارثة. وقوة عظمى ترفض التخلي عن عنجهيتها، معتبرة أن المناطق المؤنثة قابلة للاجتياح. أُصلب في الفضاء بعينيك حين أتخذ قرار الرحيل، بلا مبالاة بالدمار المخلف، مدركة أن لا حق للعشق في استجواب المستبدة النازفة حد الندم، تدرك أن صوت خلخالها هو اللغة الوحيدة للحوار.. أتركك كأن لم يحدث شيء، وأقرر أن لا أتابع الأخبار هذا اليوم لأني أدرك أن القضية تتأخرك بهزيمة واحدة.. الهزيمة الأخيرة والأقسى، قد لا يكون بمقدوري احتمالها.

نوف السعيدي

أعلى





الخطاب النقدي في المحترف العماني بين المطرقة والسندان (4-5)

ثانيا: قراءة نقدية في معايير التحكيم الخاصة بالمعرض السنوي الرابع عشر للفنون التشكيلية:
(1)
نشر الدكتور محمد العامري في جريدة عُمان ـ العدد الصادر بتاريخ 2/12/2006م ـ مادة بعنوان: (قراءة نقدية في معايير التحكيم الخاصة بالمعرض السنوي الرابع عشر للفنون التشكيلية). أشار في إحدى فقراتها إلى: " أن هناك اختلافاً جوهرياً على نتائج تلك الأحكام على أساس أنها تمثلت في نزعة سلوكية عامة لدى المحكمين تجعلهم يحبون أو يقبلون على أو ينجذبون نحو فئة معينة من الأعمال الفنية دون غيرها تمثل المزاج المرجعي لتلك الأحكام." ما أتى ذكره على لسان الدكتور عبر الكلمات (المغّمقة) ذكرت في كتاب (التفضيل الجمالي، دراسة في سيكولوجية التذوق الفني) حيث أشار الدكتور شاكر عبدالحميد ـ المؤلف ـ إلى أن: "التفضيل الجمالي هو نوع الاتجاه الجمالي الذي يتمثل في نزعة سلوكية عامة لدى المرء تجعله يحب، (أو يقبل على أو ينجذب نحو) فئة معينة من أعمال الفن دون غيرها، فالتفضيل الجمالي يتعلق بالأثر الذي تحدثه الأعمال الفنية في أبسط مظاهره، أي في صورة القبول أو الرفض، الحب أو النفور."i
إن قارئ النصين يجد أن الدكتور محمد العامري الذي لم يذكر مصدر الاقتباس قد فضّل استخدام عبارة: "تمثل المزاج المرجعي لتلك الأحكام" بدلاً من "التفضيل الجمالي يتعلق بالأثر الذي تحدثه الأعمال الفنية في أبسط مظاهره، أي في صورة القبول أو الرفض، الحب أو النفور". ولأن العبارة الواردة في الكتاب ـ التفضيل الجمالي ـ تفّسر بصورة واضحة أن التفضيل مرتبط بالأثر الذي تحدثه الأعمال الفنية لدى المرء/الناقد/المحّكم، والتي في الغالب تأخذ أحد الوضعين: "إما أنه يحدثنا عن خصائص الشيء نفسه فيتبين فيها جمالاً أو قبحاً بحسب مفهومات عامة خارجية للجمال والقبح، فهو عندئذ ناقد موضوعي، أو بعبارة أخرى هو يحدثنا عن موضوعية الجمال أو القبح في الشيء الذي عرض له. وإما أن يحدثنا عن إحساسه الخاص إزاء هذا العمل، فيكون إحساس الرضا حيناً والنفور حيناً، فهو عندئذ ناقد ذاتي. ولكن هذا الرضا أو النفور في الواقع يعد شيئاً آخر غير الجمال الذي نبحث عنه، ومن ثم فإن الذاتية لا تأخذ صفة التلقي والتفسير لشعور المتلقي من أي من النوعين، هو فحسب، وإنما هي تأخذ صفة أخرى إيجابية هي صفة الامتداد في الأشياء.. ii" وعلى ضوء هذا الاستنتاج فإن القرارات التي صدرت من قبل أعضاء لجنة المعرض السنوي الرابع عشر للفنون التشكيلية لا غبار عليها لاحتكامها بمعايير الحكم الجمالي، وهذا بطبيعته يخالف طرح الدكتور محمد العامري بعبارة (المزاج المرجعي).
(2)
أشار الدكتور محمد العامري في فقرة أخرى: "حينما تغيب الحساسية الجمالية والمرتبطة باستجابة الفرد للمثيرات الجمالية استجابة لا تتفق مع مستوى محدد من مستويات الجودة في الفن نجد أن الأحكام قد تكون مبنية على مستوى الذات أو مستوى المحسوبية أو على غياب الخبرة عن الفنان العماني ومدى التطور الذي حققه في مسيرته الفنية لكون هيئة التحكيم هيئة خارجية من خارج البلاد". اعتقد أن الدكتور محمد العامري وجد من خلال قدراته الاستقبالية للخبرات الفنية المعاصرة، أن أحكام اللجنة المكّونة من: يوسف عبدلكي، عبدالرؤوف شمعون وعادل السيوي ـ أعضاء لجنة تحكيم المعرض السنوي الرابع عشر للفنون التشكيلية ـ كانت قائمة على الذاتية أو المحسوبية مع غياب الحساسية الجمالية. منطقياً لا اعرف حقيقة كيف يمكن للمرء أن يستوعب الفقرة ونحن نعلم أن الأعمال الفنية خاضعة على حضور الحساسيات الجمالية. والمحكّمون يسعون حسب اجتهادهم الجمالي إلى إثراء بلاغة جمالية ضمن حدود" الألفة والدهشة في خبرة الفن. لأن اللقاء بالعمل الفني يجعلنا نرى الأشياء المألوفة بعيون أخرى من شأنها أن تجعل المألوف مثيراً للدهشة. إنها عيون الفن السحرية التي تكشف عن كل ما هو جوهري وأصيل في الأشياء. إلا أننا ما نلبث أن نلتقي بحقائق الوجود المدهشة، حتى نكتشف أننا إنما نلتقي بأنفسنا وحقيقة وجودنا على نحو شديد الألفة والحميمية".iii
حقيقة أستغرب أن يرد هذا الحوار النقدي من أستاذ أكاديمي، وبهذا الشكل المعاكس في الفهم المؤكد، الذي يصبح فيه العملاق قزماً.. لا يفهم.. لا يفقه.. لا يستوعب معايير الحكم على بضع لوحات معروفة في مستواها الفني. ولأن الآخر لا يفهم، فإن تقييمه للأعمال تكون قائمة على (الذاتية) أو (المحسوبية). أزعم هنا وبامتياز أن الدكتور محمد العامري على قدر كاف من الاطلاع بتجارب الفنانين الفاعلين في المحترفات العربية والغربية. ولو لم يكن كذلك لما قال ـ دون ذكر المصدر ـ "فحينما تغيب الحساسية الجمالية والمرتبطة باستجابة الفرد للمثيرات الجمالية استجابة لا تتفق مع مستوى محدد من مستويات الجودة في الفن" وحتى لا أجني عليه دعونا نقرأ ما ورد ذكره في كتاب التفضل الجمالي في صفحة (32): "إن الحساسية الجمالية هي استجابة الفرد للمثيرات الجمالية. استجابة تتفق على مستوى محدد من الجودة في الفن".
(3)
وبهدف الخروج بأحكام أكثر موضوعية ومصداقية أشار الدكتور محمد العامري بالقول: "ومن هنا نجد أنه من الضروري بمكان أن يكون أحد المكونات الأساسية للجنة التحكيم من الفنانين أو الأكاديميين العمانيين أو من المقيمين في البلاد لمتابعتهم المباشرة وقربهم من الحركة التشكيلية العمانية وذلك بهدف الخروج بأحكام أكثر موضوعية ومصداقية". لم تكن هذه الإشارة برمتها إلا مقدمة لغاية مؤجلة. وفعلاً، بعد عامين من نشر المادة، بسم له الحظ. وأصبح عضواً في لجنة التحكيم للمعرض السنوي الثاني عشر للفنون التشكيلية للشباب!!!.
ألقى الدكتور محمد العامري في يوم الافتتاح كلمة نيابة عن لجنة التحكيم المكونة منه وبتريزيا موليناري والدكتورة ناتالي بايلي، أشار فيها: "..إن لجنة التحكيم اتبعت استراتيجية خاصة للعمل ضمن منظومة العمل الجماعي وبروح الفريق الواحد فإلى جانب موضوعية الحكم والمعايير والشروط الفنية.." وأضاف ".. وقد تمكنت اللجنة من تجاوز مناطق التفضيل الجمالي التي تتمثل في نزعة سلوكية لدى المرء تجعله يحب أو يقبل على أو ينجذب نحو فئة معينة من الأعمال الفنية دون غيرها.. "
وصف الدكتور محمد العامري أعضاء لجنة المعرض السنوي الرابع عشر أنهم لا يعون. لا يعون أي أنهم لم يعملوا وفق استراتيجية خاصة، بل اتكأوا في التقييم على الذاتية والمحسوبية. إن هذا الكلام ألغي تماماً في الكلمة التي ألقاها الدكتور محمد العامري الذي صار عضواً في اللجنة. بطبيعة الحال فإن اللجنة بما أن الدكتور محمد العامري عضواً فيها، فإنها ستتبع ..."استراتيجية خاصة للعمل ضمن منظومة العمل الجماعي... " الدكتور محمد العامري قدم الألفاظ على قدر المعاني، وتحدث علناً نيابة عن زملائه ـ أعضاء لجنة التحكيم ـ أنهم تمكنوا "من تجاوز مناطق التفضيل الجمالي التي تتمثل في نزعة سلوكية لدى المرء تجعله يحب أو يقبل على أو ينجذب نحو فئة معينة من الأعمال الفنية دون غيرها."! بعيداً عن مصدر الاقتباس اطرح على الدكتور واللجنة سؤالاً: ماذا كنت/كنتم تقصد/تقصدون بـ: "تجاوز مناطق التفضيل الجمالي"، هل كنت/كنتم تقصد/تقصدون بالعبارة تلك التي أقرتها لجنة الفرز أم التحكيم؟ وطالما أننا نتحدث عن الحساسية الجمالية والحكم الجمالي والتفضيل الجمالي، ألم يكن أحرى بلجنة التحكيم (مثلاً) الموافقة واحترام قرارات لجنة الفرز باستبعاد الأعمال المقّلدة من تجارب جيل الثمانينيات؟. أين المصداقية والحكم الموضوعي الذي كنتم تتحدثون عنه وأنتم قتلتم/تقتلون ذلك الفنان أو الفنانة بمنح جوائز فنية، وأنتم تعلمون أن تجاربهم مقّلدة بامتياز، وإن كنتم لا تعلمون، فإن الكارثة أعظم؟. وفرضاً ما طرحته ـ الهاء تعود إلى كاتب هذه الدراسة ـ أعلاه لم يكن وارداً، فهل كنت/كنتم تقصد/تقصدون بـ "تجاوز مناطق التفضيل الجمالي "ضرورة استحقاق الموظفين العاملين ـ بالمؤسسة الحاضنة ـ أربع جوائز فنية على المكشوف؟ هل هذا هو ما توصلتم إليه أكاديمياً يا لجنة التحكيم عبر مفهومكم بـ "تجاوز مناطق التفضيل الجمالي" و"الجدة في الطرح والأصالة في التفكير البصري"؟. إن هذه النتائج وغيرها تؤكد أن اللجنة المعنية للتحكيم في المعرض السنوي الثاني عشر للفنون التشكيلية للشباب لم تكن (عادلة) أمام المنجزات الفنية المطروحة. ولو كانت تمتلك ملاحظات دقيقة فاحصة لما تفوهت بالإجماع في الكلمة أن: " الإبداع في الفن التشكيلي هو الذكاء في اختيار اللقطة وطرح الموضوع ومحاولة للمواءمة بين الموضوع والمضمون..." حقيقة لا اعرف عن أي ذكاء كانت اللجنة ترغب في التأسيس، هل ذكاء يهيئ العقل إلى الإبداع ببعد نظري، أم ذكاء يقود إلى البعد اللا منهجي في التفكير والتواصل الجمعي؟!!. ولا اعرف أيضاً عن أية (مواءمة) رغبت اللجنة في فرضها على الشباب؟ هل نسخ المنجزات المرئية بالطريقة الرقمية أم التحفيز على تقليد تجارب عرضت في المعارض السابقة؟
ثالثا: النقد الفني في سلطنة عُمان: واقعه وإشكالياته وطموحاته
نشرت الدكتورة فخرية اليحيائية في جريدة الشبيبة، عدد (4922) بتاريخ 31 ديسمبر 2008م، عدد (4940) بتاريخ 21 يناير 2009م، وعدد( 4946) بتاريخ 28 يناير 2009م، ورقة بعنوان: (النقد الفني في سلطنة عُمان: واقعه وإشكالياته وطموحاته). الورقة قدمت في ندوة (النقد الأدبي والفني في عُمان: الواقع والمأمول) خلال الفترة 21 ـ24 ديسمبر 2008م. كان المفترض من الورقة أن تخرج علينا باستشراقات جمالية ومعرفية، أسوة بالبحوث العلمية الموثوقة بها، غير أننا لم نجد بها سوى "قراءات نقدية مشحونة بعبارات ومصطلحات وفقرات بأكملها لا رابط منطقياً ولا تسلسل دلالياً يربط بينها سوى القدرة على الرص. iv"ناهيك عن النقل النصي من نصوص الآخرين من غير الإشارة عنها. عموماً فإن المنهج المتبع في هذه الدراسة هو استحضار النصين: نص الدكتورة والنص الأصلي، ثم المقارنة بينهما عبر تغميق الكلمات المتشابهة.
(1)
بسطت الدكتورة يدها على الورقة، ومن السطر الأول في المقدمة أشارت إلى أن: "الفن الميدان الوحيد الذي تتناوله ألسنة الناس بالمدح أو الذم دون أن يعرفوا عن طبيعته شيئاً، على العكس من ميادين أخرى كالطب أو الهندسة، فالناس لا تقترب منها ما دامت لا تعرف عنها شيئاً، ويرجع هذا إلى طبيعة كل من الفن والعلم، فالفن بطبيعته كيان مفتوح يحمل المعاني والأحاسيس، بينما العلم كيان مغلق لا يعرف أسراره إلا من كان على دراية به. وبالتالي أصبح التطاول على الفن أكثر من التطاول على العالم، والحال نفسه ينطبق على وضع الفن التشكيلي في عُمان. ومن هنا أيضاً جاء الاعتقاد السائد بأن الفن مهنة من لا مهنة له، أو بعبارة أخرى أن الفن ليس بميدان تخصص، أو دراسة فليس له أسس أو قواعد أو معايير معينة. والحقيقة أن الفن بريء من كل هذا، فهو ميدان تخصص له قواعده وأسسه ومعاييره التي يقاس بها. " شخصياً لا أعرف ماذا قصدت الدكتورة في قولها بـ (التطاول)؟. وإذا افترضنا أن شخصاً ما تطاول على الفن التشكيلي في عُمان، فماذا ذكر؟ وأين ذكر؟ وما هي صيغة التطاول؟!. إن المقدمة التي ذكرتها الدكتورة فخرية اليحيائية في ورقتها مجاهرة، ليست إلا نقلاً حرفياً موجوداً على الرابط: http://www.al-jazirah.com.sa/2000jaz/jan/20/ak6.htm نقلتها الدكتورة دون الإشارة إلى المصدر الذي يرجع إلى الكاتب (أحمد سلامة). نشرها في جريدة الجزيرة (صحيفة سعودية على شبكة الانترنت)، العدد (9975) بتاريخ14 شوال 1420هـ، حيث ذكر الكاتب: "الفن دائما للناس في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم فكما نلاحظه على ألسنة بعض الناس بالمدح أو الذم دون أن يعرفوا عن طبيعته شيئاً فالكل مرتبط بهم وإليهم, على العكس في ميادين أخرى كالهندسة أو الطب أو الرياضيات لا يقتربون منها ما داموا لا يعرفون ولا يعلمون عنها شيئاً على الإطلاق فيجب على المستمتع بالفن أن يتفهم الفن وما له وما عليه في حياته فالفن بطبيعته له كيان خاص ومفتوح يحمل المعاني والأحاسيس بينما العلم له كيان مغلق لا يعرف أسراره إلا من كان على علم ودراية وخلفية. تفهم بعض الناس للفن ولو كان الفن قريبا منهم بأن الفن مهنة من لا مهنة له أو بعبارة أخرى أن الفن ليس بميدان تخصص ليس له أساس ولا قواعد بعكس هذا أن كل تخصص ينبغي أن يكون له أساس وقواعد، لكن الفن بريء من كل هذا فهو ميدان تخصص له قواعد وأسس وإلا ما كان له وجود أو كيان يعرف به ومن منا لا يشعر ولا يحس بوجود الفن وأهميته.. "
(2)
أشارت الدكتورة فخرية اليحيائية في سياق حديثها عن الكتابات النقدية: ".. مع التركيز على خصائص هذا النوع من الكتابات في تحديد آلية الحكم على الأعمال الفنية، وبتعبير أصدق، دراسة القواعد (المعايير) التي تكون أحيانا واضحة وغالباً مبهمة، والتي على أساسها يبني النقاد الحكم الجمالي، وبتطبيق المعايير الفنية، هو ما يسمى النقد...". إن الكلمات المغّمقة التي نسّبتها الدكتورة فخرية اليحيائية إلى ورقتها دون الإشارة إلى المصدر الأصلي، تعود إلى (أندريه ريشار) مؤلف كتاب (النقد الجمالي) والذي أشار: ".. وبتعبير أدق، دراسة القواعد "المعايير" التي تتكون، أحياناً واضحة وغالباً مهمة، والتي على أساسها يبنى الحكم الجمالي. وهكذا، فتطبيق هذه المعايير، هو ما يسمى النقد، وهو ـ كما ورد في موسوعة ليتريه ـ فن الحكم على التراث الأدبي، والآثار الفنية.. "
(3)
وباتخاذ نفس المسار، أشارت الدكتورة فخرية اليحيائية ـ دون ذكر المصدر ـ من أن: ".. نشأة النقد الفني بمفهومه الحديث في الغرب لم تكن في أكاديميات الفنون، كما نشأ تاريخ الفن، بل كانت بدايته في الصحافة ووسائل الإعلام، التي كانت تقدم الأعمال الفنية إلى الجمهور. ولقد زادت الحاجة إلى النقد الفني في ظل التغيرات الحاصلة في المدارس الفنية الحديثة، وما صاحبها من غموض وتعقيد في بعض مفاهيمها وفلسفاتها. إذ لم تعد الأعمال الفنية تحاكي الصورة الواقعية كما كانت سابقاً، مما أدى إلى أن يلعب النقاد دورا مهما في مساعدة الناس لتحسين معرفتهم وفهمهم للفن المعاصر وجعلهم يتمكنون من تذوق الفـن بصورة أحسن."
الفقرة الطويلة المسوقة على لسان الدكتورة فخرية اليحيائية (أعلاه)، ترجع نصاً وروحاً إلى المؤلف السعودي (طارق بكر عثمان قزاز). وهي منشورة في كتابه (النقد الفني المعاصر دراسة في نقد الفنون التشكيلية). ويمكن الاطلاع على صفحة من الكِتاب على الرابط المرفق: http://www.altshkeely.com/books/art_criticism.html الذي أشار فيه المؤلف بالقول: ".. إن نشأة النقد الفني بمفهومه الحديث في الغرب لم تكن في أكاديميات الفنون، كما نشأ تاريخ الفن، بل كانت بدايته في الصحافة ووسائل الإعلام، التي كانت تقدم الأعمال الفنية إلى الجمهور. وكانت وسائل الإعلام هذه تستعين بنقاد متخصصين لتفسير تلك الأعمال ووصفها وتقييمها وعمل المراجعات النظرية الفلسفية لها. ولقد زادت الحاجة إلى النقد الفني في ظل التغيرات الحاصلة في المدارس الفنية الحديثة، وما صاحبها من غموض وتعقيد في بعض مفاهيمها وفلسفاتها. إذ لم تعد الأعمال الفنية تحاكي الصورة الواقعية كما كانت سابقاً، مما أدى إلى أن يلعب النقاد دورا مهما في مساعدة الناس لتحسين معرفتهم وفهمهم للفن المعاصر وجعلهم يتمكنون من تذوق الفن بصورة أحسن."
الدكتورة بترت في نصها عبارة: "وكانت وسائل الإعلام هذه تستعين بنقاد متخصصين لتفسير تلك الأعمال ووصفها وتقييمها وعمل المراجعات النظرية الفلسفية لها". لأنها وجدت أن وسائل الإعلام كانت تستعين بنقاد متخصصين. والنقاد المتخصصون قد يكونون مثلاً: فنانين/ أدباء/كتّبة النقد/إعلاميين..! هذه الاستعانة بطبيعة الحال ملغية ومرفوضة من الطرح لدى الدكتورة التي نست أننا " مدينون لكتابات (بول كلي) في معرفتنا للفنان (روبرت دولونوي)، فقد كان أول من شرحه، وقدم أفكاره في جريدته الألمانية، ثم أخذ يشارك بالعرض مع جماعة (الفارس الأزرق) قبل أن يعُترف به في بلده فرنسا، كما يرجع إلى تصريحات (إدغار ديفاس) النظرية فضل الاهتمام (بالفن الفطري) الذي يمثله آنذاك (هنري روسو) الذي اكتشفه (ديفاس) نفسه، وأصبح يعرض مع جماعة الانطباعيين، واستمرت النجاحات النظرية للفنانين حتى وصلنا إلى اكتشاف (جان دوبوفي) للفن البكر والتنظير للفنون البريئة المستقبلة من الثقافة النقدية، مستنيراً باكتشاف (بيكاسو) للأقنعة الإفريقية والوسائط السحرية في الفن الإفريقي. لم يؤسس (دولاكروا) ولا (بول كلي) جريدتهما ليتحدثا عن نفسيهما، فقد كانت عبارة عن منابر تشكيلية أخرجت من يستحق من الفنانين من الظل إلى مساحة الضوء (علما بأن للنقد المسؤولية الأكبر في تظليل هؤلاء) ناهيك عن أن كتابات بعض الفنانين لا تقل أهمية عن تصويرهم: (شاردان)، (ماتيس)، (كاندينسكي)، (مالفيتش) والقائمة تطول لتصل (فازاريللي) و(البرس) و(سوفور) و(الشينسكي) و(فرناد ليجية)، و(شورفر) صاحب كتاب (مدينة علم التوجه -1970)00الخ".v
(4)
أشارت الدكتورة في الورقة طرح إلى ما يفترض أن يتحلى به كاتب المقال النقدي، حيث أشارت ـ مع عدم ذكر المصدر ـ بالقول: "تعتبر الكتابة النقدية مهمة صعبة، وليس من السهولة على غير المتخصص أن يتطرق إليها. إذ ينبغي أن يتحلى كاتب المقال النقدي بقدر عال من المعرفة في مجالات عدة، مثل: تاريخ الفن، وتاريخ النقد الفني، وعلم الجمال، وأن يكون مطلعاً ومتواصلاً مع المنجزات الفنية المعاصرة محلياً وعالمياً، وأن يتعرف على كل جديد في الخامات والممارسات الفنية والتطورات الحاصلة في الفن المحلي والعالمي والمستجدات في المجالات الفكرية الأخرى. وأن يكون كذلك قادراً على صياغة أفكاره بلغة أدبية رفيعة. هذا بالإضافة إلى درايته بالنقد الفني، مفهومه، وقواعده، ومناهجه، وأصوله، وخطواته، ووظائفه، ودوره في المجتمع".
الدكتورة لم تأت بالجديد سوى أنها (أقحمت) في الفقرة ـ أعلاه ـ عبارة" وليس من السهولة على غير المتخصص أن يتطرق إليها". إذا استبعدنا العبارة المقْحمة، نجد أن الفقرة تتطابق من حيث الكلمات والأفكار مع طرح المؤلف (طارق بكر عثمان قزاز) الذي ذهب إلى التأكيد بقوله: "تعتبر الكتابة النقدية مهمة صعبة، إذ ينبغي أن يتحلى كاتب المقال النقدي بقدر عال من المعرفة في مجالات عدة، مثل: تاريخ الفن، وتاريخ النقد الفني، وعلم الجمال، وأن يكون مطلعاً ومتواصلاً مع المنجزات الفنية المعاصرة محلياً وعالمياً، وأن يتعرف على كل جديد في الخامات والممارسات الفنية والتطورات الحاصلة في الفن المحلي والعالمي والمستجدات في المجالات الفكرية الأخرى. وأن يكون كذلك قادراً على صياغة أفكاره بلغة أدبية رفيعة. هذا بالإضافة إلى درايته بالنقد الفني، مفهومه، وقواعده، ومناهجه، وأصوله، وخطواته، ووظائفه، ودوره في المجتمع. "
(5)
رأت الدكتورة أن من مسؤولياتها تشحيذ الأذهان، وتلقين (الكتّاب والنقاد) دروساً أشبه بدروس مدرسي التربية الفنية. وكأن من رغب في الصنيع النقدي/الفني، كان لا يعي كيفية إزالة الأقنعة عن العمل الفني. فخرجت عليهم الدكتورة بصدق نية لتقول لهم: "إن امتلاك الناقد لكل هذه المقومات، بالإضافة إلى مواظبته على زيارة المعارض التشكيلية والمتاحف، يمكنه بلا شك من تحليل الأعمال الفنية ووصفها وتفسيرها ومن ثم إصدار أحكام على قيمتها، الأمر الذي يجعل قارئ المقال النقدي أكثر قدرة على فهم العمل الفني وأكثر إدراكا لقيمته. " أما المؤلف طارق بكر عثمان قزاز ـ صاحب النص الأصلي ـ فقد ذهب بالإشارة إلى:"إن امتلاك الناقد لكل هذه المقومات، بالإضافة إلى مواظبته على زيارة المعارض التشكيلية والمتاحف، سيمكنه من تحليل ووصف وتفسير الأعمال الفنية ومن ثم إصدار أحكام على قيمتها، الأمر الذي يجعل قارئ المقال النقدي أكثر قدرة على فهم العمل الفني وأكثر إدراكا لقيمته. " النص المنشور في ورقة الدكتورة هو نفس (النص) المنشور في كتاب المؤلف (طارق بكر عثمان قزاز) غير أن الدكتورة لم تذكر المصدر ولم تكتف بهذا، بل ذهبت في إضافة بعض الكلمات (يمكنه بلا شك)، (الأعمال الفنية) على النص، ظناً منها أن وجودها يمكن أن تضف/ تجّمل/ تهّذب، لكنها لم تضف ولم تجّمل ولم تهّذب المعنى بالجديد الذي يمكن أن يلغى إثم (...). المؤلف في طرحه مضى على نهج الباحث والناقد (فيلدمان) في تناول الطرق المتّبعة في عملية الأداء النقدي للفن: (1) الوصف (2) التحليل الشكلي (3) التأويل (4) التقويم أو الحكم. لكنه ـ أي المؤلف ـ قدم في النص (التحليل) على (الوصف). وبدلاً من أن يذكر (التأويل) ذكر (التفسير)، ربما حدث ذلك من باب السهو أو السقوط لا اعرف بالضبط، لكن الدكتورة سقطت في كلامها مرتين:
حينما نسبت النص لنفسها دون وجه حق!
الأولى:
أنها لم تقم على التعديل المفترض أنه سقوط، خاصة وأنها نشرت على لسانها في: (1) كتاب الفن التشكيلي في عُمان، (2) جريدة الوطن، ملحق (أشرعة) تحت عنوان (توهج المشهد التشكيلي العماني وغياب الأقلام النقدية) بتاريخ 7 أكتوبر 2008م، أن "عملية النقد الفني تمر بمراحل تسهل عملية الأداء النقدي للفن وهي: التأمل والاستجابة والوصف والتحليل الشكلي الذي بدوره ينقسم إلى تحليل داخلي وخارجي للعمل الفني. ومن ثم التأويل أو ما يسمى بالتفسير وصولاً إلى التقويم وأخيراً إصدار الحكم الجمالي الذي يشخص لنا بدوره المعالجات الفنية التي ينبغى للفنان أن يتبعها، أو أن يكون على دراية بها وان يوظفها في الأعمال القادمة."
الثانية:
(6)
إن التركيز على الطرح النقدي بالوسائل المدرسية قد تنفع مع فئة يجدون في الطارح ناقداً بلغ أشده، فيأتي القول على نحو أن: "مهمة الناقد الفني هي تفسير العمل الفني، وتوضيحه فقد يفسر معاني الرمز أو قد يتتبع البناء التشكيلي للعمل ويكشف عن دلالته التعبيرية وقد يصف من خلال ما تذوقه في العمل، التأثير الذي ينبغي أن يكون لهذا العمل على المشاهد. حيث إن من أهم أغراض النقد المعاصر، إيضاح العمل الفني ليفهمه الآخرون". الدكتورة، لم تأت بالجديد، وأبعد مقاييس الجديد عندها، أنها قدمت كلمة (مهمة) على (الناقد الفني) وأضافت كلمة (هي) قبل (تفسير العمل الفني) ثم أضافت كلمة أخرى (وتوضيحه) بعد (تفسير العمل الفني) دون الإشارة إلى المصدر الأصلي وهو كتاب المؤلف (طارق بكر عثمان قزاز) الذي قال فيه: "الناقد الفني هو من يحاول تفسير وتوضيح العمل الفني، فقد يفسر معاني الرمز أو قد يتتبع البناء التشكيلي للعمل ويكشف عن دلالته التعبيرية وقد يصف من خلال ما تذوقه في العمل، التأثير الذي ينبغي أن يكون لهذا العمل على المشاهد. حيث إن من أهم أغراض النقد المعاصر، إيضاح العمل الفني ليفهمه الآخرون."
(7)
في سياق الحديث عن دور الناقد المحلل، أشارت الدكتورة بالقول من إن: "المحلل الناقد مسئول عن صنع الوجه الآخر للثقافة (المعرفة) ضمن ثقافة وطبيعة الصورة بما تحمله من معاني ورموز ودلالات تعبيرية وصيغ فنية وقيم جمالية مما يساعد على تنمية وتقوية الجسور بين المجتمع وثقافته بالكشف عن المضامين الموضوعية كما في الصورة الفنية، كما يدرس ويفسر مكونات العمل الفني ويكشف عن العوامل الخارجية المؤثرة فيه. إن هذه الوظيفة النقدية التحليلية كفيلة بدمج المجتمع مع فنونه، خاصة تلك التي تحمل نتائج فئة من أفراده، ليعكس ثقافة المجتمع وبيئته وحياته". المرجع الذي استندت عليه الدكتورة دون ذكر المصدر هو بحث الدكتور (أحمد بن عبدالرحمن آل أحمد الغامدي)، المعنون بـ (ثقافة الصورة)، والمقدم إلى مؤتمر جامعة فيلادلفيا الدولي الثاني عشر، عمّان ـ الأردن، خلال الفترة 24-26 ابريل 2007م، والموجود على هذا الرابط: http://www.foto-master.com/index.php?option=com_content&view=section&id=7&layout=blog&Itemid=29&limitstart=72
أشار الدكتور (أحمد الغامدي) في بحثه إلى أن: "هذه الأدوار تحدد أهميته في الوسط الفني فالمحلل الناقد مسئول عن صنع الوجه الآخر للثقافة (المعرفة) الدلالية ضمن ثقافة وطبيعة الصورة بما تحمله من معان ورموز ودلالات تعبيرية وصيغ فنية وقيم جمالية مما يساعد على تنمية وتقوية الجسور بين المجتمع وثقافته بالكشف عن المضامين الموضوعية كما في الصورة الفنية، كما يدرس ويفسر مكونات العمل الفني ويكشف عن العوامل الخارجية المؤثرة فيه. إن هذه الوظيفة النقدية التحليلية كفيلة بدمج المجتمع مع فنونه، خاصة تلك التي تحمل نتائج فئة من أفراده، ليعكس ثقافة المجتمع وبيئته وحياته" .
(8)
أحيي الدكتورة على بلاغتها التنظيرية التي قادتها ـ دون ذكر المصدر ـ إلى البوح أمام ذهنيات ثقافية تشّكلت على مرجعيات مختلفة، من "أن النقد الفني سواء أكان أدبياً، أم تشكيلياً، أم درامياً، أم موسيقياً، هو علم متصل بنظرية الفن، وبعلم الجمال والفلسفة، والتحليل الثقافي والاجتماعي والتربوي للفن فهو بلا شك ضرورة ثقافية بل الوجه المكمل لعمليات الإبداع، فنحن ما زلنا بحاجة إلى عدد من المتخصصين ذوي الإعداد الأكاديمي في النقد الفني والثقافة البصرية." لكن بلاغتها جاءت متأخرة بعض الشيء مع سبق نشر نص الدكتور (أحمد الغامدي) الذي ذكر في بحثه: "لا شك أن عمليات النقد والتحليل للعمل الفني تعد بمثابة الأدوات الكاشفة لمجالات الفنون في صورها المتعددة وجوانب الإبداع فيها. وكما يشير الثقفي (1427) فإلى أن من معاني النقد الفني الاهتمام بالعمل الفني سواء أكان أدبياً، أم تشكيلياً، أم درامياً، أم موسيقياً، وهو يتصل بنظرية الفن، وبعلم الجمال والفلسفة، والتحليل الثقافي والاجتماعي والتربوي للفن باعتباره ضرورة ثقافية والوجه المكمل لعمليات الإبداع وإيضاح لجوانبها. "

المراجع


i- د.شاكر عبدالحميد: التفضيل الجمالي، دراسة في سيكولوجية التذوق الفني، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2001، ص (32)
ii- د0عزالدين إسماعيل: الأسس الجمالية في النقد العربي، عرض وتفسير ومقارنة، دار الشؤون الثقافية العامة، وزارة الثقافة والأعلام، العراق، 1986، ص (65+66)
iii- د0ماهر عبدالمحسن حسن: جادامر مفهوم الوعي الجمالي في الهرمنيوطيقا الفلسفية، دار التنوير، للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 2009، ص (108)
iv- شريفه اليحيائي: الشعر العماني الحديث بين النقد والنقل، مجلة نزوى، العدد 21، يناير 2000،ص 254
v- اسعد عرابي: المصور في مرآة الناقد، بينالي الشارقة، 1997
15


حسين عبيد
فنان تشكيلي

 

أعلى





(وجوه الساحر) ... جدل القيم الأخلاقية الضائعة
عرض يثبت قدرة المسرح على استقطاب الأجناس الأدبية وتوظيفها بشكل يخدم القضايا الإنسانية
الإيقاع العام تعرض للهبوط نتيجة الحوار الطويل بين الشخصيات

كثيرا ما تطالعنا أعمال درامية، سواء أكانت تليفزيونية أم سينمائية أم مسرحية تستلهم موضوعاتها من إحدى الروايات أو القصص الشهيرة التي هزت الأوساط الثقافية كما تأثر بها رجل الشارع. ومن الغريب برغم أن عدد القصص والروايات التي نجدها في المكتبات العربية، إلا أن هناك عددا قليلا تمت معالجته وتحويله إلى أعمال درامية.
ومن العروض الحديثة اللافتة للنظر، تجربة المخرج المصري عمر قابيل، الذي أراد أن يثبت قدرة المسرح على استقطاب الأجناس الأدبية وتوظيفها بشكل يخدم القضايا الإنسانية، حيث نسج هذا المخرج من رائعة الكاتب والقاص يوسف إدريس (العيب والحرام) أحداث مسرحية (وجوه الساحر)، والتي قدمت في البيت الفني بمصر ثم عرضت مؤخرا ضمن فعاليات مهرجان دمشق المسرحي الرابع عشر.
عندما كتب يوسف إدريس روايته (العيب والحرام) أراد أن يلامس الوجع الإنساني لدى الطبقات الدنيا والكادحة من الناس تحديدا، الذين يعملون ليل نهار من أجل الحصول على قوت يومهم. مع الاستناد إلى مناطق الضعف الإنساني التي تتمثل في الشرف والحب والمال.. والتي من خلالها استطاع المؤلف أن يبرز التناقض بين الصفات الإنسانية لدى البشر.. في محاولة بائسة لمعرفة ما المقصود بالشرف؟ وما المقصود بالأمانة؟.. وكيف يستطيع الإنسان أن يحافظ على مثله في ظل مجتمع ضاعت فيه القيم الإنسانية، وتباينت مفاهيم الشرف والأمانة، والعيب والحرام؟!.. فهل الحرام هو ذلك الذي تحرمه الأديان؟ أم أنه ذلك الذي ترفضه الأعراف التي يتوارثها الناس جيلا بعد جيل أو ما يعرف بالعادات والتقاليد؟
هكذا تباينت الآراء عند طرح موضوع "العيب والحرام" على خشبة المسرح، وبرغم خلفية النص تعود إلى ستينيات من القرن الماضي، إلا أنه عالج موضوعا حيا، أصبح يطرح نفسه في كل زمان ومكان... لكونه يعتمد على الرهان على القيم الإنسانية التي بات علماء الاجتماع والأديان يحاولون أن يجدوا لها تفسيرا حتى في أكثر الشعوب محافظة؟
كما صنع المخرج قابيل من خلال جماليات الشكل لوحة درامية قلما نجدها في الركح، ولكن يمكن أن نجدها في الدراما التليفزيونية.. حيث قدم العرض في ثلاث لوحات، تمثل نماذج حاضرة بغية الرهان على القيم الإنسانية نتيجة تباطؤ الاعتراف بالمثل واللهاث وراء المادة، وذوبان الحقيقة وراء المجاملات.. وأولى اللوحات تلك التي تصور رجل الأمن الذي يستقبل قضايا مختلفة مثل: السرقة والنشل والاغتصاب والمخدرات... ولو بحثنا في حيثيات تلك الجرائم سنجد أن "الفقر" يشكل القاعدة الأساسية التي يدور حول محورها الحدث !
أما اللوحة الثانية فتتمركز أحداثها بين الموظفين في أحد القطاعات الحكومية.. حيث دار جدال فكري بين أولئك الذين ذابت لديهم "القيم الأخلاقية" وأصبحت الرشوة والاختلاسات تسمى "فراسة أو شطارة".. أما الفريق الآخر الذي تجسده شخصية الموظفة الجديدة التي رفضت الانسياق للتيار السائد برغم من حاجتها المادية.. ولكن في النهاية، جميع الظروف الحالكة تلتف حول رقبتها، لنجدها تستلم وتضطر إلى مجاراة الآخرين والقبول بالواقع المرير برغم رفضها له في البداية!
أما اللوحة الثالثة.. فتدور أحداثها حول الفتاة الريفية التي تنتمي إلى طبقة دنيا في المجتمع، حيث الفقر والضياع والحرمان والجهل.. كلها منظومة اجتمعت لتشكل واقع هذه المرأة الاجتماعي، والذي يعظم الذكورة يقلل من شأن النساء!.. لكونهن دائما شماعة لأخطاء الآخرين ومغامراتهم!.. هكذا تستمر الأحداث لنجد هذه المرأة تتعرض للاغتصاب وتحمل من الغريب سفاحا، والذي يتنكر منها بعد ذلك، كما يستنكرها المجتمع، فهي رمز للرذيلة!
بينما يختفي الآخر وراء ستار العفة الذكورية التي منحها المجتمع له، فأصبح بذلك "العيب" هو "الحرام" الذي يقره الناس، حتى ولو كانت هناك ملابسات أخرى خفية وراء الحدث!
وقدمت اللوحات الثلاث بالتناوب على الخشبة، من خلال تسلسل الأحداث، بالرغم من واقعية الديكور الذي بدى ثقيلا على الخشبة، والذي جاء ليتناسب مع الشكل الفني للعرض المسرحي. حيث جاء العرض أقرب إلى العروض التقليدية التي تعتمد على الحوار السردي بالدرجة الأولى. وهذا جعل الإيقاع العام له معرضا للهبوط، نتيجة الإطالة الناتجة عن السرديات والحوار الطويل بين الشخصيات، والسير على نفس الوتيرة دون التنويع في رفع إيقاع العمل، الأمر الذي من شأنه أن يصيب المشاهد بالملل .
وحاول المخرج أن ينتقل من لوحة إلى أخرى من خلال إظلام بعض مناطق الخشبة وإضاءة موقع الحدث.. وهذا التباين في الانتقال بين اللوحات، أوجد أمام المشاهد شكلا مسرحيا جديدا، استطاع أن يكسر وحدتي الموضوع والمكان المعهودتين.. واعتمد على استمرارية واقعية الحدث ومرارته في سرد تفاصيل النماذج الإنسانية.
حمل الأداء التمثيلي هذا العرض الكثير من التناقضات عند تجسيد أدوار الشخصيات، حيث كان يفترض من الشخصية الواحدة أن تلعب دورين أو ثلاثة وتظهر أمام نفس النظارة.. وهكذا فمن كان يقوم بدور خير في أحد المشاهد، نجده يقوم بدور الإنسان المتعربد على القيم الأخلاقية في مشهد آخر، وهذا بدوره يتطلب من الممثل توظيف أدواته الإبداعية الداخلية والخارجية السريعة، والتي تمكنه من الانسلاخ من شخصية إلى أخرى دون أن يؤثر ذلك عليه.
وهذا جعل المشاهد في عرض مسرحية "وجوه الساحر" يبحث عن وجوه الساحر الضائعة بين البشر، والتي على ما يبدو بأنها ضاعت بينهم بسبب ضياع الحقيقة والمصداقية.. حتى أصبح الإنسان العصري لا يعرف ما الحقيقة؟ ومن هو الصالح من الطالح؟

عزة القصابي*
* ناقدة فنية

أعلى





تـراثيـات

أسفار خالدة:
(تهذيب اللغة) للأزهري

من أولى معاجم اللغة العربية. قال ابن منظور (ولم أجد في كتب اللغة أجمل من تهذيب اللغة للأزهري، ولا أكمل من المحكم لابن سيده... وما عداهما ثنيات الطريق) وقال القفطي: (رزق هذا التصنيف سعادة، وسار في الآفاق، واشتهر ذكره اشتهار الشمس) ثم ذكر ما علقه الزمخشري على أحد أجزائها حين ظفر بنسخة منه بخط الأزهري. ألفه الأزهري بعد ما تجاوز السبعين، ونهج فيه على منوال كتاب (العين) واتبع نظامه في تقليب الكلمة وذكر وجوهها، مع أنه نفى أن يكون من تأليف الخليل، وأكثر من الطعن على مؤلفه، حتى كأنه أراد الانتقام للخليل من الليث بن المظفر الذي يتهمه باختلاق العين على الخليل (انظر كتاب (العين) في هذا البرنامج) وقدم له بمقدمة تعتبر من أهم ما كتب في تاريخ اللغة العربية، ذكر فيها طبقات أئمة اللغة الذين اعتمد عليهم في جمع كتابه، مبيناً تراجمهم وآثارهم اللغوية، وهم خمس طبقات، تجمع ثمانية وثلاثين إماماً، وأتبع ذلك بباب نبه فيه إلى سبعة ممن اشتهروا بعلوم اللغة، وحشوها بالمزال المفسد والمصحف المغير، وأولهم الليث بن المظفر الذي نحل الخليل كتاب (العين) جملة لينفقه باسمه. ثم الجاحظ، وابن قتيبة الدينوري، وابن دريد، وقطرب، والبشتي صاحب (تكملة العين) وأبو الأزهر البخاري صاحب (الحصائل) وساق مطاعنه في هؤلاء السبعة، لاسيما البشتي. قال: (وسميت كتابي تهذيب اللغة لأني قصدت بما جمعت فيه نفي ما أدخل في لغة العرب من الألفاظ التي أزالها الأغبياء عن صيغها، وغيرها الغُتم عن سننها... ولو أني أودعت كتابي هذا ما حوته دفاتري وقرأته من كتب غيري، ووجدته في الصحف التي كتبها الوراقون وأفسدها المصحفون لطال كتابي، ثم كنت أحد الجانين على لغة العرب ولسانها). وقد عني فيه بالبلدان والمواضع والأمكنة والمياه عناية كبيرة، جعلت كتابه من أصح المصادر في هذا السبيل.

ـــــــــــــــــــ

ذكاء...

حكى ابن الجوزي في كتاب الأذكياء نبذة عن الحيوان الذي كان بذكائه شبه ذكاء الآدميين. فمن ذلك أن بعض الكتاب مر بمقبرة فإذا قبر عليه قبة مكتوب عليها هذا قبر الكلب فمن أحب أن يعلم خبره فليمض إلى قرية كذا وكذا فإن فيها من يخبره فسأل الرجل عن القرية فدلوه عليها فقصدها فقيل له ما يعلم ذلك إلا شيخ هنا قد جاوز المائة فسأله فقال كان هنا ملك عظيم الشأن وكان يحب التنزه والصيد وكان له كلب قد رباه لا يفارقه فخرج يوما إلى بعض متنزهاته وقال لبعض غلمانه قل للطباخ يصلح لنا ثريدة بلبن فجاءوا باللبن إلى الطباخ ونسي أن يغطيه بشيء واشتغل بالطبخ فخرجت من بعض الشوق أفعى فكرعت في ذلك اللبن ومجته في الثريدة والكلب رابض يرى ذلك ولم يجد له حيلة يصل بها إلى الأفعى وكان هناك جارية زمنة خرساء قد رأت ما صنعت الأفعى ووافى الملك من الصيد في آخر النهار فقال يا غلمان ادركوني بالثريدة فلما وضعت بين يديه أومأت الخرساء فلم يفهم ما تقول ونبح الكلب وصاح فلم يلتفت إليه ولجّ في الصياح فلم يعلم مراده فقال للغلمان نحوه عني ومد يده إلى اللبن بعد ما رمى إلى الكلب ما كان يرمي إليه فلم يلتفت الكلب إلى شيء من ذلك ولم يلتفت إلى يغر الملك فلما رآه يريد أن يضع اللقمة من اللبن في فيه وثب إلى وسط المائدة وأدخل فمه وكرع في اللبن فسقط ميتها وتناثر لحمه وبقي الملك متعجبا من الكلب وفعله فأومأت الخرساء إليهم فعرفوا مرادها وما صنع الكلب فقال الملك لحاشيته هذا الكلب فداني بنفسه وقد وجب أن أكافئه وما يحمله ويدفنه غيري فدفنه وبنى عليه القبة التي رأيتها.

ـــــــــــــــــــ


أعان على نفسه

وصف رجل عند ابن عائشة فقيل هو جدّ كله فقال ابن عائشة لقد أعان على نفسه وقصر لها طول المدى ولو فكهها بالانتقال من حال إن حال نفس عنها ضيق العقد ورجع إلى الجد بنشاط. وقال الرشيد: النوادر تستحدّ الأذهان وتفتق الآذان. وقال آخر لا يحب الملح إلا ذكران الرجال ولا يكرهها إلا مؤنثوهم وقال الشاعر:
أروح القلب ببعضِ الهـزلِ

أمزحُ فيه مزحَ أهلِ الفضل
تجاهلاً منيّ بغير جـهـل
والمزحُ أحياناً جلاءُ العقل


ـــــــــــــــــــ

... ليست كالصلاة

صلى إعرابي خلف بعض الأئمة في الصف الأول وكان اسم الأعرابي مجرما فقرأ الإمام والمرسلات عرفاً فلما بلغ إلى قوله تعالى ألم نهلك الأولين تأخر الأعرابي إلى الصف الأخير فقال ثم نتبعهم الآخرين فرجع إلى الصف الأوسط فقال كذلك نفعل بالمجرمين فولى هاربا وهو يقول والله ما المطلوب غيري.
وصلى أعرابي خلف إمام صلاة الصبح فقرأ الإمام سورة البقرة وكان الأعرابي مستعجلا ففاته مقصوده فلما كان من الغد بكر إلى المسجد فابتدأ فقرأ سورة الفيل فقطع الأعرابي الصلاة وولى هارباً وهو يقول أمس قرأت سورة البقرة فلم تفرغ منها إلى نصف النهار واليوم تقرأ سورة الفيل ما أظنك تفرغ منها إلى الليل.


ـــــــــــــــــــ


لئلا يعلو صوته

من محاسن الأخلاق ما حكي عن القاضي يحيى بن أكثم قال كنت نائماً ذات ليلة عند المأمون فعطش فامتنع ان يصيح بغلام يسقيه وانا نائم فينغص عليَّ نومي فرأيته قد قام يمشي على أطراف أصابعهِ حتى أتى موضع الماء وبينه وبين المكان الذي فيه الكيزان نحو من ثلثمائة خطوة فأخذ منها كوزاً فشرب ثم رجع على أطراف أصابعه حتى قرب من الفراش الذي أنا عليه فخطا خطوات خائفاً لئلا ينبهني حتى صار إلى فراشه.
وكان يقوم في أول الليل وآخره فقعد طويلاً يحاول أن أتحرك فيصيح بالغلام فلما تحركت وثب قائماً وصاح يا غلام وتأهب للصلاة ثم جاءني فقال لي كيف أصبحت يا أبا محمد وكيف كان مبيتك قلت خير مبيت جعلني الله فداءك يا أمير المؤمنين قد خصك الله تعالى بأخلاق الأنبياء وأحب لك سيرتهم فهناك الله تعالى بهذه النعمة وأتمها عليك فأمر لي بألف دينار فأخذتها وأنصرفت.
قال وبت عنده ذات ليلة فانتبه وقد عرض له السعال حتى غلبه فسعل وأكب على الأرض لئلا يعلو صوته فانتبه.
وكنت معه يوماً في بستان ندور فيه فجعلنا نمر بالريحان فيأخذ منه الطاقتين ويقول لقيِّم البستان أصلح هذا الحوض ولا تغرس في هذا الحوض شيئاً من البقول قال يحيى ومشينا في البستان من أوله إلى آخره وكنت أنا ما يلي الشمس والمأمون مما يلي الظل فكان يجذبني أن أتحول أنا في الظل ويكون هو في الشمس فامتنع من ذلك حتى بلغنا آخر البستان فلما رجعنا قال يا يحيى والله لتكونن في مكاني ولأكونن في مكانك حتى آخذ نصيبي من الشمس كما أخذت نصيبك وتأخذ نصيبك من الظل فقلت والله يا أمير المؤمنين لو قدرت أن أقيك يوم الهول بنفسي لفعلت فلم يزل بي حتى تحولت إلى الظل وتحول هو إلى الشمس ووضع يده على عاتقي وقال بحياتي عليك إلا وضعت يدك على عاتقي مثل ما فعلت أنا فإنه لا خير في صحبة من لا ينصف.


ـــــــــــــــــــ


إن كان جودك...

قال الأصمعي بينما أنا أطوف بالبيت ذات ليلة إذ رأيت شاباً متعلقاً بأستار الكعبة وهو يقول:
يا من يجيب دعا المضطّر في الظُّلم
يا كاشف الضرُّ والبلوى مع السقم
قد نام وفدك حول البيت وانتبـهـوا
وأنت يا حيُّ يا قـيومُ لـم تـنـم
أدعوك ربّي حزيناً هائماً قـلـقـاً
فأرحم بكائي بحقّ البيت والحـرم
إن كان جودك لا يرجوه ذو سفـهٍ
فمن يجود على العاصين بالكـرم
ثم بكى بكاء شديداً وأنشد يقول:
الا أيها المقصود في كـلِّ حـاجةٍ
شكوت إليك الضرَّ فأرحم شكايتـي
ألا يا رجائي أنت تكشف كربـتـي
فهبّ لي ذنوبي كلّها وأقضِ حاجتي
أتـيت بـأعـمـالٍ قـبـاحٍ رديئةٍ
وما في الورى عبدٌ جنى كجنايتـي
أتحرقني بالنار يا غـاية الـمـنـى
فأين رجائي ثم أين مـخـافـتـي
ثم سقط على الأرض مغشياً عليه فدنوت منه فإذا هو زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين فرفعت رأسه في حجري وبكيت فقطرت دمعة من دموعي على خده ففتح عينيه وقال من هذا الذي يهجم علينا قلت عبدك الأصمعي سيدي ما هذا البكاء والجزع وأنت من أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة أليس الله تعالى يقول: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً قال: هيهات هيهات يا أصمعي إن الله خلق الجنة لمن أطاعه ولو كان عبداً حبشياً وخلق النار لمن عصاه ولو كان حراً قرشياً أليس الله تعالى يقول: فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنَّم خالدون.


ـــــــــــــــــــ


إن لم تأخذوها طعنتكم

قيل لقيس بن سعد هل رأيت قط أسخى منك قال نعم نزلنا بالبادية على امرأة فجاء زوجها فقالت له: إنه نزل بنا ضيفان فجاء بناقة فنحرها وقال شأنكم فلما كان من الغد جاء بأخرى فنحرها وقال شأنكم فقلنا ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا القليل فقال إني لا أطعم ضيفاني الفائت فبقينا عنده أياماً والسماء تمطر وهو يفعل كذلك فلما أردنا الرحيل وضعنا مائة دينار في بيته وقلنا للمرأة اعتذري لنا إليه ومضينا فلما ارتفع النهار إذا برجل يصيح خلفنا قفوا فوقفنا فلما دنا منا قال خذوا دنانيركم فإني لا آخذ على إكرامي ثمناً وإن لم تأخذوها طعنتكم برمحي هذا فأخذناها وانصرفنا.


ـــــــــــــــــــ


زده مائة دينار

قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وكرم الله تعالى وجهه: من كانت له إليَّ حاجة فليرفعها إليَّ في كتاب لأصون وجهه عن المسئلة.
وجاءه رضي الله تعالى عنه أعرابي فقال له يا أمير المؤمنين إن لي حاجة إليك يمنعني الحياء أن أذكرها فقال خطها في الأرض فكتب إني فقير فقال يا قنبر أكسه حلتي فقال الأعرابي:
كستوتني حلَّةً تبلى مـحـاسـنـهـا
فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا
إيهٍ أبا حسن قد نـلـت مـكـرمةً
ولست تبغي بمـا قـدّمـتـه بـدلا
إن الثناء ليحيي ذكـر صـاحـبـه
كالغيث يحيي نداه السهل والجبـلا
لا تزهد الدهر في عرفٍ بدأت بـه
كلُّ أمرىء سوف يجزي بالذي فعلا
فقال يا قنبر زده مائة دينار فقال يا أمير المؤمنين لو فرقتها في المسلمين لأصلحت بها من شأنهم فقال رضي الله تعالى عنه صه يا قنبر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اشكروا لمن أثنى عليكم وإذا أتاكم كريم قوم فأكرموه.

ـــــــــــــــــــ


من كانت له حيلة...

روى ابن الجوزي: من المنقول عن أذكياء المتلصصين أن بعض التجار قال احتال علي رجل بحوالة فكان يأتيني كل يوم ويأخذ قدر نفقته إلى أن نفدت وصار بيننا معرفة وألف الجلوس عندي وكان يراني أخرج من صندوق لي فأعطيه فقال لي يوما إنَّ قِفْلَ الرجل صاحبه في سفره وأمينه في حضره وخليفته على حفظ ماله وإن لم يكن وثيقا تطرقت الحيل إليه وأرى قفلك هذا وثيقا فقل لي ممن ابتعته لابتاع مثله لنفسي فقلت من فلان الإقفالي قال فما شعرت يوما وقد جئت إلى دكاني وتقدمت إلى الصندوق لأخرج منه شيئاً من الدراهم ففتحته فإذا ليس فيه شيء فقلت لغلامي وهو عندي أمير غير متهم هل أنكرت شيئا من أحوال الدكان قال لا قلت ففتش هل ترى نقبا أم في السقف حيلة قال لا قلت فاعلم أن الذي كان في الصندوق قد ذهب فقلق الغلام فأمسكته وقمت مفكرا وتأخر الرجل عني فتيقظت له وذكرت سؤاله عن القفل وقلت للغلام أخبرني كيف تفتح دكاني وتقفله فقال أحمل الدراريب دفعتين وثلاثة حتى أضعها في محلها وهكذا أصنع في غلقها قلت فمن تدع عند الدكان إذا نقلت الدراريب قال: أتركه خاليا قلت فمن ههنا ذهبت فمضيت إلى الصانع الذي ابتعت منه القفل وقلت له: أجاءك إنسان منذ أيام واشترى منك مثل هذا القفل قال نعم رجل من صفته كذا وكذا وأعطاني صفة صاحبي فعلمت أنه احتال على الغلام وقت المساء ودخل الدكان واختبأ ومعه مفتاح القفل وأخذ المال ومكثر طول الليل إلى الصباح فلما فتح الغلام وحمل الدراريب ليضعها محلها خرج وأنه ما فعل ذلك غلا وقد خرج من المدينة فخرجت من البصرة ومعي قفلي ومفتاحي فقلت ابتدئ بواسط فلما صعدت طلبت خانا أنزله فلما دخلت الخان وجدت قفلا مثل قفلي على باب بيت فقلت لقيم الخان هذا البيت من ينزله قال رجل قدم أمس من البصرة فقلت ما صفته فوصف لي صاحبي فما شككت أنه هو وأن الدراهم في بيته فاكتريت بيتا إلى جانبه ورصدته حتى انصرف قيم الخان ففتحت القفل ودخلت البيت فوجدت كيسي بعينه فأخذته وخرجت ووضعت قفله على بابه ونزلت على الفور في السفينة وانحدرت إلى البصرة ولم أقم بواسط غير ساعة من نهار فرجعت إلى منزلي بمالي كله


ـــــــــــــــــــ


وتر


خرج ابن زياد في فوارس فلقوا رجلاً ومعه جارية لم ير مثلها في الحسن فصاحوا به خل عنها وكان معه قوس فرمى أحدهم فهابوا الإقدام عليه فعاد ليرمي فانقطع الوتر فهجموا عليه وأخذوا الجارية فهرب واشتغلوا عنه بالجارية ومد بعضهم يده إلى أذنها وفيها قرط وفي القرط درة يتيمة لها قيمة عظيمة فقالت وما قدر هذه الدرة إنكم لو رأيتم ما في قلنسوته من الدر لاستحقرتم هذه فتركوها واتبعوه وقالوا له ألق ما في قلنسوتك وكان فيها وتر قد أعده فنسيه من الدهش فلما ذكره ركبه في القوس ورجع إلى القوم فولى القوم هاربين وخلوا الجارية.




أعلى





الأدب الشعبي

بوح
إطلاله

ذيك الخطوط البارحة بأعتم قلم.. بأشنع كتاب
ما تبتسم لأجل الجروح المدبره والموجعه
واجمل تضاريسه بقت ما خالطت ذاك الذهاب
ترضخ على رغم اختلافاتي ونقصاني معه
لو كانت الفرقا نمت ما بين هالحيطان ناب
ما كانت الجرأة تمس آذانها ولا تمنعه
ذابت على وجهي شموع المفترق والاغتراب
يسلخني بجلدي وانا استحمل ولا اقلعه
وتمرني ريحك عبق من ومضة الوردة نِصاب
كلما يخايلني الذبول اجيه ملهوف ازرعه
واشوف هالطله تعب في داخلي مثل السراب
اركض وانا اركض : اطيح ولا اشوفه واسمعه
كثر الحزن ما شالني في جيّتك .. كثر الغياب
اتذّكر إطلالة مجيئك في عيون الاشرعه
لما تطل بجية اشلائك على دربي اهاب
افز من ذاك الجلوس الصمت وسط الجعجعه
مرت ثلاث سنين يا عمري يواريك التراب
ما جيت في عيدي ثلاث اعوام واليوم ( اربعه (
ما مرني وادي البكاء حبلٍ على وجه الشباب .
إلا تذكّرته الم لابد إني اقطعه
يا هيه تتناصف حياتي بين حيطان وخراب
والوقت في عمري قضى ما بيننا ضيق وسعه
سيفك رهف يا سيدي من بعد ما قطّع رقاب
والمهزلة قامت تشيل السيف وسط المعمعه
شفت الحداد البارحه يبكي على عتم الثياب

ما يبتسم كله جروحٍ .. مدبراتٍ .. موجعه

فيصل بن سعيد العلوي


ـــــــــــــــــ

العمر فرصة

عطني مساحة بقلبك الطيب
ببني صروح الحب من ثاني
العمرفرصة وموتنا قريب
خلني اتهناك وتهناني!
في وسط نبضك دعني آغيب..
كل شي بس احياك وحداني..
وامرح بوسط حماك وأتسيب
وان غبت في داخلك بلقاني!!
وان حدني صوت الجفا أتذيب
رد الصدى من ذيب وجداني
يعوي ولي من طبعه الهيب
أي شي إلاغدر خلاني
ودام الخطا وارد _ إذن طيب_
تعال دام إن العمرفاني
حتى البكر لامن غدت ثيب
من حقها لوترتبط ثاني!!
وعطني مساحة قلبك الطيب
برمي كنوز الأرض فأحضاني!


ناصرالغيلاني

ـــــــــــــــــ

أحتاجها

أحتاجها
أي والله آنا أحتاجها
كثر الحكي
كثر السكوت
كثر انحباس الما بأرحام السحاب
كثر الغياب
أحتاجها
منزالها القلب ال غدا معراجها
مري على هذا اليباس
-أستغفر الله- لو تمري لك نطق
الطين ينجب ما وأغصانه ورق
مري كرهت الإنزواء
والرغبة تشعلني حطب
الجوع ينهش في فمي
تساقطي تين ورطب
مري كرهت الإنحسار
تمرد المحار فيني
وانعمت عين الفنار
مريني مريني
يا ساكنة فيني
أحتاجها عيونك إذا نامت عيون الليل
وأحتاجها يدينك إذا أحرقت عكازي وطحت
مري ولو مستعجلة
تحتاجك أشجاري وأسفلت الطريق
مري ثجاج
أو مرودٍ من عاج
في عين الغياب
اهديني عيونك سفر ليلة
وأنا أهديلك حمايم للسلام
شابت محاجر شمعتي
والريح تصفر في انحناءات المحال
والبرد غادر يطعن "صفار" الحطب
محتاج لك كثر احتياج الغيم لمياه الخليج
يا أنتي يا أنتي
محتاجها عيونك كثر ها الليل
وسدول الظلام
مري قوافل من كلام
بحضنك في عيني وأغمضها وأنام


سعيد الشحي

ـــــــــــــــــ

النهار العذب

على صدر النهار العذب شفتك عقد أسطورة
كتبتك لين ما ذابت حروفي بدفتر أشعاري
سكنتيني مرايا عانقت في داخلي صورة
تجي مثل الصباح الورد حقيقة أورقت داري
حقيقة ما نمت إلا بخـــــفوقي جات محفورة...
هنا في ضــــلعي الأبيض تجدد ثورة إعصاري
أحبك كثر ما غنتْ طـــــيورٍ فيك مأسورة
تنفست الضيا وأنا شعــوري جاب إقراري..
أحبك ذي جروحي يا الأمل بك حيل مكسورة
بيدك تأخذي هذي الجروح أو تشعلي ناري
أحبك شاعرٍ عاف الغياب وضاق به شعوره
تلذذ به الوهن... في دفتره قد صار إجباري
أمانة لا قسى وقتك بعيني ما أنتِ مجبورة
ولكن أذكري طفلٍ تغــــــــنى بأعذب أوتاري
أنا ما جيـــــــت لك إلا ربيعٍ من وهـج نوره
توّرد في يدينـــــي زهر عـــطر ٍ بالوفا ساري
وأنا لا قلت لك شـــعري تفرد رغم ديجوره
حكى وقع (الأنا) فيني غرور.. وعفت أوزاري
وأنا شلتك على درب الألم في معطفي..سورة ..
أرتلها فــــــضاء كل العمر في دفتر أشعاري


سالم السيفي

ـــــــــــــــــ

زهرة سنيني

أنا لا قلت لك آسف وباحت لجلك الأسباب
وسالت دمعتي من مقلتي وتناثرت فيني
وقفت ف لحظة غيابك غصن ذابل بدون تراب
أدوّر فيكِ عن نفسي وأنتي زهرة سنيني
يا ذكرى الماضي المنسي وكلمة صغتها ف كتاب
وآهاتٍ ارددها إذا أنتي تركتيني
(أنا دونك) ولا أسوى، زوايا مظلمة وأبواب
وليلٍ لا حضر يطفي صباح النور عن عيني
ألا يا حاضرة أمسي كفاية لحظتين غياب
كفاية وارحمي حبٍ تدفّق من شراييني
جرى وانساب مع دمي روى لجلك غصن عنّاب
وجا يآخذ من ضلوعي بقايا بتلة التيني
ويحكي عن عمر سالف مضى بين العشب والغاب
صغارٍ في فضا حارة سوالف بينك وبيني
قطفتي ورد بستاني وصار بلمستك لبلاب
إذا عندك سكب سيله عليه وقال ارويني
مداين شوق ضمتني مداين حضنها أتعاب
تعذبني بحرف اسمك تعذبني وتكويني
وأنا ضلعي ولا يقوى عذاب وفرقة الأحباب
مثل غصن الشجر واهن فروعه تنحني ليني
وأنا باقي على عهدي عشقتك واِسألي المحراب
صلاتي أو دعائي صار يا محبوبتي ديني
تجي وسط الطريق آسف تغطي حزننا بحجاب
وأقول الله( يا ستي) أنا آسف وداريني
ترى دوم البشر تخطي وأنا صلصالةٍ وتراب
وكنت بجنتي ساكن لولا ما شياطيني
أنا آسف أنا آسف أنا آسف ولا ارتاب
ولولا عزة المولى لقبّلتك نظر عيني
أشيلك في فضا همسي وأصنع لجلك الألقاب
مثالية، جمالية، عذوبة، زهرة سنيني
ولكن تبقى لي آسف ملاذي وافتحي الأبواب
غرامك صكّر أبوابه على قلبي ويعميني
ويبقى لي أمل واحد بقربك ممتلي إعجاب
احبك يا أمل عمري ( ولو عنك كرهتيني)

وليد العامري


ـــــــــــــــــ


ظلام الحزن


عظيم الـــــروح يتنهد يعاتب هــاالــزمن بالهــون
تذكر كل مسافاته ظـــــــلام الحـــزن ساقيهـــــا
وحيـــــد ويجتمع عنده شعــــور الرابــح المغبون
نهب حـــــزنه حـــدود أمسٍ تعلق فــي سواريها
يسامــــــر ليلة بونـــــة وربعة بالكــــــرى يهنون
لذيذ النـــــوم ما قــــارب جفونـه في لياليهــــــــا
ألا يا ناشدي عن حزني اللي فالحشــى مدفون
ترى لك عين ولـــــي نفسٍ تمعن فــي خوافيها
عزف لحنه على وجهي وخوفي يوضح المكنون
رغـــــم ذلك شموعي فالأمل ماشــــي يطفيها
طموحي ما تجاهلته مـــدام ان الأمــــل مسنون
حياتـــي وما أنكتب لـــي فالعمـرلابــد أقضـــيها
ألا يامن شكى من حــــــرته ويقول أنا محـــزون
أبــــي تسمع كلامــــي والنصيحة تتعض بيـــها
تهنـــى بالحياه اللي كتبها مـن خلــــق هاالكون
وعمــــر الآدمــــي فانـــي ولانعـــــرف تواليهـــا

جمعه العريمي


أعلى




مطر، مطر، مطر..


(1)

غريب أمر السينما حين توظِّف النّار مع كلّ إشارة متحاينة مع لقاء حميم، ولا تكترث عن عمد بشقاوة المطر وفتنته وروائح طلعه وأشواقه التي تدقّ النوافذ وتمسّد الأرواح...
ألم يصنع المطر بعد أسطورته كما فعلت النار؟!..ألم يحن أن يحيلنا المشهد أيضاً إلى مطر مندلع، إلى مطر يذكي الحواسّ بشهواته الألف!.. "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان"، وليس بالنار وحدها تشتعل الأجساد!..

(2)
ما أروع كلّ ذلك الامتداد، حين يمسّ الوادي كلّ تلك المزارع، ويتخضخض في منعرجاتها ومنخفضاتها ومرتفعاتها ثمّ يمضي إلى البحر. ما أجمل ذلك المدّ المنسرب كأفعى شاسعة طائشة، لا يهمها إلا أن تسعى وتتطاول وتتكاثر وتتمدّد، بألسنة كثر، وبطون تفرغ قِرَبَها المائية المؤقتة في الطريق السريع إلى حيث الأمّ الأولى، إلى حيث البحر، لتنزف هناك رمقها الأخير، قربتها الأساسيّة الأخيرة، محصولها العذب الذي يلتقي الملح في إخاء السريرة وصداقة الماء. كأنّ الوادي لا تهمّه المزرعة بقدر ما يهمّه حبل سُرّته، لا يهمه الرحيل بقدر ما يهمّه الوقوع في الأمّ، لا يهمّه المنبع بل الخلاص في مصبّه؛ من فرط الحنين..

(3)
قال أخٌ لأخيه: أن تـثـقِـبَ حبّة البَرَد سيارتك خير من أن تثقب رأسك!..

(4)
لكي تكتمل الرومانسية هل لا بدّ من كائن لاهث محطّم تحت المطر؟ أو عاشقين جذلين لاعبين يلحسهما الرذاذ؟..


(5)
من فضائل المطر أنه يُـنْقِص حصص اليوم الدراسيّ الثقيل أو يحول دون أن يكون هنالك يوم دراسيّ ثقيل!..

(6)
كم سيفرحنا المطر أيضاً حين نكون أمواتاً لابثين في المقابر الحزينة، حين نكون معضوضين بالزوال!..كم سيعزف في آذاننا الخرساء من رمال مبللة، وفي تجويفات أعيننا المفقودة من رعشة باردة، وفي هياكلنا الممتقعة من وحدة تلتفّ علينا بكُلاباتِها وكِلابها التي تدفعها المياه!..

(7)
أيتها المتعة الزائلة، أيتها الثروة التي لا تدوم، أيها المطر..

(8)
فكرة شهيّة؟ أم بائسة ومغثية بلا حد؟ لو فكّرت بأنّ الله قد خلقني فحسب لكي أشاهد هذا المطر الغزير من هذه النافذة...

(9)
للفأس فراشته المرهفة، وكذلك كلّ قطرة مطر في العينين. ألهذا يذبحنا المطر بلذاذاته؟!..

(10)
ليس لديّ مظلة، ولكنني سأشكّل من "خيشة" الأرزّ الخشنة، أو "جونيّة" الطحين الملساء، الفارغتين، مظلة أركض بها تحت المطر، إلى حيث رفاقي الذين يلعبون بالماء، ويطشطشون ويتراشقون بثروتهم السماوية..

(11)
صوّرتُ الوادي قبالة البحر، صوّرتُ الماشين والعابرين والعربات وزخّات المطر الغزيرة المتساقطة والنفق الذي ارتفع فوقه منسوب مياه الوادي وابتسامات الأصدقاء.. والآن يقال أيتها الحياة، أيتها الصُّوَر، إنّ ذلك كلّه واقعية خرساء!..

(12)
مع تلك اللقيا الباكرة، مع تلك الأعياد الصوتية الطفولية، من قبيل: "جانا المطر من عند الله/ كـَسَّرْ حُوِي عبدالله" كنت أتساءل من هو الـ "عبدالله" وأحيانا الـ"مسعود". من هما هذان الرهيبان والمحظوظَان والمُخْتاران، اللذان اختصهما المطرُ بتكسير فنائَيْهما السعفيين؟..

(13)
" قد حال دون لقائـنا المطرُ " يحـلـو بثـغركِ، يـعـذبُ الـعُـذُرُ
من حبّـــنا، من فرط لوعتنا غـنّى السحابُ وصفّق الشجرُ
بيتان غرّان، نهضا تحت البرق، كتبتهما لكِ
(14)
وُلِدَ في يوم مطير، وخُتِنَ في يوم مطير، وسافر في يوم مطير، وتزوج في يوم مطير، ومات في يوم مطير... هذا كلّ ما في الأمر!..

(15)
قال مؤمن: المطر في بلدان الشمس هو ابتسامة الله (ولهذا نتضوّر للقاء الأمطار)، وفي البلدان التي لا تشرق فيها الشمس هو قسوته (لذلك يضجرون من الأمطار، في هيامهم الكابوسيّ بفكرة الصحو)..

(16)
ومن المياه إلى المياه أيتها الأمطار. ومن التراب إلى التراب أيها الكائن...


صالح العامري*
* شاعر عماني


أعلى




رسائل ممطرة
ما قالته البارحة

كان للبارحة مطر.. ملحٌ.. وغمامة سوداءَ أفضت للجدران دمعتها, يا "نوَّارة" الأمس التي افتقدتها الروح طويلاً, ماذا سرقت من قلب الطفل الماثل اليوم في وحدته, آه يا جرح القلب لو أخبرتك عن البارحة, عن دمعة جرَّحت المآذن. هل سمعت عن زنبقة تبكي!. هذه عين أم، وذاك قلبها.
كلما تذكرت "البارحة" ودار كبيرة باتساع مغارة وباسوداد قبر, أنكرتني حقائق الأشياء وأبصرت ملامحي البائسة, لأرى أمومتي "زلزال طائش"!. تُرى ما طعم الفجر, ما طعم الخبز, وما لون الماء, وورد الشرفة, لو أنكَ أبصرت معي كل هذا الحزن في عيون أمهات الدار المسور بأقاليد الألم؟
أمهات يترقبن تفتح أول وردة من نيسان, وأخريات يدملن أول حزن لخريف يطرح وردا أصفر.. لا شيء مبهم هناك.. فتلك الدار تحكي جميع ما تبوح به الأبجديات، لكن لغتها عذاب, وقصتها خاتمة مجوفة بالحزن. بذرن فماذا حصدن يا للسؤال، ويا لمرارة الإجابة.
كيف جعلتني تلك البارحة أفسح شبابيكي للشمس وأبقى طيلة اليوم أرى وجه أمي, آااه ياورة حنّونْ.. ليتك قبل البارحة كنت هنا كي أخبئ دمعتي في حضنك وأغفو قليلا. البارحة أشبه بالوجع حدَّ الجرح, كانت الدار مليئة بالدمع, بدمع الأمهات, لو أنكم أصغيتم لجراحهن, لإثم تركوه أبنائهن الصعاليك يحكي في عيونهن دون أن يبوح.
تساءلت في لحظة حين رأيت إحداهن تحيك شالا من الصوف في ركنها الهادئ, البارد, الصامت, كيف يا أم, هل تطرزين حزنك بخيط يحكي رجع الروايات القديمة, أم أنك قد نسيت بأن صغيرك قد كبر ـ حدَّ السنديان ـ وانتصر الزمان المر, وطارت العصافير قبل البارحة. لماذا تساومين روحكِ الجميلة, كلهم يا أمهات القمر المضيء, قد علقوا سر هذه الخطيئة في ردهة الدار الحزين, في عيون تقول "لماذا".. في قلوب تخبئ هدهدة لصغار ينامون قبل المساء ولا يكبرون. هناك من تنتظر على جانب الدار ابن زارها في آخر الشتاء, احتسى الشاي, وأطفأ آخر سيجارة واختفى, هكذا في كل مساء هنا أغنية وحكاية, وربما صمت كثير يقول الكثير!!.

رسالة ساقطة:
(كبرُنا
وقد قالَ آباؤنا
سنزرع أبناءنا
في حُقول السنابلِ
كي يحملوا بذور أرواحنا
للزمان الجديدِ
لكي يورقوا بين صبرِ السنينِ
شجراً للوفاء وزهور حنين
كبرنا وكنا دروب البلاد
كنا غماماً ينَّثُ
وقفنا
على جَدولٍ يتسللُ من بين زيتونتينِ
وصَدرأ لأمٌ حنون
هي الدفءُ إن حلَّ يوماً شتاءْ)

(بسام صالح مهدي)


سميرة الخروصي*
* شاعرة عمانية


أعلى




سيرة الحجر
الدخلاء

وصل إلى المكان مبكرا، كان كل شيء كما خطط له، الظل الكثيف للشجرة، والهدوء الذي يأخذ بالنفس، والمياه الرقراقة بعد هطول مطر شتوي غزير، بدأ في تعليق أشيائه وترتيب المكان وتنظيفه، كان قد خطط أن يقيم لعدة أيام مستمتعا بوحدته، متماهيا في المكان وكأنه أحد كائناته الحجرية الخرافية.
حدث ذلك منذ زمن بعيد، ولا يزال يتذكر تفاصيل الحكاية ليرويها بين الفينة والأخرى، كلما لمعت في ذاكرته، فيقص تفاصيلها على من يجالسه، وهو المعروف بين الناس هنا بسيرته الجبلية الطويلة، كان يبتسم عندما يسأل عن حكايته، يصلح من جلسته موجها نظره إلى محدثه، بادئا في السرد، آخذا بالتفاصيل، وبرغم الزمن الذي مضى عليها إلا أنه يجيد تذكر الأشياء وكأنها حدثت البارحة، فيذكر التفاصيل الدقيقة في حكايته، من أشياء وأمكنة وأحداث صغيرة مر بها، مع هذا لن نأخذ من الحكاية إلا ما يهمنا، فكان يقول: عندما انتهيت إلى المكان، كنت قد قنصت قنيصة في طريقي، كنت أنزل في الطريق الملتوي صوب الوادي، فسمعت حركة في الجهة المقابلة للجبل، سمعت صوت المشي، فأصغيت سمعي جيدا، كانت الحصيات الصغيرة تتدحرج من تحت أقدام الدابة، عندها ركزت أكثر لأعرف اتجاه الصوت، فإذا بها تقف أمامي مباشرة.
مددت يدي إلى بندقيتي التي تأبطتها، وصوبتها سريعا ناحية القنيصة، وسريعا أطلقت الرصاصة ناحيتها، فتهاوت في المنحدر وسقطت بين الصخور، وما هي إلا دقائق بسيطة حتى وصلت إليها ثم نزلت بها إلى الوادي ومن ثم توجهت مباشرة حيث نويت أن أقيم، وحتى أصلح المكان، علقت القنيصة على الشجرة، كان الدم ما يزال يقطر من عنقها، ثم علقت أشيائي الأخرى، وقررت أن اجمع بعض الحطب لإيقاد نار كافية لكي أصنع لي فنجانين من القهوة.
بعد أن انتهيت من بعض الترتيبات اللازمة للإقامة، اتكأت على جذع الشجرة في استرخاء تام، قبل أن أبدأ في تقطيع القنيصة حتى لا يدركني الليل، كان الصمت يعم المكان إلا من حفيف أوراق الشجر، وأصوات بعض الطيور الجبلية التي تأتي متطفلة لتقف قليلا فوق الشجرة ثم تغادر إلى أمكنة أخرى، وبعد قليل سمعت ما يشبه الكلام قادما من الوادي، فقمت من مكاني ورأيت على البعد رجلين قادمين ناحيتي، ولأنني لم أود أن يشاركني أحد ما عزلتي ولا قنيصتي، لذلك عزمت على الاختفاء من المكان حتى يمران في طريقهما إلى أمكنة أخرى ، فقمت وتوضأت للصلاة، ثم جلست القرفصاء وقرأت تعويذة الاختفاء مشروطة للواقف والجالس من البشر، قرأت التعويذة لي ولأشيائي، ثم اندسست بعيدا عن الشجرة، تحت ظل نخلة صغيرة قريبة من المكان، وما هي إلا لحظات حتى وصل الرجلان إلى المكان ووضعا أمتعتهما، ثم أوقدا نارا وجلسا يأكلان التمر ويشربان بعده بضع فناجين من القهوة.
استلقى أحدهما مسترخيا وقد مد ببصره إلى فوق، رأى حيوانا معلقا من قوائمه بين أفرع الشجرة، تعجب من ذلك، فجلس ووجه نظره مرة أخرى إلى ذات المكان لكنه لم يلحظ شيئا، حرك رأسه وفرك عينيه جيدا، داخله الهاجس في نفسه أنه كان يتخيل ذلك فقط، فأخبر صاحبه بما حدث معه، فلم يعره انتباها وقد ظن أنه يمزح معه، ثم عاد فاستلقى من جديد ونظر ناحية الأغصان فرأى القنيصة معلقة في مكانها، فجلس ولم يلحظ شيئا أيضا، فأصر على صاحبه بما رأي في استلقائه، ثم جرب ذلك مرة وثانية وثالثة، بعدها جرب صاحبه واستلقى أيضا ونظر إلى فوق فرأى ما رآه، وعندما جلس اختفى كل شيء، فقال له: إن في الأمر سرا لا نستطيع الوصول إليه، وإنني أرى أنه من الأفضل لنا أن نترك هذا المكان لأهله الذين سبقونا إليه، ولنبحث عن مكان آخر، عندها قاما من مكانهما وقد لملما أمتعتهما سريعا ورحلا صعودا مع الوادي وهما يهمهمان ويتحدثان عما حدث لهما، ولقد تذكرت أنني عندما قرأت التعويذة، اشترطتها على الواقف والجالس ونسيت النائم، ساعتها ضحكت على ما حدث وحمدت الله أنهما لم ينتبها إلى وجودي حيثما كنت.
زهران القاسمي

أعلى

 

 

 

 

 

 

 

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept