الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 







مبتدأ

شدّد يوسف بن إبراهيم البلوشي مدير عام المنظمات والعلاقات الثقافية بوزارة التراث والثقافة، على ضرورة المشاركة الفاعلة للجمعيات الأهلية، مشيرا إلى أن الوزارة كانت تتمنى إشهار جمعية المسرحيين منذ عام 2004، مبينا في الوقت نفسه أنه ينبغي على جمعية السينمائيين أن تواصل مسيرتها الفنية التي توقفت بتجربة فيلم "البوم". كما أوضح يوسف البلوشي في حديث مع (أشرعة) أن الثقافة تلعب دورا حيويا وحاسما في مجال التفاهم والتواصل بين الأمم والشعوب، موضحا أن الجميع بات يراهن على العلاقات الثقافية باعتبارها الطريق الأسلم لتنمية العلاقات وتطويرها. كما كشف يوسف البلوشي لـ(أشرعة) أن لدى الوزارة هذا العام برنامجا خصبا من المشاركات الخارجية في عدة دول مثل لبنان وزنجبار والولايات المتحدة وغيرها.
الدكتورة الشاعرة فاطمة الشيدي تقدم قراءة حذرة تفترض أكثر من مدخل للنص الشعري لدى الشاعرة الإماراتية ظبية خميس، حيث تؤكد فاطمة الشيدي أن نص ظبية خميس يصدر عن فلسفة عميقة، وإحاطة جذلى بالأعمق من الأشياء، ولا يصلح أن يكون نصا حياديا أو جزئيا أو ثابتا أو متكررا، فالقصيدة لدى ظبية تسير محفوفة بصوت الذات المتهدج في صلاة داخلية حميمة، موازية في نصها بين حالات الكائن الداخلية والخارجية.
الكاتب عبدالله خميس من جهته يكتب انطباعات ذاتية عن تجربة الفرجة السينمائية (المتعة في السينما.. الجزء الفارغ من الكأس) حيث يذهب عبدالله خميس إلى أنه قد آن الأوان للحديث عن الأثر السلبي للسينما التجارية البحتة في تشويهها لجوهر السينما وتحويلها من فن إلى تجارة، فضلا عن تشويهها للإنسان، موضحا أن النظر إلى السينما باعتبارها وسيلةَ ترفيهٍ سريعٍ عابرٍ هو إجحاف في حقها من حيث اختزال إمكانياتها الروحية والجمالية والتعبيرية المختلفة إلى مجرد التسلية.
الزميلة جميلة هدى الجهوري تزور قسم الآثار بجامعة السلطان قابوس، وتحاور اثنين من المتخصصين وهما المصور الأثري يعقوب الرحبي والمساح الأثري ناصر الهنائي، حيث تثير الزميلة الكثير من القضايا في حوارها الخصب مع المتحدثين اللذين كشفا جانبا كبيرا من خبايا عالم الآثار الغامض.
أما الكاتبة الكويتية سعاد العنزي فتقدم رؤية نقدية في رواية "زمن البوح.. التحولات" للروائي الكويتي حمد الحمد، إذ ترى العنزي أن هذه الرواية تشكل متنا روائيا مبحرا في سخريته, وسلاسته, يتوسل التوسيع من حيز الفرح، من خلال ممارسة الكاتب لتعرية الواقع وكشف المستور والمنسي في دهاليز المجتمع, دون تحيز لوجهة نظر ضد أخرى.
الكثير من النصوص والمواضيع الأخرى في انتظار القارئ بين دفتي هذا العدد من أشرعة...

المحرر

أعلى






قصيدتان
مَدينَةُ الليل


تَجُرني خيلُ أيامي إلى طرقٍ
قد عَفرتْ وجهَ أعوامي حوافرُها
وأعيُني عَصفتْ ريحُ البكاءِ بها
فَغادرتْ عن مراسيها بواخرُها
أظافرٌ لعروسٍ لوِّنتْ بدمي
وغرَّدت فوقَ أيديها أساورُها
في غربةِ الدارِ روحي أطرقتْ وبكت
لأنها تَعِبَتْ هماً يُشاجرُها
لأنَّها لم تجدْ جسماً يُؤمنُها
ولم تجدْ أي مخلوقٍ يُحاورُها
تُغادرُ الأرض أقدامي وإنْ وطِئتْ
أرضاً، فإني في صمتٍ أغادرُها
أعلِّق الزادَ في غصنٍ على كتفي
لرحلةٍ كنتُ في نَفسي أسافرُها
مدينةُ الليلِ والأبوابُ مقفلةٌ
وفي طريقِ هلاكٍ نامَ زائرُها
أُناسُها عَثَراتٌ في شوارعِها
مدينةٌ كل مَنْ فيها يحاصرُها
والليلُ يصرخُ والأشجارُ خائفةٌ
من الظلامِ ولا شمسٌ تُناصِرُها
مدينةٌ هزَمتها نفسُها قلقاً
والآن تبيضُّ في شعري خسائرُها


أحزان لسيدة الصحو

وَتَدْفُنُ أحزاني رمالُ توهمي
وفوقَ رمالِ الوهمِ بانتْ رؤوسُها
ويصبحُ وجهُ الأرضِ ساقاً تدوسني
لتثأرَ مني كيف كنتُ أدوسُها
ولي شبرُ أحزانٍ يقيسُ مسافتي
وكنتُ أنا المحتار كيف أقيسُها
قوافلُ من عيني تشدُّ رحالَها
فخدي صحراءٌ، ودمعيَ عيسُها
ومثلي مكسورُ الجناحِ حمامةٌ
ومثلي معصوبُ العيونِ حبيسُها
وأنظرُ من خلفِ الدخانِ فلا أرى
سوى وجهِ من قد أسكرتني كؤوسُها
هي امرأةٌ تصحو فيورقُ جسمُها
ويُظهر ما معنى الجمالِ جلوسُها
أُكسِّرها مثل الزجاجِ.. تبعثرتْ
أُجمِّعُها في راحتي وأبوسُها

بسام صالح مهدي*
* شاعر عراقي

أعلى




يشدّد على ضرورة مشاركة الجمعيات الأهلية ويعتبرها محظوظة
مدير عام المنظمات والعلاقات الثقافية بوزارة التراث والثقافة في حديث لـ(أشرعة):
الجميع يراهن على العلاقات الثقافية باعتبارها الطريق الأسلم لتنمية العلاقات وتطويرها

نتطلع هذا العام لإقامة أسابيع ثقافية في لبنان وزنجبار والولايات المتحدة

كنا نتمنى إشهار جمعية المسرحيين منذ عام 2004، والسينمائيون توقفوا بعد "البوم"

حوار ـ هاجر محمد بوغانمي:
كشف يوسف بن ابراهيم البلوشي مدير عام المنظمات والعلاقات الثقافية بوزارة التراث والثقافة، في لقائه مع "أشرعة" عن استراتيجيات عمل الوزارة، وتفعيل دورها على المستويين الداخلي والخارجي، وقد تطرق البلوشي في معرض حديثه عن المديرية العامة للمنظمات والعلاقات الثقافية، إلى برنامج عملها السنوي من خلال تواصلها (محليا) مع المؤسسات الحكومية والجمعيات الثقافية والذي يدخل في إطار الدعم الثقافي الكبير الذي ترصده الوزارة لهذه الجهات، ومباركا لجمعية المسرحيين إشهار جمعيتهم في وقت يتطلع فيه المسرح الوطني إلى إنجازاته القادمة بعين منفتحة على العالم، وروح ترنو إلى اللحاق بركب الحضارات المتقدمة، من أجل إيجاد صيغة مثالية لحوارنا مع أشقائنا العرب وأصدقائنا من "الإفرنج" (على حد عبارة رفاعة رافع الطهطاوي وخيرالدين التونسي) ودعم العلاقات الثقافية التي تربطنا بمختلف دول العالم، للخروج برؤية موحدة تجمع ولا تفرق، ولكنها في الوقت ذاته تضعنا أمام تحديات كبيرة ورهانات أكبر.
وللإشارة فإن يوسف بن ابراهيم البلوشي تولى منصبه الجديد بوزارة التراث والثقافة منذ أشهر قليلة بعد أن كان يشغل مدير المعارض الدولية.. حول هذا المنصب والمسؤوليات المنوطة بعهدته، تحدث البلوشي إلى أشرعة، فكان الحوار التالي:

* لو نضع المديرية في إطارها ونتعرف عليكم أكثر؟

** كما تعلمون هذه المديرية تهتم بعمل الوزارة المتعلق بالعلاقات الثقافية والعلاقات مع المنظمات الدولية، وهي المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، وجميع المنظمات التي تعنى بالشأن الثقافي.
المديرية لها برنامج عمل سنوي يتعلق بجوانب تنمية العلاقات الثقافية على المستوى الداخلي وعلى المستوى الخارجي أيضا. أما بالنسبة للمستوى الداخلي فيرتبط إلى حد كبير بالاستراتيجية الثقافية للوزارة، وتواصلنا مع المؤسسات الثقافية الأخرى كالنادي الثقافي والمنتدى الأدبي ومختلف الجمعيات الثقافية، التي تتوزع بين جمعية الكتاب وجمعية السينمائيين وجمعية المسرح.. وبالمناسبة، نبارك للمسرحيين إشهار هذه الجمعية التي ستكون بالتأكيد رافدا مكملا لمسيرة العمل الثقافي بشكل عام والمسرح بشكل خاص.
هناك تواصل أيضا مع المؤسسات الحكومية التي تعنى بالشأن الثقافي مثل الهيئة العامة للصناعات الحرفية وجامعة السلطان قابوس.. أما على المستوى الخارجي فالأمور مفعّلة بشكل كبير، حيث رصدنا للبرنامج الثقافي وقتا مبكرا من أجل تنمية ثقافتنا وتفعيلها مع الآخر المتمثل في الدول التي تربطنا بها علاقات ثقافية، وهي تقريبا كل دول العالم، وعلى المستوى الخليجي، نحن متواصلون مع الأمانة العامة لدول مجلس التعاون وهي القناة الثقافية التي تدعم هذا التواصل والتنسيق بيننا متابع بشكل حثيث.

* ما الجهود التي أثمرتها هذه العلاقات على المستوى العربي بشكل عام؟

** بالنسبة للعلاقات الثقافية، فقد أثمرت التواصل وتنمية العلاقات سواء بشكل فردي أم من خلال عمل المؤسسات عن طريق جامعة الدول العربية، وثمار هذه العلاقات هي طبعا الخروج برؤية موحدة للعمل الثقافي والتواصل لإنجاز هدف ثقافي مشترك بين الأخوة الأشقاء، وهي أهم ثمار التواصل الثقافي العربي.

* إلى أي مدى يمكن القول بأننا فعلا خرجنا برؤية موحدة، ألا ترون أن الأمر نسبي؟

** طبعا ليس هناك ما يسمى بالنتيجة المطلقة، ولكن العملية لا تخرج عن نطاق الاجتهاد ومحاولة إيجاد نقاط اتفاق، ومن بين النتائج التي نعتبرها تجمع بين كافة الدول العربية، احتفالية العواصم الثقافية التي تقام كل عام، والتي تمنح انسيابية في العمل الثقافي، وتساهم في توفير مناخ ثقافي جامع لمختلف الثقافات العربية، مما يؤكد تواجدهم داخل قناة ثقافية واحدة تجمع الجهود وتمنع أي نوع من أنواع التشتت، إلى درجة أن كل دولة على علم بالمستجدات الثقافية التي تحدث في دولة عربية أخرى والبرامج الثقافية واضحة أمام الجميع.

* لكن الخصوصيات الثقافية تبقى أحادية الجانب ولا تقبل اجتهادات؟

** ما في ذلك شك، فالخصوصية الثقافية حق مشروع لكل بلد ولكل شعب، ولذلك فإن التواصل الثقافي بين البلدان العربية لا يمس من قيمة هذه الخصوصيات وإن اختلفت.

* هل للأزمة الاقتصادية العالمية تأثير على العلاقات الثقافية التي تربط بين بلدان المنطقة؟

** لا أعتقد ذلك، فالعلاقات غير مرتبطة بالأزمات، بل بالعكس، الجميع يراهن على العلاقات الثقافية باعتبارها الطريق الوحيد الذي لا يوجد به مطبات، وهي الطريق الأسلم لتنمية العلاقات وتطويرها بشكل عام.

* على المستوى المحلي، مالذي تحقق ميدانيا؟

** إذا تحدثنا عن المفكرة الثقافية لوزارة التراث والثقافة ـ على المستوى الداخلي ـ فإنها بكل تأكيد تشمل برامج عديدة ومتنوعة، كإقامة المهرجانات ومن ضمنها مهرجان المسرح الذي سيقام في شهر أكتوبر القادم، أيضا كفعالية ثقافية داخلية هناك الملتقى الأدبي الذي أقيم في البريمي في الفترة من 4 وحتى 8 يوليو الماضي، ويعد هذا الملتقى أحد البرامج الثقافية المهمة بالنسبة للوزارة، ولدينا أيضا برنامج مطول هذا العام في ما تعلق بالعلاقات الثقافية، فكون السلطنة هي دولة الرئاسة لدول مجلس التعاون، سنستضيف اجتماعات أصحاب السمو والمعالي وزراء الثقافة بدول المجلس وذلك في شهر أكتوبر القادم، وقد عقدنا عدة اجتماعات في هذا الصدد أثمرت نتائج طيبة ستقودنا، إنشاء الله، إلى الموضوع الرئيسي ألا وهو الانجاز المتعلق بالاستراتيجية الثقافية لدول المجلس، وهي من أهم النقاط التي ستطرح على طاولة اجتماعات وزراء الثقافية بدول المجلس، فالبرنامج كما تلاحظون حافل وينصب في تطوير العملية الثقافية وفي خدمة المثقف العماني، ونتطلع على المستوى الخارجي لخطة عمل تتمثل في إقامة عدد من الأسابيع الثقافية الخارجية ستكون في كل من الجمهورية اللبنانية، وزنجبار، كما نعدّ كذلك لإقامة أسبوع ثقافي بالولايات المتحدة الأميركية، ربما لن يكون هذا العام ولكن ما أؤكد عليه أننا بدأنا التحضير لهذا الأسبوع بجهود منسقة مع جهات ثقافية بالسلطنة..

* بدأتم مباشرة مهامكم بمديرية المنظمات والعلاقات الثقافية منذ فترة ليست بالطويلة، ما أبرز المعطيات التي تدفعكم لتطوير آليات العمل بهذه الإدارة وتقديم الأفضل على مستوى الرؤية والاستراتيجية؟

** بالنسبة لعملية التطوير فهذه سنة في الحياة، والمستجدات تظهر يوما بعد يوم، ونحن حريصون على متابعة كل ما يحدث على الصعيد الثقافي، وفي ما يتعلق بعملي السابق وعملي الحالي فأعتقد أن هناك انسجاما كبيرا بيننا وبين الإدارة السابقة، لأنني كما ذكرت، كنت مديرا للمعارض وتقريبا المهمة أتت لتكمل التجربة السابقة والآن لديّ تصور وتقييم يشمل جوانب متعددة بعد أن كان لا يتعدى جانبا واحدا.. إن متابعة المنظمات الدولية تحتاج منا تركيزا كبيرا خصوصا وأن الأمر يرتبط باتفاقيات وبمذكرات تفاهم.. هي ـ إن شئنا القول ـ علاقات مقننة تصيغ العمل الثقافي الذي يجمعنا بالعالم.. ربما في السابق كنت أتلقى التوصيات والمقترحات التي تصدر عن البرنامج ليتم تطبيقها، الآن تغير الوضع باعتبار أننا أصبحنا مشاركين فعليّين في هذه التوصيات حتى تتحول إلى تطبيقات على نحو يستجيب لأهداف المديرية.
إذن العمل الثقافي مع المنظمات الخارجية عمل مفعل ويتطلب جهودا حثيثة وتركيزا أكبر من أي وقت مضى، والوزارة تبذل قصارى جهدها لتعزيز حضور السلطنة ومشاركتها في مختلف التظاهرات والاجتماعات والفعاليات الثقافية سواء على المستوى الخليجي أم على المستوى العربي أم على المستوى العالمي.

* أشرفتم على العديد من المعارض الدولية خارج حدود السلطنة، ما هي رؤيتكم للدورة 15 من معرض مسقط الدولي للكتاب؟

** طبعا من بين مسؤولياتي بالمديرية إدارة هذ المعرض، وطبعا معرض مسقط الدولي للكتاب غني عن كل تعريف ويحظى بسمعة دولية كبيرة، والأهم من كل ذلك أنه يحمل ثقلا ثقافيا على المستوى الخليجي والعربي والعالمي، وما أستطيع التصريح به عن الدورة القادمة هو أنها ستكون حضنا ثقافيا لكل المشاركين.

* حول هذه التظاهرات والفعاليات التي تقام بين الحين والآخر، وأتحدث هنا عن الملتقى الأدبي، آخر هذه الفعاليات التي شهدتها البريمي في الفترة من 4 وحتى 8 من يوليو الماضي، لو عدنا إلى البدايات، فسنجد أن الفكرة انطلقت من شخص وهو الأستاذ هلال العامري، تطورت الفكرة وأصبحت مشروعا ثقافيا على مستوى وطني ساهم في تخريج كوادر من الشعراء والأدباء، إلى أي مدى يكمن اهتمامكم بمثل هذه المشاريع الثقافية؟

** بالنسبة للملتقى أنا أعتبره مطلبا أساسيا ومن أهم البرامج الثقافية التي توليها الوزارة اهتمامها وترصد لها طاقاتها، وهذه الملتقيات والمهرجانات هي التي تؤسس البنية الأساسية للثقافة الوطنية، من خلال اهتمامها بأجيال الثقافة ودعم الخامات الموجودة على الساحة، وهي تشبه الى حدد كبير المدارس التي تعنى بتخريج الأجيال وأتحدث هنا على كل التظاهرات سواء منها الأدبية أم الفنية، مثل مهرجان المسرح ومهرجان السينمائيين الهواة.. فالوزارة تعوّل كثيرا على مثل هذه الملتقيات لمزيد رفد الساحة الثقافية، وهو ما من شأنه أن يوفر لدينا رصيدا هاما من المثقفين ويسهل علينا مهمة اختيار الأسماء التي نتقدم بها للمشاركة في الملتقيات الخارجية، ونعود هنا للحديث عن مسألة العلاقات الثقافية التي تربطنا بدول العالم.. هذه الملتقيات الداخلية ليست من تحصيل حاصل بل هي من صلب اهتمامات وزارة التراث والثقافة.

* ونحن نتحدث عن المثقف العماني، كيف تردون على مختلف الانتقادات التي توجه من قبل بعض المثقفين حول تقصير الوزارة في دعمها أو عدم استجابتها لمطالب بعض الجمعيات، أو حتى على المستوى الفردي والتي هي في نظرهم مهمة لتطوير المشهد الثقافي بالسلطنة؟

** نحن متواصلون مع الجميع، هم لديهم رؤيتهم ونحن أيضا لدينا رؤيتنا، والوزارة في نهاية الأمر جهة رسمية ولا تستطيع أن تلبي مطالب الكل، قس على ذلك الفعاليات التي تقيمها والموضوعية التي تحتكم إليها في تعاملها مع الأفراد.. الذي يهمنا أن تكون هذه المؤسسات والجمعيات شريكا فاعلا في دفع الحراك الثقافي وتطويره، ودورنا دور ثقافي بحت، أما ما تعلق بالدعم المادي فهذا منوط بجهات رسمية أخرى معنية بهذا الأمر.

* الملاحظ على المستوى العالمي أن هناك نسقا سريعا في الحيوات الثقافية، إلى أي مدى يمكن للحراك الثقافي بالسلطنة أن يواكب هذا النسق؟

** هذا أكيد، ومثلما قلنا فإن وزارة التراث والثقافة مرتبطة بمواثيق ومعاهدات، ومتى ما كان هناك مشروع لجمعية من الجمعيات الثقافية فإنها مدعوة باستمرار للمشاركة، والجمعيات مطالبة باستغلال التسهيلات المقدمة لها، وتوضيح رؤيتها وعرض برامجها.

* ألا ترون أن النشاط السينمائي بطيء مقارنة بغيره من الأنشطة أو المجالات الفنية الأخرى، وأن المهمة موكلة إليكم للتشجيع والمتابعة؟

** نحن نعتبر جمعية السينما عنوانا، وهو المكان الذي يلتقي فيه أو بالأحرى يلجأ إليه جميع السينمائيين.. بداية التعاون مع الجمعية كان من خلال إنتاج فيلم "البوم"، فقد وضعت الوزارة كافة الامكانات، وأنتج الفيلم بدعم كامل من الوزارة التي كان من أهدافها إنتاج أول فيلم سينمائي عماني، وإيجاد ثقافة سينمائية للمثقف العماني وللجمهور العماني بوجه عام، والوزارة تنتظر من الجمعية مشاريع أخرى لأن العجلة مستمرة وللأسف الأخوة في الجمعية توقفوا بعد هذا الفيلم ولم نشاهد مشروعا آخر قدم للوزارة.

*وماذا عن جمعية المسرحيين؟

** جمعية المسرحيين هي أحدث جمعية تم إشهارها، ونحن كوزارة كنا نتمنى أن يتم إشهار الجمعية منذ مهرجان المسرح العماني الأول الذي أقيم في العام 2004م، ونأمل نجاح الدورة الثالثة، ومجال المسرح مجال حيوي، والوزارة متابعة للمسرح منذ زمن بعيد، ومن خلال إشرافي على الدورتين الماضيتين للمهرجان، لاحظت أن جمهور المسرح ليس جمهورا متلق فقط بل هو جمهور ملم ومتابع، يسأل ويستنتج وينتقد، وهذا الأمر أسعدني شخصيا، وأنا على ثقة بأن جمعية المسرحيين سيكون لها شأن كبير في المستقبل، والحقيقة ليس فقط جمعية المسرحيين بل كل الجمعيات الثقافية، وأنا أحيي بالمناسبة رؤساءها والقائمين عليها لما يمتلكونه من منظومات عمل يشهد لها بالتميز.

* مسرح الطفل.. أمنية كل ولي أمر، وكل مدرس متخصص في المسرح، وكل مهتم بالطفولة، هل من جديد حول هذا الموضوع؟

** مسرح الطفل كنا نريده البداية والانطلاقة الفعلية حتى نمضي بالمسرح بمراحله الطبيعية، وكنت أتمنى أن تكون هناك فرق متخصصة في مسرح الطفل، والتجارب في هذا المجال كانت ضئيلة جدا داخل الفرق الأهلية، وكان لا بد على هذه الفرق التي تم إشهارها من قبل الوزارة أن تهتم أكثر بالطفل في أعمالها، وكي تبث ثقافة المسرح بشكل منظم عليها أن تبدأ بمسرح الطفل أولا لأن هذا يقودنا شيئا فشيئا إلى اكتمال المشهد، ونأمل من الجهات الرسمية الأخرى كوزارة التربية ووزارة الشؤون الاجتماعية أن تكثف جهودها معنا، حتى نخرج بصيغة مؤسساتية في ما يخص مسرح الطفل.

*في ختام هذا اللقاء، هل لنا أن نتعرف على أهم الأفكار والتصورات التي دونتموها في أجندة عملكم من أجل تطبيقها الموسم القادم؟

** برنامجنا الثقافي كمديرية عامة للمنظمات والعلاقات الثقافية مرتبط بالمعارض الخارجية والأسابيع الثقافية خارج السلطنة، وهناك مشاريع ثقافية مع دول لم يسبق لنا أن دخلنا معها في علاقات ثقافية.. بالنسبة إلى المعارض، نحن نشارك في قرابة عشرين معرضا دوليا، وهذا مكسب ثقافي كبير، وبخصوص الأسابيع الثقافية، فسيكون لنا أسبوع ثقافي بدولة قطر في العام المقبل باعتبارها عاصمة الثقافة العربية للعام 2010م، كذلك ستكون لنا أسابيع ثقافية في الجمهورية اللبنانية وفي زنجبار وفي الجمهورية الإسلامية الإيرانية وفي الولايات المتحدة الأميركية.. فالبرنامج حافل ومتنوع وشمولي ويمتاز بانفتاحه على الآخر، والوزارة تعنى بالمثقف العماني خارج وداخل حدود الوطن.

أعلى





انطباعات ذاتية عن تجربة الفرجة السينمائية (1 من 2)
المتعة في السينما .. الجزء الفارغ من الكأس!

آن الأوان للحديث عن الأثر السلبي للسينما التجارية البحتة في تشويهها لجوهر السينما وتحويلها من فن إلى تجارة، فضلا عن تشويهها للإنسان

إن النظر إلى السينما باعتبارها وسيلةَ ترفيهٍ سريعٍ عابرٍ هو إجحاف في حقها من حيث اختزال إمكانياتها الروحية والجمالية والتعبيرية المختلفة إلى مجرد التسلية

نجحت مطاعم الوجبات السريعة الأميركية المعروفة في إفساد صحة الملايين من البشر في كل بلاد العالم. واليوم، وبسبب الطعام الأميركي الرديء، يعاني الكوكب بأجمعه من البدانة وشبكة الأمراض الخطيرة الناتجة عنها كأمراض القلب والسكري وآلام المفاصل.
وبمثل هذا النجاح اللافت في تدمير الجسد، نجحت أفلام هوليوود المهيمنة وما سار على شاكلتها في تدمير ذائقة البشر الفنية وتسطيح عقولهم. والآن، يحاول نفر من المتنورين والأحرار حول العالم إصلاح ما أفسدته الوجبات السريعة والتنبيه إلى أخطارها الحقيقية الماثلة، ويبدو أن الأوان قد آن أيضا لظهور من ينبه إلى أخطار السينما التجارية والأثر التدميري الناتج عن تصنيف السينما في خانة المتعة Entertainment عوضا عن مجال الفن Art .
لقد آن الأوان حقا للحديث عن الأثر السلبي للسينما التجارية البحتة في تشويهها لجوهر السينما وتحويلها من فن إلى تجارة بحتة، فضلا عن تشويهها للإنسان، وكيف أن من يعتبرون السينما متعة فحسب ـ ويتجاهلون أبعادها الإبداعية والثقافية والروحية المختلفةـ فإنهم ينظرون إلى الجزء الفارغ من الكأس!.
ينظر الكثير من الناس إلى السينما باعتبارها تسلية فحسب. يذهبون إليها لمجرد تزجية أوقات الفراغ تماما كما يذهبون للملاهي أو لعب البليارد أو حتى الذهاب لِـلّف والدوران في المحلات التجارية بغرض قتل الوقت وحده حتى وإن لم يكن هناك ما يودون شراءه. إلا أن السينما يمكن لها أن تكون أكثر من ذلك بكثير، لأنها تملك من المقومات (التي دللت عليها الكثير من التجارب المذهلة المتحققة) ما يجعلها قادرة على تقديم ما هو أكثر من مجرد التسلية العابرة.
إن السينما هي فن قبل كل شيء، ولأنها فن، فهي إذن إضاءة جمالية للحواس والأفئدة. إنها وسيلة للتعرّف على مكنونات الذات، مثلما هي وسيلة لتبصيرنا بموقعنا في الكون عن طريق تقديمها لتجارب الآخرين إلينا وتعريفنا بعوالم وحيوات غير عوالمنا وحيواتنا المحدودة الضيقة.
السينما وسيلة للغوص في مجاهل النفس حيث تشرق روح الإنسان عند التقائها بتجربة آدمية أخرى تتفاعل معها وقد تتعلم منها شيئا جديدا. هي أيضا وسيلة لإنارة العالم من حولنا ولتبصيرنا بموقعنا في هذه الملحمة الجياشة العظمى المسماة حياة. هي فرصة للتأمل ولنسرق أنفسنا قليلا من السير عميانا كالقطعان المقادة للذبح. هي فرصة للتوقف والتقاط الأنفاس لنلقي نظرة تأملية على حياتنا. إن السينما مثلها مثل بقية الفنون، صلة روحية بين المرء ومكنوناته الدفينة التي لا تظهر للسطح لكنها هي التي تشكل حقيقة الإنسان وجوهره.
قد تبدو كل تلك التوصيفات أعلاه غريبة على بعض القراء، إذ أنك يا قارئي لعلك تتساءل عما عناه الكلام أعلاه. فأنت على الأرجح قد سبق لك أن دخلت دار عرض سينمائي بضع مرات مثلما سبق لك أن شاهدت عشرات الأفلام العربية والأجنبية على شاشة التليفزيون ـ ومع ذلك لا تكاد تتذكر أنك شعرت مرة بتلك الرعشة الحميمة التي تحدث كالوميض حين يلامس فيلمٌ ما شغافَ الروح. لعلك شعرت بذلك مرة واحدة من قبل، حاول أن تتذكر. أمّا إن لم تكن قد شعرت مطلقا بأن أي شيء مما شاهدته قد علق في ذاكرتك وحقق لك بهجة روحية عميقة خالصة فإن السبب إذن يا عزيزي أن هناك من خدعك وجعلك تشاهد الفيلم الخطأ. وما أكثر الأفلام الخطأ حولنا!
لا عيب مطلقا في أن تكون السينما أداة تسلية، بل إن عليها أن تكون كذلك لأن هذا جزء أصيل من طبيعة ما تستطيع أن تقدمه بوسائلها التعبيرية وأدواتها التقنية. لكن على السينما أن لا تتخصص في التسلية فحسب طالما بإمكانها أن تلعب أدوارا جمالية وتثقيفية وروحية أخرى.
لا عيب حقا في قسط من التسلية في السينما، المهم أن تكون قادرة على تسليتنا لا على الضحك علينا بخدعها ومؤثراتها وقصصها الهزيلة المكررة ومعلوماتها الخاطئة وسمومها المدسوسة وترويجها للعنف وعملها على قتل إحساس المرء بآلام الآخرين حين تتحول الحرب فيها إلى لعبة إلكترونية وتصبح مشاهد أشلاء البشر تسلية ممتعة تغذي الوحش الذي بداخل الإنسان البدائي الساكن فينا. لا ضرر من أن تسلينا السينما، لكن هناك مشكلة إذا كانت التسلية خارجية هشة وعابرة وضررها أكثر من نفعها.
إن أفلام تيار هوليوود المهيمن وبقية أفلام المقاولات (ومنها مجموعة كبيرة من الأفلام المصرية) أشبه ما تكون بالوجبات السريعة، نتناولها بسرعة وتحقق لنا إشباعا مؤقتا نتوهم معه أن الوجبة كانت لذيذة، لكن تلك الوجبة لا تقف عاجزة عن تنمية أجسادنا وتقوية صحتنا فحسب، وإنما تفعل خلاف ذلك. هي تدمر صحتنا وتجعل أبداننا مستنقعا تستقر عليه فصائل الأمراض المختلفة، مع أن حولنا من الوجبات الأخرى ما هو أكثر صحية وألذ طعما بكثير. هو نفس الأثر الذي تفعله أفلام هوليوود المهيمنة بعقولنا. فهذه الأفلام تمنحنا انتشاء مؤقتا نحس معه بأننا تناولنا أفضل وجبة في العالم، لكنها في الحقيقة تمنحنا إشباعا خارجيا مؤقتا لا يفيد في شيء في بناء خبراتنا وتوسيع مداركنا ـ مثلما لا يساهم البرجر وبج ماك في تنمية أجسادنا.
يشوه التعرض المتواتر للأفلام التجارية المهيمنة ذائقتنا الفنية فيجعلنا نعتقد أننا تناولنا أفضل وألذ وجبة في العالم إلا أننا نكتشف بعدها ببرهة أننا ننسى الفيلم وما دار فيه بعد دقائق من الخروج من السينما. كما يشوه ذلك التعرض المتواتر للأفلام الضعيفة خبراتنا في الحياة حين يعزلنا عن ذواتنا فنغرق في عالم متوهم مليء بشلالات الدماء غالبا، وذلك خلافا لما يمكن للسينما أن تقدمه حقا من تقريب لنا من ذواتنا وتعريفنا بها بصورة أفضل وجعلنا نحب أنفسنا أكثر ونحاول مواجهة مشكلاتنا وتحسين حياتنا لا الهروب الأبدي من المواجهة.
لقد بتنا نسمع كثيرا مقولة "أنا داخل السينما علشان أنسى وأهرب من همومي، وليس لأجل أن أزيد نفسي كآبة بقصص حزينة وجادة. أنا أريد فيلم أكشن أو فيلم كوميدي يضحكني وينسيني همومي". تلك مقولة شائعة، ومع أن بها قدرا من المغالطات مثل افتراض أن الأفلام الناضجة فنيا لابد أن تكون "حزينة"، إلا أن من يقول مثل هذا القول ليس على خطأ تام.
إن طلب التخفف من ضغوطات أعباء الحياة مطلب مشروع لجميع البشر. والسينما حقا قادرة على المساهمة في فعل ذلك. لكن جزءا من الخطأ هو في تصوّر أن الأفلام الرديئة وحدها هي من يستطيع المساهمة في تخفيف أعباء الحياة. كما أن جزءا آخر من الخطأ يكمن في اختيار الفيلم الخطأ. فثمة فيلم يستطيع أن يغيبنا عن الواقع لدقائق، لكننا نعود منه خاوي الوفاض ـ هذا إن لم نعد منه بتركة مزعجة من الأكاذيب والإزعاجات والترهات التي تسطّح عقولنا وتجعلنا نفقد بالتدريج الصفة الوحيدة التي تميزنا كبشر عن بقية الحيوانات: العقل الخلاق.
يتهرب الكثير من الناس من مشاهدة ما يسمونه بـ"أفلام المهرجانات" باعتبار أنها أفلام "دمها ثقيل" (وهم هنا يقصدون الأفلام التي يثمنها النقاد أكثر عن الأفلام التجارية وتفوز عادة بالجوائز في مهرجانات السينما). إن التهرب من هكذا أفلام لهو إشارة إلى هشاشة الفرد وضعف بنيانه الداخلي، والذي هو بلا شك حصيلة أوصلتنا إليها أطنانُ الأفلامِ الرديئةِ التي تقدمها التليفزيونات ودور السينما سواء أتت تلك الأفلام من هوليوود أو مصر أو الهند أو غيرها.
إن النظر إلى السينما باعتبارها وسيلةَ ترفيهٍ سريعٍ عابرٍ هو إجحاف في حقها من حيث اختزال إمكانياتها الروحية والجمالية والتعبيرية المختلفة إلى مجرد التسلية. إن "أفلام المهرجانات" مسلية أيضا، بل إن تسليتها قد تكون أعظم وإمتاعها أكبر لمن يمنح نفسه فرصة الجرأة لتجريب شيء جديد. أما من هو معطوب من الداخل فعليه أن لا يلوم السينما، وإنما يقع اللوم على المرجعيات التي خانت ثقته فيها فجعلته ينظر للسينما بعين أحادية ومن منظور ضيق.
إن المنظور الضيق الذي ينظر للسينما باعتبارها "مجرد وسيلة هروب من الواقع"، يشبه وجهة نظر من يلجأ للمخدرات باعتبارها هي الأخرى وسيلة تغييب. إلا أن السينما لهي حقل أكثر ثراء من مجرد فكرة التغييب. قلنا مسبقا أنه على السينما أن تكون مسلية، لكن التغييب مفهوم أخطر من مجرد الغياب المؤقت عن العالم لدقائق. خطورة التغييب هي في اعتباره منهجا وممارسة وأسلوبَ حياةٍ وحيد، وليس مجرد استراحة يعود منها المرء أكثر طزاجة ووعيا وجرأة لمعايشة الواقع. ماذا يضر المرء لو غاب قليلا عن عالمه لكنه يعود بعد ذلك إلى هذا العالم برؤى جديدة وبمنظور مختلف وبطاقة نفسية قد تجددت؟ إن هذا ما تستطيع الكثير من الأفلام الجيدة ـ خارج تيار هوليوود المهيمن وبقية أفلام المقاولات ـ أن تفعله. تستطيع الأفلام الخلاقة أن تمتعنا وتخطفنا دقائق خارج العالم، لكنها لا ترجعنا إلى عالمنا الواقعي بخفي حنين أو ربما معطوبين وجدانيا ومتشوهين ذهنيا وأخلاقيا كما تفعل بنا الأفلام التجارية الصرفة. تستطيع الأفلام الخلاقة في مواضيعها وأسلوبها ورؤيتها الإبداعية الأصيلة أن تمتعنا وتقربنا إلى ذواتنا أكثر، لا أن تبعدنا عن ذواتنا وتغرّبنا عن العالم من حولنا.
إن ما تفعله بنا الأفلام الرديئة هو اقتلاعنا من أنفسنا ومكاننا وخصوصيتنا والزج بنا في منافي الروح الأبدية، أما ما تسديه إلينا الأفلام الخلاقة ذات البصيرة المتوقدة والفطنة البهية فإنها تقربنا أكثر إلى ذاتنا النورانية حيث وجودنا الآدمي يخفق كترتيلة عشق هامسة في محراب الجمال.

أعلى






في فيلمها "شيري"
ميشيل بفيفر ونداء الغريزة في الخمسين

استحضر دور الشاشة المثالي لأحد أفلام ممثلة سينمائية جميلة ومشهورة، امرأة في سن معين في هذا الوقت تكاد تكون تماما صورة طبق الأصل من (للي دي لون فال)، امرأة كبيرة في السن تهب جسدها من أجل المال تقع في حب شاب مبذر وسيم ليس له هدف في هذه الحياة . تبدو بطلة رواية "تشيري" للكاتب (كوليت) وافية الشروط ومرسومة على مقاس ميشيل بفيفير، واحدة من رموز الإغراء الأوائل في الأفلام السينمائية في الثمانينات والتسعينات.
انه من نوعية أدوار دراسة الموقف. وتقول( بفيفر) في ذلك " لأنه فيلم يدور بعض الشيء حول الشيخوخة والمعايير المزدوجة". انها تمر بشيء من ذلك ما لا تحب ان تسميه عودتها، أي العودة الى الأفلام التي بدأتها بفيلمي "هيرسبري " و"ستاردست" في صيف 2007.
وبعد أن أصبح عمرها 51 سنة أدركت (بفيفر) أنه في حين قد يكون هناك أدوار لها، فإن اسمها لا يضمن نجاح الفيلم، وهذا هوالشيء الذي أدركته هوليود بسرعة. ولذلك تقول: كان فيلم "هيرسبراي" ضربة ناجحة في حين لم يكن فيلم "ستاردست"كذلك. أما فيلم "لم أستطع أبدا أن أكون امرأتك " فقد عرض بشق الأنفس، وليس بالتأثيرات الشخصية لهذه السنة ولا كذلك بالنسبة لفيلم برسونال افكتس. وتضيف: " سواء أكنت امرأة باعت شرفها أو ممثلة ، فأنت تكسبين رزقك بمحاولة الحصول على استحسان الآخرين " ، وهذا شيء مؤثر تضطر امرأة في الخمسين للاعتراف به.
تقول (بفيفر) "ومن ناحية طبيعتك ومظهرك الجسدي ونوعية الفرصة السانحة في مهنتك، فإنها جميعا تلعب دورا مهما في ذلك، فلا شك أن هناك توازيا بينها." وفي مهنة (لي)، كان جمالها يقينا هو أداة مهنتها، كما هو الحال لأية ممثلة. وأعتقد أن هيئتك، سواء أكنت جميلة أَم لم تكوني كذلك، هي إحدى أدوات مهنتنا من منطلق أنواع الأدوار التي يمكن أن نمثلها، وعدد الأدوار التي يمكن أن نعرضها وتنوع الأدوارالتي نقدمها، كلها تعود صدقا إلى هيئة الشخص. مثل المرأة التى تهب جسدها من أجل المال وحسب."
استدعى المخرج البريطاني (ستيفان فريرز) (بفيفر) إلى لعب الدور" الملكة" الذي أعاد الاتفاق مع كاتب النص السينمائي لفيلمه الاتصال الخطير (كرستوفر هامبتون)، لكتابة نص الفيلم الذي تدور أحداثه في (بيل أبوق) في فرنسا ما قبل الحرب العالمية الاولى.
ومع وجود (بفيفر) في الطاقم ، بات الفيلم مثالا على قطعة ثوب منتظمة وإعادة لمّ شمل لممثلي فيلم الاتصال الخطير. وكل ناقد يأخذ هذه النقطة في الحسبان.
وعلى حد قول (بفيفر) "كثير من الناسِ وضعوا تلك المقارنة، لكن من منظوري أنا فهي أفلام مختلفةَ كلياً عن بعضها ـ فترات زمنية مختلفة، وجهات نظر مختلفةَ" لقد أحببت هذه الصورة غير المتوقّعة أبدا للمرأة المتاجرة بشرفها (العاهرة) التي رسمها (كولييت)" لقد كنت جد مندهشة من كونها لا تلائم أفكارنا المدركةَ لحقيقة المرأة المتاجرة بشرفها . فهي في حقيقة الأمر شخص أخلاقي جداً".
تلقت (بفيفر) المديح على"أدائها القوي" من (الصّنداي تايمز اللندنية) في فيلم "تشيري" والثناء الأكثر على مظهرها بأنه أجمل من أي وقت مضى، وعلى دورها الذي يجمع بين شدة تمثيلها وسحر الكوميديا، والعمق المأساوي فضلا عن العنصر الذي لا يمكن تقليله، وهو نداء الجنسِ حسب وصف كرس توكي في الديلي ميل. وتواصل فتقول: أَعتقد بأنني كان يمكن أن أكون خائفة في هذا، الا أنني صنفت القفزة قَبل أَن أَنظر، وعلاوة على ذلك فأنا أَحب التحدي. وفي أغلب الأحيان، أسند قراراتي على العواطف. فقط عندما أَدخل فعلا إلى هناك وأُدرك الذي يستلزم علي وما يتطلب مني والأماكن التي يجب أن اذهب إليها حتى أشعر بذلك الخوف.
خائفة؟ ومن ماذا هي خائفة؟ ربما من اللحظات التي قد تتعرى فيها. وردت (بفيفر) وهي تضحك "ليس لدي أي تردد لعرض جزء صغير من الجلد ولكنني لَست متلَهِفة للعودة لمشاهد الإغراء حتى حين."

روجر مور*
*خدمة ام سي تي - خاص بالوطن


أعلى




تاريخيات
الأزمات السياسية الناجمة عن التنافس البريطاني الفرنسي في عمان
1888م - 1913م
أزمة الأعلام الفرنسية ( 4- 4 )


بلغ الأمر ذروته حول قضية الأعلام الفرنسية عندما كاد الخلاف بين بريطانيا وفرنسا، يتطور إلى حد الاصطدام العسكري بينهما ، ففي 8 إبريل 1903م ، قامت السفينة البريطانية بيرسيوس Persues ، باحتجاز إحدى السفن الشراعية في ميناء صور ، كما قام السلطان باحتجاز خمسة من الأهالي يحملون صكوك الحماية الفرنسية ، عندما حاولوا اختراق قوانين الحجر الصحي البريطاني.
وأثار ذلك القنصل الفرنسي فاحتج على احتجازهم ، وطالب بسرعة إطلاق سراحهم وتقديم تعويض عن الأضرار التي لحقت بإحدى السفن ، لكن السلطان رفض تلك المطالب وعامل المحتجزين على أنهم رعايا عمانيون وأمر بسجنهم ثلاثة أشهر، مستفيدا من دعم السلطات البريطانية له ، التي اعتبرته محقا بممارسة سلطاته وسيادته على رعاياه .
وقام أوتافي بإطلاق عبارات التهديد ، لكنه لم يأت بجديد ، فوصلت - بعد ذلك - سفينة حربية أخرى إلى ميناء مسقط ، لتكون في مواجهة البوارج البريطانية التي سبقتها إلى هناك فازداد الأمر تعقيدا ، وأخذ الاصطدام العسكري يلوح في الأفق .
غير أن الرغبة التي أبداها المسؤولون البريطانيون والفرنسيون ، في وضع حد لذلك وتجنب إثارة مشاكل دبلوماسية بين بلديهما ، والإبقاء على روح التفاهم السائد بينهما ، حال دون ذلك الاصطدام ، خاصة وأن ذلك جاء بعد نجاح الدولتين في توقيع الاتفاق الودي بينهما عام 1904م .
واقترحت بريطانيا بأن يقوم السلطان بالإفراج عن المحتجزين ، فتم ذلك في أوائل عام 1321هـ / 1904م ، واتفق الطرفان في 13 أكتوبر 1904م ، على إحالة قضية الأعلام الفرنسية إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي .
اجتمعت المحكمة للفصل في هذه القضية ، في 25 يوليو 1905م ، وتم اعتماد اللغة الفرنسية لتداول المناقشات الخاصة بالحكم ، مع توفر ترجمة إنجليزية. واتفق الجانبان البريطاني والفرنسي ، على أن يكون فيكتور إيمانويل Victor Emmanuel قاضيا حياديا بينهما ، وقامت بريطانيا بتعيين الأميركي ميليفيل فولر Melvillew Fuller ، رئيس المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأميركية قاضي تحكيم ، فيما اختارت فرنسا الهولندي يونجيردو سافوران لومان Jonkheer de Savornin Lonman ، وزير خارجية هولندا السابق .
وعندما لم ينجح الطرفان في الاتفاق على تعيين قاضي ترجيح خلال المهلة القانونية ، قام ملك إيطاليا الذي يمثل السلطة المختصة بذلك ، بموجب الاتفاق بين البلدين عام 1904م ، بتعيين القاضي النمساوي هنري لاماش Henri Lamache محكما رئيسيا.
وقع الخلاف بين البلدين هذه المرة ، عندما قامت بريطانيا بتقديم مذكرة الشكوى إلى المحكمة باسم الحكومة البريطانية وسلطنة مسقط ، حيث كانت بريطانيا تهدف من وراء ذلك إلى التأكيد على أن قضية الأعلام الفرنسية تدخل غير مرغوب فيه ، ويشكل انتهاكا لسيادة سلطان مسقط ، .
احتجت فرنسا على ذلك بواسطة سفيرها في لندن كامبون ، الذي أكد على أن تقديم المذكرة يتعارض - حسب رأيه - مع تصريح 1862م ، ومع اتفاق 13 أكتوبر 1904م بين البلدين. وعلى إثر ذلك ، أرسلت الحكومة البريطانية الميجر كوكس لمقابلة السلطان حول ذلك ، الذي أرسل بدوره إلى القنصل الفرنسي في مسقط رسالة شديدة اللهجة.
لكن هذا الخلاف بين البلدين، لم يؤثر على مداولات الحكم ، و إجراءات البث التي استغرقت ثمانية أشهر، فصدر الحكم في 5 أغسطس 1905م ، وتناول جانبين رئيسيين هما فرنسة السفن ، ووضع السفن التي ترفع العلم الفرنسي .
وكان قرار المحكمة فيما يتعلق بالجانب الأول ، نص الحكم على أنه يحق لأصحاب السفن التي تحمل الأعلام الفرنسية في رفع تلك الأعلام ، إذا كانوا قد حصلوا على ذلك الامتياز قبل 2 يناير1892م ، أما الذين حصلوا على ذلك الامتياز بعد ذلك التاريخ ، فلا يحق لهم ذلك وتم اختيار ذلك التاريخ ، لأنه تاريخ التصديق على ميثاق بروكسل الخاص بالتفتيش البحري.
أما أصحاب السفن الذين خولت لهم فرنسا حق رفع علمها قبل عام 1892 فقد حق لهم ذلك طالما قامت الحكومة الفرنسية بتجديده. كما نص الحكم بأنه لا يحق للحكومة الفرنسية بعد 2 يناير 1892م ، أن تمنح رعايا سلطان مسقط حق رفع العلم الفرنسي، إلا إذا قاموا بإثبات أنهم كانوا من الرعايا الفرنسيين ، وعاملتهم السلطات الفرنسية بهذه الصفة قبل عام 1863م ، وهو العام الذي شهد الاتفاق بين الدولة العثمانية والحكومة الفرنسية حول مراكش (المغرب)، حيث تم في هذا الاتفاق تحديد صفة الرعوية بطريقة متقنة.
أما فيما يتعلق بالجانب الخاص بوضع السفن التي تحمل العلم الفرنسي، فقد نص الحكم على أن سفن مسقط لها الحق في رفع العلم الفرنسي، والاستفادة منه بطريقة لا تنتهك اتفاق 17 نوفمبر 1844م بين مسقط وفرنسا .
وتضمن الحكم على جواز التعرض للسفن العمانية التي ترفع العلم الفرنسي حتى في مياه مسقط الإقليمية ، وليس لأصحابها حقوق على البر تحميهم من الوقوع تحت سيادة سلطان مسقط وقوانينه.
ونص قرار المحكمة أيضا ، على منع انتقال امتياز تمتع السفن بالجنسية الفرنسية من شخص إلى آخر ، أو التنازل عنه حتى وإن كان من ورثته ، وهذا ما قدر للأعلام الفرنسية أن تختفي بعد فترة زمنية من السفن العمانية ، بوفاة من كان يحق لهم ذلك الامتياز .
وبعد صدور الحكم أصدر السلطان فيصل إعلانا تفصيليا لقرار حكم المحكمة الدولية تضمن توضيحا لقرارات المحكمة ، وقائمة بأسماء رعاياه الذين يحق لهم رفع العلم الفرنسي.
وبالفعل فإن هذا الحكم أراد أن يقضي على مظهر هام من مظاهر النفوذ الفرنسي في المنطقة ، إذ بمقتضاه تم اختفاء العلم الفرنسي من السفن العمانية بعد فترة وجيزة ، فبناء على هذا التحكيم اتفقت الحكومتان البريطانية والفرنسية على أن يقوم جري ، القنصل البريطاني في مسقط ، ولارونس نائب القنصل الفرنسي ، بوضع قائمة تضم السفن التي ترفع العلم الفرنسي ، وتم وضع قائمة في عام 1908م ، اشتملت على 23 سفينة ، وفي عام 1917م لم يكن هناك سوى اثنتي عشرة سفينة تحمل العلم الفرنسي.

محمد بن حمد الشعيلي*
* أكاديمي في الجامعة العربية المفتوحة

أعلى






للصورة بعدان
"تفق برزة وعشرة ريالات نقد هذا البلد"


أيها الأحبة... بالنور والسرور ويومكم سعيد..
شخصيّا اشتقت لكم، كما اشتقت لهذه المساحة الثقافيّة والحرة للكتابة. لطالما آمنت بأنَّ الالتزام بكتابة الأعمدة الأسبوعية أو اليومية، سلوك "شراني" وأمر يتنافى مع الإبداع. فأيّ كتابة إبداعية تتصف بالاختلاف وتتزيّا بوشائج عميقة، لا أعتقد أنّ في مُكَنَة العمود الصحفي أن يحتويها ويضمها، لأنّ شرط الإبداع الحُّر هو أن لا يخضع إلاّ لشروطه الخاصة، بينما شرط العمود هو اليومي أو على الأقل الحيوي، المتصل بين أحداث البارحة، وخبر اليوم. قد يُفلس المبدع كالمُفكر، وقد يتوقف عن الكتابة، يهجرها لأنها ما عادت مطواعة، يهجرها خجلا منها، وخوفا عليها من طغيانيته. وقد يستريح الكاتب كاستراحة المحارب، لكنه يعود "عشان يطبل ويزمر" على رؤوس المطبلين والمزمرين، أو معهم، وقد يرقص لا انتشاء وسرورا، وإنما هروبا وألما...فما أشقى الكتابة! وعلى الرغم من محبطات كثيرة مرمية في الطريق هنا، أو هناك، تبقى الكتابة، إكسير الجمال الأخاذ. إنها آخر ما تبقى من قرنفل الأرض! فمن منّا لا يتعثر بحجارة ملقاة على الرصيف؟ ومن منّا لا يكبو من فوق فرسه الأسود؟ ومن منّا لا يفشل ولا يحزن ولا يبكي؟ وفي الجانب الآخر للصورة هناك الناجح والفرح والمسرور، وكلها مشاعر مهما بدت سلبية أو إيجابية، مرفوضة أو مقبولة، متفق عليها أو مختلف حولها، تظل حيوية من بعدين: لأن مصدرها إنسان هلوع وجزع ومستبشر ومستفرح. ولأنها مادة خصبة للكتابة الإبداعية.
نظام المعيشة يخضع الإنسان فيها لكثير من الروابط، كالوظيفة والعلاقات الاجتماعية والأمنيات والطموحات. الخضوع فعل إرادي ووظيفي يتعاطاه الجميع. ولا مجال هنا للخوض في كلام علم النفس حول أشكال البقاء في الحياة أو الانسحاب منها، كما لا مجال للتوسع في معاني (خضع). ألا ترون كيف يتحول الإنسان لأن الأشياء من حوله متغيرة دائما! فما أن يقول المرء بينه ونفسه على سبيل المثال إنه حر، حتى يكتشف مدى ما تستدعيه الكلمة من مسؤوليات جسام، أخطرها ماثل في الانصياع والانقياد والعبودية المختارة! ويبدو أن الانشغال بالحياة وتفاصيلها اليومية مهما حاول المرء تقنينه أو إخضاعه لنظام محدد، شيء في غاية الصعوبة، إنّ لم يكن في غاية الاستحالة! وأتذكر الآن لم تفلح المدرسة البنيوية رغم محاولاتها الكثيرة أن تخضع العالم الخارجي لمنظومة النظام اللغوي، ولم تستطع كذلك إخضاع النصّ بوشائجه واحتمالاته وأبنيته الذاهبة عميقا في الإنسان لنظام صارم يحتفي باللغة ويلغي فواعل الشخصيات، ومحركاتها للأحداث. فهل من الممكن أن نبرمج حياتنا وفق نظام؟ وهل يمكن أن نخضع علاقاتنا البشرية وما يتسرب منها أو ينفلت عنها من تسريبات وانفلاتات لخطة محكمة الإغلاق؟ ألا نسمع اليوم أن العلاقات البشرية باتت خاضعة للمنفعة المادية؟ طيب ألا توجد منفعة روحية ينبغي الدفاع عنها؟ من بين النوادر اليومية والبسيطة أن يتصل بك صديق قديم يطلب خدمة، وقبل أن يطلبها يسألك عن الحال والأحوال والشوق والعوافي، رافعا العتب، ثم يقدم طلبه؟ أين المشكلة في هذه العلاقة؟ إذا عاتبته على التقصير، وأنت لست معه بمقصِّر، قال لك: والله إنك في القلب، وما في القلب يظل في القلب، لكن مشاغل الحياة...إلخ. شخصيّا لا أعرف إذا كانت مشاغل الحياة بالفعل هي المحرّك، أم أن المشاغل مشجب "رخيص" يباع في محلات كل شيء بريال، يسهل امتلاكه واستخدامه كيفما اتفق؟ وفي تقديري الشخصي أن المسألة بحاجة لشروحات كثيرة لا يتسع المقال لنقاشها.
"تفق برزة وعشرة ريالات نقد هذا البلد"! هذا العنوان واضح في طلبه للمنفعة المادية الصرفة. وأخص بطلب المنفعة هنا ظاهرة العمل التطوعي. لا حرج إذا قلتُ إن الجمعية العمانية للكتّاب والأدباء التي مقرها العذيبة، تستجدي عشرة ريالات عمانية هي رسوم اشتراك العضو السنوي! إليكم هذه الطرفة: أحد الأعضاء يقيم في محافظة البريمي اتصل ليتعرف على شروط الانضمام للجمعية، وحينما وصلنا في حديثنا إلى رسوم الاشتراك سألني مستغربا: "بس! عشرة ريالات؟ لماذا لا تكونون أسوة بجمعية في الإمارات يدفع العضو فيها ألف درهم! قلت له مفزوعة: ويحك، أجننت؟ أتطلب ثأرا أم تريد إشعال الجمعية نارا؟ العشرة ريالات يستصعبها غالبية كبيرة من الأعضاء! هناك أعضاء يفضلون أن تدفع عنهم الجمعية رسوم اشتراكهم، وأن تطبع لهم مؤلفاتهم، وأن تتواصل معهم في كل صغيرة وكبيرة، أو شاردة وواردة، وحين تطالبهم بتجديد اشتراكهم، منهم من يتباطأ، ومنهم من يتلكأ، ومنهم من لا يتجاوب معك، ومنهم من يسألك بكل صفاقة: وماذا قدمت لي الجمعية، وماذا أعطتني؟!"
فهل الجمعية العمانية للكتاب والأدباء مجرد تفق برزة؟! وهل الانتماء إليها، مجرد انتماء بالاسم وادعاء أجوف! لماذا يتجاهل بعض الأعضاء الخاملين ويتغابون عند ترجمة عدم تواصلهم مع الجمعية بأسباب أوهى من بيت العنكبوت؟ أليس الذين كانوا يطالبون بالجمعية وبضرورة تكوين مؤسسات المجتمع المدني في عمان، هم الذين اليوم ينسحبون عن التفاعل الإيجابي ويكتفون بلباس "العبي والشيل والبرقع"! لماذا يتجاهلونها اليوم ويقذفونها بالحجر؟ فكيف يصير أصدقاء الأمس أعداء اليوم؟ نفترض جدلا أن مراحل التأسيس تكون عسيرة، ولكن عسرها وحمضها لا يتمددان أو لا يخيمان في الذهن كالخفافيش إذا ما كان الصدق والشفافية وحب الخير، تشكل منظومة واعية لدى الجميع. فالمسؤوليات الكثيرة أمام الجمعية مسؤوليات تثقل الكاهل، لكن الإيمان بحب الوطن والواجب الاجتماعي وعدم انتظار المردود النفعي، وعاء يجب على من يدرك القيمة العظيمة للخير أن يعبئه. والذين يجدون أن تواصلهم مع الجمعية، أو تواصلها معهم شكله يائس، فهذا الشعور صحيح إلى حد ما، سببه إما عزوف الأعضاء عن التواصل الفعلي، أو عدم القناعة بدور الجمعية في المجتمع، وعدها شريك طرف ثالث في تنميته، أو سيطرة النظرة التقزيمية للمشاركة في فعل الخير الذي بلا مقابل بشكل عام، أو اعتبار أن مجلس الإدارة في خدمة الجميع وكأنه "مرمطون"، أو انشغال بعض أعضاء مجلس الإدارة - على كثرتهم لكنهم قليلون جدا جدا- في إنهاء أمر إداري يخص الجمعية، هنا أو هناك، يؤخر إنهاؤه بيروقراطية العمل الإداري، وبعض لوائح القوانين العقيمة في بعض المؤسسات الحكومية. ختاما أقول: هل نكتفي بالعتاب أو بتوجيه اللوم أو بكليهما معا؟ هل ننسحب ونغرق في الغباء الذي يزداد يوما من حولنا؟ لا يأس أبدا في الحياة، وفي عمان ما يستحق الحياة. دامت بلادنا بخير شعبا وقائدا، وكل عام وأنتم بخير..

آمنة الربيع


أعلى





" زمن البوح التحولات" للروائي الكويتي حمد الحمد ..
متن روائي مبحر في سخريته, وسلاسته, يتوسل التوسيع من حيز الفرح

يقوم الكاتب بتعرية الواقع وكشف المستور والمنسي في دهاليز المجتمع, دون تحيز لوجهة نظر ضد أخرى
إذا كانت الرواية تركز في عرضها لزمن واحد آني, مع إشارات سريعة للزمن الماضي, فإن المكان في الرواية, بإمكاننا وصفه باللامركزية

لكل أديب وكاتب زاوية أو زوايا للمقاربة, تكون تكايا وأساسيات تقوم عليها قراءة العمل الأدبي الذي يقدمه, ولكن الروائي الكويتي حمد الحمد يحير متلقيه الناقد من أي الزوايا المتعددة يستطيع مقاربته, ورسم ملامح رواياته, بكل أضدادها وجدلياتها, وتعرجاتها وتلوناتها مع الأزمنة والأمكنة, الكويتية الآنية, فصورتك أيها القارئ ستتضح لك في أحدى روايات حمد الحمد, تجد نفسك شخصا في متن روائي مبحر في سخريته, وسلاسته, ولن تستطيع وقتها إلا الضحك من هذه الرسمة الكاريكاتيرية الساخرة منك, والباكية عليك, إلا الإفراط بالضحك, لأنها قدمت من خلال رؤية تتغلبها المحبة, وتغلب عليها اللغة الساخرة, و التي تتوسل التضخيم والتوسيع من حيز الفرح, وتغليبه على تراجيدية الحياة, وقدريتها, مادام الإنسان يسير على وتيرة الحياة, مقتفيا أثر أقداره, فلا بد من الابتسام والتعايش مع الحياة, بكل ما فيها من تناقضات, هي سخرية ونمذجة ورسومات, تذكرنا بأشهر رسامي الكاريكاتير, ولنعود بالذاكرة إلى أديب العربية وممثل بواكير الواقعية في الكتابة الأدبية العربية , الجاحظ, أسلوبه الاستطرادي, وقدرته المذهلة على النمذجة, ورسم ما هو مبك ومثير للسخط, بآلية لغوية, مثيرة للضحك, ومن هنا تتحقق لديك أيها القارئ, جمالية من جماليات الفن الروائي, وهي المتعة في السرد, والدقة في عرض عوالمك الإنسانية.
فها هو يتحدث عن دوافعه في الكتابة بأسلوب ساخر في إحدى المقابلات الصحفية:
"في رواية مساحات الصمت سلكت أسلوب لقطاتٍ مختصرة لقضايا هامة تشغل العالم العربي وهي قضايا الحرية، الديمقراطية, حقوق الإنسان، وغيرها. لهذا تعمَّدت أن أستعمل أسلوب السخرية حتى لا يتحوَّل العمل الروائي إلى بحث أكاديمي ، لقد كنت أحاول الجمع بين رسم الشخصيات والسخرية حتى يستوعب القارئ المغزى والغوص بين السطور" .‏ **
ومن الطريف هنا أن نقول إن هذه اللغة السردية الممتعة, والطريفة, والسلاسة في العرض ما هي إلا انعكاس لشخصية الروائي نفسه, فهو في كينونته رجل بسيط ومسالم وودود يميل للضحك والسخرية المضحكة التي هي سهم صائب في نقدها للواقع, كما ترى كاتبة السطور, إنه من الممتع في يوم من الأيام لو نرى دراسات متخصصة في تسرب عوالم الشخصية الحقيقة لأي روائي في نصه, ليس من باب الربط الصارم بين النص ومنشئه, بقدر الالتفات إلى سيمياء الحياة والشخصيات فيما يكتب, كي نتعرف مدى التجرد من الذات حين الكتابة, أو إن الكاتب يكتب وهو أسير لانفعالاته ومشاعره, وثيمات سلوكياته.
قبل الولوج إلى نص المقاربة هنا, لعله من المنجز أن نطلع قليلا إلى بعض المقاربات والزوايا التي تساعدنا في فهم خطورة دور الأدب الواقعي والتاريخي, الذي يقدمه الروائي, فالتاريخ والمجتمع لا يرصدان فقط بأعين باحثي التاريخ وعلم الاجتماع, والأنثروبولوجيا, بل من اشتغالات الأدب, لأن الأدب انعكاس للحياة, وإعادة تشكيل وبناء ورسم لوحدات الحياة ومفاهيمها, وإلا كيف يطهر الأدب الإنسان من انفعالاته, إن لم ير صورته وانعكاسات أفكاره, مرايا له في النص, فالاتجاه الواقعي في الأدب, كان ظهوره مرتبطا بنقاد, وكتاب, ومفكرين, وفلاسفة, أوغلوا بالولوج إلى عالم الواقع, فكانت الواقعية بعدة تقسيمات من مثل الواقعية الاشتراكية والواقعية السحرية وغيرها, من أنماط الواقعية, ومن الأدب العالمي, الناقد جورج لوكاتش, والقاص الفرنسي بلزاك, وتشارلز ديكنز, وغارسيا ماركيز صاحب رواية "مئة عام من العزلة", و" الحب في زمن الكوليرا", ممثلا الواقعية الاشتراكية".
وفي الأدب العربي تبرز عدة أسماء روائية تتبنى الطرح الواقعي في الروائي, فكانت أعمالهم انعكاسات للمجتمع, والتاريخ والسياسة والأيديولوجيا, في بلدانهم, مثل أعمال نجيب محفوظ, والجزائري محمد ديب, وعبدالحميد بن هدوقة, وغيرهم كثير.
وبنظرة ثاقبة إلى الأدب الكويتي, والرواية تحديدا, ستكون الواقعية, اتجاها مسيطرا عليها بشكل كبير, لاعتبارات مرحلية ورؤى توثق للمجتمع بعين وفكر أديب, ومن باب الالتزام بقضايا المجتمع.
الروائي حمد الحمد من أكثر المهتمين بهذا الاتجاه, كونه يرى إنه: "في زمن البوح حاولت أن أعالج قضايا فكرية, وتجاذبات اجتماعية في الحياة الكويتية على لسان أناس بسطاء، لأنَّ معالجة مثل هذه القضايا بأسلوب جاد حتماً تكون مملَّة، ولن أستطيع إيصال الحقيقة. لذا كان الهدف من كتابة (زمن البوح) هو عرض وإثارةٌ للواقع الكويتي, للحياة الفكريةِ والصراعات التي تتجاذبها، فكرٌ يسعى أ، يسيطر أو يطمس فكراً آخر".
فهو يقوم بتعرية الواقع وكشف المستور وعرضها للقارئ, من دون تطرف وتحيز لوجهة نظر دون أخرى, وهذا ما بدا للقارئ في روايته الأخيرة "زمن البوح التحولات", بصورة واقعية كاشفة للمستور, والمنسي في دهاليز المجتمع, إنها رواية المجتمع الكويتي الآني ببناه القديمة والجديدة وتحولاته وانزياحاته العميقة.

الحراك مدارا, والبوح فضاء

هل للبوح زمن, وهل انتقلنا إلى التأريخ الكتابي, وهل السارد, صمت كثيرا لتكون نهاية "مساحات الصمت" و"مسافات الحلم" رواية "زمن البوح" بجزأيها, ليكون البوح لغة ناطقة, وفعالية كلامية وكتابية, لكشف الحقائق, بعدما يقرر محمد العباس "نهاية التاريخ الشفوي" فلم الصمت, وليكون البوح هنا يدور حول مساحة واسعة المدى, وارفة الظلال على شرائح المجتمع الكويتي بكافة أطيافه, وبقدر كبير من الحراك الاجتماعي, والانزياح في البنى والأفكار, التي حلت وليدة على المجتمع متضاربة مع الأعراف والتقاليد والمذاهب المتزايدة, في بعض المناطق مما يجلجل النص بحدة الصراع, والأضداد, بين عوالم ليبرالية, وإسلامية, وأخرى وسطية, تعيش بأفكارها المتضاربة, على الرغم من توافقها, وتوالفها في النسيج, الكويتي, مما يشير إلى ملمح جميل وأصيل في المجتمع الكويتي, هو التوالف العجيب, بين أبنائه, على الرغم من توزعهم بين تصنيفات مذهبية وطائفية, وتيارات متباينة, مما يؤكد على الوحدة الوطنية بين أبناء الكويت , ولا يستطيع أحد المساس ها.
فالتحولات بقدر ما هو تحولات لشخوص الرواية, عودة سارة من الغربة بزوج أردني, وفقدها لوالديها, والمأوى والأمان, إلى نيل المرأة حقوقها السياسية, وظهور جيل الأبناء, د. فواز, ود. وليد, وتعارض بنى التفكير بين جيل الآباء والأبناء, وانصهار الفروقات بين العوائل الكويتية, عندما فرض المواطن الكويتي مكانته بعلمه وعطائه, مثلما حدث بموت والد د. هديل (بوصفه رمزا للعادات والتقاليد), وزواجها من د. فواز في نهاية الرواية، هي أيضا تحولات مجتمع بكامله, المجتمع الكويتي, الحالي, والذي كانت الرواية أحد مفرزات هذه التحولات.

مداخل أولى

إن قراءة العنوان في الدراسات الحديثة, لا تقترن فقط بالعنوان, كمتوالية لفظية, لها مدلول أو مدلولات عدة, تتضح بالنص (رواية , شعر, دراسة نقدية, مسرحية) , بل يتعدى الأمر إلى ما هو أوسع من ذلك , وأشمل, فالقارئ قبل الدخول إلى المتن الروائي, ستواجهه عدة عتبات, ومداخل للنص, تضيء رؤية ومسار قراءة النص, تبدأ من عنوان العمل, وعناوينه الفرعية, وكلمات الناشر, أو شهادات أدبية في العمل الروائي, والإهداء, ومقدمة المؤلف إن كانت ثمة مقدمة, وصورة الغلاف, التي قد تلعب دورا محوريا في قراءة النص, وقد تكون عرضية في القراءة, وبالالتفات إلى رواية "زمن البوح التحولات", ستواجه القارئ أكثر من عتبة ,مثل لوحة الغلاف, اسم العمل, وتحديد جنسه: رواية, وشكر المؤلف, وتضمين سابق لنص الرواية , وإضاءات في غلاف الرواية, شهادات قيلت في حق الروائي, تفيد في فهم مكانة الروائي الأدبية, وقدراته الكتابية.
وحقيقة ما يثير الانتباه في الرواية هنا أمران, من هذه العتبات, أولا: لوحة الغلاف, ثانيا: تضمين المؤلف لمقولة معلم صيني.

لوحة الغلاف

لعل ما يثير الانتباه بلوحة الغلاف للرواية, هي صورة خمسة أشخاص من أعمار متباينة, بحسب أحجامهم في اللوحة, وما هو أعمق من هذا دلالة, هو إن ملامح الشخصيات مختفية , ممسوخة المعالم, لا يتضح للرائي أكانوا ذكورا أو إناثا, ولا سيميائهم من حيث الزي, أو معالم الوجه, على الرغم من إن الروائي في المتن الروائي, قد أعطى جميع أطياف المجتمع حقها في العرض والتحليل, فهل هذا من قبيل مفارقة اللوحة للمتن الروائي, أو محاولة الروائي إيصال حقيقة, إن هذه الشخصيات, مهما كانت واضحة المعالم في المتن الروائي, إلا أنها تبقى مسخا لا يسمع صوتها ولا دوي أفكارها, وليست مؤثرة في مسيرة الحياة الإنسانية , وهذه الشاكلة من الرسم والتصوير لم تتضح فقط في رواية "زمن البوح التحولات", بل برزت في أكثر من عمل أدبي في الكويت والعالم العربي: من مثل رواية "عقيدة رقص" لميس العثمان, ورواية "متاهات ليل الفتنة" للروائي الجزائري احميدة عياشي, وديوان "ليل مشغول بالفتنة" للشاعرة سعدية مفرح, وهذا مدعاة للتساؤل عن قضية هامة, هل هذا الأدب انعكاس لتلاشي المواطن العربية, وعدميته في الحياة, فلا عادت هويته تبرز, ولا طموحاته تغير في المشهد العربي شيئا, يسيرون على وتيرة واحدة, ويحيون حياة صغيرة خالية من الأحداث, مثلما وشمت القاصة باسمة العنزي مجموعتها بهذا الاسم, ونحن هنا نقاسم شعيب حليفي تساؤله عن الرواية العربية, بل الإنتاج العربي كله كافة, في دراسته حول : "شعرية الرواية الفانتاستيكية", إذ يقول حول الرواية العربية: "الرواية العربية، اليوم، تعبّر عن واقع متعدد المسوخ والستارات المركبة من الزيف والوهم والحقائق المدمرة، وعالم انسحقت فيه نفسيه الكائن، حتى باتت مشوهة تفرز أمراضاً متعددة.. وهي أمام اختيارين اثنين وفقاً للكاتب، إما أن تكون حجاباً يزيف العواطف والحقائق، فتغرق في الذاتية والبكائية التي سادت فترة طويلة من الزمن، وإما أن تكون مشهداً للتصادم والتجريب والحداثة، عن طريق خرق الستار وخلخلة البديهي الجامد وتدمير المعتقدات التكريسية"..

دلالات التضمين

تضمنت الرواية في بدايتها مقولة للمعلم الصيني لاو تسو, وهي حكم كانت ثمرت تجربته في الحياة:" كلمات الحق كثيرا ما تكون مرة, والكلمات الحلوة كثيرا ما تكون كاذبة, لا تعاسة أكبر من التذمر, السعادة القصوى في القناعة , كلما كثر التحريم على الشعب ازداد فقرا وكثر اللصوص". ( الرواية , ص7)
هذا التضمين لم يكن اعتباطيا, ولا عرضيا, فدلالته تفهم من داخل المتن الروائي, وتحيل إلى ما هو خارج النص أيضا السياق المجتمعي الأكبر, هذا الحيز الجغرافي والفضاء الذي اختنق التحريم والتكفير لمن أراد أن يعيش حياته بهدوء, وكما يريد, ففيها إشارة إلى كثرة الفتاوى الشرعية التي باتت تخنق المواطن في أدق تفاصيل حياته, وقد لا يكون هنا التحريم المعنى الشرعي الحرفي, بل يكون بمعنى المنع الذي يصدر من مؤسسات الدولة الرسمية والاجتماعية, مما يجعل المواطن يسلك سلوكا مغايرا, مماشاة مع التحريم أو المنع.
أما فيما يخص المتن الروائي فإن المرارة التي تعيشها شخصيات الرواية مصورة باللغة الواقعية , كلمات الحق, فإنها مواجهة الروائي للمجتمع, فعلى الرغم من مرارتها على المتلقي الاقتناع بها.
تحولات الأزمنة والأمكنة
التحولات في الرواية هي تحولات الزمن, ومرور حقبة زمنية, شكلت عدة تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسة ودينية, فإن كانت الرواية تركز في عرضها لزمن واحد آني, مع إشارات سريعة للزمن الماضي, فإن المكان في الرواية, بإمكاننا وصف وضعيته اللامركزية, أي أن المكان في الرواية غير ثابت أو موحد, ويتضح إنه في تعدد الأمكنة, تعدد للفضاءات, وتعدد للأنساق الاجتماعية والفكرية والتصورات, التي يضفيها الإنسان الكويتي على المكان.
ومن أهم الأماكن التي برزت صورتها, هي الديوانيات, بوصفها مكانا لالتقاء الرجال, الأصدقاء والزملاء, يتم فيها تنظيم العمليات الانتخابية, للهيئة الأكاديمية التي كانت صورة مصغرة لمجلس الأمة, ومن أهم التحولات قبول المثقف الديني السلفي, لمزاملة المرأة له في الانتخابات, وتحوله الآني من أجل مصلحته.
كما تبرز صورة الأسواق الكويتية, بكل تداعياتها الحداثية في البناء, وفي الانفتاح الاقتصادي, ودخول المحلات التجارية والمطاعم العالمية فيها, مثل "ستاربكس", وعدم تقبل المواطن الكويتي جلوس المرأة فيها, أو قبول الأمر على مضض مثلما حدث في مقابلات سارة ومنال في ستاربكس, واعتراض د. وليد على هذا الأمر.
لتتضح صورة المساكن في الرواية متوزعة على نمطين, بيوت في الأحياء السكنية ملك لأصحابها, كبيرة ومتسعة, دلالة على مدى الرفاهية والاستقرار, لتظهر الشقق المفروشة في الرواية, على استحياء سارة من هذا السكن الذي يجعل من الناس ينظرون لها نظرة سلبية, كونها تسكن في شقة مفروشة.
حتى تكتمل مسيرة الرواية الكويتية:-
إن الرواية هنا موضع المقاربة, قريبة جدا في فضائها , وشخصياتها, وأماكنها, وأزمنتها, من المجتمع الكويتي الآني, ولو بحثنا عن رواية تقترب من الواقع المعيش, فيما قرأت الكاتبة, لما وجدت, أصدق منها تعبيرا عن الواقع الكويتي, ولكن يتبقى القول, إن هذا المنحى الواقعي, في وصف المجتمع الكويتي, جعل من الرواية, تسير وفق نمط من السرد التقليدي, الذي أتخمت الرواية الكويتية به كثيرا, سرد تقليدي, لغة مباشرة, سارد خارجي, وصف لمظاهر الشخصيات, وعدم التعمق في العوالم الداخلية, للشخصيات, للرؤى والأفكار الفلسفية, للمرجعيات الثقافية البعيدة عن الكويت, فالأدب إن لم يحلق عبر اللغة المدهشة, والأخيلة الجميلة, والطريفة, والتقنيات الحداثية, بناء ومضمونا, فأين يكمن الإبداع, والجدة والابتكار, ومن المؤسف أن نرى الرواية الكويتية, بين أمرين, أما رواية قريبة من هموم المواطن الكويتي, ولكن بآليات قديمة, تعود إلى ما يزيد عن ثلاثين سنة, حيث كتابات إحسان عبد القدوس, ونجيب محفوظ في مرحلته الواقعية, وتوفيق الحكيم في رواية "عودة الروح", من مثل رواية: " زمن البوح التحولات", ورواية " هيفاء تعترف لكم" للأديبة خولة القزويني, ورواية "ورود ملونة" لعلياء الكاظمي, ورواية " الدروازة" لهيثم بودي.
والنوع الآخر من الروايات هو الروايات التي تخوض التجريب, والتقنيات الحداثية, ولكنها مع ارتحالاتها في عالم التجريب, نست الهوية والمجتمع الكويتي, وقضاياه الأثيرة, مثلما حدث في رواية "عقيدة رقص" لميس العثمان, ورواية "المرآة مسيرة الشمس" لهديل الحساوي.
من هنا, نقول, إن الرواية الكويتية بحاجة ملحة إلى جهود المبدعين في القراءة والاطلاع كثيرا وتقديم مواضيع مميزة وجديدة على الساحة الأدبية بروح كويتية, وببصمة جديدة, ترتقي بالرواية الكويتية , والأدب الكويتي إلى عوالم التميز, والعطاء الجاد, والابتكار الأصيل.
وهذا هو ما وجدناه عند حمد الحمد, الذي لن تأثر الملاحظات السابقة على قوة بصمته في الأدب الكويتي, كونها إشكالية تحيط مجموعة من الروايات الكويتية, تطلبت من الناقدة التركيز عليها, في هذه القراءة, وفي قراءات لاحقة للأدب الكويتي, فنحن إما نصنع بصمتنا الإنسانية في خارطة الحضارات, أو نتأخر عن الركب, شأننا شأن البلدان المتعثرة حضاريا.


سعاد العنزي*
* كاتبة كويتية

أعلى





ينبشان ذاكرة الأرض وحكايات الأزمنة
المصور الأثري يعقوب الرحبي: التصوير الفني يحتاج إلى مهارات احترافية لها مواصفاتها الخاصة

المساح الأثري ناصر الهنائي: علم الآثار يبدأ عندما يقف التاريخ، ويعتمد على مبدأ الشك الذي يؤدي إلى اليقين

حاورتهما ـ جميلة الجهوري
انطلاقا من الرؤية الوطنية لحماية التراث وحفظه، بشقيه المادي وغير المادي، تأتي رسالة قسم الآثار بجامعة السلطان قابوس، واضحة المعالم، انسجاما مع التوجيهات السامية، مستلهمة طموحات الفكر العماني وتطلعاته، لتعطي لآثار عمان وتراثها قيمتها الحضارية، بغية تثبت الاهداف ضمن استراتيجية وطنية واضحة المعالم.
في هذا السياق تحاور(أشرعة) اثنين من الكوادر الوطنية التي اندمجت مع معطيات نهضة عمان الحديثة، وهما الآثاريان من قسم الآثار بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس، المصور الأثري يعقوب بن محمد الرحبي، والمساح الأثري ناصر بن حمد الهنائي، الذين كانت بدايتهما المهنية والعملية قد انطلقت في خطوة واحدة في عام 1998 بقسم الآثار.. نلتقيهم في حوار ثري وغني حول مختلف المواضيع الأثرية :
تصوير الآثار والمهارات الاحترافية
يقول يعقوب بن محمد الرحبي فني تصوير آثار حول تجربته في قسم الآثار بكلية الآداب، جامعة السلطان قابوس أن تخصصه يعتمد في التعامل مع أجهزة التصوير والعدسات، والإضاءات بكل تقنياتها القديمة والحديثة، ويشير أنهم كانوا سابقا يعتمدون على استخدام الكاميرات الفوتوغرافية التقليدية والعمليات اليدوية لاخراج الصورة بشكلها النهائي، إلا أنه منذ عام 2006م بدأ القسم في استخدام التصوير الرقمي بكل فنياته وتقنياته المختلفة، من خلال استخدام العدسات التي يتم الاستعانة بها تبعا لنوعية التصوير ومتطلباته العلمية للقطع الأثرية والمواقع الموثقة ..
واضاف: هناك التصوير المقرب بشكل كبير الذي يطلق عليه (المايكرو)Micro والذي يستخدم في حالات التصوير الخارجي، في حين تستخدم للتصوير الداخلي أجهزة أخرى، مثل جهاز النسخ ( الكوبي ستاند )Copy Stand الذي يستخدم في حالة تصوير القطع الأثرية الصغيرة بعض الشيء. ونستعين أيضا بنظام التصوير الخاص بأنظمة الاستوديوهات، والتي نستخدمها كخلفيات لبعض القطع الأثرية الكبيرة نوعا ما، كالجرار والفخاريات كبيرة الحجم، واستخدام نظام الفلاشات التي عادة تستخدم في الاستوديوهات .
وحول التخصصية والحرفية التي يتمتع بها المصور الأثري، يقول الرحبي أن التصوير في حالاته فن متقارب، لكن التخصصية في مجال معين يكسبه إلماما أكثر بأدوات ذلك التخصص ومتطلباته الاحترافية .
وقال: التصوير العام والتصوير الخارجي لا يحتاجان إلى تلك الحرفية المهنية، لكن التصوير الفني يحتاج إلى مهارات احترافية لها مواصفاتها الخاصة ، حيث تصوير قطعة أثرية لا يمكن ان يكون بطريقة شاملة أو عشوائية، لابد من مواصفات لتصويرها ، فعلى سبيل المثال فن الابعاد الثلاثية مهم جدا في تصوير الآثار .
ويوضح الرحبي أن دوره يبدأ من التصوير الميداني كالتصوير أثناء المسوحات والتنقيبات الأثرية إلى أن ينتهي بالتصوير داخل المعمل، ويقول: تتمثل مهمتي في تصوير الحفرية أولا بأول أثناء عمل الفريق لأقوم بتصوير كل مرحلة، حتى نهاية المرحلة الأخيرة من العمل، وتوثيقها بالتصوير من مختلف الزوايا للموقع، والذي نختتمه بإعداد التقرير النهائي، وتوثيق الصور من خلال اسم المنطقة ورقم الحفظ والتاريخ .
مبدأ الشك واليقين
من جانب آخر يقول ناصر بن حمد الهنائي فني مساحة بقسم الآثار بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة السلطان قابوس، والعماني الوحيد المتخصص في المسح الأثري، حول مفهوم المسح وأهدافه ومواصفات المساح : المسح الأثري يختلف عن المسوحات الأخرى، حيث أنه لابد أن يتمع الشخص الذي يقوم به، ببصر حاد، حيث أن هناك مواقع لا يمكن رؤيتها من النظرة الأولى، وبالتالي المسح يعتمد على مبدأ الشك الذي هو يقودنا إلى اليقين، ففي أحيان كثيرة قد نجد قطع متناثرة على الأرض مثل أدوات الصوان (Flint Tools) أو الفخار، وهذا دليل على وجود موقع أثري، وعادةً تكون مواقع القبور واضحة، لكن بعض المواقع لا يمكن رؤيتها إلا عن طريق المختص الأثري.
وحول من يسبق من في خطط التنقيب هل التصوير أم المسح، يعلق الهنائي قائلا: أولا تسبق عملية المسح، حيث يتشكل فريق متكامل (يضم المساح والمصور وأخصائي الآثار) ويأتي التوثيق طبعا عن طريق التصوير وتسجيل المواقع الأثرية، وهذا العملية المبدئية لعملية المساحة، في حين تأتي عملية التنقيب بعد ذلك .
وعن أنواع المساحة أشار قائلا: هناك نوعان لعمليات المساحة، وهناك مشاريع تحتاج إلى مسح أثري فقط دون إجراء أي عمليات تنقيبية، في حين تتم عمليات المسح عن طريق مسح المنطقة بالاستعانة بالخرائط والمخططات الموجودة، فإذا كانت الخرائط موجودة ولا يوجد بها تفاصيل، فبإمكان الفريق أن يضيف تفاصيل على الخارطة الأساسية، ومن ثم يمكن إضافة المواقع التي يتم اكتشافها، وتوثيق كل ما هو موجود من ظواهر طبيعية وصناعية وأثرية وغيرها.
وهنا يأتي دورنا في تسجيل كل ما هو موجود وغير موجود في الخارطة من الأساس، ونركز على المواقع الأثرية بشتى أنواعها (كالمدافن، المستوطنات السكنية، المقابر بشتى أنواعها كالقبور الشاخصة مثل قبور خلايا النحل، المقابر الاسطوانية أو المدفونة، أيضا المباني التاريخية كالقلاع والحصون والحارات والمباني الطينية وغيرها).
المسح الأثري وفرضيات العمل
وحول عمليات المسح وفرضياتها يقول ناصر الهنائي: أولا يأتي اكتشاف المنطقة سواء كان عن طريق الصدفه أو كان مسجلا من قبل كموقع، فنذهب إلى المنطقة المستهدف مسحها، ولا تقتصر عمليات المسح على ذات المنطقة بل تتمد حولها، بهدف الترابط، لاحتمالية امتدادها فيأتي تقسيم المنطقة على هذا الأساس. وعملية المسح يحددها حجم المنطقة
(قد تستغرق أسبوعا أو أسبوعين، وربما ثلاثة، وقد تصل لشهر)، وهناك أعمال تحتاج لخطة طويلة الأمد.
لذلك فإن عمليات المسح تعتمد على حجم المنطقة، فكلما كانت كبيرة تأخذ وقتا اطول، كما يعتمد على عدد الفريق، والوقت أيضا، وفي بعض الأحيان يكون هناك مسح انقاذي بسبب المشاريع التنموية، وهنا فلا بد أن يكون هناك مسح يسبق تنفيذ هذه المشاريع كشق الطرق والسدود وغيرها .
لكن في بعض المسوحات تكون هناك خطة زمنية للمشروع، بحيث تقسم المساحة الموجودة لدينا والمستهدفة، بمعنى أننا نأتي بالإيضاحيات والصور والخرائط، وأول ما نقوم به جمع البيانات الموجودة عن المنطقة، سواء كانت بيانات مكتوبة، أوخرائط مخططة والتي أجريت من قبل البعثات السابقة أو أي جهة أخرى.
ويستطرد في حديثه مفصلا خطوات عمليات المسح بقوله: بعد جمع البيانات والمعلومات عن المنطقة نذهب إلى الميدان ونعاينه، ثم نقوم بتقسيمه إلى قطاعات على سبيل المثال قطاع (الجبال، السهول، الأودية .. الخ)، يأتي بعدها تمشيط المنطقة، بحيث نسير في خط متواز على نقاط، وكل فرد من الفريق يمشي ولديه خارطة، ويكتب ملاحظاته ويسجلها، ولدية جهاز الجي بي اس (GPS) وهو نظام التوقيع العالمي بالأقمار الاصطناعية، فيأخذ الاحداثيات لكل موقع .
وعن الأدوات والأجهزة المصاحبة لعمليات المسح يقول ناصر الهنائي ويعقوب الرحبي: البعثة الأثرية تذهب وتكون مجهزة بكل التجهيزات لكل فرد بالفريق، فالمصور يكون مزودا بكاميراته وادواته التصويرية، والمساح الأثري يكون معتد بالخرائط والبيانات عن المنطقة والمخططات السابقة متى ما كانت متوفرة، ومن الأجهزة المرافقة لعمل البعثة جهاز (GPS) نظام التوقيع العالمي ، وبرنامج ( GIS) نظام المعلومات الجغرافية و (Total Station) بالإضافة إلى أدوات القياس المختلفة .
وينوه ناصر الهنائي في مداخلة حول الرسم في عمليات المسح إلى أن ذلك يتم في الميدان واثناء الحفرية، ويقول: حرفية الرسام في العمليات المسحية تعتمد على الرسم العلمي وليس الفني، وهي تحتاج إلى فن ودقة في العمل بحيث تكون الأبعاد واضحة والتي يستطيع القارئ أو الباحث الاستفادة منها وتحديد كافة البيانات من خطوط وارتفاعات وتفاصيل حفرية، لذلك فلأامانة العلمية لا بد أن تكون حاضرة بمسؤولية كبيرة في تغطية كل الموجودات وتوثيق وتسجيل كافة البيانات .

الحفريات المنظمة والانقاذية
ويتطرق فني المسح ناصر الهنائي إلى اهداف الحفرية التي يشير إلى أنها تعتمد على الحفرية المنظمة أو الحفرية الانقاذية ، ويقول : الانقاذية وكما أسلفنا في المسح الانقاذي محكومة بوقت وزمن قصير ومرهونة بظروف خاصة بذلك المشروع ، كـ ( موقع منال بسمائ ، وموقع محلياء في وادي عندام، وموقع بوشر الأثري) فهذه نماذج من الحفريات والمشاريع الانقاذية التي تمت نتيجة اصطدام هذه المواقع الأثرية بمشاريع الطرق والعمران، حيث قامت وزارة التراث والثقافة بالتعاون مع قسم الآثار بإجراء المسوحات والتنقيبات الأثرية بهذه المناطق قبل الشروع في تنفيذ المشاريع.
ويلخص الهنائي دورهم كأثاريين في حماية الآثار من خطر الاندثار بسبب عمليات التطوير والتعمير، بتقديم التوصيات إلى الجهات المختصة وكشف أهمية الموقع ودوره التاريخي والإنساني والحضاري. أما الحفريات المنظمة فهي تعتمد على عمل خطة مسبقة ومنظمة وهي قد تمتد لسنوات حسب حجم الموقع وأهميته.
صعوبات
وعن الصعوبات التي يواجهونها يشير ناصر الهنائي إلى انه وعلى مستوى التخصص توجد بعض الصعوبة في الحصول على صور جوية وخرائط تفصيلية، ويقول: يضطرني الأمر إلى إجراء خرائط تفصيلية وهي عملية تأخذ وقتا كبيرا، إلى جانب ذلك عدم توفر الكثير من البرمجيات الخاصة بتخصص الآثار، والتي يفترض أن تكون متوفرة.
المجتمع ودوره الثقافي
وعن مدى التعاون مع المجتمع يشير ناصر ويعقوب إلى ان إشراك الأهالي مهم جدا في مسح المنطقة والتعرف عليها، مؤكدين أن إشراك المجتمع المحلي له دور ثان، ليس فقط على مستوى الاستعانة بهم في إطلاعهم على المواقع الأثرية بل تقع هذه المشاركة ضمن توعية المجتمع بأهمية الآثار المجودة في المنطقة نفسها، كون هذه المواقع قريببه منهم وتعنيهم، فلذلك لا بد أن يتعرفوا على هذه المواقع للمحافظة عليها ويساهموا في توثيقها .
وعن شعورهما وهما يقومان بالعمل الميداني خصوصا وهما يقومان أحيانا بنبش القبور يعلقان : أولا نبش هذه القبور يتم لأغراض علمية وعادةً ما نواجه الاستغراب ودهشة المجتمع في قدرتنا على ممارسة حياتنا بشكل طبيعي ونحن نقوم بذلك، عندما يكاد الأثري يقضي يوم كامل في حفر قبر واحد ، لكن الواقع أن ذلك يتم لأغراض علمية وفي بعض المواقع الميدانية فريق العمل يخيم في المواقع البعيدة أما القريبة فلا يتم التخييم فيها .
وعن الهدف من نبش القبور التي قد تعطي انطباعا عن تشابه الحقب التاريخية والمجودات الأثرية يردف الهنائي قائلا: علم الآثار يبدأ عندما يقف التاريخ ، فهناك سمات في التاريخ لواقع معين أو قضية معينة، يمكن أن تكون تلك الوقائع مهولة بشكل كبير، وقد تكون هناك تفاصيل ناقصة، فعلم الآثار يؤكد هذه النظريات والأقوال، وفي نفس الوقت يسد الثغرات الموجودة في التاريخ والخلافات التاريخية.
وفي الختام يلخص كل من ناصر الهنائي ويعقوب الرحبي تجربتهما التخصصية مع قسم الآثار، بأنها تجربة ثرية وتحتاج إلى صبر وإلى أمانة مهنية وحرفية تخصصية شاملة لكافة علوم وتخصصات علم الآثار . .
1. ناصر بن حمد الهنائي
2. يعقوب بن محمد الرحبي
3. مجموعة من المعثورات والمرفقات الجنائزية من المدائن والحفريات الأثرية التي قام بها قسم الآثار بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس

 


أعلى


 


النص الشعري عند ظبية خميس قراءة حذرة تفترض أكثر من مدخل

يصدر نص ظبية خميس عن فلسفة عميقة، وإحاطة جذلى بالأعمق من الأشياء، ولا يصلح أن يكون نصا حياديا أو جزئيا أو ثابتا أو متكررا

.. قصيدة تسير محفوفة بصوت الذات المتهدج في صلاة داخلية حميمة، موازية في نصها بين حالات الكائن الداخلية والخارجية

مدخل مفتتن:

أن تجرد قلمك للكتابة عن ظبية خميس؛ فهي حالة تشبه حالة الاستعداد للمشي على الماء أو على النار، أو كلاهما معا وفي ذات الوقت، فتلك الـ(ظبية) الفارة من تخوم القبيلة إلى حواف الفكرة، إلى منتهى الرفض اللغوي والشعري والثقافي والفكري، هي حالة جديرة بالتأمل أكثر منها بالكتابة، المرأة الذاهبة بكلها باتجاه اللغة والإبداع والثقافة والفكر.
"ظبية خميس" التي ضربت بأجنحتها كيمامة لتفر من قيد مسبق الصنع في مجتمعات قطيعية لا تؤمن بالمختلف، مجتمعات عمياء لا ترى من وظائف المرأة إلا الوظائف الجسدية بمختلف تجلياتها وحضورها، "ظبية خميس" المتوهجة في الكتابة، والتحصيل الأكاديمي، والعمل في مختلف مجالات الفكر والثقافة والسياسة والأدب، والتي أصدرت ـ وهي لا تزال في قمة عطائها الإبداعي ـ ما يربو على ثلاثين كتابا منها ستة عشر ديوانا شعريا وهي:(خطوة فوق الأرض 1980- أنا المرأة الأرض كل الضلوع1982- صبابات المهرة العمانية1984- قصائد حب 1985-السلطان يرجم امرأة حبلى بالبحر 1988 جنة الجنرالات1993- موت العائلة 1993 - انتحار هادئ جداً 1994-القرمزي1994-المشي في أحلام الرومانتيكية 1995 -تلف 1996- البحر، النجوم ، العشب في كف واحدة 1997- خمرة حب عادي 2000 - درجة حميمية 2002 - شغف2005 - روح الشاعرة 2005).
ظبية خميس التي تتقدم شاعرة(بكل قيمتها ومكانتها) مجاورة للجميع، ومنتمية للمشهد بشكل طبيعي خارج مطاولة القامات، فلا تأنس بالقمم، بل وتقدم الآخر، وتهاجم الشللية وعصبة المتجمهرين، ولا تؤمن بالأبراج والقواقع، لذا تجد نصوصها وحواراتها في المنتديات والمدونات (مدونتها الخاصة وصفحة الفيس بوك) بكل تواضع ومحبة.
وفي هذه السطور أستحضر ظبية خميس ـ وهي المتعددة ـ الشاعرة فقط؛ لأسائل نصها الشعري المتمكن من شعريته، وأحفر مكنوناته الموغلة في الصورة والحلم والمخيلة، وأحاور تجلياته الذاهبة نحو الذاتي والإنساني بذات النسق واليقين.
إن الشاعرة التي تصنع نصها (بامتداح الصنعة) بحرفية صانع متمكن من مزاوجة الثنائيات النقيضية، من القريب والبعيد، ومن المتخيل والواقعي، ومن الحسي والمجرد معا، تستحضر فيه تجليات الروح، وتستلف مفرداته وحنينه من تفاصيل الحياة اليومية، ومن ذاكرة حبلى بالأرض والوطن، ومن مغريات الشفهي اليومي، من المطارات والحنين المتربص، لتذهب به إلى أقصى آفاق المخيلة في البناء والتجريب، ثم ليصب في فكرة الانتصار للإنسان، ولليومي، وللهامشي من الحياة، ولكأنه الحياة ذاتها..
فلسفة النص
يصدر نص ظبية خميس عن فلسفة عميقة، وإحاطة جذلى بالأعمق من الأشياء، بالنقطة اللامعة في بؤبؤ الحقيقة، وصدر المتصدر منها، ولب البذرة الموغلة في التخفي والركون، إنه النص الأركيولوجي الذي يحفر بؤرة الكامن والتاريخي والبعيد، بشهوة النفض والفض، وبمبحثية الموغل في تاريخ الفكرة والكتابة والميثولوجيا، والذاهب نحو التربص والبحث والتنقيب عن الأبعد والأشهى والأصدق من المعاني والأفكار، فهو نص لغة وفكرة ومعنى، وهو بذلك نص إنساني حميمي وثوري ومتعدد، ولا يصلح أن يكون نصا حياديا أو جزئيا أو ثابتا أو متكررا.
تقول في نص.. شجرة التين
جاء السد إلى الباب فكسرته.
بعد ذلك دخلت السيول
سيلاً ، سيلاً
خلفت الندوب وراءها
اجترحت الطوب والصخور
أخذت معها كائنات وبشر
وتركت وراءها الكثير من الوحل والطين.
إن هذه الكتابة التي تناوش الفكرة واللغة، وتسير في فلسفتها الخاصة نحو هدم السائد من التقديم للمعنى، تفصح عن شاعرية لا جاهزة، وتخاطر بإيجاد جلبة تعددية في ذهن المتلقي للشعرية بحساسيتها الجدية والجديدة، ولا نبلها في تقديم السريع والمباشر من المعاني، وبث بعض القلق الذي يؤهل المتلقي المجازف لتتبع مفاد الفكرة البعيدة، والسعي نحو تأسيس وعي قرائي جديد، أو قارئ جديد، يستشعر ضعف الإنسان في هذه المتاهة الكونية، بغاباتها ووحوشها وحروبها، وبداياتها ونهاياتها، كل شيء يذهب بهذا الكائن نحو الضعيف منه، ونحو رعب طافر وحتمي. تقول أيضا:
صفقت للنادل كي يجيء
وبدلاً منه جاء قطيع من الأسود
يبحث عن سرب من الظباء.
لا تحتمل المسألة كثيراً من النقاش
بين أن تختار أن تكون
القاتل أو المقتول.
إن المعنى الذي يقشّر المعتم من الدلالة، ويسرف قي تقصي الإحالات الدافعة نحو بلاغة القراءة الحادة، والجارحة، يجبرك أن تمضي حافي الروح، مستفز الوعي في مناطق السؤال والبحث. ماذا يريد أن يقول النص؟
هذه لك! أيها القارئ المختلف، أيها الحامل إزميل المعنى، وشمعة التدبر لتسقط الكلام عن عروشه الثقيلة والهشة، وتبحث عن مناورة ألذ، ومعنى أكثر خمولا، وركودا في مخيلة العام، وأكثر استباقا وانتصارا للشعرية في مخيلة الشعر، فـ"الأسود" في كل مكان، و"الظباء" معنى مناسب لنحمّله كل جمال محاصر، والنقاش حلبة الصراع المستعرة، و"القاتل" و"المقتول"، قصة ملتبسة منذ الغراب وهابيل وقابيل.
وتقول في نص.. دار غربة، مستفيدة من المعاني الدينية التي تستند عليها ذاكرتها في بدئية تكوينها المعرفي الجمعي، وموغلة في صناعة معانيها الجديدة من الفلسفة والمنطق، إلى العبثية واللاجدوى.
الدنيا دار الالتهام
الصخر يلتهم الحجر
والبحر يلتهم النهر
الريح تلتهم النسيم
والفيضان يلتهم الكواكب والنجوم.
لا شي على حاله
الحروب من الدغل إلى ناطحات السحاب
والجثث .... الجثث في كل مكان
تحت الأرض ، وفوق الأرض
وفي النفوس ، والأحلام ، وفي أرصدة البنوك.
دار غربة هي الدنيا
بعوضة تقتل فرعوناً
وبشر يقتل أمماً
وأمم تندثر إلى ما وراء المغيب.
قناص يطارد فريسته
وفريسة تلتهم قناصا.
إن هذا النص الذي يجبر القارئ (الذي هو أنا) على عدم اجتزائه ليشهد القارئ(الذي هو أنت) على انفلات المعنى من قبضة الكلام، ومن سطور اللغة المخاطبة، إلى الحضور الصادم، وإلى المعاني المتوالدة والمنشطرة في لجج وقحة وفجة تجبرنا (أنا وأنت) على متابعة تلك الولادات الحرائقية السريعة والمتداخلة، والعميقة في سيرورتها التشابكية نحو رحم الفكرة المشتقة والخارجة على مدلولات الكلام.
الصورة التي لا تحتفل بالمنطقي، ولا تتورع في بث مرموزاتها في أثير الهواء الرطب الحافل بالشر والشرر، لتقول وتقول، إنها لا تكتفي من التأمل والتأويل، ولا تشبع من فتح الجراح، ولا يرعبها حزن القارئ على ماتبثه من صور غرائبية، تشعل خوفه من الموت والهزيمة والانكسار والرعب الكوني في الغابة البشرية.
الصورة المؤنثة غير النمطية
نص ظبية الذي يخرج بعسر وليونة من رحم الأنثى الأكثر مرحا من الحياة، والأكثر مكرا من طفلة مدللة، والأكثر محبة من السماء عندما ينزل المطر، ويفيض بالرغبة في السرد والحكي والغناء كالأنثى المشتعلة بالعشق، أو المكتحلة بمهد صغيرها لأول وهلة، يحكي عن الطفولة المتعثرة في أهداب السقوط بفستان أطول من الخطوة، وعن رعشة الموج تسري في الجسد فيخضرّ الربيع على أحراشه وموانيه، وتفتح أدراج الذاكرة بقسوة، وتفض أقفال الفراغات بلا حذر ولا مواربة، وكأنها لم تكن إلا لهكذا دور مفتوح النهايات خلقت..
تقول في نص .. أصداف ــ رنين ــ وقطيع ماعز
(3)
أجهل ما أصبو إليه
أحلامي ساذجة وبسيطة
معقدة ومركبة
وأتخلى عنها مثل فراشة
كل ما لامست النار ـ تحترق.
(4)
لوحدتي صهوتها
وجوادها ولجامها
ولوحدتي
براري تركض فيها ـ ولا تتوقف.
(7)
عبثي أن أبني تماثيل رمل
لبشر حين يمرون عليها
لا يدركون أنها هم.
(9)
كيف يمكن أن لا تكون الروح
مجرد الروح
كل شيء !
(13)
أريد قطيعاً من الماعز
وصحراء شاسعة
وعصا أرعى بها.
وأن أسير وأسير
حتى أعرف الرسولة تلك
التي كانت تنثر من جوفها
كل ذلك المطر.
هكذا تخرج الكلمات من ذات أنثى مؤمنة بالذات بالوحدة، مجروحة بالوعي القابض على منابت الروح، إلى مناطق الرفض والإنكار المنكّهة بالسخرية والعبث والرغبة في العودة للبدائي من الإنسان، للروح وللمراعي وللذات المتأملة الصامتة فقط.
الهم الإنساني صرخة النص
يشكل نص ظبية خميس في الواضح منه وفي الموارب من معانية، صرخة حادة لظلم الإنسان وظلمته، صرخة ضد العنصرية والتحيز، وضد القهر والفقر، حتى أشد القضايا إيغالا في المصير لتجعل النص قيمة وقضية، وصرخة علنية لا تقبل الهدنة والصمت أو المساومة والرضوخ، وليس أدل على النزعة النصية القتالية ضد القهر والظلم من نص "الزنزانة" الذي تصور فيه الشاعرة باقتدار وصف السجين في الليل والنهار منطلقة من الخاص والداخلي نحو الحميمي الجارح في الذاكرة، ونحو الخارجي الآخر (السجان) بقسوته وظلاميته ، في نص منونودرامي، ورسم متكامل للمشهد..
تقول: "في الليل.. أكاد أجن.. تماما أطفىء الأضواء.. أتغطى جيدا.. أضع المخدّة على رأسي.. ولكن كل شيء يستيقظ ويحيل ذلك السبات.. إلى كابوس أشعث.
أحتمل الجدران في النهار.. أحتمل الصمت.. أحتمل ( أبو بريص ) وهو يتنزه في الغرفة.. أحتمل اللون البني.. أحتمل تلك القضبان لنافذة زجاجها بني هو الآخر.. وستائرها كذلك. أستطيع أن أستمع إلى العصافير التي لا أراها.. وأتخيل الشمس التي لا أحسها.. وأنسى كل شيء آخر.
في الليل تستيقظ الأسئلة.. وفي النهار تصمت الأجوبة.. وبينهما.. أمضي وأجيء.. أخربش على الحيطان.. وأرسم بقلم الكحل وجوها على الدولاب.. وأغطية السرير.. والمخدات.."
إنها ظلال الحكمة الداخلية، وفروضات التأمل المتسامقة الظل في التيه، والغروبات المتكررة التي احترفتها ظبية وعلمتها معنى وقيمة الإنسانية، والغيابات الآثمة التي أخذتها نحو الغربة الإنسانية المستفحلة الوهج والوجع، بمعايشة جميع أطياف الظلم الاجتماعي في المجتمعات العربية وغير العربية.
وهي صبوة الكتابة، وصبابة الروح القائمة على الهدم ونزعة التفكيك، ثم البناء والترميم بالقريب والمستحيل من الرمزي واللغوي في صنعة شعرية مدهشة واستحضارات تشكيلية جمالية وتعاليات شعرية مبدعة.. تقول:
قل للغريب في جوف أرضه
تموت بين غدين وبين زمنين
وتأكلك الأرض ، ولا تأكلها.
أودعت الخزائن أسراري
وأوسدت جثماني التابوت
وحين ختم الصمت على شفاهي المطبقةذهب السر الأكبر معي
تاركاً لهم أهداب خيوط تذوب
بين الدهور وبين كلماتهم.
أن في موتي، موتهم
وإن يدفنوني بالأمس
لا يدفنون في موتي، موتهم.
إنها الكتابة الذاهبة نحو النفي والموغلة فيه، والمدشنة لحالة تضامن قصوى مع الكائن بإقصاءاته حتى من قبل ذاته، والمنتبهة بالحس الواعي لفردانية الذات في خضم الجمع، ولخصوصية الصوت وسط الضجيج المتعالي.
الكتابة القائمة على قيمة الحلم في مواجهة الواقع، وقيمة الشعر في تجسير اللغة نحو اللاأيدلوجي، مع ربط حثيث وضمني للشعري مع الأنثروبولوجي والاجتماعي والسياسي والبعد عن غلواء التهويم واللامنطقي من المعاني.
المكان الأرض والوطن
ولأن الشعر هو حالة إفصاح الذات عن مخزونها العاطفي والثقافي والوجدي والوجعي والشهوي، وكل ما يعتمل في تلك الذات المتجالدة على خارجها، المنسابة مع نصها يأتي نص ظبية خميس مفعما برائحة الذات، والأرض في تناسقية كلية، والتحام ممتزج وكأن لاشيء يقف حاجزا ضد ألم الغربة، إلا الوعي بقيمة الذات، وتهوين حالة الغربة بالوعي بقيمة الأشياء حتى في أبشع أبعادها، فالفلسفة التي تعطي للحجر قيمته، تعلي من قيمة الاغتراب في رسم ملامح الذات المراهنة على الاختلاف أصلا، ولكن الوجد لا يجد مبرراته الكافية للحالة .. تقول في نص "بضاعة النفس":
أتراها الأمكنة
تلك التي تفضح شحوبنا
ورغبتنا في الإياب
أتراها الأمكنة
تلك التي نتوق للانعتاق منها
التي تتخذ طعماً ما في حلوقنا فيما بعد
عندما نتذكرها
الأمكنة تصنع أشواقنا ، تكشف خبايانا
تعرفنا على من نحن بقسريتنا
المفاجئة ، وميولنا التي لم نعترف بها ،
انتماءنا المحدد للأشياء ، والأماكن ، والأصدقاء.
بضاعتنا القديمة التي ردت لنا عبر الرحيل.
إنها الذات المخلصة للإنصات، وللتأمل الحميمي للداخل والخاص، مستفيدة من الوحدة والفراغ، ومستثمرة كل وظائف الحواس في قراءة تلك الذات، وموظفة كل أدواتها في التدقيق فيما يعتمل في معملها لإنتاج نصها المختلف .. في نصها (المخالصة) تقول..
أن تملأ الفراغ بالثرثرة
أصوات تسمعها ، تحدثها
أصوات في الرأس
أصوات في الأذن.
أن تفر من لحظة المخالصة
اللحظة تلك
بلا صوت يمتلكك أو تمتلكه.
الإدراك اللحظي للفراغ الكوني الكبير
للصورة ووهمها
للصور المتحركة للعارض ، والمتحول ،
وللزوال كما يحدث لك في كل يوم.
إنها حالة الجني لثمار التأمل، ولحصيلة التجربة في حكمة الكائن التي يسرف تقصي الذات، وتغيراتها، وثباتها ورعونتها، وحالة قسوتها على ملامح الفرح الداخلي، والدهشة الحميمة لصالح الصمت والركون..
نتجنب أقوالنا المكررة ،
بالصمت نتجنب حركاتنا التي تضرب في الهواء
بالثبات مثل صنم شرقي.
لا يصبح للماضي وجود
ولا للمستقبل
فقط اللحظة ، اللحظة التي تعبر سريعاً إلى مصيرها.
إنها تهرّب للنص كل ذلك الخوف المريع من تلبس الكائن بذاته، وانفصاله عن كل ما هو خارجه، الخوف من الغربة القصوى، بأن تصل لحالة تجريد ذاتك عن ذاتك، ومخاطبتها ككائن خارجي منفصل، يرعبك بصمته، ويفضحك باستجلاء حالته خارجك ..
نراها أشباحنا ، آنذاك
تلك التي كناها
وهذه التي تتلبسنا في موقف التبديل.
ومثل قمر يضيء لليلة واحدة
نكتشف أنه نحن
ومثل شهاب ولد للتو
نكتشف أنه نحن.
لا ضوء في القنديل
يخبرنا عن حيواتنا ، الآتية.
إنها حالة حميمة وشهية من السرد الخارجي المنفصل عن الكائن، وكأنها الكتابة من مرآة شقية تعكس صورة الذات في حزنها وغربتها خارج الكائن نفسه، مرآه قاسية تضع التفاصيل الدقيقة للكائن الداخلي في مستوى النظر، ثم تعمد لتجسيرها مع صورته الأخرى الخارجية ضمن مجتمعه لتشعره بالخيبة والهزيمة، وهل الكتابة إلا ذلك؟؟
صمت
عندما نقضم الغضب نجده مراً
وقاسياً كالحجارة.
لاشك أن إخراجه من أمعائنا
يكون صعباً، أيضاً.
ولكي لا نمضغ حجارة الغضب
يتوجب علينا التنفس عميقاً
وتذكر أن "هذا سوف يمضي، أيضاً ".
هكذا تسير قصيدة ظبية خميس محفوفة بصوت الذات المتهدج في صلاة داخلية حميمة، وبـ"الصمت" و"الغربة" و" الغضب" ، "الحزن" و"العشق"، موازية في نصها بين حالات الكائن الداخلية والخارجية، وبين امرأة حكيمة تسير بوعيها بثقل التجربة، وطفلة فراشة تطير بخفة فوق ينابيع الماء لترتوي من جماليات الحياة التي لم ترتوِ منها، ولن تفعل، بين كائن مشغول بكتابة ذاته بمواجدها وأحلامها الصغيرة والكبيرة، وكائن يسمع ويرى استفحال الغابة والشر والجوع والموت المجاني؛ فيحمّل نصه عبء صرخة غصة مستديرة في حنجرته.
وأخيرا لعلها فقط إنها الكتابة بالدم التي يحبها نيتشه إذ يقول:"من كل ما يكتب لست أحب إلا ما يكتبه الإنسان بدمه, اكتب بالدم تجد أن الدم هو الروح" (هكذا تكلم زرادشت)
إن نص "ظبية خميس" الشعري نص عميق ومستفز، فهو نص تأويلي؛ يطرح على كل قارئ مداخله الخاصة للقراءة البعيدة النصية أو الماورائية، ويجبره أن يستكشف بؤرته الباطنية الأعمق، وغاياته غير المباشرة، وتفاصيله المتشعبة ليبلغ لب المعنى، ويتحرك منه في إدراك الفهم، إنه نص جدير بقراءات هرمينوطيقية وأنطولوجية عديدة، تبحث في خصائص هذا النص الجاذبة للمتلقي، واقتراح قراءات متعددة له.

د.فاطمة الشيدي*
* شاعرة عمانية

 

أعلى


 

 

هوامش ذاكرة هشّة.. وأشياء أخرى

أتعبتك المشاعر يا صديقي.. وأرهقك الحنين. وكل مخدة تفارقها تترك أرقك وتأخذ صحوك الشارد.. وتبحث عن أرصفة لا تنتمي لشوارع قطّ.. ولا تنتمي لذاكرة ما.. ولا تستلقي على أريكة منعطف عاطفي حاد.. تبحث عن وجوه لا تتغير ملامحها.. وأجساد لا تترهل.. وعيون لا تذبل.. وشعر لا يشيب، وتحت هذا البحث الذي تمارسه مع كل عام جديد.. وكل يوم ميلاد جديد.. تستثني نفسك تماما من كلّ شيء، فليس بالضرورة المصائب التي تمرّ من جانبك، أو تشاهدها في المسلسلات والأخبار، أو تقرأ عنها في الصحف، ليس بالضرورة أنها ستصيبك أو تصيب أحدا قريبا منّك.. ولكنّك تصاب بالخيبة قبل الدهشة حين تجد القدر يضعك في خانة الآخرين تماما.. تمرض وتتعب وتفلس.. تخون وتُخان وتُخوّن.. وتعبرك المصائب.. وتسكنك الهموم.. وتزلزلك المكائد.. ورغم خيباتك المتكررة.. إلا أنك تختار الحياة نفسها.. وتعاشر الناس أنفسهم.. وكأن الحياة خُلقت بصنف واحد ومن نوع واحد وفي لون واحد..!


حياة:

أنت لا تستعجل الخروج من مآزق الحياة الحرجة.. ولكنك تتفاجأ بالعمر لا يمُهلك لحظة للتفكير في حل أو للتكفير عن ذنب.. فتستعجل الخروج ولو بالمشي أعرج.. أو زاحفا.. وحين تقف عند مفترق طرق ما.. لتتبين أي الاتجاهات تسلك.. ليست الحكاية التي تغويك ولا ضحل التجربة. بل أن تكتشف أنك جدا بعيد عمّا كنت تحلم به.. بل حتى ما تخطط له. وأن المسير المتبقي ليس أحسن مما كان ولا أنه أسوأ مما سيكون.. ولكنه مسير تتشابه فيه أقدار كثيرة.. وتختلط فيه أقدار كثيرة.. ويكفيك أن تسلك طريقا ما لتجد الكثير من أثر الخُطى لمن سبقوك.. ورغم ذلك تمضي وأنت عازم في داخلك.. أنه لا بد من أن يكون لأثرك ملامح أقوى.. وهوّة أعمق.. ومتأخر جدا تُدهشك حقيقة المدار الواحد.. للكون الواحد.. للعالم الواحد.. للمصير الواحد..

سعادة:

لا يهمك عدد المطبات التي تعترضك.. ولا الزلات التي تجرفك.. ولا المرافئ التي ترسو بها.. ولا السهام التي تصيبك.. لأنك أدرجت في سجلات نضالك أنك ذاهب لغاية ما.. ولبلوغ هذه الغاية لا بد من الكثير من الآلام أحيانا.. والقليل من الأفراح نادرا..فمتعة الوصول للغاية لا تكتمل دون كل تلك التشوّهات الواقعية.. تماما مثلما يحدث أن يكون للوردة شوك.. وللطريق تعرّجات ومطبات.. ومتأخر جدا تكتشف أيضا.. أن السعادة هي اللحظة الراهنة.. لا الحياة المؤجلة..وأن السعادة تكمن في الوجوه العابرة لا في الوجوه الساكنة.. وأن السنين التي تكبر بك.. مجرد قطار سكة قديم بال بطيء.. كلما عبر محطة ما.. كلما أصابه الجديد من العطب.. وغادره المزيد العافية..

غياب:

الغياب غيومٌ ثقيلة خالية.. وأرض ظامئة.. وحياة كالحة.. كَرَاس خانها الموعد والواعد والموعود.. كرّاسات ملأى بنثر فارغ المعنى.. الغياب هو الحسرة المتكدسة داخل قلب طريّ الجُرح، ودخان سجائر امرأة غير آبهة لوميض جرح يتسع. هو أن تحلم بغد لن يأتي تماما كما فاتك أمسك الذي لم يكُن. هو إدراكك: أن الحب هو غياب ما قد عرفته.. أو أن الغياب هو الحب الذي لم تعشه..
هو كلمات نثر عابثة.. لا تأبه لاهتزاز ضوء قمر ولا تفقه لرائحة ليمون ولا للون شتاء.. هو خريطة وطن إمّحى.. أو سلب كعلبة ما..
كثيرة هي وجوهك أيّها الغياب.. كثيرة هي ألوانك.. وواحد هو جُرحك..!!

حُــب:

. . . . .. . .. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا طعم لا رائحة لا لون.. ولكنك تجده في ابتسامة طفل ما.. وفي دمعة عذراء ما.. وفي وردة لم تمسسها يد بشر.. وحلم لا تدركه في صحوك..

موت:

تتساءل: يا ترى من سيكون حولك لحظة موتك؟ من سيبكي أو سيحزن.. دون أن تدرك أن المُوات يبدأ لحظة فقدك قيمة الحياة.. وأن الموت مجرد سرير آخر تنتقل إليه لإكمال غفوة أخرى.. وأنه رغم هيئته القبيحة الكاسرة المرعبة.. إلا أنه مجرد ظل لا جسد له.. تعتقده قريبا كلما ابتعد الذي من حولك عنك.. وتعتقده بعيدا كلما امتلأت بأسباب متَعٍ كثيرة.. ولكنه دائما وفي كل الظروف وفي كل الأوقات.. يحتفظ بالمسافة نفسها منك.. وأنه لا يستحق منك كل هذا التوجس.. يكفي إذا ما رماك بأحد نبال غدره أن تبتسم له.. وتمضي.

نبهان الحنشي

 

أعلى


 


(قصة قصيرة)
المحنة

هبت كل القرية ، بأكملها ، وحاصرت البيت الصغير المتداعي والمهيأ أصلا للسقوط . أهالي القرية حملوا العصي الغلاظ والفؤوس والشراشر والبنادق ، وطوقوا كل جوانب البيت ، أحكموا إغلاق كل منافذه ..
حبسوا الرجل الطيب وأفراد أسرته في بيته ، منعوهم جميعا من الخروج ، وصاحوا في غضب :
ـ أنت القاتل ..
وبعد برهة ، ارتفع صوت زاعق مهددا :
ـ لن تخرج من بيتك حيا ..
وتبعه صوت آخر مستكملا :
ـ ستخرج ميتا الى المقابر ..
هدأت الأصوات قليلا بالخارج ، وبالداخل ، فرش الصمت أرجاء البيت ، ووقف الرجل حائرا .. ما العمل ؟! ما الحل لهذه الورطة ؟!
وهاهم قد وقفوا له بالمرصاد حول البيت ، وعيون الرجال والبنادق مصوبة على الأبواب والنوافذ . وآخرون صعدوا فوق أسطح الديار القريبة لمراقبة باحة البيت ، حتى لايتسلل الرجل أو أولاده أو زوجه من فوق السطح ويهرب ..
وجاء صوت زاعق من بين الرجال :
ـ أخرج لنا أو اعترف بجريمتك أو الحصار حتى الموت ..
من وراء ضلفة النافذة المواربة ، صاح الرجل بصوت تخنقه العبرات :
ـ أنا بريء !!
فانهال الحصى والعصي الغلاظ على مصدر الصوت ، ولم يستطع استكمال كلامه ، فأحكم إغلاق النافذة وانسحب الى الداخل ، تطلع حوله .. الجميع على وجوههم سؤال ، بادرهم هو :
ـ ماذا تريدون القول :
سألوه :
ـ نريد الحقيقة !!
قال في غضب :
ـ الحقيقة هي ما ذكرتها ..
لم يعقب احدهم ، لم تنم ملامحهم بشيء يريح باله ، عاد يصرخ فيهم :
ـ ألا تثقون بي ؟! ألا تصدقونني ؟!
لم يتكلم أحد ..
دار الرجل حول نفسه في جنون ، ضرب كفا بكف قال :
ـ ما الحل ؟! وما العمل الآن ؟!
اتجه نحو النافذة وصاح من وراء الخشب المهترئ في يأس :
ـ دعونا نتفاهم ..
صرخ بالقرب من النافذة ، أحد الرجال ، مؤكدا :
ـ لن تخرج من دارك ، إلا جثة هامدة ..
وتبعه صوت آخر أشد غلظة :
ـ الاعتراف أفضل حل لك ولأولادك ..
ابتعد الرجل من وراء النافذة ، وعاد يدور حول نفسه ، البيت لن يصمد طويلا أمامهم ، إذا قرروا اقتحامه ، وأهل بيته لا يقفون وراءه يساندونه في هذه المحنة !!
إن لم تحدث معجزة للوصول الى حل ، فلا سبيل الى النجاة ..
أخرجته الزوجة من تفكيره بالمزيد من الهموم والإثقال عليه ، قالت :
ـ إن لم نتدبر أمرنا ، من الآن سنموت جوعا وعطشا ..
قال في قلة حيلة، وهو ينفض يديه في الهواء، علامة الضيق الذي يعانيه :
ـ وما بيدنا أن نفعل سوى الصبر حتى الفرج ..
صمتت المرأة في تبرم وعدم رضا بعد قليل ، أشار عليه الأبناء بالخروج والمواجهة صمت وهز رأسه كمن فكر في هذا من قبل .
قال الأب بحزن ويأس :
ـ سيقتلونكم جميعا ، قبل أن تنالوا منهم ..
سألوه :
ـ وما العمل ؟ ما الحل ؟
قال بهدوء كمن يتوقع حدوث شيء :
ـ علينا بالصبر ، حتى تزول هذه الشدة .
قالت الأم بضيق :
ـ نحن البشر نصبر ، ولكن الدواب وحيوانات البيت ، والصغار ، لن يتحملوا .. إذا صبروا ساعة فلن يقدروا على الأخرى ، وإذا تحملوا يوما ، فلن يطيقوا تحمل يوم آخر ..
وخيم الصمت والسكون داخل البيت مرت فترة من الهدوء .
اقترب أصغر الأبناء من الرجل المثقل بالهموم وقال :
ـ لن نخرج إليهم ، سوف نعطيهم الفرصة للهجوم والدخول علينا ، ونحن في البيت نتحصن به ، وسننال منهم أكثر مما لو خرجنا لهم ..
اقتربت المرأة من الرجل ، ونظرت حواليها ثم همست :
ـ إذا كنت بريئا ، كما تقول ، فمن القاتل إذن ؟
أجاب :
ـ أنا مثلكم جميعا ، لا أدري !!
قالت المرأة بشيء من الشك والارتياب :
ـ ومن يدري ، إذ لم تكن أنت المدبر والمخطط لكل الأحداث ؟!
قال الرجل كأنما يحدث نفسه :
ـ لقد زرعوا الشك في داخلنا .. وهذه بداية النهاية !!
قالت المرأة :
ـ سيموت كل من بالبيت ، إن لم نتوصل الى حل . لن يدعونا نخرج من هنا أحياء .. ما ذنب الصغار والدواب والطيور .. وإذا صبرنا وتحملنا ليوم .. يومين ، هل سنجد الحل ؟
ابتعد الجميع عن الرجل ، وظل وحيدا ، حزينا ، مطرقا . بدأ يترنم بأغنية شعبية ، قديمة . كان قد سمعها من السابقين ، يرددونها بجوار مدارات السواقي وهى تدور لتخرج المياه من البئر لرى الزرع : (أنا بالوادي جريت ، العشب مني نما ، وأنا بناري أنكويت !!) .
هز الرجل رأسه وابتسم ، كمن عثر على حل أو توصل الى قرار ، ودون أن يدري كان الجميع يراقبونه في اندهاشة . أخذ يحدث نفسه ، كمن يتسلى بقضاء افصل الوقت الضائع ، مما زاد من دهشتهم ، قال :
ـ ياليلنا الحزين . أنت قدرنا . لابد من ضحية . لابد أن يضحي أحدنا ، ليعيش الآخرون ..
هب الأب واقفا ونظر حواليه وقال :
ـ لابد من الخروج . والبكاء والحزن لا يجديان ..
وسار عدة خطوات نحو الباب الخارجي ، وسط ذهول الجميع والدهشة التي عقدت ألسنتهم ، وفتح الباب الخشبي المهترىء ، رفع يده عاليا .. ساد الصمت في الخارج وعم الوجوم والحزن على كل من بالبيت . هتف الرجل من الأعماق :
ـ توقفوا .. أنا خارج إليكم ...

عبدالستار خليف
* كاتب ورائي مصرى

 

أعلى


 

 


الكواكبي .. الفارس الذي حاول هدم قلاع الاستبداد

كل زمان له دولة ورجال، ومن هؤلاء الرجال من يحفر اسمه بحروف خالدة من ذهب، ومنهم من يتوارى خجلا مما فعله أو قاله، ويطوي الزمن صفحته، ولا يذكره البشر إلا بكل سيّئ وقبيح، وتبقى الرجال.. وتبقى مواقفهم وآراؤهم خالدة تستنير بها الأجيال التالية، ومن هؤلاء الرجال الأديب والمفكر والثائر" عبد الرحمن الكواكبي ".


يتيم في إنطاكية

ولد عبد الرحمن الكواكبي بحلب عام 1271هـ /1855م لأسرة عربية قيل إن جذورها تمتد من ناحية الأب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه.. توفيت أمه وهو لا يزال في الخامسة من عمره فكفلته خالته واصطحبته معها إلى إنطاكية حيث تعلم القراءة والكتابة والتركية وحفظ جزءا من القرآن الكريم.
عاد بعد ذلك إلى حلب وأكمل تعليمه مع شيء من الفارسية مدة عام، عاد بعدها إلى انطاكية ثانية لدراسة العلوم ثم استقر في حلب عام 1865 ، فدخل المدرسة الكواكبية التي كانت تتبع مناهج الأزهر في دراستها، وكان أبوه مديراً لها فدرس الشريعة والأدب والفارسية وبعض علوم الطبيعة والرياضيات وعلوم السياسة والمجتمع والتاريخ والفلسفة.


تزوير الوالي

كانت بداية حياته العملية عندما عين محرراً في صحيفة الفرات عام 1872م، وهي الجريدة الرسمية الناطقة بلسان الحكومة العثمانية، واستمر بالعمل فيها إلى أن أصدر صحيفة الشهباء عام 1877م، وهي أول جريدة خاصة في حلب وذلك حتى يتسنى له إعلان الحقيقة للجماهير والكتابة بحرية مهما بلغت شدة نقد الحكومة، مما جعل والي حلب يأمر بغلقها ومصادرتها ولم يصدر منها سوى 17 عددا فقط .
حاولت الحكومة العثمانية إسكاته وإغواءه بالمناصب فعينته في وظائف كثيرة متميزة ولكن أيا من تلك المناصب لم يثنه عن نقد الحكومة العثمانية والتصدي لخدمة العامة، حيث فتح مكتبا لنصرة المظلومين حتى لقب بـ "أبي الضعفاء " مما أغضب الولاة فسعوا إلى الإيقاع به.
وقد استغلت السلطة محاولة اغتيال والي حلب" جميل باشا "وألقت القبض عليه بتهمة التحريض على اغتيال الوالي ولكن برّئت ساحته وعزل الوالي، ثم اتهمته الحكومة بالاتصال بدولة أجنبية وبإقامة منظمة سرية مناوئة لنظام الحكم، وحكم عليه بالإعدام أمام محكمة حلب المتواطئة لكن الكواكبي قدم تظلماً ورفض المحاكمة في حلب.
فى ذلك الوقت قامت مظاهرة في حلب تطالب بالإفراج عن الكواكبي مما اضطر السلطات إلى إعادة محاكمته أمام محكمة بيروت حيث قدم دفاعاً شخصياً عن نفسه فبرئت ساحته وتبين تزوير الوالي لأوراق القضية التي أدانته وعزل الوالي، ونتيجة للظلم والقهر والسجن الذي تعرض له الكواكبي ومصادرة الممتلكات، قرر الهجرة إلى مصر سراً.


في ميدان العتبة

وصل الكواكبي إلى مصر " القاهرة " في منتصف شهر نوفمبر 1899م حيث التقى بالأدباء والمفكرين وشارك في الحركة الفكرية في مصر، وكان يلتقي يومياً بالمفكرين والكتاب على قهوة في ميدان العتبة حيث تدور المناقشات والندوات حول القضايا المختلفة والمسائل الهامة.
كان يجتمع حوله كثيرون أمثال رشيد رضا وغيره وقد ذاع صيته في مصر إبان نشره مقالات " طبائع الاستبداد" في صحيفة المؤيد للشيخ " علي يوسف "، ثم قام بعد ذلك بجولة في الدول العربية للوقوف على أوضاعها ورجع عام 1901م.


مؤتمر الخيال

وضع الكواكبي باكورة أعماله الأدبية كتاب " جمعية أم القرى " وهو الاسم الذي أطلقه الكواكبي على مؤتمر عام تخيل انعقاده في مكة المكرمة وجمع فيه مندوبين عن أمم العالم الاسلامي في الشرق والغرب، وألقى على لسان كل منهم خطاباً يشرح حالة المسلمين في ذلك الوقت من ضعف وتخلف، كما عرض لكيفية النهوض بالأمة الإسلامية، ويتضح من هذا الكتاب مدى وعيه وإحاطته بظروف بلدان العالم الاسلامي المختلفة، وقد ألف هذا الكتاب قبل رحلته إلى مصر.

الجنود والجهلة

لا يذكر اسم الكواكبي إلا ويذكر كتابه " طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد " وهذا الكتاب الذي يعد آية الكواكبى يتألف من مجموعة من المقالات نشرها لأول مرة فى جريدة المؤيد المصرية وتناول في كل منها عارضاً من عوارض الاستبداد التي يشاهد أثرها في أحوال الأمم والأفراد.
وقد بدأ كتابه بأسئلة عن تعريف الاستبداد ؟ وما أعراضه ؟ وما هي سيره ؟ وما دواؤه ؟ ولماذا يكون المستبد شديد الخوف؟ ولماذا يستولى الجبن على رعية المستبد ؟ وكيف يكون التخلص من الاستبداد ؟ وبماذا ينبغي استبدال الاستبدال؟
وقد قرر الكواكبى في كتابه أن أى حكومة تفتقد المراقبة الشديدة هى حكومة مستبدة وأن الحكومة المستبدة تستعين على استبدادها بوسيلتين هما: جهالة الأمة، والجنود المنظمة.
ويرى أن من يستطيع أن يوقف المستبد عند حده هو التحرك الشعبي أو تحرك الرعية.


الفنجان الأخير

توفي عبد الرحمن الكواكبي مساء الخميس 6من ربيع الاول عام 1320هـ /1902 م اثر احتسائه فنجانا من القهوة في مقهى قرب حديقة الازبكية بالقاهرة، وقد قيل إن أحد أعوان السلطان " عبد الحميد الثاني " الملقب بالسلطان الأحمر وضع له السم في القهوة، فبعد أن احتسى القهوة بنصف ساعة أحس بألم في أمعائه فانتقل إلى بيته وكان معه ابنه " كاظم " ثم في منتصف الليل ذهب ابنه لإحضار الطبيب ولما عاد ومعه الطبيب وجداه ميتاً.
دفن في قرافة باب الوزير على سطح جبل المقطم، وبعد أربعين سنه تم نقل رفاته إلى مقبرة المشاهير في شارع العفيفي بمنطقة باب الوزير وكتب اسمه وتاريخ وفاته وتاريخ نقله على صفحة من رخام كتب عليها بيتان لحافظ إبراهيم رثاء ًله.

هنا رجل الدنيا هنا مهبط التقى
قفوا واقرأوا " أم الكتاب " وسلموا
هنا خير مظلوم هنا خير كاتب
عليه فهذا القبر قبر الكواكبي


إيهاب حمدي*

* مكتب الوطن: القاهرة

 

أعلى


 


مستويات تعريب الكلمات الدخيلة والمعربة في اللهجات العمانية(1ـ3)

لقد اقتبست اللغة العربية واللهجات العربية عددا كبيرا من ألفاظ اللغات الأخرى عبر تاريخها الطويل، بسبب عوامل الاحتكاك اللغوي المختلفة " وقد أخضعتها العربية لقواعدها الصوتية وطوعتها في أغلب الأحيان، لمقاييس أبنيتها . وجرى بها الاستعمال حتى صارت هذه المفردات الدخيلة بمرور الزمن، جزءاً من ثروتها اللفظية. وظاهرة الاقتباس هذه هي التي اصطلح عليها القدامى بالمعرَب والدخيل على حين عبر عنها المحدثون بالقرض اللغوي أو الاستعارة اللغوية"(1).
ولقد اتفق علماء اللغة على وجوب وضع معايير معينة عند اللجوء إلى تعريب المصطلح ونقله إلى العربية ، وضرورة وضع المصطلح المناسب له في العربية من أسماء الأجناس والمصنوعات، لأنها موضع التفاوت في اللغات الإنسانية وإليها ترجع تسمية كل محدث من المخترعات والمكتشفات على اختلافها، وتعريب هذه الأسماء كما يقول اليازجي(2)، يكون على ضربين:
أحدهما أسماء الجواهر المخلوقة بسيطة كانت (كالأوكسجين) والفسفور والكربون. أو مركبة : كالزمرد ، والزجاج، والبترول، ويتصل بها أسماء أنواع النبات والحيوان: كالنارنج، والباشق.. مما لا مرادف له عندنا ويلحق بالقسمين الآخرين ما أشبههما من أجناس المصنوعات مما يتميز بتركيبه كالأسمنت أو بهيئة كالديباج... وجميع هذه الأسماء لا يتأتى نقلها إلا محكية بلفظها، لأنها إما أن تكون مُرتجلة أي لم يسبق استعمالها في معنى آخر، فلا سبيل إلى تعريبها بالمرادف، وإما أن تكون شبيهة بالمرتجلة، وهي ما كانت مجهولة الأصل كالشمبانزي للحيوان المعروف
والضرب الثاني من أسماء الأجناس أسماء المصنوعات المختلفة من الأدوات والأثاث وغير ذلك من متطلبات الحضارة والآلات العلمية والصناعية وهذه وأشباهها لا يتعين أن يعرب اللفظ الموضوع بمرادفه. ولكن يكفي أن يعبر عنها بما يدل عليها، ولو من طريق العرف. لأن هذه الأدوات إنما تعرف من خلال وجوه استخدامها، فيشتق لها لفظ يدل على معنى من المعاني التي تعتبر فيها أو يستعار لها لفظ يجمع بينها وبينه علاقة من علائق المجاز، ومن أمثلة ذلك من المعّربات العصرية: المنطاد: للبالون.. ومثله الرقاص: للبندول، والمجهر: للمكروسوب.. وغير ذلك.هذا في الأسماء . أما في الأفعال ، "فلا يجوز أن يعّرب شيء منها بلفظه لأّنه فضلاً عن أن للأفعال في العربية أبنية مخصوصة، لا توافقها الأوضاع الأعجمية . فإنها معرضة للتصريف والاشتقاق ، وأنواع الزيادات، ولكلها أوزان وقوالب لا تخرج عنها بحال .. وحينئذ فلا بد في الفعل المعّرب من تغيير كثير حتى ينطبق على هذه الأحكام.
في حالة التعريب أو الاقتراض من اللغات الأجنبية، يمكن أن نصنف المقترضات المعجمية المولدة إلى ثلاثة أنواع أساسية من التصنيف: أولا: بحسب الانتماء اللفظي، وثانيا: بحسب الدلالة، وثالثا: بحسب التغيير وعدمه في اللغة المقترضة.
ويهتم التعريب أو تصريف الدخيل ـ باعتباره عملية تحدث بحسب قواعد معينة ـ من هذه الأنواع الثلاثة بالنوع الثالث. "فإن النوع الأول متأسس على دراسة الظاهرة الاسمية في الاقتراض المعجمي أو التعريب، حسب تعامل اللغة المقترضة مع اللفظ ، والنوع الثاني تأسس على النظر في الحقول الدلالية والمفهومية ، (والمجموعة اللفظية التي تنتمي إليها المفردة) التي تجدول ضمنها المقترضات: فهي إما مقترضات حضارية(مثل الملابس والمآكل والمشارب والآلات..) وإما مقترضات علمية تختص بالعلوم والطب والهندسة والصناعة والتكنولوجيا. وأما النوع الثالث فيتصل بمعالجة المقترضات، ولهذا الأمر صلة بإدماج المقترضات في نظام اللغة المقترضة أو عدم إدماجها"(3). وبالنظر للإدماج في العربية يمكن تصنيف المقترضات إلى قسمين:
1 ـ ما يظل على صورته في لغته الأصلية ولا يدمج في نظام اللغة فيبقى محافظاً على مظاهر عجمته الصرفية، وتبقى بنيته غير مقيسة أو منمطة بحسب نمط أو صيغة صرفية محددة. وهذا القسم هو المسمى دخيلا" وعدم الإدماج يحصل إما لعدم وجود صيغة صرفية مناسبة لتحويل الاسم أو المصطلح، أو عدم القدرة على تغيير أو الرغبة في ذلك فيبقى الاسم كما هو"(4)، ومن أمثلة هذا القسم: Cinema سينما, aluminium ألمنيوم ، إكسسوار ، جاكيت، كلسون، هامبورجر ، بشاميل.
2 ـ ما يقبل الإدماج في نظام اللغة بأن يفقد مظهر عجمته الصرفية ويقاس على نمط صرفي عربي ، وهذا يسمى (معرباً) والإدماج يكون حسب ثلاث حالات(5)
أ- إما لأن المفردة المقترضة تكون قابلة لأن تقاس حسب صيغة صرفية معروفة ومقبولة اجتماعيا أو قبولا طبيعيا بحكم بنيتها الأصلية. وتكثر هذه المفردات في لغة العلوم لأن ما يعني العالم أو الفني هو المفهوم الذي يدل عليه المصطلح.
ب- أو لأن المقترض يعالجها معالجة تتيح لها الاندراج في إحدى الجداول الصرفية العربية المعروفة مثلا الجداول التي وضعها مجمع اللغة العربية
ج- قد يكون المجتمع أو الناس تداولوا استخدمها وأعطوها قياساً صرفياً شبيهاً بالكلمات العامية أو المحلية المعروفة في مجتمعهم، وهو الغالب في ألفاظ العامة لأن اقتراضه كثيرا ما يكون عفويا، وهذا غالباً ما يُعتمد فيه على المجهود الشعبي والمجتمعي في تغير الصيغة الصرفية للكلمة الدخيلة وجعلها طوعاً لاستخدامه اللغوي، ومن أمثلة هذا القسم ، فُعَلَل ـ فلم(فَعْل) ، صراط (فَعَال)- دِرْهَم (فِعْلَل)
وبالنسبة للمصطلحات والألفاظ الأجنبية الدخيلة ظل أكثرها دخيلة دون تعريب كما يرى الدكتور محمد ألتونجي، فيقول" وإن كثيراً من الدخيل الغربي ظلَّ دخيلاً لم يعرب منه إلا القليل، لأنه إما مصطلح ، وإما اسم لمخترع، أو دواء أو جهاز.. وعلى رُغم كثرة الدخيل في العصر الحديث لم يعد يمكن الاستغناء عن كثير منه، ناهيك عن معظمه ليس له ندّ في العربية مثل: "فريزر، كمبيوتر، تليفزيون، انترنت، شامبو". وقد تتميز دولة عربية دون أخرى بكثرة نوع المفردات، أو بتخصصها في التعريب من لغة دون أخرى، كالفرنسية في الجزائر وتونس والمغرب ، والإنجليزية في دول الخليج العربي"(6).
دراسة التغيرات الصوتية على الكلمات الدخيلة(7).


ظواهر في تعريب الكلمات الأجنبية :

1 ـ يتم إضافة همزة وصل على الكلمة الدخيلة إذا ابتدأت بساكن فيضاف لها همزة وصل، مثل: أستوديو، أستاذ، إستيك، استامب . وقد يلفظ من غير همزة، كما في:transit.
2 ـ اشتقوا من بعض الألفاظ أفعالاً مثل:تلفنَ، سَوكرَ، فنَّشَ، بنَّدَ. كما استخرجوا منها مصادر مثل: تلفزة، أكسدة، لحاجتهم إلى ذلك
3 ـ أضافوا النسبة العربية على بعض الكلمات، فقالوا : أكاديمي، وأكاديمية)، امبريالي، وامبريالية) دبلوماسي ودبلوماسية.
4 ـ حولوا الباء (المثلثة P ) إلى باء، مثل باكيت: packet العلبة، وباركينج:Parking الموقف بينما لفظوها في بعض الكلمات كما هي مثل pipe الإنجليزية.
5 ـ لفظوا الحرف V باءً، مثل: آفوكاتوا، فقالوا أبو كاتوا، وفيمتو بتمو ، وفيديو بيديو
6 ـ فخموا الدال فلفظوها ضاداً، مثل Moda الإيطالية، فقالوا: موضة
7 ـ فخموا السين فلفظوها صاداً، استصابات stapeوهي مصابيح السيارة الخليفة، وقبرس Cyprusتحولت إلى قبرص.

ولقد وجدنا أن أكثر هذه القياسات والظواهر الصوتية والصرفية قد طبقت في اللهجات العمانية وقد جمعنا بعض هذه الظواهر الصرفية في تعريب الألفاظ الأجنبية في اللهجات العمانية، ، ومن ذلك الأمثلة الآتية:
1 ـ إبدال السين صادا في مثل كلمة صالونه الهندية أصلها "سالنه" وكلمة صلصة أصلها في الايطالية sasla، وكذلك في صالة، وهي من الإيطالية Sala، وفي الفرنسية Salle، وكلمة صالون Salon، تحولت السين اللاتينية إلى صاد في اللهجات الخليجية والعمانية.
2 ـ إبدال الجيم الفارسية Ga إلى شين في العربية مثل جاي أصبحت شاي ، ومنها كلمة (دريجة) من الفارسية وتعني نافذة أو باب صغير، أبدلت فيها الجيم الفارسية إلى شين، عندما عربت الكلمة فأصبحت دريشة، ومنها كلمة جبرة بالفارسية أصبحت تنطق بالشين شبرة.
3 ـ وكذلك جا الفرنسية ch تتحول الى شين، وكل ch في الفرنسية والإنجليزية تتحول إلى شين فمثلا béchamel أصبحت تنطق بشاميل، وكلمة chips الانجليزية وتعني شرائح، تحولت إلى شيبسي، وكلمة سندويج الانجليزية sandwich تنطق في اللهجات الخليجية سندوتش ، وكلمة شوكلاته، التي تعني الحلاوة المصنوعة من الكاكاو. وهي كلمة فرنسية chocolate(3)، وفي الإنكليزية Chocolate تنطق شكولاته.
4 ـ تتبادل التاء الفارسية مع الطاء، فمثلا تازه تنطق طازج في العربية، والطاء في اللغة البلوشية تنقلب إلى تاء في العربية فاسم أخطر ينطق في اللهجة العمانية أختر.
5 ـ تستبدل الدال في اللغة الانجليزية واللغات الأوربية عموما إلى طاء أو ضاد عندما تعرب الكلمة، مثلا salada أصبحت سلطة، وmoda تنطق موضة وليس مودا .
6 ـ تستبدل القاف في ألفاظ اللغة التركية إلى شين أو غين ولذلك لصعوبة نطق القاف التركية في بداية الكلمة: فكلمة قاورما أصبحت تنطق شاورما ، وقوزي : تنطق غوزي، وقد قلبت القاف غينا عندما عربت الكلمة من اللغة التركية، لأن مخارج هذه الأصوات متقاربة.
7 ـ إبدال الراء لاماً في بعض المصطلحات الأجنبية: وخاصة في المصطلحات الأجنبية فيقال لادار بدلاً من رادار (radar) ، وسيارة (land curser) تنطق "كلوزر" بدلاً من كروزر للسيارة المعروفة، ويقال جلص بدلاً من جرس ، وهذا الإبدال موجود أصلا في اللهجات العمانية ويستخدم في الألفاظ العربية وذلك في نحو، إبدال اللام راء: ومن أمثلته يقال يا ريت بدلاً من ياليت ودهريز بدلاً من دهليز ورقط بدلاً من لقط.
8 ـ تتبادل الفاء الأوروبية مع حرف الباء: فمثلا كلمة "فيفاي" للفاكهة الاستوائية المعروفة أصلها "الباباي" أو "البيباي"، ولعل الإبدال قد نتج عن لفظ "البيباي" لمطابقته الصوتية مع الفيفاي، ولأن البيباي كلمة أجنبية فاستبدلوها بها الفيفاي، وهذا الإبدال يسري على بعض الألفاظ الأجنبية أخرى التي تبدأ بحرف الفاء، فيقال بيمتو بدلاً فيمتو و وبيديو بدلاً من فيديو .
9 ـ وكذلك الصوت (جي ) الجيم الفارسية ، فإنه أصبح جزءاً من الحروف ويستخدم بدلاً من كاف K وبلفظ مختلف فمثلا كلمة جرباية، وقد أبدلت الجيم الفارسية بالكاف عندما عربت الكلمة، لتناسب اللسان العربي، فأصبحت كرفاية،وهذا الإبدال موجود في اللهجات الخليجية: مثل سماك تتحول الى سماج وديك إلى ديج وسكين إلى سجين ، وكذاب إلى جذاب، ويستخدم في مثل كلمات أجوف بدلاً من أشوف، ويرجع بعض الدارسين هذا الإبدال بالتأثر باللغة الفارسية.
10 ـ يستبدل صوت الـ Ov، إلى "أور" عندما تعرب الكلمة إلى العربية، فيقال أور تايم ، و أور سلف، بدلً من أوفر تايم.
11 ـ وقد تستبدل عدة أحرف في الكلمة لتناسب النطق العربي، فمثلا درايفر أصبحت دريول: وقد استبدلت بعض الحروف عندما عربت الكلمة للعربية، فتحولت الـ Ve)) إلى (يو) والراء (R) إلى لام وهي قاعدة طبقت على أكثر الكلمات الأجنبية التي فيها تتحول الراء إلى لام، وتحولت كلمة أوفس : إلى "حفيز" : فتحولت "أوف-off" إلى "هف" ثم إلى "حف"، وسي-ice" إلى "يز"، وأصبحت تنطق حفيز.
12 ـ وتستبدل الكاف بالقاف والطاء بالتاء عندما تعرب بعض الكلمات للعربية، مثل كلمة كابتن أصبحت قبطان، وجمعها قباطنة أو كابتنه،
13 ـ تضاف همزة وصل على كل كلمة دخيلة إذا ابتدأت بساكن فيضاف لها همزة وصل مثل: إستاد واستديو واستور.

(1) ـ لعيبي، حاكم مالك، الترادف في اللغة، دار الحرية بغداد، 1980، ص163
(2)ـ انظر كتاب اتجاهات البحث اللغوي الحديث، د. رياض قاسم، نقلا عن مقال التعريب لليازجي منشور بمجلة الضياء. سنة 1900م.
(3) إبراهيم بن مراد، مقدمة لنظرية المعجم، دار الغرب الإسلامي، بيروت ، 1997، ص161.
(4) ـ المصدر السابق، ص162.
(5) ـ المصدر السابق، الصفحة ذاتها.
(6) ـ المصدر السابق، ص137.
(7) ـ الأمثلة منقولة من كتاب التعريب للدكتور محمد التونجي

د. شُـبّر بن شـرف الموسوي

 

أعلى


 

 

نسخ المخطوطات


مصطلحات النسخ:

الورق: يقول القلقشندي في صبح الأعشى: (الورق اسم جنس يقع على القليل والكثير ... وبه سمي الرجل الذي يكتب وراقًا، ويسمى القرطاس والصحيفة والكاغد والطرس ومهرق.
والوراق: اسم يطلق على العاملين في نسخ الكتب وقد يقال لمن يبيع الورق أيضًا، ويطلق عليه أيضًا: الكاغدي أو القراطيسي .
وهنالك آلات كان يستخدمها الوراقون أهمها :-
(القلم ـ المقلمة ـ المحبرة ـ الممسحة لمسح الحبر من رأس القلم ـ المسطرة وهي آلة خشبية مستقيمة لتسطير الخطوط على الأوراق ـ القرطاس أو الكاغد أو الورق ـ المدية وهي السكين لبري القلم ـ الليقة وهي قطعة قماش توضع في دواة الحبر لتنظيم سحب الحبر من الدواة ـ المفرشة لتوضع عليها الأقلام والمحابر).

دوافع النسخ

إن دوافع نسخ المخطوطات واضحة قبل بداية عصر الطباعة والنشر. فكثرة العلماء وطلبة العلم في البلاد الإسلامية أثرت حركة نسخ المخطوطات، لحاجة العلماء وطلاب العلم كل منهم إلى نسخته الخاصة به من كل عنوان كتاب في مختلف الفنون، ومع انتشار حركة التأليف تزداد الحاجة أكثر إلى النسخ .
ومما زاد حركة النسخ انتشار الورق الصيني وورق البردى المصري اللذان يمتازان بخفتهما وسهولة حملهما، بعد أن كان الناس يستعملون الرق والجلد والعظام والرقاع والحجارة للكتابة . ولولا توافر الورق لظل العلم حبيسًا في صدور الرجال .
كانت حركة نسخ المخطوطات قبل عصر الطباعة كان يعد من توابع الحضارة وضخامة الدول، ودليل واضح على كثرة العناية بالعلوم والفنون. ومما يؤكد هذا الكلام ما قاله ابن خلدون عن حال نسخ المخطوطات في بلاد المغرب حيث قال: (ولقد ذهبت هذه الرسوم لهذا العهد جملة بالمغرب وأهله؛ لانقطاع صناعة الخط والضبط والرواية منه بانتقاص عمرانه وبداوة أهله) .
ويمكننا تقسيم دوافع نسخ المخطوطات إلى دوافع دينية وعلمية وتجارية . فأما الدوافع الدينية فتتجلى واضحة في نسخ المصاحف لحاجة المسلمين إليها لقصد العبادة والأجر وحفظ كلام رب العالمين . فلذا اعتنوا بنسخها وزخرفتها وضبطها وتذهيبها وحسن تجليدها وتزويقها ؛ لحرمتها وتعظيمها. وأما الدوافع العلمية فتتجلى في أهمية الكتاب ودوره العظيم في العلم والتعليم، ومنذ بداية تدوين السنة النبوية وطلاب الحديث يضربون بأكباد الإبل للسفر في طلب الحديث النبوي وسماعه بأسانيده العالية ثم تقييدها في الكتب لأنها بمثابة الصيود.
وقد ألف الخطيب البغدادي كتابه (تقييد العلم) لبيان أهمية الكتابة والنسخ وذم من لم يقيد علمه . فلذا ضعفوا رواية وضبط من كان يحدث من حفظه أو من احترقت كتبه فصار يحدث من حفظه كعبد الله بن لهيعة .
وأما الدوافع التجارية فتتجلى في النساخ الذين كانوا يتكسبون من صناعة نسخ المخطوطات وبيعها، فقد كانت تجارة المخطوطات تجارة مربحة، وخصص لهذه المهنة أسواق الوراقين في بعض العواصم الإسلامية قديمًا، ويسمون بالوراقين أو الكتبيين أو سماسرة الكتب أو دلالي الكتب.
وفي بعض الأحيان يفرغ الناسخ من نسخ كتاب وتبقى بعدها أوراق فارغة فيلحقها بكتاب آخر استغلالاً للورق يختاره الناسخ حسب حجم الكتاب وكفاية الأوراق، وقد ينسخ في المجلد الواحد خمسة عناوين أو أكثر .
وفي بعض الأحيان يمل الناسخ من نسخ كتاب فلا يكمله ويبدأ مباشرة بنسخ كتاب آخر، وهذا غالب في الكشاكيل وكراريس طلاب العلم .

إبراهيم بن حسن البلوشي*
* كاتب عماني

 

أعلى


 

تــراثــيات

أتدرون ما أراد


كان أبو العلاء المعرّي يومًا عند الخليفة ببغداد، وكان الخليفة يكره المتنبي ويضع منه، وأبو العلاء يحب المتنبي ويرفع من قدره ويمدحه. فجرى ذكر المتنبي في ذلك المجلس، فذمّه الخليفة. فقال أبو العلاء: لو لم يكن للمتنبي إلا قصيدته التي أوّلها: لك يا منازل في القلوب منازلُ .... لكفاه ذلك. فغضب الخليفة، وقال لمن في المجلس: ‏أتدرون ما أراد هذا الـ (...) من ذكره لهذه القصيدة؟ أراد قول المتنبي فيها:
‏ وإذا أتتكَ مذمّتي من ناقصٍ
فهي الشهادة لي بأنّي كاملُ
وإلاّ فالمتنبي له قصائد أحسن من هذه، وإنما أراد هذا. ثم قال: ‏أخرجوا عني هذا الـ (...) وحين سئل أبو العلاء عن ذلك قال: والله ما أردت إلا هذا!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ

ارْدُدْ عليهما ضياع أبيهما


لما قتل المنصورُ محمدَ بن عيد الله اعترضته امرأة معها صبيان، فقالت: يا أميرَ المؤمنين، أنا امرأةُ محمد بن عبد اللّه، وهذان ابنَاه، أيتَمَهُما سيفك، وأضرَعَهمَا خوفُك، فناشدتك اللَهَ، يا أمير المؤمنين، أن تصَعِّر لهما خدَّك، أوْ ينأى عنهما رِفْدُك؛ ولتَعطِفْك عليهما شَوَابِكُ النسب، وأَوَاصِر الرّحِم، فالتفتَ إلى الربيع، فقال: اَرْدُدْ عليهما ضياع أبيهما، ثم قال: كذا والله أحب أن تكونَ نساءُ بني هاشم.

ــــــــــــــــــــــــ

أنا حِماركَ

كان بعض المُغفلين سائرا وبيده مقّودُ حماره وهو يجره خلفه. فنظره رجلان من الشّطار فقال واحد منهما لصاحبه: أنا آخذُ هذا الحمار من هذا الرجل. فقال له: كيف تأخُذُهُ. فقال له: اتبعني وأنا أريك. فتبعه. فتقدّم ذلك الشّاطر إلى الحمار وفكّ منه المقْود وأعطاه لصاحبه وجعل المقْود في رأسه. ومشى خلف المغفل حتّى علم أنّ صاحبه ذهب بالحمار، ثُمَّ وقف فجرّه المغفل بالمقْود فلم يمش. فالتفت إليه فرأى المقْود في رأس رجل. فقال له: أيّ شيْ أنت. فقال له: أنا حِماركَ ولي حديثٌ عجيب. وهو أنّه كان لي والدةٌ عجوز صالحة جئْت إليها في بعض الأيام وأنا سكران فقالت لي: يا ولدي تُب إلى الله تعالى من هذه المعاصي، فأخذت العصا وضربْتُها بها فدعت عليّ فمسخني الله تعالى حمارًا وأوقعني في يدك. فمكثت عندك هذا الزمان كُلّه فلمّا كان هذا اليوم تذكرتني أُمي وحنّ قلبها عليّ فدعت لي فأعادني الله آدميًّا كما كنت. فقال الرجل: لا حول ولا قوةَ إلا بالله العظيم. بالله عليك يا أخي أن تجعلني في حِلٍّ مما فعلت بك من الرُّكوب وغيره. ثُمّ خلّى سبيله فمضى ورجع صاحب الحمار إلى داره وهو سكرانُ من الهّم والغم، فقالت له زوجته: ما الذي دهاك وأين الحمار. فقال لها: أنت ما عندك خبرٌ بأمر الحمار فأنا أخبركِ به. ثُمّ حكى لها الحكاية. فقالت: يا ويلتنا من الله تعالى كيف مضى لنا هذا الزمان ونحنُ نستخدمُ ابن آدم. ثُمّ تصدقت واستغفرت. وجلس الرجل في الدار مُدّةً من غير شُغل. فقالت له زوجته: إلى متى هذا القعود في البيت من غير شغل أمْض إلى السوق واشتر حمارًا واشتغل عليه. فمضى إلى السوق ووقف ينظر إلى الحمير فإذا هو بحِمارهِ يُبَاع. فلمّا عرفهُ تقدّم إليه ووضع فمه على أُذنه وقال له: ويلك يا مشْؤوم ألعلّك رجعْت إلى السّكرِ وضربْت أمّك. والله لن أشتريك أبدًا.

ـــــــــــــــــ

أيَّ بابٍ أقرعُ

يا من يرى ما في الضمير ويسمعُ
أنت المُعِـدُّ لكلّ ما يتـوقَّـعُ
يا من يُرجَّي للشدائد كلِّها
يا من إليه المشْتَـكَي والمفْزعُ
يا من خزائن رزقه في قول كُنْ
أَمْنُـنْ فإن الخيرَ عندك أجمعُ
ما لي سوى فقري إليك وسيلةٌ
فبالافـتِـقارِ إليـكَ فقري أدْفعُ
ما لي سوى قَرعي لبابك حيلةٌ
فَلَئِن رُدِدْتُ فأيَّ بابٍ أقرعُ
ومَن الذي أدعو وأهتِف باسمه
إن كان فضلُـك عن فقيرِك يُمْنَعُ
حاشا لفضلك أن تُقَنِّطَ عاصياً
الفضلُ أَجْـزلُ والمواهب أوْسَعُ

أبوالقاسم السهيلي


ـــــــــــــــــ


فصاحة الدرهم

أبو العيناء

مَن كان يَمْلِك درهمين تعلَّمت
شَفتاه أنواعَ الكلام فقالا
وتقدَّم الفصحاءُ، فاستمعوا له
ورأيتَه بين الوَرَى مختالا
لولا دراهمُه التي في كيسه
لرأيتَه شرَّ البرية حالا
إن الغَنِي إذا تكلم كاذِبًا
قالوا: صَدقتَ، وما نَطَقتَ مُحالا
وإذا الفقيرُ أصاب قالوا: لم يُصِب
وكذبتَ يا هذا، وقُلتَ ضلالا
إن الدراهمَ في المواطنِ كلِّها
تكسو الرجالَ مهابةً وجلالا
فهي اللسان لمن أراد فصاحةً
وهي السلاحُ لمن أراد قتالا

ـــــــــــــــــ


لعلّهـا مَـعْـذُورة


إنَ التي زَعَمَتْ فؤادَك مَـلَّـهـا
خلِقَتْ هواك كما خُلِقْتَ هَوًى لها
فيك الذي زعمَتْ بها، وَكِلاَكُمَـا
أبْدى لِصَاحِبه الصبَّابَةَ كُـلَّـهـا
ولَعَمْرُها لو كان حبُك فَـوقَـهـا
يومًا وقد ضَحِيَتْ إذَنْ لأظَلَّـهَـا
فإذا وجَدْت لها وَسَاوِسَ سَـلـوَة
شَفَع الضميرُ إلى الفؤاد فَسَلَّهـا
بيضاء بَاكَرَها النَّعيمُ فصَاغَـهـا
بِلَبَـاقةٍ فَـأَدَقَّـهَـا وَأجـلَـهـا
لَمَّا عرَضْتُ مُسَلَماً، لِيَ حاجة
أخْشَى صُعُوبتها، وأرجُو ذُلّها
مَنَعَتْ تَحيَّتَها فَقُلتُ لصاحبـي:
ما كانَ أكْثرَها لنَا وأقـلَّـهـا
فَدنا وقال: لعلّهـا مَـعْـذُورة
في بعضِ رِقْبتِها، فقلت: لَعلَّها


عروة بن أذينة


ـــــــــــــــــ


هل عندك دواء؟

دخل أبو علقمة النحوي على أعين الطبيب، فقال: امتع الله بك، إني أكلت من لحوم هذه الجوازم فطسئت طسأة فأصابني وجع من الوالبة إلى ذات العنق، فلم يزل يربو وينمو حتى خالط الحلب والشراسيف فهل عندك دواء? قال: نعم خذ حرقفًا وسلقفًا وسرقفًا فزهزقه وزقزقه واغسله بماء روث واشربه، فقال أبو علقمة: لم أفهم عنك هذا، فقال: أفهمتك كما أفهمتني.
ـــــــــــــــــــــــــــ

وجب الحدّ عليه

قال ابن العربي:كان عندنا في بلدنا بإشبيلية رجلٌ يبيع الخبز اسمه جمعة، وكان أطراف الناس يتحاكمون إليه، وجاء إليه رجلان يومًا، فقال أحدهما:‏ ‏يا جمعة، إن هذا الرجل زنى بامرأتي، فقال:‏‏ ومن أين علمتَ ذلك؟‏ ‏قال:‏‏ يزعم أنه رأى امرأتي في منامه فنكحها، قال جمعة للخصم:‏ ‏ كذلك كان؟ ‏ فقال الخصم: نعم،‏‏ فقال جمعة:‏‏ وجب الحدّ عليه، اذهبوا به إلى الشمس، فإذا امتدّ ظلُّه في الأرض فاجلدوا ظلَّه مائة جلدة!!.


 

أعلى


 

الأدب الشعبي


يـشـتـاق ؟؟

غريب هذا الصبح لـيـن أسـفرْ على مشرافه
ملامحه يا صاح من غربة غريبْ إحساس
من رجفة القنديل , يـتـثـاقـل عـناه وعافه
رواق ذاك البيت في جوفه تقصّى الباس
أجراس هـ الأقدام تــتــّعثر وتنسى أطيافه
حتى السَـنا المهجور يـتـلهّف على الأنفاس
عـقـلتْ هذي الريح ما تهدا ,, تـمـر شغافه
جذبتْ حـسْ الليل و البـّحة تــلـمْ اليـاس
يـشتـاق ؟ فاض الصمت يوم إني عصيت جفافه
لـ السالفه , والتيه ,, يـتوغل ثرى العـسّاس
يـشتـاق ؟ يمكن في هوى بالي , دلـقـتْ مسافه
أزمانها اللي تـثـمل طعوني, وهي تـنهاس
كـلي ضجرْ يـتـشـرد بـ درب ٍيـجـّر أعطافه
أتخـّيــل , شلون العذر يرشفْ نوايا الناس !!
يـشتـاق ؟و ظلال اللوامع ذي فضاه لحافه
لا صارت أسراب النوى ترحل مع الهوجاس
يضيق ذرع الشوق في صدره يا مـرْ قـطافه
هـالوحشه اللي تطوي اللحظة, سـَكنـْها يـبـاس
أجسْ نبض الغيم ,, و اترقــّب عطايا إنصافه
إما نصفـني الجرح و إلا ذا العنا الرجــّاس
جـمعتْ من تـنهيدة غياب ٍ ,, خـَضارْ أطرافه
في ناظري هـ الغيم , ما يوم ٍ رثى الأطعاس
أدركت ,, هذي الريح تـسـتـنهـض رمال عجافه
و يا كثر ما تـسـتـنهـض عجافه على القرطاس

هجير


ـــــــــــــــــ


وطن اسمي

يا وطن مزروع أسمي بين أسياجك نخيل
من فسيله لين صار اليوم يطعن بك سحاب
يا وطن منقوش رسمي بين فيَك والظليل
صورةٍ هدت تذاكر في مطارات الغياب
يا وطن ينصاع متني في وجه نايك ذليل
تنكسر عيني وأخفض لك جناحين وحراب
سافرت كلي إلى أقصاك أبليا دليل
جيت لك من صوت عبدالله وتماضر انسكاب
كل يومٍ اتصفح وجهك الآخر رحيل
شب حبرك ع سطوري لين أورقني كتاب
ما وقف بين احتراقي واحتراقك سور ليل
لو وقف كان احترقت وما قويت الانتصاب
ماطرٍ غيمك ،خضارة تربتي فلٍ وهيل
أجودي طبعك | مزاجك رايقٍ | فصلك رباب
سقت غيمي لين حتفه لجل ترقى بي سهيل
كيف ما شيلك صلاةٍ جلها أجر وثواب
أنفرادك يا صقر عن باقي السرب الجميل
انفرادك في تقاسيم الوتر حد النصاب
يا بحر أشفيك مالح مالها أمواجك تميل
قال قوموا أسألوا الصياد تلقون الجواب
يا وطن مزروع أسمي بين أسياجك نخيل
من فسيله لين صار اليوم يدمي بك سحاب

غابش بن عبيد البوسعيدي

ـــــــــــــــــ


عــشْر سنين

أمشط شعر أحلامي وشباك الحلم أحزان
وقلبي صار محراب الأسى والليل يرثيني
حبيبي والعطش ناموا / في قلبي كنهم أخوان
وانا من هالظمأ صليت ربي منه يعفيني
تعب واتنفسه وادري بأني كنت انا الغلطان
تعب يمتد من اقصى الهدوء ويكسر سنيني
وعشر سنين يالدنيا وانا في عالمي انسان
حملته لين ما صارت ضلوعه ساكنه فيني
وكان ينام في هذا الوريد ويسكن الشريان
وقلت انه ابد ماعاد دونه شي بـ يعنيني
ومرت هالعشر كني انا المسجون والسجان
وكن الأرض ما جابت سواه انسان في عيني
وكن الوقت من دونه بلاد وما بها سكان
وكن الريح لا نامت هواه يمسد جبيني
وعشر سنين ما نامت عيوني عاكفٍ سهران
وربي بس لولا الكفر / قلت انه مثل ديني
وراحت هالعشر بالحب داخل عالم النسيان
وانا من هالعشر أضرب يسار يديني بيميني
سألتك يالزمن مره معاني الهم والأحزان
وقلت ان الحزن ممنوع يدخل بينه وبيني
صغيره حيل يالدنيا وانا مازلت بك إنسان
وانا والله يالدنيا كرهتك يوم شلتيني

عبدالله البطاشي

ـــــــــــــــــ

سداسيات !!

في البال له عشرين صورة وصـورة
هو ما استحى ولا تعب من عذابي ؟!
اللي تذكـر غيبتـي فـي حضـوره
ما يجهل إني حاضر فـي غيابـي !!
طفلٍ كسرني، قلت: "باكسر غـروره"
مدري من اللي قال: "خلّك شبابـي" !
ما هو ضروري، بس عند الضرورة :
أحاول أدفـن فـي الحنايـا عتابـي
حي المربع .. كـل الأيـام كـورة :
من العريجا .. للشفا .. للروابـي ..!
دوري هنـا .. وهنـاك دورك ودوره
طيش العمر: شلة وملعـب ترابـي !
***
نيّـة بيـاضٍ تعتقـه مـن وثاقـه
النورس اللي نتّـف الوقـت ريشـه
قلت: الثقة ، قال: الثقـة والصداقـة
فتـرة تحددهـا ظـروف المعيشـة
في تعتعة الأفكـار نصـف الطلاقـة
بـلحظة جنون يمرر العقـل طيشـه
أحيان أنـام ويفتـح الحلـم طاقـة
وأقـوم والواقـع يسكّـر دريـشـة
متعلقٍ في شخص مـا لـه علاقـة
وأعيش نفس الواقع اللـي يعيشـه
ولاّ لقـا لـه نـاس تقْطـر أناقـة
وحطوا على راسه من الكبر ريشة ؟!
***
مغروس فيني كـلامٍ قادنـي للذبـول
يا ليت فيني شجاعة غارسه وأقلعـه
ما كنه إلا السؤال اللي يثير الفضـول
لا جاك غامض وكل الأجوبـة مقنعـة
أصعب قناعاتنا بأسهل طريقة تـزول
وكل الطرق عاجزة لا تكشف الأقنعـة
أيام عمري سنابل، والتجارب حقـول
وأحلام قلبي طحين، وواقعي جعجعـة
إن شفتني في شحوبٍ يكتسي بالنحول
فالضيق محصور ما بين الفرج والسعة
مرت سنة من حياتي كنها والفصـول
زنزانةٍ ميّلـت جدرانهـا الأربعـة !!

محمد الأسمري

ـــــــــــــــــ


عذاب السالفة

مادري وراي ليا نويـت انسـى عـذاب السالفـه
أسترجع الذكـرى واعانـي سالفَتنـا مـن جديـد
اللـي غريـب ومستحيـل حتـى العـدا متحالفـه
ضدّي وهمّي كل عام يطوف .. في بعـدك شديـد
تجمّعـت ضـدّي سـوا.. رغـم انّهـا متخالـفـه
ذكراك والنسيان .. صارو مثـل دمّـي بالوريـد
إنتِ بوضعي والظـروف اللـي نَحَتنـي عارفـه
ذيك الظروف اللي طوَت صفحـة هوانـا ماتعيـد
عانيـت واجـد وادري انِّـك يالجميـلـه آسـفَـه
وماودّي اكتب قصّتي واجرح شعـورِك بالقصيـد
من ويـن مـا لِـدّ النظـر عينـي تَـرَدّد خايفّـه
لاتشوف ذكرى للمكـان تصيـر للضّيقـه بِرِيـد
ياكثر حِزني لانِظَـرت الأرض خَضـرا وارفَـه
وشِفت المكان اللـي تعوّدنـا نـزوره كـل عيـد
بعض الحزون اللـي ترَاوِدنـي سبَبهـا العاصفَـه
لا صَاحَت رياح الشمال تَصرَخ يعانِدهـا الجِرِيـد
أحزَن إذا شِفـت الغصـون مـن الهَبَايـب هايفَـه
لا هَبّت البحري وهي ماهي عـن الشّاطـي بِعِيـد
اذكُـرك لاهَـبّ الهـوى وإنتـي أمامـي واقفَـه
واشرَق سَنا الوَجه الصّبوح وأدبَر دِجى الشَّعر العَنيد
أستانـس الوِحـدَه واناظِـر صـورةٍ لّـك تالفَـه
مِثـل العـلاج اللـي يسكَـن للجـروح ومايفـيـد
تحصيل حاصل وِدّي انسـى والظّـروف مزالفَـه
والواقـع إنّـا كلّنـا مـاواحـد فبـعـده سعـيـد
ياويلهـم مـن ظُلمنـا ياويـل ذِيــك الطّايـفَـه
لَصَـار ربٍّ لَمّـنَـا مـاهـو بـظـلاّم العَبـيـد
وِش نِحتِـري يـاذا الوِليـف اللـي فِقَـد لِموالِفَـه
الحـلَ الامثَـل نِجتمِـع ونجـدّد الحـبّ المجـيـد
إمّـا تَعالـي واقتِلـي بالقـرب ذِيــك السالـفـه
والاّ تِعيـش السالفَـه والمـوت قربـه يِستِـزيـد

صالح السناني

 

أعلى


 

الكف الكريمة
"لا خفاء في حضورك ولا غيب، إنها كفك"

( 48 )

الكف الكريمة
هي أن تدفعك امرأة جميلة
لمقابلتها على سطح ناطحة سحب
ثم تغريك بالتحليق معها
فوق بحيرة مليئة بفقاعات الصابون

( 49 )

هي أن تنسحب من قيعان نفسك
مرتفعًا صوب شفتين
يقطر العسل منهما
وعينين لا تحملان من النوايا
سوى ترقبك

( 50 )

هي مَنْ تمسك بالناي
ثم تخرجك من مكمنك
كثعبان.

( 51 )

تلك المباركة الطيبة النبيلة الرحبة المعطاءة
مَنْ تستفرد بك لتخرجك من نفسك
مَنْ تسافر معك وتجلس بجانبك
مَنْ تهمس لك بشيء ليصبح الطريق بهيجًا
وتصير السماء شاعرية
والبحر ثوبًا حريريًا
وقطع السحب أعلى رأسيكما
حروفًا موسيقية
هي مَنْ تقول لك كن بشرًا
فتتجمع جزيئاتك من كل الجهات.

( 52 )

هي الحليمة
التي تغفر بلا منّة
تلك التي تقدم الكأس
وعلى حافته قطعة من برتقال
نقَشَت على قشرتها حرفين وقلب

( 53 )

مَنْ تضمك ثم تضمك ثم تضمك
حتى تختفي بين ثناياها كبخورٍ بلديٍ عَبِقٍ

( 54 )
التي تأخذك للرقص
لتنسى عمامتك أيها الوليّ الصالح
تسقط أرضًا
فترقص بدورها تحت الأقدام.

زهران القاسمي*


 

أعلى


 

لغويات
الإعراب (2)

ظاهرة الإعراب موجودة في العصر الجاهلي شعرا ونثرا، وقد وجدت إشارات في كتب النحو تشير إلى التزام خاص بالإعراب في مستوى اللهجات أيضا، ومما يؤيد ذلك ما عرف عن النحاة واللغويين العرب أنهم كانوا يختلفون إلى عرب البادية ليدرسوا لغتهم، كما كانوا يحتجون حتى منتصف القرن الثاني الهجري بكلام من في الحواضر من العرب ، ومن يفد عليها من البداة، ومن ذلك ما ورد في إنباه الرواة ، (2/258) وتاريخ بغداد ( 11/408) عن الخليل بن أحمد الفراهيدي من أنه قد أخذ علمه باللغة من بوادي الحجاز وتهامة ونجد ، وأن الكسائي قد انطلق بعد أن عرف ذلك إلى البادية فأنفذ خمس عشرة قنينة في الكتابة سوى ماحفظ "
ويظهر خضوع اللهجات للإعراب في العصر الجاهلي، ما نلمح من إشارات يبرز فيها ما يشير إلى تأثير الصيغ المتجاورة وعلاقاتها لا يخضع لنفس النظام التي تخضع له الفصحى فـ (متى) و(لعلّ) تجرّان ما بعدهما الأولى في لهجة هذيل، والثانية في لهجة عقيل، فهما حرفا جرّ في هاتين اللهجتين على حين لا يعملان الجرّ في اللغة الفصيحة، و( أنّ) المصدرية تجزم المضارع في لهجة بني صباح من ضبة، وهي في الفصحى تنصب . و(لم) تنصب المضارع في لهجة حكاها اللحياني، وهي تجزمه في اللغة الفصحى.
ومن الطبعي ما دامت ظاهرة الإعراب قديمة جدا في اللغة العربية أن يكون الخطأ فيها بدوره قديما فيها أيضا، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : أنا من قريش ونشأت في بني سعد ، فأنى لي اللحن " وأبو بكر ـ رضي الله عنه ـ لأن أقرأ فأسقط أحب إلىّ من أن أقرأ فألحن " ويقول عبدالملك بن مروان : اللحن هجنة على الشريف "
ومن أمثلة الخطأ في الإعراب قول رجل للحسن البصري: ما تقول في رجل مات فترك أبيه وأخيه؟ فقال الحسن مصححا : ترك أباه وأخاه، فقال الرجل ما لأباه وأخاه ؟ فقال الحسن ما لأبيه وأخيه ؟ فقال الرجل غاضبا إني أراك كلّما طاوعتك تخالفني .
ومنها قول رجل دخل على زياد بن أبيه : إن أبونا مات وإن أخينا وثب على مال أبانا فأكله .
ومن هذه الحقائق يمكن الخروج والتسليم بنتيجة مهمة، وهي أن الخطأ في الإعراب كان قديما، وأن الإحساس بخطره قديم أيضا ، فليست اللغة مجرد أداة من أدوات الاتصال الاجتماعي ، بل هي فوق ذلك وأكبر منه إنها لغة النص المقدس، ومحور العقيدة الجديدة كلها .
والخطأ في الإعراب وفي الصيغ وغيرها دفع علماء الأمة إلى تناول هذه اللغة وظواهرها بالتقعيد حتى يمكن نشرها في أنحاء الدولة المترامية الأطراف، وبما فيها من تنوع عرقي فلم يعد العرب فقط هم من يمثِّل أجناس الدولة الإسلامية بل دخل فيها أجناس من الأعاجم، وقد أثََّر اختلاط العرب بهؤلاء الأعاجم في لغتهم، فكان لا بد من الاضطلاع بمهمة التناول الموضوعي للغة بكل ما يقدِّمه من ضوابط وقيود.
وهكذا كان تناول ظاهرة الإعراب بالدرس فاتحة الدراسات النحوية.


د.سالم البلوشي

 

أعلى


 

مــدائــح طفولية (13)

تـشـرّبي الفـرح الخالد، أيتها الأقلام، كي لا تكون سعادتك مجّانية، وغبطتـك فكرة عابرة..

تـصير الأقلامُ أصحابَها، تتحوّل الأقلام هـويـّات وبطاقات شخصية، تنغرس كينونة..


اكتبي أيتها الأقلام صباحاتـنا وأشواقـنا...اكـتـبي، بما أوتيتِ من قـوة وشفافية، فخرَ حضورنا في هذا العالـم..اكتبي، أيتها الأقلام، جراحنا وآلامنا، مـباهجنا ومـسـراتنا..
تذكَّري، أيتها الأقلام، أنّنا من لحم ودمّ، مـن حشاشاتٍ ومشاعر، مـن مـخـيـلة تقتفي الجمال، فاقذفي خَطوكِ الرشيق بمحبتنا وبأسرارنا وبأمجادنا العالية..تشبثي أيتها الأقلام بالصادق الذي فينا، بالجميل المنتشر في أرضنا، بالعزيز الذي لا يـمتـهن، بالكريم اللائق بعفَّة أرواحنا...
اسعفينا بأجسامك النحيلة كي نقوم جـليين كالنَّهار، مستبسلين في أخذ الحياة كالشمس المثابرة..
كوني لنا، أيتها الأقلام، مـدرجًا نهبط عليه بحدقاتنا، مهبطًا نهبط عليه بخيالاتنا..كوني، أيتها الأقدام، مصابيح تتوالـد فيها أفكارنا النـيّـرة، تشتـبك فيها سُـوَرُ النـور والجمال والفضائل العارية...

*****
بوركتِ أيتها الأقلام السّاعية إلى الكتابة، منذ فجر الإنسان المـبصر الواعي، الذي اكتشف حضارته في الحبر والسـطر والمداد، في النقش والرّقش والحفـر والسـِجلّ..
بوركتِ أيتها الأقلام، التي تعلقت بالحـجر والشـجر، بالرقوق والجلود، بالريش والطيور، بالبـردي وبالأوراق الصقيلة الأخرى...
بوركتِ، أيتها الأقلام، الطالعة قـصَـبًا وريشًا مغموسًا في المحابر، ووَجْدًا وشوقًا مضمومًا في الاسطوانات الخشبية والبلاستيكيّة والمـعدنيّة.. لكي تبدأ مسيرة الإنسان مكتوبة ومـأرشفـة، مسـجّلة ومـؤرّخـة، مـودعـة بينَ دفـتـي كتاب أو على رفّ مكتبة أمينة على الوعي والكشف والمـخـيـلة والبصائر، مقروءة ومشروحة ومفسّرة ومأوّلة...
بوركتِ أيتها الأقلام، وبوركت الأرواح النـهمة المـتـعطشـة للتشبــث بك، والصعود بك، والاندياح بكِ، والبوح بطريقـتك وبممشاك الورقيّ..
سقيًا لك أيتها الأقلام، لما أنجزْتـه في رحلاتك الوثيرة الشـيـقة، سقيًا لأعوانك وأنصارك البررة الذين احترموا معدنك الأصيل وظلال كلماتك المتفتحة كرؤيا وعين لا تصدأ ولا تتكلّس...مجدًا، أيتها الأقلام، لما انهمكتِ به مـن الأفكار والرؤى، مـن القصائد والقلائد، مـن القصص والسِّـيَر، مـن التأريخ والأرشيف، من التبصر والقراءة المتمعنة..
خلودًا أيتها الأقلام، في الشوق والتوق بصباح تحفّه الشموس النبيلة، وبليل حلميّ تحرسه الأقمار الوليدة..

*****

ينتصـر القـلـم للقلب، لأنّ القلب موقد الكتابة وفـنار سفينـتها المجيد.. وهـناك، هناك: تحترق الفكرة السطحية لِتصبح فذة وجوهريّة وشجاعة...
ينتصر القلم للعقل، لأنّ العقل رداء الإنسان الذاهب إلى التعبّد في محراب المنطق، ومكمن الإرادة الصلدة في أن يعيش الإنسان وثابًا ومنتصرًا ومتحكمًا في السّاحة والميدان، في البرية والغابة، في البر والبحر، في الهواء والفضاء..
ينتصر القلم للغة، لأنه يتحرك بها، ويتحرّق بأشواقها، ويتلظّى في لهبها، ويمضي واثقًا أو مترددًا على زاوية من زواياها العديدة، وعلى ركن من أركانها القـصية..
يزدهي القلم ويفخر بأصابع صاحبه وبقلب صاحبه وبعقل صاحبه، كما الأحصنة التي تزجي الامتـنانَ لفرسانها، وكما الأشرعة التي تـزجي المديح للسفائن والريح الرُخاء..
ينتـقل وجدان الكاتب إلى وجدان القـلم، تتحرك عدوى الاستبصار والقراءة والالتفات والتـحمس والتيقظ والشحذ: من عين الكاتب إلى عين القلم، من روح الكائن الحيّ إلى روح الكائن الجامد، الذي يصبح، بدوره، حيًّا وناطقًا وحفَّار أفكار...
تصير الأقلامُ أصحابَها، تتحوّل الأقلام هويّات وبطاقات شخصية، تنغرس كينونة..

*****

انشغلي أيتها الأقلام بكراريسك اللازورديّة، وانفتحي على السطور القادمة الظافرة بالتجدّد واستسقاء المعنى..
تدثّري باللوعة أيتها الأقلام لكي تكتبي الحزن الصافي الذي يميز الكائنات في الابتذال والتسطيح، وفي السموّ والارتفاع والتحليق..تشربي الفرح الخالد، أيتها الأقلام، كي لا تكون سعادتك مجّانية، وغبطتك فكرة عابرة..
انتشي، أيتها الأقلام، برُواء دواخلنا، وبشفافية ذواتنا، وبعصارة تـجاربنا...تسلـحي أيتها الأقلام بالدموع كقوّة، وبالابتسامة كنداء عذب...واحملينا، احملينا أيتها الأقلام، في بنات أفكارك، في ثغورك الناطقة بالوحي والإلهام إلى ما يخلصنا من محاقات الرؤية، وما يتجاوز بحدودنا الضيقة إلى براري الخيال والفكر الشاسعة...

*****

قلمًا إثر قلم، وفكرة إثر أخرى، وخيالاً أمام خيال: هكذا انكتب العالم... وبتلك الأقلام، كان سيتحقق الخير والعدل والجمال، لولا الحماقات التي أسقطت الينابيع، لولا الشطط الأهوج الذي أهدر بنيانات الروح، لولا الموت الذي تخابث في الكائن الشائخ..
وبالأقلام التي خلدت عبقرية الكائن، وعبقرية الفكرة، وعبقرية المخيلة: صارت أزماننا منغرسة في قلب السؤال، في فتنة الممشى، في رقة الوجود..
سلامًا لأوئك الذين حملوا أقلامهم في الزوابع والعواصف، سلامًا للشاعر والفيلسوف، سلامًا للضمير الحيّ اليقظ، سلامًا للوازع التي حرّك تلك الأقلام في الحنادس المظلمة، كي تحبل الحياة بفجر نـقـي وبشمس عادلة...
سلامًا أيتها الأقلام المضوِّئة، التي أصبحت منارات خالدة للبشرية في عـتماتها الموحشة..

صالح العامري*
* شاعر عماني


 

أعلى


 

 

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept