|

مبتدأ
في مثل هذا الوقت
من كل عام، وأقصد بذلك شهر رمضان المبارك، يثور الحديث مجددا عن هموم
الدراما العمانية وقضاياها، ويكثر النقد، وتتعدد المقولات والآراء.
إلا أن الحديث عن الدراما العمانية في هذا العام يأخذ وجها آخر من
الأهمية، إذ إن ذلك يأتي بعد عام من إنشاء اللجنة العليا لتطوير الدراما
والمسرح في السلطنة.
ومما لا شك فيه أن الحديث لا يزال مبكرا جدا عن النتائج، أو ماذا قدمت
اللجنة للدراما أو المسرح، لأن الأمر يتطلب الكثير من الدراسات والمسوحات
والنقاشات، للوقوف على أهم معوقات العمل المسرحي والدرامي لدينا، ومن
ثم افتراض الحلول العملية لها، والتي تتطلب هي بدورها مراحل أخرى للتنفيذ
والتطبيق على أرض الواقع. أي أننا علينا التحلي بالصبر والأناة حتى
نلمس النتائج في أعمالنا الدرامية. وحتى ذلك الوقت سنظل نتخبط بين
خطوة إلى الأمام وعشر خطوات إلى الخلف.
في هذا العدد من أشرعة يقدم الكاتب عبدالله خميس رؤية لخلاصة ملاحظاته
حول هموم الدراما التليفزيونية العمانية، بناء على آخر ما أنتجته هذه
الدراما في الموسم الحالي. ويعقد عبدالله خميس مقارنة بين الدراما
العمانية ونظيراتها الخليجية، ويخلص في هذا السياق إلى نتيجة مفادها
أنه قد لا تكون المقارنة مع الدراما التي تنتجها البلدان العربية ضرورية
ليدرك المرء أن الدراما العمانية تراوح مكانها منذ سنوات عديدة. ويشير
الكاتب إلى أن ما تحتاج إليه الدراما التليفزيونية العمانية لتتطور،
أولا وقبل كل شيء، هو معرفة مكامن العيوب فيها والاعتراف بها. ويشير
عبدالله خميس إلى عدة معوقات تكابدها الدراما العمانية تشمل العديد
من مفردات العمل الدرامي، مثل النص والتمثيل والإخراج والجودة الإنتاجية،
وغير ذلك من الأمور التي ما زالت تعيق الحراك الدرامي في بلدنا.
وفي الشأن الرمضاني يكتب الدكتور وليد أحمد السيد عن رمضان والعيد
"أيام زمان"، فيما يتضمن العدد أيضا حوارا مع التشكيلي السوري
نذير نبعة. كما يحفل العدد بالكثير من المواضيع والأسماء المميزة.
المحرر
أعلى
يستمر حتى "25" سبتمبر الجاري
"تكوينات" سلمان الحجري "المعاصرة" في دبي
كتب ـ سالم الرحبي:
أكثر من ثلاثين عملاً فنياً يعرضها التشكيلي سلمان الحجري في قاعة
عرض (مسرح دبي الاجتماعي ومركز الفنون) بإمارة دبي حتى 25 من سبتمبر
الجاري.
المعرض هو "الشخصي" الثاني لسلمان الحجري وجميع الأعمال
تدور في فلك التصميم الجرافيكي والحروفيات منفذة بتقنيات جديدة وبأسلوب
عصري وطرح مختلف يلعب فيها الفنان على ثيمة التجريب ويوظفها في أعماله
على "الحرف العربي" مسلتهماً ومستنبطاً أشكالاً مبتكرة يفرشها
على بساط العرض للمتلقي.
وقد عبر سلمان الحجري عن سعادته بالإقبال الكبير الذي يحظى به المعرض
خصوصاً من الزوار غير العرب، والذين يشدهم "الحرف العربي"
بشكل كبير.. تستوقفهم الأعمال المقدمة، ويبدون اعجابهم بالطريقة المبتكرة
والجديدة التي يقدمها في المعرض.
وعن سحر الحرف العربي الذي يأسر الفنان في معرضه الذي يحمل عنوان "تكوينات
حروفية معاصرة" يقول سلمان: أقدم في المعرض مجموعة من أعمالي
المعاصرة في التصميم الجرافيكي والتي تبرز الخط العربي كثيمه أساسية.
وقد جاء إلهام هذا المعرض من السحر اللا متناهي لجمال هذا الخط والذي
يمثل لي أيقونة روحية أتواصل بها مع ذاتي أولا وأؤكد بها هويتي للآخر
ثانيا، وذلك لما يملكه الحرف العربي من إمكانات متعددة للتحوير والتغيير
فهو قابل للتدوير والتمديد والإزاحة والإطالة وغيرها من الطرق التي
تلهم الفنان تكوينات جديدة تنتج عن إعادة تنظيم الحروف في حيز هندسي
بنائي جميل.
وعن ما تتطلبه مثل هذه الأعمال قال: تتطلب دراية بقواعد التصميم والتركيب
الجمالي كالتوازن والتناغم بين الأشكال وكذلك الهارمني اللوني، وتتطلب
أيضا عدم الإخلال بجمال النسب التي تشكل الحرف.
وفي معرض اجابته عمّا وجده من خلال هذه التجربة، يقول: وجدت أن هناك
الكثير من المداخل والطرق التي يستطيع فيها الفنان العربي سبر أعماق
جماليات الخط العربي والحصول على لغة تشكيلية جديدة يستطيع بها أن
يخاطب الاخر بلغة بصرية جزلة لها عمقها التاريخي، وإحدى هذه الطرق
هي الاستفادة من استخدام تقنية (الفيكتور) وهي خطوط ومنحنيات معرفة
داخل الحاسب ككائنات رياضية تسمى بالخطوط المتجهة وميزتها الوضوح وإمكانية
التحوير والتعديل بدون الإخلال بجودة العمل ما يساعد على إنتاج أعمال
جرافيكية عالية الجودة يمكن طباعتها بأحجام كبيرة.
وعن الفكرة التي يسعى الى تأكيدها في معرضه يقول سلمان: هذا المعرض
هو محاولة مني لتأكيد فكرة أن الفنان لا بد له من الولوج الى عالم
التقنية واستخدم كل الوسائل المعاصرة للوصول إلى حلول تشكيلية جديدة
تعطي سمة المعاصرة والحداثة للأعمال المنتجة. فالقول بأن هذا النوع
من الفن ناقص لكونه يعتمد على الاجهزة الحديثة والتقنيات المعاصرة
هو ادعاء تنقصه الدقة وسهل تفنيده، وذلك لأن الحاسب الآلي لا يعطي
أكثر مما يستلم من الفنان نفسه، بمعنى اخر كلما كانت المدخلات من الفنان
جيدة كلما أدى ذلك إلى إظهار هذه المدخلات بصورة جيدة. ما يدل على
أن الحاسب الآلي مجرد أداة لا يستطيع ان ينتج أي تكوين جيد بدون تدخل
الفنان.
وأخيرا ومن خلال هذا المعرض أتمنى أن أكون قد وفقت في تقديم جزء ولو
بسيط من جماليات الخط العربي بروح معاصرة وبحلول تكوينة جيدة. واستطعت
أن أشجع كل التشكيليين والمصممين العرب على التجريب في هذا الحقل الثري
الذي يحتاج المزيد من البحث والدراسة.
يذكر أن هذا المعرض هو المعرض الشخصي الثاني لسلمان الحجري وينظمه
(مسرح دبي الاجتماعي ومركز الفنون) بإمارة دبي وقد تلقى الفنان الدعوة
لاستضافة أعماله الجديدة، لمدة شهر كامل، وقد لبى الدعوة وتم افتتاح
المعرض ابتداء من 25 اغسطس الماضي على ان يستمر حتى 25 سبتمبر الجاري.
أعلى
يبحث عن الروح الكامنة وراء الأشكال
التشكيلي السوري نذير نبعة لـ(أشرعة): كأن يدي مخلوق يتصرف بإرادة
منفصلة
دمشق ـ من وحيد تاجا:
يعتبر الفنان التشكيلي نذير نبعة (71 عاما) أحد أهم الوجوه في الحركة
التشكيلية السورية بل والعربية أيضا. وهو كما يقول الناقد التشكيلي
د. كمال حسين: " في جلَّ تاريخه الفني سيطر عليه نزوع إلى التفرد
والإبهار، رجل يظهر حبه للفخامة والغوص في لجج المجازات والرموز التي
في خيال الناس، حكايات الشرق وأساطيره وألغازه، لدرجة أخاله معها رجلاً
يعيش حلماً لا ينتهي بين ليلة وضحاها .
منذ المعرض الأول الذي نظمه نذير نبعة عام 1965 بعد عودته من الدراسة
في القاهرة لفت الأنظار إلى أهمية الإنسان عنده كمحور أساسي فني متميز
يملك اللغة الفنية القادرة على التعبير عما يريد وذلك عبر المراحل
المختلفة التي مرت بها تجربته. على تنوع قدراته الفنية والتعبيرية
وعلى غنى ما قدمه عبر سيرته الفنية. حتى استقرت تجربته لما يزيد على
الربع قرن على أسلوب خاص، يمكن وصفه بأنه واقعية مبسطة ومعبرة .
ولكن ها هو بعد أكثر من 27 عاما على إقامة آخر معرض فردي له، يعود
إلينا في معرضه الجديد " تجليات " الذي افتتح الأسبوع الماضي
في غاليري " تجليات " في قلب العاصمة السورية، مفاجئا جمهوره
بانتقاله من الواقعية التي عرف بها إلى التجريد حيث يستلهم من الصخور
في أعالي جبال اللاذقية لوحات أقل ما يقال عنها مدهشة، مستخدماً الإكريليك
في علاقات لونية لا متناهية زاخرة بتوازنات الحار والبارد والأبيض
والأسود مفعلاً هذه المرة موضوعه تاركاً " للمتلقي أن يرى موضوعه
في فضاء اللوحة " ،وكأنه يريد أن يشرك الجمهور الذي لا وجود للوحة
بدونه في عملية التشكيل الفني للوحته باعتباره الطرف الآخر في وجودها.
وقد سبق للفنان أن أقام 7 معارض فردية، وشارك
في معارض ما بين 1964 ـ 2009 في كل من حلب، القاهرة، باريس، مدريد،
بوليانا (إيطاليا) سان باولو، موسكو، طوكيو، لايبزغ، براتسلافا. وحاز
على العديد من الجوائز منها: وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة،
وجائزة لجنة التحكيم في بينالي القاهرة الدولي. نذير نبعة في هذا
الحوار يفتح قلبه ويتحدث لـ(أشرعة)...
* بداية ماذا تقول عن معرضك (المفاجأة) ؟
** لم ابتعد يوماً عن الطبيعة، وفي كل لوحاتي
السابقة كان إحساسي قوياً بها، وفي معرضي الأخير استلهمت لوحاتي من
الجروف الصخرية الغنية بإيحاءاتها بفعل تأثير الزمن والأمطار والرياح
والشمس على هذه السطوح، ولقد دهشت بشفافية ألوانها والأشكال المتكونة
بفعل تتابع الغائر والنافر والأنوار والظلال المتشكلة على مدى ساعات
النهار، كما أنني لم أكن فناناً واقعياً بالمفهوم الأكاديمي، وفي هذا
المعرض لا أدعي أنني من الفنانين التجريديين، فلوحاتي مليئة بالإشارات،
وهناك ملامح لوجوه أو قرى أو حيوانات تساهم في الإيحاء للمتلقي ليرى
موضوعه فيها، لقد أفسحت له المجال ليتأمل موضوعه مستعيناً بخياله وذكائه
.
هذا المعرض هو إنتاج السنوات الخمس الأخيرة، عند زيارتي لمقامات (بني
هاشم) في جبال اللاذقية، وقد شدني إلى هذه المنطقة عذريتها .. وجروفها
الصخرية المطلّة على وديانها الموحية. والبعيدة عن الخامات والأبنية
العشوائية الملوثة للبصر. هناك يسيطر المشهد ويفاجئ العين بالدهشة
وتسعد النفس بتلك الاكتشافات المتتالية للصور والأفكار المتوالدة بين
الوضوح والالتباس، في تماذج الواقع المرئي مع شطحات الخيال، خلال ذلك
الحوار الجميل الذي تؤلفه حركة النور فوق الغائر والنافر.
* الواضح أن معرضك أحدث صدمة لدى معجبيك الذين
تعودوا عليك في أسلوب مختلف لما يزيد على ربع قرن؟
** نعم لأن الجمهور باستمرار يفضل أن يبقى الفنان في نفس الإطار الذي
صنعته له أعماله السابقة .. لا أعرف هل هذا هو الكسل الروحي لدى الجمهور
والفنان، ومن هو المسؤول عن ذلك. ولكني أفضل في هذا المجال قول الحلاج
المتصوف الكبير (أنا أرمي بحجر الكفر في مياه الإيمان الراكدة). وقد
درجت على أن أقدم في كل معرض فردي من معارضي تجربة جديدة . ولهذا فإن
الفترة كانت متباعدة جدا ( 22 عاما بين معرضي السابق والحالي) .
* هل يمكن أن نعود إلى البدايات وأبرز المحطات
والمؤثرات في حياتك؟
** في حياة كل فنان محطات تؤثر في تكوين عمله
الفني. وللبداية دائما أهمية خاصة فهي البدء ومهما كانت صفات هذا البدء
فسوف تظل لاصقة في ذلك التكوين إلي النهاية . هذه البداية كانت من
بستان يقع في غوطة دمشق. وكانت نوعا من العلاقة الحرة المباشرة مع
الطبيعة. هي السنوات الأولى التي عرفت فيها الكون طفلا وفيها عرفت
اللون والشكل والصمت والصوت. وفيها عرفت الأحاسيس الغامضة عندما كنت
أشاهد مخلوقا ما يدب على الأرض أو فرعا أخضر يشق الخشب. هذه الأحاسيس
وهذه الحياة المباشرة مع الطبيعة هي المكونات الأولى التي انطلق منها
إحساسي الفني بالعالم الخارجي .
تأتي فترة الدراسة الأولى التي وفرت لي التعرف على الفنانين المشهورين
في دمشق فأغلبهم كان يعمل في التدريس (ناظم الجعفري - محمود جلال -
صلاح الناشف ) . وأيضا وفرت لي الدخول إلي مراسمهم والتعرف على أعمالهم
والإنصات إلي مناقشاتهم حول الفن . وكان اشتراكي في المعرض السنوي
الذي كان يقام في ذلك الوقت في المتحف الوطني بدمشق مبكرا يرجع إلي
1952 .
في أوائل الستينات (59-64) عشت فترة الدراسة الأكاديمية بالقاهرة .
وكانت القاهرة في هذه الفترة عاصمة العرب الثقافية، فعدا الدراسة الأكاديمية
وفرت لي الاطلاع على الصراع بين مدارس الفن واتجاهاته الفكرية . كما
وفرت الاطلاع على معالم النهضة الثقافية الحديثة للأدب والمسرح والشعر
. ولادة المسرح القومي - الشعر الحديث - الشعر العامي - القصيدة القصيرة
- الرواية - ظهور التأثير الفكري السياسي في الفن التشكيلي .
أتاحت لي هذه الفترة لقاءات وصداقة بعض الشعراء والأدباء والفنانين
وحضور ندواتهم ومناقشاتهم التي كانت تدور حول تكوين أعمالهم الأدبية
أو الشعرية أو الفنية. أنا أعتقد أن لهذا دورا كبيرا في رؤيتي للفن
و إكسابي نوعا من الثقة بما أحاول أن اصل إليه. أو في النظر لما أعلى
منه . أعطاني نوعا من الجرأة في الاختيار في هذه المرحلة التي اعتبرها
فترة التعلم والتلقي والاطلاع. وبعد التخرج من القاهرة كان وجودي في
مدينة دير الزور في الشمال الشرقي من سورية للعمل في التدريس. جانب
آخر، هو إن هذه المدينة ذات طبيعة. خاصة قريبة من الصحراء وإلى كثير
من المراكز الأثرية التراثية - تدمر - ماري - الرصافة ... وغيرها.
أنتجت معرضي الأول والثاني 65-67 بتأثير هذه المنطقة، واستوحيت فيه
التراث، كمحاولة لاستنباط حلول وأشكال من النحت القديم والرسوم الجدارية
أو النحت البارز وظل هذا التأثير واضحا حتى فترة الدراسة في باريس
(69-74). وأنا اعتبر هذه الفترة فترة بحث تقني وعلمي .وهيأت لى المتاحف
والمعارض مواجهة الفن القديم والحديث الذي كنت أراه في الكتب مواجهة
مباشرة. لم يكن فيها من التلقي قدر ما كان فيها التذوق والاستمتاع
والاختيار
ثم يأتي الإنتاج الأخير، في هذه المجموعة من الأعمال أنا أتحرك حول
المسافة التي تقطعها التجربة اليومية أي تجربتي الشخصية مع الحياة
اليومية بدءا من الحدث اليومي العادي وهو عندي الحد الأدنى الذي لا
يبقى منه في الذاكرة سوى الفكرة، هذه الفكرة تنمو في الخيال ويرقى
بها فتتحول خلال نموها إلى صور وأشكال أي إنها تتحول إلى معنى تصويري
شكلي قابل للتحقيق فوق سطح اللوحة. وهي، أي الفكرة تتحول عن كونها
حدثا أو إحساسا مبهما لتصبح صورة تبحث عن شكل لها فوق سطح اللوحة.
وهكذا يصبح ذلك الوجه العابر بين مئات الوجوه في الشارع هو وجه دمشق
. وأنا عندما أرسم لوحة فإني أحاول أن أحقن جسما ماديا بواسطة الألوان
والأشكال والخطوط بهذا التصور .
* يقسم النقاد تجربتك الإبداعية إلى ثلاث مراحل،
مرحلة الموضوع التعبيري بالأبيض والأسود أو لون أو لونين، ومرحلة الصيغ
التجريدية والألوان الزاهية والاهتمام الأقل بالموضوع، ومرحلة الكلاسيكية
المدرسية .كيف تتحدث عن هذه المراحل، وما هي المؤثرات في كل منها ؟
** أنا اعتبر نفسي باحثا عن شيء واحد في كل ما ذكرت ربما كان الى جانب
كونه بحثا تشكيليا هو بحث عن النفس، كان المعرض الأول الذي أقيم في
دمشق صالة الفن الحديث من إنتاج وادي الفرات .وكان لهذا المعرض علاقة
بالأسطورة التراثية والشعبية، ثم جاء المعرض الثاني (دمشق-67 ) في
صالة الصيوان، و الثالث في صالة واحد ( بيروت- 68 ) فسقط المعنى الأدبي
للأسطورة ، وازداد اهتمامي بالتشكيل الأدبي للأسطورة وظل بناء الشكل
يستوحي النحت القديم والتراثي . واقصد بالتشكيل الأدبي للأسطورة، طريقة
التفكير في بناء الشكل الأدبي لها خلال اخذ الحدث من الواقع ثم تفتيته
وبنائه مرة أخرى مكثفا فيه خلاصة الفلسفة الجمالية والفكرية للشعب.
ثم طرأ بعد ذلك التخلي عن بعض الأشياء والتمسك بالبعض الآخر فكما قلت
لا يولد الإنسان ناضجا وإنما يطرق بعض الأشياء ويكتشف فيما بعد بأن
هذا الطريق مسدود فالأشكال التراثية مثلا هي جذور الفن عندنا وأشكال
الفنانين التراثين ربما كانت بدايتي فيها كما يبدأ الطفل من أبويه
ولكنه بالتأكيد مع مرور الزمن وغنى التجربة سوف يختلف عنهم فالاتجاه
للتراث أصبح عندي لا يعني لبس ملابس الجدود ولكن استكشاف علاقتها بالمكان
والزمان استكشاف الروح الكامنة وراء هذه الأشكال ذات الملامح الخاصة.وكل
ذلك لم يكن تنفيذ القرار مني بل وجدت نفسي أعمل ذلك تلقائيا فأتمسك
ببعض الأمور التي أومن بها وأترك البعض الآخر حين أفقد إيماني به.
* اتجاهك للكلاسيكية المدرسية، ولسنوات طويلة
جدا ،هل هو لإثبات (أستاذية) ما أم هو لمتطلبات السوق؟
** ليس لهذا ولا لذاك. فأنا لا أرى أن أعمالي هي أعمال كلاسيكية أو
مدرسية. فهي رغم كونها أعمالا تشخيصية إلا أنها لا تعتمد مثالية الكلاسيكية
ولا أجوائها. بل كما سبق وتحدثت أن الشكل عندي يأتي من الخيال دون
اعتماد النموذج الحي كما أصبح البحث عن الروح المختفية وراء الأشكال
هو شاغلي وليس الأشكال بحد ذاتها، كما أن تلك الجمالية الغنائية في
أعمالي اعتبرها ردا على تلك الأشكال المشوهة التي كرست في الفترة السابقة
تحت شعارات ثقافية زائفة. وأنا اعتبرها رؤيا قاصرة أحيانا ومريضة أحيانا
أخرى للواقع والحياة.
* عندما كنت في فرنسا قمت بدراسة تفاصيل النبات
في محاولة إعطائه البعد الإنساني، فإلى أي مدى استطعت تحقيق هذه المعادلة؟
** في الواقع كانت هذه التجربة بحثا مدرسيا بحتا. فقد حاولت في هذه
الفترة أن أقدم بحثا عمليا مدرسيا حول موضوع التصوير. وقدمت مجموعة
أعمال تطرق موضوعا واحدا من الواقع هو (التفصيل النباتي) ومن هذه الأشكال
النباتية ابني هذه الأعمال حول تأليف تقديم موضوع المنظر دون اللجوء
آلي التفاصيل الواقعية التي يتالف منها المنظر (البيت- السماء- الطريق-
الشمس) أو تقديم الصورة الوجيهة دون اللجوء إلى العيون - الفم -الخ...
حاولت أن أعطي تجريدا للموضوع من خلال إحساسي بالمنظر - بالوجه - أو
الشخص .إحساسي بالطبيعة الصامتة، وهي المواضيع التي ينحصر فيها موضوع
التصوير. أعتبر هذه الفترة نوعا من البحث المدرسي وسعت أفقي في عملي
ونلت عليها شهادة تخرجي من المدرسة الوطنية للفنون في باريس .
* هل تنحاز لمرحلة معينة أو مجموعة من اللوحات؟
** لا، أنا أعتقد أن ما أنتجته في حياتي وثيق الصلة بجذور واحدة يكتسب
أهميته عندي من القناعات الفكرية والتشكيلية التي كانت تشغلني خلال
المرحلة التي أنتجته خلالها. وربما كانت وما زالت هي ذاتها، لكنها
من الزمن وامتداد العمر تعمقت ونمت وتفرعت. المسألة أشبه بشجرة واحدة
متنوعة الثمار. أنا بعيد في تفكيري تماماً عن حكاية ( المفاضلة) ـ
الأحسن ـ الأفضل ـ الأروع ـ أحس أنها أحد عيوب التفكير، لقد تعلمت
ذلك من دراستي للتراث الإنساني التشكيلي منذ عصر الكهوف وحتى الآن.
لم تلغ فترة أهمية الفترة التي سبقتها، إنه نبع متدفق من النتاج الفني
الذي تودع فيه الإنسانية جوهر وجودها، وليس فقط جمالياتها وهو متعدد
الصور متنوع الأفكار، لكنه يصب في النهاية في تيار الحضارة الإنسانية.
* من المعروف أن علاقتك بالمقاومة الفلسطينية
كانت قوية جدا لدرجة أنك كنت جزءا منها. ماذا تركت هذه الفترة من مؤثرات
على عملك؟
** لم أستطع في هذه الفترة أن أرسـم عملا دون التفكير فيما حصل في
النكسة(67) كانت نوعا من خيبة الأمل في كثير من الأشياء. وكانت المقاومة
وشخص المقاوم هو الشخص الذي تبلور حوله الأمل ،أنتجت في هذه الفترة
نوعا من الملصقا ت واللوحات لها علاقة بالفترة التي عشتها بين هؤلاء
الناس وقد كانت هذه الأعمال تجريبية ومتفاوتة
* يتهمك البعض بأنك رسام متحيز أكثر من ملّون؟
** يمكن أن يكون هذا صحيحا. ربما أوحي بذلك أني أهتم فعلا بالخط أو
الرسم في اللوحة إلى جانب اللون وهذا ما يجعل هذين العنصرين يقومان
بدور متواز لا يتقدم أحدهما على الآخر. وفي المهمات الإسلامية نجد
ذلك الاندماج المتصوف بين هذين العنصرين بحيث نجد إن كلا منهما يظهر
الآخر. ولكن عندما يرسم الفنان أو يعمل في لوحته فأنا لا أعتقد أنه
يفكر في منهج أو إبراز دور الرسم أو اللون في اللوحة وإنما يكون في
حالة من التعبير عن نفسه . ثم يأتي بعد ذلك النقاد أو الكتاب فيجدونه
إقرب إلي هذا أو ذلك .
* متى تشعر بحاجة للرسم .. وهل هناك أوقات مفضلة
لديك ؟
** مع التقدم في العمر، تصبح المسألة يومية،
أدخل المرسم كل صباح، ولكن ليس معنى ذلك إنجاز لوحه أو عمل. ربما أرسم
بعض الخطوط. أو بعض الأفكار، وربما أسجل بعض التصور لتلك الأفكار ...
أو ربما أعود بلوحة إلى الأبيض لأني غير مقتنع بها ... ولماذا في الصباح،
لأن الجسد يكون قد أخذ قسطاً وافراً من الراحة، ولديه القدرة على العمل،
وأيضاً يكون النوم قد أعطى للنفس والروح الإجازة الكافية التي تعطيها
القدرة على العطاء والتوحد مع فكره لوحة يحدث ذلك دون الحاجة إلى أية
مؤثرات مساعده.
* هل تأتيك اللوحة جاهزة كاملة كما يحدث عند
الشعراء في القصيدة ؟
** أحياناً أشعر وأنا أرسم كأن يدي مخلوق يتصرف بإرادة منفصلة . لكن
هذه الحالة نادرة جداً... وتمنحني مزيداً من التألق الروحي لفترة طويلة
تعينني على العمل بحالات أقل من الانسجام والتجلي الفكري والروحي،
والمسألة مثل معادلة كيميائية يصعب معرفة كينونتها، كما يصعب اكتشاف
عملية تشكل عرق الذهب داخل الصخر هي مسألة خارج الزمان والمكان والمناخ
..
* سؤال أخير .. ما مدى علاقتك بالنقاد، وما رأيك
بحركة النقد الفني التشكيلي بشكل عام؟
** النقد هو اجتهادات شخصية تأتي قيمتها على قدر همة الإنسان الممارس
للنقد وجديته. وحتى الآن لا يوجد بين أغلب النقاد العرب أو نادرا ما
تجد بينهم ناقدا قد درس النقد أو علم الجمال بشكل علمي. وإذا ما تجاوزنا
هذه المسألة، نجد مادة متفاوتة القيمة تتراوح بين النص التحليلي للعمل
الفني والمقال الصحفي وأحيانا نصا ما لملء الفراغ في الصحيفة أو المجلة
. ولكن رغم هذه النظرة السلبية فإن هناك نقاطا مضيئة قد تتبلور مع
الزمن وعندها يمكن أن نطلق عليها حركة نقدية فنية، كما أمكن إطلاق
ذلك على حركة النقد الأدبي عندنا.
أعلى
حول هموم الدراما التليفزيونية العمانية
قد لا تكون المقارنة مع الدراما التي تنتجها البلدان العربية ضرورية
ليدرك المرء أن الدراما العمانية تراوح مكانها منذ سنوات عديدة
ما تحتاج إليه الدراما التليفزيونية العمانية لتتطور، أولا وقبل كل
شيء، هو معرفة مكامن العيوب فيها والاعتراف بها
تعيد الأعمال الدرامية التليفزيونية المحلية
في شهر رمضان من كل عام طرح نفس التساؤلات والملاحظات عن هموم هذه
الدراما ومشاكلها، وعن معوقات تطورها وأسباب بقائها متخلفة جماليا
في مستواها العام عن الدراما المقدمة في بلدان الجوار وبقية البلاد
العربية. قد لا تكون المقارنة مع الدراما التي تنتجها البلدان العربية
ضرورية ليدرك المرء أن الدراما العمانية تراوح مكانها منذ سنوات عديدة،
وحقا أجد أنه لا حاجة ملحة لنفكر في الجيد من المسلسلات السورية أو
المصرية مثلا لنكتشف أن الأعمال التليفزيونية المحلية تعاني من جملة
من المشاكل ترتبط بالنص والمضمون والتمثيل والإخراج تجعلها دراما متواضعة
فنيا وغير جذابة للمشاهد، إذ يكفي تحليل مكوناتها الفنية لنرى نقاط
الضعف الكثيرة التي تعتريها. إلا أن الجمهور هم من يلجؤون عادةً إلى
المقارنة وهو حق مكفول لهم طالما كانت المقارنة في محلها بين عنصرين
متجانسين تصح المقارنة بينهما.
تعد المقارنة بين الدراما التليفزيونية المحلية ودراما بلدان الخليج
العربي مبررة، بل إنها تعمل على تبيان نقاط القوة والضعف في أعمالنا
الدرامية. وما يجعل هذه المقارنة بيننا وبين بقية دول الخليج العربي
مقبولة هو أن هذه البلدان لا تختلف ظروفها السياسية والاجتماعية والمدنية
كثيرا عن ظروفنا، والدراما التي تنتجها هذه البلدان هي صناعة حديثة
ولها نفس عمر تجربتنا المحلية من الدراما التليفزيونية، وتخاطب هذه
الدراما نفس الجمهور الخليجي لأن كل مسلسل خليجي لديه فرصة المتابعة
في بقية بلدان الخليج الأخرى. تقود المقارنة بين مسلسل عماني مثل "درايش
3" ومسلسل سعودي مثل "طاش ما طاش 16" إلى تفوق كفة
الأخير كثيرا سواء من ناحية حُسن صياغة النص وجودة بنيان القصة، أو
من ناحية المضمون النقدي الجرئ والعميق، أو من ناحية التمثيل، وكذلك
من ناحية جرعة الكوميديا المقدمة. كما أن "درايش 3" لا يصمد
كثيرا أمام مسلسل منفصل الحلقات مثل الإماراتي "حاير طاير"
لنفس الأسباب المذكورة أعلاه، ونضيف إليها في "حاير طاير"
جودة الديكور وكارزميّة شخصية الفنان جابر نغموش. إن هذه المقارنة
لا تعني بالضرورة أن كل حلقة من "طاش ما طاش 16" و "حاير
طاير" هي أفضل من أي حلقة كانت من "درايش 3"، فهذه
الأعمال لها أيضا جوانب ضعفها في بعض حلقاتها، ولكنه توصيف إجمالي
عام يَصِفُ المحصلة النهائية للمقارنة، كما أن هذه المقارنة لا تعني
مطلقا أن "درايش 3" يخلو تماما من العناصر الجيدة اللافتة
للإهتمام. أما إذا سقنا مقارنة بين المسلسل الدرامي المحلي غير الكوميدي
"الغريقة" وبين المسلسل القطري "قلوب للإيجار"
فإن المقارنة في نهاية المطاف ستنتهي بصفة عامة لصالح المسلسل القطري
الذي سيتفوق أولا وقبل كل شيء في بصمة الاحتراف التي تعطيه خصوصيته،
فهو مُنفّذ بواسطة فريق عمل يعرف جيدا ماذا يفعل، وتكفي الإضاءة الخلاقة
للمسلسل وحركة الكاميرا وزوايا التصوير كنماذج للتنفيذ المحترف للمسلسل،
وذلك فضلا عن أهمية الموضوع المطروح وكيفية طرحه (أزمة السكن وغلاء
الإيجارات). إن "طاش ما طاش16" و "حاير طاير"
و "قلوب للإيجار" هي أعمال فنية صنعتها دول الجوار التي
تتشابه معنا في حداثة دخول فن الدراما التليفزيونية إليها كما تتشابه
معنا في الكثير من الأشياء مثل صرامة الرقابة وقلة عدد الأعمال الدرامية
المنتَجة في السنة الواحدة وعدم احتراف الفنانين (من حيث كونهم غير
متفرغين تماما للتمثيل) والاستعانة أحيانا بمخرجين من بقية البلدان
العربية.. إلا أنه وبرغم جميع نقاط الالتقاء تلك فإن الدراما العمانية
في المجمل هي الأقل جودة في عناصرها الفنية المختلفة بين هذه الدرامات،
فأين تكمن المشكلة؟
إن نظرة قريبة على مجمل الدراما التليفزيونية العمانية تعطينا الملامح
التالية التي يعتبر كلا منها مؤشرا على مشكلة في مجال من المجالات:
* النص:
1 ـ لا يوجد إلا قلة قليلة من الكتاب المحترفين (أو شبه المحترفين)
الذين يكتبون الدراما العمانية، وما يجعل هؤلاء المحترفين محترفين
هو استمراريتهم في الكتابة الدرامية لعدة سنوات، والاستمرارية هي إحدى
عناصر الاحتراف. إلا أن قدرات هؤلاء في خلق الشخصيات وصنع بناء درامي
محكم هي قدرات متواضعة. كما أن منهم ذوو الآفاق المحدودة في الرؤية،
فهؤلاء لا يطرحون الجديد ولا يَشْخَصُون بأبصارهم بعيدا في تشريح الواقع
ومحاولة فهمه. كثير منهم من يقف عند عتبة "الوصف" للواقع
دون التحليل أو الاستشراف أو محاولة النبش. أما السيئ حقا فإن منهم
من لا يعالج الواقع أصلا ويأتي بواقع آخر متخيل لا علاقة له بحياة
الناس محاولا قسرا أن يُلبِس شخصياته لُبوس العمانيين، وتكون النتيجة
أن ينصرف الناس عن هذه الأعمال.
2 ـ هيمنة الخطاب الإعلامي الرسمي التقريري والخطابي والوعظي والمباشر
حول ما يسمى بالتوجهات التنموية. بلغة أخرى: وقوع "الدراما"
التليفزيونية العمانية في كنف البروباجندا وهو ما يتعارض مع الفن الخالص،
فإما الدراما وإما البروباجندا.
3 ـ صرامة الرقابة وأثر ذلك على النصوص الدرامية من حيث غياب الطرح
الحيوي للقضايا التي تهم الناس واستبداله بموضوعات ميتة تدور عادة
في الماضي، وهو ماضٍ غير قادر على مد يديه للحاضر، هو مجرد ديكور لحكاية
باردة. أما الدرامات التي تدور في الحاضر فلا تأخذ منه سوى قشور الإيحاءات
الزمنية مثل استخدام الهاتف النقال وركوب السيارات وغيرها، ولولا هذه
المظاهر الخارجية لما عرفنا ان بعض الأعمال الدرامية العمانية تدور
في الحاضر لأنه لا حواديتها تعنينا ولا شخصياتها تشبهنا أو تشبه من
نعرفهم. واستطرادا أود القول هنا أن عددا من الأعمال الدرامية العمانية
تعاني في حقيقة الأمر من التباس مفهوم الزمن، فلا نحن نعرف هل أحداثها
تدور في الماضي أم الحاضر، وهو بالطبع عيب كبير في بنيان هذه الأعمال.
وبخصوص جزئية صرامة الرقابة فإن الملاحظة هي عدم وجود كتاب رائين (أي
ذوي رؤى ثاقبة) ممن تستطيع أعمالهم أن تقول كلمتها بالحيل الفنية المختلفة.
فلننظر فقط إلى قوة السينما في روسيا وأوروبا الشرقية (بولندا تحديدا)
زمن القبضة الحديدية للاتحاد السوفييتي، ولنتأمل كيف تمكن المؤلفون
والمخرجون المبدعون من قول كلمتهم رغم أنف الرقيب ودمويته. لو كان
لدينا وفرة معقولة من المبدعين الرائين الحقيقيين من كتاب الدراما
التليفزيونية ومخرجيها لنجح بعضهم دون شك في تجاوز المحظورات والذهاب
إلى أفق العطاء الأروع، في الوقت الذي من الطبيعي أن ينكسر فيه بعض
هؤلاء وتنتصر قبضة الرقابة عليهم فيهجرون الفن مكرهين إلى حيث يحتفظون
بماء وجههم.
* التمثيل:
يغلب على نمط التمثيل في عمان طابع المبالغة الصوتية والحركية، وضعف
التعبير بقسمات الوجه، مع تسيد الأداء الانفعالي والصراخ. التمثيل
في عُمان ـ بصفة عامة ـ هو تمثيل التمثيل، أي أن الممثل لا يتقمص شخصية
ما ويذوب فيها، ولكنه على العكس من ذلك، يعمل على تذكير المشاهدين
طوال الوقت بأنه يقوم حاليا بالتمثيل وأنه يلعب دورا. على أي أساس
أقول هذا؟ أقوله من كون عامة الممثلين العمانيين يشتغلون بالحد الأدنى
من الجهد المطلوب لتقمص الشخصيات، ولعل سبب هذا أنهم لا يأخذون التمثيل
مأخذ الجد، فهو مجرد نشاط بسيط يمارسونه بضع سويعات في السنة وبقية
العام هم منشغلون بوظائفهم. لا يريد الممثل العماني أن يتعب أكثر في
تجويد أدائه كممثل، ويكتفي بالحد الأدنى الذي يجعله يكتفي بـ "تسميع"
النص الدرامي الذي يحفظه دونما إضفاء أي روح على الأداء، وكأن "حفظ
النص" هو غاية الغايات لدى الممثلين العمانيين. إنهم يتحدثون
بأيديهم وبصوت عال عوضا عن أن يُعبّروا بملامح وجهوهم وقسماتهم وتعابيرهم.
حين يضحكون يقهقهون بدلا من أن نرى ابتسامة على وجوههم. وحين يبكون
فإنهم يبدون مفتعلين مثل الممثلين في الأفلام بالأبيض والأسود في الأربعينيات
والخمسينيات حين كان الممثلون آنذاك يستعيرون أساليب التمثيل المسرحي
ويجلبونها للسينما. ما يفعله عموم الممثلين العمانيين هو أنهم يجلبون
أردأ ما في المسرح (وليس أحسن ما فيه) ويزجون به في الدراما التليفزيونية.
بالطبع لا ينطبق هذا الكلام على الجميع، وحتى من ينطبق عليهم فإنه
ينطبق بمستويات متفاوتة، وحتى لدى الممثل الواحد نجد الأداء متباينا
وفقا للمخرج الذي يعمل معه. وفي هذا السياق أود الإعراب عن ثقتي الشخصية
أن مجموعة لا بأس بعددها من الممثلين العمانيين لديهم قدرات جيدة قابلة
للتوظيف مع مخرج يعرف ماذا يفعل، ولعل نجاح أمين عبداللطيف في توظيف
طاقات الممثلين العمانيين في مسلسل متميز من قبيل "قراءة في دفتر
منسي" لهو إشارة إلى أن بعض هؤلاء لديهم طاقة كامنة غير مستغلة
للأداء الجيد يمكن استغلالها حين يكون هناك نص جيد ومخرج جيد وظروف
إنتاجية جيدة.
* الإخراج والعناصر الفنية:
تقوم الدراما التليفزيونية العمانية على مخرجين عمانيين وآخرين عربا
تم تكليفهم بإخراج هذه الأعمال، إلا أنه ـ ولنكن صرحاء جدا ـ لا يوجد
لغاية اليوم أسماء حفرت نفسها كمخرجين لافتين للنظر في ذاكرة الجمهور
العماني سوى أمين عبداللطيف وفوزي الغماري في مسلسل "صيف حار".
هذا لا يعني أن الآخرين لا يجتهدون وليسوا مخلصي النوايا تجاه ما يقومون
به، ولكن الاجتهاد الفردي وحسن الطوية لا يصنعان لوحدهما دراما تليفزيونية
جيدة. أما الأسوأ فهو أن بعض المخرجين الذين تم استقدامهم لإخراج أعمال
تليفزيونية محلية كانوا مخرجين ضعافا لم يعملوا سوى على تثبيت حال
الدراما المحلية عند نقطة "محلك سِر"، وذلك عوضا عن استقطاب
الأسماء التي بإمكانها أن تضيف شيئا للساحة. وقد وجدنا بعض هؤلاء يمارسون
الفوقية والوصاية والاستعلاء على الشارع الفني المحلي ويزعمون زورا
وبهتانا أنهم جاءوا ليصنعوا بأيديهم جيلا من صناع الدراما المحليين
الأفذاذ، وأنّى لإناء أن ينضح بما ليس فيه!
في الكثير من الأعمال الدرامية التليفزيونية المحلية يتضاءل دور الإخراج
إلى مجرد التنفيذ، والفرق بين الإثنين هو أن الأول عبارة عن رؤية والثاني
عبارة عن عمل آلي قد يشبه عمل الماكينات والروبوتات. أين نجد الرؤية؟
نجدها في المعنى العام، الإيقاع العام، أو الطبيعة الخاصة للعمل الفني
التي تميزه عن غيره. أعمال نجدت أنزور على سبيل المثال لها طابعها
الخاص الذي بواسطته يعرف من يشاهدها أنها أعمال صنعها هذا المخرج (وهذا
ليس تقييما لجودتها أو رداءتها، وإنما توصيف لطبيعتها وخصوصيتها).
أما أعمالنا المحلية ففي معظمها لا يوجد فرق حقيقي ان تضع اسم المخرج
الفلاني بدلا من الفلاني، والمصور الفلاني بدلا من العِلاني، ومدير
التصوير الفلاني (إن كان لدينا مدراء تصوير حقا) بدلا من مدير تصوير
آخر. قِس على ذلك ما يتعلق بالتصوير (زاوية الكاميرا وحركتها) والإضاءة
وإيقاع المونتاج وإيقاع العمل الدرامي ككل والديكور والماكياج. كلها
عناصر كثيرا ما تغيب عنها الاحترافية وتتسم بالارتجال، وهو ما نجد
العكس منه في مسلسل مثل القطري "قلوب للإيجار" حيث تأسرك
الإضاءة وتضفي على المَشاهد طابعا جذابا للجمهور دون أن يعلم غير المختصين
من هؤلاء أن جزءا من التناغم الحاصل بين المُشاهد والمسلسل منبعه الإضاءة
الخلاقة التي تتسرب للوجدان فتستمتع عين المتفرج بالعمل الفني وترتاح
لما تراه.
* الجودة الإنتاجية:
الجودة الإنتاجية مصطلح واسع يشتمل على أشياء كثيرة، منها تهيئة ظروف
الإنتاج الملائمة والاهتمام بالعناصر التقنية الداخلة في الصناعة الدرامية،
إضافة إلى توافر المخصصات المالية الكافية لكافة متطلبات الإنتاج الدرامي
من ديكورات ومناظر، شاملا ذلك الأجور المجزية للفنانين والفنيين والكتاب
والمخرجين.
في عُمان بصفة عامة فإن إنتاج الدراما التليفزيونية لا يزال موسميا،
وقد تكون هناك أسباب فعلية تقود إلى هذا منها قلة أعداد المشتغلين
بالمجال الفني إجمالا من كتاب ومخرجين وممثلين، ووجود جمهور محلي بسيط
تعداده أقل من مليوني نسمة بخلاف الجمهور المصري الذي يبلغ ثمانين
مليونا ويحتاج إلى العشرات من المسلسلات، بل والقنوات التليفزيونية،
حتى تلبي احتياجاته. ليست المشكلة الأم في موسمية الأعمال، وإنما في
عشوائية الإنتاج المتمثلة في غياب الخطط والاستراتيجيات المتضمِنة
برامجَ واضحةً لمراحل الإنتاج الدرامي. فإذا بدأنا من عنصر النص الدرامي،
لا نجد أن هناك خطة عملية تتبنى فعل شيء طوال العام لإعداد مسلسل جيد
للموسم المقبل. حتى في مسلسل "درايش 3" الذي يتكون من حلقات
منفصلة يساهم فيها عدة كتاب، نجد أن المعمول به هو انتظار مبادرات
الكتاب والقبول بالحلقات حتى الضعيف منها فقط لأجل إنتاج عمل مدته
30 حلقة منفصلة. الأمر مختلف مثلا مع مسلسل "طاش ما طاش"،
ففي الجزء الـ 16 من هذا العمل نقرأ في التترات خمسة أسماء تقع تحت
مسمى "ورشة السيناريو". هذا هو الشغل الاحترافي حقا. ما
يفعله منتجو "طاش ما طاش" هو أنهم يتجهزون طوال العام للمسلسل،
ويتلقون النصوص بعد إعلانهم في الصحف عن حاجتهم لنصوص درامية، ثم تُعرض
النصوص المبدئية على لجنة الاختيار، وما يتم اختياره منها يذهب لورشة
إعادة الكتابة التي يشرف عليها خمسة أشخاص. هذا ما تحتاج الدراما العمانية
أن تقوم به على صعيد إعداد النص، شريطة ألا تتضمن هذه الورشة إلا أسماء
جيدة ـ محلية وعربية، أو عربية فقط.. لا مانع ـ تتولى الإشراف على
تطوير قدرات مؤلفي هذه النصوص الأصليين سعيا لتحسين نصوصهم وتطوير
قدراتهم. بذا يمكن استثمار الموسمية في إنتاج أعمال تستحق الانتظار.
إن ما يحصل في ظروف الإنتاج المحلية هو سيادة مفهوم "عالبركة"
و"كله بالبركة"، أي إنتاج الأشياء كيفما اتفق بالحد الأدنى
من مواصفات الجودة. لا المسؤولون يسألون أنفسهم لماذا يجب أن تكون
لدينا أعمال درامية (لغير ملء الشاشة فحسب)، ولا الكتاب يَسألون أنفسهم
ما الذي تناقشه حلقاتهم، ولا الممثلون يعرفون لماذا يمثلون. وحده الجمهور
فقط هو من يعلم لماذا لا يحب كثيرا الأعمال الدرامية التليفزيونية
العمانية!
إن جودة الإنتاج مطلب حيوي لصنع دراما جاذبة ومحترفة، أما حذف عشرات
المَشاهد بعد التصوير من بعض المسلسلات المحلية نظرا لرداءة الصوت
أو ظهور الميكروفون المرفوع أمام وجه الممثل وهو يمثل فهو نقيض مسألة
"الجودة الإنتاجية" ورديف مفهوم "عالبركة"! أفكر
دائما في الشكوى المتكررة من المخرج عبدالله صالح حيدر من مساهمة فصل
الصيف في عمان في إرهاق الممثلين وبالتالي ضعف الأداء. ذلك أن جاهزية
التليفزيون للإنتاج الدرامي تأتي غالبا قبيل شهر رمضان، أي في الصيف،
ونظرا لصيفنا الحار فإن التصوير الخارجي في الحرارة اللاهبة يتسبب
في إجهاد الممثلين وطاقم التصوير، ولذا يرضى المخرجون بتصوير أي مشهد
مرة أو مرتين حتى وإن لم يكن بالمستوى المطلوب لأنه لا أحد يرغب في
تعريض نفسه لضربة شمس. والسؤال هنا: ماذا يفعل صناع الدراما طوال بقية
شهور السنة؟ ألا يجدون وقتا أفضل من عز الصيف لتصوير المسلسلات؟ إن
هذا جزء مما أسميه بعشوائية خط الإنتاج الدرامي وغياب الاستراتيجيات
الواضحة والمخطط لها للإنتاج الفني بمختلف مراحله ومراعاة متطلبات
كل مرحلة منها على حدة.
***
ما تحتاج إليه الدراما التليفزيونية العمانية لتتطور، أولا وقبل كل
شيء، هو معرفة مكامن العيوب فيها والاعتراف بها. لا يعني الاعتراف
بالعيوب قبولها والاستسلام لها، ولكنه يعني عدم نكرانها والإقرار بأنه
ما كان يُفترض أن توجد. إذا كانت النوايا صادقة لتطوير الدراما العمانية
فإن الخطوة الأولى هي الوقوف على العيوب والاعتراف بها، وعدم المكابرة
بأنه لم يكن في الإمكان أبدع مما كان. إن الاعتراف بمكمن الخلل يستلزم
معالجته، ومعرفة المشكلة يتطلب حلها، وها هي عيوب الدراما العمانية
مكشوفة أمام عيوننا الآن، فهل نعمل على معالجة أسبابها من جذورها،
أم سيختار الممارسون للعمل الدرامي المحلي ـ كل في مجاله ـ استمرار
الحال على ما هو عليه والسير بمبدأ "عالبركة" الذي ليس فيه
من البركة شيء. هو ذا السؤال الذي لا مناص من الإجابة عليه.
عبدالله خميس*
* كاتب عماني
أعلى
عن الغلاء وأنف العنزة وأشياء أخرى
الذهاب إلى السوق لم يكن مصدر قلق لي يوما ..كما
هو الحال عليه الآن ..أتردد كثيرا قبل التوجه إليه ..أضرب أخماسا في
أسداس ..أفتح محفظتي السوداء الشاحبة ذات الأطراف البالية المشوبة
بالبياض والتي أكل منها الدهر وشرب واستلقى عليها ونام ورقد ..أخرج
ريالاتي المهترئة أعدها ..ثم أعاود العد ..أقلب المحفظة ذات اليمين
وذات الشمال ..عاليها وسافلها ....أبحث في ثناياها وجيوبها العديدة
هنا وهناك علّي أظفر بريال منسي أو خمسين بيسة محشورة في زاوية ما
تصلح لأجرة موقف بلدي .. فلا أجد سوى فتات منديل ورقي ذابل وشيء من
رمل قليل .
بالأمس جلست أمارس عادتي الجديدة في التنقيب
عن "البيسات" المفقودة ..عندما فاجأتني زوجتي:
ـ أيوب أيش تسوي؟
كانت قد خرجت من المطبخ والعرق ينسل من جبينها ..مبللا الثياب ..بدت
حزينة بعض الشيء ..تذكرت أنها اشتكت لي من تلف شفاطة الهواء وتوقفها
المفاجئ بعد عطل المروحة وأن جو المطبخ صار جحيما لا يطاق.. لكني أهملت
استدعاء الكهربائي مؤخرا التصليح لبداية الشهر ..أعادت علي السؤال
وقد فطنت لسرحاني.
ـ أيوب مالك سرحت ..تو أنا أسألك أيش تسوي بذا "البوك"؟
ما كنت لأشغلها بهمومي المالية ..أنا رب الأسرة وعلي أن أتحمل المسئولية
وحدي ..هي يكفيها متاعب البيت والعيال.
ـ لا شيء لا شيء..كنت أطالع البطاقات فحسب.
رددت عليها .. بدت لي تلك الإجابة.. المخرج الأنسب لحظتها فقد كانت
البطاقات مبعثرة بين يدي أخذت أتصنع جردها وفرزها الواحدة تلو الأخرى
.. رخصة القيادة.. ملكية السيارة .. البطاقة المدنية .. بطاقة الصرف
الآلي البنكية .. بطاقة القوى العاملة .. بطاقة الهاتف النقال مدفوعة
القيمة .. بطاقة المركز الصحي الحكومي .. بطاقة العيادة الصحية الخاصة
عندما يغلق المركز الصحي الحكومي .. بطاقة العرض التخفيضي للمركز التجاري
الذي يبيع المواد الغذائية بسعر الجملة .. بطاقة السعر المخفض لمدينة
الألعاب الترفيهية الخاصة بالأطفال .. وجدت أيضا قصاصة مطوية صغيرة
تحمل طلبات منزلية.. وفاتورة مكومة تعود لجهاز السحب الآلي.. وصورة
قديمة أبدو فيها سعيدا ومبتسما للكاميرا دونما سبب !!
نهضت من مكاني .. نظرت للساعة الحائطية .. كنت أعرف أنها متوقفة لا
تعمل .. لكني فعلت ذلك بحكم العادة.. هي تعود للمرحوم أبي، لم يترك
لي من حطام الدنيا الفاني سواها .. توجهت للمرآة .. سويت "عمامتي"تأملت
وجهي المتغضن .. وعينيي الذابلتين .. لحيتي التي كساها الشيب ولمّا
أبلغ الأربعين .. يقولون إن البياض يغزو الرؤوس واللحى المثقلة بالهموم
والمآسي أسرع من غيرها فهل هذا صحيح ؟!
ـ ما أعرف كيف يتسرب ذا الغبار اللعين إلى داخل البيت في كل مرة؟!!
قالت وهي تدعك بلاط الأرضية في ضيق .. تركتها في حيرتها وانسللت خارجا
.. صعدت عربتي "الكحيانة" التي قارب عمرها الافتراضي على
الأفول.. سعلت السيارة عدة مرات قبل أن تعمل ..انتفضت مرتين أو ثلاثا
وهي تتحرك .. أصدر محركها الصدئ أصواتا تشبه حشرجة كلب مضروب ..ثمة
صفير حاد يصدر من مكان ما أسفلها .. حال المكيف ليس أفضل .. يطلق هواء
ساخنا في عز القيظ.. صرت أخشى من توقفها المفاجئ في عرض الشارع ..
سيكون موقفي محرجا جدا أمام السائقين إن وقع ذلك.. سأعطلهم ورائي بلا
شك في مسارات شوارعنا الضيقة .. ربما رمقوني حينها بنظرات السخرية
المشوبة بالغضب.. ربما علا صراخ بعضهم:
ـ ألا تملك ما تصلح به هذه " الجرمبع"؟
ـ جد ..لعربتك " الكهاتارا/ المخروبة" مكانا آخر غير الشارع
العام.
ربما يضبطني رجال الشرطة عندها ويحررون مخالفة مرور فورية بعد طلب
"الليسن والملكية" ولسان حالهم يقول:
ـ ألا يكفي الشاحنات التي نطاردها تحت لهيب الشمس تحاول التسلل في
ساعات الذروة ..ألا تكفي الحوادث المفجعة التي تخلق الاختناقات كي
تأتينا حضرتك وتوقف لنا مسار الشارع كله !!
صحوت من أحلام يقظتي على عامل آسيوي يقفز أمامي راكضا إلى الرصيف المقابل
.. بصعوبة بالغة استطعت تفاديه مطلقا صرخة عالية.. ارتجف للموقف العصيب
فؤادي ..انتفضت قدمي فوق الكابح ..وتيبست يداي اللتان تقبضان المقود..أحسست
بالذهول التام هل كدت أن أقتل الرجل؟!! كيف يقفز أمامي هكذا .. وبالجوار
جسر مشاة علوي أقيم له ولأمثاله.. كيف يرتكب هذا الجنون ..ما ذنبي
أنا القادم في طريقي متوقعا ألا أحد بإمكانه ارتكاب هذه المجازفة الحمقاء
.. وأين؟ على مسافة أمتار فقط من جسر للعبور!! أترى هذا العامل مثلي
يخشى الارتفاعات ويصيبه الدوار والغثيان إذا صعد إلى مكان عال .. تذكرت
كيف كان أترابي الصغار يطلعون النخيل ويتبارون في صعود الجبل وبلوغ
البرج العتيق بينما أظل أنا في مكاني رافضا المشاركة .. لذا بقيت طول
عمري قابعا حيث أنا .. ولم أصعد إلى فوق!!
هل تعمد الرجل إلقاء نفسه أمامي بقصد الانتحار؟!..قد يكون هاربا من
كفيله ..الأيدي الوافدة تهرب كثيرا هذه الأيام .. وصورها تملأ الجرائد
.. هل أراد أن يضمن حياة رغيدة لعائلته من فلوس التأمين.. ديةً لمقتول
في حادث دهس!!
وصلت السوق بعد مدة مقتاتا الهواجس ..بحثت عن موقف مناسب.. الازدحام
على أشده .. ما يفترض أنها مواقف لزبائن سوق الأسماك .. صارت هي ذاتها
سوقا للخضار والفاكهة!! العديد من السيارات "ربع النقل"
التي تنقلها وتبيعها، احتلت المواقف ..الرطوبة خانقة .. الوجوه مكفهرة
..حمامات عرق تسيل ..انتصبت لوحة عملاقة خضراء تبين شروط وضوابط البيع
في تلك المواقف .. إذن ما يقوم به هؤلاء عمل مشروع من قبل البلدية
.. طيب أين نذهب نحن بسياراتنا. أإلى البحر؟!! قلت لنفسي وأنا أقرأ
تعليمات اللوحة: المنتج لابد وأن يكون محليا صرفا ..لا يسمح هنا ببيع
المنتجات الأجنبية ..البائع بالضرورة لابد أن يكون مواطنا ..يمنع عرض
المنتجات خارج السيارة المخصصة للبيع!! لم أر أي التزام بهذا الشرط
..فجميع الباعة يفترشون الأرض وبضائعهم مستولية على المكان..فلم يبق
لعرباتنا موطئ " تاير".. وهكذا اضطررت إلى أن أحشر السيارة
في فرجة ضيقة بين مصنع صغير لبيع الثلج ومقهى يبيع الأسماك المشوية
.. رمقني البائع الشامي بحدة عندما تجاوزت محله متجها للشاطئ وكأنني
ارتكبت موبقة ما ..تجاهل سلامي تماما .. وهو يفتل شاربه دون أن ينبس
ببنت شفة .. لو تحدث لقال:
ـ "يعدمني إياك ..يعني ما عم تلاقي غير هايدا الخرم.. تركن جواته
المحروسة.. وين راح يوقفوا الزبائن تبعي هلا ..أعمى إنتيه؟!..ولك مو
شايف المواقف شو مزحومة!! روح إلهي يقفلها في وشك متل ما قفلت علي
باب رزقي ياااحق".
.. غاصت قدماي في رمل الشاطئ .. رائحة العفونة وملح البحر تملآن الجو
.. ضجيج الباعة والمشترين .. باعة السمك الكبار في السن يفترشون التراب..
البعض وزع صيده على بسط من الورق المقوى والبعض الآخر مد شمسية كبيرة
فوق رأسه .." القماطين" توزعوا على مصاطب خشبية ومدوا قدامهم
بسطا مربعة يعرضون عليها سمكاتهم ويقومون بتقطيعها وتنظيفها مباشرة
حسب رغبة الشاري.. عجائز يعرضن أنواعا من السمك والرخويات المجففة
.. إلى جوارهن أقفاص خشبية تحوي أفراخا وحماما وأوان صغيرة ملئت ببيض
دجاج محلي .. أخذن يتشاجرن مع بعضهن على اللا شيء .. شيخ سبعيني يرفع
عقيرته مناديا على سمكات عجاف.. رسى قاربه على مرمى حجر من الشاطئ
.. رفع الشيخ طرف إزاره ماسحا عرقه .. وتمخط بقوة مطلقا لعناته على
" زكام الخنازير" كما سماه .. على مبعدة وبجوار الثلاجة
التي تعلو سيارته وقف بائع بدوي " بمصر" يتدلى على كتفه
مخرجا في كل مرة بواحدة أو اثنتين من سمك" الجيذر" مناديا
في الناس:
ـ " شروا الييذر ..الييذر موصوف..لحمه يحميكم تراه من عوج الخنازير
"
هل أصبح هذا المرض والفيروس هاجس الجميع، بالأمس القريب اعتبر خبر
وفاة أحد الأطفال مجرد إشاعة وبعدها تأجلت المدارس وتأكدت عدة وفيات
بين الكبار والعدد في تصاعد ..سترك يا الله.. رسائل البريد الإلكتروني
والهواتف النقالة تعج بوصفات مختلفة للحد من خطر الفيروس اللعين: الثوم
باللبن والروب .. الحليب بالكركم .. العسل مع الحبة السوداء .. شراب
اليونسون الدافئ .. عصير الليمون المحلى بالعسل.. اتصل بي أحد المعارف
يحذرني من انتشار مرض الأنفلونزا أو أنف العنزة كما سمته العرب قديما
لاحمرار أنف المريض كالعنزة!! قال: إن علي المسارعة لشراء كمامات الأفواه
التي تباع في محلات مواد البناء!! ضحكت ملء ذقني، فبرر كلامه أنه يعني
تلك الكمامات التي يستخدمها عمال البناء عند تعاملهم مع الأتربة والغبار
.. يقول إنها الأكثر وقاية من الكمامات الأخرى الطبية الخضراء التي
تشبه منقار البط .. وأن الأولى هي الأقل كلفة بمائة بيسة فقط متوقعا
أن ترتفع أسعارها خلال الفترة المقبلة إلى أضعاف مضاعفة بسبب كثرة
الطلب!! واحتمال إصابة مليون شخص عند قدوم موسم الشتاء ..عبثا حاولت
تهدئته ناصحا إياه بألا يبالغ في مخاوفه ويشيع "سوالف المعصرات
وحكايا الهلع " فما زاده حديثي إلا إصرارا مذكرا إياي بما قلته
أيام "جونو" ورفضي المسارعة لتخزين عبوات الماء وشراء الشموع
لأجدها بعشرة أضعاف القيمة بعد الإعصار!!
أتخيل الفيروس خنزيرا مجهريا صغيرا ذا أجنحة لايرى بالعين المجردة
يدخل أجسادنا ليعيث فيها خرابا.
ـ يا إلهي هل ستكون نهايتي بحمى الخنازير"؟
ـ "تريد صيدة يالأخو" قال السماك البدوي فأعادني للسوق،
اشتريت سمكة ضئيلة بخمس ريالات كاملة دون أن أجادل لشد ما أكره الجدال
في السوق .. بلادنا ذات شواطئ ممتدة ولا نجد سمكا إلا بعالي الأسعار
.. ما أن دفعت الثمن حتى خطفها من يدي طفل صغير في العاشرة ذو أسمال
بالية يعمل " قماطا" ينظف الأسماك " أقطّعها"
قال في رجاء .. ولما لم أجبه .. أعاد بصوت أعلى "أقطعها شيخ"
ظانا أنني أصم ..أومأت بالموافقة فركض بها إلى مصطبته وأنا ألاحقه
.. أدهشتني حماسته في تقطيع السمكة وذيلها .. كأنه يؤدي عملا مهما
للغاية .. سألني إن كنت أريد الرأس ..قلت: "طبعا وماذا سيبقى
من السمكة يا ولدي لو ألقيت الرأس".. لم أكن محظوظا ببيض فيها..
" مثلجة .. ومصيودة من مدة تراها شيخ " قال لي بيقين مؤمن
مشيرا إلى خياشيم داكنة .. سألته إن كان من طلاب المدارس فرد علي:"
التعلوم ما حالنا "!! ناوشته ثلاثمائة بيسة قبلها ثم دسها في
جيبه.. سلمني سمكتي المقطعة الأوصال في كيس أسود.. ثم جرى خلف زبون
آخر دخل السوق..خرجت بالكيسة فابتعت بعض الخضار والفاكهة بما تبقى
في جيبي من ريالات ..الأسعار نار..رغم أن المنتج محلي..كان علي الآن
العودة بأقصى ما أستطيع من سرعة إلى البيت قبل أن تذيب شمس الصيف الحارقة
وتفسد كل ما اشتريته من بضاعة .. كان العرق يتصبب من أعلى رأسي إلى
أخمص قدمي.. كأني خضت البحر .. صففت الأكياس في صندوق السيارة بحرص
بدا شبيها بالتنور أحكمت إغلاقه.. البائع الشامي كان يراقبني من مقهاه
بعيني ذئب وعلى وجهه ما يشبه السخرية .. عدت إلى مقدمتها لأفاجأ بورقة
مخالفة غيابية مكتوب عليها "الوقوف في مكان ممنوع .. دون مبرر"
تلفتت حولي حانقا .. علي أظفر بالذي حرر تلك المخالفة .. وحكم علي
بموجبها أن أدفع عشر ريالات من راتبي التقاعدي الذي لا يكاد يكفيني
لآخر الشهر جزاء على شرائي قوت لعيالي بخمسة ريالات!! أية مأساة درامية
هذه ..لم ألمح أحدا ..ربما كان شرطيا دراجا خالفني ومضى ..لو وجدته
لقلت له " إخواني ..خالفوني بعد أن توفروا لي ولأمثالي من مرتادي
السوق مواقف كافية .. وتمنعوا باعة الخضار والفاكهة من احتلال المواقف
المخصصة لنا معشر الزبائن" ..كومت الورقة ..هرستها أصابعي بين
الملح والعرق وعفونة السمك..
دسستها في جيبي فلمست محفظتي التعيسة دونما قصد ..تذكرت مأساتي من
جديد " يالحظي التعس ..حتى على (الفقر) لا أخلو من الحسد"
قالت لي نفسي المكسورة وقد أوشكت على البكاء ..حانت مني التفاتة لميدالية
السيارة التي أهدتها زوجتي فتذكرت وقوفها في المطبخ وانتظارها لعودتي
..كي تعد الغداء فتحت باب السيارة..فلفحني الفرن بحرارته العالية تذكرت
أني نسيت إنزال نوافذها قليلا للتهوية.." يا للجو الخانق في بلدنا..
علي أن أغادر هذا المكان الموحش الكئيب بأقصى سرعة ..لعل نسمة من الهواء
النقي ..تخرجني مما أنا فيه".. أولجت المفتاح في قفل السيارة
أدرته بعصبية .. لأكتشف أن البطارية المريضة قد فارقت الحياة .
سمير العريمي*
* قاص عماني
أعلى
رمضان والعيد (أيام زمـان)
كانت قلوبنا غضة طرية حين تعوّدنا أن نصوم "أنصاف"
أيام من رمضان
ذكريات ومعان وعلاقات حميمة سادت وتحورت ثم بادت، فشكرا للمدنية والعولمة
يدمي القلب، وتدمع العين حزنا، لمغترِب راح يتناوشه
حنين رمضان "أيام زمان". بصمت وببطء أدار شريط الذكريات
نفسه دون سابق موعد أو إنذار. طافت الذكريات عبر البحار وحطت في قلب
بيتنا الكبير، في حارتنا الصغيرة، في عمّون أو عمّان، مدينة الجبال
السبعة، التي أضحت اليوم مدينة "العجائب" السبعة، نعرف منها
وننكر، وننكر منها ما لا نعرف، ولا نعرف منها ما كنا نعرف! كانت توقظنا
هزة رفيقة من يدي والدنا أو والدتنا لنشهد ساعة السحور، ساعة الزاد
والبركة، ساعة توزيع أرزاق العباد، ساعة يتبين فيها الخيط الأبيض من
الخيط الأسود من الفجر.
يمر "المسحّر" بحارتنا، ويتوارى طيفه سريعا، تحت جنح ظلام
دامس، يبدد بعضه، على استحياء، مصباح الشارع الخافت، لكننا لم نكن
نخطئ صوته الجهوري إذ يصيح:" يا نايم وحّد الدايم"! كان
يتبع نداءه الخالد صوت طبلته التي كانت تصدح بدمدمات إيقاعية تحت طرقات
قبضته القوية الصارمة. كنت ترانا نتسابق لاحتلال النافذة، كي نسارع
باختلاس نظرة ملهوفة، عجلى، لطبلته "السحرية" الغامضة التي
راحت توقظ من رقد أو غطّ في عميق السبات. كانت أبصارنا تتبع صوتها
الذاوي في عتمة الليل المظلم. نعود فنتوسّد مجالسنا تطالعنا أطباق
"السحور"، متوجسة ما هممنا به، وما تنطق به عيوننا، تفضح
نيّتنا بالتزود لصوم نهار قائظ من زاد وشراب.
دأبنا صغارا أن نسابق عقارب الساعة وقت السحور، نسابقها فنسبقها، ونغالبها
فنغلبها، فنحن صغيرنا من سبق ساعة "الإمساك" في رمضان واستعجلها
وقت الإفطار! كنت ترانا نتجرع الماء سراعا، لنغسل جهاز الهضم من لقيمات،
سارعت والدتنا بإعدادها لتستقوي بها أجسادنا الناحلة على جوع أيام
آب، التي كانت تناكف بطولها عالي السحاب. ما كان يوقفنا عن الأكل إلا
نداء "السمهوري" الملائكي الرخيم، مؤذنا، وموقظا ديك الصباح،
"الله أكبر، الله أكبر!" ترانا نتسمّر مع النداء، ترفع الأيدي
عن الأفواه، عن أطباق جفّت، وعن قصعات الفول والحمص والعسل واللبن
التي "لُحوست". "الصلاة خير من النوم!"، نعم،
صدقت وبررت يا "سمهوريّ" عمّون! يا من بشّرك وبشّر رفاقك
المؤذّنين المصطفى بطول العنق يوم القيامة. ما كان أعذب صوتك الندي
كل فجر يا "سمهوريّ"، يعبّق حاراتنا بالأذان، يصدح بالحق
من علياء مئذنة "الأشرفية" عبر أثير "الإرسال"
دون تلكؤ أو إبطاء. كم كنت تراك متجلّيا تراقص بحذاقة ٍنغمات الأذان،
وتختم النداء الخالد بالصلاة على خير الورى والأنام! صوتك الشجي كان
ينادينا بالحق، يجيب صداه فضاء المدينة الساكن، ومن كان له قلب أو
ألقى السمع وهو شهيد. ماذا صنعت بكم الأيام يا رفاق سحرنا؟ ولماذا
تغيّبتم اليوم عن رمضان؟
ما أحلاك يا رمضان في حارات ودروب عمّان العتيقة! كانت قلوبنا غضة
طرية حين تعوّدنا أن نصوم "أنصاف" أيام من رمضان بما كانت
تقوى عليه أفئدتنا البضّة الظمئة ومعداتنا التي لم تكن تطيق أكثر من
جوع سويعات. كنا نجمع هذه "الأنصاف" آخر الشهر مزهوين أننا
شاركنا الكبار صومهم، ولمّا يجرِ علينا القلم أو نبلغ بعدُ الحُلم.
قبل ثلاثين حولا، كبرنا وكبرت "أنصاف" الأيام لتصبح أياما
طوالا عطشى تلظّت بحريق شمس آب اللهّاب. تجف حلوقنا آخر النهار إلا
من ريق يكفي لكلمات متلعثمة قبيل "مدفع" الإفطار.
ترانا نعدّ ساعات اليوم الستة عشرة بالدقائق والثواني، ترنو أعناقنا
مشرئبة لمقرئ القرآن قبل أذان الإفطار، نحسبه يعاكسنا وهو يرتل آيات
الذكر الحكيم بتمهل ومطّ وتدبر. كنا نحسبه، مغتاظين، يمعن في معاكستنا،
صغارا، فما أن ينهي سورة قصيرة ليبدأ بترتيل أخرى. استعجل يا شيخنا
فلم يبق فينا من رمق أو طاقة لمدّ أيدينا لمائدة الإفطار، حيث الأطباق
الشهية والقطايف والخضار!
كانت أياما مجيدة جميلة بنهارها وليلها، كنا نملؤها نهارا عملا دؤوبا
ودرسا واجتهادا بالعبادة وخدمة أهلنا وقضاء حوائج الدار، نعرف "البقّال"
والفوّال والخضريّ ومن نمرّ على أبوابهم من الجيران، نطالعهم ويبادروننا
بالسؤال وبالسلام. كانوا يعرفوننا ويتقصدون معرفة من جهلوا منا، فأبو
رياض "الفوّال"، رحمه الله، كان يبادرنا بالسؤال:"
إبن مين إنت يا ولد!"، ويعرفني فيقول:" إنت إبن أبو نبيل،
سلّم على أبيك". طوابير "القطايف" كانت كالمنارة يستدل
بها التائه في زحمة الطريق. ليالي رمضان كان يجمّلها سمر العائلة وجلسات
الأحاديث حين تتعالى الهمسات والضحكات والقفشات، يختمها نعاسة ورقدة
خفيفة لا يبعثها إلا طبلة "المسحّر" تنبيها لمن داهمه النعاس
أو غشيته سحابة من نوم أو إغفاءة ثقيلة ممزوجة "بشخير" كالخوار.
في ليلة القدر، ليلة السابع والعشرين، كانت العائلة تستعد لقرب العيد
ورحيل شهر الصوم، كنا نسميه "العيد الصغير" لأن أيام عطلته
كانت ثلاثة أيام، بينما كان عيد الأضحى الذي يتبعه بعد أكثر من شهرين
بعد الحج كنا نسميه "العيد الكبير" لأن أيام عطلته أربعة
أيام. بعد ليلة القدر تجتمع النسوة والبنات لعمل "الكعك"
البيتي اللذيذ من اللوز والجوز والتمر. كنا نستمتع بالجلسات الاجتماعية
الدافئة في ليالي رمضان حيث تجتمع العائلة في سكون أواخر ليالي رمضان.
أما نهاية الشهر الفضيل، فكان يعلنها يوم "وقفة" العيد،
ويمثل حدثا "شرائيا" تنزل فيه العائلات لوسط البلد، تنفق
دنانيرها في أسواق "البخارية" وسوق "السكّر" وسوق
"الحرامية"(!)، تشتري مستلزمات الضيافة والحلوى وما طاب
من أصناف القهوة والمكسّرات.
يوم العيد الأول كان حدثا اجتماعيا وظاهرة فريدة! الجيران يتزاورون
في اليوم الأول فيما يخصص اليومان التاليان للأقارب والأصدقاء. بعد
صلاة الفجر تتعالى أصوات أهل الحي بالتكبير والتهليل، تبدأ باهتة وتعلو
مع ارتفاع ضوء الفجر الوليد وبزوغ شمس يوم العيد. نلبس فرحين ثيابنا
الجديدة التي توسّدناها قبل سويعات انتظارا لفرحة ننتظرها منذ السنة
الفائتة. كنت ترانا نسلك طريقا نسلّم فيه على من نلقاه ممن نعرف من
الجيران، كل يحثّ الخطى مسرعا وقد تأبط "سجادة" صلاته ليلحق
مكانا في ساحة المدرسة حيث صلاة العيد تقام في العراء. يخطب الإمام
ويهنئنا بالعيد، تراودنا خواطر الصبا وكيف سنقضي عطلة العيد. نعود
من طريق آخر، نسير مع جدّي علي، رحمه الله، مع أخي وأبي، نقف قليلا
للسلام والكلام، نتحرق شوقا للعودة للبيت والسلام على والدتي، تكسوها
حلة العيد، بيدها "دلّة" القهوة السادة الساخنة، نسلم عليها
ونقبّل يديها، وتسلم هي على جدّي، عمّها، وتقبّل يديه. ويمعن والدي
في معاكستنا بالتأخر عنا لطرح السلام والتحية على الجيران. ننتظر "عيديّة"
الكبار، نخرج فرحين للحارة، فقد بدأ "عيدنا".
أما "عيد الكبار" فكان مودة وسلاما وتراحما وصلة رحم وجيران.
بعد العودة من صلاة العيد يدق الباب أحد الجيران. يزورنا أبو محمد،
وبعد الضيافة والمعايدة ينطلق أبو محمد ووالدي لزيارة جارنا أبي العبد،
ثم يخرج الثلاثة للمعايدة على جارنا أبي إسماعيل، ثم يخرج الأربعة
للمعايدة على أبي خليل جار أبي إسماعيل، ثم يذهب الخمسة للمعايدة على
جارنا أبي محمد المقدسي، وبعدها يذهبون للمعايدة جميعا على جارنا أبي
عمر، والجميع بعدها يتوجهون إلى أبي محمد أبو شوشة، ثم أبي ماجد ـ
رحمهم الله جميعا.
وما أن يحين موعد صلاة الظهر أو بعدها بقليل حتى تنتهي معايدة الجيران
ليعود والدي للبيت ليجد والدتي أعدت طعام الغداء الشهي من اللحم "والمنسف".
في المساء تجلس العائلة تتسامر احتفالا بالعيد. نجلس مع جدّي، نسجل
أحاديثنا ونستمع إليها وتعلو الضحكات والنكات! آه ما أحلاك يا عيد
"أيام زمان"، حيث الأهل والأحبة والخلاّن في اجتماع ووئام!
اليومان الثاني والثالث، هما يوما المعايدة والسلام على الأقارب والأصدقاء
وزملاء العمل. ما كان هناك تليفون أرضي ولا "سماوي"، سلكي
أو لاسلكي، لم تكن هناك من حاجة للاختباء وراء "رسالة قصيرة"
أو "مكالمة مفقودة" غير مردود عليها أو "جوّال".
كانت الزيارات حميمة، عفو الخاطر، دون موعد مسبق، يدق بابك جارك، وربما
ينبئك بقدومه ولده الصغير في أحسن الأحوال. لا نفاق ولا دجل ولا مظاهر
ولا "تذرّع" بوسائل عولمة الاتصال، تلك التي قتلت العلاقات
الاجتماعية تحت ذريعة التطور والحداثة وغدر الزمان! بعد عشر سنين،
تبدل الحال، تغيرت النفوس، ضاقت المعيشة، وتبددت الصورة الحالمة القديمة
لليالي رمضان.
نام "المسحّر" وشبع نوما أغلب الليل، غاب ليلا وظهر نهار
العيد يجمع "البركات" النقدية من متبرعي الحارة! تغيرت الحارة،
انتقل شيوخها ومسنّوها للرفيق الأعلى ـ بعضهم في رمضان، وآخرون في
شعبان. تبدلت الوجوه، جيل جديد لا يعرف أصلا ولا تراثا طاف بالحارة
والمكان، يلعبون الكرة ولا يعرفون لكبير أي احترام. تراك تمر بالحي
وترد السلام على من بقي من كبار الحارة، بعضهم يسمعك ولا يراك وقد
وهن بصره، وانحنى ظهره، وبعضهم لا يكاد يعرفك فقد بلغ من العمر أرذله!
أصحاب المحلات التجارية تغيروا، بل تغيرت بعض النفوس! إن رددت السلام
على أحدهم ثم مررت على آخر ورددت السلام، قد لا يرد عليك لأنك رددت
السلام على "البقال" الأول!
في يوم آخر ترد على الأول ولا يرد عليك ويشيح بوجهه غاضبا لأنه لمحك
قبل يومين تشتري من بقالة الآخر، فأنت خائن غادر تهدد تجارته بالكساد!
النفوس اعتراها صدأ "المادّة" وجشع النقود. تزاور الجيران
يوم العيد اختفى وتحول إلى مصافحة عابرة إن صادفك في الطريق وكان لا
مفر من الوقوف. وإن كان يقود سيارته اختبأ خلف المقود وأشاح عنك ذات
اليمين أو الشمال! زيارة العيد في اليوم الأول للجيران تقلصت وحل محلها
زيارة المحارم من الأخوات المتزوجات والعمات والخالات، تكون بعدها
عودة للبيت لاستقبال من يؤدون الواجب الشرعي بصلة الأرحام.
ذكريات ومعان وتراث اجتماعي وعلاقات حميمة سادت وتحورت ثم بادت ـ فشكرا
للمدنية والعولمة وما جاءتنا به! أم ترانا نظلم عولمة وجدت نفوسا طائعة
تقبلت وتذرعت بتغير الأحوال والزمان. عدت لمدينتي بعد غيبة سنوات،
مررت بحارتي العتيقة غريبا تماما، فلا الدار دار ولا الجيران جيران!
مررت ملتفتا في الحي للأولاد الذي يلعبون أملا في نظرة معرفة أو مودة
لطرح السلام دون جدوى. فهم مشغولون بلعب الكرة ولا يعيرونك التفاتا
ـ وعليك أن تنتبه لكراتهم الطائشة. غياب الود الاجتماعي تدريجيا منذ
مطلع التسعينيات تطور مؤخرا للقضاء تماما على الزيارات الاجتماعية.
في السنة الماضية، انحسرت الزيارات لحدود المحارم وصلة الرحم لمن "يؤمن
بالله واليوم الآخر"، أما "غير المؤمنين" فاقتصرت مجاملاتهم
على رسائل قصيرة بالهاتف النقال. أصبح هذا عنوان العيد في المدينة،
لا مدينة عمان فحسب، بل مدن عربية كما تشي بها وسائل الإعلام.
يرحم الله أياما مجيدة عشناها أطفالا وصغارا، أضحت ذكريات بائدة تعيش
في أفئدتنا ووجداننا، في زمن حاضر غلبت فيه المادة والفقر والطمع والأزمات
الاقتصادية التي دكت دعائم المجتمع العربي دكا. ورحم الله يوما بكيت
فيه فلما صرت في غيره بكيت عليه! وسقى الله أيامك المجيدة يا رمضان!
فما دهاك اليوم يا رمضان ومن قبلك رجب وشعبان ومن بعدك شوال وذو القعدة
والحجة وغيّر أحوال المكان والإنسان! وأين ذهبت بهجة الصوم والسحور
والنوم والقيام؟ أهي الرفقة وأنس العائلة والجوار، أم تراها هي الترنيمات
الرمضانية الشذيّة التي تعبق أجواء المكان وتشنّف الآذان؟ أم لعله
"مسحّر" الأمس الوفيّ الذي لم يكن يرجو درهما سوى حمدا وثوابا
من ربه وشفاعة النبي العدنان؟ أتراها هي العولمة وأثير الإعلام، التي
غيّرت وبدلت أم هم العباد وجشع "الحيتان"؟ أم هي حداثة العصر
والزمان التي تطوي تراث الأصالة وعبق الذكرى مخلفة دموعا وترحما وحنينا
لماضٍ يؤول للنسيان؟
د. وليد احمد السيد*
* باحث وأكاديمي ـ لندن
sayedw03@yahoo.co.uk
أعلى
"فانوس رمضان".. يتوارثه المصريون مهما غيرت التكنولوجيا
من شكله
القاهرة - من نورا طه*
تعتبر فوانيس رمضان من الذكريات الهامة وموروثا تاريخيا في شهر رمضان
الفضيل عند المصريين بين الصغار والكبار على حد سواء ، وما أن يبدأ
شهر شعبان حتى تكتسى أرصفة الشوارع المصرية وواجهات المحلات بالفوانيس
المختلفة الأشكال والألوان ويستمر هذا الحال حتى قرب نهاية شهر رمضان.
وتاريخيا نجد أن الفانوس استخدم في صدر الإسلام في الإضاءة ليلاً للذهاب
إلى المساجد وزيارة الأصدقاء والأقارب ، وقد عرف المصريون فانوس رمضان
في الخامس من شهر رمضان عام 358 ه وقد وافق هذا اليوم دخول المعز لدين
الله الفاطمى القاهرة ليلاً فاستقبله أهلها بالمشاعل والفوانيس وهتافات
الترحيب وقد تحول الفانوس من وظيفته الأصلية في الإضاءة ليلاً إلى
وظيفة أخرى ترفيهية إبان الدولة الفاطمية حيث راح الأطفال يطوفون الشوارع
والأزقة حاملين الفوانيس ويطالبون بالهدايا من أنواع الحلوى التي ابتدعها
الفاطميون، كما صاحب هؤلاء الأطفال بفوانيسهم (المسحراتي) ليلاً لتسحير
الناس، حتى أصبح الفانوس مرتبطاً بشهر رمضان وألعاب الأطفال وأغانيهم
الشهيرة في هذا الشهر ومنها "وحوي وحوي" وغيرها.
وتعددت القصص والروايات التى تتحدث عن اصل الفانوس وبداية ظهوره فمنها
أن الخليفة الفاطمى كان يخرج إلى الشوارع ليلة الرؤية ليستطلع هلال
شهر رمضان، وكان الأطفال يخرجون معه ليضيئوا له الطريق وكل طفل يحمل
فانوسه ويقوم الأطفال معاً بغناء بعض الأغانى الجميلة تعبيراً عن سعادتهم
باستقبال شهر رمضان.
وهناك قصة أخرى عن أحد الخلفاء الفاطميين أنه أراد أن يضيء شوارع القاهرة
طوال ليالى شهر رمضان، فأمر كل شيوخ المساجد بتعليق فوانيس يتم إضاءتها
عن طريق شموع توضع بداخلها ، وتروى قصة ثالثة أنه خلال العصر الفاطمى،
لم يكن يُسمح للنساء بترك بيوتهن إلا فى شهر رمضان وكان يسبقهن غلام
يحمل فانوساً لتنبيه الرجال بوجود امرأة فى الطريق لكى يبتعدوا.
وقد ظهرت أنواع عديدة للفوانيس فقد كانت في الماضي وما زالت فوانيس
الشمع التي تتميز بألوانها الجذابة والمصنوعة من الزجاج في صورة نوافذ
متلاصقة في إطار من الألومنيوم والنحاس وعليها رسومات مزخرفة وباب
لإدخال الشمعة التي تستقر على قاعدة معدة لذلك ويتم إضاءتها فتعكس
ألوان الزجاج المزخرف ولكن يعاب عليها بأنها ضارة لصحة الأطفال وخطرة
فقد تم استبدالها الآن بأنواع حديثة وظلت تتطور حتى أصبحت الآن تستخدم
التكنولوجيا الصوتية والضوئية واختلفت تماما عما كانت عليه ولكنها
احتفظت بإدخال البهجة والسعادة على الأطفال.
ولم يقتصر الفانوس على التعلق فى يد الأطفال ليلا فى رمضان بل امتدت
الصلة إلى الكبار والبيوت نفسها ، فلا تكاد تخلو حارة أو شارع فى مصر
من فانوس ضخم مصنوع من المعدن والزجاج الملون أو من الخشب وورق السلوفان
ومعلق بالشارع وبه مصباح كهربائى ليعبر عن فرحة اهل الشارع أو المنزل
بحلول الشهر العظيم الذى يعتبر الفانوس من أشهر معالمه ومظاهره المحببة
إلى الصغار والكبار معا.
وللفانوس أكثر من عشرين إسما منها أبو شرف أبو عرق أبو لموز أبو حشوة
المسدس الصاروخ الدبابة شقة البطيخ علامة النصر أبو اللجم الترام أما
أشهر الأسماء كلها فهو أبو ولاد وهو أكبر الفوانيس التي تصنع في رمضان
وهو على هيئة شكل رباعي ويطلق عليه هذا الاسم لوجود أربعة فوانيس صغيرة
تعتمد على زواياه الأربعة وكل واحد منها يمثل أحد أولاد الفانوس الكبير،
ولكبر حجم الفانوس فلا يستطيع الاطفال حمله ويقتصر استخدامه على أصحاب
المحلات التجارية الذين يزينون به واجهات المحلات ويضاء بمصابيح الكهرباء.
والمعنى الأصلي للفانوس كما ذكر الفيروز أبادي مؤلف القاموس المحيط
هو النمام ويرجع صاحب القاموس تسميته بهذا الاسم إلى أنه يظهر حامله
وسط الظلام والكلمة بهذا المعني معروفه ، وفي بعض اللغات السامية يقال
للفانوس فيها فناس.
ورغم أن الفانوس لايظهر إلا عند استقبال شهر رمضان إلا أن عملية صناعته
مستمرة طوال العام فقد بدأت صناعته منذ العصر الفاطمي تتخذ مسارا حرفيا
وابداعيا في الوقت ذاته، فظهرت طائفة من الحرفيين في صناعة الفوانيس
بأشكالها المتعددة وتزيينها وزخرفتها، ولم يتشكل الفانوس في صورته
الحالية إلا في نهاية القرن التاسع عشر وأصبح يستخدم الي جانب لعب
الأطفال في تزيين واضاءة الشوارع ليلا كما كانت وظيفته الأصلية خلال
شهر رمضان رغم وجود وسائل الاضاءة الحديثة وارتبطت صناعة الفانوس في
القاهرة الفاطمية بأحياء الدرب الأحمر وبركة الفيل حيث اشتهر من الحرفيين
في صناعة الفوانيس بالسمكري البلدي، ويبدأ الحرفيون في العمل بعد انتهاء
عيد الفطر مباشرة حيث يكون العمل تحضيريا فقط ويصل الى ذروته قبل حلول
شهر رمضان ببضعة أشهر.
وأصبحت الفوانيس الحديثة تصنع من البلاستيك وتعمل بالبطاريات ولها
أحجام وأشكال مختلفة ، وتطور الفانوس مع تطور الحياة الحديثة خاصة
التكنولوجيا ، فبدأت تظهر فوانيس محملة بأضواء الليزر بدلا من الشمعة
قديما ، بل وتصدر أصواتا بالأغنيات الأكثر رواجا فى الشارع المصرى
أو بصوت الاذان ، كما امتد تغيير الشكل ليصل إلى الشخصيات المؤثرة
مع الأطفال المصريين فظهرت فوانيس على هيئة الشخصية الكارتونية الشهيرة
"بكار" ، وظهر هذا العام فوانيس على هيئة "مستر كرومبو"
وهو الشخص الكاريكاتورى الذى يقدم أحد المسابقات على الفضائيات.
وأياً كان أصل الفانوس أو صناعته او اسمه او شكله او سعره يظل رمزا
خاصا بشهر رمضان خاصةً في مصر ، وينتقل هذا التقليد من جيل إلى جيل
، وتتوارث الأطفال عادة الخروج بالفنوس إلى الشوارع.
* وكالة الأنباء العربية
أعلى
( قصة قصيرة )
الأب..
الرغبة ..
أفاق الأب ، لحظات ، من الغيبوبة التي يعاني
منها في الأيام الأخيرة .. قبل الدخول في سكرات الموت . نظر حوله ..
الأم وجميع الأبناء والأحفاد يلتفون . في وجوم . حول الفراش الذي ينام
عليه منذ أن بدأ المرض اللعين وطال الأمد في الشفاء ..
تحركت عيناه ببطء ومال الرأس المشيب ناحية أم الأبناء وجدة الحفدة
. همس يصوت مخنوق :
أين هو ؟!
الصمت سرى بيننا جميعاً ، تلاقت نظراتنا معاً في حيرة وتساؤل عمن يقصده
الأب الذي يصارع الموت . خيم الحزن على الأم . لابد أنها تعرف شيئاً
عن هواجس الأب . قالت بهدوء :
كلنا ، هنا ...
في عينيّ الأب نظرة عتاب وحيرة ، كأنما لم يقتنع بالجواب . عادت نظراته
الكليلة تتفحصنا جميعاً ، يبحث عن شيء مفقود ، يود رؤيته قبل الرحيل
. كلنا في الغرفة الناعسة كنا نتوقع أن يسأل عن شيء ما .. مطلب عزيز
المنال ، وفي نفس الوقت نتمنى . جميعاً . أن نحقق له . الأمنية الأخيرة
. كل المطالب المستحيلة .
قال الأب الراقد على فراش الموت ، بصعوبة بالغة :
أخوكم . الغائب ..
جاءت هذه اللحظة التي كنا . جميعاً . نخشاها .. السؤال عن الابن الغائب
في البلاد البعيدة .. هناك مسافات شاسعة ، أراض خضراء وصفراء وصحار
وجبال وأنهار وبحار زرقاء . كيف السبيل إليه ؟!
هناك العمل ، وإجراءات السفر والعودة ، الظروف المتاحة وغير المتاحة
للحصول على الأجازة ، تذكرة الطائرة والشهور القلائل التي قضاها هناك
.. لن تسمح له بالحصول على الأجازة ، والعودة . عراقيل كثيرة وصعوبات
لا حصر لها ، تقف أمام حضور الغائب. والأم تخشى على الحبيب الغائب
من القلق والحيرة في غربته . وحيداً . إذا علم بمرض الأب الذي طال
، ربما يحزم أمره ومتاعه القليل ويترك عمله ويعود .
خرجت الأم ، خارج الغرفة شبه المظلمة ، تقلب الأمر من جميع الوجوه
، تمستح جنبات البيت ، تستنشق الهواء المنعش . أحست بأن أكبر الأبناء
يقف خلفها . استدارت وسألت في حيرة وقلق :
ما العمل ، الآن ؟!
قال أكبر الأبناء وابنها البكر ، في يأس وقلة حيلة :
ليس بيدنا .. شيء .
في داخل الغرفة ، راح الأب في سبات عميق من اللاوعي بما يحيط حوله
. ظل هاجس الابن الغائب يراوده طوال مرضه ، يتردد في داخله. ظننا أن
المرض العضال سيفقده هذا الهاجس ، لكن ظل يذكره كل حين وآخر .. حتى
جاءت سكرة الموت ولم نكن ندري أو نتوقع أنها النهاية.
ظللنا نجتمع حوله في صمت ، نترقب حالته وما تسفر عنه هذه الغيبوبة
.
ران الصمت ، لم نتوقع أن يفتح عينيه ، يعتدل في الفراش ، يترك سريره
ويسير عدة خطوات وئيدة . من حلاوة الروح . ناحية باب الغرفة وهو يهتف
:
ابني ...
ولأول مرة يذكر اسمه بوضوح ويغمغم بكلمات مبهمة كأنما يريد أن يراه
. لم نفق من ذهولنا مما حدث أمامنا جميعاً ونحن جلوس ..عند باب الغرفة
سقط الأب على الأرض . أسرعت الأم إليه وعاونها أكبر الأبناء في حمله
إلى الفراش . كان جثة هامدة فقدت الحياة ، وفقد الأمل الأخير في مشاهد
أحد الأبناء ، ولم يمهلة الموت لتحقيق رغبته الأخيرة !!
قال أكبر الأبناء وهو يغالب العبرات :
كان يتمنى أن يراه ..
عقبت الأم وهي ما زالت متماسكة :
عندما اقترب من باب الغرفة .. لابد أنه رأى طيفاً..
صمتت ، ثم أردفت بصعوبة :
تلك هي إرادة الله .
وانهمرت الدموع ..
* * *
* السحب ..
احتار الأب ..بحث بين جنبات الكون الأربعة ،
لمن يبلغ الخبر ؟ من يشاركه فيما يجيش بين جوانحه !! كل إنسان في هذا
الزمان يعيش في جزيرة شبه منعزلة !!.
وقف حائرا . من يحس بأحاسيسه ، يحزن لأحزانه ، يفرح لأفراحه ؟! . ضغط
على البرقية بين أصابعه بشدة .. أحس بحبيبات العرق تنضح على الجبين
الخالي من الشعر . أعاد وضع المنظار على عينيه .. قرر أن يذهب إلى
رئيسه ليبلغه الخبر ، حتى يشاركه في أفراحه وأتراحه ومايدور تحت الضلوع
.. بسمل ودخل بقدمه اليمنى . قبل أن ينطق . بادره متسائلا عن الأعمال
التي تعطلت منذ البارحة مما أدى إلى تأخير بقية الفروع المترتبة عليها
، حاول أن يتكلم ، فتح فمه لينطق بما في جوفه وذهنه . أن يفضفض ، حتى
يجد من يسمعه .. لكن ذهبت كل محاولاته هباء !!
استدار وخرج في صمت ..
لم يدر الأب إلى أين يذهب ، وإلى أي مكان يقصد ؟! من يبلغه الخبر ،
من يشاركه ما يدور في أعماقه !! حاول أن يجمع شتات أفكاره ، وأسرع
إلى صديقه ، زميل العمل ، الذي يشاركه المسكن والمآكل والمشرب . هو
الصديق الوحيد الذي سيعطيه أذنيه ، سينصت له باهتمام ، سيفرح لفرحه
ويحزن لحزنه.
عندما دخل عليه وجده منهمكا بين سيل من الدوسيهات والأوراق المكدسة
أمامه على المكتب ، حاول أن يلفت انتباهه ، تنحنح وقال كأنما يناجي
نفسه :
اليوم ، وصلتني برقية ..
لم يرفع صديقه رأسه عن الأوراق ، لم يعره أدنى اهتمام ، ولم يعقب ..
استطرد الأب قائلا :
لم تسألني ما بها ؟!
قال له بجفاء :
دعك من المهاترات ، إنني أريد أن أُنجز ما تحت يدي ، قبل موعد الغداء.
لم يكن يتوقع ذلك ممن يقاسمه المعيشة ، الغربة ، مرارة الفراق ، الشوق
للأهل والأحباب..وفوق كل ذلك يشاركه العمل . توقفت بقية الكلمات وذاب
الحديث الذي أعده في ذاكرته .. صمت .
ظل طوال يومه مطحوناً في العمل . لا يدري ما العمل الذي أنجزه ، وما
لم ينجزه بعد ؟! هل أدى عمله على الوجه الأكمل ؟ هل نسي شيئاً ؟!
في نهاية الدوام ، سار شارداً في شرود .. أخذ يتطلع إلى البنايات التي
نبتت وزرعت بين الصخور وعلى جانبي الأودية الجافة وفي السهول البور
..
وعندما إقترب من المسكن ، توقف .. شاهد خلفية الصورة رمادية قاتمة
، يبرز جزء ضئيل من زرقة السماء الخالية من نتف السحاب ..
واغرورقت عيناه بالدموع ..
* * *
* الزمن ..
احتضن الأب النخلة ، بدأ في الصعود للوصول إلى
القمة لجني ثمارها. هيه .. واحد ، اثنان ، ثلاثة ... زلت قدمه وسقط
على الأرض . اسرع الابن الذي يقف على مقربة من جذع النخلة وساعده على
الوقوف . تبادلا النظرات في صمت ..
عاود الأب المحاولة مرة ثانية ، تشبث بساق النخلة بذراعيه معاً ، وبدأ
في الصعود . هيه .. واحد ، اثنان ..
زلت قدمه اليابسة من فوق جذع النخلة وهوى أسفلها مرة ثانية. أسرع الابن
إليه يسانده دون أن يتحدث . أخذت أنفاس الأب الحارة تتردد .. أحس الابن
بأن الأب بذل مجهوداً كبيراً ، قال في هدوء :
اتركها .. سأتولى العمل بدلا منك ..
رفع الأب يده معترضاً :
لا . هذه النخلة بالذات ، لا ..
صمت الابن ، أردف الأب :
إنها تذكرني بشبابي ، لن يعتليها أو يحتضنها أحد غيري . سأظل أصعدها
حتى آخر يوم في حياتي ...
لم يعقب الابن ، لم يحاول النظر في وجهه الأب .
هم الرجل الضامر البدن في الصعود مرة ثالثة ، لكن النخلة خذلته وألقت
به أرضاً . جرحت ساقه ، قال الابن وهو يعاونه على السير :
الشمس أوشكت على الغروب . هيا.. لنضمد جرحك ، وفي الصباح تحاول الصعود
مرة أخرى ..
عقب الأب :
لن تستطيع أن تضمد الجرح الذي في أعماقي..
عندما استراح الأب في مجلسه ، وتناول كوب الشاي الساخن من ابنه ، قال
في صوت هامس كأنما يحدث نفسه :
ظللت طوال عمري أصعد النخيل . الصعود ليس صعباٌ .. لكن الصعوبة أن
يظل الرجل فوق النخلة ، عند القمة ، بين السعف والسوباط . وفوق كل
ذلك ، أن يحافظ على نفسه وإتزان رأسه .. حتى لا تطرحه النخلة أرضاً
، عندما تحس بضعفه وهوانه .
اعتقد الابن أن الأب يبرر فشله في الصعود فوق النخلة . ظل طوال الوقت
صامتاً . رفع الأب رأسه ونظر ناحيته وعاد يقول في صوت مكتوم :
الآن يأتي عليك الدور ، لتكمل الصعود ..
في الصباح الباكر الحنون ، لم يجد الابن أباه في مرقده . بحث عنه .
خرج . اندفع صوب النخلة القصيرة التي تحمل الرطب الأصفر الذهبي ، وجد
الأب يحتضن الجذع الغليظ ، بلا حراك ...
عبدالستار خليف *
* كاتب وروائي مصري
أعلى
في "أزمة الفكر العربي والإسلامي"
رفعت السعيد يطرح آفاق التنوير وتحديات المثقف العربي
المثقف العربي مطحون بين معايير السياسة والتفاعل مع السلطات الحاكمة
والسعي وراء المال
كثرة الافتاءات باتت من العلل الكبرى التي ينبغي وضع حد لها لأنها
تمس الدين والحياة والأمن الذاتي للمسلمين
القاهرة - من حسام محمود*
يستهل المؤلف الدكتور رفعت السعيد كتابه "أزمة الفكر العربي والإسلامي"
بالحديث عن آفاق التنوير المعرفي كهدف يبقى في ذاكرة التاريخ للعلماء
والأدباء، فالمثقف المستنير لا يقع في الأخطاء التي قد تقوده إلى الهاوية
والهلاك، بما يملكه من إدراك بحقائق الأمور، فالبعض يعمل عقله بالاتجاه
الصحيح ليضيء به ذاته من أجل منافعه، ولتكريس إيجابيات تفيده في حياته،
وما من قيمة لعقل يمنع صاحبه من اغتنام ثمار المعرفة، والعقول المضيئة
ترتبط بالإلهام، والإدراك الصحيح، وتنعكس على المواقف تجاه المجتمعات.
وقد أكد مفكرون إسلاميون أن ما يدور بالعقل هو مرآة للنفس، ونتاج تجارب
وخبرات طويلة ماضية أو حاضرة أو تطلعات مستقبلية، ومن ثم فإن الحروب
الأدبية التآمرية التي تصطدم بالأفكار السليمة، لن يقوم لها مقام،
طالما هناك وعى بحقائق الأمور عند الرواد والمبتكرين، وصولا إلى جهود
الكوادر الشابة في البحوث والدراسات عبر العصور. وينتقد كثير من المفكرين
الإسلاميين ما يصنعه البعض من أشكال الوصولية إلى المناصب، وخطواتهم
الممزوجة بالانتهازية والنفاق، ولعل الثورات الفكرية دائما تكون الخيار
المتاح والضروري لوقف زحف الشراذم الذهنية الهدامة، والتي يريد البعض
المقامرة بها ضد المجتمعات، خاصة بالشرق الذي عانى ويلات الاحتلال
البغيض والاستعمار الأجنبي، والصراعات بين أفكار التحرر والفساد.
كذلك تواجه العقول العربية والإسلامية تحديات كثيرة منذ القدم بروح
الإصرار لدرء التيارات المناوئة، والقضاء على العولمة الماجنة التي
تخلط الأمور، في حين يردد البعض أن إعادة إنجازات الحضارات القديمة
والفانية يستلزم العودة إلى كل ما هو تراث تاريخي، وإحياء ثقافاته
بلا ضوابط أو إصلاحات.
ويرى الكاتب أنه كان للإغريق القدامى وغيرهم بالغرب تجارب حضارية في
هذا المنوال، حيث اعتقدوا أن العصر الذهبي لحضاراتهم وجد في التاريخ
الماضي، ومن اللازم السعي لاستعادة ما كان قد سبق من إنجازات وتفوق
مرحلي بالعودة للوراء، والحقيقة أن هذه الفكرة تلازمت مع إرهاصات أكثر
خطأ منها، وهى أن النهج الصحيح والقويم في معالجة الأدب والثقافة والعلم
لا يتحقق إلا بالاستناد إلى أقوال ومفاهيم وفتاوى القدماء، فأغفل الإغريق
عن دور الإبداع العقلي، وفشلوا باعتمادهم فقط على النقل عمن سبقوهم،
فكان يجب عليهم إدراك أن الإنسان يبدع ليطور نفسه ومجتمعه ويحسن معيشته،
لكنه ينبغي مراعاته لمتغيرات الزمان والمكان، ومستحدثات الحياة، لكي
يتأقلم مع ما يطرأ من مشكلات وقضايا ملحة.
أما على ساحة الفكر الإسلامي، فيؤكد الكاتب إلى أن هناك حاجة ماسة
إلى التفرقة بين الابتداع والبدعة، التي هي ضلالة في الدين، فالفقه
يستند إلى الرأي الشرعي الراجح، والقياس مع التجارب الأخرى بالعقول
المستنيرة، وتطبيق نظم تصل بالأمة إلى المصالح المأمولة، وهذا كله
يتطلب استخلاص أفضل الأحكام، والمواقف لتتلاءم مع الزمان والمكان،
كما أن الضروريات قد تبيح المحظورات في التفكير والعمل، وإذا ما تحققت
مصالح الناس المشروعة، فثمة أوجه ارتباط بينها وبين السير على نهج
الله، فالدين يأمر بالبر والإحسان والتقوى، وهى أفكار تحمل في طبيعتها
فتاوى، وفي مضمونها أحكاما يجب السير عليها باستقامة وعدم تحريفها.
وقد فطن النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى هذه الأطروحات مبكرا، عندما
قال لأهل المدينة (أنتم أعلم بشئون دنياكم)، ولم يفرض عليهم آراءه،
وغرس بذور الود بين قبيلتي الأوس والخزرج، والتصالح القائم على احترام
الآخرين، والتعايش السلمي، رغم أنه كان قد انتقل من مكة إلى المدينة،
ولم يبعد كثيرا زمانا ومكانا ليكون غريبا عن أجواء الجزيرة العربية،
لكن رأيه الراجح دل على ديمقراطية إسلامية فريدة، وعدم فرض الأمور
الدنيوية والمعيشية من الخارج على السكان في الداخل، خاصة أن كل مجتمع
له سماته وأعرافه، طالما لم تتعارض مع الدين، فالإسلام لا يعرف الكهنوت،
ولا يعط لأحد أيا كان سبيلا لفرض صورته في التدين على أحد، فللمسلم
أن يتلقى إيمانه من القرآن مباشرة دون تدخل من أي امرئ، ومضى في هذا
محمد عبده الإمام الشيخ المصري إلى تسجيل رأيه التاريخي حول هذه القضية
بالتأكيد على أنه (ليس لمسلم مهما علا كعبه في الإسلام على آخر، مهما
انحطت منزلته فيه، سوى حق النصيحة والإرشاد) ويمضى الشيخ محمد عبده
إلى القول: إنه (ليس في الإسلام ما يسمى عند قوم بالسلطة الدينية بوجه
من الوجوه، ولم يعرف المسلمون في عصر من العصور تلك السلطات الدينية)،
ويقصد بالطبع عدم التدخل بالقوانين الوضعية فيما يتعلق بعلاقة المرء
بربه، وبالتالي نفي وجود تسلط على الإيمان من قبل أي قوى مهما عظمت
جبروتها، وتميز محمد عبده بالتشديد على حرية العبادة لرب العالمين.
من جانب آخر يحذر الكاتب من خطورة الفضائيات التي ملأت المجتمعات المعاصرة
بالإفتاءات عن مختلف القضايا والمشكلات، حيث إن كثرة تلك الافتاءات
باتت من العلل الكبرى، التي ينبغي وضع حد لها، لأنها تمس الدين والحياة
والأمن الذاتي للمسلمين، ومستقبل الأجيال الحالية والقادمة. ولعل هناك
مشاكل أدت إلى هذا الزخم من تضارب الفتاوى والآراء في الدين التي تستعرضها
وسائل الإعلام، وتكمن في تقصير بعض الفقهاء والشيوخ في البحث، وقصور
التجديد للخطاب الثقافي الإسلامي لمعالجة ما يطرأ من متغيرات العصر
الحديث.
وينتقد المؤلف إفتاء بعض الشيوخ في كل الأمور الدينية والدنيوية، حتى
لو كانت بعيدة عن تخصصهم ومعارفهم، فهم يخجلون عن قول (اسألوا أهل
الذكر إن كنتم لا تعلمون)، بل ويحسبون أنفسهم أهل الذكر بإطلاق الأحكام،
ولا يفطنون إلى ما ورد بأنه (من قال لا أعلم فقد أفتى) ، لكنهم يلجأون
إلى إصدار الفتاوى العشوائية، كي لا يقال عليهم جهلة، حتى صارت الفضائيات
الدينية على وجه الخصوص بها بعض المرتزقة من مروجي الافتاءات بلا دراية
كافية، فالبحث عن كل مشكلة يرتبط بجوهرها الديني، ومدى سلامة القضايا،
وابتعادها عن التصريحات الرنانة التي لن تفيد المتسائلين عنها، بينما
لب المشكلات تتقاذفه ألسنة بعض علماء هذا الزمان الذين لا يألون جهدا
للدراسات العميقة والأفكار المستنيرة.
فالجوامع ودور العبادة كانت ولا تزال لها ارتباط كبير بحياة البشر،
وبمصير الأمم، لكن تهميش بعضها يؤدى إلى عدم وجود رقابة كافية على
ما يتداوله الناس من أحكام موثوق بها، فالمقصود ليس إيجاد وسيط بين
العبد وربه، بل إيجاد عقول مستنيرة بالعلوم الفقهية لتعرف الناس بأمور
دينهم ودنياهم بما يصلح آخرتهم.
إن المثقف العربي مطحون بين معايير السياسة والتفاعل مع السلطات الحاكمة،
والسعي وراء المال، فإن تحاشى السلطات وسيفها سيبقى بلا قوت من مهنة
الكتابة، ولو تلون وصنع المؤامرات أو بات تابعا لتيار بذاته، بزغ كمن
يلتهم الأموال مقابل بيع الأفكار، وهذا المثقف والمفكر العربي إن سلم
بنفسه من ذاك وذاك فهل يجد ثمنا لقلمه يكفل له حياة كريمة ؟ قبل أن
يقيد أو تضيع معالمه، فالمثقفون مهما كانت ضمائرهم في صراعات دائمة
بين القيم والواقع، وبين الحقائق المادية والخيال الراغب في تكريس
مشاعر الخير والجمال والبر.
ورغم كافة الإرهاصات الثقافية التي قد تحيط بالكثير من المبدعين العرب،
يبقى الرهان دائما على أصالة ضمائرهم، وقدرتهم على الثورة على الشر،
وكشف التيارات المزيفة للحقائق مهما كانت الظروف القاسية المحيطة بهم،
ومن المدهش ما يراه الرواد والأدباء اليوم من صفقات سرية وعلنية لبعض
الصحف والمجلات والفضائيات بحثا عن المال تحت ستار الإعلام، ولهثها
خلف الإعلانات أكثر من بحثها عن الأدباء والمثقفين والمبدعين، الذين
كانوا في الأزمنة السابقة محورا للاهتمام الحقيقي، وللعجب وجود الكثير
من المتلاعبين بمنظمات المجتمع المدني والهيئات الإنسانية في بعض الدول
النامية والفقيرة، حيث يستغلون مظاهر الحاجة ومجاعات ملايين البسطاء
والمحرومين لجمع الأموال ونهب معظمها لأنفسهم، ليطفو هؤلاء فوق سطح
المجتمعات بثراء نابع من الفساد وانعدام الضمائر.
ويستخلص المؤلف في النهاية عن وجود ترابط بين التطورات الاجتماعية
والسياسية بالبلدان الإسلامية، تتعلق بمدى انفتاحها بحساب على العالم
الخارجي، حيث يجب عدم الوقوع في أخطاء قد تقلب موازين الأمور ومصائر
دول الأمة، وعدم السكوت مثلا على التيارات المتمردة التي غالبا ما
تستلهم دعمها من الخارج، وينبغي الضرب عليها بيد من حديد، حتى لا تقوم
بارتكاب جرائم تروع الآمنين، فالثقافة لا تعنى التخاذل خلف عباءة الفكر
دون النزول على أرض الواقع، ومن الضروري التصدي للأفكار المنحرفة والهدامة
التي يريد البعض المقامرة بها ضد الأمة الإسلامية، وهؤلاء هم الذين
أحيانا يقولون كلمات حق يراد بها باطل لتضليل الآخرين.
* وكالة الأنباء العربية
أعلى
الأزمات السياسية الناجمة عن التنافس البريطاني الفرنسي في عُمان 1888م
- 1913م
أزمة تجارة السلاح 5 - 5
أخذت تلوح في الأفق إمكانية قيام الحكومة البريطانية،
بالموافقة على دفع تعويضات لتجار الأسلحة، مقابل التوقف عن ممارسة
هذه التجارة، عندما تبين لها مدى إمكانية بحث هذه القضية مع الحكومة
الفرنسية، خاصة وأن الفرنسيين كانوا يطالبون منذ صدور قانون مستودع
الأسلحة على ضرورة تعويض التجار الفرنسيين.
ورأت حكومة الهند البريطانية بأن الطريقة المناسبة للتعويض هو شراء
كميات الأسلحة الموجودة في مسقط، بعد أن كانت تتحاشى هذا الموضوع،
لأنه أصبح من المؤكد بأن تكاليف تلك التعويضات ستكون على حساب الحكومة
البريطانية في ظل الأوضاع المالية السيئة للسلطان فيصل، والذي يفترض
أن يكون هو المسؤول عن تلك التعويضات، ما دام أنه هو الذي أصدر قانون
مستودع الأسلحة.
وقد بحث كوكس هذا الموضوع، ورأى بأن مبالغ التعويضات ستكون هائلة،
لذلك طرح فكرة أن التعويض يجب أن ينطبق فقط على الأسلحة الموجودة في
مسقط، وأنه يجب استثناء الأسلحة الموجودة خارجها، فوافقت حكومة الهند
على ذلك، وأعربت في الوقت نفسه عن ضرورة اشتراك حكومتي الهند ولندن
في دفع قيمة التعويضات بالمناصفة بينهما.
وفي 16 نوفمبر صرح إدوارد جري للسفير الفرنسي في لندن، أنه لن يكون
هناك مصادرة للأسلحة منذ صدور القانون، ولذلك لن تصادر أية أسلحة أخرى
حتى يتم التحكيمواعترض في الوقت نفسه على مطالب بوانكاريه المتعلقة
بتعطيل قانون مستودع الأسلحة ورأى بان تعطيل القانون ليوم واحد، أو
إرجاع ما تم مصادرته من أسلحة، سيؤدي إلى إثارة القلاقل في فارس وأفغانستان،
وأكد بأن التدخل الفرنسي في شؤون السلطان الداخلية يعد خرقا لتصريح
1862م.
من أجل تسوية ودية لهذا الموضوع اقترح جري في
30 ديسمبر ما يلي:
1 ـ تعلن الحكومة البريطانية عن موافقتها على
التنازل عن مطالبها بالمساواة التامة لمعاملة البضائع البريطانية والفرنسية،
في موانئ الجزائر والمغرب، استنادا إلى المادة الرابعة من الوفاق الودي
بين البلدين الذي صدر في 8 أبريل 1904م.
2 ـ تتعهد فرنسا بعدم نشر تسوية عام 1897م، المتعلقة بواردات بريطانيا
من القطن من تونس لمدة 15 عاما، والتي نصت على أن الحد الأقصى للجمارك
الخاصة بتلك الواردات لا يتجاوز 5%.
3 ـ تبادر الحكومة الفرنسية إلى الاعتراف بشرعية القانون، الذي أصدره
السلطان والخاص بمستودع الأسلحة، وأن لا تحاول إعاقة كل ما يتعلق بتنفيذ
ذلك القانون، لكن الحكومة الفرنسية عارضت تلك المقترحات، وأعلنت في
18 نوفمبر 1913م بأن تلك المقترحات تدفع بفرنسا إلى التنازل عن حق
مقرر لها مقابل الحصول على امتيازين في الظاهر، إلا أنه في الحقيقة
امتياز واحد، لأن تخلي بريطانيا عن بعض حقوقها في موانئ الجزائر والمغرب،
مقابل تخلي فرنسا عن حقوقها في مسقط لا يبدو متكافئا ، فالتنازل عن
المساواة التامة في تلك الموانئ، لابد أن يكون منطبقا على موانئ مصر
أيضا وأكدت على إصرار فرنسا على مبدأ التحكيم الذي اقترحته بريطانيا
على لسان سفيرها في باريس، وبأنه على بريطانيا دفع تعويضات عادلة للتجار
الفرنسيين في حالة تراجعها عن ذلك.
وفي 22 فبراير 1913م، أعلنت بريطانيا عن استعدادها لتعويض التجار الفرنسيين
رغبة منها في إنهاء هذه الأزمة دون اللجوء إلى التحكيم. وعلى إثر ذلك،
أعلن وزير الخارجية الفرنسي الجديد، ستيفن بيشون Stephen Pichon، عن
تأييده للموقف البريطاني الأخير، وعن استعداد الحكومة الفرنسية للتفاوض
لإنهاء هذا الخلاف، ودعا بريطانيا إلى إرسال ممثل يتفاوض بالنيابة
عنها مع وكلاء شركتي ديو وجوجير بشأن التعويضات دون أن تتدخل الحكومة
الفرنسية في ذلك ، لكنه أبدى إصراره على حقوق فرنسا التي حصلت عليها
في مسقط وفق ما نصت عليه معاهدة 1844م، وطالب الجانب البريطاني بنسيان
موضوع مساواة مسألة المغرب بمسألة مسقط وعدم الخلط بين المسألتين.
وتم الاتفاق بين السفير الفرنسي في لندن ووزارة الخارجية البريطانية
حول مسالة تعويض وكلاء شركات الأسلحة الفرنسية في مسقط بما يعادل قيمة
أسلحتها وذخائرها المودعة في مستودع السلطان، بالإضافة إلى الأسلحة
المحفوظة في مخازنها الخاصة، وتقرر المباشرة بجرد هذه الأسلحة من قبل
قنصلي الدولتين في مسقط .
وظلت المسألة بين الأخذ وبين الرد حتى 20 نوفمبر 1913م، عندما قررت
بريطانيا إرسال ثيزدال Tisdall رئيس مفتشي الأسلحة الخفيفة لبحث مسألة
التعويضات مع وكلاء شركتي ديو وجوجير في باريس وانتهت المفاوضات بالاتفاق
على الحفاظ على حرية التصرف في الأسلحة الموجودة في الكويت وقطر وبالمحافظة
على الأموال الثابتة والقوارب الشراعية.
وبناء على هذا الاتفاق طلبت وزارة الخارجية البريطانية من فرنسا، تبادل
المذكرات الخاصة بقضية تجارة السلاح في مسقط، حتى تتمكن من دفع التعويضات
المتفق عليها مع ممثلي شركات السلاح الفرنسية في مسقط، وطلبت من فرنسا
عدم إبداء اعتراضها حول نظام الأسلحة الجديد في مسقط من أجل وضع حد
لمسألة تهريب الأسلحة.
أقدمت فرنسا على خطوة جريئة عندما صرح دي فلوريو de Fleuriau، القائم
بأعمال السفير الفرنسي في لندن إلى جري استعداد فرنسا للتخلي عن الامتيازات،
التي حصلت عليها من مسقط في معاهدة 1844م، في حالة تعارضها مع القوانين
التي تهدف إلى منع تهريب الأسلحة في مسقط، وأكد أن التعليمات ستصدر
إلى القنصل الفرنسي في مسقط لإبلاغ السلطان عن ذلك، واقترح بأن تتشاور
الدولتان في التغييرات التي قد يجريها السلطان على نظام تجارة الأسلحة
في بلاده، بشرط تمتع الرعايا الفرنسيين بنفس الامتيازات التي يتمتع
بها الرعايا البريطانيون في تجارة السلاح في مسقط، وناشد مساعدة بريطانيا
لإلغاء تجارة السلاح في المناطق المجاورة للمستعمرات الفرنسية. فعبرت
بريطانيا عن ارتياحها للموقف الفرنسي الجديد وأعلنت عن استعدادها لمساعدة
فرنسا، في مقاومة تجارة السلاح في المستعمرات الفرنسية، وفي بداية
فبراير 1914م انتهت المساومة المتعلقة بالتعويضات، عندما تعهدت الحكومة
البريطانية بتعويض شركات الأسلحة الفرنسية (ديو وجوجير) عن أسلحتها
وتبودلت المذكرات حول ذلك.
وبقبول فرنسا مبدأ التعويض، انتهت المصالح الفرنسية في مسقط إلى حد
ما، وأدى قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914م، إلى تغيير موازين
القوى، وكان للتحولات التي طرأت على العلاقات الدولية في هذا العام
وتقلب الأوضاع السياسية فيه، دافع لبريطانيا حيث أقدمت على إغلاق مستودع
الأسلحة في مسقط، وصادرت الأسلحة الموجودة فيه فانتهت تجارة السلاح
في الخليج العربي، ومنحت هذه الحرب بريطانيا الفرصة لتقوية نفوذها
في المنطقة وأن تتخلص من جميع منافسيها بطريقة فعالة.
محمد بن حمد الشعيلي*
* أكاديمي في الجامعة العربية المفتوحة
mـalshuaili@hotmail.com
أعلى
البطولة في زمان الطفولة
كان ثمة حكايات تُحكى، وسير تروى، لعظماء وشجعان لا يصدق شجاعتهم،
وضخامة أجسامهم سوى الأطفال
حين تتوفر العناصر يمكن للزمن أن يعود إلى الوراء
ولو قليلا، إلى زمن بطولات خيال الطفولة، وكتب الفروسية الخالدة
في تلك السنوات المسكونة بأصوات الليل والجن
والسحرة و"المغايبة"، وبانعكاسات ظلال الأشياء في القرية
الطينية، كنا صغارا نتحلق حول الحكايات، فينعكس ضوء "سراج"
هزيل على وجوهنا، كما في لوحات رامبرانت، أشعارا وقصصا عن البطولات
الخارقة، والمعارك المهولة، للزير سالم وعنترة بن زبيبة وأبي زيد الهلالي،
إلى جانب سرد لا يمل عن مآثر الأجداد، ممزوجة بعصبية قبلية، مع رغبة
طفولية في إثبات الذات بأي شكل كان أمام القبيلة بأسرها.
في ذلك الزمان الطفولي، كان ثمة حكايات تُحكى،
وسير تروى، لعظماء وشجعان لا يصدق شجاعتهم، وضخامة أجسامهم سوى الأطفال،
عيوننا مفتوحة، أفواهنا فاغرة، مشدوهين، صامتين، فيأخذنا الخيال المجنح
إلى النجوم، إلى الغرائبي والمدهش الذي نصدقه ولا نشك فيه بتاتا.
أذكر أنه في ذلك الزمان البعيد، كان ثمة كتاب
ساحر، بحواف صفراء، مزينة أطرافه بما يشبه الزهور البيضاء، مع خلفية
زرقاء مرسوم عليها معركة حامية الوطيس ـ لابد أن معظمكم قد عرفه في
طفولته ـ كان ذلك الكتاب اسمه: (قصة الزير سالم الكبرى ـ أبو ليلى
المهلهل)، مع حاشية تحت العنوان حول سيرة "صاحب الأشعار البديعة
والوقائع المهولة المريعة وحربه مع البسوس وما جرى له مع ملوك التبابعة
وفرسان الصدام من الحروب والوقائع التي تطرب القارئ وتلذ السامع".
كان الكتاب مزينا برسوم داخلية بالأبيض والأسود،
تصور أهم الوقائع المفصلية في السيرة: صورة الزير سالم وهو يعتلي ظهر
الأسد، الزير سالم وأسد على ظهره قربة ماء، البسوس راكعة أمام جساس
وقد رمت جلد الناقة تحت قدميه، كليب يكتب وصيته للزير سالم على البلاطة،
صورة لإحدى معارك البسوس الدائرة بين بكر وتغلب، الزير سالم يبارز
فارسا، وحسان التبعي الملك اليماني مع الجليلة بنت مُرة.
ولما لم أكن عرف معنى لقب الزير، فقد بدا لي
شيئا مرادفا للبطولة، أما ليلى فواضح أنها ابنته رغم أنه لا يرد ذكرها
في السيرة، فيما غُم عليّ معنى المهلهل، لكنه بدا لي شيئا له علاقة
بالشجاعة أيضا لا بالشعر، كما عرفت لاحقا.
ظهرت طبعات كثيرة لهذا الكتاب، قرأتها فيما بعد
أيام المدرسة، لكنها بحجم أكبر مع رسمة ملونة وحيدة للزير سالم على
الغلاف، أذكر واحدة منها بدت لي تقليدا لرسمة الكتاب القديم: الزير
متقلدا سيفه وهو يقود الأسد وقد حمّله قربة الماء قرب البئر المسمى
بئر السباع، إلا أن ذلك الكتاب البديع بأوراقه المصفّرة بقي في ذاكرتي،
ولطالما بحثت عنه حينما كبرت، إلى أن عثرت عليه صدفة قبل عدة سنوات،
في مكتبة متواضعة داخل سوق مطرح، فأخذت أقلب أوراقه يمنة ويسرة، متأملا
رسوماته الداخلية، ثم قرأته لاحقا مستمتعا ومتخيلا في الوقت نفسه ـ
وإن حاول الوعي أن يزوغ بي إلى واقع الحال، منبها إلى تغير الأحوال
وتبدل الزمان ـ تلك الليالي البعيدة في طفولة القرية الوادعة، حينما
كنت مستمعا فحسب، وحين انتهيت من قراءته في جلسة واحدة، تنفست الصعداء،
فقد فككت طلاسم كتاب طالما سحرني طفلا، ولم أستطع قراءته في سنواتي
الخمس الأولى، كما كان يفعل الكبار!
أخذتني فكرة القراءة، إلى فكرة كان قد تحدث عنها
سارتر في كتابه الجدير بالقراءة: "الكلمات"، كتاب ذكريات
تجد فيه روح الفيلسوف البسيطة والعميقة في آن.
ينقسم الكتاب إلى فصلين في منتهى الوضوح: فصل
بعنوان "القراءة" والآخر"الكتابة"، يتحدث سارتر
في فصل القراءة عن تجربة مماثلة كان قد عاشها مع جده، حينما كان يقرأ
عليه كتب الفروسية، فكان سارتر كطفل يصدق تلك الحكايات: فارس يشق مثلا
فارسا آخر إلى نصفين بضربة واحدة، أو أن يطعنه بالرمح في صدره فيخرج
يلمع من ظهره، أو أن فارسا واحدا يهزم آلاف الفرسان ويُجندل رؤوسهم،
وكأنه سيّاف زهور لا رقاب بشرية!
وهذا ما كان يحدث لي حينما كنت أنصت مشدوها مع
بقية الأطفال، إلى بطولات الزير سالم الخارقة وكيف أنه لا يُهزم أبدا:
" ... وفي الحال اشتبك القتال وعظمت الأهوال وجرى الدم وسال وارتجت
الوديان والتلال من قعقعة النصال فكان يوما مريرا وحربا فظيعا يشيب
منه رأس الغلام قبل الفطام فما كنت ترى إلا رؤوسا طائرة ودماء فائرة
وفرسان غايره فلله در المهلهل وما فعل في ذلك اليوم من العمل فانه
هجم هجوم الأسود وفرق المواكب والجنود ونكس الرايات والبنود وقتل كل
جبار ونمرود وكان كلما قتل فارس منتخب يقول يا لثارات كليب ملك العرب
....."
تشعرك الحكاية وأنت منصت بكليتك إلى الحاكي ـ
الذي يحكي الحكاية ـ بأنك شاهر سيفك، راكب صهوة جوادك الذي يسابق الريح،
فتفتك بأعداء متخيلين، مطوحا بيدك أو بأي شيء في يدك، ذات اليمين وذات
الشمال، ثم تتخيل عودتك من المعركة منتصرا إلى مضارب القبيلة وقد ضرجتك
الدماء، وثمة صبية جميلة تنتظرك بأحر الأشواق:
" ... والتقت الرجال بالرجال والأبطال بالأبطال وعظمت الأهوال
وجرى الدم وسال وكثر القيل والقال وتزلزلت الأرض من هول القتال وكانت
واقعة عظيمة لم يسمع بمثلها في الأيام القديمة انهزم فيها جساس أقبح
هزيمة وغنم المهلهل غنيمة جسيمة لها قدر وقيمة ورجع إلى الديار بالعز
والانتصار فالتقته النساء بالدفوف والمزاهر ثم طلع إلى القصر وهو منشرح
الصدر فشكرته بنات أخيه على ما فعل وقلن لله درك من بطل فقد أخذت الثار
وطفيت من القلوب لهيب النار فالله يحفظك ويبقيك وينصرك على حسادك وأعاديك
فشكرهن على ذلك الكلام وبعد أن خلع ثيابه جلس للطعام وشرب المدام ثم
دخلت عليه أمه فقبلته بين عينيه وهنأته بذلك الانتصار وطلبت منه أن
يرفع عن بني مُرة السيف البتار فاستقبلها بالوقار والاعتبار وقال لها
والله إني لا أصالحهم يا أماه حتى يعود كليب إلى قيد الحياة ثم تذكر
تلك الواقعة وما جرى له في ذلك اليوم مع القوم فانشد وعمر السامعين
يطول:
يقول الزير أبو ليلى المهلهل
وقلب الزير قاسي ما يلينا
وإن لان الحديد ما لان قلبي
وقلبي من حديد القاسيينا "
لقد تعمدت إطالة هذا التضمين من سيرة الزير لأنها
تذكر بجو السيرة وطريقة الحكي الأقرب إلى "الشفاهية المُسجَعة"،
وبأشهر بيتين كنا نرددهما صغارا من شعر المهلهل، وكذلك ـ لمن أتيح
له فرصة سماع قصائد السيرة في شرائط مسجلة ـ تذكر طريقة إلقاء هذه
الأبيات التي يُمد فيها حرف الرويّ مع غنة في آخر الصوت، إذ حين تتوفر
كل هذه العناصر وغيرها، يمكن للزمن أن يعود إلى الوراء ولو قليلا،
إلى زمن بطولات خيال الطفولة، وكتب الفروسية الخالدة.
وأخيرا لعل أجمل ما حفلت به سيرة الزير سالم
من أشعار رغم أن معظمها نظما بمناسبة وغير مناسبة، أكثر منه شعرا ـ
إلا أن مرثيته في أخيه كليب، تعد من عيون قصائد الكتاب، فجميل أن تكون
عدة أبيات منها مسك الختام:
كليب لا خير في الدنيا وما فيها
إن أنت خليتها من يبقى واليها
تنعي النعاة كليبا فقلت لهم
مالت بنا الأرض أم مالت رواسيها
ليت السماء على من تحتها وقعت
وحالت الأرض فاندكت أهاليها
أضحت منازل بالخلان قد درست
تبكي كليبا نهارا مع لياليها
كليب أي فتى زين ومكرمة
تقود خيلا إلى خيل تلاقيها
تكون أولها في حين كرتها
وأنت بالكر يوم الكر حاميها
لا أصلح الله منا من يصالحهم
حتى يصالح ذيب المعز راعيها
وتحلب الشاة من أسنانها لبنا
وتسرع النوق لا ترعى مراعيها
عبديغوث
أعلى
للصورة بعدان
في مديح رامبراند
ساعتان ونصف الساعة قضيتها في تأمل مائة لوحة
لفن الكليشيه لأشهر الفنانين الهولنديين في القرن السابع عشر. وتأمل
فن الكليشيه أمر صعب. لاسيما، إذا كانت التجربة لفنان غارق في مديح
نفسه وتمجيدها، مثل رمبراند هارمنزتُسون فان رايت (1606-1696) من جهة،
ولثراء الموضوعات المتنوعة التي شغلت رامبراند طيلة حياته، وأهمها
كما تقول الدراسات الفنية المشاهد المستوحاة من الكتاب المقدس والتي
شكلّت مصدرا حيويا لرسومات رامبراند. لكن صيته ذاع عن طريق مطبوعات
كليشيهاته، وهذا على عكس ما كنت أظنه. فقد ظننت لسنوات أن الكتاب المقدس
هو سبب ثقل هذا الفنان. ولا شك كثيرون منا يعرفون مدى اتكاء فن عصر
النهضة على هذا الكتاب، كما أن السينما نالت نصيبها في توظيف حكايات
الكتاب المقدس، وهذا يذكرني بكتاب حكايات ألف ليلة وليلة، الذي ما
زال إلى اليوم يشغل المبدعين.
لا أظنني في حياتي قد تدربت على هذا النوع من الوقوف والتأمل. ففي
طفولتي غير المبكرة كنت أتفرج على الرقص الظفاري الخاص بالنساء، وهو
رقص يتطلّب وقوفا وتصفيقا وإطلاق الزغاريد إذا كانت "المدارة"
قد امتلأت بالنساء المتفرجات أمثالي وليس اللاعبات. وتذكرت أيضا أن
مديرة المدرسة ذات يوم عاقبتني بالوقوف لأقل من ساعة، وهو ما يعادل
حصة دراسية غائرة تفاصيلها في الذاكرة. وسبب عقابي رفضي المشاركة في
حصة الموسيقى تضامنا مع فريق طالبات الموسيقى حين أضربن عن عدم عزف
موسيقى الطابور المدرسي. ولكن الفرق كبير والمسافة بعيدة بين وقفتين،
فلا أنا عازفة موسيقى ولا ما يحزنون!
وتأمل رسومات رامبراند وتفاصيل الخطوط الدقيقة
وحفريات المشاهد الغارقة في الدقة، ذكرني بالموسيقى وبالتدرّب على
الوقوف لقراءة كل كلمة كُتبت كنبذة عن رسوماته. لا أقدر أن أخفي إعجابي
بتنظيم المعرض المعنون بـ"رامبراند في عُمان". لقد شدني
كل شيء في المكان، حتى شعرت للحظة أنني في أوروبا! منذ دخولي بهو القاعة
الخارجية وترك حقيبتي في حاوية الأمانات وانتقالي إلى قاعة المعرض
الرئيسة. وقد أضفى الفيلم المُعّد عن فكرة إقامة المعرض، مناخا آخر
كله جمال وإبداع.
وتذكرت وأنا أشاهد الرسومات القبطان المعروف جون سيلفر في فيلم الكارتون
جزيرة الكنز، وكان الصيادون ينعتونه بالرجل ذي الساق الواحدة. رسم
رامبراند متسولا بساق خشبية حوالي 1630م ويذكر الشرح أنه ربما كان
أحد الوجوه اليومية والمعروفة في شوارع أمستردام. فكم بدت المدينة
جميلة، بنهرها وشمسها، وكم كان رامبراند موفقا في اختياره لموقع النافذة
في بيته، والمطلة على نهر أمستل. لقد أعجبني موقع النافذة كثيرا، فرسم
من خلالها الحياة والوجوه التي كانت تزخر بها أحياء المدينة.
ومن رواسم الحياة اليومية أزعجني نقش لبائع متجول يحمل على طرف عمود
سلة بها جرذان حية. أشمئز لمنظر الجرذان كما أتضايق لمنظر القطط والثعابين.
باختصار لا أطيقها، وكم وددت أن أمتلك قوة تجعلني أخفيها من العالم!
هناك نقش آخر لبائعة الفطائر 1635م. وجه المرأة العجوز وحولها وجوه
أخرى باسمة، ذكرني بالفقراء في العالم. لقد اضطررت لاستعمال عدسة مكبرة
أخذتها من موظف الأمن لكي أتمكن من تأمل الخطوط الصغيرة وتعابير الوجوه.
كانوا يبتسمون، لكن وجه أحدهم كان عابسا.
أما الرسم المؤثر فكان رسما تخطيطيا لامرأة مستلقية على سرير المرض.
يصور الرسم زوجة رامبراند، ساسيكا في مرضها الأخير. بدا الرسم مؤثرا
بالرغم من كونه تخطيطي. يظهر رامبراند حزينا وشاحبا، فليس سهلا أن
يفقد المرء من يحبهم، ويرحلون عنه للأبد.
آخر جزئية تتعلق بهذا المديح هي كلمات التمهيد والتقديم والمقدمة التي
ألحقت بالكتاب. فالجهد الذي قامت به مكتبة السالمي، لا يمكن التقليل
من شأنه. إنه جهد عظيم يأتي على قدر أهل العزم. فالبحث في موضوع الفن
والجمال في الإسلام من المباحث الشيقة التي قلما بُصر فيها بروية وذوق
وإبداع. والتأكيد على المدخل الجمالي في الفنون سواء البصرية أو السردية،
هو ما يمثل نقطة الاتصال والتجاذب والتواصل ما بين الفنون، لا القطيعة
والإقصاء أو التناحر.
آمنة الربيع
أعلى
عراق الماضي والحاضر
لقد امتلأت قاعة بيشهورف في مدينة شتوتغارت الألمانية
من الجمهور والذي كان من جاليات مختلفة من العرب والألمان والإيطاليين
والروس لمشاهدة المعرض الفوتوغرافي المشترك بين الفنان العراقي إحاسن
الجيزاني واللألمانية بربارا كايز . كان هذا المعرض نوعا فريدا من
نوعه لأنه يعبر عن حقبتين مختلفتين من الزمن .
الزمن الماضي الذي كان تمثله أعمال الفنانة الألمانية بربارا كايز
, والزمن الحاضر يمثله الفنان الفتوغرافي والمخرج العراقي احسان الجيزاني
، وباربارا التي تعمل مدرسة موسيقى, ذهبت مع وفد موسيقي ألماني الى
العراق قبل خمسين عاما ليفتتحوا أول معهد موسيقي في بغداد, وهناك عاشت
باربارا فترة سنتين تعمل فيها بتدريس الموسيقى . تختصر باربارا السنتين
في قولها :" أنها أجمل فترات حياتي التي عشتها ,كان العراق يعيش
في المرحلة الذهبية في زمن عبد الكريم قاسم "وهذا ما عبرت عنه
الصور التي التقطتها باربارا في ذلك الزمان. صور تقربنا لتفاصيل وجوه
مطمئنة , وعصرية مليئة بالصغار التي لا تتعب من اللعب, وتفاصيل الهدوء
في ذوبان السكر في أستكانة شاي عراقي أصيل, وفضولها في سماع حديث نسيوي
بالقرب من عتبات بيت بعيد,
وتفاصيل طرف ثوب فتاة عراقية يراقص نسمات دجلة والفرات دون يكترث بثقل
جرة الماء على رأسها, تفاصيل هادئة وبسيطة وكبيرة تقرب خط الفوز للسلحفاء
الحكيمة, هذا قبل قفزت الأرنب.
ابتدأت باربارا افتتاح المعرض بمقدمة بسيطة تسرد مغامرتها في النوم
في منتصف الليل في احد شوارع بغداد وهي تضحك وتقول:" الأمان في
العراق في ذاك الوقت جميل .
وتضيف :" أنا سعيدة بأني كونت صداقات عراقية, ولي أصدقاء عراقين
فنانين أمثال الفنان محمد غني حكمت والفنان اسماعيل ناصروالفنان كاظم
حيدر والفنان نوري الراوي وغيرهم , جميعهم كانوا متعايشون مع بعضهم
البعض هكذا ببساطة كان العراق في ذاك الزمان, وما نسمعه اليوم في الإعلام
عن العراق ما هو إلا مؤامرة تسعى لتفرقة المجتمع العراقي ."
كان موقف الفنان الفتوغرافي والمخرج احسان الجيزاني واضح من واقع وطنه
العراق اليوم ,فعين الحقيقة هي عدسته . عبر رحلاته المتكررة الى العراق
بعد سقوط النظام السابق ,أخذت عدسته تقترب من واقع العراق اليوم لتوثق
قفزات الأرنب في الأمس ـ النظام الدكتاتوري السابق ـ ,من الإحتلال
وعمليات الارهاب والصعوبات والشتات والمؤامرات التي زادت الطين بله
على كاهل الإنسان العراقي اليوم.
يبدأ الجيزاني التوثيق من التعليق الذي يضيفه الجيزاني على أحد أعماله
الفتوغرافيه (طفولة أم كهولة حتى العجز عن التعليق والإنهيار أمام
واقع مؤلم تثيره عدسته من الطرف الأخر من الشارع العراقي اليوم, مما
يجعل المعرض في ترنح واضح بين الأمس و اليوم بين الأهوار المرتوية
الخضرة وقواربها التي تروح وتجيئ بالخيرات الوفيرات وكم كانت الأهوار
حلوة كما القندة في فم نهام يعلوا صوته بالأغنيات المليحات في الأمس
, وبين أهوار اليوم ,الجافة ,الموحشة ,الفقيرة ,وحسرة مرة في قلب إنسان
الأهوار اليوم .
بين الحلم في الطيران كما العصافير ,وحلوى العسلية ,واللعب الثمل تحت
شمس الظهيرة ,والضحكات التي ما أن تذوب حتى يحلو ضحكها من جديد ,وطفولة
بريئة في الأمس ,وبين طفولة منهكة اليوم ,والحيرة بين ثقل في السعي
وراء لقمة عيش وبين ثقل حلم الدراسة ,طفولة بعيدة عن الأمان و الحلم.
الصورة البعيدة لا تحمل غير لونين الابيض و الأسود, والصورة القريبة
تحمل الوان كثيرة ومختلفة ولكنها باهتة,عتيقة,مغبرة .. ولكن هذا الترنح
بين الأمس
واليوم بما يحمله من تفاصيل يهدأ بل ويستقر عندما يصل للانسان المستغرق
في كل من الصورتين .
كريمة زهير *
* كاتبة من البحرين
أعلى
التصحيف في المخطوطات
التصحيف فسره الخليل بن أحمد الفراهيدي بقوله:
(إن الصحفي الذي يروي الخطأ عن قراءة الصحف بأشباه الحروف ).
وقال غيره: أصل هذا أن قوماً كانوا قد أخذوا العلم عن الصحف من غير
أن يلقوا فيه العلماء ، فكان يقع فيما يروونه التغيير)(25) .
وعلى هذا فكل تغيير في الكلام ينشأ من تشابه صور الخط يسمى تصحيفاً
(26).
فنقط الحروف جاء متأخراً عن كثير من الكتب التي ألفت في القرون الهجرية
الأولى، فقد يقع الالتباس في نقط الحروف المتشابهة في الرسم مثل: (
ب ت ث ن ) أو ( ج ح خ ) أو (د ذ) ونحو ذلك .
وغالباً يقع التصحيف من غير تعمد الخطأ فالمصحِّف مخطئ لا خاطئ .
إن معرفة المصحَّف من الكلام فن جليل دقيق اعتنى به العلماء، وخصوصاً
أهل الحديث لخطورة التصحيف على الأحاديث والآثار المروية عن النبي
صلى الله عليه وسلم وأصحابه والسلف الصالحين.
وينقسم التصحيف إلى ثلاثة أقسام: (27).
القسم الأول: باعتبار موقعه، فقد يقع التصحيف
في متن الكلام مثل رواية عبدالله بن لهيعة لحديث النبي (صلى اله عليه
وسلم): (احتجر في المسجد) فرواها (احتجم في المسجد) .
القسم الثاني: باعتبار منشئه فقد يقع التصحيف
بسبب اشتباه الخط على بصر القارئ؛ إما لرداءة الخط أو عدم نقطة وذلك
مثل تصحيف أبي بكر الصولي لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من صام
رمضان واتبعه ستاً من شوال) فصحفها بقوله (وأتبعه شيئاً من شوال) .
القسم الثالث: باعتبار الفهم لا الخط، فقد يقرأ
الناسخ كلاماً ثم ينقله بفهمه إلى عبارة أخرى فيقع الخطأ والتصحيف
.
وهنالك كتب ألفت لكشف التصحيف وذكرت الكثير من
النماذج وبعضها طريفة . وذلك مثل كتاب التصحيف والتحريف للحسن بن عبدالله
بن سعيد العسكري (ت 382 هـ ) .
وذكر أمثلة من تصحيف بعض قراء القرآن فذكر قراءة عثمان بن أبي شيبة
: " جعل السفينة في رجل أخيه " .
وأيضاً: " ألــم ، تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل " .
وكان حمزة الزيات يتلو القرآن من المصحف فقرأ
يوماً وأبوه يسمع " ألــم، وذلك الكتاب لا زيت فيه " فقال
أبوه: دع المصحف، وتلقن من أفواه الرجال " .
وذكر أمثلة من تصحيف بعض رواة الحديث النبوي
فذكر حديث : " يا أبا عمير ما فعل البعير " والصحيح: "
ما فعل النغير " .
وقد يقع الخلاف في مسألة ما بسبب التصحيف، وذلك
مثل الخلاف في معنى حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث مرفوعاً " زادك
الله حرصاً ولا تعد " فضبطها بعضهم (ولا تَعْدُ) أي لا تركض.
وضبطها آخرون (ولا تَعُدْ) أي لا ترجع إلى مثل هذا الفعل .
ومثل الخلاف في حديث عبدالله إبن عباس مرفوعاً: " نور انى أراه
" فضبطها بعضهم "إني" أي تأكيد للرؤية. وضبطها بعضهم
"أنى" أي كيف أراه فهو لا يُرى .
وهنالك مواقف طريفة حدثت بسبب التصحيف أذكر منها
:
يحكى أن أحد طلاب العلم دخل مسجداً في قرية فوجد
بين يدي كل مصلٍ من أهل القرية سِـكِّينة وفأراً فعجب من ذلك فسأل
إمام المسجد فقال بأنه يقرأ عليهم كل يوم في كتاب من كتب الحديث النبوي
وأنه قرأ حديثاً مكتوب فيه (إذا أتيتم الصلاة فأتوها بسِـكِّينة وفار)
والحقيقة أن هنالك تصحيفا في المخطوط الذي بين يديه والصحيح (فأتوها
بسَـكينة ووقار).
قصة أخرى :-
أسر أميرٌ مجموعة أسرى ثم أمر الكاتب أن يكتب لرئيس الأجناد (احصوهم
عدداً) فوقعت نقطة من محبرة الكاتب ـ وللأسف ـ على حرف الحاء فصارت
خاءً ( اخصوهم عدداً ) وتم تنفيذ الأمر المصحَّف .
فتاريخ التصحيف قديم جداً وقد وقع فيه جماعة
من الأئمة والفضلاء عوضاً عن غيرهم ممن لا يحسن العلم واللغة يقول
الإمام أحمد بن حنبل: " ومن يعرى من الخطأ والتصحيف"؟ والإثم
في التصحيف محطوط يقول الله تعالى " ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا
أو أخطأنا "
وألف العلماء كتب المؤتلف والمختلف لتفادي الوقوع في التصحيفات. وقد
وجدت كتاباً في مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي بالسيب بعنوان
: " رحمة الأمة في اختلاف الأئمة " ووجدت اسم المؤلف محمد
بن عبدالرحمن العُماني والصواب أنه تصحيف والصحيح هو (محمد بن عبدالرحمن
العثماني). ووجدت ذلك في نسختين من الكتاب.
1 ـ التصحيف والتحريف، الحسن بن عبدالله العسكري (ت 382هـ)، ص 13
2 ـ تحقيق النصوص، عبدالسلام هارون، ص64
3 ـ انظر: ارشاد طلاب الحقائق، الإمام النووي، تحقيق عبدالباري السلفي،
(2/566 - 570)
إبراهيم بن حسن البلوشي*
* كاتب عماني
أعلى
تـراثـيات
اسقوه زيتاً
قال عيسى بن محمد الطوماري سمعت أبا عمرو محمد بن يوسف القاضي يقول
اعتل أبي علة شهوراً فانتبه ذات ليلة فدعا بي وبأخوتي وقال لنا رأيت
في النوم كأن قائلاً يقول كل لا واشرب لا فإنك تبرأ فلم ندر تفسيره.
وكان بباب الشام رجل يعرف بأبي علي الخياط حسن المعرفة بعبارة الرؤية
فجئنا به فقص عليه المنام فقال ما أعرف تفسيره ولكني أقرأ كل ليلة
نصف القرآن فأخلوني الليلة حتى أقرأ رسمي وأتفكر فلما كان من الغد
جاءنا فقال مررت على هذه الآية لا شرقية ولا غربية فنظرت إلى لا. وهي
تردد فيها اسقوه زيتاً وأطعموه زيتاً، ففعلنا وكانت سبب عافيته.
ــــــــــــــــــــ
إنما قلتُ: هَمَمْت
كان أهلُ المدينة لما ظهر محمد أَجْمعوا على
حربِ المنصور، ونصر محمد؛ فلما ظفر المنصور أحضر جعفر بن محمد بن علي
بن الحسين الصادق، فقال له: قد رأيتَ إطباقَ أهلِ المدينة على حَرْبي،
وقد رأيتُ أن أَبعثَ إليهم من يُغَوّر عيونهم، ويجَمِّر نَخلَهم. فقال
له جعفر: يا أميرَ المؤمنين، إن سليمانَ أُعطِيَ فشكر، وإنّ أيوبَ
ابتُلِي فصبرَ، وإنَ يوسف قَدَرَ فغَفَر؛ فاقْتَدِ بأيِّهم شئت، وقد
جعلك اللّه من نَسل الذين يَعفونَ ويَصفَحون، فقال أبو جعفر: إنَّ
أحداً لا يُعلِّمُنا الْحِلمَ، ولا يعرَفنَا العلم، وإنما قلتُ هَمَمْت،
ولم ترني فعلت، وإنك لتعلمُ أن قدرتي عليهم تمنَعُني من الإساءة إليهم.
ــــــــــــــــــــ
رضاي مقرون بإحساني
غضب الفضل بن يحيى على أبي الهول في شيء وجده عليه، وكان عنده قبل
ذلك في حالة رفيعة، وكان الفضل معجباً بشعره، وكان يصله بالصلات السنية،
فلما غضب عليه جفاه الناس وتنكروا له، فلم يدر بمن يتحمل عليه ويستشفع
حتى يرضى عنه، فلما ضاق به ذرعه قال:
سما نحونا من غضبة الفضل عارض
له زجل فيه الصواعق والرعد
وما لي إلى الفضل بن يحيى بن خالد
من الجرم ما يخشى عليّ به الحقد
فجد بالرضى لا أبتغي منك غيره
ورأيك فيما كنت عودتني بعد
فلما قرأ الفضل رقعته وقع فيها: رضاي عنك مقرون
بإحساني إليك، فإن أردت أن أفرق بينهما لم أفعل. وحمل إليه صلة، واستغني
بالأبيات عن الشفع.
ــــــــــــــــــــ
رميت جميع النساء
قال ابن المعتز:كان بشار بن برد مطبوعاً جدّاً لا يتكلف، وهو أستاذ
المحدثين وسيدهم، ومن لا يقدم عليه، ولا يجارى في ميدانه. والصحيح
عند أهل العلم أن المهدي قتله بهجوه يعقوب بن داوود وزيره بقوله:
بني أمية هبوا طال نومكم
إنّ الخليفة يعقوب بن داوود
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا
خليفة الله بين الزقّ والعود
وقال قوم: بل قتله على قوله:
لا يؤيسنك من مخبأة
قول تغلظه وإن قبحا
عسر النساء إلى مياسرة
والصعب يمكن بعدما جمحا
فقال المهدي: رميت جميع نساء العالمين بالفاحشة.
والقول الأول أثبت.
ــــــــــــــــــــ
ما ظننت أن آدمياً يلد مثلك
كان الفراء يوماً عند محمد ابن الحسن، فتذاكرا في الفقه والنحو، ففضل
الفراء النحو على الفقه، وفضل محمد بن الحسن الفقه على النحو، حتى
قال الفراء: قل رجل أنعم النظر في العربية، وأراد علماً غيره، إلا
سهل عليه، فقال محمد بن الحسن: يا أبا زكريا، قد أنعمت النظر في العربية،
وأسألك عن باب من الفقه. فقال: هات على بركة الله تعالى، فقال له:
ما تقول في رجل صلى فسها في صلاته، وسجد سجدتي السهو، فسها فيهما،
فتفكر الفراء ساعة، ثم قال: لا شيء عليه. فقال له محمد: لِمَ؟ قال:
لأن التصغير عندنا ليس له تصغير، وإنما سجدتا السهو تمام الصلاة، وليس
للتمام تمام. فقال محمد بن الحسن: ما ظننت أن آدمياً يلد مثلك.
ــــــــــــــــــــ
مُقلتَاه.. شَفَتاه
أبو الفضل الميكالي
(1)
إنَّ لي في الهوى لِسَاناً كَتُوماً
وجَناناً يخفي حريقَ جَواه
غير أني أخافُ دمعي عَلَيه
سَتَراه يُفشي الذي سَتَراه
(2)
ويحَ جسمي من غَزَالٍ
مُقلتَاه.. شَفَتاه
وهو إنْ جادَ بلثمٍ
شَفَتاه شَفَتاه
(3)
صدفَ الحبيبُ بوصله
فجَفا رُقادي إذْ صَدَفْ
ونثرتُ لؤلؤَ عَبرة ٍ
أضحى لها جَفْني صَدَفْ
(4)
مواعيدُه بالوصلِ أحلامُ نائمٍ
أشبِّهُهَا بالقفرِ أو بِسَرَابِه
فَمنْ لي بوجهٍ لو تحيَّر في الدُّجى
أخُو سَفَرٍ في ليلِ غَيمٍ سَرَى به
(5)
خالستُه قُبلة ً على ظمأٍ
فذقتُ ماءَ الحياة ِ من شَفَتِهْ
فارفَضّ من فَرطِ خَجلة ٍ
عَرَقاً فصارَ خَدّي بديلَ منشفتِهْ
(6)
ألا رُبَّ أعداءٍ لِئامٍ قَرَيتُهم
مُتونَ سُيُوفٍ أو صُدُورَ عوالي
إذا كَلبُهم يوماً عَوى بي رَمَيتهم
بكلبٍ إذا عَاوى الكِلابَ عَوى لي
ماذا عليه لو أباحَ ريقَهْ
لقلبِ صَبٍّ يشتكي حَرِيقَهْ
(7)
إني تغدّيتُ صدرَ يومي
ثم تأذيتُ بالغداءِ
فقلت إذ مَسّني أذاه
أرى غدائي أراغَ دائي
ــــــــــــــــــــ
... وقد أسـأنـا
أمر أبو جعفر المنصور بسجن طائفة من الكتاب غضب عليهم، فكتب إليه بعضهم
من طريق السجن:
أطال الله عمرك في صلاحٍ
وعزٍّ يا أمير المؤمـنـينـا
بعفوك نستجير فإن تجرنـا
فإنَّك رحمةٌ للعالـمـينـا
ونحن الكاتبون وقد أسـأنـا
فهبنا للكرام الكـاتـبـينـا
أعلى
الأدب الشعبي
- بوح ..
ركيزة الشعر ومقوماتها
تستند الكثير من مقومات الثقافة في بلد ما على
الاسس التي ارتكز عليها تراثها المادي منه وغير المادي، وما يتم تقديمه
من نتاجات متواصلة يقدم إبداعا راقيا يتميز عن غيرة من الكتابات التي
تحاول استقاء ثقافتها من بيئة لا تتواءم والبيئة القارئة وبالتالي
قد لا يصنّف في الكثير من الأحيان هذا الشكل من الكتابة إبداعا لدى
المتلقي الذي من المفترض ان يكون الهدف المباشر للكاتب، وإن كنت اميل
لذاك الإرتكاز في كافة الأطياف من الكتابة، الا اني اخصص الحديث عن
كتابات "الشعر الشعبي" تحديدا.
بدأت الكثير من التجارب الشعرية إنطلاقا من موروثها الشعري الشعبي
الذي استفاد منه الكثيرين بطريقة أو بأخرى سواء من خلال ما يؤدى في
المناسبات من فنون مختلفة ترتكز على "الكلمة"، وبين ما تم
تداوله في الأغاني الشعبية التي راجت خلال تلك الحقبة من الزمن بمختلف
مستوياتها سواء لفناني السلطنة القدامي او المغنيين من دول الخليج،
ولعل ظروف الأغتراب والتعايش لسنوات طويلة أسهمت في تقديم انواع من
الفنون المتشابهة التي تختلف على صعيد المسميات أو المفردات او الشكل
الأدائي لها، وما دعا إلى هذا الإختلاف من وجهة نظري هو السعي نحو
التطوير الذي افقد بريق بعض الفنون، وقدم فنون أخرى بشكل راق يتعايش
مع الزمن الآني والجيل الذي يرى ضرورة تواجد ثقافته على بساط الحياة.
تلك التجارب الشعرية استطاعت هي الأخرى بفعل تلك الظروف التأكيد على
أهمية تحديث النص الشعري بما يتوافق بين ثقافة البيئة وبين ما يستطيع
ان يصل إلى ذهن المتلقي النخبوي، وهذه التجارب الشعرية هي نفسها التي
استطاعت ان تفرض نفوذها على السلاحة الشعرية الشعبية بأسماءها وكتاباتها،
وتعتمد الكثير من الجهات الرسمية منها والأهلية على تلك التجارب لإدراكها
الارضية التي استندت عليها تلك التجارب، وبالتالي تقديم شيئا يليق
بما هو مأمول.
التجارب الشعرية الحديثة "بعضها" اراد ان يقفز إلى مستويات
يظّن انها عالية من خلال الدخول من الخارج، وهذا وإن فرض صورة مبهرة
لأسم الشاعر خارجيا، الا انه يظل لا يمثل تجربة حقيقية امام واقعه
وعلى أرضه، ليس لطريقة الإلتفاف الواضحة، إنما لعدم استقاء تلك التجارب
من واقعها الشعري سواء مما طرحناه سابقا او مما وصلت إليه التجارب
الشعرية التي استقت تلك الثقافة.
مجلس الشعر الشعبي العماني رأى من خلال مشرفه واعضاء مجلس إدارته أن
يركز في فعالياته على الجانب النقدي في الشعر، او احياء وتقديم المعلومة
والتجارب لمختلف ما يخص الشعر الشعبي وفنونه، والإبتعاد ولو لوقت قصير
عن الأمسيات الشعرية التي لا تقدم الا الفائدة اللحظية، فبعد القراءات
النقدية في دواووين الشعراء والتي سيستكملها المجلس بعد شهر رمضان،
ارتأى تقديم شعراء السلطنة الذين اسسو الكتابة الشعبية في السلطنة
بكافة انواعها خلال ليالي شهر رمضان المبارك، حيث قدم "عامر الشعيبي
مطوّع" "وفن الرزحة بأشكاله وشعره" و"سويري"
الذي يستضيفه المجلس الليلة، إضافة إلى الأسماء التي سيتم تحديدها
لاحقا من أجل تطوير ثقافة الشاعر الآني الذي ابتعد عن ارضيته الخصبة،
ويؤسفنا كثيرا تجاهل بعض الشعراء من حضور هذه الجلسات التي لاقت رواجا
متميزا وحضورا لافتا في بعض الفعاليات، ونتمنى ان يعي الشاعر والمتابع
آلية انتقاء الفعالية واهميتها على الصعيد الفكري للشاعر قبل نصه،
وبالتالي هي ليست فرضا كما يعتقده البعض إنما لما له مصلحة عامة للساحة،
فنتمنى من الجميع تقديم الجانب الإيجابي في التفكير والإبتعاد عن التعنّت
وتشويه صورة ما يتم تقديمه أمام من لا يفقه العمل الأهلي الذي يهدف
للرقي بالثقافة.
ومضة ..
ما بقى يا جدي إلا الأرض ..
والارض يْبست ..
ما بقى يا جدي إلا العِرض ..
الله الستر ..
- فيصل بن سعيد العلوي *
fai79@hotmail.com
ــــــــــــــــــ
تراب يدينك!
رمّ الفضا.. والريح حطّابة أزمان
وطاحت جهات النور في بير ظلما
حبيبتي.. والباقي بعرض الاكوان
هُوّة غياب تحدّ مشوار الاعمى!
ورى الرجا أحيان والخيبه أحيان
نسيت عقرب ساعتي وعود عصما
تكلمي.. والنور يرجف.. وذبلان
تكلمي.. من صوتك الشمس تنما
لو المفارق خافق الحزن بانسان
غيابك أمسى طارقة عمر سلمى!
وصلتك المحروق باحساس عريان
من آخر.. آخر سكة فراق بكما
بامانتك لا ناس بعدك.. ولا أوطان
عطيني لحظة شوفك بلاد.. واسما
لو إنّْ ملح البحر في كل شريان
معي تراب يدينك أغنى عن الما..!
جمال الشقصي
ــــــــــــــــــ
إعتكاف
اجي وذنوبي جبالٍ على كتفي
كسرني الوزر واسأل ربي الغفران
قبل يشهد خطيات العمر كفي ..
ابوفي شهر بالتسبيح والقرآن
يا خوف اللحظة اللي ما بقى بْصفي
ولد ما له اْهل .. لا باقي معاي اخوان
ماْ غير اعمالي بْدنياي لي شّفي
وكل احسان ربي مجزيَه بإحسان
الا يا شهر اطفي هالذنوب اطفي
رجيتك والرجاء من طبعه الانسان
ضعيفٍ منوجد واغادر بْضعفي
وش اللي تاخذه للطين هالابدان
وانا كل الذي صفّيته بْرفي
خطايا حملها قد اعجز الامتان
يا عالم ظاهر النية وما نخفي
يا رازق هالملا بالسر والاعلان
فريضة والصيام اللي غدا يشفي
بْليله فيه تسوى الف شهرٍ كان
امامي مغفرة والعتق من خلفي
وسيرة وحي نزّل بالهدى فرقان
الا يا امة الاسلام يا حلفي
وسيرة بدر اعلقها بهالاذهان
نوى طغيانهم حد الردى حتفي
وربي ما جزى المظلوم بالخذلان
قبل تتراكم ذنوبٍ على كتفي
احط الوزر واسأل ربي الغفران
مطر البريكي
ــــــــــــــــــ
تذكرة قطار
إيه اسمعك يا صاحبي
بس افتح الليله نوافذ هالقطار
في داخلي حزمة حطب يابس
وزنزانه .. وعود ٍ من ثقاب
في داخلي حطـّـــاب يكنس هالقفار المثخنه بالصمت
وايلـِــــم الفتات
اتمرّه القطعان والراعي يغنّي للفلج
وايهش أغنامه وياخذني غباره للقطيع
والقاه قدامي بـْـــعصاه ايردّني
لا تقرب انفاسي الحِمى
والا تسبّب ريحة القادم من القريه عطس ذاك القطيع
يا صاحبي ..
الحلم أنثى سلـّــمتني التذكره
ومريت انا هذا القطار ولا ذكرت احمل معي دفتر
يسجّل لي تفاصيل الرحيل
وخلّيت كل الأمتعه بيدينها وجيتك مسافر....
ما معي غير الحقيبه اللي بها موس الحلاقه
وبعض حب الفستق .. وإبريق شاي
عوّدت نفسي كل ما ولــّـــع بصدري هالحطب
صار الوقت مقهى قديم
وافكاري الفستق ..
وآهاتي موسيقى شاي
والقصه طحين
إيه يا الطحين !!!
وش جابك افبالي بهالحزّه
وانا بين النوافذ والكراسي والزحام
أتذكـّـــره ذاك الزحام
أتذكـّــــره ذاك الطريق اللي تعب من صوت سيار حفظ أرقامها
من كثر ما مرّت على شرطي الحدود
كان العرق أشبه بشعري اللي تساقط من على راسي
بفعل هذا الدخان
والدرب طاحونه عليها كل أضلاعي تنام
وما أنام
وما بين أنفاس الوساده
وآخر انفاس الوصول
ألقى اورقه تندس من تحت الغياب
فاتورة المطبخ .. وفوضى في الغرف
وانسى التعب يا صاحبي
وابحث على قطعة رغيف
وارجع لنفس السالفه
من بعد ما خدّرت هذا الهم في ضلع في الطريق
ويمرّني شرطي الجمارك لحظة التفتيش
يلمحني بنظره
مثل وجهي اللي بدا من كثر جياته مثل حب الكرز
وأودّعه .. واضبط عقارب ساعتي
ساعه إلى البيت القديم
وأمر حارتنا وكالعاده يصادفني سعد
الشيبه اللي يحرق الغليون في صدره
ويتشظـّــى من انفاسه التعب
الشيبه اللي كانت الأسماك تحمل خطوته
وكوّن لنفسه مملكه من خبز واشجار وبلح
واليوم صارت هالكره في ملعب العمر
وصبح هالشيبه اتمرّه الشوارع تسأله
كيف انت يا الشيبه سعد ؟؟
يا صاحبي..
صارت معالمنا القديمه تحترق مثل السعف
وما غرّد بأغصان حارتنا سوى عصفورة ٍ أنثى
وردد هالغنا من فوق سدرتها الغراب
وذاك القطيع اللي صدفته بأول الحاره
رجع من دون راعي للقطيع
ولا عاد للحاره طريق ٍ غير مجموعة سكك
يوقف عليها صبية ٍ يلهون باحجار المآذن
أو قلوب ٍ تشبه الإسمنت ..
خرسا في ابتهالات السجود
يا صاحبي ..
انكسرت مداين من رخام
واتباعدت كل الخطا
والريح يجلد ..
والبخت يرسل شواظ ٍ يلهب الإسفلت
في عز المسار
والغيم يتبعني مثل ظلي إلى داري
وأسلّم للمسا جفنين مروا في ثلاث ايام
أصناف السنابل لي لـْـتـِـوَت
من حر هذاك الطموح
إيه اختنق يا صاحبي ..
فكّيت أزراري
وأبي تفتح نوافذ هالقطار
محمد عبدالله البريكي
ــــــــــــــــــ
الجروح أحزاب
تعب أكتب على ذكرى الغياب اللى فْصدري ذاب
تعبت أرسم تفاصيل الحزن والكل يرثيني
ألمك جيت .. أضمك جيت .. أبعثر هالحزن مرتاب
أبرحل من ازارير العمر والكل يقريني
تذكر هالسفر غربة صحاب وما لقيت أحباب
كأن الدرب خانتني خطاويها وتبكيني
مسافر مرتحل لأخر حدود العشق دون أْعجاب
أحاول أوصل لحد الغياب إلي ينسيني
يا حزني يا الغلا أنته مكان في الصدور غياب
تحاول تطعن ضلوعي أنين وشوف ترميني
حزين العمر ما يعرف نهاية هالعمر لْتراب
مصير نرد للمصدر عشان الكل يلقيني
سكيك أحزان بقايا مملكة حارس على بواب
مرايا هم وأحزان الجروح إلي تصحيني
تسافر وين باترحل وأنته في العشق طلاّب
تعال وطمن جروحك وسافر ، بس تنسيني !
تصدق لو رحلت وهالجروح في سكتي أحزاب ..
لخليها تصارعني عسى بعدين ترثيني !
هيثم العيسائي
ــــــــــــــــــ
الله كريم
ان كان ماهـداك الولـي لاوالله إلاماهتديـت
بأهدايتـه ورضـاه نفسـك تهتنـي بأمالهـا
وليا أستخرت الواحد المعبود لامنـك نويـت
ترتاح نفسك في دروبـك والسعـد هوفالهـا
وواصل طريق الخير في طيب النوايا لابديـت
الناس لاتثنيـك عـن درب الوفـا بأقوالهـا
أذا سمعت الناس بألاقـوال لا والله غديـت
شاور كبار الناس وأخذ الشور مـن عقالهـا
وان شلت نص الحمل شيل الحمل كله لارتكيت
وآلااتركه للي يشيـل مـن الحمـول أثقالهـا
تقول ماتدري يعرفول الرجـال انـك دريـت
ان كان ما أنت بقد حاجـه لاتقـول أنـا لهـا
وان كان ماعزيت ساس البيت ماعزيت بيـت
بعض المباني لوتطيح من الوقـوف اشوالهـا
ان قلت اطفيها نقول النارمـا تطفـا بزيـت
وان قلت ابقصر من نشابتها وجبت اطوالهـا
افلست يا بوزيد يوم يقـال ما كنـك غزيـت
من قبلنـا قالـه رجـال المعرفـه بأمثالهـا
وانا لغير الطيب والمعـروف والله ماسعيـت
أترك غثابيـر المشـارب مرتـوي بزلالهـا
أحاول اوفي قد ماقدر طبـع مـادور وفيـت
والطبـع يثبـت مايتغيـر لوتـزاح اجبالهـا
اخلص واضحي من وفايه وتفاجا أني هفيـت
وصابر بعـزم الطيبـه نوماسـه و يسعالهـا
تأثير صدمات المواقف ينتهي لحظة رضيـت
واضحك بحمدالله وانا فـي حالتـن يرثالهـا
ابقى على العليا مدام أني على العليـا رقيـت
ولا من اول ليش اعنـي خطوتـي وارقالهـا
واحيان تكتب لك صنيعة خير وانته مادريـت
والله كريم يضاعف الحسنه بعشـر امثالهـا
هذا حديث المصطفى ماقول من راسي رويت
اطهر قدم وطا الثرا وأصـدق عبـاره قالهـا
احمد السناني
أعلى
مــدائــح طفولية (17)
الكـتـب
وعندما أضيّعك أيّها الكتاب: أنتظرك على رصيف
النداء، طافحاً بالحنين إليك، وشارداً في فكرتك اللاهبة..
بكِ أيتها الكتب: تعلّمنا أن العزلة ليست برجاً
عاجيا، وأنها حق جميل يمارَس بلذاذة، وأنّ النور يتسلـل مـن خلال سطورك،
وأنّ الجهل يستحي مـن قوّتك..
وعندما لا توجد مكتبة تأويك أيّها الكتاب: كيف
سيخرج الصباح محتفيا بالشمس؟..
صباح الخير أيتها الكتب. صباح الخير يا رُفوفكِ التي وُضِعْتِ عليها،
ويا دواليبك وخـزاناتك التي ضُممتِ إلى دفئها.. صباح الخير أيتها الكتـب.
صباح الخير أيـها الأمناء عليها، الحرّاس على مجدها وتعاليها.. صباح
الخير أيتها الكتب. صباح الخير أيتها المكتبة، وأيها القـلم، وأيتها
الروح التي آمنتْ بها، وبصحائفها، وأوراقها، وأسفارها، ومُجلّداتها،
وأفكارها الشهويّة..
بك أيتها الكتب: يستند الإنسان على رُوائه، على تجربته، على خياله
الحرّ الطليق، ماخراً عباب الفكرة..
بكِ أيتها الكتب: انتقلت الثقافات والحضارات، وتلاقَت الشعوب مع الشعوب،
وتحاورت الألسنة مع الألسنة..
بك أيتها الكتب، أرهفنا للشعر في معدنه الخصيب، وللقصة في شهوتها السّاردة،
وللمسرح في كتابته الأولى، وللسينما في تصوراتها التخطيطية، وللنقد
في أعينه الحاذقَة وفي بصيرته النفاذة..
بك أيتها الكتب: تعلّمنا أنّ العزلة ليست برجاً عاجيّاً، وأنَّها حقٌ
جميلٌ يُمارَس بلذاذة، وأنّ النور يتسلـل مـن خلال سطورك، وأنّ الجهل
يستحي مـن قوّتك..
بك أيتها الكتب: انغرسنا في فخرك الذي هو فخر الإنسان، والتقينا تـواضعـك
الذي هو تواضع العالي والجسور، واغترفنا من أمانتك التي تحفّـين بها
الأسرار والأخبار، والزمن والمحن، والصباح والكنْز..
بك أيتها الكتب: ذهبنا إلى مَدرستِكِ التي لا تُغْني عنِ الحياة، واقتـفينا
تجربتك التي تسعف تجاربنا في الحياة، دون أن تـلغي فطرتنا المنفـتحة،
أو تجاربنا وخبراتنا التي نـعوّل عليها في التأويل والتفسير، وفي الفهم
والتأمّـل..
وبك أيتها الكتب: صار لنا أصدقاء في شتـى أرجاء العالـم، وفي شـتـى
الأزمنة والأمكنـة، وفي شتـى الحقول والمعارف والاهتمامات...
وبك أيتها الكتب: جـلس قبالــتـنا الشعراء العظام والأدباء الكبار
والفلاسفة الخالدون والمعـلمون الأوائل والرُوّاد النابِغون..
ومنك أيتها الكتـب اغتـرفنا أجمل رسائل العشق، وأبهى نصوص الصداقة،
وأشفّ مـتون الحكمة، وأكمل الموائد التي تــسُدّ الجوع، وأجزل الدّنان
التي تـروي العطَش وتفتـح العطش...
*****
بدونك أيتها الكتـب: كان العالـم سيكون راتعاً
في مستنقع الجهل، وفي حضيضِ البدايات المتخلفة.. كان سيكون العالـم
طفلاً سادراً في لثغته الحمقاء، منذوراً للتجريب المـتـكـرر دون أن
يسجل تجربـة وأن يتطوّر في تجربة، طفلاً ضائعاً لا يتقدّم في مشيته
وخطوته ووقوفه ولغته.. كانَ العالم سيكون حزيناً ودامعاً وأسياناً،
أيتها الكتب، لو لم تكوني هنا على رفّ الأمل والانسجام والحضور البليغ..
كان سيكون العالـم، بدونك أيتها الكتب، أجوفاً إلا مـن التفاهة، وخلواً
إلا مـن الصـراخ الفـجّ، ومنتفخاً بالملابس الوثيرة التي لا تدفع عنه
الحرّ والبرد، وباهتاً بلا لون إلا لون الظلام والتهجّيات الكتيمة..
*****
اقرأ لَنا أيها الصباح كتاب الحياة؛ كي نرقى على سلالم الشمس جهة الينابيع
والأقواس والقـزح..
اقرئي لنا أيتها الدياجير حقيقـتـك وطرائقـك: كي نصطاد ضياءنا المورق
ويماماتنا النورانيّة..
اقرئي لنا أيتها الشمس كتاب السفر اليوميّ، كتاب الشوق الذي لا يضنيه
التـسيار والتـطواف والتـرحال...
اقرئي لنا أيتها الصداقة ألعابـنا المرحـة، ولهفاتنا الغائبة والحاضرة،
وصداقاتـنا تلك التي تهرّأت البارحة، وتلك التي ستبدأ اليوم..
اقرأ لنا أيها الحُبّ: كتاب صلواتك وتهدجاتك.. كتاب أنفاسك المضطرمة
العارمة. واهطل علينا بشلالـك الباذخ، وبيفاعتك التي تمتطي حصانَ السرّ..
اقرأ لنا أيها البحر: كتاب شساعتك وأمواجك، كتاب زبدك وثـبجك وصواريك
وأشرعتك وأسماكك ودلافينك وحيتانك وفردوسك الأزرق... كي نتعـلم معناك
وأبديتك وروحك المدرارة...
اقرأ علينا، أيها الزمن، كتابك المُحْكـم الذي تنحفر سطوره في أعماق
الأرواح، وفي حشاشات الأكباد، وفي مرامي المعنى، وفي تحوّلات السؤال..
*****
في كلّ مرّة، أيتها الكتاب، أرى أنني أودّ الإخلاص
لكَ وحدَكَ دون بقيّة الكتب. في كلّ مرّة أودّ لو أنساكِ أيتها الكتب
جميعها: ما دمتُ الآن في حضرة كتاب واحد أصادقه ويصادقني..
وفي كلّ مرّة، أيها الكتاب، أبحث عنكَ في داخلي، لكي أصدع بأمرك، وأسترسل
في أجنحتكَ وخباياكَ ومرافئكَ وبحارك.. فأجدني مـُشْرَعاً لكي أبدأ
في تسطيرك وتحبيرك، وفي كتابتك وصياغتك. وكثيراً ما كنتَ تتلمّص منَي
فأجدني أحلم بكَ، وأسير إليك...
وعندما أضيعكَ أيّها الكتاب: أنتظرك على رصيف
النداء، طافحاً بالحنين إليك، وشارداً في فكرتك التي تـلهب افكاري
وأنفاسي...
وعندما أستعيد قراءتك أيها الكتاب: أشعر بلذاذتي إلى جانبك، وأنّ دفقك
يتسلل إلى قلبي.. فأبدأ في محاورتك، ومشاكستك، وفي الالتقاء بك والاختلاف
معك..
وعندما لا تصبِح، أيها الكتاب، عادة شهيّة لدى الأطفال الآنَ: كيف
سيقرؤك الآتون كباراً غداً، وهم لا يمتلكون الحنين إليك؟.
وعندما لا توجد مكتبة تأويك أيّها الكتاب: كيف سيخرج الصباح محتفيا
بالشمس؟..
صالح العامري*
* شاعر عماني
أعلى
لغويات
التوليد اللغوي (1-7)
إن من المُسَلَّمات اليوم أن اللغة الحية -أيًّا
كانت - تبقى خاضعة لعوامل متنوعة تؤثر في نموها ، وفي قدرتها على الثبات
.
فاللغات في سيرورتها لابد أن يصيبها من أسباب التطور بمدلوله الإيجابي
وأسباب التغير بمدلوله السلبي ، وقد ظهر للباحثين أن اللغة العربية
هي أكثر اللغات التي تجلت فيها آثار النمطين المذكورين ، من حيث هي
لغة حية قادرة على الاستمرار على الرغم من كثرة المُلِمَّات والمحن
التي مرت بها في العصور السابقة وماتزال تمرُّ بها في عصرنا الحاضر
.
وتبرز آثار التطور والتغير بجلاء في ظواهر التوليد اللغوي التي تطال
المفردة والتركيب ،والأسلوب .
والتوليد اللغوي بالمدلول الإيجابي ذو فائدة جمّة تعزز من مكانة اللغة
، وتعلي من شأن استمراريتها ، أما التغير اللغوي بمدلوله السلبي فهو
ذو أثر سيىء ينهك اللغة ويفت أركانها ، وقد يؤدي بها إلى فساد وذوي
حال إن لم تتخذ دواعي الحيطة والحذر .
لقد تبنى لغويونا القدماء حقيقة التوليد اللغوي وفقا لمبدأ ديني صرف
، في حين تبناها المحدثون وفقا لنهج علم اللغة الحديث الذي بات مُسَلَّما
في عرفه أن اللغات الحية تتطور وتتغير بتأثر عوامل كثيرة.
ولقد اعترف اللغويون المحدثون بحق المولد القديم في الانتماء إلى فصيح
المعاجم, وحقه في رفد اللغة بما تحتاج إليه.
ونطالع تتابع هذا المولد في لغة الصحافة والإعلام بصورة عامة مُجَسِّدًا
مفهوم الإبداعية (creativity) كما بدأ في لسانيات تشومسكي(N.chomsky)
ليعكس قدرة ( المتكلم/ المرسل /الصحفي) على توليد عدد كبير من الاستعمالات
المستحدثة من الاستعمالات الموجودة من قبل, ليعكس في المقابل تلك الطاقات
التوليدية الكامنة في اللغة التي تتجلى في أنماط مختلفة ونماذج متباينة,
تدفع في سماتها الإيجابية تهمة العجز عن العربية, تلك التهمة التي
أصبحت تتردد على ألسنة أبنائها أنفسهم, حتى الدارسين المثقفين منهم.
إن الدراسة التاريخية للغة ينتج عنها كما يقول تمام حسان في كتابه
اللغة بين المعيارات والوصفية ص92دراسة تطور الأصوات ، ودراسة تتطور
الصيغ, ودراسة تطور استخدام الكلمة, ودراسة تطور الدلالة.
وقد أكدت هذه الدراسة أثر عاملين مهمين في حدوث التغير والتطور في
اللغة, هما عاملا الزمن والمكان أو عاملا التاريخ والجغرافيا.
ويتجلى أثر الزمن في تغيير الدلالة في تغير العلامة (sign) يقول (F.Dsaussure)
إن لاثبوتية اللغة تعود للزمن وحده ومثال تبديل مدلول العلامة ما حدث
في لغتنا العربية قديمًا إذ تغيرت كلمات كثيرة بمجيء الإسلام كالصلاة
والصيام والزكاة وغيرها.
وعامل المكان أو العامل الجغرافي كما يرى الدكتور علي عبد الواحد وافي
في كتابه اللغة والمجتمع ص77 يكمن في أن " جميع خصائص الإقليم
الطبيعية تنطبع في لغة ساكنة وتتجه بها في سبيل التطور وجهة خاصة.
ومن أجل ذلك نشأت فروق كبيرة في مختلف مظاهر اللغة بين سكان المناطق
الحارة والمعتدلة والباردة وبين سكان المناطق الجبلية وسكان الصحراء,
وسكان الأودية, وتظهر هذه السمة أكثر ما تظهر في الأصوات ، ولذلك يقول
دوسوسور:" وغالباً ما اعتبرت التغيرات الصوتية وشروط الأرض والمناخ.
إن بعض اللغات الشمالية تكدس الصوامت, وبعض لغات الجنوب تستخدم الصوائت
بشكل واسع, وهذا ما يهبها صوتاً تناغمياً.
وفي تأثير العلوم النفسية ظهرت عند همبولت G.Humbldt نظرية تقول بوجود
صيغة نفسية للغة تسبق كل نطق صريح ، كما أن لغة الشعب المعين وتفكيره
يتعذر الفصل بينهما .
وقد كان لظهور علم الاجتماع وتوشُّجه من قريب أو بعيد بعلم النفس فضل
كبير في ترسيخ مجموعة من المبادئ كان لها أثر كبير فيما بعد في طريقة
النظر إلى اللغة وتطوّرها .
وممن يذكر في هذا المقام عالم الاجتماع دوركهايم Durkheim الذي عدَّ
الظواهر الاجتماعية ذات وجود خاص بها ، وأن اللغة ظاهرة من تلك الظواهر
.
ومما يدفع إلى التوليد اللغوي كذلك ما يسميه الدكتور علي عبدالواحد
وافي في كتابه اللغة والمجتمع ص37 بـ ( العوامل الأدبية ) وتعني عنده
جميع ماتجود به القرائح من وسائل ومنتجات تؤدي إلى حفظ اللغة وتعليمها،
وتوسيع نطاقها وتكملة نقصها، وتهذيبها من نواحي المفردات والأساليب،
وتسجيل آثارها، واستخدامها في مختلف فروع الترجمة.
د. سالم البلوشي
salemabdullah@gmail.com
* باحث ولُغَوي عماني
أعلى
رسائل ممطرة
المُبحر جهة القلب!
أتُرانا سنلمحهُ يوما بين جمهرة الناس يمشي الهوينى
قادما من رحلة بعد طول سفرٍ مع الموج، متجها نحو قرية جرحتها المآذن
القديمة ـ ذات صيف ـ ربما. بلا شك سنراه، ولكن في أخيلتنا فقط، فحكاية
"البحار" مجرد قصة تتغنى بها القرائح، وترسمها ريشة فنان
تكاد أصابعه تصافح أصابع بحارنا القديم ذاك.
كان لطعم المساء ذات يوم رائحة مطر تشريني الرجفات، المتحف بستان يزخر
بالزهر، بالصور، بالسحر المسكون بالطلاسم، لكننا ربما كنا كالآخرين
مشدودين نحو صورة "بحار" أخذ العين معه، صورة البحار وحدها
من حدثت الروح.
أيعقل أنهم حين كانوا جميعا يحدقون في عيني ذاك البحار في الصورة لم
يشعروا بكل صوت ذاك الهدير من الموج المسافر خلفه؟ لقد كانت لصورة
ذاك البحار المهتريء الجبين في المتحف، حمامة بيضاء أخذت لها متكأ
في القلب، يالذاك الوقار النابض في شيب ملامحه، ويالذاك الطفل البريء
النائم في نداوة ابتسامته التي تضاهي في رسمها ابتسامة"الموناليزا"،
تلك التي اعتبرت سيدة كنوز متاحف العالم المتحضر.
لو أنهم دققوا فقط في صورة ذاك البحار العجوز، لربما غيروا رأيهم في
صورة الموناليزا صاحبة الابتسامة التي أسرت الناظرين .. ربما، من يدري.
لكن البؤساء عموما هم دائما من يغسلهم الفجر بشحوبه ليقول لهم الحزن(مرحبا)!!.
هذا الإنسان الذي هو القمر سلمه، والذي ترك في الزاوية نجمة صغيرة
لدعاء أو صلاة، هو وحده من عرف خشوع البحر، وعاش هذيان قياماته في
الزمن القديم الذي حُكي عنه كثيرا، والذي أطربنا ذات فجر غناء "ياماله"
البحري الذي ما عاد يغنى إلا قليلا على صوت حناجر أبنائه، لترفرف روح
بحار بيننا، ونبصر أمامنا فضاء جميلا، وعريشا قديما من سعف، لكنها
تبقى في النهاية مجرد صورة داخل شاشة كانت خلفها كاميرا تدور، والبحر
من خلفها لا يبصر إلا خيال بحارها الكان، وبعض ما تركت خطوات أقدامه
في رمال شاطئ متعب.
آه ما الذي تركه ذاك البحار إذن في هذا الملح!. ترى كيف كان أولئك
البحارة يمضون ليلهم في سفائن من خشب حين يصير الغيم شتاء، ويجمع الموج
فوضى جنونه، كيف كانوا يخيطون ثوب البوصلة!!.
رسالة ساقطة:
" كُنتُ أحدِّقُ من خَللِ الأسطرِ
في عَيَنيهِ السوداوينْ
فيُغرِقُني هذا اليّم الممتد، إلى مَرفأ روحي الفَارغِ إلا
مِن سُفن راسية للأحزان، وأشرعة مَضغتها الريح
وأبحِرُ حَيناً
منْ خللِ الجُوع وخُصلتها
في أوراقي المنثورة
مجنوناً بالضوءِ المُرتَعشِ الهَابط
مِنْ أبعد نَجمٍ بسموات بلادي
حتى نافذةِ القاعْ!"
" عدنان الصائغ"
سميرة الخروصي
* شاعرة عمانية
أعلى
|