الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 







مبتدأ


"عمان مليئة بالآثار الكثيرة المتنوعة والمتعددة في كل بقعة فيها ابتداء من مسقط ونزوى وصحار وانتهاء بظفار والبريمي ومسندم وصور حلقات تمتد عبر القرون منذ بدايات التاريخ وحتى العصور المتأخرة شواهد بارزة لا يمكن أن تخطئها العين في أي ناحية عمانية مر الإنسان أو نزل فيها ملامح التاريخ تجدها حاضرة ترافقك".. هكذا يفتتح الاستاذ الأديب أحمد الفلاحي مقالته التي عنونها بـ"مواريثنا وآثارنا" مسهباً في شرح مكنونات الجمال التاريخي والثقافي للسلطنة، وابداع الانسان العماني على مر الحقب والعصور في صياغة حضارته صياغة تطوع البيئة وتستأنسها، ولكن في المقابل تظل أهمية احتضان هذه الآثار والحفاظ عليها حتمياً في ظل صروف الدهر.
في نفس الاطار يسبر الزميل إيهاب مباشر أغوار معرض "عمان" الذي افتتح مؤخراً في معرض "نيوكيرك" بهولندا برعاية من ولي عهد هولندا وزوجته الأميرة ماكسيما، وبحضور صاحب السمو السيد هيثم بن طارق آل سعيد، وزير التراث والثقافة.. ويقدم الزميل إيهاب صورة بانورامية للمعرض من خلال استقصاء آراء بعض المسؤولين والمشاركين.
وليس بعيداً عن التراث والآثار يكتب الباحث حارث الخروصي عن الفن الصخري في عمان، مسلطاً الضوء على مجموعة من الرموز والدلالات التي تعكس حضارة عمان على مر العصور والأزمنة.
ولأن التراث لسان التاريخ تكتب آمنة الربيع عن أهمية استلهام التراث في مقالها الذي يحمل هذا الاسبوع عنوان "تباعدت يا صولي.." المقتطع من أغنية للراحل جمعان ديوان.. وينطلق عبدالكريم الميمني في عموده من منطلق اهتمامه التشكيلي فيكتب عن أهمية استلهام التراث في اللوحة التشكيلية.
وفي سياق الآثار والتراث يواصل وليد السيد ما بدأه من حديث عن المعماري الراحل حسن فتحي ليحدثنا عن أبرز ملامح تجربته والمبادئ التي انطلق منها الراحل.
اضافة الى ما سبق من مواضيع يقدم لنا سلطان العزري تسعة نصوص قصيرة تنضح بالمكان العماني، وتناجيه، وتنبش ذاكرته.. وفي هذه النصوص يقدم العزري تجربة مميزة تغوص في أعماق المكان والتاريخ العمانيين، فهو يناجي ذاكرة سحيقة وبعيدة، إلا انها ماثلة حتى الآن في اجزاء كبيرة منها.
سعيد الوهيبي يستكمل ما بدأه في الاسبوع الماضي من حديث عن البحث فيما وراء العمل الفني في أعمال التشكيليين العمانيين، فيما تستكمل القاصة رحمة المغيزوي قصتها "القايمة".. كما يحفل "أشرعة" بمواضيع عديدة ومتنوعة.

المحرر

أعلى







صدور مجوعتي "أرجوحة فوق زمنين" و"في مهب الحطام" الفائزتين في مسابقة "دبي الثقافية"

كتب ـ سالم الرحبي:
صدرت مؤخراً مجموعتا القاص محمود الرحبي والشاعر خميس قلم الفائزين بجائزة "دبي الثقافي" في دورتها السادسة 2008 ـ 2009.
وفاز القاص محمود الرحبي بالمركز الأول في مجال القصة القصيرة عن مجموعته "أرجوحة فوق زمنين" فيما حصد الشاعر خميس قلم المركز الثالث في فرع الشعر عن مجموعته الشعرية "في مهب الحطام".
وكانت لجنة المسابقة قد اختارت القاص محمود الرحبي لإلقاء كلمة الفائزين خلال حفل توزيع الجوائز الذي تم الاسبوع الماضي بحضور مجموعة من المثقفين العرب أبرزهم ادونيس وزاهي وهبي واحمد عبدالمعطي حجازي وسيف الرحبي وخالد الصاوي وأمجد ناصر وبروين حبيب وآخرين.
وكان محمود الرحبي قد عبر لـ"أشرعة" عن سعادته بصدور مجموعته التي اختارتها لجنة تحكيم القصة لتحل في المركز الأول، ولاختيار اللجنة المنظمة له لإلقاء كلمة الفائزين.
وتتضمن مجموعة "أرجوحة فوق زمنين" "12" نصاً جديداً هي: سيح الأحمر، وثلج يسقط على مسقط، وهل هما فعلاً قطعتان من المرمر؟، وهواء، وصباح الاشاعة، وفعل الأشياء القديمة، والذائب، ومكنسة الغروب، وليلة العسل، وحوار لا يعبر، ولحم الكلب، وحديث صاخب بما معناه.
ولمحمود الرحبي ثلاث مجموعات قصصية هي "اللون البني" و"بركة النسيان" و"لماذا لا تمزح معي؟" اضافة الى روايتين هما "درب المسحورة" و"خريطة الحالم".
فيما تضمنت مجموعة "في مهب الحطام" لخميس قلم مجموعة من النصوص أبرزها "في سبيل الشمس" و"غيابات" و"جسد" و"شجرة النار" و"اغتراب" و"يباس"، وللشاعر مجموعتان سابقتان هما "ما زالت تسكنه الخيام" و"طفولة حامضة".


أعلى






مواريثنا وآثارنا

مواريثنا المادية الجامدة وما أكثرها بحاجة إلى صيانة ورعاية قبل أن تذهب بها عوادي الزمن
الآثار في عمان كثيرة جدا وبعضها في خطر وتوشك على التلف إن لم يتم تداركها وبالذات الحارات القديمة ذات النمط الفريد في البناء

عمان مليئة بالآثار الكثيرة المتنوعة والمتعددة في كل بقعة فيها ابتداء من مسقط ونزوى وصحار وانتهاء بظفار والبريمي ومسندم وصور حلقات تمتد عبر القرون منذ بدايات التاريخ وحتى العصور المتأخرة شواهد بارزة لا يمكن أن تخطئها العين في أي ناحية عمانية مر الإنسان أو نزل فيها ملامح التاريخ تجدها حاضرة ترافقك جلية بينة تنبئ عن ماضيها الغابر وإن أصابها ما أصابها من تراكمات الزمن وقبضاته المؤلمة شواهد تتمثل في المباني على اختلاف استخداماتها وفي المخطوطات التي امتلأت بالعلوم في شتى فنونها وفي الأفلاج التي شقت في صلابة الصخر وأعماق الأرض لتكون أساس الحياة وفي القيم والأفكار التي كانت هي النظام لممارسة البشر لأحوال عيشهم في الزراعة والبحر والمرعى وفي التجارة والحرف والصناعات المختلفة وفي بناء السفن وارتياد البحار الواسعة والانطلاق إلى أمم الأرض الواقعة في أقاصي الدنيا الفسيحة وفي أسواق الشعر والأدب والفن التي كان الناس يأتونها من الأمكنة البعيدة مواريث لا عد لها ولا حصر تنسكب في إنسان عمان منذ تكون وعيه في طفولته الأولى فيتشربها مع حليب أمه الذي يعطيه الحياة والنمو مواريث أصابها التغير والتحول على مر الأزمنة أخذت من الحضارات الأخرى القريبة والبعيدة وأعطتها في تبادل خلاق نافع غير منغلق وغير ماح للخصوصية العربية الثابتة والمتجذرة في هذه الأرض التي كان لها شرف المساهمة في إنبات العروبة ساعة انبثاق فجرها وانبلاج نورها في العالم قبل عشرات الألوف من السنين المتطاولة. مواريث قدمت للدنيا مآثر الإعمار والبناء والتجدد والرقي بعيدًا عن معاول الهدم وإفناء القيم الإنسانية مواريث أسسها الإنسان العربي في عمان عبر عصوره الزمنية المتواصلة هدفها الإحياء وليس الإماتة وسعيها للتعاون وليس للعداء وأفقها متسع لكل أطياف البشر وأجناسهم ومعتقداتهم وأديانهم تشابهوا أو اختلفوا بعدوا أو قربوا صغروا أو كبروا الإنسانية هي الجامع الأكبر بيننا وبينهم وآية ذلك تلك السفن التي بناها أسلافنا البعيدون قبل مئات القرون لتبحر نحو الهند والصين وإفريقيا تكشف الحفريات الأثرية عنها اليوم ويسعى المتخصصون لاكتشاف خطوط مساراتها في البحار الكبرى واتجاهات مقاصدها إلى الأقاصي البعيدة من حضارات العالم ومدنه القديمة تحمل رسالة التعاون والسلام من إنسان عمان العربي إلى كل العالم القديم مهما بعدت دياره أو اختلفت ألوانه وأشكاله وأفكاره.
ومواريثنا هذه تعاني اليوم من هبات العواصف العاتية التي يمر بها الكون وتلقي بظلالها على شبابنا لتأخذهم في تياراتها الكبرى بعيدا عن جذورهم وكثير منهم يقاوم ويحاول الصمود والقليل من حمله التيار أو كاد وعلينا التفكير والبحث كيف نستعيد مواريثنا ونستلهم منها ما يعزز اندماجنا في العالم مع الثبات في أرضنا نأخذ من العالم ونعطيه دون أن تقتلع جذورنا وأن نركز على اللب النافع المفيد ونترك القشور الفارغة المحلقة مع هبوب الريح تلك هي مواريثنا غير المادية التي نأمل صيانتها على هدي مما صنعه أسلافنا القدماء.
أما مواريثنا المادية الجامدة وما أكثرها فهي ايضا بحاجة إلى صيانة ورعاية قبل أن تذهب بها عوادي الزمن وتتركها أرضا خالية وللأسف الشديد فقد ذهب منها ما ذهب وانقرض ليختفي إلى غير رجعة بسبب تفريطنا وإهمالنا وقلة اهتمامنا فكم من مساجد تاريخية قوية البناء جميلة الشكل هدمناها بأيدينا وبنينا فوقها مساجد جديدة من الإسمنت وكأن الأرض ضاقت ولم يعد فيها مساحة للبناء الجديد وكم بروج وقصور وحصون نال منها الزمن وأفناها ونحن غافلون ومنها ما تسببنا نحن بأنفسنا في إزالته وأدخلناه ضمن بساتيننا ومزارعنا وأقمنا مكانه بيوتنا الجديدة الحديثة الفخمة وكم من حارات تأسست قبل ألف أو أكثر من السنوات ظلت صامدة بجمالها الأخاذ وبواباتها الفريدة وأسوارها الحامية وسككها الرائعة صانها الأجداد وحفظوها للأجيال جيلا وراء جيل وحقبة بعد حقبة ولما وصلت إلينا أهملناها فخربت وتهدمت مساجدها ومجالسها وأسواقها وقصورها ذات الطوابق المتعددة وضاع جمالها وسرقت بواباتها الفخمة ونوافذها الأنيقة وانتهى بها الحال عبرة للمعتبرين.
وقد قمنا بترميم بعض الآثار فشوهناها وقسونا في تغيير ملامحها وتبديل خصائصها وأقمنا أسوارها ومداخلها بالطابوق والإسمنت و"الأنترلوك" الأحمر المزعج وحتى ما حاولنا إعادة بنائه بمواده الأصلية لم نحسن اختيار تلك المواد ولا اختيار المتخصصين في البناء القديم فتساقط ذلك البناء الذي حاولناه وتناثرت أجزاؤه ذات اليمن وذات الشمال.
بيد أن هذا لا يعبر إلا عن القليل وأكثر الترميم ما هو فوق الممتاز كحال قصر جبرين وقلعة نزوى وقلعة نخل وقلعة البريمي وقلعة بهلا وغير ذلك ونتمنى أن يحتذي مسار ترميم الآثار الأخرى حذو هذه النماذج المشرفة.
والترميم يجب أن يكون بذات المواد القديمة التي بني بها الأثر والأثر إن كان من الطين وقد تساقط نهائيا ليس بالضرورة - في تقديري وزعمي - أن يعاد بناؤه بالطين كما كان وإنما يمكن إعادة بنائه بالحجر والصاروج العماني والجص على نفس هيأته القديمة فذلك يعطيه صلابة وقوة ولا باس من هدم بعض حجرات الطين الصغيرة المشوهة التي لا ضرورة لها ولا بأس من إنشاء دورات مياه حتى بمواد البناء الحديثة خارج البناء الأثري أو في داخل السور المحيط به وكذلك بناء مخزن لبيع التذكارات الأثرية ونحو ذلك ما عدا داخل المساجد وبالإمكان أن يكون خارجها وفي الحارات الأثرية أرى أن تبلط طرقاتها ولكن ليس بـ"الانترلوك" وإنما بقطع الصخر العماني الصغيرة التي تثبت في الأرض بـ "الصاروج" العماني تفاديا للغبار وبحيث يكون هذا التبليط منسجما مع المكان مندمجا فيه وذلك معمول به في كثير من دول العالم ويمكن حتى هدم بعض الجدران والحجرات أو إزالة ما يشوه ولا بد من العناية كذلك بخشب الأبواب لتكون من النوع القوي الجيد - الغالي وليس الرخيص - وأن تكون صناعتها ونقشتها مطابقة أو مشابهة للأبواب السابقة التي كانت هناك ويعهد بذلك إلى المهرة من النجارين وكما الأبواب كذلك الأسقف ينبغي أن يكون خشبها من النوع الجيد القوي الذي يحتمل الزمن ويتلاءم مع المكان ولا حرج من إزالة المباني المجاورة التي لا قيمة أثرية لها ليتسع محيط الأثر للطريق وللمواقف ولا بد من دورات المياه والمطاعم الصغيرة ومخازن بيع البطاقات والتذكارات بجانب الأثر أو داخل أسواره إن كانت فسيحة واسعة وأرى أن يستعان بالمتبقين من خبراء البناء من العمانيين .
والآثار في عمان كما قلنا كثيرة جدا وبعضها في خطر وتوشك على التلف إن لم يتم تداركها وبالذات الحارات القديمة ذات النمط الفريد في البناء التي تتداعى جوانبها وأوساطها ومداخلها فيجب أن تكون لها الأولوية ومثل ذلك بناء قلهات الشهير الذي يوشك أن ينتهي وهو بناء يوحي المتبقي من شكله أنه من البناءات القديمة جدا وينبغي المسارعة لإنجاده قبل أن تهوي الأجزاء القليلة المتبقية منه وهكذا ينبغي أن نجعل الأهم قبل المهم.
ولا شك أن هناك الكثير ولكن مع الهمة وحسن التخطيط وزيادة في الاعتمادات المالية والاستعانة بالدول الشقيقة والصديقة والمنظمات الدولية المختصة سنستطيع إحراز نجاح طيب وإنقاذ آثارنا التي ما زالت صامدة قبل أن تلحق بمثيلاتها التي ذهبت وعلى أية حال فإن ما ذهب قليل وأن بلادنا ما زال لديها الكثير سيما ونحن نعول على السياحة والآثار من المقومات الأساسية للسياحة ولكن السياحة أيضا تحتاج إلى المرافق والخدمات لكي تنجح ولا يكفي لها وجود الآثار فقط،..

* أحمد الفلاحي
* أديب عماني


أعلى








الفن الصخري في عٌمان كتاب مفتوح

عمان هذا البلد الجميل الواقع في شرق الجزيرة العربية والممتدة سواحله أكثر من 1700 كيلومتر على المحيط الهندي والتي كانت مركزا هاما في التواصل الحضاري في فجر التاريخ بسبب موقعها الهام على الخريطة العالمية بين الشرق والغرب وتمتاز السلطنة بأوديتها الرائعة حيث تنساب جداول المياه بين الصخور الجميلة والمتنوعة والشجيرات إن هذا المنظر الساحر يخفي الكثير من الأوجه الأخرى مثل تلك المختصة بالحياه الفطرية الطبيعية حيث تنتشر العديد من الاشجار النادرة والحيوانات كما أن الصخور نفسها في أودية السلطنة تعد اليوم سجلا مفتوحا لتاريخ الأرض والمراحل التي مرت بها حيث ان هذه الصخور نتجت بسبب عوامل تكتونية مختلفة ومن أشهر الصخور التي تميزت بها السلطنة هي صخور الأفيوليت الرائعة والتي تحتوي العديد من المعادن مثل الذهب والكروم والمنجنيز ومن أهم تلك المعادن خام النحاس الذي صدرته عمان الى حضارات ما بين النهرين قبل ما يقرب من خمسة الاف سنة وذكر ذلك في الوثائق السومرية والاشورية حيث كان يطلق على عمان اسم مجانi
وبالعودة إلى الصخور على ضفاف الأودية العمانية هنالك وجه غامض تحتويه تلك الأودية وهو الفن الصخري الذي يعود الى الاف السنوات قبل الكتابه حيث نقش الانسان العماني على الصخور جزء من حياته اليومية مغامراته وحروبه وانتصاراته وعدد غنمه وربما رسم صورته على الصخور لذكرى وربما صور من يحب وهكذا كان الفن الصخري في عمان مكتبه كبيره مفتوحة تؤرخ لحياة الانسان القديم وتطوره والاهم في كل ذلك ان الانسان القديم هو ذاته من ألف عن نفسه وبذلك يكون هو الشاهد الاقوى والدليل الاكبر على ما واجهه الانسان عبر تاريخه ويعطي الفن الصخري نبذه عن الحيوانات التي كانت موجودة في ذلك الوقت والات التي استخدمها الانسان مثل السفن السيوف والرماح والانشطة التي قام بها كانت حربية مثل المعارك أو مدنية مثل الزراعة والصيد وقد نقشت تلك الرسومات على الحجر الجيري الملساء (lime stone) ونادرا ما كانت تنقش على الصخور الناريه (agnus Rocks ) بسبب قساوتها وعندما يقف الانسان أمام تلك الرسومات ينتابه شعور غريب حيث إن تلك الرسومات كتبها الإنسان القديم قبل الاف السنين مصورا حياته اليومية ومشاعره وامجاده وكأن تلك الرسومات عبارة عن رسالة انتقلت عبر الاف السنين إلى العصر الحاضر. ومن أهم مناطق التي تنتشر فيها هذا النوع من الفن الصخري هو وادي بني خروص الذي يبعد عن مطار مسقط الدولي 130 كيلومترا حيث يوجد بعد قرية ستال (Sotal)على ضفتي الوادي الكثير من الرسومات والكتابات ومن أكثرها غرابة رسم لفيل وهو ما يثير الكثير من التساؤلات حول وجود الفيلة قديما في شبه الجزيرة العربية وكما تشاهد رسوما لمعارك خلدها الانسان القديم ومن الملاحظ في الفن الصخري العماني بروز الفن التجريدي وهو محاولة مطابقة الواقع ولكن برز أيضا نوع من الفن التعبيري حيث تجد فارس فوق حصان بيده رمح يقاتل العدو حيث يبرز الفارس أكبر حجما والرمح طويل جدا بحيث يخالف الواقع وذلك للدلالة على قوة الفارس وضعف العدو.
وتظهر الرسومات صورة الانسان القديم وذلك بالرجوع الى العديد من الصور حيث تجد ان الانسان القديم يحمل عادة فاس معلقة في خصره وتنتشر هذه الرسومات بالاخص في وادي بني عوف في ولاية الرستاق ومن أكثر الرسومات التي شدتني في وادي بني خروص رسم لعربة يجرها حصان وحولها الفرسان والجمال وهو تصوير لملك في قافلة ولكن من أين العربة هل استخدمت في عمان قديما وفي الحقيقة يشير الباحثون الى ان الاشورين في بلاد ما بين النهرين (العراق القديمة) هم أول من ابتكر العربات وان استخدام العربة في عمان لهو دليل على تواصل حضاري بين شعوب العالم القديم ولا يستغرب المشاهد للفن الصخري العماني القديم وجود السفن بكثرة في مناطق بعيدة كل البعد عن البحر وتصوير لموانئ وحركة التجارة والملاحة فيها وتوجد في وادي بني خروص سالف الذكر العديد من الرسومات التي تمثل السفن وبعضها ظهر ثلاثي الابعاد وهو دليل على تطور الفن الصخري وعثر في وادي بني رواحة بالمنطقة الداخلية على رسم توضيحي يمثل الحركة الملاحية والتجارية في أحد الموانئ حيث رست السفن الكبيرة وتظهر صور للسفن الصخيرة والقوافل التي تدخل الميناء وهو دليل على التطور البحري الذي وصلت إليه عمان في عصور ما قبل التاريخ وذلك بسبب التبادل التجاري بين عمان (مجان) ومالوخا وبلاد ما بين النهرين وبالعودة الى المواقع تنتشر في عمان العديد من الموانئ الطبيعية أبرزها ميناء مسقط وبندر الجصة وميناء طيوي وصور وغيرها من الموانئ الطبيعية التي تحيط بها الجبال والتي شكلت حاجزا للرياح والامواج العاتية وبالتالي لجأت اليها العيد من السفن في العصور القديمة وبمقارنة بسيطة لرسومات السفن التي تعود لقرون سحيقة مع الحقائق التاريخية نجد تطورا عمانيا كبيرا في مجال الملاحة حيث يشير التاريخ الى أن الإسكندر المقدوني أبحر من موانئ العراق مستخدما رجالا للتجديف بينما تشير الرسومات الى استخدام العمانين الشراع المربع قبل تلك الحقبة بالاف السنينii
وكان لعمان الدور البارز في الحياة الاقتصادية القديمة ودلت على ذلك الكثير من الكتابات المسمارية وكذلك صاحب ذلك حياه سياسية وهو ما أرخ اليه الملك الأشوري أشور بانيبال الثاني إلى زيارة الملك باد ملك كاد 640 قبل الميلاد قادما من عاصمة مملكته أزكيiii وأزكي مدينة عمانية لا تزال تعرف بهذا الاسم الى اليوم الحاضر.
وكذلك شهد الفن الصخري التطورات التي شهدتها البشرية بالانتقال من الرسم الى الترميز كما في الكتابة الهيروجليفية ثم إلى الكتابة ويمكن للزائر العادي اكتشاف العديد من المخطوطات التي نقشت على الصخور بإبداع متناه للغاية وترى ابداع الخط العربي الجميل وكأنه كتب على ورق بالأمس. وهي تمثل تاريخا حي يساعد على اكتشاف العديد من الحقائق التاريخية عبر الحقب والعصور المختلفة وتمثل الكتابات العربية آيات من القرآن الكريم وأبيات شعرية وأحداث تاريخية ومواعظ وحكم.
وفي النهاية نقول بأن الفن الصخري العماني يعد كتابا مفتوحا في الطبيعة وجزءا لا يتجزاء من تاريخ البشرية.

* حارث الخروصي
i http://geogroup.seg.org/geology_oman.htm
ii نفحات من تاريخ عمان عبر العصور ( حارث الخروصي ) 2008
iii http://omanwhs.gov.om/hh/glimpse1.htm


أعلى





تأملات في فكر المعماري الراحل حسن فتحي (2-3)

يمثل بيت "كلليني" الذي صممه حسن فتحي في ريف مصر نموذجا لاستعماله لمجموعة مبتكرة من المفردات الفراغية

في كتابه "الطاقات الطبيعية والعمارة البيئية" يبين حسن فتحي العديد من التجارب التي أجراها على مفردات البيت العربي

بالرغم من أن حسن فتحي يتعاطى مع "التراث" كمفهوم وفلسفة مجردة في كتاباته أحيانا, إلا أنه يعمد إلى إسقاطها سريعا على متعلقات العمارة عموما, والبيئة الريفية التي تأثر بها خصوصا. فحسن فتحي يميز في كتاباته عن التراث بين تراث البيئة الحضرية المبنية وبين التراث الريفي حيث يولي الأخير أهمية خاصة, وينظر بعين التعاطف مع حال الريف المتواضع. فنراه يكتب في مذكراته: "والتراث للفلاحين هو الضمان الوحيد لحضارتهم.. وإذا خرجوا عن قضبان التراث فسوف يلقون الهلاك حتما. إن الخروج عن التراث عمدا في مجتمع هو أساسا مجتمع تقليدي كما في مجتمع الفلاحين, لهو نوع من الجريمة الحضارية, ويجب على المهندس المعماري أن يحترم التراث الذي يقتحمه, أما ما يفعله في المدينة فهو أمر آخر, فالجمهور والبيئة المحيطة هناك يستطيعان العناية بأنفسهما". ومفهوم التراث في فكر فتحي يرتبط ارتباطا وثيقا بالعمارة الريفية التي كانت محور تطبيقاته العملية وفكره النظري وجلّ اهتمامه على الأقل في جزء كبير من حياته العملية ومن خلال كتاباته المختلفة, قبل أن يحوّل عمارة "الفقراء" التي طوّرها في حياته على شكل "نمطي" يسهل تمييزه كعمارة ذات صبغة خاصة به إلى عمارة "الأثرياء" في الخليج العربي في أواخر سنوات ممارسته للمهنة.
وبرغم تطرقه لمفهوم "التراث" في مقابل "البيئية" (The Tradition versus the Vernacular), إلا أن فتحي يستعمل الإثنين في مواضع محددة تخدم غايات متباينة. فالتراث بالنسبة لحسن فتحي يعني مفهوما نظريا فلسفيا مجردا يعنى بمعالجة واسترجاع مضامين وقيم اجتماعية, بينما يرى أن مفهوم "البيئية" يجسد التعامل مع عناصر الطبيعة المحيطة ومفاهيم متعلقة بالبيئة "وعملية البناء" وما يهمها ويرتبط بها, بالرغم من أن "البيئية" أو (Vernacular) قد تظل لها متعلقات اجتماعية كما في عملية "التعاون الجماعي" أو (self-help) كعملية اجتماعية مرتبطة بالبناء, لا فقط كمجرد مفهوم مرتبط بمواد البناء المحلية أو القوانين المناخية المحددة للإقليم الجغرافي. ومن هنا يبحث فتحي في كتاباته المختلفة في الأدوار "التاريخية" للعديد من المفردات التقليدية التي حفلت بها العمارة العربية كملقف الهواء والفناء والقاعة وغيرها, وأجرى أبحاثا علمية لقياس سرعة ودرجة حرارة الهواء في هذه العناصر الفراغية التقليدية.
ويرى فتحي أن الفتحات الكبيرة والمنشآت الخرسانية "والصناديق" الواقفة أو (free standing) في العمارة الحديثة ليس لها معنى في المناخات الحارة أو في المجتمعات التي سادت فيها تراثات ضاربة في القدم باستخدام الأفنية والتي تجسد ضروبا من التجارب المجتمعية الرائدة في التعامل مع درجات الحرارة العالية وفي تأمين الخصوصية المطلوبة. ويعلق (Curtis) في كتابه (Modern Architecture since 1900) على مرجعية فتحي للعمارة الفرعونية بأنها "فكرة للعودة لأصول الحضارة المصرية والتي تعاملت مع الطين والعوامل البيئية في الجزء الجنوبي من مصر. ففتحي كان يأمل في أن يعيد بعث العمارة في مصر من جديد من جذورها بتشجيع الفلاح أن يبني لنفسه بأساليب وأشكال هي رخيصة غير مكلفة وفي نفس الوقت أثبتت نجاعتها عبر الأجيال".
يرى فتحي أن العمارة التقليدية هي أقرب للبيئة الطبيعية أكثر منها للعمارة العالمية والتي اجتاحت العالم العربي. فالعمارة التقليدية تحترم وتراعي البيئة الطبيعية وخصوصياتها وظروفها المكانية والزمانية الاجتماعية فضلا عن معطيات الجغرافيا والواقع المحلي بما ينتج بالضرورة عمارة "أصيلة" معبرة عن متطلبات واحتياجات واقعها الثقافي والحضاري.
في كتابه "الطاقات الطبيعية والعمارة البيئية" يبين حسن فتحي العديد من التجارب التي أجراها على عناصر ومفردات تقليدية في البيت العربي كالملقف والدرقاعة والفناء والمشربية, حيث درس من منطلق علمي سرعة الرياح ودرجة حرارتها في مناطق مختلفة من بيوت كعينات للدراسة. وقد اجتهد أن يظهر في أبحاثه في الكتاب مدى "التعقيد" من ناحية حرارية وقدرات للعزل الحراري التي تبطنها أبسط البيوت التقليدية مظهرا, والتي تراعي بكفاءة عالية الطبيعة المناخية القاسية وفي نفس الوقت تحافظ على القيم الثقافية للمجتمعات المحلية وتقليل تأثيرها الضار على المحيط.
وبالنسبة لحسن فتحي يعتبر عامل المناخ محوريا في موضوع البيئة والعمارة البيئية, فيراه الدافع الرئيس لخلق مجموعة من المفردات والعناصر التي ارتبطت بالعمارة التقليدية كالملقف وغيره. يكتب فتحي: "على مدى عدة قرون, يبدو الناس في كل مكان قادرين على اكتساب مهارة التعامل مع معطيات المناخ. فالمناخ حدد طبيعة ونمطية حياتهم وقولب عاداتهم وصنع ملابسهم, ولهذا فقد كانوا دوما قادرين على بناء بيوت مرضية إلى حد ما تؤمن لهم البيئة المناخية الخاصة التي يحتاجونها". ومن هنا ينادي فتحي بفكرة ضرورة العودة للعمارة الطبيعية التي تجسد الانعكاس الصادق للمتطلبات الاجتماعية. فهو يرى أن الإنسان يقلد الأشكال الطبيعية, سواء آدمية أو حيوانية, في فنه, ولكن في العمارة فالنموذج المقلد ليس هو البيئة الطبيعية ذاتها, بالرغم من أنها تمثل القواعد التي تحترم البيئة المحيطة وقواها الطبيعية بما يسمح بخلاقية إنتاج الأشكال. وفي هذا الإطار يجمع فتحي بين الثالوث الإنسان والطبيعة والعمارة ويعتقد أنها (يمكنها ـ ويجب أن) تتعايش في تناغم وانسجام, حيث إن العمارة كفن جماعي واجتماعي ينبغي أن تعكس في الوقت ذاته العادات والتقاليد والتراثات "الخاصة" على المستوى الفردي. كما يعتقد فتحي أن التكنولوجيا يجب أن تكون أداة طيعة في خدمة القيم الاجتماعية وأن تتكيف طبقا للمتطلبات العامة للمجتمع.
يعتقد حسن فتحي أن العمارة "الإسلامية" مرتبطة ارتباطا وثيقا في بنيتها التشكيلية بالحيز الفراغي نفسه وليس بمجرد التلاعب بالحوائط والجدران, وأنها تنشأ من الداخل وتنتهي بالمحيط الخارجي. ويستطيع الباحث قراءة فهم جيد في فكر فتحي للعلاقة بين التكوين الفراغي وبين التشكيل العام المعماري فيما يخص الطبيعة الوظيفية للحيز الفراغي للمبنى. فحسن فتحي يكتب:" وظيفة الحيز الفراغي هي أساسية, فالتشكيل الخارجي ينبغي أن يعبّر عن القوى والعوامل الداخلية.., فالحيز الفراغي له قوانينه ومنطقه الخاص". ويرى فتحي أن مد الحداثة قد اجتاح المنطقة الجغرافية في العالم العربي مقتحما حدود "الإقليمية" ولهذا يصف فتحي الطابع المعماري في مصر بأنه لا يوجد في مصر المعاصرة طراز تقليدي أصيل, فبيوت الفقراء والأغنياء متشابهة وبدون طابع. ويصف التخطيط العمراني السائد في قرى مصر بأنها تتميز عن نظيرتها الأوروبية, فالقرى الريفية المصرية تنكفئ على نفسها للداخل, بينما تفتح الأوروبية على الحقول للخارج والمنظر الطبيعي ويبرر فتحي ذلك لطبيعة الريف الجافة والعدائية ولاعتبارات أمنية ودواعي السلامة.
ويمثل بيت "كلليني" الذي صممه حسن فتحي في ريف مصر نموذجا لاستعماله لمجموعة مبتكرة من المفردات الفراغية التي تكررت فيما بعد في "عمارة حسن فتحي" الخاصة والمتميزة والتي تسمها قباب وقبوات وعناصر تشكيلية وفراغية أخرى. ويرى "جيمس ستيل" في كتابه (Hassan Fathy) أن هذا البيت هو نمطية نموذجية لعمارة حسن حيث يحوي معظم العناصر التي تكررت في عمارته لاحقا. وهذه العناصر التي بعضها ذات طابع شكلي بصري قوي من الخارج مثل القبة والشخشيخة الخشبية لها ارتباطات فراغية مهمة بالتشكيل الفراغي للبيت في عمارة حسن فتحي بحيث أضحت لها دلالات قوية على طبيعة وأهمية الفراغ التي تعلوه بمجرد مطالعتها من الخارج. ويجسد هذا البيت أيضا محاولة حسن فتحي الأولى لمزاوجة الطوب الطيني بالحجر الصلب لمحاولة تشكيل فراغي مبتكر في عمارة حسن فتحي والتي أطلق عليها فكرة "أطروحة الحيز الفراغي" أو (thesis of space) والتي وبمرسومها يقصد فتحي خلق نظام جديد للبناء استنادا إلى الطريقة التقليدية التي لم تكن تعتمد "الدعامات" أثناء البناء بل تعتمد على التحميل الطبيعي للعناصر الإنشائية بحيث يتم بناء القباب والقبوات بدون الاعتماد على خشب "الطوبار" أو (scaffolding). وهي طريقة تبناها فيما بعد تلميذه عبد الواحد الوكيل في المساجد التي بناها في المملكة العربية السعودية ويتقنها مجموعة قليلة من الحرفيين ومعلمي البناء ـ وفاز في الثمانينيات بجائزة الآغاخان عن فيلا حلاوة بالعجمي مناصفة مع معلم البناء. وهذه الطريقة التي طوّرها حسن فتحي في عمارته لاحقا تعتمد اعتمادا كبيرا على مجموعة من الجدران الحاملة إنشائيا والتي يتم بناؤها بتنسيق تمهيدا لبناء القبوات والقباب. ونظرا لاعتماد فتحي الأساسي على النواحي الإنشائية لإنشاء المباني بهذه الطريقة, فقد "فرض" أسلوبه هذا نمطا "فراغيا" محددا بأبعاد وقياسات ترتبط ارتباطا وثيقا بمحددات إنشائية. وتبعا لذلك طور نوعا من الموديول (3.6 م) ومشتقاته كي يراعي الاعتبارات الإنشائية لعمارته, وهو ما أثبتته طريقة "التجربة - والخطأ" في محاولاته لإنشاء أول قبوة في مشروع عزبة "بهتيم" وكما يروي في مذكراته في "العمارة للفقراء".
ويدعو فتحي المعماريين العرب للنظر مليا في التراث حيث يمكنهم المساهمة في تطوير مجتمعاتهم وبعث القيم الأصيلة بها. فهو يشعر أن العديد من المعماريين يعتقدون أن مجتمعات الفلاحين والقرى ليس بها أي شيء يدعو للنظر والاعتبار, ولهذا فهو يعرّف نوعين من العمارة: الأول هو العمارة التقليدية أو (Folk architecture) والثانية هي عمارة المعماري أو (Architect's architecture). وفي الحقيقة فإن فتحي يشعر بأن العلاقة بين المعماري والبناء وصاحب العمل أو "الزبون" أو "القاطن" يجب أن يعاد إرساء دعائمها من جديد. ولهذا فهو يعتقد أنه بإعادة ترسيم العلاقة بين هؤلاء من جديد يمكن تحقيق فائدة قصوى باستخدام طرق البناء التقليدية, وهذا يعني "إعفاء" المعماري في وقتنا المعاصر من مجموعة من المهام التي تسلّمها من "البنّاء" التقليدي دون داع. وهذا يظهر الأهمية التي يوليها فتحي في فلسفة فكره النظري لدور المعماري في مقابل عملية البناء التقليدية. فعلى سبيل المثال يقترح فتحي أن مسؤولية المعماري هي في إعادة ثقة الفلاحين بثقافتهم وحضارتهم المحلية وذلك حين يستخدم المعماري الأشكال والطرز الموروثة في تصاميمه ما يجعل الفلاحين ينظرون لما بين أيديهم وما يسود بيئتهم العمرانية الطبيعية التقليدية التي توارثوها بنوع من الاحترام أكبر نظرا للدعم المعنوي الذي يمنحه استعمال المعماري لها, وبذلك يحفّز حرفيي القرية على استخدام وتطوير الأشكال والأنماط المحلية لأنه رآها ببساطة موضع احترام من المعماري. ومن جهة ثانية نراه يعمد للتركيز على البناء والحرفي لتمكينهم من إحياء الطرق التقليدية للبناء في تصاميم جديدة. ولذلك يحاول تطوير "وحدة قياسية" أو (standard unit) وهي "الغرفة" والتي يثق بقدرة البناء على تزويدها بالقيمة النوعية والحجم المناسب لتنافس التكنولوجيا الحديثة وبذلك لتفعيل دور الأنماط الناتجة المطورة. وعلى مستوى ثالث يخاطب صاحب العمل كمنتفع ومستفيد من عملية البناء برمتها, فهو يعتبرها خاضعة للتغيير والتطوير لتحقيق مصلحة ومنفعة صاحب العمل, المستفيد من المشروع أو من سيقطنه. ومن هنا يكتب عن تجربته في قرية القرنة:" من البداية حتى اللحظة الأخيرة كنت دائم التعلم, أغير وأبدل وأطور تصاميمي المعمارية لجعلها أكثر ملاءمة للعائلات التي ستقطنها.
بالنسبة لحسن فتحي كانت جماليات العمارة والمبنى تتجسد في احتياجات المجتمع اليومية, والمواد المستعملة والبيئة المحيطة. ويعتقد أنه بعد بضعة أجيال من العلاقة اللصيقة الفاعلة بين المجتمع والعمارة فإن المباني سيتم تطويعها قلبا وقالبا لشكل المجتمعات التي بنيت بها بما يناسب طبائعها وعاداتها وسلوكياتها وأمزجة وطباع أفرادها. كما أن فتحي يرى أنه بتتبع التاريخ الثقافي والحضاري للمجتمع وبالكلام والحوار مع مسنيها وكبارها من الأجيال السابقة وتتبع العادات والتقاليد الموروثة, وملاحظة الحياة اليومية للمجتمع يمكن تحقيق العمارة الأقرب لحاجاته وتطورات العصر.
* معماري وأكاديمي - دكتوراة في فلسفة العمارة - جامعة لندن

* د. وليد أحمد السيد

أعلى







رسائل ممطرة
دار.. وقمر.. وملائكة!

سلةٌ.. كرمة.. وكرات معلقة في صندوق البائع، هل يحلم بهذا من لا أمّ له أو أب، عندما يقف بقرب الباب والليل يتيم مثله؟ كم نجم قد يحصد هذا العصفور الجالس عند الباب؟ من يدري، ربما لم يحلم بالأعياد هذا المغسول بطلع الحلم كما يفعل طفل الجيران. لماذا هو في الخارج والمطر يثرثر للتو؟.
الدار كبيرة بيضاء، ما فائدة اللون إذن؟؟!.هل سيسألنا قلب الفجر يوما: ما تفعل هذه النسوة في الداخل، ما سر روائح بن الفجر، وطعم التمر، وقهقهات الليل؟
لو تعرفون، ما أكثر أن أسأل: كيف ينام الطفل سجينا والباب رهين أقاليد من حديد!. تُرى هل ثمة من قلب سيلمه من ذعر إذا خاف، هل يشعر من لا أمَّ له..لا أبَ له؟. هل قالوا له يوما أن الجنة خضراء، وأن الملائكة ستقبل جبهته السمراء إذا صلى؟.
ليس بوسع القمر أن يصبح بنفسجه، ليس بوسع الغيمة أن تصبح أرجوحة حلوى أيها الجميل هناك، خلته يبكي حين مررت هناك بقرب الدار، لكنه كان مبتسما. ماذا يخبئ بين يديه آه (عصفورا)!! دمية شقراء، كراريس، شمعا أحمر، (أخاف عليك من لفحة برد أيلول).. (إذا بكيت الآن سيتوارى النجم حزينا)..يا الله.. نااام.. يركض آخر، يخفي في الصندوق مناديل، وأحذية، وينام على رقصة "ناني الغجرية".. لا يفهم كلمة.. (سأبكي إذا لم تتركيني أخبأ صلصالي.. سئمت) ـ يقول ـ لها كلما تثاءب خوفاً، ما أجمل لون القمح بجبهته، ما أروع ركضته الخجلى في ميدان الناس المليء بالأحلام وبالآمال، وبالآثام قليلا.
أطهر من عصفورة الفجر هذا الطفل ولكن في ركضته الفرعونية يخفي "قصة" كباقي فراعنة الدار اللذين يلفون كثيرا، ويلتفتون، ماذا يحمل في يده وهو يجري جهة النافورة هناك آااه (بالونا)..إنها ضفة بلا ياسمين، كرات أسمال بالية، كيف لا تكون الدلاء محملة بالطهر في أيادي القساوسة الصغار والنهر حزين. من علم هذا الصغير البكاء، الحنان، الركض وراء الأحذية السوداء؟ من علم ذاك الآخر بجبهته الشقراء القادم لا يُدرى من أي شتاء، ألم المط؟
من علم ذاك البكاء طيلة اليوم، سألوه لماذا؟ قال: نعتوني بأني قبيح، وأنا طفل لو مُت سأدخل الجنة!! "ياله". ترى ماذا علمته طفولته؟؟ آااه (أن يصبح أكبر منه)!!!. وهنا انتهى المساء بعد طول بكاء، صديقتنا الطيبة حد السذاجة جاءت تزور "طفلتها" التي ولدت لا ندري من أي رحم، لكن في أروقة تعج بألم الناس، عاملة زميلتنا في مشفى والطفلة كانت زائرة لغرفة ولادة.. سنة مرت.. أنهت مدتها الزمنية فيه ـ تلك البائسة الصغيرة ـ وأخذت حيث هو الدار، ويقال بأن لها أما وأبا أيضاً يقاااال. ليت زميلتنا ما اعتادت أن تروي أمومتها فيها... ها هي تبكي عليهم جميعاً!!!.

رسالة ساقطة:

سيفتحُ نيسان لي قلب ريحانةٍ
كي تعجَّ سلالكَ بالياسمَينِ
أهذا الذي يورِقُ الآنَ في راحَتَيكَ حمامٌ؟
أهذا البياضُ الذي خلفَ زيتونهم
قمرٌ في تمامِ التصوفِ؟!
تُطلُ العشِيات مُشبعةً بالتبتلِ
بالهجرات إلى موطن للحنين
حُفاةً ..
أتوا يَغزِلونَ صغار العناقيد بالحزنِ
لو قمرٌ ـ مرَّ سهواً ـ عليهم
ومدَّ أمام زنابقهم سُلماً للغيومْ

سميرة الخروصي*
شاعرة عمانية


أعلى







الحالة الثقافية في عمان!!

لا تضيّع على نفسك فرصة النظر لوضع مهترئ.. ولا تفوّت مشهد تآكل الحالة الثقافية في عُمان، ففي ظل المسابقات الأدبية الخجولة.. ذات الجوائز والمكافآت الأكثر خجلا.. والإصدارات العديدة الغزيرة.. يخيّم على الأجواء الثقافية نوع من الركود والغفو... تتلمسها في عزوف المتابع الثقافي عن حضور الأمسيات الأدبية، وتتأكد من وقوعها في تهليل وسائل الإعلام للفعالية الثقافية ذات الحضور الرسمي.. وغيابها عن الفعاليات ذات الحضور العادي.
وإذ تتجاذبك أحوال الثقافة في السلطنة بوجه عام، وتتحيّر أمام خطوط المواجهة التي يتورط كلّ ذي قلم بها كلما عبّر عن رأيٍ أو انتقد خلل ما، عدد من الأسئلة تفرض نفسها، مثل: ما هي الوجهة المُراد للثقافة في السطلنة اتباعها والسير على خٌطاها؟؟.. وماهي الخطط الموضوعة مسبقا لتغليف الثقافة وأهلها؟؟.
المؤسسات الثقافية في السلطنة عمود خشبٍ ضخم .. أنهكه طول انتصابه.. فملّ وكلّ.. وبدأ النمل الأبيض ينخر فيه.. أو كما نقول: "أكلته الرمّه".. المؤسسات الثقافية كمسنٍ غفلته الإجراءات الإدارية.. أو تحصل على وساطة عظيمة، فتأخر قرار التقاعد عنه.. وظل في نفس الوظيفة، على رأس نفس العمل، بعطاء أكثر بطئا وعجزاً!!.. المؤسسات الثقافية شيخٌ هرِم.. أصابه الزهايمر.. ففقد ذاكرته.. وما عاد يُفرق بين القريب والغريب!!.
غريب أمر الوضع الثقافي في السلطنة وفي النادي الثقافي، وما حدث لأسرة الترجمة أغرب. ننتظر تكرار حدوثه لأي أسرة أخرى.. فهو الحكاية القديمة تتجدد "أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض".. وتبرير قتل الأُسر هو تبرير الطفل لقتله الفراشات والعصافير.. والرصاص الذي يُطلق علينا هو رصاص غدر القريب الرقيب. لأنك وببساطة.. ولكي تقتل حراكاً ثقافياً ما وفي أيّ بلد.. كل ما عليك، توسيد الأمر إلى من ليس له علاقة بالثقافة أو الأدب.. وانتظر حينها سقوط العصافير وموت الفراشات.
وعدم المساءلة، أو حتى الوقوف على أسباب هذا الإحلال المفاجئ.. بل المُباغت من جهة محايدة.. هو إشارة على وجود جهة إدارية بدأت تتمادى في فرض سيطرتها على الأسر واللجان الثقافية المتورطة براهن الحال الذي يقضي بالتعامل معها، وأن هذا التمادي سيتكرر.. لأن التمادي أصبح حقا مشروعا لأي إداري يضع اليد على أيّ مؤسسة ثقافية، بالتالي هذه المؤسسة في تعريفها الواقعيّ ـ لا الحقيقي ـ هي ملكية شخصية لمن يديرها، فوجب أن تمثل فكره ونهجه وأسلوبه، وكل من يعارض هو خارج المؤسسة الثقافية.. لأنه عقبة لا بد من إزالتها.
التضييق على الأسَر بلغ ذروته.. وفكرة العاملين على تفعيل النشاط الثقافي لهذه الأسر دون مكافأة أو أجر ما، مع التدخل الدائم والمستمر في شؤون أسرهم، وعدم توفير وسيلة اتصال أو طباعة خاصة بهم، فكرة محرجة للقرار السياسي أولا قبل غيره، لما فيه من جهل بحقيقة سير هذا الحراك. فإداريو الأسر هم من يتحمل نفقة التنظيم والترتيب والاتصال و.... إلخ. وما حدث من تضييق خناق وفرض رأي في موضوع الملتقى الدولي الأول للقصة القصيرة الذي سيقام في القاهرة حول قائمة المرشحين.. والتدخل المباشر والغريب في قائمة الأسرة المقدمة بحجة البحث عن كتّاب من ذوي "الوزن الثقيل".
المؤسسات الثقافية أعطتكم عمرها.. وجنازتها مؤجلة حتى يتمّ إعلان وفاتها رسميا.. والذي يحدث الآن.. هو شبح الروح بعد أن تغادر الجسد..
والرأي الذي يهمنا جدا وبإصرار إيصاله إن تقبل المسئولين هذا الصوت، أن تضمين الأُسر للنادي هو تقييد بحد ذاته لا تنفيس.. وممارسة للدور الرقابي لا للنشر الثقافي.. وأن فكرة الجامع للأسر أصبحت كابوسا عليها.. لا تسهيلا لها، وأن في تجربة مجلس الشعر الشعبي خير دليل على نجاح الجماعات الأدبية المستقلة، شرط وجود الدعم.
"أسرة القصة"، و"أسرة الشعر"، و"أسرة الترجمة" (التي توفيت حديثا) ولا ننسى الأسر التي تخلى النادي الثقافي عنها مثل، أسرة الكاتبات والأسرة العلمية؟
هل يُعقَل... كل هذه الأسَر.. تحت جناح النادي.. وإذا ما أرادت أسرة أن تمارس نشاطها.. لا بد لها من الحجز المسبق كما يحدث لتذكرة طيران.. أو غرفة فندق.. ولا بد لها من جدول طويل عريض حتى يضمن أهل الإدارة وساستها من وجود شيء يستطيعون التحدث عنه للجهة الإعلامية هذه أو تلك.. ناهيك عن النشاط الثقافي الخاص بالنادي، والذي عادة تتوفر له هيبة إعلامية.
ثلاث أسَر.. أنشطتهم متوقفة على تفرغ وتوفر قاعات النادي الثقافي.. وميزانيتهم قائمة على النادي الثقافي.. وقرار وجودهم من حِلّهم قائم على النادي الثقافي.. وميزانية لا تُرى ولا يُعرف عنها شيء.. تأتي للأسَر من النادي الثقافي.. وإمكانية مشاركتهم للندوات والمؤتمرات والملتقيات الخارجية هي هبةٌ يقدّمها النادي الثقافي..
لماذا؟؟ لأن أهل الأدب بطبيعتهم أطفال.. ولا بد للطفل من أب يرعاه!!
لماذا؟؟ لأن أهل الأدب بطبيعتهم عبثيون.. ولا بدّ للعبثيين من نظام يوجههم!!!
لماذا؟؟ لأن أهل الأدب بطبيعتهم مسرفون.. والمسرف لا توكل إليه مهمة الإنفاق في أي شأن كان!!.. إذاً كيف يُراد للطير أن يحلّق وريش أجنحته مقصوص!!.. وكيف تنتظر وصول الماء لجهته والساقية مكسورة؟؟ يبدو مما يحدث، أن مؤسسة كالنادي الثقافي.. أصبحت كالذي يقال فيهم "يأخذون الثناء على ما لم يفعلوا"، وأنه ـ النادي ـ يتكئ على عكّاز وفرة الإصدارات الأدبية التي انتهجها ضمن سياساته منذ ثلاثة أعوام.. قبل أن تتواجد الإدارة الحالية.. التي حقا بدأت تأخذ الثناء على ما تم إنجازه سابقا من قبل أناس آخرون، ومن خلال اجتهادات الأسَر الأدبية المتمثل في الاحتفائيات والأمسيات الثقافية الأخرى.
من الأفضل هنا، في غياب القرار السياسي الواضح، والرغبة الثقافية الملحة من قبل المثقفين أنفسهم.. أن يتم إلغاء الأسر جميعها.. والاكتفاء بجمعية الكتّاب والأدباء.. حتى لا يتم تكليف المسئولين عبئا جديدا فوق أعبائهم.. ونُريحهم من ورطة المسموح واللامسموح..
وهنا لا أفوّت الحديث عن مأساة المسرح.. وماحدث من مهزلة يُرثى لها في يوم افتتاح مهرجان المسرح العماني، ودون التطرق للتفاصيل التي باتت معروفة للجميع.. يبدو حقا أن ليس هناك من مبالغة حول التأزم الدراماتيكي الذي يعيشه المثقف العماني... وأن حالة الثقافة العمانية بعمومها لا ينصب الاهتمام فيها إلا حول الفعاليات التي تحظى عادة بحضور رسميّ، أو يكون فيها مصلحة لمسئول ما للتقرب لمسئول أكبر.. للحصول / الوصول على/ إلى منصب أكبر.
من يعتقد من المثقفين أن هناك خللا ما.. فليسمعنا صوته.. وليطالب بحقه ولا يتوقف.. فالثقافة في عموم الحال لا خصوصه، يبدو أنه يزجّ بها لتكون حالة شخصية تتمثل في إدارة كل مؤسسة ثقافية.. وتواصل هذه الإدارات مع المعنيين بالهم الثقافي خير لهم من الاختباء داخل مكاتبهم الفسيحة ووضع تصوّرات لا قيمة لها تخدم المنصب أكثر من الواجب..
ودمتم مع ثقافة أكثر نضجا..

نبهان الحنشي

أعلى








مصطلحات ميثولوجية


جونو

إلهة السماء في الميثولوجيا الرومانية، وهي شقيقة "جوبتر" كبير الآلهة الرومانية وزوجته وهي ابنة "ساترن وريا"، وأخت "نبتون" و"بلوتو" و"كيريس" و"فستا". يقول هوميروس إن "أقيانوس" و"ثتيس" تولا تربيتها. وتزوجت أخاها التوأم "جوبتر" واحتفل بزفافهما في كريت في كنوسوس بالقرب من نهر "ثرين" ودُعي إلى الزفاف كل الآلهة والناس والحيوانات. وكان من نصيب "جونو" الإشراف على الممالك والإمبراطوريات والثروات. كما قيل إنها كانت تهتم بنوع خاص من زينة النساء وزخارفهن ، ولهذا كان شعرها يبدو في التماثيل مصففا بصورة أنيقة.
وكانت تشمل برعايتها حفلات الزفاف والولادة . ولهذا كانت عبادة "جونو" قريبة الشبه من عبادة "جوبتر" من حيث مهابتها وشيوعها، وتبعث في نفوسهم توقيرا
ممزوجا بالرهبة. وكانت عبادة "جونو" مسجلة بصفة خاصة في مدينة آرجوس، وجزيرة ساموس، وقرطاجة.

أسكليبيوس

إله الطب والشفاء في الأساطير اليونانية. ابن أبوللو وكرونيس ابنة أمير تساليا. أما زوجة أسكليبيوس فهي إبيون Epione وأشهر بناته هيجيا Hygieia إلهة الصحة وأكيسس Acesis العلاج وإياسو Iaso الشفاء وهو يسمى في الأساطير الرومانية إيسكولابيوس Aesulapius ، وأحد ألقابه Paean الشافي.
وتروي الأسطورة أن القنطور Cenyaur خيرون Chiron علـّمه في مدرسته كل فنون الشفاء والعلاج ، وأنواع النباتات الطبية وتركيب العقاقير. عُبد أسكليبيوس بشكل واسع في جميع أنحاء اليونان، وكان يُضحى له بـ"الديوك الرومية" لقدرته على الوقاية من السوء وطرد الأرواح الشريرة ومحاربة السحر الأسود. كما كان يُتعبد له في الأيكات وبجوار الينابيع الطبية والجبال. ويُستخدم مقرُّ عبادته مكانا للعلاج والشفاء، حيث يقدم المرضى قرابين الشكر ولفائف تحمل شكواهم . وكثيرا ما كان الشفاء يحدث من خلال أحلام المرضى الذين يطلبون النوم في المكان المقدس حيث يقام أحيانا تمثالٌ للنوم أو الأحلام "إذ كان المرضى يفدون إلى المحاريب المقدسة فينامون بالقرب منها بعد تناول جرعة مخدّرة وينتظرون أن يزورهم الإله في رؤاهم ليرشدهم إلى طريقة شفائهم الناجعة ، وليس ببعيد أن الكهنة كانوا يهمسون في آذان المرضى المخدّرين فيتوهم هؤلاء أن الإله قد تحدّث إليهم في نومهم".
كما عُبد هذا الإله في روما بعد دخوله أثناء انتشار الطاعون في المنطقة حوالى 293 ق.م ، وكان جلبه إلى البلاد على شكل أفعى ، وكانت هذه أفعى مقدسة عند الإله وقد اقترنت صورة هذا الإله بعصا يلتف حولها أفعى ويرجع ذلك إلى الاعتقاد بأن سمّ الأفعى له خواص شفائية . ولهذا احتفظ بالأفاعي في معبده.
ويبدو أن الأثينيين صنعوا تمثالا لإله الطب في صورة ثعبان . من هنا يمكن تفسير صورة الأفعى التي تلتف على الكأس في شعار الصيدلية بإرجاعها إلى أصلها الميثولوجي.

ماما ـ مامي

الهة آشورية وجدت بأسماء مختلفة في معظم ديانات الشرق القديم البابلية، والسومرية، والأكادية، وربما كانت لفظة "ماما" و"مامي" آشورية وهي اختصار لاسم الآلهة "ماميتو" زوجة الإله "إرّا". وهي الإلهة التي ساعدت في خلق الجنس البشري من الطين والدم. ويبدو أن الاسم كان أكثر شيوعا لأنه أول كلمة ينطقها الطفل.
كما تذكر الروايات عن ماميتو Mamitu أنها الإلهة التي تحدد مصير الأطفال حديثي الولادة.

جانوس.. يناير

إله الأبواب والبدايات الزمنية في الأساطير الرومانية ، زعموا أنه كان يحرس أبواب روما وأقواسها ، وأول شهور السنة يناير January دُعي على اسمه، وقد جرت عادة الرومان قديما أن يقيموا مهرجانا كبيرا للإله "جانوس" في التاسع من يناير كل عام. وهم يصورونه في آثارهم الفنية في هيئة رجل ذي وجهين ، كلٌّ منهما ينظر إلى ناحية . كانت له مكانة كبيرة بعد "جوبتر" أشار إليه الكثير من الشعراء، منهم شكسبير في "تاجر البندقية"، وملتون في "الفردوس المفقود". وسبنسر، وسويفت في "أجانوس في السنة الجديدة" وآخرون.
أما أوفيد فقد ذكره في الكتاب الذي وضعه عن الأعياد والمهرجانات والشعائر الدينية ، والمناسبات التاريخية وسمّاه "التقويم" Fastiيقول إن الناس يتبادلون التهاني مع بداية كل عام ، ويتحدثون فيما بينهم بكلمات التفاؤل والأمنيات الطيبة ويتبادلون الهدايا.
وأما العبادات الخاصة فيضرع إليه الناس كل صباح باعتباره "أبو الصباح" وهم يضرعون إليه عادة قبل القيام بأيِّ عمل هام كالحصاد، والزواج، والميلاد.

د. حمود الدغيشي


أعلى



 



"تنوير طه حسين" في كتاب لسامح كريم

الكويت ـ انور الجاسم:
" تنوير طه حسين" للكاتب الصحفي سامح كريم، هو عنوان الكتاب الصادر مؤخرا في القاهرة، يحاول فيها سامح كريم الإجابة عن سؤال افتراضي هو: ما الذي أداه طه حسين لتنوير عقول أبناء أمته؟، ويبذل مجهودا حقيقيا في الإجابة عن هذا السؤال، عبر مناقشة تزيد على المائتي صفحة، وتشمل مواضيع تنويرية كان لطه حسين يد طولى في إثارتها. في طليعة هذه المواضيع مطالبة طه حسين بأن يكون "التعليم كالماء والهواء".
من المواضيع التي يستعرضها مؤلف الكتاب، يشار إلى مواضيع: تنوير طه حسين في الدراسات الأدبية وما بذله من جهد لتقديم نماذج من الأدب العربي القديم، اختياره لمنهج الشك في الشعر الجاهلي، مجهوده في السيرة الذاتية وخوضه للعديد من المعارك الأدبية الفكرية والسياسية، وغيرها من المواضيع، ويقول المؤلف انه لو أراد أن يستعرض مجهود طه حسين التنويري في كل ما تطرق إليه لما اتسعت لهذه الغاية مجلدات.
يُعـِّرف مؤلف الكتاب التنوير في تقديمه لكتابه فيقول: انه في معناه العام، حركة تعتد بالعقل وتعتمد عليه وتقرر أن وعي الإنسان هو العامل الحاسم والشرط الأساسي في تقدم وازدهار مجتمعه وان ما يحدث من أضرار وشرور هي نتيجة منطقية للجهل بفهم الطبيعة البشرية. أما الإنسان الذي توصف أعماله بأنها تنويرية شأن طه حسين، فهو الذي يستخدم عقله دون أي مؤثر خارجي، أو بغير مرشد في العمل الذي يقوم به، إذ أن الفكرة تنبع منه وهو مسئول عنها، هذا الإنسان صاحب العمل التنويري لا بد أن يكون حرر نفسه ـ مسبقا ـ من العجز عن التفكير المتميز الجسور الذي يستطيع أن يواجه ما قد يكون من تحديات في مجتمعه.
ويضيف المؤلف قائلا انه على هذا الأساس يمكن أن تكون بعض الانجازات الناتجة عن أعمال الفكر والعقل دون مؤثر عند طه حسين أعمالا تنويرية. ويشير المؤلف إلى أن تنوير طه حسين لم يكن منبتا وبغير جذور، ملمحا إلى أن الحركة التنويرية المصرية بدأت في أعمال الجيل السابق على طه حسين ومنه: رفاعة الطهطاوي، وحسن العطار، ومحمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، ثم سعد زغلول، وقاسم أمين ومصطفى عبد الرازق وسواهم.
ويرى المؤلف للحق كما يقول، أن حركة التنوير العربية لم تبدأ من فراغ وإنما هي ظهرت في أوروبا في القرن الثامن عشر على أيدي العديد من المفكرين منهم: فولتير، وديدرو، وليسنج وكانط. في حين عرف أدبنا العربي القديم التنوير التي عرفته أوروبا بصورة جنينية لدى عدد من العرب الأقدمين منهم: الغزالي وابن رشد والفارابي وأبو العلاء المعري.
ويشير المؤلف إلى أن التنوير لدى العرب القدماء والأوروبيين جعل العقل إماما في تسيير أمور الحياة، متوسلا بالعلم وبالتفكير أسلوبا له، ويضيف قائلا: بناء على هذا كان تنوير طه حسين مبنيا على العلم، فالعلم عنده طريق العقل ليس لبلوغ الحقيقة وحدها، وإنما لتنظيم أمور حياة الإنسان في مجتمعه. ويخلص المؤلف إلى انه يريد أن يقول في كتابه إن طه حسين أراد ببصيرته أن ينير الطريق أمام الملايين من أبناء العالم العربي من المبصرين وذلك بما قام به من تنوير عقلي ووجداني شمل كل جوانب حياتنا الثقافية والسياسية والعلمية والاجتماعية والفكرية والفنية والحضارية أيضا.

أعلى


 





نصوص


النصل

من أي إله خرجت
لتستل الفرحة
وتنثر الهموم في قلب البشر.


النخلة

أيتها الكريمة
حفيدة الأنبياء والرعاة
ليت الأحفاد يتمرغون في ظلالك.


جبال الحجر

أخرجت السحرة العظام
آكلي العقارب والوحشة
مصباحهم شمس في كبد السماء
أنسهم في عتمة الليل
يفيضون بالخداع والخروج
يفيضون بالدم
يفيضون بالإنسان المعتق
أيتها الجبال
قال الإغريق بقسوتك على الرجال
قال العرب بسيفك الذائب في غمده
وقالت الروح لك المجد عالية لا تهترئين.


سرحان

تقضم الليل والغفلة
تتأبط المسافة
تنثال من الوديان السحيقة
يخافك الرعاة
وتخفي النساء دجاجاتهن عن عينيك الملتهبتين
وتنشر السعار في الوجود
كحاد يتمنى الربيع.


الحدّان1

الطريق مهجورة والقلوب خائفة
بين المغاور نشرت صيتك
للمناجم القديمة في بات
أخفيت ثورك الذهبي في فم ازكي2
عاصمة لتجار سومر وسمهرم
أيها الرب القديم
علقت شموع الحزن على صخرة
هتكتها الرياح
والشمس
والقلوب الخائفة.

الأسود3

عاليا وبعيدا
حفظت سيرة القوافل
وحداء الرمل والجفاف
نمت فيك حكايات قطاع الطرق
والرغبة الدفينة لليل المفقود
وصندوق قصص الأقدمين
يا بوابة شمالية لم تنم
عيون عابرين متوجسين
للخوف والحزن والزمن البعيد.


الجوف4

امتدت روح صحراء لتنالك
غسقا قديما لراية منسية
هل يجثو المالكي المهدم
ويغض فيضه
عن السهول والمرعى فيك
وهل السواقي تلملم أسرارك
يا كبدا لم ينلها مشته
تتخاذل كل روايات الحقيقة
في أفواه المغنيين
عن بلوغ شغافك.


نجد مريموه5

نسي الحداة رغاء نوقهم عند أقدامك
أنهكتهم الأيام العشر
وأغمضوا أعينهم
عن تبدل الفصول
هرمت الأيام
قامت لوحة زرقاء
تذكر العابرين فيك
لليل مساء
..
مريموه.


العابد

سجد بوذا على يمينه
بينما كونفوشيس يمجد الحياة على يساره
وحصى من معبد سرياني يقضقض رجليه العاريتين
وأربعين ظلمة مرت كمعدة نسيت الماء
وشفاه ترفع الحجر وتقصي المسافة
في وجه الرمل
والسحرة ومملكة الجان الخفية
وقلب يطير بعيدا
متحررا
كيمياء الزمان والمكان
ومن جسد عتيق
تولد رؤيا ومتاهات تقام.


1ـ الجدان: أحد آلهة العمانيين في جبال الحجر الشرقي قبل الإسلام.
2ـ ازكي: ولاية عمانية كانت حسب الكتابات السومرية ملتقى التجارة في عمان حيث كان يصدر منها لصحار الفحم.
3ـ الأسود: جبل في أقصى شمال عُمان.
4ـ الجوف: هي المنطقة الواقعة في جوف عمان وقلبها ومنها ولايات ( ازكي، منح، أدم).
5ـ نجد مريموه: في طريق جبال العق بالمنطقة الداخلية المتجة للشرقية

سلطان العزري

أعلى


 



المشاركون أجمعوا على تفرد معروضاته وأكدوا على انبهار زائريه
معرض "عمان" بمتحف نيوكيرك بهولندا يعكس تنوع وثراء التراث الثقافي العماني

ياسين عبدالرضا: كم هائل من المقتنيات المعروضة يسهم بالتعريف بالإرث الحضاري للسلطنة
محمد الطارشي: وصل إعجاب الزائرين بـ"معدن الأسرار في علوم البحار" حد الإبهار
إبراهيم الفضلي: معروضات تنطق بلسان الماضي وتفصح عما كان عليه الآباء والأجداد فتعرف بتاريخنا أفضل تعريف
خولة الوهيبي: تجربة فريدة وأتمنى تكثيف المعارض العمانية في الخارج

استطلاع - إيهاب مباشر:

"لا يخفى على أحد الدور الكبير والهام الذي توليه الأمم والشعوب لثقافتها وتاريخها وتراثها، فهي مؤصلات لحضارات حمل مشاعلها الأجداد، فسلموها للأبناء. وللثقافة الدور الأكبر الذي يظهر أثره كلما كان الاختلاف، فهي تقرب الشعوب وتجسر العلاقات بينها، وهي خير سفير للأمم. وإذا كان قد قدر للسلطنة أن تكون مهد اتصال والتقاء لكل الحضارات التي أنارت مشارق الأرض ومغاربها، لما تتمتع به من موقع فريد، فأي دور ينتظرها ؟. ومن هذا المنطلق، فقد وعى العمانيون كابرا عن كابر، الدور العظيم الذي ينتظرهم، وترجموه إلى تفرد ظهر أثره فيما سطروه من تاريخ، وما سجلوه من تقدم في كل المحافل، فكانت حضارة مجان، وهاهم الأبناء مازالت أيديهم تحمل مشاعل الحضارة التي تسلموها من الآباء، يجوبون بها بقاع الأرض قاطبة، تشهد على رقي ماضيهم، وازدهار حاضرهم، وإشراقة مستقبلهم. ومعرض (عمان) في متحف نيوكيرك - الذي أقيم في السابع عشر من أكتوبر الحالي في أمستردام بهولندا، وافتتحه ولي عهد هولندا وزوجته الأميرة ماكسيما، بحضور صاحب السمو السيد هيثم بن طارق، وزير التراث والثقافة - خير شاهد على إيمان السلطنة بدورها في نقل حضارتها وتاريخها وتراثها وثقافتها للآخرين، لما لهذا المعرض من تفرد وخصوصية. ،،
عراقة
ويعتبر (نيوكيرك) من أعرق متاحف هولندا، ويقع في قلب مدينة أمستردام، وكان عبارة عن كاتدرائية قديمة تم تحويلها إلى متحف، وهو يستقطب نصف مليون زائر سنويا، ومن المتوقع أن يستقطب المعرض مئة ألف زائر خلال فترة انعقاده. وقد صاحبت افتتاح المعرض، فعاليات ثقافية وفنية وسياحية، وقامت فرقة موسيقية بعزف مقطوعات عربية وهولندية من القرن السابع عشر، وأعد فيلم وثائقي عن التراث الثقافي في السلطنة.
حدث هام
ويعتبر معرض (عمان) الحدث الثاني من ناحية الأهمية في الفعاليات الثقافية الكبيرة المشتركة بين السلطنة وهولندا، بعد افتتاح معرض (رمبرانت) لأول مرة خلال شهري أغسطس وسبتمبر الماضيين في مسقط، وقد جذب معرض (رمبرانت) عددا كبيرا من الزوار من كافة فئات المجتمع، وترك علامة مميزة في العلاقات العمانية الهولندية، في المجالات الثقافية والتعليمية.
علاقات ودية
وتعود بدايات العلاقات العمانية - الهولندية إلى أكثر من 350 عاما، ومنذ ذلك الحين استمرت العلاقات الودية بين السلطنة وهولندا بالازدهار، وبلغ أوج هذه العلاقات منتصف القرن السابع العشر الميلادي، حيث تزامنت هذه الفترة مع مرحلة العصر الذهبي في هولندا وفترة تألق الفنان رمبرانت، بينما كان في السلطنة عصر عظيم تميز بتشييد القلاع، والاهتمام بالزراعة، وتنظيم المشاريع والابتكار، وبالنسبة لكلا البلدين كان بداية مرحلة مزاولة النشاط البحري والتجارة والملاحة البحرية والاستكشاف والتبادل الثقافي.
معروضات
وتبرز المعروضات العمانية في معرض (عمان) بمتحف نيوكيرك، عينة مختارة من التراث العماني وهي من مقتنيات وزارة التراث والثقافة، ومتحف أرض اللبان، ومتحف بيت الزبير، ومتحف القوات المسلحة، ومتحف بيت البرنده، ومكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، ومتحف السيد فيصل بن علي، ومتحف روي بالإضافة إلى الحصول على القطع المستعارة من المتاحف الدولية الأخرى، والمكتبات والمحفوظات. وتشمل المعروضات قطعا تمثل فترات ما قبل التاريخ، وصولا إلى الفترات الإسلامية المتأخرة وكذلك المخطوطات الأصلية من دائرة المخطوطات بوزارة التراث والثقافة، ومجموعة من المجوهرات الفضية العمانية المميزة، والأسلحة التقليدية والأزياء العمانية الأنيقة والأدوات المنزلية، بما سيعكس تنوع وثراء التراث الثقافي العماني. سابقة ولأول مرة في تاريخ السلطنة، تشارك وزارة التراث والثقافة ب(488) قطعة خارج السلطنة، وتحت سقف واحد، والمعارض التي سبقت السلطنة في متحف نيوكيرك بأمستردام في هولندا كانت عن المغرب وتركيا وأفغانستان، واستمر التحضير لهذا المعرض عامين كاملين.
صورة عن قرب
وللوقوف على مدى أهمية المعرض ومدى إقبال الزوار عليه وكيف كان الافتتاح، والآليات التي اتبعت في تنظيم المعروضات العمانية فيه، التقى (أشرعة) بمجموعة من الوفد العماني الذي صاحب المعروضات العمانية، وساعد في تنظيم هذا الحدث العالمي الرائع، يسجلون خلاله انطباعهم حول هذا المعرض ليكون القارئ صورة عن قرب لهذا الحدث الهام.
البداية كانت مع ياسين عبدالرضا علي، مدير دائرة المتاحف بوزارة التراث والثقافة، الذي كان متواجدا خلال حفل الافتتاح، ومكث لليوم التالي لافتتاح المعرض، وسجل انطباعه حول المعرض فقال: يضم معرض (عمان) في مملكة هولندا بأمستردام مجموعة من المقتنيات التي تصل في مجملها إلى أربعمئة قطعة أثرية، تشترك فيها متاحف وزارة التراث والثقافة، ويهدف هذا المعرض إلى إبراز معالم التراث الثقافي العماني على مدى تاريخ وحضارة عمان، ويعتبر هذا المعرض من المعارض المهمة التي تبرز دور عمان الحضاري والتاريخي. وأضاف عبدالرضا: ويتناول المعرض الملاحة البحرية في عمان وقد عرضت بعض المعروضات التي جلبت من المتاحف الهولندية، بالإضافة إلى المخطوطات التي أحضرت من الأرشيف الوطني الهولندي، والتي تتناول تاريخ عمان الذي يعود للقرن السابع عشر الميلادي، ومن مردود هذا المعرض الدور الكبير لعمان في كافة المحافل الدولية وإبراز الدور الحضاري لعمان خاصة من خلال توجهنا إلى أوروبا وتعريف الأوروبيين بحضارة المنطقة بصفة عامة وتاريخ عمان بصفة خاصة.
وقال: هذا الكم الهائل من المقتنيات سيسهم بالتعريف بالإرث الحضاري للسلطنة وما تملكه عمان من مخطوطات وآثار وتراث فولكلوري، ودور عمان في النشاط الملاحي والدور الذي يقدمه من خلال تعريف العالم بتارخ وحضارة عمان. وأضاف: والشيء المميز أن هذا المعرض يقام في متحف يعتبر من أعرق وأقدم المتاحف الموجودة في أمستردام، حيث بني منذ أكثر من ستمئة سنة، وكان في الأصل عبارة عن كاتدرائية حولت إلى متحف، ويعتبر هذا هو التعاون الأول بيننا وبين هذا المتحف، ومن بين المميزات الأخرى للمتحف أنه يضم مجموعة من مقتنيات السيدة سالمة بنت سعيد بن سلطان، وللمعرض مردود إيجابي كبير جدا خاصة وأنه يستمر إلى ستة أشهر، وهذه الفترة تعتبر موسما للزوار الأوروبيين للمتاحف، وقد مكثت إلى اليوم التالي من افتتاح المعرض، وشاهدت مئات الزوار الذين يتوافدون على المعرض، وكنت أرى في عيونهم الدهشة لما يرونه من معروضات، وهو ما يعتبر مؤشرا كبيرا على نجاح المعرض، ويصاحب المعرض عرض فيلم عن السلطنة ومواقعها التاريخية والتراثية وهو يروج للسلطنة ويعطي للمعرض بعدا وأهمية كبرى بالنسبة للزائرين، وقبل افتتاح المعرض كانت هناك دعاية في وسائل الإعلام الهولندية والعالمية بهولندا، اشتملت على العديد من البرامج الدعائية سواء بالصحف أو التليفزيون.
وقال: وزيارتي للمتحف والإعداد لهذا المعرض أفادني كثيرا في مجال العمل، حيث إنني اطلعت على تجربة واحد من أهم المعارض العالمية، وفي كيفية تنظيم المعارض وعرض المقتنيات داخل المعرض وكيفية دمج المقتنيات مع بعضها البعض، بحيث يكون هناك نوع من الانسجام بين تلك المعروضات، كي تعطي الزائر نوعا من المرونة والتكامل في فهم الحقب الزمنية التي يتناولها المعرض.
تسابق
للوثائق والمخطوطات العمانية القديمة أهميتها، فهي مثار فخر لكل عماني، وهي تنطق شاهدة على الدور الثقافي الذي قام به الأوائل، ولذا كانت من بين المعروضات التي تتسابق دوما إلى المعارض الخارجية. ولأهمية هذه المخطوطات، فقد امتلأت بها أرفف الأرشيفات الوطنية لكل دول العالم، وللوقوف على مدى ما أسهمت به المخطوطات العمانية في معرض نيوكيرك بألمانيا كان لـ(أشرعة) هذا اللقاء مع محمد بن فايل الطارشي، رئيس قسم تسجيل المخطوطات بالمديرية العامة للوثائق والمخطوطات بوزارة التراث والثقافة، الذي سجلنا انطباعه عن مشاركة السلطنة بالمعرض فقال: وجهت لي دعوة من المسئولين في متحف نيوكيرك بهولندا، لأنني متواصل معهم، لتحضير جناح المخطوطات في المتحف، وقد شاركنا بما يقارب تسع مخطوطات في مختلف العلوم، أربعة مصاحف للقرآن الكريم ومخطوطتان في علوم البحار ومخطوطة في الفلك ومخطوطة في الأدب. ومن أشهر العناوين التي جذبت زائري متحف نيوكيرك ولفتت انتباههم، مخطوطة (معدن الأسرار في علوم البحار)، وهي تقيس المسافة بين الشمس والمراكب، بالإضافة إلى المصاحف القرآنية التي تعود إلى ما يزيد على مئتي عام، وقد استعار الجانب الهولندي مخطوطات من أرشيفهم الوطني، لعرضها ضمن المعروضات العمانية، بالإضافة إلى مخطوطات من الجامعات، استعانوا بها في المعرض بالإضافة إلى مخطوطات وزارة التراث والثقافة، وكان الإقبال كبيرا على المعرض يوم الافتتاح، وفي اليوم التالي أيضا كان الزوار مبهورين بالمعروضات وطريقة عرضها، لأن طبيعة المعروضات وعددها كان لها تأثيرها على انطباع الزوار، على الرغم من أن هذه هي المرة الأولى التي تعرض فيها السلطنة معروضاتها التراثية والحضارية والأثرية في هولندا، ومع ذلك كان كل هذا الإقبال من الزوار، مع العلم أن ثمن تذكرة زيارة المعرض تصل إلى عشرين يورو.
وأضاف الطارشي: واستفادتي من اشتراكي بمعرض نيوكيرك تمثلت في طريقة العرض التي رأيتها هناك، فالهولنديون قدموا معروضاتنا بطريقة أقرب إلى محاكاة الطبيعة، فعلى سبيل المثال كانت مخطوطات علوم البحار والفلك معروضة في قاعة خلفيتها عبارة عن سماء وبها نجوم، وهي كلها أشياء توحي أن هذه المخطوطات، خرجت من رحم هذه الطبيعة وأتمنى أن نقيم هنا معارض مثل التي نراها في مشاركاتنا الخارجية وتكون في نفس مستواها.
وقال: شعرت بالفخر وأنا أعرض ثقافة بلدي في بلد مثل هولندا يزوره العديد من الجنسيات الأوروبية والعربية وشعوري بالفخر أيضا لأنني أرى كل هؤلاء الزائرين يطلعون على آثار وتراث بلدي.
تنسيق وتنظيم
وقد سبق حفل افتتاح المعرض، زيارة الوفد العماني إلى هولندا لمرافقة المعروضات وتنظيمها، وكان من بين هؤلاء المنظمين، إبراهيم بن أحمد الفضلي
أخصائي آثار بدائرة التنقيب والدراسات الأثرية بوزارة التراث والثقافة، الذي حدثنا عن مشاركته في المعرض فقال: في البداية كان التنسيق حول إقامة المعرض، وكانت الفكرة مطروحة منذ عام 2005م، ومنذ ذلك الوقت جرى التنسيق لإقامة هذا المعرض الذي استضافته هولندا ممثلة في كاتدرائية دو نيوكيرك، وقد ركز المعرض على تقديم ثقافة وحضارة عمان، وقد سبق للقائمين على معرض نيوكيرك أن استضافوا العديد من المعارض المشابهة من أفغانستان والمغرب وكذلك معرض اسطنبول الذي تناول الأدوات التي كان يستخدمها السلاطين العثمانيين. والقطع المعروضة والخاصة بعمان تعود للألف الثالث قبل الميلاد، وهذه القطع تمثل العلاقات التجارية القديمة بين حضارة مجان وحضارة (ملوخا) ببلاد السند، واحتوى المعرض على قطع أثرية وتراثية بالإضافة إلى بعض الصور لسلاطين عمان، ومن ضمن القطع المهمة المعروضة ملابس وحلي السيدة سالمة بنت سعيد بن سلطان (1840-1920) ، وكان التركيز بالدرجة الأولى في المعرض على علاقة عمان القوية مع الدول العظمى في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر (بريطانيا وفرنسا وهولندا والبرتغال) وأراد القائمون على المعرض إبراز وجه عمان الحضاري بما اشتمل عليه المعرض من مخطوطات ووثائق ومراسلات بيت السلاطين العثمانيين ومندوبي هذه الدول.
وأضاف الفضلي: وقد وجدت القائمين على معرض نيوكيرك في حالة انبهار مما وجدوه من هذا الكم الهائل من القطع الأثرية والتراثية التي حواها المعرض، وقد استقطب المعرض في يوم الافتتاح أعدادا هائلة من الإعلامين والديبلوماسيين العرب والأجانب وقد علت وجوههم الدهشة مما رأوه من معروضات لدرجة أنهم كانوا يستفسرون عن أدق الأشياء والتفاصيل الخاصة بالمعروضات، وأهمية مثل هذه المعارض تكمن في إظهارها الوجه الحقيقي لتاريخ وحضارة وثقافة السلطنة، لما تحويه من معروضات تنطق بلسان الماضي وتفصح عما كان عليه الآباء والأجداد وهي تعرف بماضينا وتاريخنا أفضل تعريف، لأنه وبطبيعة الحال البعض يجهل هذه الأشياء وكان لابد من أن نعرف بحضاراتنا في الخارج وكان هذا المعرض خير سفير لنا، وقد غمرنا الهولنديون بدماثة خلقهم وتعاونهم الكبير على إظهار المعرض والمعروضات في أحسن صورة، وهذا لم يأت من فراغ، فالعلاقات العمانية الهولندية تجسرت منذ القدم بثوابت تاريخية تمثلت في كم التعاون البحري والتجاري والسياسي بين البلدين.
انطباع
وللوقوف على كيفية تنظيم المعرض وانطباع زائري المعرض حول المعروضات العمانية التقى (أشرعة) بخولة بنت سيف الوهيبي، أخصائية دراسات أثرية بمكتب خبيرة المتاحف والدراسات الأثرية بوزارة التراث والثقافة فقالت: قمنا برحلة إلى أمستردام بهولندا في السابع والعشرين من سبتمبر الماضي وحتى السادس عشر من أكتوبر الحالي، وقبل بداية المعرض قمنا بتجهيز القطع من متحف روي ومتحف وزارة التراث والثقافة ومتحف بيت الزبير ومتحف القوات المسلحة ومتحف أرض اللبان ومتحف بيت البرندة، بالإضافة إلى القطع التي حصلنا عليها من دائرة الآثار والتنقيبات الأثرية، وفي السابع والعشرين من سبتمبر وصلنا إلى أمستردام، وقد أخذنا القطع الأثرية من المخازن إلى متحف نيوكيرك، ثم قمنا بفرز القطع الأثرية وكانت كل القطع بحالة جيدة، واستقبلنا من قبل المختصين في مجال الآثار والترميم وقد أعدنا فرز القطع، ثم قمنا بعمل تقرير عن القطع وهل هي مطابقة للموجودة بالصناديق، ثم قمنا بترميم بعض القطع وصيانتها كي تكون قابلة للعرض، بعدها قام الأخصائي بتجهيز صناديق العرض وتجربة القط5ع الأثرية في كل صندوق، وهل هي مطابقة للتصاميم التي لديهم، ثم بدأت عملية العرض، وقام الجانب الهولندي بعمل دعاية للمعرض قبل بدايته بأسبوعين، وكان كل شيء جاهزا يوم الافتتاح.
وأضافت: وقد عقد مؤتمر صحفي يوم الافتتاح وكان الصحفيون في حالة ذهول مما رأوه من معروضات أثرية وتراثية، نوعيتها وطريقة عرضها وهي المرة الأولى لدولة خليجية أن تقيم مثل هذا المعرض بالإضافة إلى أنها الدولة العربية الأولى التي عرضت كل هذا الكم الهائل من آثارها، وقد وصل عدد الزوار يوم الافتتاح إلى أكثر من خمسمئة زائر، وكانوا يستفسرون كثيرا عن المعرض ومحتوياته من قطع أثرية وتراثية وقد أجمع المشاركون على أن المعرض مذهل جدا ولم يصل إلى مخيلتهم أن كل هذه المعروضات موجودة في عمان، وتولد لديهم انطباع جميل عن عمان وحضارتها وتاريخها وثقافتها والقطع المعروضة تنوعت ما بين الأثرية ومجموعة الحلي بالإضافة إلى معروضات المتاحف من سيوف وخناجر والقطع الفضية في تنوع جميل بالإضافة إلى الشاشة التي شارك بها بيت البرندة، والمخطوطات القديمة التي تتناول العلاقات العمانية الهولندية وأضافوا قطعا أخرى من الأرشيف الوطني الهولندي، وكانت القطع التي شاركت من هولندا يرافقها أخصائيون هولنديون حتى تأخذ مكانها المناسب، وكان الإقبال كبيرا من الجاليات العربية والأوروبية التي حضرت افتتاح المعرض واشتراكي في هذا المعرض بالنسبة لي يمثل تجربة فريدة من نوعها وأتمنى تكثيف مثل هذه المعارض الخارجية التي تعرف بثقافة وحضارة السلطنة.
وقالت: اطلعنا من خلال اشتراكنا في المعرض على كيفية سير العمل بهذه المعارض الكبيرة، فكل معرض يضم متخصصين في التصميم والعرض والترميم وهم يعرفون قيمة معروضاتنا.


أعلى


 



رؤية تحليلية
البحث فيما وراء العمل الفني في أعمال التشكيليين العمانيين (2ـ2)
يسعى جمعة الحارثي في أعماله إلى تحطيم التقليد والهروب إلى عالم اللاواقع
تكوينات سيف العامري تمثل ضربا من التلاقي في المعاني المرتبطة بما هو كائن وما سيكون عليه التكوين الجامع للرموز داخل التصميم


العالم الشخصي للفنان وما وراء العمل الفني:
يمثل العمل الفني أبعادا هامة تنشأ من نظر الفنان إلى العالم المحيط الذي يستمد منه مبدأ معادلاته الشخصية، فقد يتجه إلى البيئة فينصب اهتمامه نحو دراسة مؤثراتها ورموزها وأحداثها، أو إلى التراث فيتناول طرزه، ومعنى هذا أن عالم الفنان لا يمكن أن يكون بمثابة "عالم سري" مغلق لا يسمح لأحد النفاذ إليه، بل هو عالم خاص به يريد أن يخاطبنا من خلاله بلغة نستجيب له ، ونقبل عليه، ونفهم دلالته، ولعل السبب الذي يجعل الفنان يقوم بنشاط فني ذاتي من أجل التعبير بلغة الألوان والأشكال عن المعنى الذي يريد أن ينقله إلينا، هو في حد ذاته حقيقة باطنة شائعة في أعماله، وكأن للمعنى الذي يريد أن يعبر عنه له منطقه الخاص ولغته النابعة من عالمه الشخصي.. فقد روي أن الفنان الفرنسي رنوار Renoir أثناء تأمله لزرقة البحر عند شاطئ كاسيس Cassis وهو يرسم لوحة النساء وهن يغسلن ملابسهن كان يلقي نظرات شاردة إلى الفضاء ثم يدخل تعديلا طفيفا على بعض أركان لوحاته.. ونفهم من هذا الحدث عند الفنان رينوار أنه لم يكن يوجه نظره نحو الفضاء بقدر ما كان موجها نظره إلى عالمه الفني الخفي الذي هو في حاجة إلى التعبير عن عمق نظرته اللانهائية.. وإذا كان في استطاعة الفنان أن يرسم لوحاته وهو يتأمل العالم، فهو بذلك يعبر عما تمليه البيئة من حوله، فيجنح إلى خلق الواقع لحسابه الشخصي.
وقياسا بذلك الموقف فالمتذوق لأعمال الفنان "أنور سونيا" يرى أنه لا يخرج عن عالمه الشخصي في تناول مواضيع الفن الشعبي، بل يعبر في تجريديته عن رغبة حادة في رفض التقيد بالواقع ومطابقته، فأشكاله المجردة تظل مفعمة برائحة الحياة الشعبية، فمن اللازم أن نقول بأن أي انقلاب على الواقع لن يكون سوى مجرد تنظيم جديد لبعض المعادلات التشكيلية للعناصر، وكأن البحث فيما وراء عمل هذا الفنان يحتل فيها فكرة التمثيل الواقعي المجرد أهمية كبرى تحت سقف مبدأ واحد يريد أن يعبر عنه، فليس معنى هذا بأن هناك حقيقة يريد بلوغها فحسب بل تحقيق ضرب من التلاقي في العلاقة بين رؤيته الخاصة والأحداث من حوله، وتبعا لذلك فإن هذا العمل يقودنا إلى التسليم بأن الأحداث المعبرة فيه لا تحاكي ولا تصطنع وسائل تعبيرية محددة أو معروفة من ذي قبل، بل هي حقيقة تمثل الواقع من زاوية تنئ عن المحاكاة والتقليد.. ومهما يكن من أمر ينطوي عليه هذا العمل فإن من المؤكد أن عمل الفنان هو إجابة أو استجابة للعالم الخارجي بأحداثه وبلغة فنية خاصة.

المعاني المستترة فيما وراء العمل الفني:
صحيح أن أعمال الفن لا تخلو من المعاني، ولكن من المؤكد أن هذه المعاني ليست سوى وجه واحد من أوجه الحقائق التي تخبئها لنا الرموز والأشكال في تلك الأعمال، وإذا ما أمعنا النظر في العلاقات الشكلية بين العناصر وما تحويه من معاني.. فإنه لا بد لنا من التحقق من مدى إظهار الفنان ضربا من الإهتمام نحو كل ما هو مغاير لطرق محاكاة وتقليد الأشياء لأن الماورائية في المعاني تظهر ضمنيا من خلال الأشكال المجردة وما يجمعها من علاقات في بنية العمل، وإذا ما سلمنا بأن تلك المعاني ترتبط بالفكر الذي يترجمه لنا الفنان في عمله، فلنا الحق بأن نسأل ما أصل ذلك الفكر؟ وهل هذا الفكر فطري كامن في ذات الفنان؟ أم أنه نتاج إحساسات متعددة بواقع مادي مكتسب ارتبط بمعان معينة؟

لو رجعنا للإنتاج الفني في القرن العشرين وخصوصا في أعمال الفنان "فان جوخ" Van Gogh حين أراد أن يمضي لما هو أبعد في رسمه للوحته المشهورة "الغربان" Corbeaux فليس معنى هذا أنه كان يشعر بأن ثمة "حقيقة" يريد بلوغها أو الوصول إليها، وإنما كل ما هنالك أنه كان على وعي بما سيحمله عمله من معاني تؤكد على الجمع بين نظرته الخاصة للأشياء من حوله، هكذا يبدوا واضحا بأن الفكر هو أساس المعاني سواء كانت ضمنية مستترة أم ظاهرة، وبذلك فإن النقد الذي يوجه نحو هذا النوع من الأعمال التي تخبئ المعاني المستترة، يفسر على أنه تباين في إبداعات الفنانين والتغاضي عن التفاصيل لعدم وضوحها، فيتجه ناقد الفن في هذه الحالة نحو التعميم المستند إلى واقع الفنان وذاتيته، ومن هنا يصبح الكشف عن المعاني الممتدة خلف مرئيات العمل ضرورة حتمية للناقد من أجل تلمس الفكر الفني والبحث عن المضامين المستترة، بمعنى أنه إذا ما أمضينا في تحليلنا لأكثر من عمل فإن التفاوت في المعاني سيظهر في تلك الأعمال، وقد يرجع ذلك التفاوت إلى ارتباط المعنى بالقيم وقدرات الفنان واستعداداته في معالجة المواضيع ونظرته للأشياء من حوله، فالفنان "سيف العامري" في تكوينه الجرافيكي، يمثل ضربا من التلاقي في المعاني المرتبطة بما هو كائن في مقتطفات من العلاقات الإنسانية، وما سيكون عليه التكوين الجامع للرموز داخل التصميم، ولا شك بأن مثل هذه العلاقات الجامعة لأكثر من رمز في هذا العمل هي مما لا سبيل فيه إلى الإقتصار على الإستشهاد الضمني من أحداث الحياة والواقع، وتبعا لذلك فإن الحديث عن هذا النوع من الأعمال يضطرنا إلى التسليم بوجود عدة معاني، فالتفصيل في الجزء الأيسر من هذا العمل يجسد لبعض الشخوص المجردة ويوحي بالتحرر الشكلي ويسهم في تكثيف القوة التعبيرية، فربما أراد الفنان هنا أن يعبر عن موضوع ما كالأمومة أو الوحدة حين جمع بين (الثلاثة أشخاص) فالمعنى هنا يتحقق بصورة واضحة في سعي الفنان لإبراز التعبير الضمني الذي يقود الناقد أو المتذوق إلى الإحتمالية في التفسير، كما نلمح التوازن بين الشكل والمعنى، وإبراز الثراء والتنوع في تصميم الشخصيات بالرغم من أن لكل عنصر هيئة شكلية محددة أوجد بينها علاقات متجاورة، الأمر الذي تطلب من الفنان إيجاد علاقة مناسبة لتلك الأشكال لتحيا مع بعضها ولا تنفصل عن بقية عناصر التكوين.
وبالرجوع للتكوين في هذا العمل فإننا نشاهد فيه أكثر من رمز، إلا أن ما يشغلنا هو البحث عن المعاني التي يخبيها لنا.. حيث يلفت نظرنا للولهة الأولى وجود الرموز الإنسانية المنتشرة في كافة التصميم.. فالتفصيلات الإنسانية المتنوعة تلعب دور البطولة في توضيح المعاني، وحين يؤلف الفنان في عمله لأكثر من مشهد فإنه في الحقيقة يحقق ضربا من التنظيم بين العوالم الرمزية، وكأنه هو يريد أن يخلق منها موضوعا لا مجرد علاقات شكلية، فكيف ننظر لهذا العمل على أنه يعبر عن التراث (في المرأة التي تمارس أحد الحرف) أو الوحدة في (الشخوص الثلاثة المتجمعة في أسفل التصميم) في حين أن مجرد ترجمة الوظائف التي تؤديها الأشكال إلى لغة فنية لهو كفيل بإلقاء الظلال على أضواء المعاني، فلا حاجة بنا إلى القول بأن الرموز هي عناصر فنية تجمعها علاقات تشكيلية، لأنها بالنسبة للفنان ذات دلالات إو إشارات أو موضوعات مختلفة يجمعها تكوين واحد، ترى فيها الأشكال مجرد رموز تترجم أبعاد الواقع ومظاهر البيئة.

خلاصة الرؤية الفنية "للماورائية":
لعل ما أثير من نقاش في الإستعراض السابق حول البحث "فيما وراء العمل لفني" يؤكد بأن الأساليب والنهج الذي يسعى إليه العديد من الفنانين في الساحة التشكيلية العمانية يلقي بالغموض على قراءة وتلمس الفكر الفني لهذه التجارب التي تسعى إلى إيجاد مداخل جديدة من الرؤية الفنية المواكبة لحداثة الفن، على أنني أفضل أن يختار الفنان مواقفه وصوره من مواقف واضحة وجادة وإيجابية، حتى يضمن لعمله النقاء حينئذ يدرك ما لأحاسيسه المخبأة من إندفاع لتطوق عناصر اللوحة بنطاق لا يمكن أن يعبر عن قيم ومعاني مضللة، أو تقود الناقد والمتذوق إلى السكينة والتسليم بأن الغموض لا زال يلف البناء التشكيلي للعمل لإحتوائه على معاني وقيم تعبيرية مبهمة يستعصي فك شفرتها وتفهم محتواها، والعمل الذي يحمل أبعادا ما ورائية كالعمل الفني التجميعي والعمل الفني المركب والفن التوليفي والمفاهيمي وإضافة أشياء مصنعة إلى العمل، كما في عمل الفنان (جمعة الحارثي) على سبيل المثال، يسهم في تحطيم التقليد والعالم المرئي رغبة من الفنان الهروب إلى عالم اللاتقليدية وعالم اللامرئي واللاواقع فتصطبغ تلك الأعمال بالعفوية والتلقائية المليئة بالأسرار والخيال والإختراعات المتطورة التي طرأت على الفن باستخدام الوسائط الفنية فتدخل الأشكال نطاق الترميز الشكلي من منطلق التعبير عن الذي يستحيل التعبير عنه باللغة التعبيرية، على أن السبيل في البحث عن المعاني الماورائية المستترة خلف قضبان الأشكال لا يتأتى إلا بوضوح الموقف التشكيلي والتجربة الفنية للفنان في معالجة أفكاره حينها ينقشع الغموض المغلف لنزعته الفنية فيجد الناقد أو المتذوق سبيله مهما أحيط ذلك العمل من فوضى بين العناصر المتداخلة والتيارات التشكلية المعاكسة ليعبر عن واقع أفكاره بأسلوب حداثي يؤكد به فاعلية نزعته الفنية وسلامتها من التنكر الذي يقود للغموض والإبهام.

سعيد الوهيبي
باحث وفنان تشكيلي


أعلى


 




القايمة (2 ـ 2)

أمام مرآة الدولاب في غرفة أمها وقفت "حسنة " ، تشد جسدها إلى الأعلى أخذت شهيقا عميقا وتحسست جسدها نظرت إلى انعكاس بتمعن، مررت اليدين على ثدييها الممتلئين بالحليب، انكمش وجهها عندما شاهدت أثر الحليب على ثوبها، مررت يدها على بطنها، كان منتفخا لم يعد إلى وضعه المستوي كما كان ، بكلتا يديها مررت على الردفين زفرات بشدة وأخرجت الهواء المكتوم في صدرها ، سمعت بكاء الطفل نادت:
- خالتي طماشة ، خالتي طماشة ، شوفي الولد .
سكن صوت الطفل ، عادت "حسنة" إلى المرآة ، قربت وجهها منها أكثر تأملا العينين وبشرتها ، نظرت إليها طماشة من فرجة الموارب ، تذكرت عندما كانت في عمرها ، نظرت إلى قطعة المرآة المكسورة في يدها تأكد لها ما كانت تقوله البنات لها وهي صغيرة :
- طماشة أم عيون عورا ووجه أسود .
في أيامها جمعت طماشة ليف النخيل الخشن وحكت به وجهها حتى أدمته ، بكت طماشة عندما نظرت إلى المرآة ووجدت أن ذلك لا يفلح في إزالة السواد وإعادة عينها المغلقة . عندما انتهت حسنة من استعراض جسدها نادت عليها طماشة:
- يا حسنة ، تعالي قبل لا تبرد الحصاة .
تمددت حسنة على فراشها ووضعت "طماشة" فوق بطنها قطعة من القماش السميك ومن ثم وضعت عليه حجر متوسط الحجم كانت قد أحمته في الرماد الساخن وقالت:
- الله يعطيك الصحة والعافية .
أغمضت "حسنة" عينيها وسألت "طماشة بنت عبيد" وكأنها تحلم:
- خالتي طماشة ،هو الرجل ويش يحب في الحرمة غير جسدها وأنها تجيبله الأولاد ؟
صمتت " طماشة " أحست أن " حسنة " تشبهها في التفاصيل الصغيرة في حياتها التي كانت ،استوعبت "طماشة " أن حياتها تشبه جزء من حياة البشر الذين تعيش معهم ،وربما تشبه حياة كل البشر مجتمعين ، حياتها تشبه حياة " حميد بو تيلة " طلما حلمت أن تركب البحر أو الريح وتولي لهما وجهها وحتى تأخذها لأي مكان تريد دون أن تبقي لها على أثر ، كما كان يروق لها تكون " مثل صفية " خالية البال لا تؤمن بقضاء الأشياء دون أن تعترض ولو حتى بكلمة ، حياة البشر تشبه الدوائر المكررة والمغموسة ، كلهم يكملوا بعضهم أو يشبهوا بعضهم ، لا يختلفون إلا في تخطيهم لحالة حزن أو تعاطيهم لحالة الفرح .
لا تعرف طماشة " لماذا ألمها في تلك اللحظة أنها ستموت كما قالت لها أمها
- الإنسان بدون أولاد مثل النخلة المقلوعة من عروقها ، ويش تلقين في حفرة نخلة مقلوعة من عروقها ؟ شفت تحتها حياة أو عرق حية ؟ ، تصير حياة الإنسان كأنه نخلة زرعنا وقلعناه بموته .
....................................................
رفعت " صفية بنت حمود " رأسها عندما شعرت بخطوات أقدام تقترب من غرفتها، وعندما لاح لها وجه " طماشة " ،عادت إلى وضعيتها السابقة ، كانت رأسها بين بيديها ، بادرت إليها بالقول:
- تعبت، خلاص تعبت يا طماشة .
- خير يا أم حمد .
- أم حمد ، تعبها من حمد وأفعاله .
لم تتحدث " طماشة " وانتظرت أن تخرج "صفية " كل ما في قلبها .
- تصوري يا طماشة ، أمس زارتني "دلال " وقالت لي " أنت على العين والراس، بس كفي أذى ولدك عني "، ويوم كلمته كأني أكلم جدار، لا يشوف ولا يسمع .
كان " حمد " مثل ضوء حد السيف الجديد ، جميل ترتاح له العيون، وكأنه بعث جديد لصورة " حمود بن طالب "، لا تعرف " طماشة " كيف كانت عينه تلاحق دلال من مكان لأخر ولكنها تعرف أن "دلال" منعته من دخول دارها وأخبرت "طماشة " أن تبلغ أمه أن ابنها يتسبب لها بالأذية. كلمت "طماشة " صفية قائلة :-
- برد زمانه يا أم حمد، حمد بعده بأول عمره، بذر صغير ما قوى عوده، باكر يكبر ويعقل ، ويعرف الدنيا وطريقه فيها . باكر يعقل مثل حسنة .
- حسنة ! كلهم يا "بنت عبيد " أخوان بعض ، حمد وحسنة عوار راس ، خاطري أصد صوب واحد منهم ويبرد قلبي .
رفعت " صفية بنت حمود " رأسها وحدقت في فراغ الغرفة
- حسنة يا طماشة ، تحسب أن أمها عند فلوس قارون وتريد منها تصرف على زوجها اللي ترك شغله ،كل يوم تكلمني بسالفة وتأخذ مني وتعطيه ، ما تعرف أنه اللي كان عندهم الفلوس بها البيت ذكرهم ربهم ، ما أقسى ها الدهر يا طماشة " بيت حمود بن طالب " اللي كان أقدام الناس ما تنقطع عنه لا صبح ولا ليل ، مر عليه الدهر وصار ما يدخله الناس إلا بعد أيام متفرقة ، ما بقى عند " صفية " لا ولد تشد به ظهرها ولا أخو تستند عليه كلمات ما هبت عليها ريح . صدق من قال
ربيت الولاد اللي من صغري وجنوني
وحسبت الولاد اللي من كبري بيغنوني
ومن سبعة ولاد ما رموا يعشوني

- أفا " يا أم حمد " وين سارت "طماشة " اللي من صغرها معك ؟!
أحاطت " صفية بنت حمود " كتفي "طماشة " :
- أنت من ريحة الطبيين "يا طماشة " ، صدقيني البيت من غيرك وحش ، ما يشبع وهو ياكل أهله .
في تلك اللحظة خافت "طماشة " على "صفية " أكثر مما خافت عليها عندما ترملت وعادت بطفلين مربوطين بذيل ثوبها. فيما مضى وفي أول مرة دخلت فيها "طماشة" إلى بيت عمها " حمود بن طالب " كانت ما تزال تمسك بيد أمها وتشد عليها من الخوف ، رأت نفسها تنتقل من بيت العريش الذي خالته أنه سيسقط على رأسها على رأسها كلما هبت عليه الريح أو تكاثر سقوط المطر عليه ، إلي بيت الطابوق ، أدخلتها إلى المطبخ الكبير ، كانت القدور الكبيرة هي أول ما لفت انتباه " طماشة " ومن ثم الحركة الكثيرة للوجوه والأقدام في البيت كانت النسوة تنظف ويطبخن فيما كان الرجال يجلبون الماء ويقطعون الأخشاب ويحضرون اللحم، وفي زاوية من البيت اجتمع فيها أطفال من مختلف الأعمار تركتها أمها في يدها كسرة خبز جافة، وانخرطت بالعمل مع بقية النساء ، التفت طماشة جهة الباب الكبير، رأت فتاة صغيرة مجدولة الشعر ، تبدو ملابسها نظيفة تنظر إلى طماشة من ثم تبتسم إليها، وقفت الفتاة للحظة من ثم سارت، شجع ذلك " طماشة وسارت وراءها، من بعيد سمعت صوتا ينادي أمها:
- يا صبيحة، خلي اللي في يدك وتعالي لمحمد .
كانت " طماشة " تقف في وسط ساحة المنزل عندما مرت بها أمها ودججتها بنظرة نارية ، أخذتها من يدها ودلفتا إلى غرفة كبيرة ، كادت " طماشة " تدور حول نفسها وهي ترى اتساع الغرفة ،دخلت الطفلة الصغيرة ذات الشعر المجدول وهي تمسك بيد أمها التي قالت لها
- قعدي يا صفية في ها المكان ولا تتحركين .
فيما أخذت أمهما من السرير طفلا جميلا ورأتها تجلس وهي تثني ساقيها ووضعت الطفل عليهما ومن ثم بدأت تناغيه:
- بسم الله الرحمن الرحيم، صليت بك على الرسول وعين الحساد عنك تزول ، صليت بك على النبي وعين الحساد عنك تعتمي، صليت بك على محمد وعين الحساد عنك تتجمد . ثم أرضعته وبدأت تغني له بصوت طالما نامت عليه " طماشة " :
محمد يا غناتي لا ترقـد في السيوح
وارقد في ظل بارد بين الحشا والروح

اقتربت " طماشة " من صفية وبدأت نظر إليها بينما جرؤت الطفلة وأحضرت دميتها المصنوعة من القماش وبدأت تلعب معها .
....................................................
في ذات يوم وعندما وصلا البيت ، ظل " خميس " صامتا ، خافت أن يسألها عن اسم الرجل الذي احتضنه باكيا ، دخل غرفته وظل ساهيا عنها ، لم يؤكد كما في كل مرة أنه عرف الناس وكل الطرقات ولكن نظره لم يسعفه:
- ترا الكبر شين وايد .
في ذلك اليوم كانا يمران ببيته ، عندما رأت " طماشة " ذلك بأم عينها ، أرخت يدها من يد خميس الذي كانت تقوده واقتربت من بيت " ساعد ولد غلام " اقتربت من الباب أكثر ، كان بعض الناس قد تجمعوا حول الباب ، اقتربت " طماشة " أكثر من الباب ، لم تخطيء أذناها أنها تسمع صوت نحيب " ساعد " كان صوتا مكسورا ولا يشبه صوت الرجل الذي عرفته يطوي الدنيا تحت جناحيه ويطير بها بعيدا ، اقتربت من " خميس" الذي وقف ينظر للأمر من بعيد والكدر يملأ وجه ،دفعته إلى الباب وقالت له وهي تضع فمها على أذنه
- خميس هذا بيت ساعد ، ساعد بن غلام صاحبك .
ببطء فتح " خميس" الباب ، الرجل الذي كان مكورا على نفسه أمامه ، احتضنه بعنف وأخذ يبكي أمام الناس وهو يقول:
- بموت يا خميس ، أحس نفسي بموت ، الروح توصل إلى الحلق وترجع .
تكلمت طماشة وهي تحدق في جسد "خميس " الضئيل محتضنا جسد " ساعد " المتين .
- صلي على النبي ، بعدك جمل تقدر على الدنيا وتصبر عليها .
ترك " ساعد " يدي خميس ونظر إلى طماشة ، وقال:
- البارحة شفت في حلمي أني ميت ، وأنت قايمة في العزا.
- قول خير ، خير اللهم اجعله خير.
- ما أحد بيذكرنا بعد ما تموت ، الحياة بس دين علينا نؤديه ونسافر ، ونترك كل شي ، البيوت والناس ، حتى التراب نتركه يا طماشة .
كان الإحساس الغريب الذي نقله ساعد إليها ، يحمل شجاعة لم تستطع هي البوح، في الليالي السابقة عندما كانت تصحو دون سبب معلوم كانت تحدق في الكون الساكن من حولها ، تضغط على يدها التي بدأت ارتجافها يزيد بعد كل يوم ، تمعن النظر في الأشياء من حولها ، حلمت دائما أن خميس ميت وأنها في أرض خالية تجري وحدها بينما يدها ترتجف ، ورغم أن " دلال أخبرتها أن من الأحلام تفسر بضدها وأن تكرار هذا الحلم يشير إلى أن عمر " خميس " سيطول وأنها لن تعرف الوحدة في حياتها المتبقية . إلا أن "طماشة" ، ساورها القلق ، وأصبحت تفزع من كل حلم تراه بعد ذلك .
....................................................
جهز " حميد بوتيلة " مركبه، كان إحساسه يتعاظم أن الموت يعانده، في الليالي الطويلة التي قضاها في البحر كان يتصور أن الموت يأتيه مع كل موجه بحر هائجة أو مع كل حركة رياح لم يحسب لها حسابا صحيحا، اليوم يحرك مركبه وهو عازم أن يعود كما عاد أبيه ، مربوطا إلى لوح خشب بحبل مهتريء، طوال تلك السنين لم يشاهد "حميد" إلا صورة والده الغارق في البحر وهو تتقاذفه الموج عاريا إلا من هشاشة لحمه الذي بلل الماء وحلل تماسكه، اليوم ترافقه صورة "دلال" كبيرة ومبكية، عندما ذهب إلى بيتها بعد أن عادت إليه "طماشة" بخبر زواجها، لم تكلمه حتى من وراء جدار وأرسلت له إحدى بنات فرقتها لتخبره:
- عمتي دلال ، تقوله اقصر الشر وروح .
لم يصدق أن "دلال " تنسى كل تلك السنين وتصنع بينهما حاجزا كبيرا كهذا ،في ذات الوقت شد الألواح على قاربه وسحبه على التراب ، لم يصدق أن دلال التي كانت تحكي له وهو بقربها عن الشعر الذي قالته امرأة عاشقة من أهلها، كانت تحكي له :-
- كان لها حبيب مثل القمر ، تحبه حب ما حبته حرمة لرجل ، مرت السنين وتغير عليها وتزوج غيرها وصارت تقول فيه شعر بين الناس تحت حفظوه .
- ها الحرمة اللي تبرد القلب ، ويش قالت فيه ؟
ينصت إلى دلال ، كانت صوتها شجيا وهي تغني .
عندي حبيب أحبه واحسدوني ياه اللي حاسدني حبيبي تحسده دنياه
إن كان صغــير صبح من الصــبح متــغير
وان كـان حرمــة حرمها الرب معيشـتها
وان كـان رجـال لا صــبح ولا مســا

في بعض الليالي تزيده فتغني:
ما تــوب ، ماتـوب لين ما أواعي المحبوب
لعـلقوني شبــح لجسمــــوني دروب
بصنع مداري وبطلع للحــــبيب فوق
وتكسرتبي المداري بت أجاســي عوق

كان يستطيع أن ينسي العالم بوجود "دلال " ، كان يضحك من أعماقه معها، كل التعب الذي حمله على كاهله لسنوات كان يخلعه كثوب بال في حضرتها ، كانت يسألها بدلال طفل صغير:
- دلال تشاقين لي لما أكون بعيد .؟
وكانت ترد عليها بوهج وجهها الأبيض :
- وايد أنا يوم أشتاق لك بسأل عنك حتى الطير الطاير، بنشد حتى سحاب السما عن مركبك في البحر .
كانت عندما تقول له ذلك يشعر أنه ملك، لا يشبه أحد من الملوك، يملك الأرض والسماء، غاصت " قدما "حميد بو تيلة " في الماء، أحس ببرودته، صرخ به أحد الصيادين:
- حميد، على وين، صار في عقلك شيء، ما تسمع طبول الشمال كيف رافعة موج البحر؟!.
كان صورة والده تملأ الأفق أمامه .
....................................................
تذكرت " طماشة " ، أن زوجها "خميس " لم يخذلها إلا مرة واحدة . تلك المرة كانت المرة الأولى في التي القت فيها عينا " حمود بن طالب " عن قرب بعين " طماشة بنت عبيد " كانت ما تزال يافعة، دعاها وزوجها إلى غرفة الجلوس التي جلست فيها زوجته " هنية بنت ناصر " وبجانبها أمسكت يد أبنتها ثريا ، وحين دعا " حمود بن طالب " إلى الجلوس، نظرت إليه بتمعن كان طويلا يجبر من يتحدث إليه إلى أن ينظر إليه يرفع رأسه إلى الأعلى، وسيما لا يمل الشخص من التحديق إليه ، تنحنحت " هنية بنت ناصر " موجهة الكلام إلى " طماشة " :
- نحن نعرف أمك رحمة الله عليها ، هي حرمة خيرة والكلام واقف عنها. قاطعتها طماشة دون إدراك كبير منها:
- تعيشي يا عمتي ، الله يرحمها ويرحمنا .
تكلم " حمد بن طالب " :
- وأنت على ما شفنا منك ، مثلك أمك وما عليك قصيرة في شيء أبدا ، ويوم فكرنا أنا وعمتك "هنية " ما لقينا أحسن منك .
سكت " حمود بن طالب " وأكملت بعده "زوجته:
- ما لقينا أحسن منك يكون قايمة على ثريا .
التقت عينا " طماشة " بعين ثريا الباهتتين، كانت تعرفها عندما كانت تختلس النظر اللعب مع أختها " صفية "، كانت تركض دون اتجاه بعينه في ساحة دارهم ثم تدور إلى تسقط ، كانت صفية تخشاها تختبئ وراء طماشة مخفية جدائلها الناعمة الطويلة، لما سألت "طماشة " أمها عن ثريا ببراءة أيام الطفولة:
- ليش ثريا تركض دايما
قالت لها يومها:
- ثريا ، الطير ما خذه نص عقها وطارت به .
قاطعها صوت" هنية بنت ناصر تفكيرها
- ثريا مثل أختك ، وأنت تعرفين ؟، ،ا ثريا مريضة شوي وتحتاج قايمة عليها .
أضاف عليها " حمود بن طالب " :
- خذي مني عهد أن خيرك وميرك وكل اللي تحتاجينه ، حتى ولو كان كبر حبة التراب راح يكون من ها البيت .
أمسكت " هنية بن ناصر يد ابنتها:
- وقت الرقاد مقدور عليه ، إحنا نرقدها معنا ، بس تحتاج أحد يداريها باقي اليوم .
- - طلبي يا طماشة اللي في خاطرك وما يردك إلا لسانك أ وإحنا جاهزين .
سكتت " طماشة " ونظرت إلى ثريا التي بدأت تعبث بشعرها بعد أن كشفت الغطاء عنه .سمعت صوت زوجها " خميس يرد عنها
- إحنا ما لنا غنى عنك يا عمي ، ولسانا يمنعنا نرد طلبك ولو على موتنا
- ما تقصر يا خميس ، فيك الخير دايما .
بعد خروجهما من بيت "حمود بن طالب "، عاتبته طويلا حول ما قاله، ابتسم لها وقال مازحا:
- أوعدك ما راح تقومين إلا على " ثريا " وعلي أنا .
لم تقم "طماشة " على "ثريا " إلا شهرا، في ذات صباح وجدت البيت الكبير هائجا، كل من البيت كان يتحرك دون ترتيب، استوقفت، صفية وسألتها أجابت:
- ما لاقين ثريا ، دورنا كل مكان وما لقيناها .
- الباب البيت العود بس مفتوح ، البنت مثل الملحة اللي ذابت في البحر ، ثريا ما تعرف شيء ، ولا تعرف الدروب والجارات ، كيف طلعت وين راحت ، دلونا .
كهذا كانت " هنية بنت ناصر " تتحدث مع النساء ، في أيامها كانت "طماشة " تجلس واضعة يدها على رأسها ، تبكي مع كل باك في ذلك البيت ، تبحث دون ملل عن تلك الفتاة التي رأت في رعايتها لها تعويضا عن الأطفال الذين لم يعيشوا يأخذ و من الحنان الذي ادخرته لهم .بقي الناس لشهور يجوبون القرى ويبحثون في الأماكن المهجورة ، يسألون القريب والبعيد عنها ، ، إلى أن رفع " حمود بن طالب " يده وقال للجميع:
- بنتي إذا حية الله قادر يدرها حالي ، وإذا ماتت أنا احتسبتها عند الكريم الرحيم .
في يومها بكت " هنية بنت ناصر " بصوت عالي وأسمعت الناس صوتها الحزين . فيما انكمشت " طماشة " على نفسها ، وأصبحت تتحاشى النظر في وجه أهل البيت الكبيرة مباشرة .
....................................................
- راح أسامحه ، أنا ما لي أحد غيره، وهو متعلق بها الدنيا بي .
قالت "طماشة " في نفسها ذلك وهي تهيئ طعام الغداء لخميس ،تتذكر وهي تبتسم كيف كان يمتدحها:
- أنت عنبر يا " طماشة" ومن ما يحب ريحة العنبر .
كان وجود " خميس " المبكر في حياتها بمثابة الماء الذي أطفأ نار الحسد الذي بدأ يجتاح قلب "طماشة " هي ترى النعم بادية على أجساد صاحباتها ، فيما حرمت هي من نعمتي المال والجمال ، بقي يدللها حتى أمام الناس بكلمة:
- يا غناتي .
أحست "طماشة " أنها ظلمته في بعض الأوقات ، كانت تبتعد عنه بعد كل إجهاض يحدث لها ، تتذكر عند موت طفلاها الثالث اقترب منها أتمدد بجانبها ، فك تشابك ساعديها تحت رأسها ، توسد الساعد الأيمن ، كانت في وقتها زاهدة الدنيا بما فيها ، وكان يمزح ، وضع يده على صدرها الفائض بالحليب، ضحك ضحكة قصيرة ، لمح:
- طماشة ، ترا أمي فطمتني وأنا ما كملت الحولين ، خاطري ...
لم تدعه يكمل ، أجفلت منه وأعطته طهرها
- حليب ولدي ما أحد يشربه وهو في قبره .
كانت تبكي وشعرت به وهو يبكي خلفها
....................................................
، شعرت "طماشة " بلهفة غريبة لكل شيء لم تشعر بها منذ سنوات ، انتظرت زوجها ، فكرت أن تخرج ثوبا جديدا ترديه ، في لحظتها شعرت أن "خميس " يحتاج إلى الاهتمام أكثر ، أهتم بها في صغرها ، سترد لها الاهتمام الآن ،، ستخرج به إلى السوق ، وربما يجلسان بجانب دكان " ساعد ولد غلام " بعد أن يسترد عافيته وتزول عنه الحمى التي لازمته منذ وجدته يبكي ، وربما تأخذه إلى البحر ، وتطلب من "حميد بو تيلة " أن يأخذه بجولة قصيرة في مركبه بعد أن يبرد في قلبه حب " دلال " ، ستجلسه في باحة دار " صفية بنت حمود " وتجاذبه معها أخبار الناس ، وسترجو "دلال" أن تغني له كل يوم أغنية في الحب والعشق ، هذا لن ينسى " خميس من حوله ، وسيعود كما كان سابقا ، وضعت على الطعام غطاء ، فتحت باب دارها على اتساعه استقبلت الهواء والشمس والبحر ، نظرت إلى بيت " ساعد ولد غلام " وابتسمت ، نظرت إلى الطريق الفسيح الممتد أمامها، ارتجفت يدها قليلا وهي ترى جموع من البشر تملأ المكان .

رحمة المغيزوي*
* قاصة عمانية


أعلى





قلعة قايتباي.. حكايات طويلة لا تكف عن الكلام حتى تبدأ من جديد

القاهرة ـ من حسام محمود:
غالبا ما تحكي الآثار قصصا تجمع بين البطولات الشعبية, والمراحل الفارقة بأي منطقة, وقد تعددت الأحداث التي عاشتها مصر لتترك معها إرثا من المباني والقلاع العامرة بروائع الفنون, والإبداع الهندسي والمعماري, والتي كانت ولا تزال تستلهم إعجاب المتخصصين والعامة, ومن هذه الأبنية التاريخية قلعة قايتباي الرابضة بأقصى غرب الإسكندرية تحرس سواحلها بحصونها القوية.

العمارة الإسلامية

تقع هذه القلعة الشهيرة في نهاية جزيرة فاروس بأقصى غرب الإسكندرية, وشيدت في مكان فنار الإسكندرية القديم الذي تهدم سنة 702هجريا إثر الزلزال المدمر الذي حدث في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون. وقد بدأ السلطان الأشرف أبو النصر قايتباي بناء هذه القلعة في سنة 882هـ, وانتهى من بنائها عام 884هـ.
وكان سبب اهتمامه بالإسكندرية كثرة التهديدات المباشرة لمصر من قبل الدولة العثمانية, التي هددت المنطقة العربية بأسرها, وتأخذ هذه القلعة شكل المستطيل, ويبلغ طولها 150 متراً وعرضها 130 متراً, ويحيط بها البحر من ثلاث جهات.
وتحتوي القلعة على الأسوار المحمية بالأحجار الجبلية والبرج الرئيسي المزود بمتاريس. وتنقسم الأسوار إلى سور داخلي اسطواني وآخر خارجي دائري.. ويشمل السور الداخلي ثكنات الجند والحراس الذين يندفعون لأعلى عند الضرورة لملاقاة السفن المغيرة ومنعها من الاستقرار على الشاطىء, كما يضم مخازن السلاح والعتاد الحربي لتزويد الجنود بما تستلزمه المعارك. أما السور الخارجي للقلعة فيضم في الجهات الأربع أبراجا دفاعية ترتفع إلى مستوى السور, باستثناء الجدار الشرقي الضيق الذي يشتمل على فتحات دفاعية للجنود وأخرى للمراقبة عن بعد.
ويتخذ البرج الرئيسي في الفناء الداخلي شكل قلعة كبيرة مربعة طول ضلعها 30 مترا, وارتفاعها 17 مترا لمنع تسلل المهاجمين وللإمساك بالمهربين بسهولة.
وتتكون القلعة من ثلاثة طوابق, وتوجد في أركان البرج الأربعة أبراج نصف دائرية تنتهي من أعلى بشرفات بارزة تضم فتحات لرمي السهام على مستويين, ويشغل الطابق الأول مسجد القلعة, والذي يتكون من صحن, وأربعة إيوانات, وممرات دفاعية تسمح للجنود بالمرور بسهولة خلال عمليات الدفاع عن القلعة. وكان لهذا المسجد مئذنة ضخمة, ولكنها انهارت مؤخرا, ومن المؤمل ان يعاد ترميمها باستخدام الركام القديم لها.
أما الطابق الثاني فيحتوي على ممرات طويلة وقاعات فسيحة وحجرات داخلية للراحة واستكمال الإعداد للجنود والجيوش قبل فتح أبواب القلعة لخروجها. ويضم الطابق الثالث حجرة كبيرة (تحوي مقعد السلطان قايتباي), وكان يجلس فيه لرؤية السفن على مسيرة يوم من الإسكندرية يغطيه قبو متقاطع, كما يوجد في هذا الطابق فرن لإعداد الخبز البر المصنوع من القمح, وكذلك طاحونة لطحن الغلال والحبوب للجنود المقيمين في القلعة, حتى يستطيعوا مواصلة التحصن لأكبر فترة ممكنة.
وقد جدد السلطان قنصوة الغوري القلعة, وزاد من حاميتها لأهميتها الاستراتيجية كنقطة وبوابة للسواحل المصرية كلها تجاه أوروبا وبلدان البحر المتوسط , وكانت تعاني القلعة من إهمال في بداية فترة الاحتلال العثماني لمصر نتيجة تركيز الولاة على استحكام الوجود العسكري بالمدن داخل عمق البلاد, وتعمير القاهرة وتحصينها, وتكوين بنايات عسكرية وقلاع على طريق الشام للفتوحات الخارجية وطرد الغزاة.
واستخدم العثمانيون في أواخر عهودهم هذه القلعة مكانا لحاميتهم, واهتموا بالمحافظة عليها, وجعلوا بها طوائف من الجند المشاة والفرسان والمدفعية, ومختلف الحاميات للدفاع عنها, ومن ثم الدفاع عن بوابة مصر بالساحل الشمالي بالإسكندرية, ولما ضعفت الدولة العثمانية بدأت القلعة تفقد أهميتها الإستراتيجية والدفاعية نتيجة لضعف حاميتها, ومن ثم استطاعت الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت الاستيلاء عليها, وعلى مدينة الإسكندرية سنة 1798 م, الأمر الذي أدي إلى وقوعها في أيديهم ضمن مجموعة من المواقع المهمة لتواجدهم بالبلاد, ومنها دخلوا إلى باقي أجزاء مصر كنقطة انطلاق لجنودهم في الشرق.
ولما تولى محمد علي باشا حكم مصر عمل على تحصينها وتحديث كوادرها البشرية والتسليحية لمنع الغزوات من البحر, وبخاصة سواحلها الشمالية, فقام بتجديد أسوار القلعة, وإضافة بعض الأعمال بها لتتناسب مع خطورة التهديدات التي كانت تحيط بالمنطقة آنذاك, ولتتلاءم مع التطور الدفاعي للقرن التاسع عشر الميلادي, وتمثلت هذه المشروعات في دعم أسوارها وتعليتها بأبراج ومصابيح إنارة, وتجديد مبانيها الخارجية, وتزويدها بالمدافع الساحلية, هذا بالإضافة إلى بناء العديد من الطوابي لدرء المعتدين واقتناصهم من أعلاها, وتشييد الحصون التي انتشرت بطول الساحل الشمالي لمصر لضرب الغزاة, وهم داخل مياه البحر المتوسط قبل وصولهم للشاطئ لهذا زودت أسوار القلعة بمنصات لإطلاق الأسهم وحمم الذخيرة على السفن المعتدية في البحر, كما ركبت بها منصات أخرى لقذف كرات النيران وضرب طلقات المدفعية تجاه الجيوش الاستعمارية لمنعها من التوغل صوب القلعة من الناحيتين الشمالية والغربية.
تراث تاريخي
لما قامت ثورة أحمد عرابي عام 1882 م, والتي كان من نتائجها ضرب القوات البريطانية لمدينة الإسكندرية بالمدافع والنيران في 11 يوليو سنة 1882م, استبسلت المقاومة الشعبية طويلا بقلعة قايتباي أمام هذه الهجمات الشرسة, ولكن بعد الاحتلال الإنجليزي لمصر تم تخريب أجزاء كاملة من القلعة, وإحداث تصدعات خطيرة بها لأنها كانت ركنا مهما في الدفاع عن البلاد ضد المستعمرين الأجانب، وقد ظلت القلعة على هذه الحالة, حتى قامت لجنة حفظ الآثار العربية سنة 1904 م بعمل العديد من الإصلاحات الشاملة بها, والقيام بمشروع قومي لعمل التجديدات بها استنادا على الدراسات التي قام بها علماء الحملة الفرنسية والمنشورة في كتاب وصف مصر, وأيضا التي قام بها الرحالة كاسيوس في كتابه عام 1799 م.
وترصد الخرائط الجغرافية قلعة قايتباي على كونها مبنى أثريا فريدا جمع بين الأصالة القديمة, وكيفية الصمود أمام تحديات الاستعمار وجيوش الاحتلال مهما كان الثمن, وقد بنيت على نظم الأسوار المتدرجة والاستحكامات الحربية الفريدة.
ومن المفارقات الثابتة تاريخياً أن فنار الإسكندرية، الذي كان من عجائب الدنيا السبع، وأنشأ عام 280 ق.م، في عصر بطليموس الثاني, وبناه المعماري الإغريقي سوستراتوس, وكان طوله مائة وعشرين متراً، قد تعرض لسلسة أحداث دمرته بالكامل, وما بقى منه مجرد حفائر وحجارة, لكن يقال أن قلعة قايتباي قد أقيمت في موقع المنار، بل على أنقاضه الزائلة.
وقد حدث زلزال في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون، فضرب شرق البحر المتوسط، ودمر حصون الإسكندرية وأسوارها وفنارها. وقد وصف المقريزي في خططه ما أصاب المدينة من دمار، وذكرَ أن الأمير ركن الدين بيبرس الجشنكير عمر ما دمرته الزلازل. ويروي المؤرخ المصري ابن إياس، أنه عندما زار السلطان الأشرف قايتباي الإسكندرية في عام 1477 أمر ببناء مكان المنار برج جديد, وهو ما عُرف فيما بعد ببرج قايتباي، ثم طابية قايتباي التي لا تزال قائمة.
ما أن فريق الباحثين الأثريين العاملين بموقع قايتباي يسعون منذ فترة للحصول على كتل حجرية تنتمي لأنقاض الفنار القديم, وكانت واجهته تحمل لوحة تذكارية منحوتة بحروف يونانية ضخمة, ولهذا تجوب منطقة القلعة بعثات أجنبية تحاول فك طلاسم هذا الفنار, الذي بات وثيق الصلة بقلعة قايتباي التي جمعت الكثير من الحقب, خاصة عندما استخدمها المصريون في صد هجمات الحملات الصليبية من البحر المتوسط.
* وكالة الانباء العربية

أعلى


 



تـراثــيات

رسالة أسير

حكي أن رجلا كان أسيرا في بني بكر بن وائل وعزموه على غزو قومه فسألهم في رسول يرسله إلى قومه فقالوا: لا ترسله إلا بحضرتنا لئلا تنذرهم وتحذرهم.
فجاؤا بعبد أسود فقال له: أتعقل ما أقوله لك؟
قال: نعم، إني لعاقل.
فأشار بيده إلى الليل فقال: ما هذا؟
قال :الليل.
قال: ما أراك إلا عاقلا.
ثم ملأ كفيه من الرمل وقال: كم هذا؟
قال: لا أدري وإنه لكثير.
فقال: أيما أكثر النجوم أم النيران؟
قال: كل كثير.
فقال: أبلغ قومي التحية وقل لهم يكرموا فلانا يعني أسيرا كان في أيديهم من بكر بن وائل فإن قومه لي مكرمون وقل لهم إن العرفج قد دنا وشكت النساء وأمرهم أن يعروا ناقتي الحمراء فقد أطالوا ركوبها وان يركبوا جملي الأصهب بأمارة ما أكلت معكم حيسا واسألوا عن خبري أخي الحرث.
فلما أدى العبد الرسالة إليهم قالوا:
لقد جن الأعور والله ما نعرف له ناقة حمراء ولا جملا أصهب.
ثم دعوا بأخيه الحرث فقصوا عليه القصة فقال:
قد أنذركم أما قوله قد دنا العرفج يريد أن الرجال قد استلأموا ولبسوا السلاح وأما قوله شكت النساء أي أخذت الشكاء للسفر وأما قوله أعروا ناقتي الحمراء أي ارتحلوا عن الدهناء واركبوا الجمل الأصهب أي الجبل وأما قوله أكلت معكم حيسا أي أن أخلاطا من الناس قد عزموا على غزوكم لأن الحيس يجمع التمر والسمن والأقط فامتثلوا أمره وعرفوا لحن الكلام وعملوا به فنجوا.


ـــــــــــــــ


لست بأصغر من هدهد سليمان

دخل الحسن بن الفضل على بعض الخلفاء وعنده كثير من أهل العلم فأحب الحسن أن يتكلم فزجره وقال:
يا صبي تتكلم في هذا المقام؟!
فقال: يا أمير المؤمنين إن كنت صبيا فلست بأصغر من هدهد سليمان ولا انت بأكبر من سليمان عليه السلام حين قال أحطت بما لم تحط به .. ثم قال:
ألم تر أن الله فهم الحكم سليمان ولو كان الأمر بالكبر لكان داود أولى.

ـــــــــــــــ


فصاحة غلام

حين أفضت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز أتته الوفود فإذا فيهم وفد الحجاز فنظر إلى صبي صغير السن وقد أراد أن يتكلم فقال:
ليتكلم من هو أسن منك فإنه أحق بالكلام منك.
فقال الصبي: يا أمير المؤمنين لو كان القول كما تقول لكان في مجلسك هذا من هو أحق به منك.
قال: صدقت فتكلم.
فقال يا أمير المؤمنين إنا قدمنا عليك من بلد تحمد الله الذي من علينا بك ما قدمنا عليك رغبة منا ولا رهبة منك أما عدم الرغبة فقد امنا بك في منازلنا وأما عدم الرهبة فقد أمنا جورك بعدلك فنحن وفد الشكر والسلام.
فقال له عمر رضي الله عنه:
عظني يا غلام.
فقال: يا أمير المؤمنين إن أناسا غرهم حلم الله وثناء الناس عليهم فلا تكن ممن يغره حلم الله وثناء الناس عليه فتزل قدمك وتكون من الذين قال الله فيهم "ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون" فنظر عمر في سن الغلام فإذا له اثنتا عشرة سنة.

ـــــــــــــــ

درواس وابن عبد الملك

حكي أن البادية قحطت في أيام هشام بن عبد الملك فقدمت عليه العرب فهابوا أن يكلموه وكان فيهم درواس ابن حبيب وهو ابن ست عشرة سنة له ذؤابة وعليه شملتان فوقعت عليه عين هشام فقال لحاجبه: ما شاء أحد أن يدخل علي إلا دخل حتى الصبيان.
فوثب درواس حتى وقف بين يديه مطرقا فقال:
يا أمير المؤمنين إن للكلام نشرا وطيا وإنه لا يعرف ما في طيه إلا بنشره فإن أذن لي أمير المؤمنين أن أنشره نشرته.
فأعجبه كلامه وقال له: أنشره لله درك.
فقال: يا أمير المؤمنين إنه اصابتنا سنون ثلاث سنة أذابت الشحم وسنة أكلت اللحم وسنة دقت العظم وفي أيديكم فضول مال فإن كانت لله ففرقوها على عباده وإن كانت لهم فعلام تحبسونها عنهم وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم فإن الله يجزي المتصدقين.
فقال هشام: ما ترك الغلام لنا في واحدة من الثلاث عذرا فأمر للبوادي بمائة ألف دينار وله بمائة ألف درهم ثم قال له:
ألك حاجة قال: مالي حاجة في خاصة نفسي دون عامة المسلمين.
فخرج من عنده وهو من أجل القوم.

ـــــــــــــــ

بين معاوية وملك الروم

حكي أن هرقل ملك الروم كتب إلى معاوية بن ابي سفيان رضي الله عنه يسأله عن الشيء ولا شيء وعن دين لا يقبل الله غيره وعن مفتاح الصلاة وعن غرس الجنة وعن صلاة كل شيء وعن أربعة فيهم الروح ولم يركضوا في أصلاب الرجال وأرحام النساء وعن رجل ولا أب له وعن رجل لا أم له وعن قبر جرى بصاحبه وعن قوس قزح ما هو وعن بقعة طلعت عليها الشمس مرة واحدة ولم تطلع عليها قبلها ولا بعدها وعن ظاعن ظعن مرة واحدة ولم يظعن قبلها ولا بعدها وعن شجرة نبتت من غير ماء وعن شيء تنفس ولا روح له وعن اليوم وأمس وغد وبعد غد وعن البرق والرعد وصوته وعن المحو الذي في القمر.
فقيل لمعاوية: اكتب إلى ابن عباس يخبرك عن هذه المسائل فكتب إليه فأجابه أما الشيء فالماء قال الله تعالى: (وجعلنا من الماء كل شيء حي).
وأما لا شيء فانها الدنيا تبيد وتفنى وأما دين لا يقبل الله غيره فلا إله إلا الله وأما مفتاح الصلاة فالله أكبر وأما غرس الجنة فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم واما صلاة كل شيء فسبحان الله وبحمده واما الأربعة الذين فيهم الروح ولم يركضوا في أصلاب الرجال وأرحام النساء فآدم وحواء وناقة صالح وكبش إسماعيل وأما الرجل الذي لا أب له فالمسيح وأما الرجل الذي لا ام له فآدم عليه السلام وأما القبر الذي جرى بصاحبه فحوت يونس عليه السلام سار به في البحر وأما قوس قزح فأمان من الله لعباده من الغرق وأما البقعة التي طلعت عليها الشمس مرة واحدة فبطن البحر حين انفلق لبني إسرائيل وأما الظاعن الذي ظعن مرة ولم يظعن قبلها ولا بعدها فجبل طور سيناء كان بينه وبين الأرض المقدسة أربع ليال فلما عصت بنو إسرائيل أطاره الله تعالى بجناحين فنادى مناد إن قبلتم التوراة كشفته عنكم ولا ألقيته عليكم فأخذوا التوراة معذرين فرده الله تعالى إلى موضعه فذلك قوله تعالى: (وإذا نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة ظنوا أنه واقع بهم).
وأما الشجرة التي تنبت من غير ماء فشجرة اليقطين التي أنبتها الله تعالى على يونس عليه السلام وأما الشيء الذي يتنفس بلا روح فالصبح قال الله تعالى: (والصبح إذا تنفس).
وأما اليوم فعمل وأمس فمثل وغد فأجل وبعد غد فأمل وأما البرق فمخاريق بأيدي الملائكة تضرب بها السحاب وأما الرعد فاسم الملك الذي يسوق السحاب وصوته زجره وأما المحو الذي في القمر فقول الله تعالى( وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ) ولولا ذلك المحو لم يعرف الليل من النهار ولا النهار من الليل.

ـــــــــــــــ

ألا أيها البنتان

حكي إن شاعرا كان له عدو فبينما هو سائر ذات يوم في بعض الطرق إذا هو بعدوه فعلم الشاعر أن عدوه قاتله لا محالة فقال له:
يا هذا أنا أعلم أن المنية قد حضرت ولكن سألتك الله إذا أنت قتلتني أمض إلى داري وقف بالباب وقل ألا أيها البنتان إن أباكما.
فقال: سمعا وطاعة.
ثم إنه قتله فلما فرغ من قتله أتى إلى داره ووقف بالباب وقال:
ألا ايها البنتان إن أباكما ..
وكان للشاعر ابنتان فلما سمعتا قول الرجل ألا أيها البنتان إن أباكما اجابتا بفم واحد:
قتيل خذا بالثأر ممن أتاكما.
ثم تعلقتا بالرجل ورفعتاه إلى الحاكم فاستقرره فأقر بقتله فقتله.

ـــــــــــــــ

الرزق الحلال

دخل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه المسجد وقال لرجل كان واقفا على باب المسجد:
أمسك علي بغلتي.
فأخذ الرجل لجامها ومضى وترك البغلة فخرج علي وفي يده درهمان ليكافىء بهما الرجل على إمساكه بغلته فوجد البغلة واقفة بغير لجام فركبها ومضى ودفع لغلامه درهمين يشتري بهما لجاما فوجد الغلام اللجام في السوق قد باعه السارق بدرهمين فقال علي كرم الله وجهه:
إن العبد ليحرم نفسه الرزق الحلال بترك الصبر ولا يزداد على ما قدر له.

 

أعلى



الأدب الشعبي


قّل شوفي

يا بعيدة عن مدايه قّل شوفي : إظهـــــــري
شايبك ما عاد نُحله يثقلك .. رااااااح الزمـــــــــــان
آه يا رملٍ رصغت خطامه المنسي طــــري
غادروك أحبابك ولا كرّســــــــوا جزئك بـِ ( آن )!
تذكري لما يمر أشباه جِنسك تذكــــــــري ؟..
تذكري شجب النباح ومحملك ظّلي الجبـــــــــــــان
صدقيني رغم كل اللي جنيته بك .. بـــري
كنّزوني حقد - سامحهم - إلهي ، وقلت : خـــان !
أصدقائي لو دريتي كلّهم قصموا ظْهــــري
ما بقى الأ انتي وضعفي واحتياجي والهــــــــــوان
إرجعي يا هاربة خلف السياجات العـُـــري
آنا في قهر احتياجي لك ../ على بعدك / مُـــــــدان
شايبك .. نوّمَه سُخن المعضلة والسُكــــري
ربما : موته قرب ..؟! وربما : ( كبوة حصــــان )
ما ابيه الآن : أنك تذكريني بسْفـــــــــــري
وكان لك نيّة رجوعٍ عجّليه .. الوقت حـــــــــــان
بالسلامة يا اخيّة زرب منفاي .. إظهــــري
شايبك .. في سكرة الموت الأخير مْن الزمــان !
فيصل العلوي *

ـــــــــــــــ

شَمس الورق

نبض القمر والشَّمس لىَ صار مخنـوق ..
بـيـديـن عـشّــاق الـظــلام وْجنوده
إخلـع مـن المبـدأ لـسانــه مع الـمــوق
واقـطـع يــدْه واشـلـع سواري بـنــوده
يا حُلم صُبح ٍ من قُـرى اللـيـل معـتــوق
لليل فــي رصـغـك صوَر من قــيوده
للعاتـقيـن العِـشق مــانْـتــه بـِـمـعـشــوق
لا تـكـتــرث .. ما دام لـلـريـح عـوده
للعـاتـقـيــن اوجـوه والْـسـان مـســروق
مصباحـك الـمـكسـور شـلّــوا رعوده
مصباحك المـكسـور بالصمت بالطوق
دقّــوا مســامـيـر بْــحـنـاجـر شــهــوده
وَانــا ربـيعـك .. دونـي الـبـاب مـغلوق
طـار انْـحلـي مـن فـوق زهــرة وعــوده
مـنّـه جـراد المـوت أسـراب مـطلـوق
وحُـلـم أوطـني ما بيــن بِـيـضه وســوده
يا حُـلـم للتابــوت لا تـاخــذ الشــوق
شَمس الــورق لِـلّـي تـشيلــه عـُضـوده
قصيدتي كـلْها صهيـل ٍ عسى يْـفـوق ..
من مَــرّتــه يـلْعــب بـِخصلات خُـوده
في ذاكـرة أمس الـقـريبـه هَـرم ذوق
لا تجــعـلـونـي اليـوم أفـقـد وجــوده ...

بدر الشحيمي

ـــــــــــــــ

قطار الحفل

سافري بين المرايا والتفاتك
وامرحي كنك على صهوة جواد
وش هو أجمل من محاذاتك لذاتك
تبقي رقمن عن مداهم فيْ انفراد
وارسميها مثل ما ودك حياتك
بس خلي لك شواخصها ارتياد
لو تمري مشتل النرجس حلاتك
الحلا بوجودك إنتي فيه زاد
وان تدلى شوب صدقك من صفاتك
ما قصر حبل انتمائك يالبراد
كل نهجن ما يوافق إمنياتك
ينصلخ من معصمه فصل الحصاد
ما ظما من هو على ضفة فراتك
يستضيفه صيف نسماته بلاد
آه من فعل الكحل في صمت باتك
لو تمتم كان ما حل السهاد
هي غلاتك من يساويها غلاتك
ما وطى هالأرض من مثلك وكاد
فاتك الليلة قطار الحفل فاتك
سافري بروحي وآهاتي جواد

سعيد بن خميس الرحبي

ـــــــــــــــ

رحلة صيف

إللي كتب في سيرتـه عشريـن جـرح بـلا ذنـوب
مـتـورطٍ فــي هالـذنـوب الـلـي جنـاهـا برغبـتـه
من أول الساحل إلى طرف الرصيف من الجنوب
ينساب مـن بيـن الكراسـي اللـي تشاكـس ظلتـه
وفي آخر الركن البعيد إللي علـى كتـف الـدروب
يتلعـثـم أنـفـاس البعـيـد الـلــي تـجـاهـل سـكـتـه
لا صـوت لا شـارع وكنـه كـل مـا حولـه يــذوب
ويظـل فـي عمـق الخيـال اللـي يطـارد صـورتـه
كل مـا يمـر بهالرصيـف اللـي يغطيـه الشحـوب
يتـثـاوب الآه الـتـي مــن عـــام صـــارت آهـتــه
يتذكـر الميـنـا وضحـكـات الـنـوارس والـغـروب
يتذكـر المـوج الصغـيـر الـلـي يـداعـب خطـوتـه
ويلـم فـي عيـنـه تـواريـخ الأحاسـيـس الـكـذوب
مـن ويـن مــا جــا هالمـكـان يــرد يـكـره جيـتـه
ما تتركـه ذيـك الصـور رغـم المآسـي والعيـوب
لأنـه تـرك فــي لونـهـا أعـظـم معـانـي بصمـتـه
لانـه نسـى فـي لذتـه يحسـب تصاريـف الغيـوب
وان الحبـل مهمـا اختـفـى لابــد يـوصـل رقبـتـه
الآه ذل ومعضلـه / أواه يـا مــا اقـسـى القـلـوب
يـارب لـو ترحـم تـرى هالقـلـب حـانـت رحمـتـه
إللي كتب في سيرتـه عشريـن جـرح بـلا ذنـوب
مـتـورطـٍ فــي هالـذنـوب الـلـي جنـاهـا برغبـتـه

عبدالله البطاشي


ـــــــــــــــ

لو زان ..

لو زان لـــك بعض الحــكي مكثر الهرج
إلــلــي يسـبــب لـلـمــحـبــيــن إحــــراج
لا تـحسب أقدامي على مسابـــقك عــرج
وإني رضيت الصمت واغضيت ما راج
أنــا امــتطيـلك مـهرةٍ ما لـها ســرج
وأرفــع بــراس الــحق من فــوق الابراج
صحيح غطى الثلج لي سفوحي المــرج
لــكــن مـــرد الــثلــج يتـساقــط ادراج
مـا هــي عواقب خير لــو تكنــز الــخرج
شرٍ كــســبــته زال لـــو يمـلـي ادراج
الصبـر في قولك تــرى يغلق الـفرج
لا صار بعــض الصــبر ما فيـه إفـــراج
أقفيـت انا وماني عـلى مصافحك بــرج
لا صارت عيوب المــخالــيق مـــخراج
امــا تـتوب الــيــوم أو تــكسر الــهـرح
وإلا ســوانا فـــيـك لــلــــناس تـــنراج

عبدالله العمري


ـــــــــــــــ

فرقا حبايب

امتلى خدّي دموعٍ سيلها غرّق مكاني
وارتفع منسوب مدّه لين صافح راحتيني
لين أظلم نجم حظي وانطفى بدر الأماني
وانقطع حبل التواصل فجأةٍ قدّام عيني
وارتدى صبحي حزنْ منْ بَعْد أثواب التّهاني
كنّ صبحي جا يعزّي ما بقى لي من سنيني
ليه ترحل؟..وانت شمسٍ نورها عطّر زماني
ليه تبعد؟..وانت فجرٍ يفرح بْشوفه حنيني
كيف بنْسى نار شوقي والصبر أصبح أناني
وْصورتك تختال ذكرى وسط فكري؟ علّميني
من يفسّر نبض قلبي لحن صاخب بالمعاني؟
من يلاقي روح ذابت عند بابك؟ خبريني
سهل جداً بعد إذنك أنزع اسْمك من لساني
وْصعب جداً بعد حبك أنتظر حبٍ يجيني
كانها فترة زعل..ما همّني طول الثّواني
ازعلي ثمّ ازْعلي ثمّ ازْعلي ثمْ كلّميني
وْكانها فرقا نويتي..بكتفي بْهذا التـّفاني
واترك وْرود المحبه تحترق بينك وبيني

محمد باعلوي


 

 

أعلى




للصورة بعدان
"تباعدت يا صولي..."

... و"صولي" هذا يا قراء يا كرام، ولا يحلى الكلام إلا بذكر النبي عليه الصلاة والسلام مكان في محافظة ظفار يقع، "قُرْب حمران بشوية". "خلونا" نكمل بقية الأغنية عشان نكون في الصورة. "تعبت ما معي قدرة من السيرة والجيه/ عيني عين الموتر رجلي رجل مطيه/ وعدتك لجيتك أقسم لك الهديه/ لعمامي وصهوري كل واحد جنبيه" وإلى عند "الجنبيه" ينتهي كلام الشاعر العماني الأثير إلى نفسي جمعان ديوان رحمة الله عليه. أما "وشعارنا سيفين والخنجر عمانية" فهذه لشاعر آخر وتذكرت المقطع بسبب "الجنبيه".
ليس مفتتحي السابق للكلام عن "الجنابي أو الخناجر"، وليس قصدي بتكملة الأبيات السابقة وصف المكان العماني، أو ما كان يتكبده الشاعر أو المحبوب من مكابدات لكي يصل إلى محبوبته، كي يغازلها أو يرضيها أو يكسب ود أهلها. الهدف المباشر هي اللهجات العمانية الجميلة، وبلاغتها الشعرية ومقدار توظيفها في النص الأدبي، الذي لا يخلو منه أي سرد أدبي في عُمان... وكم تبدو عماننا جميلة بثراء لهجاتها الفاحشة.
مجرد التفكير في توظيف اللهجات العمانية المتنوعة التي ينطقها العماني القادم من المحافظات مسقط وظفار ومسندم والبريمي، أو المناطق الباطنة والظاهرة والداخلية والشرقية والوسطى، هي خطوة أولى باتجاه الواقعية في نبض العمل الأدبي. حيث يمكن أن يتراءى المكان بكل تفاصيله وحيواته المختلفة، ومجرد أن أشاهد التنوع البشري في لهجة المسقطي والصوري والزنجباري والظفاري والبلوشي ، أدرك مدى المكسب الثقافي الذي سوف يضاف لذاكرتي، من مخزون الكلمات والأطعمة والألبسة ومفردات الموسيقى والصوت. ومن منطلق تقديرنا أن التراث هو الأسبق وجودا ، كم تبدو درامانا العمانية فقيرة إلى هذا التوظيف الحيوي، ومهما تشدقت المنابر الرسمية بغير ذلك، يظل التشدق قاصرا، لنتائج الضعف المتصاعد في أشكال الدراما المختلفة.
يظل النص الأدبي بمنأى عن هذا التوصيف السابق. بمعنى قلة التشدق. فالنص حين يُكتب ويُطبع ويباع ويوزع، يطلّع عليه القراء في أماكن عديدة من العالم، وقد يُترجم العمل إلى أكثر من لغة حية. لكن العمل الدرامي الذي لا يُحقق نسبة عالية من المشاهدة، لاسيما، إذا بان الضعف في الخمس الحلقات الأولى من العمل، لا أحد يحرص على امتلاكه، فكيف بالله عليكم بترجمته! إنه العجب العجاب!!
قد يدخل توظيف اللهجات العمانية المتنوعة والشديدة الثراء في باب توظيف التراث. وهذا جانب لا غبار عليه، وبمقدار ما تكشفه اللهجة من جماليات بلاغية، يوازيه مقدار يمنح القارىء التعرّف على أبعاد الشخصيّة ومكانها الذي قدمت منه. ولا بد من تسجيل ملاحظتين شخصيتين ونقديتين، الأولى: أنا لست بحال من الأحوال مع توظيف اللهجة الغارقة في الخصوصية في النصّ الأدبي، أو الدراما بشكل عام. تظل اللغة المحكية الوسط ما بين اللهجة والفصحى أكثر موضوعية. أما توظيف اللغة الفصحى فهو الأقرب إلى السلامة، ومهما أكدنا على ما يسكن اللهجات من مخزون بلاغي ثري، تظل اللهجة قاصرة، وغير عالمية. أما الفصحى ففيها تسقط الفوارق اللهجية العميقة، كما أنها قادرة على تجاوز الذاتي إلى الإنساني الشامل. أما الثانية: فهي انزعاجي المتواصل من أنني كلما حاولت تحليل النص الأدبي العماني في كل مقال أكتبه في عمودي هذا، أجدني محصورة بين الرواية والقصة القصيرة، ـ أما النصّ المسرحي الذي يُفترض أنني كاتبته ـ النصّ المسرحيِّ الملغوم والذي يلامس طموحي ويرضي غروري، ويضيف لثقافتي، وينقلني عالم تشكيله الداخلي، وأرواح شخصياته تلازمني وتوترني، بحيث تدفعني إلى تقبيل النصّ وتعظيم السلام لها، فلا أجده في عمان ـ مع تقديري للجميع ـ.
في القصة القصيرة العمانية تشدني عوالم القاص سالم آل تُويِّة بشدة، وفي مجموعته الأخيرة، والتي تُعدّ قديمة جدا بالنسبة لي (حَدّ الشّوفْ) هناك نصوصا قصصية حينما أقرأها بين استراحة وأخرى في هذه المجموعة، بحثا عما يمكنه أن يمتعني ويثري ثقافتي، لا أتردد من تكرار وصفي لها "بالطراوة والطلاوة" حيث تتجاور في المجموعة اللهجات المختلفة العمانية والأورودية، مع أنّ زمن كتابتها كان في بلاد غربية مختلفة!. وتبدو هذه لصيقة بالمبدع العماني، أنه أينما يَمم قحف رأسه شطر العالم يجد متعته ربما أو يستصعب الكتابة عن المكان الجديد، وهي لصيقة لها مضارها أكثر مما قد نتخيل من إيجابياتها المُشاعة.
وفي هذه المجموعة التي بُنيت بحيلة سردية ذكية أقرب إلى النفس الروائي هناك عنوان داكن يقول "حزمة مصباح ترتعش وتتباعد في حلكة" وتحت هذا العنوان هناك عوالم وقصصا جميلة جدا، بعضها يجعل اللهجات العمانية إلى جوار اللغة الفصحى تقطر شعرا وتفيض بأنفاس شعبية موغلة في ذاكرة المكان العماني. وبعضها الآخر يتجرأ "بفحش جمالي" يطرق مشكلة النفاق الاجتماعي والتكوين القبليِّ والورع الديني الخاطىء. باختصار هل يكشف هذا التوظيف عن شيء من قضايا الأصالة والمعاصرة التي أتخمت عقولنا؟ وكثيرة هي الدعوات التي تنادي إلى هذا التأصيل. ورويدا رويدا ينكشف مدى الإشكال الاجتماعي والثقافي والمأزق الحداثي الذي تعيشه هذه الدعوات.
حين أنتهي من قراءة نصوص مجموعة (حَدّ الشّوفْ) أجدها نصوصا تعانق الواقع المباشر وتقترب من ميدان التاريخ إضافة إلى مزجها لهذا التاريخ بالوهمي والخرافي، أشعر بأنني في قلب العالم، وأن العالم كله أسرتي.. ومهما "تباعدت يا صولي قُرب حمران بشويه" تظل مكانًا مليئا بالقصص الجميلة وبالتاريخ والميثولوجيا.

أعلى


 

ليل وجنادب وماسيجات


سرعان ما ستصبح الرسائل النصية فناً من الفنون، عندما تلتقط وترصد وتسجل في سجلات الوعي والكتابة. قد تتسلط بشكلها الشذري على فنّ من الفنون الأدبية كالخاطرة، وقد تشكل مرجعية ببليوغرافية أو كرونولوجية لكاتب ما أو لحدث من الأحداث، من خلال رصانتها الفنية أو عبر انخلاعها وتملصها من أشكال فنية أخرى أو عبر احتضانها وتمسحها بفنون أخرى في السرد والشعر أو عبر مختاراتها وانتقائياتها المفضلة...



قبل أن ندخل في الخضم الإلكترونيّ المتسارع، كان للقصاصة والرقعة والرسالة الورقية أهميتها وحاجتها الماسّة وضرورتها الاستثنائية في التواصل والتعبير عن الذات. وكان على الشخص أن يتكبّد عبئاً ما، من قبيل توفر القلم والورقة، فضلاً عن إلحاحية الموضوع الذي سيتم تسطيره في تلك الورقة. لكنّ ضغطة الزر السريعة الآن لا تفتح لك طاقات تفريغ انفعالك المباشر فحسب، بل وأيضاً تسرّع معك ردم الهوّة التي يشكلها الزمن أو المسافة... إنّك تحظى الآن بسرعة ضوئية، فاقتنص الضوء حتّى وإن كنتَ لا تعني ما تقول، أو تهرف ولا تعرف، أو تنسى ولا تتناسى، أو كنت في رمق القصّة الأخير...



ستعود من ذي قبل، وأنت غائب عن شقتك وقد زارك صديق، لتجد قصاصة معلقة على الباب أو مدسوسة تحته، يبلغك فيها عن شوق أو انزعاج أو أمر أو زيارة أخرى أو عتاب ما أو ربما شتيمة... وعندما سيتفتق سؤال أو تنتأ رغبة في الحوار مع شخص ما، قد يخرج كتاب أو تولد قصيدة أو تتخلق رسالة مسهبة لها أسبابها ودوافعها، ولها مدعاة جوّانية خلاقة، ولها مبرراتها ودواعيها التي تنهب دواخلك وتحرضك على البوح والقول والمكاشفة...
الآن، وفي العالم الإلكتروني المحتشد والمتضخم، أصبح من الاستسهال أن تفرغ جام غضبك على صديق، برسالة من هاتفك النقال، حتى ولو كنتَ موجوداً على قمة جبل، وكان صديقك غاطاً في عزّ النوم، أو منشغلاً في انهماكه الشخصيّ جداً...
ستفرغ ليس غضبك فحسب، بل نشوتك ومتعتك وابتهاجك أيضاً، لا فرق إن كان سبب ذلك أنه قد لفحتك نسمة عابرة، أو صعدت بك قطرة ماء أو خمر، أو لحست قدمك موجة، أو فلعت رأسك حصاة عابرة، وفي أحايين دون أدنى سبب يتعلق بالشخص الذي سترسل إليه رسالتك النصيّة...



إن كان الأمر ذا بال، أو كان بالغ السخافة والتفاهة، فإنك تستطيع برسالتك النصيّة تلك أن تتقاسم موضوعها أو تزعج بموضوعها أو تتسلى وتداعب به عدداً كبيراً من الأصدقاء، تعنيهم أو لا تعنيهم كلمات رسالتك من بعيد أو قريب، وذلك عندما ستضغط على مجموعة انتقائية من أسماء المدرجين في هاتفك وأرقام هواتفهم وتدفع بها إليهم جميعاً. وكأنما تذكّرهم بما كان يفعله العسكر والجنود المكلفون بقرع الطبول وقراءة الفرمانات والقرارات، في دروب الأحياء ومسالك المدينة في الولاية أو المملكة أو الإمبراطورية، بادئين أو منتهين بالعبارة الشهيرة "الحاضر يسمع الغائب"...



قد لا يخلو الأمر من طرافة أحياناً، ومن إرضاء للغرور والفضول أحياناً أخرى. وقد لا تخلو تلك الماسيجات من دعابات مقبولة أو من نبأ يأتيك به نبّاش أخبار أو من معرفة بما حدث ذات لحظة ومكان، وقد لا تكون المعنيّ أولاً وأخيراً بما تقوله الكلمات الإلكترونية المرسلة، لكنه قدرك الذي لا بدّ أن تتقبّله عن عفو خاطر، فذلك صداع من صداعات الأصدقاء أو تفريغ وتنفيس وانبساط لجأ إليه أحدهم في فورة من فوراته أو في كشف من كشوفاته الذهبية أو في تجل من التجليات الكارثية العجيبة... وفي تلك اللحظة من اللحظات التي يُقرع فيها جرس هاتفك لا يفيدك أن تصرخ في قلب الليل :"وما شأني أنا"، أو أن تردّ على الحماقة بحماقة أشدّ، أو أن تتفرّغ لذلك المرء في اليوم التالي لتقول له أن يكفّ أو ينشغل بشيء آخر أو أن يذهب بماسيجاته إلى الجحيم أو المسلخ البلديّ...



الماسيج التالي، وهو ماسيج عموميّ غير موجّه إلى شخص بعينه، يكشف عن هذا الاحتقان وتلك النكسة التي أصابت صاحبه في التواصل والتعامل مع "الشعراء" أو مع شاعر واحد ما، ثمّ انخرط في التعميم. ويبدو من خلال كلمات الماسيج، أن صاحبه سيوجه صداقاته المقبلة نحو المجانين أو البحّاثة أو الرحّالة أو المسرحيين أو السينمائيين، وذلك حقّ مشروع على أيّة حال، بحكم حرية الاختيار وحرية الذوق والبلع والهضم. يقول الماسيج:"من اليوم أعلن قطع علاقتي، أو تحجيمها لحد اللزوميات الاجتماعية القسرية، بكل شخص يدعي أنه شاعر. ولا أستثني في عمان مبدئياً (إلا إذا ثبت العكس لاحقاً) أحداً سوى (فلان الفلاني)، آخر سلالة موسوعيي المعرفة الأجلاء. لن يبقى من علاقتي بالشعراء سوى كونهم بشراً من الناحية البيولوجيّة. وعدا ذلك فلا علاقة لي بعوالمهم الشعرية. قرفت من الغطرسة والتبجح والجهل والمحدودية والوقاحة والسفسطة والنصوص الركيكة، الخ.."!..



شخصياً، لا أميل إلى ماسيجات الأفكار الكبرى، التي تنطلق من حسم كهذا الذي ذكرته الرسالة النصية السابقة. إنّ هناك مرافئ حميمة، أكثر انفتاحاً على الشفيف والعاري، على التعالي المرح والعزلة الرحيمة، على العبث الذي يتهددنا وعلى الموت الذي نتهدّده، على السخرية ببلاغة ووقاحة طفوليين...
ربّما كانت الماسيجات التالية توضيحاً لما أعنيه. إنّ الماسيجات المنقولة هنا بعشوائية، تلك التي حظيتُ بها من أصدقاء، عبر فترات زمنية متباعدة، تنحو إلى تخفيف وطأة اليوم الضاغط، وتمهد لتواصل أشفّ وأكثر نبلاً. وحتى تلك التي تثير أسئلة في التعب والسأم والوجود فإنها مكتوبة أو منقولة بلذاذة وحماس، لذلك تدخلك في عدواها أو في فضائها الآليّ اللاعب... كما أنّ تجاورها ورصفها جنباً إلى جنب يغذيها بوحدة موضوعية، ويشدّ إزرها إلى بعضها البعض وكأنها سجّادة فارسية واحدة محكمة النسج...



"يكتبون مقاطع موسيقية لجرس الدراجات ـ خوان كارلوس مسنتري"/ "تعال نغني"/ "متى سيتسنى لي أن أسمي الذبابة:مدام!"/ "لو كانت الأرض مربعة لوجدنا نحن الأطفال زوايا نختبيء فيها"/ "فراشتان تتراقصان بين طوابير الإشارات الضوئية. إشارتان صغيرتان لمن يتبع الإشارات"/ "الأعزب يموت ميتة الكلاب، أما المتزوج فيعيش عيشتها"/ "أريد خبزاً وحناناً"/ "أبكاني مشهد "فنسنت" على سرير الوداع الأخير، اللحظة التي تموت فيها اليد المدخّنة، اليد الفنانة المرهفة والقاسية أيضاً، بل والقاتلة. غلايين خشبية وأعمدة أسطوانية. لحظة تبغ أخيرة على سرير الوداع"/ "السجن هو اليوم عاصمة الثقافة العربية- إلياس خوري"/ "أنا متضايق (قليلاً) أنه في سن الرابعة والثلاثين لا يزال المرء يصفي أموره بالذراع كما لو أن عمره أربعة وعشرون. عدا ذلك فما يقلل من الضيق أنني بعد اندفاعة هرمون الغضب فإنني سرعان ما تمكنت من التحكم فيها وعدت للهدوء، آملاً أن تكون هذه آخر الحروب"/ "الجذع لا يدرك أفكار الورقة- اينزنسبرغر"/ "ما عندي رقم الشوك، عندي رقم الوردة"/ "كنت أتفهم سارتر، أما البارحة فقد أغضبني حقاً، إنه لا يؤمن بقدرة الشعر على إقامة علاقة"/"هل عندكم مكنسة كهربائية؟"/ "لا يبدو أنك ذهبت للقاهرة ولكن لعلك تعاني ظروفاً قاهرة!"/ "أينك؟ أنت في الأرض عادك أو بلغت القمر؟"/ "صدف الطبيب عن الطعام وقال مأكله يضرّ، كُلْ يا طبيب فلا نجاة من الردى فلمن تكرّ- المعرّي"/ "اللعنة. هذه بلدة فسيحة، مكان الكتابة فيها ضيّق"/ "سأضع الكتب تحت باب بيتك"/ "لعلها أجمل الميتات أن لا تختنق بهواء الموتى، ولكن ما "قميص بينيلوب"؟"/ "لم تجد (البنت) وظيفة بعد، لذلك تفكر في التقاعد وكتابة مذكراتها"/ "لا تلمس طعامي!"/ "كيف تقضي السويعات. أليس النهار طويلا"/ "أنتم الناس أيها الشعراء. كل عام والقصيدة أجمل"/ "لأنه لا توجد مناسبة. لأن المناسبات لا تخصنا. لأنّ الرضاب مناسِبة طوال الوقت. لأن الوقت لا ينتظر. أنت مدعوّ حالا"/ "لكأنّ حيواتنا بقايا شيطنة مجوسية. أليس كذلك يا موت؟"/ "الشعر حياة الوحوش"/ "أشد الحروب ضراوة تلك التي تحارب فيها لأجل أن نكون أنفسنا- ميلر. تصبح أنت"/ "بينما كنا بلا معنى كنا أكثر خفة وبلاغة"/ "كل شيء مهدود ومكدود ويكاد ينطفئ حتى الروح"/ "نداء البراري"/ "ابحث لي في جوجل عن القائل: نكست لها رأسي حياء من المجد"/ "يزيغونني عن سالم وأزيغه، وجفنة بين العين والأنف سالمُ"/ "لا ذكرت الزمان اللي مضى والصداقة، عوّد القـلب يرجف مثل رجف المكينة"/ " نحن لا نتقبل الواقعي بمثل هذا اليسر إلا لأننا نحسب-في قرارة أنفسنا- أن الواقع غير موجود، بورخيس"/"وفاة الحاج مدبولي"/ "عيد سعيد، من كافيه غابة النسيان"/ "رويدك لم تبلغ من الدهر لذة، إذا لم تعش عيش الغبي المذمّم"/ "راحوا اللي حبوا راحوا، والعاشق لمّ جراحو"/ "وفاة هارولد بنتر"/ "من تبقى إذن على الأرض؟ إلا الهررة؟"/ "رووا عن أبي الصلع السندي قال: إن شِعري لأعجب، وذلك أنني هجوت ناساً ثمّ هجوت نفسي بأشدّ مما هجوتهم، وذلك في قولي: لا ترى بيت هجاء أبداً يُسمع مني، الهجا أرفع ممن قدره يصغر عني"/ "لا يمكن للمرء في هذه الحياة أن يكون منسجماً بصورة مطلقة مع أفكاره إلا إذا امتلك استعدادات شهيد- ماريا فارجاس يوسا"/ "لأنني أتطوح في الهواء كطائرة ورقية، أحبكم كثيراً"/ "روحي بندول، جسدي ميناء حنين، تك تك لكل الجهات، تك تك لكل النوارس، تك"/ "عصير برتقال أحمر بسرعة"/ "ماهي الطريقة المثلى لترميم قصيدة فسدت ليلة البارحة؟"/ "وفاة مايكل جاكسون بتوقف مفاجيء في القلب"/ "يخفي الزجاجة لونها فكأنها، في الكفّ قائمة بغير إناء- البحتري"/ "كيف عشت طفولتك، اختر 1 من 10"/ "كورتاثار: المنفى كان أفضل وسيلة لضمان الوفاء للوطن"/ "أنتظركما في المحطة. وجدت مكاني ودخلت القطار"...


* صالح العامري
* شاعر عماني

 

أعلى


 


الآثار العمانية فن وحضارة

(إن الرغبة في بناء دولة عصرية تأخذ بأحدث أساليب العلم والتقنية لم تجعل هذا البلد الأصيل يتنكر لتراثه العريق وأمجاده التليدة، بل سعى دائماً إلى مزج الحداثة بالأصالة . ففي الوقت الذي أقام فيه المنشآت الحديثة في مختلف مجالات الحياة أولى اهتماماً كبيراً للمحافظة على تراثه المعماري بترميم القلاع والحصون والبيوت الأثرية . كما عمل على إحياء موروثه العلمي والثقافي من خلال جمع المخطوطات ونشر الكتب الدينية واللغوية التي أسهم بها علماء عمان وأدباؤها في حركة الثقافة العربية على امتداد العصور) من خطاب صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ـ بمناسبة العيد الوطني الثالث والعشرين المجيد 1993م .
من هذا الفكر الحكيم نقف بزهو وفخر على آثار بلدنا العظيمة لنستنير بحكمة القائد في المحافظة على إرث حضارتنا العمانية فالإيمان بضرورة المحافظة على ثروة هذا الوطن التاريخية وحمايتها من كل ما من شأنه أن يتلفها أو يبعدها عن نظر الأجيال القادمة ، لحري بنا أن نقف جميعاً صفاً واحداً لنحمي هذا الفن الأثري العظيم لهذه الأمة . فإن لعمان آثاراً غنية لها وزنها بين آثار العالم ولها قيمتها في نظر التاريخ العام.
ومن عادة الإنسان أن يتوجه بإحساسه نحو ما حفلت به الطبيعة من جمال ، وما خلقه الذكاء الإنساني من نتاج قريحته وفنه. حيث نرى هذا الأمر جلياً في بلدنا عند إقبال السياح على اختلاف أجناسهم على الأماكن الأثرية في مختلف مناطق وولايات السلطنة . ونجد الاهتمام والعناية من لدن قائد هذا البلد واضحاً وملموساً في التوجيه نحو الاعتناء والتنظيم لهذا المرتكز الحيوي ورفع منار ثقافة هذا البلد من خلاله ونشر معالم حضارته إلى مكانة عليا بين الأمم ، فعندما يزور السائح المتاحف الوطنية ويتأمل كنوز آثارها الكثيرة التي تم تنظيمها والاعتناء بها ، يشعر بالاحترام والإعجاب لمجد وثقافة ومنزلة هذا الوطن في عالم الفكر والحضارة.
ونستطيع القول أيضاً إن الأجيال العمانية المتعاقبة إذا دخل الواحد منهم إلى المتاحف أو زار الشواهد الأثرية المصونة المنتشرة في ربوع هذا الوطن ، وهو لا يعرف عن تاريخ أمته وأمجاده شيئاً ، خرج منها وهو مليء الصدر كبير القلب بعظمتها رافع الرأس بتاريخها المجيد . فهو ليس بحاجة إلى أن يدرس المجلدات الضخمة للاطلاع على تاريخ بلاده وعنده أمثال هذه المتاحف المشتملة على أصناف الآثار ذات الفن الجميل ، والتراث المعماري الفاخر كالقلاع والحصون والبيوت الأثرية وغيرها المنتشرة في كل بقعة ، هذه الأمجاد الزاخرة الناطقة بكل لسان المعبرة عن أدق المشاعر والآمال زيارة واحدة لها تُعرف ببلاغة إلى مواضع العز والسؤدد لتاريخ هذا الوطن العظيم . ومما لا جدال فيه أن هذه الناحية هي من أهم النواحي التي علينا الأخذ بها لنتمكن من الإطلاع على تراثنا وغرسه في نفوس ناشئتنا فتنطبع فيهم محبة الوطن وجمال تاريخه وعظمته .
إن عناية صاحب الجلالة بآثار هذا الوطن لينبع من فكر عميق في إحياء الآثار وإقامة المتاحف وتشجيع الفنون والآداب في عمان إيماناً منه بأنه مورد ثروة لا ينضب ، لأن الفنون لغة عالمية ، ويتبين للجميع اهتمام الأمم والشعوب بآثارها وتراثها وفنها لأنها في نظرهم ونظر كل عاقل مدرسة كبيرة نتعرف من خلالها إلى طباع البشر وأمزجتهم ونوع حضارتهم وأسلوب تفكيرهم فهم بذلك يتتبعون سلسلة التاريخ ويدركون ثقافة الأمم عن كثب . لأن المطلع على حقائق الأمور يعلم أن الطبيعة وحدها لا تكفي الرجل المثقف الحكيم . فهو يريد أن يرى جمال الطبيعة مقروناً بجهد الإنسان المتصل بها ، فحنكة جلالته في إدارة هذا الوطن لم تغفل لنا هذا الجانب الأثري الهام فأولى لهذه الثروة الوطنية التقدير اللازم والغاية التي تستحق ورفع بها رأسنا شرفاً وعزاً بين الأمم .

عبدالكريم الميمني
فنان تشكيلي

 

أعلى

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept