الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 







مبتدأ


تفيض القريحة بحب الوطن والقائد في هذه الأيام النوفمبرية الخالدة، وليس كالشعراء تنساب الكلمات عذوبة بين ثناياهم وهم يتغنون بحب الوطن، وبأمجاده ومنجزات نهضته المباركة التي تملأ البلاد من اقصاها الى اقصاها، وفي صفحة الأدب الشعبي لهذا العدد يخصص الزميل فيصل العلوي الصفحة لبعض القصائد التي تفيض حباً وولاء لعمان وقائدها.
في ضفاف آخر من "أشرعة" يقف الزميل سالم الرحبي مع الباحث حسين المشهور الذي قدم باكورة إصداراته بعنوان "تاريخ ظفار التجاري" منتقياً الفترة من 1800 وحتى 1950 محوراً لسرد الكثير من التفاصيل، مستعيناً بذاكرة كبار السن وباحثاً ومنقباً في العديد من المصادر، حيث يظهر جلياً الجهد الذي بذله الباحث في الحصول على الوثائق واستقراء المعلومات من مصادر متعددة.
ويرى الباحث ان اختياره لفترة من 1800 وحتى 1950 ينبع من أهمية تلك الفترة ولإهمال العديد من المؤرخين لها، محاولاً بذلك الاقتراب من تفاصيل المشهد الظفاري في تلك الفترة.
"أشرعة" يقف معه ويحاوره حول هذا الكتاب ويبحث في تفاصيل وأهم المحطات التي تعرض لها، والصعوبات التي واجهها في جمع مادته.
الناقد سعيد الوهيبي يقف على تجربة الدكتورة فخرية اليحيائية في معرضها "انعكاس" الذي احتضنه بيت مزنة مؤخراً، والذي قدمت فيه تجربة جديدة يسبر الوهيبي أغوارها، ويحاول تسليط الضوء على ثيماتها ومحاورها.
احمد النوفلي ينفض الغبار عن مثنى وثلاث ورباع، في وصف لرحلة بين بعض الجزر في شرق افريقيا، حيث المكان يتنفس ذكريات مضت، لا يزال القلب يخفق لها، سواء من قاطني تلك الجزر او ممن ذهبوا عنها.. يفيض مقال النوفلي بالحنين ويستحضر ذاكرة غابت واقعاً وحضرت وجدانياً.
وليد السيد يقف هذه المرة على مفردات قرآنية تناولت العمارة، من خلال محطات يفصلها ويمحورها بطريقة تتبعية للمفردات العمرانية في النص القرآني، فيما يستكمل باقي حديثه الاسبوع القادم.
"أشرعة" يقدم أيضا مجموعة من المقالات لصالح العامري وآمنة الربيع وعبدالكيم الميمني.. اضافة الى جملة من المواضيع الاخرى.
المحرر



أعلى





بدعوة من "راديكال جاليري" في سويسرا و"مودرن آرت جاليري" في إيطاليا
فنانو الدائرة يستعيدون ذاكرة الأمكنة بحكاياهم في "كان يا ما كان"

كتب ـ إيهاب مباشر:
بدعوة من "راديكال جاليري" في سويسرا، و"مودرن آرت جاليري" في إيطاليا، يقيم الفنان التشكيلي حسن مير بصحبة مجموعة من فناني (الدائرة) وهم الفنانة التشكيلية العمانية بدور الريامي والفنان التشكيلي البحريني أنس الشيخ والفنان اللبناني كميل زكريا والتشكيلية السعودية منال الضوياني، معرض "كان يا ما كان" في يناير القادم، الذي يضم أعمالا تشكيلية وصورا فوتوغرافية، تستعيد ذاكرة الأمكنة بالحكايات القديمة، التي ما زالت عالقة على جدران الذاكرة، وجدران الأمكنة التي غذتها بتفاصيلها التي أبت أن تمحى.
يقول الفنان التشكيلي حسن مير: فكرة المعرض جاءت من حوالي سنة والمجموعة التي تشارك في المعرض هي مجموعة متوائمة، ودائما ما تشارك في معارض وجاليريات مهمة، وهم فنانو معرض (الدائرة) الذي لاقى نجاحا كبيرا على كل المستويات، لما كان يقدمه من أفكار وأطروحات جديدة في الفيديو والتشكيل والفوتوغراف المفاهيمي، بلوحات وأفلام قصيرة وصور فوتوغرافية. ويضيف حسن مير: وبعد أن طرحت الفكرة على بيت مزنة، أعجبتهم بشكل كبير وقرروا المشاركة.
ويقول: فكرة المعرض قائمة على كل ما له علاقة بالحكايات القديمة، وأتناول حكايات البيت القديم بعرض فيديو وصور فوتوغرافية كثيرة، تصور الحياة القديمة التي كانت تعيشها العائلة، راصدا التحول والتغير الذي لحق بالأمكنة والناس خلال الفترة الماضية.
ويقول: وتشترك الفنان التشكيلية بدور الريامي بحكايات حواري مطرح القديمة التي كانت تعج بالحياة قديما والآن أصبحت مهجورة، فتوضح الفارق الكبير بين الحالتين في الماضي والحاضر، أما الفنان البحريني أنس الشيخ فيتناول عرض فيديو عن مسقط بالإضافة إلى مجموعته الفوتوغرافية (ذاكرة الذكرى) والتي تتناول ذكرياته الشخصية وذكريات أسرته والتغيرات التي طرأت على البحرين، وتتناول الفنانة السعودية منال الضوياني حكايات المرأة السعودية.



أعلى






قرءات في مهرجان المسرح العماني الثالث (2ـ3)
"المعلقون".. إبهار السينوغرافيا ورتابة الأداء

السعي نحو تقديم تجارب مسرحية تبحث عن الجديد وتكسر المألوف، هو هدف الكثير من العروض المسرحية التي تبحث عن التغيير في التجارب المسرحية المقدمة، وربما هذا ما سعى اليه المخرج يوسف البلوشي عند اختياره لنص مسرحية (المعلقون) وهي من تأليف الكاتب السعودي عباس الحايك. ولقد احترم المخرج النص، وحاول أن يترجمه، حيث ظهر الممثلون وهم معلقون، لا يعرفون مصيرهم بالتحديد، فالشخصيات الأربع تنتحب وتئن وتحاول الوصول إلى مقصدها ولكنها تبدو عاجزة!.. فهي أسيرة السلالم المعلقة، كما أنهم ينتظرون مصيرهم السوداوي، لذا تعيش هذه الشخصيات حالة من الذعر والخوف الذي ظل يتابعهم، كما في المقطع التالي: (لم هذا القنوط؟.. لقد واجهنا ظروفا قاسية في رحلتنا).." النص، ص 5".
وهكذا تظل شخصيات العرض تعيش هوس الملاحقات والخوف وعواء الذئاب وتقلبات الطبيعة التي لا تنتهي، حيث الغابة والأمطار والحيوانات المفترسة، فالجميع يفتقدون الأمان والاطمئنان ويعيشون في صراع مع ذاتهم ويخوضون في صراع ملحمة البقاء للأقوى.. وقد عكس الكاتب ذلك على واقعنا المعاصر، حيث يعيش العالم موجة محمومة من العنف اللامتناهي، مما يجعلنا مسيرين أكثر منا مخيرين.. جميع ذلك ساعد المخرج في تصوير أبعاده الضمنية التي تتمثل من خلال نضال شخصيات العرض من أجل البقاء.. كما جاء في المقطع التالي: (يعني إما السقوط في الوادي أو الموت بين أنياب الذئاب؟) "النص، ص 1". وفي مقطع آخر: (كأنك أيقظت الذئاب من غفوتها... مضى وقت طويل وهي تترصدنا.. ولم تيأس بعد.. حتى محاولتها قطع الحبال علينا لم تفلح وما زالت مصرة على البقاء) "النص، ص 12".
لذا فإن الممثلين في هذا العرض أقرب إلى المعذبين منهم إلى المعلقين كما جاء في المعنى الظاهر للعرض... فهم في حقيقة الأمر يعانون من متاعب الحياة التي هي أقرب إلى رحلة الإنسان كما هو الحال في أسطورة (سيزيف) المتشربة بالتيار الوجودي، لذا ظهرت الشخصيات تحاصرها إحباطات الحياة المتوالية التي تبدو مثقلة بالكثير من القيود والآلام والصراخ، لذا نرى الممثلين يكابدون الحياة بمرارتها: (أي جرم اقترفناه لنحصد الألم والخوف؟... ليطاردنا الموت كما تطاردنا الذئاب.. أي أب قاس أنت يا أبي لتتركنا في محنتنا.. ألا تشعر بنا كم نعاني الآن) "النص، ص 14".
بالرغم من حرفية النص الظاهرة على العرض، إلا ان هناك اجتهادات ملحوظة على مستوى "السينوغرافيا"، التي شكل مفرداتها يوسف البلوشي، حيث الغابة ومعاناة الشخصيات المتأرجحة بين واقعية الحدث وصراعها ضد المجهول المنتظر! ... بينما الشخصيات تعيش معاناة مع ذاتها ثم نراها تستكمل الحوار السردي ليتحول إلى معاناة خارجية... لنجد الشخصيات تنتقل بين السلالم المعلقة من زاوية لأخرى، مما يشعرنا بالضياع وسوداوية مصير الشخصيات المعلقة فوق أحراش الغابة وأنياب الذئاب المفترسة. اشتغل المخرج على "السينوغرافيا" بغية إظهار جمالية الخشبة والممثلين، حيث لعبت الإضاءة دورا في إعطاء العرض جمالية مسرحية تبرز التناقضات التي سادت عليها، من خلال تسليط الإضاءة تدريجيا للانتقال من الظلام إلى النور، كما جاءت الأزياء لتكمل بقية العناصر، وتؤكد مأساوية واقع الشخصيات المعلقة في الفضاء المسرحي.
بالنسبة للأداء التمثيلي، فبرغم أن العرض يخضع لثالوث الدراما الأساسي: الممثل والخشبة والجمهور؛ إلا أن ضعف تقنيات المسرح، جعل الممثل غير قادر على التعبير بالشكل الصحيح، حيث كان صوت الممثلين غير واضح ... كما أن جسد الممثل ظل صامدا وجامدا لفترات طويلة لا نسمع سوى الحوارات السردية، مما جعل إيقاع العمل يهبط ويسير على وتيرة واحدة.
العرض من بطولة كل من الفنان مشعل العويسي وعلي الهنائي وغسان الرواحي وصابرين اللواتي .. صمم الديكور حبيب البلوشي والموسيقى والمؤثرات الصوتية حمد الزدجالي والسينوجرافيا والإخراج يوسف البلوشي، والذي فاز بجائزة أفضل سينوجرافيا خلال فعاليات مهرجان المسرح العماني الثالث.
الجدير بالذكر ان فرقة مسرح مزون من الفرق الأهلية تأسست عام 1991م، وقدمت العديد من الأعمال المسرحية خلال مسيرتها الفنية. ومن أهم أعمالها (من السبب؟) ومسرحية (الأستاذ شعبان وصل) ومسرحية (دعوة على الهواء) ومسرحية (مأساة الملك أوديب) ومسرحية (قرية بين أنياب الشيطان) ومسرحية (وجوه أخرى) ومسرحية (رثاء الفجر) 2006م. كما أن للفرقة اهتمامات بارزة أيضا في مجال مسرح الطفل العماني مثل مسرحية (القرد صديقي) ومسرحية (الكشرة).

* عزة القصابي
* ناقدة مسرحية


أعلى








حسنا !

تجلس على مقعد مقابل لبحيرة مصطنعة رص ترابها بالاسمنت؛ لتظل محتفظة بالمياه. وهو يمشي اليها بشيء من التوتر تدور في رأسه ألف فكرة عما تريد قوله. يتذكر حديثهما البارحة في الهاتف: "صديقتي .. أريد أن أطلعك على أمر..". قالت بثقة: "السادسة صباحا عند البحيرة..". لابد أنها تريد أن تخبرني بشيء خاص، وإلا لما اختارت أن نلتقي. دقات قلبه تتسارع. وهو يقف خلفها، يسأل نفسه عن التحية التي تليق بلقاء كهذا، لكنها باغتته: " .. لا شيء لا تعرفه.."، قطب حاجبيه وهو يدور على الكرسي ليتخذ مكانه بجانبها:
- عذرا.. ؟
- مهما كان ما أخفيه، فأنت بالطبع لا تجهله. ومهما كان ما تريد ابداءه اليوم فأنا بالطبع لا أعلمه.. لا أعلمه بعد. قل ما لديك؟
- لا أدري من أين أبدأ...
- لا أتوقع..
- لم افهمك..
- أنت تعلم من أين تبدأ وأين تنتهي تماما، غير أنك لا تريد أن يكون الأمر أصغر من توقعاتي. أرعبتك فكرة اللقاء، ولم تنم الليل وأنت تفكر هل يستحق الأمر أن نلتقي من أجله. تخشى أن تخذلني ـ تظهر ابتسامة ماكرة ـ: كل الرجال يخافون أن لا يكونوا كما تتوقع منهم النساء. حتى لو كانت المرأة لا تعني لهم شيئا.
- غير صحيح..
- بالطبع هو غير صحيح..
- إذا لم تخبريني به؟
- لأنك تتراجع عن اطلاعي على ما لديك، ولا اريد إحراجك. لذا علينا أن نتجادل بما ينسيك فشلك. لا يوجد من يمكنه التعايش مع الفشل رجلا كان أو امرأة.
يصمتان لفترة، يسبح ناظريهما على سطح البحيرة.. تجول النظرات في المكان دون أن تلتقي..
- لستَ مضطرا..
- لست مضطرا لم؟
- لقول شيء. فأنت تفكر أنه لا يليق بلقائنا الأول أن يكون بهذا الهدوء. ولكن الصمت لا يضايقني أبدا.
- أريد أن أسألك..
- كلا..
- ولكنكِ لم تسمعي السؤال.
- لا داعي ، يكفي أن تسمع الاجابة . قل لي الآن.. أين وضعتها؟
- ما هي؟
- أنا أتفق معك، أن ليس كل امرأة ورجل يلتقيان، تكون وردة حمراء ثالثهما. ولكن ليست كل الورود بنفس المعنى. كان يمكنك أن تحضرها على أي حال.
- وما المعنى الذي ستختارينه، لو تشجعت وأعطيتكِ إياها..
- الانجذاب..
- لا تكوني مغرورة جدا..
- حسنا..
- ما الذي تقصدينه بحسنا؟
- أعجبتني نصيحتك، واختار أن أعمل بها.
- ألن تقولي شيئا آخر؟
- بأي شأن؟
- لا شيء..
- حسنا..
- هل تعتقدين أنني منجذب إليكِ؟
- لم أقل. قلت أني سأختار هذا المعنى من بين باقي المعاني التي توحي بها وردتك.
- وماذا تقولين إذا قلت لكِ أنني لست منجذبا لك فقط، بل أنا مغرم بك..
- حسنا
- حسن جدا..

مسقط 2009

نوف السعيدي


أعلى






"انعكاسات" فخرية اليحيائي .. "إيقاع" حيوي يحقق التكامل بين العناصر البصرية
تجربة المعرض إسهام في تحديد كيفية صياغة الفكرة وبلورتها إلى عمل تشكيلي يحمل أبعادا جمالية
التعبير عن الانعكاس بتلقائية أكسب الأعمال خفة ورشاقة وتجسيما

تعددت أساليب التصوير المعاصر وتنوعت تقنياته ونمت إلى الحد الذي وصلت فيه النماذج إلى مستوى التميز الجمالي، يبدأ الفنان في محاولته لتثبيت لقائه مع هذا التميز فيحول الملاحظة العابرة إلى استبصار ملموس ينتقي ما يقع في دائرة المؤثرات الحسية بما يسهم في تشكيل تجربته الجمالية الفريدة، فمع تطور الارتباطات الحسية يرتبط المرئي مع المسموع والأصوات مع الحركة، ومع الشعور بدفء الألوان وإيقاع الأشكال تتردد النغمات الشكلية فتشكل بإيقاعاتها وانعكاساتها علامات بصرية فنرى أشكالا وملامس متنوعة وخطوات تتحرك في هدوء وتزاحم نراها تتكاثف وتتزايد تارة وتتناقص وتتفرق تارة أخرى، كل هذا نشاهده عن كثب في مجموعة أعمال معرض "انعكاس" Reflection للفنانة الدكتورة فخرية اليحيائية استاذ الرسم والتصوير المساعد بقسم التربية الفنية بجامعة السلطان قابوس والذي استضافه متحف "بيت البرندة" خلال الفترة من 7-12 نوفمبر 2009 وسعت في نسخة معرضها هذا إلى تقديم منطلق فكري في التعبير عن اتساع المعنى المحتمل للعمل وتنوع القضايا الحيوية المعاصرة التي يتناولها الفنان وعدم الاعتماد كليا على الإمكانات التقنية التقليدية من أجل المحاكاة والمطابقة للمرئيات كهدف أساسي دون مراعاة للقيم التعبيرية، وتأكيدا على حرية التعبير في الفنون المعاصرة والتي أصبحت فيها الرؤية الفكرية مظهرا من مظاهر الفن التي تساندها النظريات الجمالية بما تتيحه من فرص للفنان نحو البحث والتجريب بالوسائط المتعددة، ويأتي فكر هذا المعرض ليحث على عدم اتخاذ التقنية كهدف في حد ذاته وعدم فرض أساليب وقواعد ومنطلقات فكرية لا تنبع من ذات الفنان ولا يشعر بحاجتها المتذوق، بل تسعى إلى توسيع مدركات المتذوق برغم صياغة الفنانة الموضوعات العادية بطريقة شيقة مما يدعو إلى إعادة النظر في الاستجابات الاعتيادية للمشاهد والسعي إلى إشباع مدركات المتذوق للاستفادة من هذا النوع من الفنون البصرية بما يحتويه من أسس وقيم جمالية وتنوع في طرق التناول تقدم رؤى وصياغات معاصرة في التصوير مع الاستفادة من التقنيات والأساليب الفنية الحديثة بما يسهم في الإفادة من دراسة ظاهرتي الانعكاس والإيقاع كمظاهر جمالية واثرها على التكامل الحيوي للعناصر ودور التقنية التكنولوجية في تحقيق القيم الجمالية وتقديم الخبرة المعرفية والمهارية في تناول معاني الانعكاس سواء في الأفكار والمعاني والمشاعر... وكيفية التأليف بينها وبين المعرفة لتكوين عقلية تجريبية في الفكر والرؤية بما يتفق مع أسلوب التقنيات المعاصرة في الفن، حيث تبقى أعمال الفنانة مجرد محاولة لتشكيل أفكارها بالوسائط الفنية، وقد رافق المعرض عرض مصور بـ video قام به الطالب محمد الحبسي من كلية الآداب قسم الصحافة والإعلام بجامعة السلطان قابوس، والفيلم يصور مشاهد اندفاعية لمجموعة من الأشخاص مرتادي سوق مطرح يظهرون في مشاهد متنوعة لعدد هائل من الخطوات تراوحت بين الهدوء والتناقض والازدحام والتفرق والتخفي، وبذلك ظلت العناصر ذات طابع تشكيلي وتعبيري في آن واحد وليست مجرد تشكيلات مجردة من المعنى.. وفي هذا الخطاب النقدي الموجه نحاول أن نسلط الضوء على تحليل بعض من أعمال هذه التجربة لتوضيح أهمية التكامل الحيوي للعناصر البصرية في إطار مبدأ "الانعكاس والإيقاع" ودور التقنية لتحقيق القيم الجمالية.
علاقة الزمان والمكان والأشخاص:
قد نجد الفنان يختزل صورا مثالية في ذهنه حصل عليها بمرور الوقت نتيجة رؤيته لمشاهد عديدة في مكان محدد وزمان معين، فالسؤال الذي يتبادر إلى ذهن المشاهد هو ما الهدف من الجمع بين المشاهد في زمان ومكان محددين أمن المحتمل إصابة تلك المشاهد بنوع من الركود في الطريقة التي من شأنها أن توقف لفت نظر المتأمل؟.
يلاحظ أن تضخيم الفارق بين الوجهات الثلاث (الزمانية والمكانية والأشخاص) التي احتضنتها هذه التجربة كلها علامات تشير للصفات المرتبطة بالانتقاء الطبيعي لمفهوم البعد الثقافي في ترجمة معنى العمل الفني "الانعكاس" ولا تكفي الجاذبية البصرية في حد ذاتها كظاهرة تتعلق بمسائل الإثارة، إنما هناك الدور الذي يلعبه الخيال والعاطفة، ومع ذلك نصادف آراء يطلقها المشاهد أو حتى المتذوق تتعارض مع مبدأ المواءمة بين طبيعة العمل من حيث الزمان والمكان والشخصيات.
هكذا اهتمت الفنانة بمسألة تقوية الخيال لفهم أن الصورة ليست مجرد تكرار للواقع بل رؤية الأضواء والتقلبات اللونية تبعا لعلاقة الحدث وزمان حدوثه ومكان وقوعه، فاعتادت تركيب صورة العالم المنعكس باقتناص لحظة منه فعالجتها ببساطة دون أي تفخيم منها، فأصبح الموضوع المنعكس بزمانه ومكانه ينم عن فكر موجه وتأكيدا على الرؤية الموحدة.. ولقد أصبحت وظيفة الزمان والمكان في هذه التجربة تلبي متطلبات التعبير عن عالم الانعكاس والتعمق في الرؤى الداخلية وعالم الذاكرة الذاتية، ومثل هذه الصورة عكست الأفكار الذهنية للفنانة بأسلوب توليفي ربط العوالم المتنوعة (الزمان والمكان والأشخاص) وذلك بما يضمن لها التوصل إلى ترجمة شكلية ومعرفية للطابع الفكري لماهية هذه التجربة.
بين أسلوبي"الانعكاس والإيقاع":
إن التحول الأسلوبي في تصوير انعكاس الأشياء يعكس تحولا في ثقافة الفنانة نحو دراسة ترديد الأشكال بإيقاع حركي متناغم، وعندما يتسلل الانعكاس إلى باطن الاشكال يسترق منها نسخا يعكسها في صيغ تأثيرية فيكسب العمل عمقا ورنينا، وتلعب تلك الأشكال المنعكسة دور الصيغة التزيينية التي تجمع بين الطبيعي والتجريدي بفضل الترديدات المساحية التي توحي بأعماق فراغية وبإيقاعات متجانسة... وفي كل الأعمال التي تحمل صفة الانعكاس تخضع لقوالب تناسب التدليل على الأعماق الفراغية وتتداخل العناصر المتضادة بين الحسي والمجرد.
والأعمال التي تحمل عنوان "الإيقاع" تصطف فيها العناصر بجانب بعضها أو فوق بعضها في ملحمة تبدو وكأنها تشكيلات عسكرية وفي هذا التكوين الملحمي تكون الأشكال المطوعة (الأرجل) نماذج واضحة يتكون العمل منها من مجرد ترديدها في حركات متفاوتة وإيقاعات متناغمة تارة تأخذ صفة الأمامية Frontality في بعض جوانبها في حركات استباقية بدت وكأنها أرابيسك مستحدث، وحين تطغى التكرارات الإيقاعية للأرجل وأنصاف الاجساد الآدمية على المظهر العام لهذه الأعمال،تصبح التحويرات والاختزالات اللونية مصادر للمتعة الجمالية.
إن المزج بين ظاهرتي "الانعكاس والإيقاع" في هذه التجربة يحمل أبعادا جمالية كما وتعد عملية التزاوج بين هاذين المفهومين يفسر محاولة الفنانة نحو تجريد صورة من صفاتها المادية المألوفة وتحويرها في عملية تشكيلية حققت حركة إيقاعية تمثلة في إسقاط ظلال الأشكال وتطويرها بفضل التقنية لتصبح أشكالا أكثر مرونة، حيث قلت في أشكالها حدة الهندسية ونشأت من ذلك أشكالا تقوم على فكرة استخدام المنحنيات المجردة لتوحي بإيقاع ونغم ازدواجي حركي.
التكامل الحيوي بين العناصر:
ذكر الفنان الفرنسي "سورا" (1859-1891) في أحد أقواله أنه "يمكن الحصول على حالات الشعور كالفرح والهدوء والحزن من خلال النغمة واللون والخط..." ونفهم من هذا القول بأن الفنانة حين ترجمت معنى "الانعكاس" استخدمت أساليب الاستعارة والتشبيهات المجازية لتقوية الأثر الانفعالي لموضوع معرضها فاهتمت بضبط الإيقاعات والانسجامات والتناسقات اللونية والملمسية والخطية بغرض تحقيق حركة رشيقة لانعكاس الأشكال، جاء ذلك في قالب تكاملي بين العناصر إذ كثيرا ما نجد تلك العناصر في قالب مستقل عن التمثيل الطبيعي للأشكال فتجيء رموزها معبرة لمعاني الانعكاس مبعثرة عبر المسطحات يحكمها نظام لكنها مع ذلك تحدث أثرا زخرفيا شائقا بألوانها المتباينة.
وإذا أراد الفنان أن يكسب الشكل الأهمية فوسيلته هي تحديد العناصر الرئيسية وربطها ببعضها في اتجاه معين.. فظاهرة التكامل بين العناصر في هذه التجربة أخذت أبعادا تشكيلية وقد حظيت العناصر بالشمولية ورفعت الحواجز التي جمعت الزمان والمكان، وساهمت طريقة تحويل المشاهد المصورة إلى تأكيد وقائع تشكيلية يغلب عليها الطابع التصويري اكتسبت فيه العناصر مظهرا جماليا حيث أكدت الفنانة في صياغاتها على الإيقاعات اللونية والشكلية في انسيابيتها وعلى نقاء الالوان وثراء ملامس السطوح أيضا في تغليف العمل الفني بطبقة زجاجية ذات سطح ملمسي محبب لا يجد للضوء مجالا للانعكاس بل وساهمت هذه الطبقة في تأكيد صفة التراكب الشكلي الذي حافظ على تجسيم الأشكال ونشوء حركة شملت أرجاء العمل الفني لتكشف عن المعاني الجمالية والأبعاد التعبيرية وكذلك التوزيع الموفق للألوان والظلال لتحويل موضوعها إلى آفاق أبعد من مجرد التسجيل المرئي للحظة الاندفاع والذهاب والهدوء والصخب أو الإشراق والظلال... الخ لتصل إلى دلالاتها البصرية بفضل تبديد الأشكال المنعكسة وإكسابها الخفة مما عمل على احتواء نظر المشاهد ونقله إلى حالة لانهائية من حركة الخطوط والمساحات اللونية والملمسية.
دور التقنية في تحقيق القيم الجمالية:
عرف "هيجل" الفن على أنه "التجلي المحسوس للفكرة أو للحقيقة، يصيغها الفنان في مادة أو صورة كوسيط حسي"، ويفهم الفن بأنه "تعبير" ويوصف كنوع من العاطفة يصادفه الفنان في تجربة التأمل، بهذا الفكر وجهت الفنانة اهتمامها لترجمة أفكار تجربتها على اللحظة والتقنية التي تقوم على أساس تحويل الموضوعات إلى مساحات لونية فعمدت إلى التقنية الجرافيكية لتحويل موضوعاتها إلى تركيبات لونية وقد بدت الموضوعات المنتقاة كامتداد لفكرة واحدة تفرعت منها معان عديدة تمثلت في قيم جمالية حملت تعبيرا مجازيا انعكس على العناصر يستشف منها المتذوق ما وراء المرئيات ويستخلص للانعكاس معنى وبذلك يصبح في استطاعة الشكل أن ينقل قيما روحية عميقة تتوقف على مدى تحكم الفنانة في التقنية لتأكيد إيقاع الألوان وقوة الحركة.. فالتعبير عن معنى الانعكاس يتسم بالتلقائية ويتلاءم مع تحولات الصور بالرغم من المعالجة البسيطة مما أكسبها الخفة والرشاقة والتجسيم في الاشكال التي استمدت عوالمها من حركة الأرجل.
وسمحت التقنية المستخدمة إلى تقبل التركيبات الصورية عدة تأويلات تراوحت بين البطيء والسريع، والهدوء والصاخب، والموجب والسالب وغيرها من الانفعالات وذلك من خلال الصفات التي تحملها الأشكال، ومسها بشيء من التحريف والمبالغة لنشعر أمام ألوان لها شحنات ومعان رمزية تحمل قيما تشكيلية تتآلف مع القوى التعبيرية للانعكاس في تبسيطات لونية وشكلية وفي تصميمات صورية متراكبة تميزت بالتكرار، ومن المرجح أن ما شجع الفنانة لترجمة فكرتها بأسلوب معاصر هو موقفها من تجسيد العناصر العضوية، حيث اعتقد أنه نوع من تقليد صفة من الصفات التشبيهية، وذلك يفسر محاولاتها لتجريد الصورة وقابليتها للمد مما أعطى إمكانية شغل الفراغات الناشئة بين الأشكال.
خلاصة "الانعكاس":
من خلال التحليل السابق يمكن القول بأن هذه التجربة تسهم في تحديد كيفية صياغة الفكرة وبلورتها إلى عمل تشكيلي يحمل أبعادا جمالية تستند على عوامل توظيف التقنيات لاستحداث صياغات تبرز جماليات التصوير المعاصر... كما أنها تسهم في توجيه دارس الفن وتشجيعه على تنمية قدراته الفطرية ومساعدته على اكتشاف حلول جديدة للمشكلات الفنية في مجال التصوير من خلال تنمية قدراته نحو دراسة جماليات عناصر العمل الفني والتوافقات اللونية وكيفية تصوير انعكاسات الأشكال.. كما تزود متذوق الفن بحصيلة معرفية عن "التقنية" في مجال الفن المعاصر ودورها في بلورة الفكر المجازي إلى رؤية تشكيلية من ناحية الأداء الفني والتنفيذ وذلك من منطلق "براعة التقنية ودورها في تحقيق فكرة العمل الفني"، كما تزوده أيضا بمحتوى معرفي حول دراسة القيم البنائية للشكل وإجراء عمليات التلخيص والتبسيط بالاستفادة من فكرة انعكاس الأشكال ودراسة ظاهرة الإيقاع وأثرها على عناصر العمل وكيفية التوصل إلى حلول جمالية قائمة على إعادة تنظيم المفردات وعلاقتها ببعضها في تكوين وحدة العمل الفني، كما يمكن استثمار أسلوب هذه التجربة طبقا للحلول الجمالية على وجه التفصيل لصياغة حلول قائمة على تكرار الشكل والعلاقات التنظيمية بين المفردات وكيفية استخدام أكثر من وحدة في التكرار.

* سعيد الوهيبي

* أكاديمي عماني

أعلى







في ندوة "المسرح بين الظاهرة والاحتراف" بدمشق
هموم المسرح تسرق المشاركين عن محاور الندوة

مي سكاف تبدي استغرابها من المنظرين الذين يتشدقون بحب المسرح ويهربون من خشبته

عبد المنعم عمايري: مسرحنا ليس سوى تجارب فردية لفنانين أحبوا المسرح

غسان مسعود: المطلوب حماية المسرح واحترام أحلامنا

رغدة شعراني: الحصول على فرصة لتقديم عمل مسرحي ليست بالأمر الهين

دمشق ـ (الوطن):
لا تبدو أوجاع المسرح وهمومه مختلفة في وطننا العربي، فهو يعاني نفس العقبات، وإن اختلفت وتباينت الجغرافيا.. هذا ما يبدو في ندوة "المسرح بين الظاهرة والاحتراف" والتي عقدت في دمشق بمشاركة نخبة من نجوم المسرح السوري.
طغت على الندوة التي شارك فيها مي سكان وعبدالمنعم عمايري وغسان مسعود ورغدة الشعراني أوجاع وآلام وهموم المسرح ولا يبدو ذلك غريباً في ظل ما يعانيه المسرح في الوطن العربي عموماً وفي سوريا خصوصاً من أوضاع وظروف لم ينجح أحد في تحسينها والأخذ بيد هذا الفن نحو الأمام، وبالتالي ليس بجديد أن يتحدث المسرحيون عن هذه الهموم والبوح بالمشكلات التي يعانون منها منذ زمن طويل والتي جعلت معظم الفنانين يبتعدون عن المسرح الذي كان في فترة من الفترات أبا للفنون.
الفنانة مي سكاف رأت أن جزءاً من المشكلة اليوم يتحملها الفنانون أنفسهم بعد أن أصبحت أحلام نصف شباب سوريا أن يصبحوا مثل تيم حسن، لذلك هي تؤكد على أن المسرح اليوم بحاجة إلى مناضلين حقيقيين، وما تجربتها في مسرح "تياترو" الذي ترعاه إلا وجهاً من وجوه هذا النضال، مشيرة إلى أن هذا المسرح يضم عدداً من هؤلاء المناضلين الذين يؤمنون بالمسرح كفن، وهي مؤمنة إيماناً كبيراً بهذه التجربة التي بدأتها منذ سبع سنوات ولم تتوقف رغم كل الصعوبات التي واجهتها، وتشير سكاف إلى أن ما يزعجها في الساحة الفنية وجود بعض الفنانين الذين ينظِّرون في المسرح ويعربون عن مدى محبتهم له، في حين أن لا أحداً يراهم على خشبته، وانسجاماً مع عنوان اللقاء تؤكد أن كل من يعمل في المسرح هم من الهواة لأن قابلية التطور فيه كبيرة جداً.

محبة المسرح لا تكفي

الفنان عبدالمنعم عمايري عبر عن أزمة المسرح بأنها ليست أزمة أشخاص ومبدعين ومواهب فقط بل هي مجموعة أزمات، بعضها له علاقة بالمؤسسة الثقافية التي لا تؤمِّن الدعم له، وأشار عمايري إلى أنه ليس من المهم أن نعرب عن حبنا للمسرح لأن هذا الحب زائف وسياحي ومجاني إذا لم يُتَرجَم على أرض الواقع لأنه من غير المعقول أن يتفرغ الممثل صاحب الالتزامات العائلية للعمل المسرحي عدة أشهر دون مردود مادي، وبالتالي فإن موضوع التضحيات في هذا المجال بات غير مقبول في ظل ظروف معيشية صعبة، وهذا الوضع يجعل عمايري يعذر بعض الفنانين المسرحيين الذين لا يستطيعون تقديم تضحيات ضمن هذا الظرف، إلا أنه وفي الوقت ذاته يلوم بشدة الفنانين الذين يتغنون بحبهم للمسرح وخشبته التي لا تعرفهم أبداً، لذلك طالب ألا يتحدث عن المسرح من لم يشتغلوا فيه لأن هذا أكثر ما يستفز الذين يعملون به والذين يعانون المشاكل جرّاء شح المردود المادي الذي لا يتناسب مع الجهد المبذول، لذلك أكد على ضرورة تحسين هذا المردود رغم قناعته أن المسرح لا يمكن أن يحقق نفس المردود المادي الذي يحققه التلفزيون، وإنما المطلوب مردود لا يضيع معه تعب الفنان المسرحي.
وعن عنوان الندوة "المسرح بين الظاهرة والاحتراف" رأى عمايري في الاحتراف كلمة كبيرة لأن الاحتراف برأيه لا يعني التنوع فقط، وإنما هو مهنة يمكن أن يعتاش منها الفنان، في حين أن هذا لا ينطبق على المسرح السوري لأنه عبارة عن تجارب فردية لفنانين أحبوا المسرح، وبالنسبة له يؤكد عمايري أنه سيظل هاوياً، مشيراً إلى ظروف كل عمل من أعماله المسرحية وأنه يمتلك مجموعة أفكار ستجد طريقها إلى الخشبة حينما يتوفر الظرف الصحي المناسب، وهو يؤكد أنه لا يعمل في المسرح في الوقت الضائع وإنما هو يتحين الظرف المناسب لتقديم عمل مسرحي وهذا لا يتحقق دوماً.. وأنكر عمايري وجود أزمة جمهور لأن الجمهور نراه غالباً يتزاحم على متابعة العروض المسرحية الجيدة، مؤكداً في نهاية كلامه أن المسرح في سوريا يحتاج للدعم من قبل المؤسسة الثقافية بالدرجة الأولى.

مسئولية المؤسسة الثقافية

أما الفنان غسان مسعود فقد بدأ كلامه بالإشارة إلى جهود بعض الأسماء المسرحية الهامة التي كانت لها أيادٍ بيضاء في تحويل المسرح من خطاب فني فقط إلى خطاب فني ثقافي كسعد الله ونوس وفواز الساجر وأيمن زيدان وجهاد سعد وفايز قزق، وعبّر مسعود عن انزعاجه من ذاكرة المسرح الضعيفة التي هي عكس ذاكرة السينما التي توثّق وتبقى في ذاكرة الأجيال، وأشار إلى أنه لا يوافق على ما جاء في عنوان اللقاء لأن الظاهرة برأيه تبدأ وتنتهي، في حين أن المسرح متجذر في حياة الإنسان منذ القِدم وتطور إلى أن وصل إلى شكله الحالي، كما لم يوافق على كلمة الاحتراف، لأن الاحتراف يعتاش منه الفنان وهذا لا ينطبق على وضع المسرح في سوريا لأن العاملين فيه ما هم إلا مجموعة من الفدائيين، ولا ينكر مسعود أنه حلم مع الذين حلموا قبل عشرين سنة وقبل أن يتخلى عن علاقته اللصيقة بالمسرح لأن الأحلام اليوم في المسرح أصبحت حماقة حيث لا يكفي أن يقوم المسرح على أحلام الفنانين، وإنما المطلوب أيضاً من المؤسسة الثقافية أن تحترم هذه الأحلام وتقوم بدورها في تأمين متطلباته وتأمين حياة كريمة للعاملين فيه وهذا غير موجود في الوقت الحالي، لذلك يجب ألا نستغرب هروب الفنانين من المسرح باتجاه ما يؤمِّن لهم حياة كريمة.
وختم مسعود كلامه مشيراً إلى أن المسرح كائن لا يمكن توثيقه لأنه فن حي وكائن لا يموت، ولكن حياته صعبة، ولأنه رجل واقعي أكد مسعود على مسؤولية المؤسسة الثقافية في حماية المسرح لأن ما سوى ذلك لا يؤدي إلا إلى التنظير والوقوف في المكان نفسه.

ميزانيات متواضعة
وقد اتفقت الفنانة رغدة شعراني مع ما قيل حول ضرورة الدعم المالي للمسرح، مشيرة إلى الميزانيات المتواضعة التي ترصد للأعمال المسرحية والتي تراها أهم المشاكل التي يعاني منها المسرح السوري، والمفارقة برأيها أنه رغم كل الظروف الصعبة للعمل المسرحي إلا أن الحصول على فرصة لتقديم عمل مسرحي ليست بالأمر الهين.
أما نقاشات الجمهور، فقد نال النقد المسرحي جانباً مهماً منها والتي وصفته سكاف وشعراني بالشخصي في أغلب الأحيان، في حين ربط عمايري بين النقد المسرحي والنهضة المسرحية، فحين تتحقق الثانية تتحقق الأولى مشيراً الى وجود كتابات ترتقي لمستوى النقد الحقيقي وأخرى لا تتعدى كونها انطباعات.



أعلى








إصدارات عمانية
هلال السيابي يقدم تجربته الشعرية في (أصداء من وادي عبقر)

عرض ـ حسن المطروشي:

من أنا؟ من أكون؟ ياليت أني
أعرف الأمر، فالمدى غير سهل
هلال السيابي
من الإصدارات العمانية الهامة التي صدرت حديثا ديوان (أصداء من وادي عبقر) للشاعر الشيخ هلال بن سالم السيابي. وتأتي أهمية هذا الديوان كونه يجمع بين دفتيه الإرث الشعري كاملا للشيخ هلال السيابي، الذي عرف عنه قلة الاهتمام بالنشر، لاسيما على المستوى الصحفي والإعلامي، وابتعاده عن الأضواء، رغم كونه شاعرا مطبوعا، ومثقفا من الدرجة الأولى، ورجلا خبر الحياة الفكرية والثقافية والسياسية، من أوسع أبوابها، وحصل من التكريم أعلاه، فقد أنعم عليه جلالة السلطان المعظم ـ حفظه الله ـ بوسام النعمان من الدرجة الأولى عام 1990، كما أنعم عليه جلالته بوسام السلطان قابوس للثقافة والعلوم والفنون من الدرجة الثانية عام 2007م، وقلده الرئيس السوري بشار الأسد وسام الاستحقاق من الدرجة الممتازة عام 2005م.
(أصداء من وادي عبقر) .. ديوان يحتوي على أكثر من 150 قصيدة تتوزع بين الوطنيات والقوميات والتأملات والإخوانيات والنسيب وغيرها من صنوف الشعر، مما يعكس القدرة الشعرية والثقافة العالية لدى الشاعر وتفاعله مع الأحداث والمواقف المختلفة التي عبر عنها بشاعرية دفاقة صادقة.
تضمن الديوان في مطلعه إهداءين، أولهما لوطنه والثاني إلى أبنائه، وكأن الوطن في دلالات هذا الإهداء يرمز إلى الأبوة أو الأمومة الحانية المعطاءة، مقابل دلالة الأبناء الذين يحنو عليهم المرء بفطرته كما يحنو الوطن على أبنائه.
الديوان تضمن أيضا ثلاث مداخلات نقدية لكل من الناقد الأردني الدكتور محمود جابر عباس، والدكتور إحسان النص نائب ريس مجمع اللغة العربي بدمشق، والدكتور عبد اللطيف الأرناءوط، رئيس تحرير مجلة التراث العربي، الذين قدموا قراءات معمقة لمحتوى نصوص الديوان على مختلف المستويات القرائية، ورصدوا الظواهر الفنية والأسلوبية في شعر هلال السيابي. وبالتالي فسوف ننطلق في عرضنا للديوان من هذه القراءات التي أضاءت جوانب هامة لقارئ الديوان.
لفتت هذه المداخلات إلى أسلوب الشاعر السيابي حيث ارتأى الدكتور محمود جابر عباس أن شعره على بناء القصيدة المتين وجزالة اللغة والتقابلات البلاغية والأسلوبية المقتدرة عند الشاعر الذي يسكبها في بيان ناصع للتعبير عن تجربته الشعرية المعاصرة وإيصالها إلى المتلقي من خلال استخدام التراث وعراقته وأصالته لتجسيد رؤيته المعاصرة وهمومه الوطنية والقومية الجياشة التي عرفها الشاعر منذ شبابه واسترجعها بشخصيته وشعره الذي أتاح للشاعر مجالا أوسع للإفادة من هذا المصدر الخصب الذي مد المعنى واستكمال الأبعاد البلاغية الصورية فيها بكل أنانية الأساليب والصياغات.
فيما ارتأى الدكتور إحسان النص أن الشاعر يجري في أسلوبه على نهج الشعراء المطبوعين، فهو يجتنب التعقيد اللفظي والتعقيد المعنوي والمعاضلة، فإذا قرأته لم تجد أي عسر في استيعاب مقاصده ومعانيه، وهو يعنى عناية خاص باختيار المأنوس الواضح الدلالة من الألفاظ، وفي أحيان نادرة قد تضطر القافية إلى الإتيان بالغريب من اللفظ. ويضيف إحسان النص أن أبرز ما يلفت النظر في أسلوب الشاعر قدرته الفائقة على عرض أفكاره في حلة تصويرية تنبئ بما أوتيه من الدفق الخيالي المبدع، فشعره تزدحم فيه الصور البيانية بشتى ألوانها، منها ما حاكى فيه شعراءنا القدامى، ومنها ما هو جديد مبتكر.
كما لاحظت القراءات التزام الشاعر بالإيقاع العروضي في شعره وعدم تخليه عن بحور الخليل، بل هي السمة الأساسية في شعر هلال السيابي، حيث يؤكد الدكتور إحسان النص أن أول ما يلفت النظر في نظم الشاعر أنه وفي للنهج الخليلي فهو لا يجنح إلى الخروج عليه في أي من قصائده، فلا نجد فيه إلا الشعر الموزون المقفى، على أن قصائده لا تجري كلها على نهج واحد، ففيها القصائد التقليدية التي تتابع أبياتها على قافية واحدة، شأن جل قصائد شعرائنا القدامى، وفيها نماذج تمتثل ما استحث في الأندلس والمشرق منذ العصر العباسي كالموشحات والمزدوج والمخمسات.
المحور الآخر في شعر الشيخ هلال السيابي يتمثل في الحس القومي الجياش الذي يتفاعل مع قضايا أمته ويتألم لآلامها، كونه عاصر الكثير من الانكسارات والهزائم العربية، وكأن الشاعر ـ على حد تعبير الدكتور عبد اللطيف الأرناؤوط ـ وقف شعره على حب وطنه وقومه، فنسي ذاته، وشغله الهم الوطني والهم القومي عن كل ما عداها، فهو موزع القلب بين أسى جارف لما آلت إليه حال الأمة العربية من ترد وضعف وفرقة، وما يطمح إليه من أمل في النهضة واسترجاع من ماضي الأمة المجيد، يوم دان لها المشرقان ونشرت نور الإسلام والحضارة في العالم، وهذا يؤكد ما ذهب إليه الدكتور إحسان النص الذي قال أن الشاعر كان يحز في نفسه ما حاق بالأمة العربي من تخاذل ووهن، ونكوص الأجيال العربية عن النهوض بما يمليه عليها الواجب القومي.

أقبلت نحوكم العشية صارخا
والقلب تنزف بالجراح دماؤه
قد جئت مكلوم الفؤاد، وفي فمي
ماء، أينطق من بفيه ماؤه؟!

وفي محور آخر من شعره يتجه السيابي إلى مواطن الذات والجمال والحب والمرأة والإيمان وغير ذلك من المعاني الإنسانية السامية التي تعيش في وجدانه إنسانا وشاعرا. فيكتب عن الحنين إلى الوطن، لاسيما وهو الشاعر الذي عاش حياة الترحال والسفر والبعد عن مرابع الصبا، نظرا لطبيعة مهامه وأعماله كسفير للسلطنة في عدد من الدول الشقيقة، وبالتالي يغدو الوطن إحساسا عميقا يرافقه في سفره أينما حل وارتحل.

عمان يا ساحل الفيروز معذرة
على البعاد فما أدراك ما النبأ؟
قلبي يمور من الأشجان عاصفة
ومهجتي مزع بالشوق تجتزئ

ويتأمل الشاعر هلال السيابي في الكون والحياة ويرصد التبدلالت والتحولات التي طرأت على السلوك والتعاملات بين البشر، فيتألم ويفض قلمه شعرا وحمة وتساؤلا يتجلى في قصائد ـ بحسب الدكتور إحسان النص نائب ـ أفرغ فيها ما يضطرب بين جوانح من هموم وأشجان ذاتية، فشعره مرآة تجلو لنا نفسه التي يساورها في أوقات المناجاة الداخلية شعور القلق والشجن، شأن كل شاعر تثير الأحداث والتأملات الذاتية في نفسه ألوانا من القلق، فيعمد إلى الشعر يبث فيه أحاسيسه وهمومه، ويدعه تساؤلاته حول مصيره.

عفوا بنات الشعر، أرقني
زهو الصبا، واللحظ والخفر
ما شفني إلا إليك هوى
كلا، وإلا عرفك العطر
كم ليلة بتها ويدي
في مهجتي، والقلب مستعر

هذا مجرد تطواف بسيط بين خمائل هذا البستان الشعري الوارف للشيخ هلال بن سالم السابي، الذي قدم عصارة فكره وتجاربه وإبداعه وأسفره وعشقه وحنينه التي بثها في (أصداء من وادي عبقر).. واخيرا نختتم بما قاله الدكتور عبد اللطيف الأرناؤوط :" وبمثل هذا الشعر الذي لا نجد في أبياته إلا الجياد ولا في مضامينه إلا الإقناع، ولا في ما يحمل من مشاعر إلا الصدق يضع الشاعر هلال بن سالم السيابي نفسه في طليعة شعراء القصيدة التقليدية في عصرنا، وقد دانت له اللغة، فليس في نظمه إلا إصابة المعنى بالتركيب المحكم المتين، وبمثل هذا الشعر يجدر به أن يعد واحدا من أبرز فرسا الشعر العربي الأصيل المعاصر".
يشار إلى أن الديوان صادر عن وزارة التراث والثقافة وهو يقع في 547 صفحة من الحج الكبير.



أعلى








التوصيف القرآني لمجتمعات البلدة والقرية والمدينة (1ـ2)

أضفى النص القرآني توصيف السكينة والطمأنينة في التجمعات البشرية ليربطها بالحالة النفسية التي أوجدت من أجلها

حفل النص القرآني بتوصيف رائع متخيل لصفة الجنة ونعيمها بما يجمع بين الماء والخضرة والجمال والنعيم المقيم


يلاحظ المتأمل للنص القرآني أن كلمة "قرية" وردت لتوصيف التجمعات البشرية الكبيرة ذات الكيان والقوة وأنها بخلاف ما يتبادر للذهن اليوم


تطرق النص القرآني للعديد من المفاهيم المتعلقة بالتجمعات الحضرية ومتعلقاتها من خلال سرده القصصي الرائع, وذلك في أكثر من سورة وموضع. ويلاحظ المتأمل في النص القرآني المحكم الذي "لا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه" ورود ثلاثة مصطلحات أساسية في متعلقات العمران والتجمعات الحضرية في أكثر من سورة وموضع في القرآن الكريم, بما يستحق التأمل والتدبر لدقة اختيار المعاني ومدلولاتها, فضلا عن أهمية تتبع المقصود منها وتحليل نظرة النص القرآني للمجتمعات الإنسانية. وهذه المصطلحات الثلاث الرئيسة هي (البلد أو البلدة, والقرية, والمدينة). فماذا قصد النص القرآني في استخدامه لكل منها وماذا يمكن لنا بنظرة فاحصة متأملة أن نستخلص من هذا الإستخدام والمعاني التي يقودنا إليها, وهل من فرق بين المصطلحات الثلاثة بالتعبير القرآني الكريم؟.
بداية يلاحظ المتأمل وجود مجموعات من الكلمات التي تشير للمجتمعات العمرانية البشرية, وهي ملاحظة جديرة باهتمامنا في هذه القراءات الفلسفية في هذا الكتاب, وتحديدا في معرض الرد على مزاعم الدراسات "العاطفية" التي "أقحمت" الدين والشريعة كلاعب أساسي في صوغ ملامح ما أسمته بالمدينة "الإسلامية". فالنص القرآني تطرق لمفاهيم وكلمات "عامة" تخص المدينة والقرية والبلدة كتوصيفات للتجمعات الإنسانية بمنظومتها الإجتماعية وبإشارات ضمن أطر عامة تخلو من أي توصيف "تفصيلي" أو تعريف لمتداخلات السياسة والإقتصاد والديموغرافيا وغيرها مما يصوغ التجمعات الإنسانية. وعمومية هذه الأطر تأتي بمعرض ترك الأبواب أمام العقل الإنساني في صوغ ما يناسب متغيرات الإنسان المكان والزمان والظرف ومتطلبات الجنس البشري إلى قيام الساعة. فالنص القرآني لم يُعنَ بترسيم معالم "جامدة" للمنتج الحسي للمستوطنات الإنسانية بقدر ما جاء توصيفه لرسم معالم البعد الإجتماعي بين الأنماط الثلاثة (بلدة, قرية, مدينة) وبما يعكس خصائص وطباع "قاطنيها" بالدرجة الأساسية والمباشرة وكما سنبين تاليا من خلال تحليلنا لمجموعة من النصوص القرآنية. فغاية النص القرآني هو مخاطبة النفوس البشرية وهدايتها وتطهيرها من أدران الخطيئة التي تستوجبها طبيعة النقص في الإنسان, وليست الغاية هي فرض المنتج الفيزيائي الحسي بأي حال من الأحوال ، وكما ربطت "خطأ" هذه الدراسات التي أشرنا إليها في الفصل الثاني بمحاولتها ترسيم معالم البعد الحسي للمدينة العربية بما أسمته "الإسلامية" من خلال استقراء قواعد عامة شرعية كان قصدها الأساسي هو تهذيب النفس الإنسانية, وبحيث خلصت هذه الدراسات "اللاتاريخية" لنتيجة مغلوطة هي نمطية جامدة للمدينة لا تناسب العصر ولا المكان! فضلا عن تخلفها عن تطورات الأحوال الإجتماعية والإقتصادية والبيئية والتكنولوجية الأساسية للمجتمعات الإنسانية والثقافات الأخرى.
من الملاحظ أن العمارة ومتعلقاتها قد وردت في مفردات النص القرآني الكريم. فقد وردت ملامح من العمارة الدينية, كالمسجد, والصومعة, والجامع. فقد ورد ذكر المسجد في مواضع متعددة منها الإشارة للمسجد الحرام بمكة والمسجد الأقصى بفلسطين في قوله تعالى في سورة الإسراء (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى? بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ? إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)). أو قوله تعالى في مسجد الضرار في سورة التوبة (لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ? لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى? مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ? فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ? وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)). ووردت الصوامع والمسجد في سورة الحج في قوله تعالى (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ? وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ? وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ? إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)).
وفي إطار العمران السكني نلاحظ استعمال كلمة واحدة لوصف التجمعات البشرية هي "البيوت" لكن النص القرآني أضفى عليها توصيفا مباشرا يرتبط بالحالة النفسية التي وجدت لأجلها وهي السكينة والطمأنينة في قوله تعالى في الآية الكريمة في وصف بيوت الإنسان (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ? وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى? حِينٍ (80)) ـ النحل. وفي المقابل استعمل لتوصيف تجمعات الكائنات الأخرى وخاصة التي تشبه مجتمعات الإنسان في تعقيداته وتخصصات أفرادها كالنحل والنمل كلمتي بيوت ومساكن. فقد وردت كلمات البيوت للإنسان وللنحل والعنكبوت. مثلا في سورة النحل قوله تعالى (وَأَوْحَى? رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68)).
كذلك نجد مثلا في سورة النمل إشارة إلى تجمعات النمل ووصفها "بالمساكن" بما يشابه التوصيف القرآني للتجمعات الإنسانية فقد قال تعالى في سورة النمل (حَتَّى? إِذَا أَتَوْا عَلَى? وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18))ـ النمل. كذلك وصف النص القرآني بيت العنكبوت وأطلق عليه حكما بأنه أوهن البيوت في معرض الذم لمن اعتمد على غير الله, قال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا.وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ.لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)) ـ العنكبوت. وبالنظر للآيات الكريمة السابقة نتبين ورود كلمة "بيوت" للإنسان والنحل والعنكبوت, فيما استعمل للنمل كلمة "مساكن", ووصف "بيوت" الإنسان بأنها "سكن" من السكينة والطمأنينة.
ويلاحظ المتأمل للنص القرآني أيضا جملة من متعلقات العمران الإنساني مثل كلمات الكهف, والسد, والسقف, والصرح, والبنيان, والغرفات في مواضع متعددة من القرآن الكريم. ومن جملة هذه النصوص نجد في سورة التوبة مثلا أن النص القرآني يشير لمفهوم البنيان بما يتضمن فكرة "الأسس" والأساسات في قوله تعالى (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى? تَقْوَى? مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى? شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109))ـ التوبة. أو البنيان في قوله تعالى (وَكَذَ?لِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ.فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا.رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ? قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى? أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21)) ـ الكهف. كذلك نلاحظ في سورة النمل وصف القصور العظيمة وفخامتها بتصوير قرآني بليغ يقرب للقارئ الصورة البلاغية لإعجاز البيان والنص حين يتخيل القارئ أرضية القصر ولمعان بلاطها من رخام كأنه انعكاس الماء لشدة نعومة ملمسه, وذلك في قوله تعالى في قصة بلقيس ملكة سبأ ومملكة سليمان عليه السلام (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ.فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا ? قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ ? قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)) ـ النمل. كذلك ورد ذكر الكهف كأقدم مأوى بشري عرفه الإنسان في سورة بذات الإسم في قوله تعالى (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9)) ـ الكهف. كما ورد ذكر السدّ من متعلقات التجمعات الحضرية وارتباطات الزراعة التي أسهمت في تحول المجتمع البشري من طور البداوة إلى الإستقرار والحضارة في قوله تعالى (حَتَّى? إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93)) ـ الكهف. كما حفل النص القرآني بتوصيف رائع متخيل لصفة الجنة ونعيمها بما يجمع بين الماء والخضرة والجمال والنعيم المقيم, ووصف الجنة بأنها عالية ذات قطوف دانية تجري من تحتها أنهار العسل والماء واللبن والخمر. ومن هذه جملة من الآيات في مواضع متعددة منها قوله تعالى (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)) ـ القمر. أو نلاحظ توصيف غرفات الجنة وربطها بالعامل النفسي من راحة وأمان من العذاب والنصب الذي انغمست به الحياة الدنيا أو من عذاب الآخرة بقوله تعالى (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى? إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَ?ئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37)) ـ سبأ. أو التصوير البليغ وذكر غرف الجنة التي تجري من تحتها الأنهار في علاقة تصويرية للعلاقة بين العمارة والماء (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ? نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58)) ـ العنكبوت. كما وصف نماذج بديعة من البذخ العمراني وتصوير حال القصور وزخارفها في تصويره لرفاهية البشر وحبهم للنعيم في الدنيا, ولولا أن يكفر جميع الناس ويصبحوا أمة واحدة في الكفر لجعل الله تعالى من سنته أن تكون الدنيا للكافر وأن يقتصر نعيمها على الكافرين فقط, ولكن شاءت حكمته ورحمته أن يعطي الدنيا لمن يحب من بعض المؤمنين والصالحين ومن لا يحب من غالبية الكافرين كما في قوله تعالى (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَ?نِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34)) ـ الزخرف.
وفي مواضع أخرى في عذاب الأمم السابقة تطرق النص القرآني لبعض وصف أحوالهم الحضرية ومتعلقات العمران والمدنية, فقد ذكر أقوام عاد وثمود وقوم فرعون وتجمعاتهم السكنية في آيات متعددة منها وصفه تعالى لتجمعات مدائن صالح ولوط ووصف الأخيرة بوصف المفرد لا الجمع في الآية الأولى التالية, ووصف تجمعات عاد وثمود لعظمها بصيغة الجمع (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ.وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38))ـ العنكبوت. فاستعمل النص القرآني البليغ مفرد كلمة "دارهم" في هذه الآية علما أنه استعملها بصيغة الجمع "ديارهم" في مواطن أخرى في سورة هود وعذاب استئصال قوم شعيب عليه السلام في قوله تعالى (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94))ـ هود. كما أشار النص القرآني لعمران أقوام ثمود وعاد وعلو شأو مدنيتهم وعمارتهم في مواطن أخرى كما في الآية الكريمة (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9))ـ الفجر.
وبعد هذا العرض الأولي, على طريق دراسات جادة أخرى تتأمل النص القرآني في متعلقات العمران البشري ودلالاته, نلاحظ ورود ثلاث كلمات أساسية لها دلالات خاصة, وهي القرية, والمدينة والبلدة, فما هي دلالات كل منها؟.
يلاحظ المتأمل للنص القرآني الفريد أن كلمة "قرية" وردت لتوصيف التجمعات البشرية الكبيرة ذات الكيان والقوة وأنها, بخلاف ما يتبادر للذهن اليوم, كان لتجمعات "حضرية" مهمة في العالم القديم ـ وليست مجتمعات ريفية كما نظن اليوم. وقد وردت في مواضع متعددة تؤكد المعنى الذي ذهبنا إليه, اعتمادا على تفاسير عصرية للقرآن الكريم منها تفسير العلاّمة الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله, ومنها قوله تعالى (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَ?ذَا الْقُرْآنُ عَلَى? رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31))ـ الزخرف. أو النص القرآني في أية (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)) النحل. أو قوله تعالى (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً.وَكَذَ?لِكَ يَفْعَلُونَ (34)) ـ النمل. أو الآية الكريمة (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34)) سبأ. أو كما في آية (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى? قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَ?ذِهِ الْقَرْيَةِ.إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31))ـ العنكبوت. أو الآية (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى? أَهْلِ هَ?ذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34))ـ العنكبوت. أو في آية (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَ?ذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ ? سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161))ـ الأعراف. وآية (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ? لَا تَأْتِيهِمْ ? كَذَ?لِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163)) ـ الأعراف. وكذلك الآية الكريمة (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4))ـ الأعراف. وآية (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ? قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88))ـ الأعراف. والأية (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ.إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82))ـ الأعراف. وآية (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94))ـ الأعراف. وكذلك في الآية الكريمة حيث يعيب النص القرآني على أهل القرى عدم إيمانهم (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى? آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَ?كِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى? أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى? أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ? فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99))ـ الأعراف. وكذلك في الآية الكريمة (تِلْكَ الْقُرَى? نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا ? وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ ? كَذَ?لِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى? قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101))ـ الأعراف. أو لفظة أم القرى بالاشارة الى مكة المكرمة في قوله تعالى (وَهَ?ذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى? وَمَنْ حَوْلَهَا ? وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ.وَهُمْ عَلَى? صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92)) الأنعام. وآية (وَتِلْكَ الْقُرَى? أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59))ـ الكهف. فالنصوص السابقة جميعا تصور القرية كمجتمعات متطورة بها قدر من التعقيد ـ يتفوق بمراحل على القرية النائية بمفهومنا اليوم ـ وهو مجتمع بالتصوير القرآني ذو حرف وتجارة وقوة ومهابة. وبعض هذه القرى صوّرها النص القرآني واقعة على مواقع جغرافية متعددة سواء على خطوط التجارة "البرية", كمكة المكرمة التي كانت معلومة أهميتها التجارية والدينية في العالم القديم كحاضرة مهمة, أو "البحرية" ـ (القرية التي كانت حاضرة البحر) أو قرية بني إسرائيل. نكمل الموضوع في الجزء الثاني يوم الثلاثاء المقبل بمشيئة الله.


د. وليد أحمد السيد
باحث وأكاديمي ـ مدير مجموعة لونارد ودار معمار بلندن


أعلى



 





نفض الغبار.. مثنى وثلاث ورباع

ما عقدت العزم على تسطير شيء في سفري، بيد أن القلم أبى إلا وأن ينطق ويكتب الحقيقة المنسية كما يريد لا كما يراد منه، قائلاً:
تراكم الغبار على جزيرة متروكة خربة منسية..
وحينما تزداد توغلاً في مناطقها المجاورة يزداد التراكم مثنى وثلاث ورباع..
البيوت سوداء.. والناس فقراء..
عصرها عالم الحداثة وما بعد الحداثة، بيد أن آثارها قد شوهت ، وحروفها قد محيت ، وعلومها جفت ، ومعالمها قد طمست..
لا ترى فيها الأنوار إلا قليلا..
لا سيارة فيها.. ولا دراجة نارية ولا هوائية.. وسيلة النقل لديهم هو الحمار أو المشي على الأقدام..
لا تعرف النظافة ولا النظام..
مزدحمة بالمارّة من عرب وأفارقة وأجانب..
بها الضجيج الصخب.. والصراخ المزعج.. والحركة المستمرة ذهاباً وإياباً..
من يسقط مريضاً إما أن يسعف على الحمار، وإما أن تقتله الملاريا..
موقعها في الشرق الأفريقي، إنها جزيرة لامو..
ساقنا القدر إليها، وكنا ثلاثة..
تجولنا في سوقها.. ومررنا بين بيوتها.. وتعرّفنا على أهلها..
دكاكينها متواضعة متآكلة، وبضائعها هي الفواكه والأسماك والأدوات التراثية، وبعض الأشياء الضرورية المستوردة عبر القوارب الخشبية والزوارق الحديثة الصغيرة.
بيوتها من الطراز القديم، ونوافذها شبابيك خشبية، يبنون بيوتهم من الأحجار أو الطين وبعضهم من الإسمنت والمواد الحديثة، بيد أن طريقة البناء الكلاسيكية وهيكل الممار السككية كأنك في مطرح القديمة أو نزوى بيضة الإسلام..
اشترى الأجانب ما يقارب 400 بيت، منها ما حوّل إلى فنادق، ومنها ما يسكنه الأجانب بأنفسهم..
من يكن غريباً عن الجزيرة يُعرف من بين الناس، فكنا غرباء عن الجزيرة، ولسنا بغرباء، فملابسنا ملابسهم، وطعامنا طعامهم، وهيئتنا كهيئتهم، وديننا دينهم، يرتدون الدشداشة العمانية، والكمة العمانية، بيد أني لا أعرف لغتهم السواحلية إلا قليلاً، وصهيب في أول زيارة له للشرق الأفريقي فلا يعرف شيئاً من لغتهم، وعليان فهو المتكلم بلساننا ولسانهم، ومنهم من يتحدث العربية التي تلقاها من خلال مدارس القرآن..
وفجأة.. صرخ أحدهم بأعلى صوته حينما رآنا قائلاً: لامو أصلها عمانية..!!
زرنا المدارس والمساجد وبعض الآثار القديمة، فمساجدها كمسجد قصرى ونزوى ومنح وبهلا..
إن مسجد الوالي سيف بن سالم بن خلفان بن عامر البوسعيدي مسجد شيّده العمانيون، قالوا لنا حينما زرناه: (هذا المسجد لكم فهو أصله مسجد عماني).
الأموات أموات، لا ينطقون، ولا يتحركون، ولا يعقلون، ولا روح لهم ولا نَفس ولا تحس لهم همساً ولا ركزاً، تلك حال المقبرة التي قرب مسجد الوالي سيف، بيد أنها تقول بلا كلام: أنا عمانية.. هكذا أخبرنا الأحياء منهم..
وبين الحين والآخر نتجول بين سكك لامو.. فحينما نرى بعض من نلمس فيه الروح العربية نسأله عن اسمه وقبيلته فمنهم من يقول: أنا فلان البوسعيدي، وآخر يقول: أنا فلان الزكواني، وبعضهم قال: أنا فلان المعولي، وهناك من قال: أنا فلان الكندي، ومنهم من قال: النبهاني والوائلي والنوفلي والحجري...
قبائل عربية عمانية أصيلة.. طوت صفحاتها مرارة الأيام، وقساوة الزمان، وهجرة الأخوان.. فلا يعرفون شيئاً عن أصلهم سوى أنهم من عمان..
قال لنا أحدهم: جدتي كانت تقول لي: نحن أصلنا من عمان.. يقول: كنت صغيراً يومها، كان شعرها طويلاً عربياً، وكان لسانها عربياً قحاً..
فبادرته بالسؤال: ما اسم جدتك؟
فأجاب: نورة بنت عيسى بن محمد النوفلي..
إنه اسم عماني أصيل..
الألم.. الحزن.. الأسى.. مشاعر طالما خالجت نفوسنا جميعاً في لامو وما بعد لامو..
حينما نجلس معاً على إنفراد وعلى طاولة الأطعمة اللذيذة من الفاكهة والعصائر الطازجة كان الحوار والنقاش للوضع القائم في لامو الشريك والرفيق..
وحينها نفضي لبعضنا بعضاً بخواطر الأفكار وسوانح الآراء علنا نصل إلى حل ناجع، ورأي صائب، بيد أن العين بصيرة واليد قصيرة..
فصهيب يتمنى أن يرجع التاريخ كما كان..
وعليان يتمنى أن يرجع العرب العمانيون إلى وطنهم الأم..
وأحمد يفكر في العلاج لهذه المأساة..
أجل.. إنها مأساة.. ومأساة المأساة.. في انتظار من ينفض عنها الغبار المتراكم منذ سنين طويلة الأمد..
بيد أن المأساة الأكبر منها، حينما رحلنا بعد لامو إلى مأساة مثنى وثلاث ورباع..
بدايتها كانت شاقة وصعبة.. والوصول إليها كان أصعب..
استأجرنا قارباً خشبياً قديماً ذا شراع، بقيمة (10000) شلنج كينياً، ذهاباً وإياباً، قيل لنا: خذوا معكم جميع المؤن الغذائية. فأخذنا الرز والطحين والسكر والملح والبصل والثوم وكل ما هو ضروري لطهي الطعام..
في بداية الرحلة كنا نتمتع بحسن أدب الحديث، وجميل المناظر الخلابة فنرى الأشجار اليافعة في وسط البحار، فتارة نصور، ومرة نعلق، وأخرى نسبح بحمدالله الذي أحسن كل شيء خلقه..
صهيب استلذ الجو لحفظ القرآن ومذاكرة النحو..
وعليان النحوي يشارك صهيب في مذاكرة النحو مرة، ومرة يتفكر في مخلوقات الله..
وأحمد مسك كتاباً وأخذ يقرأ، وتارة يمزج الجو بالمزاح والابتسامة السعيدة الحزينة..
بعد ساعة من انطلاقنا، وفجأة.. هبت عاصفة قوية في منتصف الطريق مع تساقط المطر، كلنا كنا خائفين، حتى قائد القارب ومساعدَيه.. بيد أنهم استطاعوا السيطرة على الوضع بعد نصف ساعة تقريباً..
ووصلنا إلى المثنى وكانت جزيرة باته..
بيد أنه لتراجع البحر مسافة طويلة عن الشاطئ ولثقل القارب الخشبي لم نستطع الوصول إلى ضفة الشاطئ، وعلق القارب مكانه..
سألنا قائد القارب: ما العمل؟
قال: اتصلوا بزورق صغير ليأخذكم من هنا، أو انتظروا إلى أن يزداد الماء ويرتفع ويتراجع البحر إلى الشاطئ..
يكفي عليان شرف المحاولة، فقد حاول الاتصال لإنقاذنا.. غير أن المحاولات كلها بآت بالفشل.. قلنا ننتظر.. وبقي السؤال يجول في أذهاننا إلى متى؟!، وكان الجواب صمتاً، ثم لا أحد يدري.. فنحن نرى باته من بعيد وهي تطل علينا بأشجارها المثمرة، نريد الوصول إليها، نريد التعرّف عليها، أهي كلامو أم أسوأ حالاً..؟.
حينها اقترح بعضنا قطع المسافة مشياً على الأقدام في البحر إلى شاطئ باته..
الحمل ثقيل.. والمسافة طويلة لا تقل عن كيلومتر ونصف تقريباً.. والسماء ملتحفة بالغيوم..
صرنا معلقين.. فكرنا طويلاً.. وتشاورنا مراراً..
ثم اتخذنا القرار.. المشي على الأقدام.. وخوض البحار..
أجل..
خضنا البحر..
الطريق في البحار وعرة وشاقة، فمن فوقنا تتساقط الأمطار، ومن تحتنا تجرحنا شعب مرجانية وأشجار، وتؤذينا الحفر والأحجار، فمرة نسقط في حفر عميقة، وابتلت ملابسنا، ومرة نتعب من المشي في الماء، فالماشي في الماء ليس كالمشي على اليابسة، كنا نتتبع آثار الرمال في البحر، فحيثما نرى الرمال واضحة فذلك دليل لنا على عدم عمق البحر، وعلى خلو المكان من الحفر، وهكذا قطعنا تلك المسافة بشق الأنفس.. والحمدلله على كل حال..
وصلنا إلى شاطئ باته وجلسنا نستريح من العناء والمشقة..
جاءنا طه.. ليأخذنا إلى بيت الضيافة في باته..
مشى أمامنا ومشينا خلفه.. مررنا على أطفال مساكين، البراءة في وجوههم.. ورجال عجّز ضعاف، الجوع أكل أجسامهم.. وشباب ناحلة أجسادهم لا من الزهد والرشاقة وإنما من قلة الطعام، ونساء أخفت القذارة والفقر والإهمال جمالهن، يطبخن على الحطب في قدور قديمة.. ورأينا بيوتاً بنيت من الطين والحجر وسعف النارجيل وبنفس طريقة بناء لامو أو مطرح القديمة أو نزوى.. لم نكن آبهين بكل ذلك..
كان همنا الوصول إلى بيت الضيافة للاستراحة وأكل وجبة الغداء..
ليس كل ما يتصوره الإنسان يكون كما هو، كنا نتصور أن بيت الضيافة بيتٌ راقٍ، يحتوي على المصابيح والأسرّة الناعمة، والصالة المريحة، والحمامات المتطورة، بيد أن كل ذلك لم يكن، وكما يقال لا تغرّك المسميات..
بيت الضيافة كان بيتاً به ستة غرف، كل غرفة بها سريران وبعضها ثلاثة أسرّة، والأسرّة خشبية قديمة كل سرير يحتاج إلى أسبوع لتنظيفه..
حاولت النوم بعد صلاة الظهر بلا وسادة، مع التفكير في الغداء الذي كنا ننتظر تجهيزه، ومن طبيعتي لا أستطيع النوم بلا وسادة، وبالليل من شدة التعب ولعدم وجود الإنارة نمت على وسادة شعرت بالراحة من نعومتها، بيد أني لما رأيتها في الصباح الباكر، قلت لصاحبي: الحمدلله أني لم أر البارحة شكل الوسادة وإلا لصارعت النوم كما صارعته ظهر أمس.. كانت رائحتها قذرة، وسواد القذارة غطاء لونها الأبيض..
لا إضاءة في بيت الضيافة ولا كهرباء ولا شبكة اتصالات، القنديل القديم والشمع القصير، هما اللذان نستخدمهما لتمزيق ظلام الليل للذهاب إلى الحمام أو لأكل الطعام .. ولا طعام ولا ماء، بيد أننا جئنا بالأطعمة معنا لتطبخ في بيت الضيافة..
المطبخ قديم مهجور.. والنساء يطبخن في عريش على الحطب والفحم..
الحمام بلا ماء وإنما الماء يجلب إليه عبر الآنية ثم يسكب في حوض واسع ومنه نجلب الماء بوعاء صغير للسباحة أو التطهر أو الوضوء..
أفضل مكان في بيت الضيافة هو الشرفة، إذ أنها في الطابق العلوي، وتطل على البحر وشجر الموز والنارجيل، وبها سريران غير مفروشين للجلوس عليهما، فكنا نجلس نحن الثلاثة هناك فترة الصباح قليلاً وفترة الليل طويلاً، لكون ساعات الليل عندهم طويلة، ولا عمل لدينا حينها ولا نستطيع أداء أي عمل آخر غير التسامر مع بعضنا بعضاً وتارة نحدث النجوم ونتذكر الأهل والأصحاب والأوطان..
خرجنا عصر يوم وصولنا لنتعرّف على الجزيرة..
حالها أشدُّ بؤساً ومأساة من لامو، بل هناك مِن أهل لامو مَن يساعد أهل باته خاصة في شهر رمضان الكريم..
بها الكثير من القبائل العمانية، مثل النبهاني والخالدي والكندي وغيرها، وأكثرهم النباهنة، ولديهم مسجد وحارة خاصة بهم، ويقولون: بأن أصلهم من عمان.. بيد أنهم لا يعرفون شيئاً عن عمان.. ولا يدرون متى هاجر أجدادهم من عمان إلى باته..
ولكن يعلم الله مستقرهم ومستودعهم، وهو المتكفل برزقهم، بيد أن الأرض ضاقت عليهم بما رحبت..
وإذا ما خيم الليل يلجأ الأهالي إلى بيوتهم، كما تلجأ الطيور إلى أعشاشها، بعضهم يترك أبناءه وأهله في تلك البيوت الحجرية والطينية، ويخرج في ظلمة الليل ليطلب الرزق من التيه البحري، الذي لا عاصم من مخاطره إلا الله، وفي صباح الباكر تراهم يعرضون ما اصطادوه للبيع والشراء بثمن بخس..
الطرق بين البيوت مرصوفة بالأسمنت رصفها لهم السياح الأوربيون..
بها مدرستان لتعليم القرآن الكريم واللغة العربية.. والبعض فتح بيته ليعلم أبناء الحارة وبناتها القرآن المجيد.. أطفال يقرأون القرآن العزيز بالترتيل والتجويد.. وقدمنا للآباء والأبناء بعض الإرشادات والنصائح، لكننا لم نستطع أن نقدم لهم سبل النجاة والإنقاذ، بيد أن زيارتنا لهم أدخلت في قلوبهم المسرة والفرحة والأمل والتفاؤل والرجاء بمستقبل جديد زاهر، حتى قال لنا بعضهم: أنتم أول أناس يزوروننا من عمان وطن أجدادنا..
هذه مأساة باته.. تنتظر من ينفض عنها الغبار المتراكم منذ سنين طويلة الأمد..
وفي اليوم التالي استأجرنا دراجات نارية لتقلنا من المثنى إلى الثلاث.. وكانت الثالثة سييو.. وسييو هذه منطقة تقع في جزيرة باته..
أجل ركبنا الدراجات النارية.. إذ لا سيارة ولا شيء في باته وسييو.. فالتنقل بينها إما مشياً على الأقدام أو ركوباً على الحمار أو الدراجات النارية والتي تُعدُّ على الأصابع، فاخترنا الدراجات النارية، ومع هذا أيضاً ركبنا الحمار في سييو..
استقبلنا هناك بعض الشباب الصالحين، ونزلنا بيت شيخ القرية أحمد الوائلي..
حالها كحال باته إذ هي جزء منها.. ليس في المناخ والتضاريس الجغرافية فحسب، بل حتى في التضاريس المأساوية..
بها الكثير من القبائل العمانية أيضاً، بها قبيلة السعدي، والوائلي والكندي، وبعض القبائل اليمنية كالعمودي والسقاف..
وقفنا أمام حصن شامخ، ينطق بصوت مهموس في آذان الزائرين قائلاً لهم: مجدي عماني..
بها المساجد القديمة التي شيّدها العمانيون.. والمخطوطات العربية بالخط العربي الرائق..
إنه تاريخ قديم.. وعظيم..
تراكم عليه الغبار وطوته السنون والأيام.. مأساة هي الأخرى، تنتظر المخلص الذي سينفض عنها الغبار..
وأما الرباع فهي منطقة فازا..
والتي لم يسعفنا الوقت لزيارتها بيد أن الأهالي يقولون: أن حالها ليس بأفضل من حال لامو وباته وسييو..
وبها الكثير من القبائل العربية والعمانية..
إنها حقائق مأساوية.. ما زالت تعيش في عمق التاريخ..
ليست بأضغاث أحلام، ولا قصة القصاص، ولا رواية من خيال، أو رواية تاريخية قد مضت وانقضى عهدها، بل حقيقة ناطقة يعيشها أولئك المساكين في زمن العولمة وما بعد العولمة..
والكل هناك يكافح العيش ويغالبه، كما يصارع المرض الفتاك وينازله، وحال لسانهم ينطق بلغة الإيمان قائلاً: الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر..
أجل..
لقد تراكم الغبار على لامو وباته وسييو وفازا مثنى وثلاث ورباع..
ومهما يكن من أمر، فلسان حالهم ينطق متسائلاً، مَن المخلص يا ترى الذي سينفض هذا الغبار..؟؟.
ومتى..؟ وكيف..؟ ومن أين..؟ وبماذا..؟؟
أم سيستمر طي صفحاتها كطي السجل للكتب..؟!
هذا ما أتركه لك أنت يا صاحب التاريخ، يا من طوى صفحاته في جزر تأكل منسأتها الأرضة.. وتمزقها الأيدي العابثة، حتى لا يبقى لها أدنى أثر..
هذا ما أراد القلم تسطيره، بلا فخر، ولا إعجاب، بل بحبر يملأه الأسى، وحزن يملأه الألم، وعزاء يملأه الأمل، وسطور سطرت لا لتلغي التاريخ، وإنما لتذكر به، وتسمو بالتراث وسبل الحقيقة، ولترتفع بالفقراء والمساكين، وتحقق المقاصد من المعاني القرآنية في التعاون والمحبة والإخاء..

أحمد بن مبارك النوفلي


* كاتب عماني

أعلى


 







تمزج عواطف الإنسان بتقنيات العصر
الروسية فالنتينا إيفاشيفا تدعو الأدباء للانضمام إلى قافلة التكنولوجيا
تأثيرات التكنولوجيا دفعت نقاد الأدب والمؤرخين بقوة كي يولوها اهتماما جادا
الميكنة والصناعات المتطورة جعلت الغرب يلهث وراء الماديات على حساب الأفكار الشعرية والتراث الإنساني
القاهرة ـ من حسام محمود:
حرصت الدكتورة فالنتينا إيفاشيفا كأديبة وناقدة لها مكانتها العلمية المرموقة في روسيا, على الإلمام بمعارف العصر من جهة, والدمج بينها وبين الأدب التراثي والحديث من جهة أخرى, وتعد نموذجا يحتذى به في معالجة سلبيات الرأسمالية, وتطويع النظم الاشتراكية والشمولية لصالح الشعوب, وهي من كبار أساتذة الأدب الإنجليزي بجامعة موسكو, وصدر لها ما يزيد على خمسة عشر كتابا عنه في القرنين التاسع عشر والعشرين, في ضوء حرصها على تدوين مراحل المعرفة.
وتأتي أهمية هذا الكتاب (الثورة التكنولوجية والأدب) الذي أصدرته الكاتبة من تأثيريهما العريض على كثير من مظاهر الحياة في كافة الدول المتقدمة صناعيا في العالم, وهذا المزج الطريف بين العلم والأدب, وبين عواطف وأفكار الإنسان وتقنيات العصر.

أنماط حضارية

الكتاب الذي ترجمه مؤخراً عبدالحميد سليم وصدر عن مكتبة الأسرة بالقاهرة تستهله الكاتبة بالحديث عن ألوان الاندماج الحسي والشعوري بين العلم والأدب في العالم, حيث تصقل العواطف قدرات الإنسان في أي عصر على الابتكار, وخوض مجالات جديدة باستخدام الحاسوب والانترنت, كما أن التكنولوجيا الحديثة تستطيع تقديم آلاف الأدباء والشعراء, والنقاد العرب والأجانب بالتحرر من القيود, وكسر الاحتكار الإقليمي لبعض الفنون اللغوية التي قد تبرع فيها شعوب أخرى ببقاع مغايرة بالمعمورة, وهذا يجعل الفرد والجماعة قادرين على اجتياز الصعاب بقوة, وتقنين دواوين الشعر والنثر, والتخلي عن سطوة النقد غير العادل, إلى روضة النقد البناء الذي يزيد من عنفوان الأدب وتوهجه.
ولعل تداول الآراء عبر المنتديات الأدبية والصالونات الفكرية عبر الشبكة العالمية للمعلومات الدولية (الإنترنت) قد حفز الآلاف على الكتابة, وبل وعلى الاختراع وابتكار الملايين من أنماط المعرفة والنقل والتراجم الواسعة الميادين, التي تصل إلى حوالي 120 مليون باحث وأديب وشاعر في شتى أنحاء المعمورة, وفي الوقت ذاته هناك إمكانية قصوى للتفاعلات الثقافية والأدبية بين الشرق والغرب, وربط الأوطان أدبيا وتراثيا بمواد مختارة من أبدع ما ينتجه الكتاب عبر الانترنت, واستخدام البريد الالكتروني في التواصل الثقافي والأدبي المنشود, بالإضافة إلى توفير مناخ لتدفق لا نهائي من المعلومات والبيانات الثقافية والفكرية والأدبية, ليجد الأديب دائما بغيته المنشودة بما يدعم كتاباته بشكل لا نظير له.
ودعت الكاتبة الأدباء إلى ضرورة الانضمام لقافلة التكنولوجيا لزيادة قدراتهم على الإبداع, والتأليف بمختلف صوره, وزيادة إمكانياتهم الفنية على إخراج أفضل قيثارات الكتابة باتجاهات متباينة تصقل عقولهم, وتشحن قلوبهم بمشاعر فياضة, خاصة إذا ما اكتشف الأدباء مظاهر الحياة السوية من خلال العلوم والفنون, والفكر المستنير القائم على سرد خصائص التراث القديم, وربط عوامل الأصالة بالمعاصرة, ومراعاة عدم الانغماس في التيارات المادية وترك المعاني الروحانية.
ويمكن للأدباء التعايش مع إرهاصات الماضي البعيد, واختراعات الحاضر, وتكنولوجيا المستقبل بالمشاركة البناءة في دفع العمليتين الثقافية والمعرفية, وتدويل القضايا بغية تحقيق مآرب الشعوب في العيش بسلام وتنمية, والتعلم من التجارب الماضية بما يخدم نظيراتها القادمة, وصناعة المستقبل الفكري بزوايا رفع الإنتاج, والتخلص من عقد الاستيراد في كل شيء في السلع والخدمات والأفكار والسياسة.
وليس الأمر المنوط به في هذه الصياغات الجديدة الابتعاد المطلق عن أو بـ "التراث", لأنه جزء أصيل من تاريخ الشعوب, ولكن معرفة الأدباء والشعراء والمفكرين للعلوم والأحياء والاختراعات باتت لغة أساسية لا بد من إتقانها, وذلك بالمشاركة البناءة في دعم التقدم الفسيولوجي والتقني, بالإضافة إلى التمتع الكامل بملكات تذوق إبداعات العلوم والفنون, ودمج الاختراعات المفيدة بالمؤلفات الأدبية, خاصة إذا ما ساهمت تلك المخترعات في زيادة أبعاد الانتشار الفكري.
وللثورة التكنولوجية تأثير عريض على كثير من مظاهر الحياة في كافة الدول المتقدمة صناعيا في العالم اليوم, وليست هي موضوع الساعة فحسب, بل هي قضية من القضايا التي من المحال تجاهل أمرها, إذ فرضت تأثيرها الواضح على الوجود البشري, وعلى حيوات ملايين من الناس, ووجودها يمكن الإحساس به في الأدب في أنحاء العالم, وهو ما دفع نقاد الأدب والمؤرخين بقوة إلى أن يولوها اهتماما جادا, ففي حقبة السبعينيات من القرن المنصرم, كانت تركز الصحف والمجلات في روسيا وأوروبا على الصراعات الدائرة بين المؤرخين والمراسلين والتعليقات الأدبية عليها, وكان حينئذ لا يوجد رابط بين الثقافات والأفكار التكنولوجية, وبالتالي كان ينتظر الجميع شحن الهمم بوقف التيارات المتصارعة سياسيا وأدبيا, ووقوف العالم على قدميه لامتصاص تداعيات الحروب المستعرة, وتجديد دماء العقول المستنيرة, وتشجيع المخترعين على زيادة إنتاجهم لخدمة البشرية, لا لتقليص دور قواها في تسيير الحياة, ومن ثم صبغ هذه الدراسات الجديدة داخل كتب ومؤلفات تضعها العقول, وتكتبها أقلام المؤلفين, وتنقلها أفكار الأدباء لتكون دعامات حضارية مقننة تستلهم منها الشعوب ثوراتهم التكنولوجية.

صراع الأيدلوجيات

بالرغم من مزايا الميكنة والصناعات المتطورة, والتي تم تحديثها بعد هذا خلال العقود المنصرمة إلى الحاسوب والانترنت, فقد طغت سريعا على أسلوب الحياة ذاته, حيث وصل الأمر إلى حد ربط بعض الشعوب الأوروبية نفسها بالتروس والماكينات, والعمل بالحاسوب في شتى أغراض الحياة, بثورة ذاتية كان لها بإيجابيات عديدة, بالتقدم التقني والمعرفي وسهولة التوصل والتكامل الفكري, لكن السلبيات تمثلت في تجمد بعض فئات المجتمعات خاصة بالغرب تجاه المشاعر والعواطف الوجدانية ورغبتها الدائمة في اللهث وراء ما هو محسوب ومادي على حساب الرموز المعنوية, والأفكار الشعرية, والتراث الإنساني, وتلك هي المعضلة التي يجب الوقوف جليا للتصدي إليها حتى لا يتحول المد التكنولوجي إلى لغة وحيدة تملك القلوب والعقول, وتستعمر الأفكار دون تمييز بين المجتمعات, وبالتالي تضيع مكاسب عمالقة الأدب بين غياهب النسيان التقني.
ونتيجة للميكنة الهائلة والمستعرة في العمل والمصانع بالدول الغربية تحول الكثير من الأفراد إلى تروس مميكنة وأدوات لتدوير عجلات التطوير, مما حداها إلى الوقوع في دوائر الاضطرابات العصبية والأمراض العقلية التي نتجت عن التطور العلمي والتكنولوجي السريع والأرعن في الدول الرأسمالية, وهذا أيضا عمق مأساة الشخصية والضمائر الضائعة التي ظهرت في الغرب منذ أكثر من عشرين سنة مضت, فعدم قدرة الإنسان على المواءمة مع حلقات السرعة الماجنة جعلته لا يستطيع وقفها بإرادته, أو التنازل عن مكاسبها الطاغية في كل شيء حوله.
ووسط هذا الكم الزاخر من المعطيات الفكرية الجديدة التي خلفتها الثورات الصناعية ظهرت سلبيات عديدة من بينها: انكشاف الهوة الفكرية والأيديولوجية بين المردودات المادية, والتباعد العقلي والوجداني بين الشعوب الرأسمالية الساعية وراء مصالحها فقط, وتجلت أبعاد خطيرة للتباين الفسيولوجي والتقني بين شعوب المعمورة, خاصة اللاهثة وراء المكاسب المادية بغض النظر عن ما ينتجونه من ابتكارات تهدد الوجود البشري ذاته, كالقنابل الذرية التي حطمت الشعب الياباني بإلقاء أميركا قنبلتي هيروشيما ونجازاكي في نهاية الحرب العالمية الثانية, ثم واصل العالم تطوير هذه التقنيات لعقود طويلة, حتى زادت مخاطر الإشعاع النووي, وانتشرت المفاعلات الذرية, وبات الصراع حول سباق امتلاكها.
وتجلت المشاعر الفياضة النابعة من الضمائر في هذه المراحل, التي واكبت التدفق الحضاري التكنولوجي غير المحسوب في نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي, فمالبث أن تقاذفت براكين الإبداع النووي مساوئها التي تمثلت في تطوير القنابل الذرية, وتطبيق الاكتشافات العلمية على المجالات العسكرية التي تحطم إرادة وكيان ووجود الشعوب, وتنسف تاريخها بالبارود والإشعاع النووي.
وكشفت العلوم التكنولوجية حينئذ عن وجه قبيح صنعه القادة العسكريون بتسييس التخصيب النووي لصالح الأطماع التوسعية, وبناء الإمبراطوريات بلا رحمة, وتهديد الشعوب بفنائها من على وجه الأرض, ليستفيق الجميع من غفواتهم على ما صنعوه بأيديهم من تهديدات, باتت المنظمات والهيئات الدولية تحاول جاهدة السيطرة عليها, فعصر العلم الواعد له صور سلبية لا محالة, ومنكرة لا تقل قتامة عن الاختلالات الأيدلوجية التي واكبت اندثار بعض الحضارات, وانهيار أشكال التقدم العصري, ليهب مثقفوا الغرب وهم يجدون أنفسهم يتمزقون بأطروحات مغلوطة تشوه وجه الحضارات والعلوم والمعارف.

تصادم الأفكار

من الغريب ما تثيره الثورة التكنولوجية في الغرب عند الكثيرين من الناس من رؤى الدمار البيئي, وإبادة الطيور بالمبيدات الحشرية والسيارات التي يخرج عادمها دخانا يهدد البشرية والكائنات الحية, بل ونتج عن الميكنة الاقتصادية الهائلة البطالة الماجنة ذات التأثيرات الخطيرة على المجتمعات بانتشار الجرائم.
وهناك فروق جوهرية بين المجتمعات النامية والمتقدمة والفقيرة من حيث انتشار مظاهر وانعكاسات الاشتراكية والرأسمالية, واكتشاف ايجابيات وسلبيات الثورات التكنولوجية المتعاقبة, لكن الثابت الآن هو وجود معادلات ذات خصائص مختلفة في تطورها داخل النظم الاقتصادية والسياسية, لم تهز عقول الناس فقط, بل غيرت مستقبل البشرية كلها, بل وأجبرت كثيرا من الشعوب على تغيير أنماط حياتها, والصعود فوق مراتب العلم والتكنولوجيا إلى حدود تبديل الهياكل الاجتماعية, وجلب الدمار والخراب على الإنسانية جمعاء لتكالب الجميع على طلب المال بلغة العصر . كما خلقت هذه الصراعات نوعا غريبا ومريبا من العداوات الخفية والظاهرة بين فئات بعينها كأثرياء البرجوازية, والمستغلين من الفاسدين والمخربين, ومحترفي الرأسمالية الذين مهما طغوا سوف يسقطون في النهاية بسبب مساوئ ابتعادهم عن روح الإنسانية السمحة, وأفكار التسامح, وتبديل العمل العضلي والبشري, بتفضيل الميكنة حتى في التفكير, وليس المطلوب بالطبع التخلف عن ركب التطوير, ولكن ليس المطلوب أيضا إلغاء العقول والحكماء, واستبدالهم بالثورات التقنية وأجهزة نشر المعلومات المدونة المقروءة والمسموعة والمرئية, فكل هذه التناقضات الحادة تصنع الأزمات والاختلالات الشعبية.
وهناك مثال رائع على مدى النبوغ التكنولوجي بروية, وهو ما وقع في بريطانيا هذا البلد الغربي المتحضر الذي اتخذ الثورة التكنولوجية كبداية حرة, لينطلق بسرعة كبلد رأسمالي كلاسيكي, نما من ثورة صناعية في أواخر القرن الثامن عشر إلى خضم التحديث في القرن التاسع عشر, ومن هذا تجلت معارف ومخترعات المملكة المتحدة كأمة في مقدمة مناطق العالم بمعاول أفكارها التي حطمت الصخور لتصنع حضارة متقدمة ومزدهرة بانفجارات علمية فاقت الوصف في منتصف القرن العشرين.
أما اليوم فقد وجدت الولايات المتحدة نفسها بجهودها الدءوبة التي لا يمكن إغفالها في هذه المكانة التي تتزعم فيها الثورة المعلوماتية والتكنولوجية في الغرب, واستغلت ثراءها لدعم تجاربها ومخترعاتها, وربطها بالإنتاج العلمي وتشجيع الجهابذة, ولكن مع طغيان هذه الأفكار الجديدة بزغت أطروحات مستجدة لمشكلات اجتماعية ونفسية في الغرب وفي أميركا ذاتها, بسبب تبدل الأحوال التقليدية لمستويات المعيشة, وشعور الشعوب بأنها صارت أقل قدرا من الميكنة العاملة في كل شيء, وفقدانها قدرات كبيرة على المواكبة البشرية لما قد تم اختراعه, لتهبط إنجازات البحث العلمي, خلف الصراعات الاجتماعية في أوساط الغرب المتحضر, وتتكالب المشكلات النفسية بين الفلاسفة والصحفيين وغيرهم من فئات المفكرين الذين طفقوا يحاولون لملمة باقي حطام ما فقد من حضارات بعيدة كانت قائمة على الفكر الحقيقي, والإبداع الطبيعي بدلا من الآلات والمعدات.
لقد قرأ العالم الكثير جدا على مدى عشرات السنين الأخيرة عن زيادة الإصابة بمختلف الأمراض العقلية, والحالات المعقدة للتصادم الفكري بين الحقيقة والخيال, وتعد الحد الفاصل التي تصل بالإنسانية إلى حافة الجنون, وهناك آلاف ابتلعتهم مستشفيات الطب بسبب عدم قدرتهم على مجابهة طوفان الرأسمالية, والضوضاء المخيفة في المدن الكبرى, ورعد الماكينات الذي يصم الأذان, وضجيج السرعة المتزايدة للسيارات والموتوسيكلات, وانتشار المطارات وأصوات الطائرات المرعب, كما أن المخ البشري لا يستطيع التعامل مع هذا الكم الهائل من المعلومات المفروضة عليه في عصر الرأسمالية الجامحة التي شوهت أركان الحياة العادية, وخلفت وراءها الكثير من الضحايا.
ووصل الأمر إلى حد قمة الدراما الاجتماعية بوجود اختلالات نفسية هائلة لدى الغرب نتيجة نواحي كانت تعد أمورا ترفيهية, كالحفلات الصاخبة, وأصوات الرقص والطبول في الأفراح, وطفت الإضطرابات السيكولوجية التي طغت على الأحداث اليومية للبشر, ليكون التصنيع الكامل عبئا عصبيا على القوى البشرية يلغي تفكيرها وقيمتها. ويتضح من هذا انتصار الأشياء الحسية والميكنة على الناس بصورة أقوى من ذي قبل, حتى انحصرت الأمور في تقنين المتطلبات الإنسانية والعادات والرغبات, ووجهات النظر وخبرة حياة البشر المتماثلة في تجاربهم ومدى تحقيق أهدافهم, حتى وصل الأمر إلى بحث البشرية عن سبل التخلص من سلبيات الرأسمالية, وتطوريها للخلاص من تناقضاتها, ومواجهة العداوات والصراعات المستقبلية الناتجة عنها باستعداد كامل لها, وسط تحذير كثير من المؤلفين والمبدعين من خطورة تحول البشر إلى عبيد للنظام الرأسمالي, فالفراغ الروحاني والفكري يدفع الفرد إلى الوقوع فريسة سيطرة التقنيات.
* وكالة الأنباء العربية


أعلى


 




حوار بسيط في تقنيات السرد.. "بناء الحدث"
يهيمن "البناء المتتابع" على أنواع القصّ التقليدي الشفاهي والمكتوب من حكاية خرافية وملاحم وسير شعبية

في البناء المتداخل يجري التغيير في ترتيب الأحداث وتواليها لا في جوهرها


يعني بناء الحدث هنا الترتيب الذي يكون عليه الحدث ، أي صورة تواليه في الأزمان ... وهناك مجموعة الأبنية الشائعة في الروايات.. (وهنا يكون الحديث عن الخطاب الروائي).
البناء المتتابع: عرف هذا البناء منذ القديم ، ويُعرف بالبناء التقليدي ، ولكن مصطلح البناء التقليدي لا يحدّد طبيعة هذا البناء وخصائصه.
ويعني التتابع: تعاقب الأحداث في الزمان . فهو البناء الخاص لحدث الرواية ، الذي يبدأ من نقطة محدّدة ويتتابع وصولا إلى نهاية معيـّنة دون ارتداد أو عودة إلى الخلف . فأبرز خصائص هذا البناء : سرد الوقائع حسب ترتيبها الزمني ، أي أنه يقوم على توالي سرد الأحداث الواحد تلو الآخر مع وجود خيط رابط بينهما.
ويهيمن هذا البناء على أنواع القصّ التقليدي الشفاهي والمكتوب من حكاية خرافية وملاحم وسير شعبية ، حيث تترابط الأحداث وتتسارع دون استخدام للوصف أو التفات إلى المشاهد الدرامية ، وإنما تـُقدّم الأحداث شريطا واحدا. ويرى بعض النقـّاد أنه إذا انعدم التتابع تلاشت القصة وتحوّلت إلى لوحة وصفيّة لا يربط بين عناصرها سوى التجاور المكاني.
وربما شاع هذا اللون في القديم لتأثـّر القصّ بالتاريخ ، واعتماد الخيال الجانح والتهويل والمبالغات.
ومن المهم أن نذكر أن البناء المتتابع يتساوق مع بناء الحبكة ، وهذا يعني انعدام التخطيب. فالسرد في هذا اللون يعيد تقديم الحبكة بأسلوب موسّع ، يقدّم الأحداث على وفق ورودها في الحبكة ذاتها.
ومن مميزات البناء المتتابع: الاستهلال المتميِّز الذي تبنى عليه الأحداث فيما بعد ، والاستهلال يقدّم إطارا عامـّا يحدّد بوساطته زمان الحدث ومكانه ، ويرصد تطوّر الحدث في الرواية ، كما أنه يعمل فعلا على نموّ الأحداث ، ويسعف غالبا في معرفة القارئ بنتائج الرواية دون إكمالها أحيانا.
وكذلك خضوع بناء الحدث لمبدأ السببية ، فالأحداث والأفعال مترابطة يقود أحدها إلى الآخر فيكون الأول سببا في حدوث الثاني ، ومن هنا تكون متابعة الحدث بسيطة وممكنة للقارئ المبتدئ ، بحيث يستطيع إدراك حركة الفعل وصعوده نحو القمـّة ثم هبوطه تجاه النهاية.
وأيضا بساطة الأحداث حيث تدور حول محور أساسي واحد . أي أن الرواية تدور حول قضية جوهرية واحدة . وهذا النمط من البناء يتضمن مغزى واحدا أو أكثر قليلا ، ويطرح مضمونا محدّدا أو أكثر قليلا لكنه لا يقدّم تحليلا شاملا متكاملا للمجتمع أو البيئة أو الرؤية الفلسفية أو النفسية التي تعالجها الرواية. فـوحدة الطرح توحّد بين الحدث والشخصيات.
كما يميل البناء المتتابع إلى المحاكاة التي تكاد تطابق الواقع الموضوعي ، ويعكس التجارب المعبّر عنها بما يشبه حدوثها في الحياة . وهنا يكون دور المبدع المعاينة المباشرة ، دون أن يعني ذلك غياب رؤية الكاتب نفسه .
وكذلك إغراق الحدث بكثرة التفاصيل حول القضية الواحدة (ذات البعد الواحد). بحيث تتراكم هذه التفاصيل إلى درجة الإملال ، مما يحـدّ أحيانا من التطوّر الطبيعي للحدث . ويتبع ذلك إغراق النصّ بأمور خارجة عن سياق الوقائع والأحداث . والإكثار من التعليقات والمداخلات التي تـُـعدّ حشوا . وليس هذا الأمر عامـّا في كل روايات الحدث المتتابع.
وكذلك سيطرة النغمة الخطابية المباشرة في التعبير ، وكثرة الحشو ، فتكون بعض المقاطع السردية ثقيلة ومقحمة على النصّ ؛ لأنها تبعد النصّ عن التكثيف الذي يُعدّ أهمّ ميزة للشعرية .
ومن ناحية أخرى ربـّما كان الراوي الكليّ العلم هو المسيطر على كثير من روايات البناء المتتابع ، ومرّة أخرى لا يمكن الجزم بذلك ، لكن طبيعة هذا البناء توحي بهيمنة الراوي العليم الخبير .

البناء المتداخل:

هو البناء الذي تتداخل فيه الأحداث ، دون اهتمام بتسلسل الزمان ، وتتقاطع الأحداث دون ضوابط منطقية، وتُقدّم دون الاهتمام بتواليها وإنما بكيفية وقوعها . ويأتي هذا الخروج على النمط التقليدي (البناء المتتابع) لدلالات فنية يقصدها الروائيّ ، تتمثـّل في الغالب في التركيز على الحدث وجعله بؤرة الاهتمام .
والواضح أن التغيير يجري في ترتيب الأحداث وتواليها لا في جوهر هذه الأحداث . وهذا اللعب بالأزمنة داخل القصة / الرواية ، عمل جمالي بحت لا يؤثر على الأحداث من الماهيّة والوجود وإنما يؤثر عليها فقط من حيث الصياغة والترتيب .
وهذا النظام في البناء يترك الحرية للمتلقي بأن يغيّر من ترتيب الحدث اعتمادا على القرائن الزمنية في النصّ الروائي . وقد مكـّن هذا البناء المبدع من استخدام الزمن استخداما متنوعا يتناسب مع التطور الحضاري الذي يشهده القرن العشرون .
لقد فرض هذا البناء على القارئ منهجا جديدا لفنّ القصّ . فلم تعد الحوادث حكاية تـُروى متسلسلة في الزمان ، إنما أصبحت مجموعة أفعال منثورة أمام القارئ تـُفرض عليه مهمة صياغتها وترتيبها وفق رؤيته ، وبما يتفق إلى حدّ كبير مع رؤية المبدِع .
إن الترتيب الزمني يغيب هنا ، ويستعاض عنه بالترتيب السردي الذي يقوم على تداخل مستويات الزمن / الحاضر والمستقبل والماضي .
إن الزمن الحاضر في هذا البناء يُعدّ نقطة الصـِّفـْر وما قبله هو الماضي وما بعده هو المستقبل . وعادة ما يُعبّر عن المستقبل بأدوات معيّنة كأدوات الاستفهام أو سوف ، أو لن .. وهكذا.
ويمكن في حالة التطبيق تنظيم جداول لكلِّ صيغة زمنية ومحاولة إحصائها والخروج منها بنتائج ... وعادة ما تكون هذه الدراسات وصفية ، لكنها ذات قيمة في نقد العمل الروائي / الفني.
ويتميز هذا البناء بـ: الاستهلال يشخـّص الوقائع ولا يعمل على سلسلتها . كما أن العلاقات بين الأحداث محكومة بالتجاور أكثر من الترابط ، مما يُشعِر المتلقي بأن مبدأ السببية مفقود ، على أنه / القارئ / يستطيع أن يستنتج الأسباب التي تقود إلى أحداث معيّنة ، أو يفسّر سلوكات بعينها .ومن ناحية أخرى فإن هذا البناء انتقائي في أحداثه وأزمانه ، إذ نجد فيه حذفا لمرحلة ما أو إيجازا لأخرى أو تركيزا على ثالثة ، وهكذا. كما يتميز بتعدّد الرواة وكثرة الشخوص التي تقدّم المعلومات في الخطاب الروائي / القصصي .
وأيضا تباين زمن الحدث عن زمن السرد ، إذ يقدّم السرد الأحداث ذات الأهمية ويؤخر الأحداث الأخرى لأنها أقلّ أهمية . وزيادة على ذلك قد يختصر السرد زمن القصة فيتحدث عن فترة عشرين سنة مثلا في صفحة واحدة ، وقد يطول السرد ويتحدث عن فترة يوم واحد في خمسين صفحة مثلا .
كما أن هذا البناء يميّز روايات تيار الوعي ، تلك الروايات التي تـُعوِّل على الكشف عن نفسيـّات الشخصيات ، وترتاد مستويات ما قبل الكلام ، وتستخدم الأحلام والتداعيات ، وتمثـّل الأفكار غير المنطوقة للشخصيات .
كما يعوِّل هذا البناء على الاسترجاع والاستباق ليؤدي وظائف متعددة في النص الروائي .
ويرتبط الحدث بقوة بالشخصية الرئيسية ، بحيث يتحوّل الحدث إلى مجموعة وقائع تضئ التاريخ الشخصي لها . وبمعنى آخر تصبح الشخصية هي البؤرة التي تتمحور حولها الأحداث ، ويأتي التشويق في هذه الحالة لا من التتابع الزمني ، وإنما من الوهج الذي يشعر به القارئ محيطا بالشخصية المحورية ، وتـُنظـّم الوقائع طبقا لصدورها من الشخصية بوصفها أفعالا لها .
إلا أن هناك خطورة من استخدام هذا البناء ، وهي أن الخيوط التي تربط الأحداث لتشكـّل فيه وحدة عضوية قد تغيب وتُفقد مما يطيح بالعمل الفني. والحقيقة أن هذا الخلل لا يأتي من استخدام هذه التقنية ، بمقدار ما يأتي من عَجْز الكاتب أحيانا .
وفي هذا البناء يكون الابتعاد عن الصيغة الخطابية والمباشرة في التعبير ، واللجوء إلى التكثيف والشعرية مع ميل إلى الغموض يعود إلى تعقيد الحدث وعمق الفكرة ، وهي سمة إيجابية لهذا النوع من الأبنية.

البناء المتوازي:

عرفت الرواية الحديثة/زيادة مع البناء المتداخل/ البناء المتوازي . حيث الاعتماد على تقسيم حدث الرواية على محاور عدّة تتوازى في زمن وقوعها ، ولكن أماكن وقوعها تكون متباعدة نسبيا . وتظل تلك الشخصيات الخاصة لتلك المحاور تنمو وتتطور إلى أن تكتفي في خاتمة العمل ، أو قد تظلّ معلـَّـقة.
وقد استخدم سارتر هذا الأسلوب في ثلاثيته المعروفة بـ"دروب الحرية" وهي: "سن الرشد" و"وقف التنفيذ" و"الحزن العميق" حيث يلاحق شخصيات متوزعة في أماكن مختلفة في أوربا عشيـّة الحرب العالمية الثانية وإبـّانها في محاولةٍ لمعرفة تأثير الحرب على هذه الشخصيات وردود أفعالها .
وقد أطلق على هذا البناء مصطلحات عدّة منها : التعاصر، والتناوب، والتداول، والتزامن، والتواقت، والتوازي .ويُعرف بأنه: عرض حكايتين تدور أحداثهما في الوقت نفسه ، أو سرد قصتين أو أكثر وقعت أحداثها في فترتين متوازيتين .
ويتميز هذا البناء بـ: الاستغناء أحيانا عن الاستهلال ؛ لأن الاستهلال أو التوطئة يرتبط بحدث واحد فقط ، فيما يقوم التوازي على غير حدث ، ولا يجوز أن يقوم استهلال واحد بتفجير مجموعة أحداث .
ويكون تقديم الحدث ، بالانتقال من محور إلى آخر ـ بالتعاقب بحيث تتوازى الوقائع في المحورين اللذين يحكمهما زمن واحد . كما تتعـدّد الأمكنة وتـتباعد. في حين ترتبط الوقائع بعلاقات سببية (مستفيدة من التتابع) وعلاقات سردية مستفيدة من التداخل. ومن أبرز تقنيات الربط في هذا البناء: التذكــُّر ، الاستدعاء بأسلوب الذاكرات ، أجهزة الاتصال الحديثة (المذياع مثلا) (في الوقت الذي يقوم فيه "س" بكذا نرى المذياع يخبر عن "ص" في اللحظة ذاتها.
وباختصار فإن التزامن في الوقوع والتناثر في المكان / بلغت عند جيمس جويس في يوليسيز : تسع عشرة حالة متوازية ، وقد أطلق جويس على هذا النمط اسم " المتاهة".
وتأتي الأحداث المتوازية أحيانا لوحات منفصلة ، مما يفقد العمل الفني وحدته العضوية . وهذا أمر يشي بقصور الكاتب في الغالب .

البناء المكرّر:

تتعدّد رواية الأحداث تبعا لتعدّد الرؤى ، ذلك أن الحدث الواحد يُـروى بأكثر من طريقة ؛ لأنه يُقدّم من شخصيات عدّة ، كلٌّ تمثـّل روايتها الخاصة بها . ومن هنا يأتي الحدث الواحد مرويـًّا بطرق عـدّة ، تختلف في بعض التفاصيل بحسب علاقة الراوي بالحدث نفسه أو بعده عنه.
ففي رواية "الصخب والعنف" لوليم فولكز، حكاية واحدة يرويها أخوة ثلاثة كلٌّ من وجهة نظره. وفي رواية "موسم الهجرة" نسمع عن مصطفى سعيد كثيرا من الآراء المتناقضة. وتحدث في "اللص والكلاب" أحداث تـُروى من زوايا مختلفة. والحقيقة أن هذا البناء نمط جديد في الرواية العربية كما هي الحال في الرواية الغربية.
وأهم ميزات هذا البناء: توقـّف جريان الزمن إلا ما يحدث ضمن مستوى الرؤية الأولى ، فالحدث نفسه يروى بزمانه ولكن من زوايا مختلفة . كما يتميز بثبوت المكان وعدم تعـدّده .وأيضا تكرار المشهد الموصوف نفسه ( كمادّة ومكان وأثاث).
الاختلاف يكون فقط في النظرة إلى الأقوال والأفعال ويسمّى ذلك في نقد الرواية بـ " المقترب السردي الحديث". وأخيرا تعـدّد الرؤى والتفسيرات ، وهذا بالتالي يقود إلى تعـدّد الضمائر.

د. حمود الدغيشي

* رجع الباحث إلى العديد من المصادر



أعلى


 



تــراثــيــات


صوت صفير البلبل

كان الخليفة المنصور يقيم مجلسا للشعر والشعراء واشترط على الشعراء أن يأتوا بقصيدة لم يسمعها قط ويعطيهم على وزنها ذهب.
وكان يحفظ القصيدة اذا سمعها من أول مرة وكان عنده غلام يحفظ القصيدة اذا سمعها المرة الثانية وعنده جارية تحفظ القصيدة في المرة الثالث وكل مرة يأتيه شاعر ويلقي قصيدته يقول الخليفة إنها قصيدة قديمة وانا سمتعها واحفظها فيلقيها ويقول ان لم تصدقوا نادوا على الغلام ويأتي الغلام ويقول القصيدة، ثم يأتي بالجارية فتقولها.
فسمع الأصمعي بهذا فكتب قصيدة ذهب بها الى الخيلفة يقول فيها:

صوت صفير البلبلي
هيج قلبي الدم لي
الماء والزهر معا
مع زهر لحظ المقلي
وانت يا سيد لي
وسيدي وموللي
فكم وكم تيمني
جزيل عقيقلي
قطفته من وجنة
من لثم ورد الخجلي
فقال :لا لا لا لا لا
فقد غدا مهرولي
والخود مالت طربا
من فعل هذا الرجل
فولوَلت وولولت
ولي ولي يا ويللي
فقلت : لا تولولي
وبيِّني اللؤلؤ الي
قالت : له حين كذا
انهض وجد بالنقلي
وفتية سقونني
من قهوة كالعسلي
شممتها بأنفي
أزكى من القرنفلي
في وسط بستان حلي
بزهرٍ والسرور لي
والعود دندن دنلي
والطبل طبطب طبلي
والسقف سقسق سقلي
والرقص قد طاب الي
ولو تراني راكبا
على حمار أهزلي
يمشي على ثلاثة
كمشية العرنجلي
والناس ترجم جملي
في السوق بالقبقللي
والكل كع كع إكع
خلفي ومن حويللي
لكن مشيتها هاربا
من خشية العقنقلي
إلى لقاء ملك
معظم مبجلي
يأمر لي بخلعة
حمرا كَدَمِّ دُمّلي
أجر فيها ماشيا
مبغددا لذيلي
انا الأديب الألمعي
من حي أرض الموصلي
نظمت قطعا زخرفت
يعجز عنها الأدبلي
أقول في مطلعها
صوت صفير البلبل

وبعد ما انتهى الاصمعي من قصيدته حاول الخليفة أن يجمع شيئا ولم يستطلع إلا صوت صفير البلبلي ونادى على الغلام وقال له: يا غلام هل تحفظ القصيدة قال لا والله فقال: نادوا على الجارية. يا جارية هل سمعت القصيدة من قبل قالت لم أسمعها من قط. فقال الخليفة: يا أعرابي ما رزقك إلا من عند الله هات ما كتبت عليه القصيدة قال لقد كتبتها على لوح من الرخام وأريد من يساعدني على حمله وبعد وزنه للرخام اخذ الأصمعي كل ما في خزينة الدولة من ذهب من ثقل الرخام وبعد ما خرج الاعرابي قال أحد الجالسين في مجلس الخليفة والله إنه للأصمعي فقال الخليفة: إإتوني بالأعرابي فلما جاء قال للأعرابي أزل العباءة من وجهك فلما ازالها ظهر الأصمعي فقال الخليفة أعد الذهب فقال الأصمعي: أرجعها على شرط قال الخليفة: ما هو ؟؟ قال: أن تعطي كل شاعر اتاك ثمن قصيدته.


ـــــــــــــــــ

كرم

أغار قوم على طيء فركب حاتم فرسه، وأخذ رمحه ونادى في جيشه وأهل عشريته، ولقى القوم فهزمهم وتبعهم. فقال له كبيرهم يا حاتم هب لي رمحك، فرمى به اليه. فقيل لحاتم عرضت نفسك للهلاك ولو عطف عليك لقتلك. فقال: قد علمت ذلك، ولكن ما جواب من يقول هب لي.


ـــــــــــــــــ


جنازة

مشى بخيل وابنه مع جنازة وكانت امرأة تنوح وتصرخ إلى أين يذهبون بك .. إلى بيت لا فراش فيه, ولا غطاء, ولا خبز ولا ماء.
فقال ابن البخيل لأبيه: هل سيذهبون به إلى بيتنا؟


ـــــــــــــــــ


عقل الرجل

قيل لبعض الحكماء، بماذا يُعرف عقل الرجل؟. فقال: بقلة سقطه في الكلام وكثرة إصابته فيه. فقيل له: وإن كان غائباً؟. فقال: بإحدى ثلاث: إما برسوله وإما بكتابه وإما بهديته. فإن رسوله قائم مقام نفسه، وكتابه وصف نطق لسانه، وهديته عنوان همته. فبقدر ما يكون فيها من نقص يحكم على صاحبها.


ـــــــــــــــــ

عنترة يفاخر بخيله

تفاخر عنترة بن شداد بقوة وشجاعة خيله فقال:

يَدعونَ عَنتَرَ وَالرِماحُ كَأَنَّها
أَشطانُ بِئرٍ في لَبانِ الأَدهَمِ
ما زِلتُ أَرميهِم بِثُغرَةِ نَحرِهِ
وَلَبانِهِ حَتّى تَسَربَلَ بِالدَمِ
فَاِزوَرَّ مِن وَقعِ القَنا بِلَبانِهِ
وَشَكا إِلَيَّ بِعَبرَةٍ وَتَحَمحُمِ
لَو كانَ يَدري ما المُحاوَرَةُ اِشتَكى
وَلَكانَ لَو عَلِمَ الكَلامَ مُكَلِّمي
وَلَقَد شَفى نَفسي وَأَذهَبَ سُقمَها
قيلُ الفَوارِسِ وَيكَ عَنتَرَ أَقدِمِ
وَالخَيلُ تَقتَحِمُ الخَبارَ عَوابِساً
مِن بَينِ شَيظَمَةٍ وَآخَرَ شَيظَمِ


ـــــــــــــــــ
زهير بن أبي سلمى


هو زهير بن أبي سُلمى. حكيم الشعراء في الجاهلية، وفي أئمة الأدب من يفضله على شعراء العرب كافة. كان له من الشعر ما لم يكن لغيره، ولد في بلاد مزينة بنواحي المدينة، وكان يقيم في الحاجر من ديار نجد، واستمر بنوه فيه بعد الإسلام. قيل كان ينظم القصيدة في شهر ويهذبها في سنة، فكانت قصائده تسمى الحوليات. إنه، كما قال التبريزي، أحد الثلاثة المقدمين على سائرالشعراء، وإنما اختلف في تقديم أحد الثلاثة على صاحبيه، والآخران هما امرؤ القيس والنّابغة الذبياني. وقال الذين فضّلوا زهيراً: زهير أشعر أهل الجاهلية، روى هذا الحديث عكرمة عن أبيه جرير. وإلى مثل هذا الرأي ذهب العبّاس بن الأحنف حين قال، وقد سئل عن أشعر الشعراء. وقد علّل العبّاس ما عناه بقوله: ألقى زهير عن المادحين فضول الكلام كمثل قوله:
فما يَكُ من خيرٍ أتوه فإنّما
توارثه آباء آبائهم قبْل
وكان عمرو بن الخطاب شديد الإعجاب بزهير، أكد هذا ابن عبّاس إذ قال: خرجت مع عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في أول غزاة غزاها فقال لي: أنشدني لشاعر الشعراء، قلت: "ومن هو يا أمير المؤمنين?" قال: ابن أبي سلمى، قلت: وبم صار كذلك? قال: لا يتبع حوشي الكلام ولا يعاظل في المنطق، ولا يقول إلا ما يعرف ولا يمتدح أحداً إلا بما فيه". وأيّد هذا الرأي كثرة بينهم عثمان بن عفان، وعبد الملك بن مروان، وآخرون واتفقوا على أنّ زهيراً صاحب "أمدح بيت، وأصدق بيت، وأبين بيت". فالأمدح قوله:
تراهُ إذا ما جئْتَه مُتَهَلِّلا
كأنَّك تُعطيه الذي أنتَ سائلُهْ

ـــــــــــــــــ
الصعاليك

الصعاليك اسم يطلق على جماعة من العرب في عصر ما قبل الإسلام عاشوا واطلقوا حركتهم في نجد وسط الجزيرة العربية ويعودون لقبائل مختلفة، كانوا لا يعترفون بسلطة القبيلة وواجباتها، فطردوا من قبائلهم. ومعظم أفراد هذه الجماعة، من الشعراء المجيدين وقصائدهم تعدّ من عيون الشعر العربي.
امتهن الصعاليك غزو القبائل بقصد الاخذ من الاغنياء وإعطاء المنبوذين أو الفقراء، ولم يعترفوا بالمعاهدات أو الاتفاقيات بين قبائلهم والقبائل الأخرى ما أدى إلى طردهم من قبل قبائلهم، وبالتالي عاشوا حياة ثورية تحارب الفقر والاضطهاد وتسعى للتحرر في شكله المتمرد.
واصطبغت أدبيات الصعاليك برؤيتهم عن الحياة فجاءت معظم قصائدهم تحكي عن شجاعتهم وقدرتهم وتحديهم للمجتمع. وشعرهم يمتاز بقوة العاطفة وسعة الخيال وفيه من الحكمة الشيء الكثير.
ومن أشهرهم شضاض الضبي التميمي وأبو خراش الهذلي وعروة بن الورد وتأبط شراً.

ـــــــــــــــــ
الخوارزمي


كان الخوارزمي من أوائل علماء الرياضيات المسلمين حيث ساهمت أعماله بدور كبير في تقدم الرياضيات في عصره، ونشر أعماله باللغة العربية، التي كانت لغة العلم وقتها.
ويسميه الطبري في تاريخه: محمد بن موسى الخوارزمي المجوسي القطربلّي، نسبة إلى قرية قُطْربُلّ من ضواحي بغداد.
ابتكر الخوارزمي مفهوم الخوارزمية في الرياضيات وعلم الحساب، حتى أن كلمة (خوارزمية) في العديد من اللغات (و منها algorithm بالاإنجليزية) اشتقت من اسمه، بالإضافة لذلك، قام الخوارزمي بأعمال مهمة في حقول الجبر والمثلثات والفلك والجغرافية ورسم الخرائط. وقد أدت أعماله المنهجية والمنطقية في حل المعادلات من الدرجة الثانية إلى نشوء علم الجبر، حتى أن العلم أخذ أسمه من كتابه (حساب الجبر و المقابلة)، الذي نشره عام 830، و انتقلت هذه الكلمة إلى العديد من اللغات.


ـــــــــــــــــ

أمثال العرب


(قد استسمنت ذا ورم)

أي حسبت المتورم سمينا واستعضمت ما ليس عظيما يضرب لمن بغتر بالظاهر المخالف حقيقة الواقع.

(سيد القوم اشقاهم)
لأنه يمارس الشدائد دون عشيرته فيقاتل عن العاجز ويتكلم عن العي ويتبرع بما لا يلزمه

(كحاطب ليل)
يضرب مثلا للرجل يجمع كل شيء لا يميز الجيد من الرديء.

(الخيل تجري على مساويها)
المعنى: ان كان بالخيل اوصاب او عيوب فان كرمها يحملها على الجري فكذلك الكريم الحر يحتمل المؤن ويحمي الذمار وان كان ضعيفا ويستعمل الكرم على كل حال.

(اخلف من عرقوب)
هو من العماليق. اتاه اخ له يسأله. فقال له عرقوب: اذا اطلعت هذه النخلة فلك طلعها. فلما اطلعت اتاه للعده. فقال: دعها حتى تصير بلحا. فلما ابلحت قال دعها حتى تصير زهوا. فلما زهت قال: دعها حتى تصير رطبا. فلما ارطبت قال: دعها حتى تصير تمرا. فلما اتمرت عمد اليها عرقوب من الليل فقطعها ولم يعط اخاه شيئا فصار مثلا في الخلف.


(عش رجبا ترى عجبا)
كان للحارث بن عباد الثعلبي امرأه سليطة فطلقها. وارادت ان تتزوج برجل. وان هذا الرجل لقي الحارث يوما فاعلم الحارث بمنزلته عند المرأة فقال الحارث: عش رجبا تر عجبا. شبه مدة تربصها في بيتها بشهر رجب الذي لا يكون فيه حرب فاذا انقضى حدثت الاهوال. يريد انه اذا عاشرها رأى من سوء عشرتها عجبا.


أعلى


 






الأدب الشعبي


نعم قابوس

نعم يا سيدي هذا التراب اللي بنيته وزان
رقى حد الشموخ وصاغت الأمجاد بنيانه
نعم يا سيدي انت اللبيب الوالد السلطان
تباهى النور..واخــضّر المكان..وثقلت أغصانه
شموخ أمجاد أفعالك تعلّى وطاول الأركان
كنجم ٍ صافح تراب الثريا وقامت أمتانه
نعم قابوس يا صوتٍ تفجر منه الأفنان
سقى التاريخ وإتعلم ملوك الأرض عنوانه
هنا يا سيدي لانت شدايد في يديك ولان
وحتى الصخر من هيبة جنابك لانت أركانه
تجيك عمان بأكملها تقبل أيدكم عرفان
تقوم الأرض إجلالا لفعلك عالي ٍ شانه
تصفق لك محافل سيدي .. وأنت الوالد الانسان
نحبك ما جرى فـِ قلوبنا وعمان شريانه
نعم والله لو تطلب فداء أرواحنا لعمان
لسيّـلنا الحتوف إهداء للسلطان من آنه
كفو قابوسها وسراجها واسنادها الإيمان
مابين الحق والباطل حكمت الحق فرقانه
يا قابوس المبجل .. يالسحاب الهاطل بسلوان
يا تاريخ ٍ مشى حاذا الكواكب عز سلطانه
هنا اسطورة الفخر العريق وتشهد الأزمان
تسطر عزك الأمجاد وتكتب فخر أوطانه
لكم شهب الزمان يعانق الأفلاك ياربان
ولنا من بعد الله خيركم والفضل بستانه
وطن .. هذا الزمان اللي عطيته سيدي وانزان
بنا هذا الشموخ وفكـّـت الأمجاد بيبانه

أحمد بن محمد بن شهاب البلوشي
smokdezert@hotmail.com

ـــــــــــــــــ


عالي مقامه ..

أرفع الكف اليمين وهي تحيه
للمقام السامي العالي مقامه
سيدي قابوس من زد البريه
جيت اسكب له ولائي وألتزامه
تاهيه كلي ثبات وأريحيه
ع المدى لا ريح تعصف بالعمامه
لجل من بلت مزونه راحتيه
وأسدل بفكري تجاعيد العتامه
من كسا داري برودٍ سندسيه
زفها ترفه على جناح الحمامه
للدروب الخضر ، للأرض النديه
للصباح البكر، لأغصان السلامه
قايدٍ لا طل يا الطله البهيه
يستفز الشمس طيفه مع حسامه
إن حكا يثري الحروف الأبجديه
وإن سكت ينساب من صمته كلامه
يغرف من اليم داناته السخيه
أشهد إنه اليم في ركب الزعامه
فارسٍ مقبل على ظهر المطيه
المطيه تبر والماسي حزامه
سطر التاريخ سيرته الزكيه
بأحرفٍ صارت عوجه الدهر شامه
بأحرفٍ أضحت فصولٍ سرمديه
إحتستها عين وآذانٍ وقامه
يوم إبصار الليالي المعتميه
وإنكسار الغيم جله وإنهزامه
الف شكر ومية مليون وتحيه
للمقام السامي العالي مقامه

غابش بن عبيد البوسعيدي


ـــــــــــــــــ

حب السلطنة
وش يعني لو إني عشقت سيوحها وجبالها
وش يعني لو إني قضيت العمر أحب السلطنة
هذي الوحيدة اللي حْضنت حلمي بفي ظْلالها
من يوم انا طفلٍ واناْ أتمرا دروب الأمكنة
ما غير أرض عمان هيه الجوهرة ولحالها
حلم الطفولة في معالمها رجال وأزمنة
أرض الطهر فخر المدائن .. ما تعد أفضالها
من أول التاريخ يسكنها الضياء وتسكنه
هي ماس هي فضة ويا روعة حسن سلسالها
يا زينها لي من تبادت .. كل طيبٍ تحضنه
تحققت بوجود شهمٍ عالمدى آمالها
يوم أشرقت شمسه عليها .. عزها تستوطنه
قابوس يا فخر الرجال وبدرها وهلالها
في هالبسيطة من هو غيرك مجدها تستأمنه
يا واثق الخطوة على مر الدهر من شالها ؟
غيرك بعزم وبالإرادة والفخار السلطنة

سعيد بن خميس الرحبي


ـــــــــــــــــ

تميمة حب

بعيدة والوطن في داخلـي لهفة حنين اعماق
يعيش بوسط وجداني وكنّـي فالوطن موجود
معي كنّه تميمـة حب اعلقهــا وله واشراق
أبد ما عـانقت روح المغيب وصمتــه المعهود
كتبتك يا وطن قصــة جديــدة وسالفـة عشاق
ورسمتك في خيالي نور يضويني بدون حدود
بعيدة بس بعدي قرب ينسجني خيوط أشواق
ويغزلني على مغــزل ترابــه ركعةٍ وسجود
آيا محراب هذا الحب ليش الشـوق بي توّاق
دخـيل الله جاوبنــي وقلّي ليــه أحبه بزود؟؟
وطن عمري ..قصيدي..لهفتي.. وإلا سفر مشتاق؟
يسافــر بالدروب ويرتجي إنــه فـ يوم يعود
سألتك بس أنــا ادري الإجابــة تنلبس أطـواق
تطوقنــي ورودٍ للوطن في يومه المشهود
أبارك له عساه بكل سنــة يسكــن فِهالأحداق
وعساني عالوفا باقي ولا أنقض أبـد العهود

فاطمة الكعبي



ـــــــــــــــــ


عمري عمان

سر يا قلم عبر من الفكر ديوان
ابيات شعره تزيد عزة وناموس
خلي المعاني تعزف الفكر الحان
حلو الشجا ويهز وجدان ونفوس
تهدي نقامه عالي الأصل والشان
رمز البلد والشعب تاجه على الروس
عهد الوفاء في ذمة رجال ينصان
نمشي ورى الراية وفي طوع قابوس
بأرواحنا نفديك يا سيد عمان
عنك نكون سلاح ورماح وتروس
واجب علينا نوقف بوجه من خان
نضرب عليه بقوة ايمان وندوس
مولاي جودك ع اللوطن سيل هتان
عم وسقا وديان وسيوح وطعوس
تجني ثماره الناس حضرٍ وبدوان
ما ينقطع والخير ع الأرض ملموس
ويجزيك عنا خالق الكون احسان
ويطول عمرك نبتهل قلب وحسوس
عم الرخا بالجهد في كل ميدان
نفذ على همه وتخطيط مدروس
على سواعد مخلصة تبنى الأوطان
وتلبس من ثياب الحضارات ملبوس
قايد سفينة ركبنا خير ربان
الجهل زاله واشرق العلم بشموس
دستور حكمٍ ماخذ العدل عنوان
رايك سديد وصار للحق قاموس
بْحنكة وبصيرة عندك الراي يزدان
ومن مهجك مولاي تستلهم دروس
عمان يا عمري وأنا عمري عمان
حبك بلادي داخل الروح مغروس
يشهد على مجدك بيارق وفرسان
صامد شموخك دايم الدوم محروس
واليوم انتي لابسه العز تيجان
يعمك الخير يا عمان قابوس

راشد بن محمد السعيدي

ـــــــــــــــــ

نبض قلبي عمان


ولهة الشوق*

يا قلـم عانــق كفوفــي
فـى عمان ارسم حروفـي
شامخــه فاقـت وصــوفي
يـا غلاتــك يـا عمان
**
نبـض قلبي واللســانــي
مــا عشــق غيــرك عمانــي
أولاً حبــك وثــانـي
ومــا نقـص حبـك ثوان
**
شامخـه فــوق العلالي
فــى سهــولٍ أو جبالــي
كــل شبــرٍ منــك غالـي
غالي مــن قبل الزّمــان
**
عاصمــه زادت أصالــه
والهــوى صــوبك صـلالــه
يــا ظفار العــز نــالــه
أرضــهــا روض وجنـان
**
دام قابــوس المـودّه
فى قلوب الكـل ودّه
حوّل البــيـداء ورده
سـابقٍ فـى كل شان
**
مــنذ آلاف الســنيـن
عـاليه فــوق الجبيـن
شامخه فـى كل حين
عزّها دايــم مصان
**
يا علم رفــرف وحـوم
وارتسم فـوق النّجوم
للأبد عــزّك يــدوم
كــاسبٍ كل الرّهان
**
ابن ماجد لك عشــق
كـل بــحـّارٍ سبق
بــاشقٍ بين الشّفــق
زار أرجاء المـكـان
**
بين رمشي والعيـون
عشقها منذ القـرون
عين ميــم والــفٍ نون
نبض قلبـي يــا عمـان
**
أشرب إحســاســك حنــان
يــا بلادٍ ما تـهـان
هــذه إنتي يــا عمـان
ودام قابــوس الأمــان

*شاعرة إماراتية


أعلى






الذاكرة البصرية

جميعنا يعلم أن الأديب يُبدع أفكاره باللفظ والكلمة والموسيقار يقدم أجمل الألحان بما يملك من ذاكرة إيقاعية ثرية، وكذلك الحال بالنسبة لمنتج الفن والفنان التشكيلي الذي يجب عليه أن يكون قادراً على التفكير بصرياً ليقدم تميزه الخاص عن غيره في الأعمال الفنية وذلك لتعامله بشكل مباشر مع لغة الشكل التي تحتوي مفرداتها على الألوان والأحجام والخطوط والمساحات... الخ. وكلما اتسعت مساحة الذاكرة البصرية لدى الفنان كلما استطاع أن يقدم لنا تجارب فنية متميزة تعكس فرادته الشخصية، كما أنها تعيد إلى الفن وضعه داخل الميادين المعرفية الأخرى ولن نرى بعدها الأعمال الفنية مجرد (زينة) فاقدة للروح أو المعنى بل سنراها تتضمن سحراً وغموض جميل تشعه على كل متذوق لها.
فقيمة الفن تكمن في فكرته، وتفرد هذه الفكرة تعتبر سمة من سمات الابتكار، فالفنان لكي يبتكر شيئاً متفرداً يجب عليه أن يغوص في عملية تكشف مستمر ودائم لما يحيط به من أشياء، ويظهر ذلك عندما تومض له الفكرة بصرياً ويبدأ في توليد شكل من الشكل المرئي أمامه في الواقع، وعلى هذا فهو يشعر بارتياح نفس وكأنه حقق هدفاً، وهكذا كلما انتعشت ذاكرة الفنان البصرية كلما كان قادراً على التقاط العديد من الأشكال المرئية التي تحيطه في بيئته أو التي ما زالت تتكدس في مخزونه البصري وقد تراكم عليها الغبار وعلاها الصدأ، ليقدمها لنا وفق رؤيته الفنية الإبداعية بشكل جميل ومتفرد نافضاً عنها غبارها وصداها ليعيد لها نصاعتها الأولى، كما أن الشكل البصري الذي تحويه بيئة الفنان يلعب دوراً هاماً في استدعاء أشكال بصرية أخرى ربما تلاشت أو ضعفت ولم تستطع الذاكرة البصرية استدعاء تفاصيلها بعد أن تحللت، إما بفعل الزمن الذي مر منذ بداية رؤيتها حتى بدأت معالمها تتحلل ويصعب على الفرد امتلاك زمامها، أو أن هناك أشكالا جديدة طغت وزاحمت تلك الأشكال المحيطة بالفرد الأمر الذي ساعد على اختفاء تلك الأشكال البصرية السابقة وإفساح المجال لغيرها من الأشكال البصرية الجديدة لتحل محلها. وهذا الأمر يفسر لنا التغير الحاصل في أنماط التجارب التشكيلية لدى الفنانين العمانيين وغيرهم وتغير المفردات والعناصر الفنية التي يتعاطوها في أعمالهم الفنية من فترة لأخرى، ونرى معها إلى أي مدى تتنوع الفكرة وتتعدد وإلى أي مدى أيضاً تتفرد شخصية الفنانين ليظهر لنا كل منهم فكرته وطريقته في طرح الأفكار من ذاكرته البصرية المتحصل عليها منذ طفولته أو شبابه أو شيخوخته، وإذا حدث وتناول الفكرة أكثر من فنان واحد فإن تكوينات رسوم كل منهم ستعكس شخصيته وفرادته.
وخلاصة القول أن المخزون البصري الذي تتلقاه العين من خلال هذا الكون المفتوح والوسائل التكنولوجية الحديثة كالتلفاز والحاسوب والفيديو وشبكة الإنترنت التي وسعت بشكل كبير من مداركنا المعرفية وجعلت للعين وظيفة أكبر من غيرها في ملء الذاكرة بالمفردات البصرية المتنوعة، يتعين على الفنان التشكيلي هنا الاستفادة بشكل جيد منها لتوليد صور أو أشكال من صور، لأن من سمات الفن أن كل شكل يولد شكلا آخر وكل فن سابق إنما يغذي كل فن لاحق، فنحن لا نستطيع أن نغفل أشكال الفن في البيئة الربانية من حولنا حتى لو اعتمدنا على التقنيات الحديثة لمشاهدتها فعن طريق تأملها وإمعان النظر إليها نستطيع أن نستنبط منها أشكالا جديدة، ولا يمكن لنا أن نستنبط أشكالا جديدة من فراغ، وإنما تلعب الأشكال المحيطة بنا دورا مهماً في توليد تلك الأشكال الفنية الجديدة. فتتحول تلك الأشكال إلى أفكار تعبيرية بواسطة الأحجام والخطوط والألوان، وبهذا فإن كل ما نراه من أشكال بصرية من حولنا إنما تكون أدوات التفكير الأساسية لدى الفنان ومنبع إبداعه الفني المتفرد التي يخترع لنا منها تكوينات وأشكال جديدة مغايرة عما ألفه الناس عبر رؤيتهم المحدودة للأشياء.
* عبدالكريم الميمني
*

أعلى


 




استعادة حقيبة


"ماذا، أيّـها الجميل، أيـّها الخارج على القانون،
هل ســيء غـنائي لكَ؟"، أنّا أخماتوفا

تبدو الذاكرة كما لو كانت كياناً خاصّاً ومستقلاً عن الفرد ذاته، تبدو كما لو أنّها هي التي تقرّر ما يمكن تذكّره أو ما ينبغي نسيانه... لذلك يؤسفك أنك لا تستطيع تذكر حقيبتك المدرسية الأولى، هذا إذا كان لديك فعلاً عندما دخلت الصفّ الأوّل حقيبة. لكنك تتذكّر حقائب أصدقائك وحقائب أصدقاء أصدقائك.. فهذا الزميل الذي إلى جوارك في المقعد قد اندلقت داخل حقيبته قنينة الماء التي كان قد حشاها في حقيبته مع الكتب الجديدة ذات الرائحة النفاذة التي تسلّمها للتوّ من يد المعلّم.. وتلك الحقيبة قد نسيها صاحبها في دورة المياه، وأخرى كانت مفتوحة دوماً لأنّ كراسة الرسم كبيرة على حجمها، وغيرها قد سقطت من نافذة الحافلة وتبعثر ما فيها في الطريق الطينيّ، وتلك العجوز المنحنية الظهر أتت قبل أن يُـقرع الجرس بحفيدها الصغير ذات صباح شتائي باكر إلى جوار المدرسة، المحاذية لبيتهم.. متأبّطاً حقيبة كبيرة، مصرّاً على دخول المدرسة. ولكنكم مازحتموه قليلاً وذهب عنكم مخذولاً وباكياً مع جدّته... هذه الحقيبة وهذا الطفل الصغير يذكّـر بإحدى قصص يحيى سلام، التي يسرد فيها، كما تتذكّر، مشهد يوم استثنائي لتلميذ صغير، شديد الفرح بحقيبته الجديدة. ولأنّ تلك الحقيبة كانت كبيرة الحجم فقد ضاق به سائق الحافلة ذرعاً، مع الزحمة والضجيج المعتاد الذي يفعله التلاميذ المشاغبون الداخلون للحافلة، طائشاً في وجه الصغير الجذل بحقيبته والمزهوّ في تقدّمه إلى باب الحافلة، ناهراً إيّاه بغتة بأنّ الحافلة مثل "قوق السنانير" فلماذا تزيد الطين بلة يا أخي وتأتي بهذه الحقيبة الكبيرة؟. وهو ما نزل نزول الصاعقة على ذلك التلميذ وخيّب ظنّه في نفسه وفي صباحه وفي حقيبته!...
الحقيبة التي تستدعيها الآن، أنتَ وذاكرتك معاً، لصديق لك، عاش معك في بيتكم بعد أن ماتت أمّه، وتركه أبوه مسافراً عنه حتّى الصفّ الخامس الابتدائيّ، حيث التحق بعد ذلك بأبيه وانقطعت أخباره عنك إلا لماماً...
وكي يطمئن الأب إلى بقاء ابنه مسروراً، فقد قام بتوفير لوازمه المدرسية بشكل مميّز، على أنّك لا تتذكّر من أمر ذلك التميّز كله إلا صندوق علكة ملوّنة كبير، قضيتما عليه سويّاً في يوم واحد، كما تتذكر حقيبته الجلدية السوداء...
والآن تعيش تلك الحقيبة، سيرورتها الخاصّة، بمعزل عن حاملها الأوّل، تماماً كالذاكرة التي انتقتْ أن تتذكّر حقيبة شخص آخر، لا حقيبتك... وأصبح على تلك الحقيبة أن تحيا طلّتها وطلعتها وتواريها على نحو أمين ـ حتّى في الخيانة ـ لصانعها وحاملها ومتأمّلها...

******

كانت الحقيبة ذات جيوب كثيرة، وجلدها من النوع الجيد الذي يوفّر لها الحماية من الشمس والغبار والرمي والترك عند الملعب أو الحوش أو قارعة الطريق أو المقبرة المجاورة للمدرسة... لذلك استمرّت صامدة طوال سنين ثلاث مع صاحبها الذي لا يكترث كثيراً بالدراسة، عدا أنه يحضر وينصرف...
بعد سنتين من رحيل صديقك عنك، تذكّرتَ أين تخلّص من حقيبته تلك، وأين تركها، وحيدة ومهجورة، في العراء. تحت سطوة الشمس وبلل الندى، ورطوبة الليل، وهطول المطر، وهَوَج السيول، وأذرعة البحر الطويلة...
جئتَ تحيّـيها في الأرض السبخة. جئت تتأملها في عزلتها تحت نبتات (الهَرْم) المسقيّة بالملح. جئت تتذكر بها صديقك الذي لا تراه الآن، وتتذكر بها السنوات التي مرّت والعِـظات الرومانسيّة الطفولية التي ساقتها تلك المرحلة...
كانت هناك منطرحة في اكفهرار عجيب مثل سلطعون يحاول أن يخفض نفسه، محاولاً أن يعرج في مشيته حتى يمكنه الهرب إلى بيته الرمليّ. كانت الحقيبة تعيش الخذلان كمريض يغمض عينيه كي لا يرى النهاية. كانت متيبسة في بعض جوانبها من لفحة الشمس كقطعة فولاذ، بينما هنالك جانب آخر مترطّب وقد غار قليلاً في التراب. كان مقبضها يحاول أن يبدو كما لو في حالته الأولى، أمّا قفلها فقد ملأ فمه الصدأ والتراب...
حملتَ الحقيبة وجلستَ على متكئ قريب من نخلة عجوز، بينما شجيرات الهَرْم تحيط بك من كلّ جانب. حاولتَ أن تقول لها: لا بأس لا بأس. أن تواسيها وأن تعزيها، لكنك فهمت أنّها لا تريد شيئاً من ذلك، وليس لها حنين لشيء، أو ألم من أحد أو شيء، بل تعيش رحلتها حتّى على هذه الشاكلة، تعيش ألقها حتّى في حطامها، تعيش قلبها الذهبيّ حتّى في عصرها الذي من رماد...
انفرطتْ بينك وبينها سنوات طويلة جداً، لا بضع سنوات، وكان يتسلل إلى داخلك شيء يختلط بين الرهبة والحنين والأسف وصخب التلاميذ وملابس المدرسين وألوان الطباشير وجلافة المقاعد وطعم السبّورة وأطياف الذين يملؤون المدرسة وفكاهة العامل الذي يقلد أصوات الحيوانات والطيور حين يمرر على الصفوف دفتر إثبات الحضور والغياب ...
الحقيبة خرساء أمامك لكنّها تتكلّم بلسان الغائب. الحقيبة سوداء في الأصل لكنّها الآن قد انخرطت في الخذلان... وتلفتّ إلى المكان الموحش، المضروب بالأحراش البرية والشجيرات المتيبسة وشجرة القَرَط الصامدة وحدها هناك في الزاوية، والنخيل الذي جار عليه الزمن..
سطع الملح مثل سراب جهنميّ في تلك البقعة، كأنه يذكرك بأنه حفيد البحر.. وتذكّرت البيتين السعفيين الحالمين، المتهجدين في تلك البقعة الصيفية.. وتذكّرتَ النخلات الطويلة التي كانت تعشش فيها الغربان لأنه لا يرقى إليها أحد، والنخلات الصغيرات المتميزات عن بعضهن البعض في أحجام وألوان ومذاق ثمارها، والتي كانت تعاندك وتشاكسك أحياناً ـ حين تذهب إلى قطف رطبها ـ ببضع طعنات من شوكها. وتذكرتَ من حولك أسراب العصافير الصغيرة الحرّة التي كانت تجول في سعادة مطلقة، وتبني أعشاشها المحكمة النسج في رهافة ودقة. وتذكرت اللص الليلي الذي لم يحظ إلا بركض والدك وراءه في الليل البهيم، وتذكرت مضخة الماء الهندية التي تمّ استبدالها بمضخة لندنية كما قيل لك، وتذكرت الرائحة التي تتوزع بين طلع وصَهَد وأسل وماء ورطب ووجوه وأسماك وهذر وأطفال يلعبون حولك...
وإذن فليست الحقيبة وحدها من جاء بك إلى هنا، بل الفضاء كلّه، المتجمّع في التلاشي والضياع والفقدان...ليست الحقيبة وحدها، بل شيء يشبه اللوعة التي يحفّ بها فرح غريب، والانقضاء الآسر الذي يسقط برذاذه المطري على السطح الأملس للقلب...

******

هل يتحرّك التلميذ إلى حقيبته أم هي التي تتحرك إليه؟ هل يذهب المتأمّل إلى الفكرة أم هي التي تأتي إليه؟ وهل جرف السيل تلك الحقيبة إلى البحر، لتطلع من جديد في شباك صيّاد سيئ الحظّ؟ هل تفتتت وتحللت تلك الحقيبة وفتك بها الملح والتراب؟ هل أكل الدهر وشرب من جلدها وفتحاتها وثقوبها ومقبضها وقفلها فنام متخماً بوجبته الوفيرة؟ هل سقطت في الغُبن أم في حارة الدباغين؟ أو لعلّها قرّرتْ من جديد أن تبدأ رحلة أخرى، مع تلميذ آخر؟ هل اقترحتْ على نفسها مرافئ وظلالاً أخرى؟ وأن تسطع من جديد في مخيّلة، في معنى، في حياة؟....
* صالح العامري

أعلى



للصورة بعدان
الفلسفة... عندما تخون!

يا عزيزي (...)
وعدتك في أثناء مهاتفتنا الفائتة بكتابة بعض التأملات التخطيطية والتصورات الأولية حول العلاقة المفترضة ما بين المسرح والفلسفة. وأجدني متورطة بشدة في مسألة ظننتني قد فرغت منها منذ زمن طويل يعود إلى مرحلة البكالوريوس. في تلك المرحلة كان تلقي الدرس الفلسفي عندي بمثابة تلاقي عاشقين مثلنا. ويبدو أن الأمر على ظاهره ليس ما يعتمل في باطنه بالضرورة.
عزيزي... سأبدأ من حيث انتهى ميشيل فوكو قائلا: "لقد ولى العهد المجيد للفلسفة المعاصرة، عهد سارتر وميْرلوبونتي. حيث كان يُطلب من النصّ الفلسفي، ومن النصّ النظري، أن يجيبك ما الحياة وما الموت وما الجنس؟ وما إذا كان الله موجودا أم لا، وما الحرية، وما ينبغي القيام به في الحياة السياسية وكيف ينبغي أن نتصرف إزاء الآخر؟" هل يَعني لك ما قاله فوكو شيئا واضحا؟! وفي ظنك لماذا اعتقد فوكو بأن عهد الفلسفة المجيد قد ولى؟ الأمر عندي في غاية الرثاء. فأنتَ تعرف تماما ماذا يفيد ذلك كرد أحسه ضمنيا يتواطأ مع هجمات جديدة، بل ومعاصرة وشرسة أخذت تتجه نحو السيطرة على الإنسان. فما الجدوى من اختراع أسلحة الدمار الشامل تحت دعاوي المزيد من العلمية والتفاعلية التي تتكلم عنها في كل لقاء بيننا، والإنسان يجهل إنسانيته؟ أظنك ستضحك الآن كعادتك حين أقول لك بأن اختراع الهاتف النقال أمر يُصيبني بالدوار حين أفكر بأنني محاصرة كل الوقت برسائلك واتصالاتك! أرجوك لا تغضب. أعترف بسعادة كبيرة حين أصحو لأجد رسالة منك تقول فيها صباح السعادة مثلا، أو رسالة صوتية تشدو فيروز بكلماتها يا آمنة" حبيتك تنسيت النوم" كل هذا مدعاة للفرح العميق. لكن مجرد التفكير في ملازمة راحة يدي للهاتف النقال يسري في جسدي القشعريرة. فلمَ نحن في حاجة إلى مزيد من المخترعات الممغنطة؟ أللحداثة أم للمراقبة؟ أنتَ تشعرني بالدوار!
والغريب في طلبك أن أكتبَ بعض التأملات التخطيطية، أنك لا تلتفتُ لأحدثك عن علاقة الأساطير بالفلسفة، وأنتَ تعرف مدى شغفي بالأساطير! هكذا تقفز إلى المنصّة دون استئذاني. "لأنني أعرف جنونك بالمسرح" هكذا ستعلّق وسأبتسم.
عزيزي... خُيْل للرجال "القبضايات" أمثالك بأن العلم قادر أن يقدم تطمينات ليست زائفة، بل تجريبية، لإنقاذ البشرية من هول الحرب والاستيطان والاستعمار! ويا لها من طرفة صفيقة حين تبجح علماؤك أنهم سيزرعون السكينة وسيوزعون الطمأنينة على البشرية! جرّت الحرب العالمية العالم إلى حروب وتوازنات، لا يمكن التقليل من مخاطرها. كان أكثرها وضوحا لرسوخ مفهوم "التجربة والتجريب" وأشدها فظاعة هي القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما ونجازاكي! ولم يكن ذلك آخرها كما تعلم، إذا كنتَ يا عزيزي قد نسيت فلا بأس أن أذكرك: احتلال فلسطين، وحصار غزة، والحرب اللبنانية والحرب على الخليج وملجأ العامرية، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر واحتلال العراق، وهناك أيضا المذابح.. كفر قاسم ودير ياسين وصبرا وشاتيلا! أهذا ما يريده الدماغ البشري: السيطرة على خلاياي وأنسجتي لتأكيد مفاهيم العبودية والتبعية والانتهازية والقطيعية؟ فهل الاهتمام بالفلسفة أمر جدي؟
هل تعرف ما الذي يجعلني سعيدة؟ إصرارك أن تُبقيني معلقة بين افتراضين: علاقة المسرح بالفلسفة من جهة، وعلاقتي معك من جهة تقابلها. وهذه مسألة جدية. فأنت تتقصد منذ زمن أن توجه نهاري كله نحو ما أريد نسيانه.
لقد نسيتُ مثلا أنه في الخميس الثالث من شهر نوفمبر يحتفل العالم باليوم العالمي للفلسفة. صدقا لا أريد لاختلافنا في التوجه أن نظل في دائرة الخصام. أنا أعرف ما يسرك ويبهج قلبك. سأضم صوتي لصوتك وسأجدد لك اعترافي أنه بمجرد التفكير في تخصيص يوم للفلسفة، مدعاة للنظر في أطروحات كل ما تقدم إلى التطور النوعي للإنسان نفسه من حيث هو كذلك، وإلى التطور المعرفي للدماغ. لكن ما يحدث اليوم يُقلق على صعيد الكتابة والإبداع! كيف لحفنة كبيرة مهيمنة من الرأسماليين الجشعين والعسكريين القذرين أن ُيصيبوا عالمنا بالذعر والتراجع؟ يبدو رهان الفلسفة المعاصر ليس ببعيد عما سبقه من رهانات استنبطتها أسئلة المرحلة التاريخية في حين تشكّل الإنسان وانتقاله من إنسان نياندرتال وإنسان القمر والإنسان السوبرمان وإنسان تجاذبات الحداثة الصوفية والهيولى وما بعدها، إلى الإنسان الآلة الذي جسده شارلي شابلن في الأزمنة الحديثة وصولا إلى إنسان الهشاشة المعاصر الزائر للعيادات النفسية ولقبور الأولياء؟!
عزيزي... هل قرأت مسرحية ""في انتظار غودو"؟ لا يشبع الدرس الأدبي أو الفلسفي عن الاستشهاد بهذه المسرحية التي يُعتقد بأنها الأكثر قُربا للتدليل على العلاقة المفترضة بين الفلسفة والمسرح. وأظنهم محقون في ذلك إلى حد كبير. لقد جسدَ صموئيل بيكيت في هذه المسرحية بشاعة أن تكون عالما ومتعلما، بسيطا وعاديا وفارغا ومحشوًا عقلك وعقل العالم بالديناميت واليورانيوم! ستقول لي كعادتكَ: يا آمنة أنتِ تبالغين في ذعرك وفزعك، وأن لا شيءَ "ح يجيب أجلك" غير تفكيرك في مفهوم السلطة وكيف تعمل؟! وستنصحني كأيّ معالج نفسي مريض في مصحة بأن لا أفكر بالذهاب عميقا نحو هذا الاتجاه، وأن أتوقف عن الدوران على نحو من الأنحاء، وأن انظر إلى الجمال الذي يحيط بي، وأن أكتب عن المكاسب الإيجابية التي حققتها البشرية منذ انتقل الإنسان بمسكنه من الكهوف إلى الإقامة في الناطحات والأبراج. ولن تتورع كما تفعل دائما عن تذكيري بين فينة وأخرى بأن العالم يأكل ويشرب وينام ويباهي الأمم بالنسل التجريبي وأنه بخير ومسالم و...إلخ. فماذا سأقول لك بعد هذا كله؟.
حسنا! أنا امرأة إيجابية بشدة، وإنسانة محبطة بشدة. هل هذا يرضيك لتكف وصاياك عني؟! وسأقول لك أيضا: كلامنا صحيح يحتمل الخطأ، وخطأ يحتمل الصواب. وأنك تنجح كثيرا في توجيه بوصلة النبض عندي. هل أرضيتُ غروركَ؟ اسمح لي بعد مديحي الجميل الذي قلته لك أن أنهي كتابتي لتأملاتي الأولية إزاء العلاقة المفترضة بين الفلسفة والمسرح بما يقرب روحينا، ورجائي ألا تغضب أبدا، وأن تقرأها بمنتهى الحب ومنتهى القسوة، وإذا حدث وأغضبتك كما تتقصد أن تُغضبني "وتطلع في راسي قرون" يمكنك مهاتفتي على الرقم الخاص الذي يجهله القراء وتدعوني على حسابي الشخصي إلى ارتشاف فنجانيِّ قهوة في المقهى الذي اكتشفناه قبل زمن معا. إليك الخلاصة: لقد بات واضحا أن البشرية في انتقالها الحضاري أخذت تتغير من سياق لغوي إلى آخر. ولا يقتصر هذا على حضارة بعينها، بل يشمل جميع الحضارات. وكان في سعي الفلسفة لتشخيص الحاضر ما يجعل أسئلة ميشيل فوكو ملزمة للكتابة الإبداعية. إذ لا يمكن الفكاك من أن أيّ مشروع إبداعي سمته الأساسية الحروف والكلمات، أن لا ينطلق من "الخرافة" إلى "التجريب" وهكذا كتابة لا أظنها رافضة للعلم وللفلسفة، ولكنها تُرحب بهما في سياق ما يقدمانه من مكاسب عالية الجودة للبشرية.
عزيزي... إذا كنتَ تعتقد بأن الإنسانية قد تطورت واستقرت سياسيا في أماكنها التاريخية، فأنا لا انظر إلى هذا المكسب بعظيم الفائدة! كلامك ذاك قله لطلبتك الذين تدرسهم في الجامعة. يبدو لي التقاء هذين اللفظين (كسَب وخسَر) أمرا مفرحا. سنقول كعادتنا إنما يعتمد استثمارهما على زاوية النظر الشخصية. وهذا صحيح أيضا إلى حد بعيد. لا أريد لقربنا في الاختلاف أن يزداد أكثر تعقيدا، فأنا أفضل أن أبقى على اعتقادي بأن الإنسانية لم تصل إلى اكتشاف الإنسان من الداخل، في حين أنت تفضل أن الإنسانية قد بلغت شأوا من التقدم في اكتشافه وسعادته. وختاما أقول: إن سيل الألفاظ المحيطة بالقيم والعواطف الإنسانية والمكتشفات الحضارية لا شك قد أكسبت الكتابة الإبداعية الكثير من الدلالات بل وأفسحت النص ليقيم في الإيحاءات والمجازات. لا أدري لماذا بدأت أشعر بأن مركزية الإيحاء والمجاز تُعيدني باطنيا إلى مبتدأ الميثولوجيا! مجرّد إحساس، لا أبَعدَ عن هذه النقطة. ولأنني أحبّ أن أبقى معلقة بين افتراضين سأظل انتظر اتصالك برقمي الخاص لنحظى معا بربع قطعة صغيرة من كعكة الحداثة المزدانة في حديقة البيت الأبيض القابلة للانشطار في لحظة ما!.
آمنة الربيع

 

أعلى


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept