الأخبار

الصفحة الرئيسية
المحليات
السياسة
اراء
الاقتصاد
الرياضة
ثقافة وفنون
الصفحة الدينية
كاريكاتير

سلطنة عمان
نبذة عن الوطن
اكتشف عمان

اتصل بنا
مواقع تهمك
الارشيف
أرشيف الوطن
خدمات
اسعار العملات
أسعار النفط
الطقس

مواقيت الصلاة

أضف الى المفضلة

اضغط هنا لتضيف الوطن الى قائمة مفضلتك
الاشتراكات

 

 







مبتدأ

يتطلب الإبحار في الشعر العماني قلما خبيرا ورؤية باحث وذوق مبدع، ولا تتجلى مثل هذه الأمور إلا في أدباء قليلين تحتضنهم السلطنة، منهم الأديب أحمد الفلاحي الذي يسبر أغوار الشعر العماني قديمه وحديثه بدربة عالية واطلاع واسع، حيث يقدم قراءة بانورامية شاملة عن الشعر العماني يتتبع فيها مراحله وتطوره وملامحه.
ورغم ان الشعر العماني لا تحويه صفحات ملاحق ولا مجلدات كتب، إلا ان الفلاحي يستخدم طريقة بارعة في تتبع تاريخ الشعر العماني بطريقة تعطي ايماءات وإشارات مضيئة ومفيدة لتصبح مادة صحفية بامتياز ينفرد "أشرعة" بنشرها بين جنباته في هذا العدد.
الكاتب والإعلامي إبراهيم اليحمدي يخص "أشرعة" بحوار استثنائي ننفرد بنشره أيضا، كان قد أجراه مع أحمد اللمكي رئيس تحرير جريدة "الفلق".. أجري الحوار عام 1991 قبل وفاة اللمكي عام 1997.. الحوار يعطي ايماءات عن تلك الفترة وملابساتها وتحركات الشباب العماني في شرق افريقيا في تلك الفترة.
الباحث والاكاديمي مسلم الكثيري يقدم قراءة معمقة عن مفهوم تطوير التراث الموسيقي مستعرضاً العديد من التجارب العربية في هذا المجال، ومقدماً رؤية مغايرة لما يطلق عليه تطوير الموسيقى التقليدية.. مؤكداً ان الموسيقى العربية لم تتراجع أو تتخبط إلا مع التخلي عن تراثها النظري المتوارث، متحدثاً في الاطار نفسه عن أن التطوير الحقيقي يكمن في المحافظة على تراثنا والقدرة على استيعاب قوالبه، والتواصل مع التراث العربي الذي انقطع منذ قرون، والانفتاح على تطبيقات موسيقات الجوار الحضاري.
في العدد أيضا تسلط الزميلة هاجر بوغانمي الضوء على المحاضرة التي قدمها الدكتور عبدالله الحراصي بعنوان "التأثيرات الاجتماعية للتكنولوجيا.. بعض آثار الانترنت على المجتمع العماني".
كما يكتب عبديغوث عن بيت صديقه الذي رحل باكراً، مستعرضاً بالصور اطلال الماضي التي يوثقها بعدسته الخاصة.. وفي العدد أيضا متابعة لمؤتمر الرواية الفلسطينية الذي استضافته العاصمة السورية دمشق.. وفي العدد مواضيع أخرى متنوعة.

المحرر




أعلى





بتنظيم جمعية الكتاب وعلى مسرح التربية
محاضرة لصادق جواد سليمان بالرستاق

تنظم الجمعية العمانية للكتاب والأدباء مساء الأثنين المقبل محاضرة بعنوان "المثقف العربي أمام دور ريادي ينتظره" يقدمها المفكر صادق جواد سليمان رئيس ومؤسس المركز العربي للحوار في واشنطن وذلك بمسرح المديرية العامة للتربية والتعليم بمنطقة الباطنة جنوب بالرستاق.. وصرح الكاتب يعقوب الخنبشي المشرف على تنظيم هذه الفعالية إنها تأتي ضمن خطة الجمعية الطموحة للخروج بالفعاليات الثقافية إلى خارج مسقط والانفتاح على مناطق السلطنة المختلفة ، كما انها تأتي من منطلق الحرص على نشر الوعي والتثقيف لكافة أطياف المجتمع، وهو الدور الذي وُجِدت من أجله مؤسسات المجتمع المدني وعلى رأسها جمعية الكتاب. وأعرب الخنبشي عن شكره للمديرية العامة للتربية والتعليم بمنطقة الباطنة جنوب على احتضانها لهذه الفعالية متمنياً أن تتكرر مثل هذه الفعاليات والمحاضرات وتشمل مناطق ومحافظات السلطنة المختلفة ، وأضاف أن الدعوة لحضور هذه المحاضرة عامة وأنها ستبدأ في السابعة من مساء الأثنين.
يُشار إلى أن المفكر صادق جواد سليمان كان قد شارك مؤخراً في ندوة "المثقف والهوية في زمن العولمة" التي أقيمت في مدينة سرت الليبية بالتزامن مع اجتماعات المؤتمر العام الرابع والعشرين للأدباء والكتّاب العرب.. وهو مفكر وباحث عماني له مشاركات واسعة ومهمة في المحافل الدولية، كالجمعيات العامة للأمم المتحدة، وعدد من المنظمات الدولية والإقليمية والعربية. وشغل منصب سفير للسلطنة بكل من إيران وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية وعدد من دول أمريكا اللاتينية.

أعلى






هوامش من ..
"التأثيرات الاجتماعية للتكنولوجيا.. بعض آثار الإنترنت على المجتمع العُماني"
(محاضرة لعبدالله الحراصي بالنادي الثقافي)
سماء عيسى: المجتمع العربي متخلف في علاقاته الاجتماعية ويستخدم أحدث وسائل التكنولوجيا
عبدالله حبيب: إثارة موضوع التكنولوجيا الإنترنتيَّة في عصر ما بعد الحداثة أهم من مناقشة معلقات الشعر الجاهلي
آسية البوعلي: علينا أن نستخدم التكنولوجيا بطريقة تخدم أهدافنا الرئيسية
محمد الحجري: الإنترنت أحدثت نقلة حقيقية في وسائل التعبير عن الرأي
حسين العبري: النت حولت المجتمعات إلى اسماء مستعارة وأرقام وشفرات

كتبت ـ هاجر محمد بوغانمي:
تقول النظرية الماركسية ان المجتمع محكوم بمسلمة مفادها، أن التطور من البدائية إلى الحضارية مرهون بمدى السيطرة على الطبيعة، ومن ثم نمو قوى الإنتاج، وتطور الوسائل التكنولوجية، وانفصال الإنسان تدريجيا عن بيئته وطبيعته التي اعتاد عليها، ويترسخ ذلك من خلال إيجاده لما يعبر عنه بـ"الوسائط" التي بدأت في شكل أدوات بسيطة ثم تطورت إلى آلات، وصولا إلى الوسائل التكنولوجية الحديثة..
لن أتحدث هنا عن نظرية "الاغتراب" (حسب المفهوم الماركسي)، وليس المجال هنا مجال تقييم للثورة التكنولوجية التي عرفها الإنسان الحديث، بقدر ما هي محاولة لتسليط الضوء على التأثيرات الاجتماعية الناجمة عن ثورة المعلومات والاتصالات وانتشار الإنترنت في المجتمع العُماني باعتباره جزءا من كل (عربي) وعام (دولي)..
بعض هذه التأثيرات تتعلق بنشوء مجتمعات افتراضية مثل المنتديات العمانية الشهيرة (سبلة العرب، سبلة عمان، الحارة العمانية، فرق)، واتساع دائرة الحوار وحرية التعبير، وظهور مفاهيم إنسانية جديدة على المجتمع وظهور ثقافة الزاوج عبر الإنترنت.. وهي محاور عالجها الدكتور عبدالله الحراصي في محاضرة بالنادي الثقافي الأسبوع الفائت، وسط حضور ملفت لمجموعة من الكتاب والباحثين والمهتمين.. أقول ملفتا، نظرا لتواجد أدباء في أمسية تتجه نحو تخصص علم الاجتماع وعلم النفس والأنثربلوجيا وغيرها.. لأن لغة الحوار في مثل هذه المواضيع تختلف عن لغة الأدب، ولذلك توجهنا بسؤالنا التالي: فيما تكمن أهمية المحاضرة؟ نحو بعض الأسماء البارزة على الساحة الثقافية، فكان التالي:

الثقافة والتكنولوجيا
الكاتب عبدالله حبيب ربط أهمية المحاضرة بمفهوم الثقافة حيث قال "من الجوانب التي تجعل هذه الأمسية مهمة هي أن فيها توسيعا لمفهوم الثقافة لأنه للأسف في اللاوعي العربي ترتبط كلمة الثقافة بالأدب وهذا فيه إخلال كبير بالثقافة لأن الثقافة كما نعلم جميعا ـ سواء في السوسيولوجيا أو في الأنثربولوجيا كما علَّمتنا الكتب التمهيدية ـ هي النتاج الروحي والمادي لجماعة بشرية معينة في زمان ومكان معينين ففي هذه الحال الأدب ليس إلا جزءا بسيطا من هذه الثقافة.. أعتقد بأن إثارة موضوع التكنولوجا في عصر ما بعد الحداثة قد يكون أهم من مناقشة معلقات الشعر الجاهلي لأن هذا الموضوع يمسنا مباشرة.. ليس هناك من أحد لا يستخدم اليوم التكنولوجيا وليس هناك من أحد غير معرض لإيجابياتها كما لسلبياتها.
أما الشاعر سماء عيسى فنحى منحى آخر في إجابة صديقه عبدالله حبيب وعلق قائلا "ألاحظ وجود ازدواجية في تجربة الإنسان العربي في الوقت الحالي من حيث أنه مازال محافظا على قيم وعادات وتقاليد في مجتمع ليست له علاقة بالتكنولوجيا، في الوقت الذي يستخدم فيه أحدث منجزات التكنولوجيا في العالم وهذا يعطي ازدواجية في الشخصية وفي التكوين.. ربما الأجيال الحديثة ستكون أكثر ترافقا مع التكنولوجيا لأنها على تماس مع النتاج الحضاري أكثر من الجيل السابق ولأن هذا الأخير تربى وفق قيم وعادات وتقاليد بعيدة كل البعد عن نتاجات التكنولوجيا".
سألته:
تتحدث عن نفسك ؟
فرد:
لا، أنا أتحدث عن مشكلة اجتماعية وثقافية وسياسية عميقة في المجتمع العربي. هناك أشخاص متقدمون جداً في فضاءاتهم التكنولوجية كما في استخدامهم الاحترافي للحاسوب ولكنهم متخلفون جداً في علاقاتهم الاجتماعية كما في فهمهم للمرأة وتعاملهم معها. هنا تكمن الازدواجية: التخلف في العلاقات الاجتماعية، والتقدم في التعامل التكنولوجي.. هذه الفوارق الحادة التي يعيشها الانسان العربي تأخذ بعدا ومنحنى آخر عندما يكون الانسان نفسه نتاج ما صنع مثل ماهو موجود في الغرب أو في اليابان، لذلك تجدين الإنسان في تلك البلاد متقدما في العلاقات الاجتماعية بقدر ماهو أيضا متقدم في استخدام التكنولوجيا..المجتمع العربي ظل متخلفا في علاقاته الاجتماعية ويستخدم أحدث وسائل التكنولوجيا، وهذا يفترض التعجيل بعملية التغيير الاجتماعي والذي لا يمكن فصله عن عملية التغيير الثقافي والسياسي أي دخول المجتمع العربي إلى الحداثة بمفهومها العام والواسع..أو الانساني بشكل عام.

وفي غمرة سفرنا مع الشاعر سماء، طرأت أسئلة أخرى غيرت وجهة الحوار إلى عبدالله حبيب:
*ما مدى تأثير التكنولوجيا على المبدع؟
**المبدع مثله مثل أي إنسان آخر لا يستطيع أن يتجنب التكنولوجيا..
*هل يعني ذلك أن المبدع مورط؟
**التكنولوجيا ليست حكم قيمة.. التكنولوجيا يمكن أن تستخدم استخدامات مختلفة ونحن في عصرنا وفي جيلنا شهدنا استخدامات مريعة للتكنولوجيا في الحروب وفي وسائل التعذيب في السجون مثلاً، فلا أستطيع أن أصدر حكما على التكنولوجيا بالسلب أو بالإيجاب وهذه الإشكالية طرحت في الفلسفة ففي الماركسية مثلاً هناك تيار بأكمله تأسس حتى قبل تأسيس مدرسة فرانكفورت يقف ضد التكنولوجيا، وماركس الذي كان يدعو للتقدم في كل شيء كان يتوجس من التكنولوجيا وينقدها لأنه رأى أن الرأسمالية أساءت استخدامها وتنبأ بما يشهده العالم اليوم من تغيرات مناخية وأزمة ضمور المسافات الخضراء بسبب إطلاق العنان للتكنولوجيا لأن الرأسمالية لا تستطيع أن تستمر من غير ذلك وقد ظل هذا التراث موجودا حتى لما كان الاتحاد السوفيتي موجودا كانوا متقدمين جدا تكنولوجيا -فهم أول من وصلوا إلى القمر مثلاً - لكن نظريا في قاعات الدرس يتذكرون أعمال ماركس الشاب الناقدة للتكنولوجيا.. المسألة لا تتعلق بالحكم على التكنولوجيا وإنما كيف تستخدم التكنولوجيا.
تكنولوجيا العقل
حذو هذا الثنائي كانت تجلس الدكتورة آسية البوعلي، والتي عبرت عن رأيها في الموضوع قائلة:
**في الحقيقة أنا أدعم ما قيل فنحن دائما ما نربط الثقافة بالإبداع الأدبي وهذا قصور في مفهوم الثقافة، لأنه إذا ما نظرنا إلى كلمة ثقافة فهي كلمة فضفاضة تستوعب كل العلوم فالطب ثقافة والتكنولوجيا ثقافة والإبداع ثقافة.. إذن ليست الثقافة حكرا على الأدب، ومسألة التكنولوجيا في المجتمع هي مسألة هامة جدا ولكن قدر ما نعي أهميتها نعي أيضا أن تكون التكنولوجيا تكنولوجيا العقل وليست تكنولوجيا الاستهلاك في المجتمع، ونحن وصلنا إلى مرحلة: كيف تعمل هذه الأدوات وأتمنى أن نصل إلى مرحلة: كيف نستطيع أن نبدع إلى حد نقترب من صناعة هذه الأدوات التكنولوجيا.
*ما مدى توظيفك كمبدعة وباحثة وكاتبة لتلك الأدوات؟
**طبعا ليس هناك شخص في هذا العصر يستطيع أن يكون محايدا أو مناقضا للتكنولوجيا لماذا؟ لأنه سينعزل تماما.. لابد أن يكون هناك حد أدنى لاستخدام التكنولوجيا حتى وإن كان الشخص لا يميل لهذا العالم.. على سبيل المثال لم يعد هناك استخدام للورقة والقلم فالكتابة أصبحت مباشرة عن طريق الحاسوب، وأدعي أن عصر المراسلات الورقية انتهى، حتى التسجيل فأنت الآن ستفرغين هذا التسجيل بطريقة تكنولوجية بينما العمل الصحفي في الماضي كان يقوم على التسجيل الورقي، إذا لا نستطيع أن نكون محايدين ولامعارضين للتكنولوجيا ولكن أن نستخدمها بطريقة تخدم أهدافنا الرئيسية.

رأي علم النفس
حسين العبري (طبيب نفساني وقاص) التقيناه بعد نهاية المحاضرة وسألناه عن رأي علم النفس في هذا الموضوع فرد قائلا:
"تؤثر الإنترنت على المجتمع بطرق مختلفة فهي تشكل عالما مختلفا عن العالم الواقعي الذي نعيشه ولذا يمكن القول إن أولئك الراغبين في الفرار من العالم الواقعي ربما يجدون مخرجا لهم عن طريق الدخول في عالم الإنترنت، والجيد في عالم الإنترنت أنه عالم متسع ويستطيع أن يضم في داخله العديد من الأمور الجاذبة لعدد كبير من أفراد المجتمع من مختلف الأعمار والتوجهات، فهو يضم صفحات الألعاب والمسابقات للأطفال، وآخر صرعات الموضة والقدرة على صنع العلاقات مع الجنس الآخر للمراهقين، وهو يمد المرء بالمعرفة من خلال صفحات المعلومات والمناقشات، ويوفر لمن يريد الحوار حول أية موضوع مجالا رحبا، وقد بدأت الإنترنت في بلدنا تدخل عالم التجارة؛ فيعلن التجار عن سلعهم في النت ويقومون بعملية التبادل عن طريقه، وعلى هذا الأساس فالنت لا تؤدي دورا صامتا كما تفعل الجرائد والمجلات، ولا دورا من جهة واحدة مُعطِية للمعلومات في مقابل مُستقبِل خامل، فمستخدم النت يفعل ويتفاعل ويتغذى ويغذي. وما يميز النت كذلك تلك القدرة على تجاوز الحدود التقليدية ، فهي تعلو على قيد الجغرافيا فتوصل الناس بعضهم ببعض وهي تتجاوز الأديان والأعراف والتقاليد الاجتماعية فتوصل إلى الأفراد أفكارا ومعلومات من جهات بعيدة كل البعد عن أنساق التفكير المعهودة داخل مجتمعاتهم، وهي أيضا تتجاوز الشخصيات والبنى الجسدية، فبالنت يمكنك أن تتناقش وتتفاعل مع الآخرين كما لو أنك لا تملك جسدا ولا شخصية معينة ذات طابع معين. لقد حولت النت المجتمعات إلى أسماء مستعارة وأرقام وشفرات وتدخلت في طرق التعلم والبحث عن المعرفة والتعارف والحوار والتجارة وإدارة الدولة وأظن أنها في طريقها لاكتساح مناطق جديدة في المجتمعات في مستقبل الأيام".

تأصيل المفاهيم
أما الباحث محمد الحجري فكان مهتما بشكل بدا واضحا من خلال تدخله في النقاش الذي دار بين الحضور بعيد إنهاء الحراصي ورقته، وحول انطباعه عن المحاضرة قال "فيما يتعلق بتأثيرات التكنولوجيا - والإنترنت من بينها -على واقع المجتمع العماني فإننا نفتقد إلى الدراسات الجادة والمعمقة، وإذا كنا نشتكي من قلة الدراسات الإجتماعية عامة فإن قلة المنشور من هذه الدراسات في هذا الجانب تبدو أشد، وهذا الأمر يعود إلى عدة أسباب من أهمها افتقار بعض المؤسسات المعنية بالشأن الإجتماعي إلى دوائر دراسات متخصصة ومنتجة، كما تعود أيضاً إلى حساسية المجتمع تجاه دراسة بعض قضاياه.. لهذا مثلت محاضرة الدكتور الحراصي فرصة مهمة لاستقراء هذه التأثيرات خاصة بعد أكثر من أحد عشر عاماً من دخول الإنترنت للسلطنة، وأكثر من عشر سنوات على إنطلاق أول منتدى عماني الكتروني عام، وبذلك يفترض أن هذه التأثيرات قد بلغت مداها الذي يستحق الرصد والفحص، ذلك لأن لكل أداة أو آلة أو تقنية نسقها الاجتماعي الذي تحمله معها وهي تلقائياً تصنع قدراً من التغيير في المحيط الذي تستخدم فيه".
وتابع الحجري يقول "من المهم التأكيد هنا على أن الإنترنت أحدثت نقلة حقيقية في وسائل التعبير عن الرأي، و أدى هذا الأمر إلى هز المكانة التقليدية لوسائل النشر العادية، ودفعها هذا إلى توسيع مساحة التعبير لديها للحد من ابتعاد المتلقين عنها باتجاه وسائط النشر الالكترونية ومحاولة صنع قدر من التوازن المتاح والضروري للحفاظ على مكانتها.. لقد تطرق الدكتور الحراصي إلى نقاط مهمة للغاية تتعلق بتطور تعاطي المجتمع مع الوسيلة الجديدة القادمة، وركز على الأبعاد المفهومية والقانونية والقيمية والأخلاقية والدينية التي سعى المجتمع إلى استيعاب نقلة الإنترنت عبر آلياتها، وهو ما يشير بقوة ـ في نظري ـ إلى أن المجتمع لايمكن بسهولة أن يجري عملية نقل قسري للتقنية مع سياقاتها التي نشأت فيها في مجتمعات أخرى، بل هو ينمي سياقاته وآلياته الخاصة به وهي تنطلق في العادة من مرجعياته الاجتماعية والدينية والقانونية.. نعم إن جدلاً ينشأ قد يوحي بوجود إرباك أو تناقض، ولكن هذا أمر طبيعي خاصة في تلك المجتمعات المتحصنة بخصوصيتها مثل مجتمعاتنا، هذا الجدل أو التناقض ينشأ بين الوسيلة " التقنية" وما تفتحه من آفاق تعبيرية بعيدة عن السيطرة والرصد والحجب وما تمارسه النظم الاجتماعية والسياسية والقانونية لضبط كل هذا الكم من المعلومات والأخبار والتحليلات والآراء، ومن وراء ذلك ضبط الوعي والرأي العام، وهذه القوى أو النظم ليست دائماً متسقة أو متحدة الهدف بل هي تنظر للأمر من زوايا مختلفة، فالنظام الاجتماعي يرغب في مزيد من حرية التعبير ولكنه يتخوف على خصوصيته مثلاً، والنظم القانونية والسياسية يهمها ألا يحدث التجاوز للخطوط التي تقررها، وهكذا من سياق كل هذا الجدل يمكث في الأرض ما ينفع الناس".
ولم ينأى الحجري عن إبداء اختلافه مع الحراصي حول بعض الاستنتاجات التي توصل إليها في دراسته، وأبرزها ظهور قضايا ومفاهيم تتعلق بحقوق الإنسان والحرية وحرية التعبير...إلخ، حيث قال "من المهم التأكيد على أن جملة من المفاهيم التي رآها الدكتور الحراصي وافدة ـ في صيغها الحديثة ـ إلى المجتمع العماني هي مفاهيم غير غائبة تاريخياً عن الوعي والوجدان العماني الجمعي، كمفاهيم الحرية والمساواة وحقوق الإنسان وغيرها.. فكثير من الأدبيات التي عبرت عنها الوثائق والتاريخ المدون والمحكي تشير إلى حضور هذه القيم ليس فقط في التاريخ بل في التفكير العلمي والمعرفي، ربما يكون هناك انقطاع في مرحلة تاريخية ما، و قد نبه إليه الدكتور الحراصي في معرض رده على المناقشات التي أعقبت المحاضرة، ومن وجهة نظري أرى أن هذا الانقطاع ـ إن كان حدث ـ ليس انقطاعاً بقدر ما هو تغليب لقيمة اجتماعية على حساب قيم أخرى وأذكر هنا على سبيل المثال أن قيمتي "العدالة" و"الاستقلال" في التاريخ العماني أكثر حضوراً بكثير من قيمة الحرية مثلاً، وهي رؤى تحتاج مع ذلك إلى بحث وتدقيق وتوثيق علمي لا يكتفي بالآراء الاستقرائية الأولية، وأعتقد أن نظرات فاحصة كالتي طرحها الدكتور الحراصي في محاضرته ربما تكون فاتحة باب لهذا النوع من الدراسات الاجتماعية الفكرية المعمقة في خصائص البنية الاجتماعية والفكرية والثقافية للمجتمع العماني".




أعلى








الشعر العماني.. أعلام تقطف من سماء الشعر ما شاءت
العماني شاعر بفطرته وطبعه وحتى من لا يقول الشعر يتذوقه ويطرب له
السمة الغالبة في شعر عمان هي المسحة الدينية التي تكاد تكون طاغية على ما سواها
روح التعصب ضد مخالف الرأي والعقيدة نادرة في الشعر العماني
أقول بكل ثقة إن الحركة الشعرية في تطور مذهل ومبشر بأفق واسع من حيث الشكل والمضمون

"الشعر من نفس الرحمن مقتبس" هكذا قال أحد شعراء العربية وما أظنه إلا شوقي شاعر العرب الكبير.
وفي هذه المقالة وقفات عجلى مع الشعر العماني وإطلالات سريعة على حركته ومسيرته وكيف بدأ وإلى أين وصل اليوم وهو على أية حال بحر لا ساحل له يمتد إلى البعيد ويستحيل الإلمام بمحطاته وبملامحه وإنجازاته في سطور قليلة فهو تيار متدفق تفيض به القرون المتطاولة وتمتلئ.
وأرجو أن لا يتوقع القارئ مني تحليلاً نقدياً للشعر العماني في مستوياته وأنماطه وبنياته الفنية وتراكيبه اللغوية والإيغال في أعماقه وظواهره كما تجلت عبر عصوره المختلفة فذلك فوق قدراتي وأكبر من إمكانياتي.
ولكني سأحاول إعطاء إشارات سريعة أضعها كعناوين وكما يعلم الجميع أن الشعر في عمان هو جزء أصيل من حركة الشعر العربي منذ بداياتها الأولى. وقد ذكرت بعض المصادر أسماء شعراء من عمان في عصر ما قبل الإسلام وأوردت شيئا من أشعارهم منهم من سبق الإسلام بفترة طويلة ومنهم عاش قبيل مجيء الإسلام بوقت غير بعيد ومنهم من أدرك بدايات الإسلام وشارك في انتشاره. ومنذ تلك الحقبة الأولى وشعر عمان تجري جداوله لتصب في نهر الشعر العربي مع النهيرات القادمة من الحجاز واليمن والبحرين والعراق ونجد والشام وديار العرب الأخرى كمؤشر ضمن مؤشرات عديدة أخرى لبدايات الوحدة العربية في التماعاتها الأولى.
من هناك بدأ الشعر العماني وانطلق تتناسل نباتاته من بعضها عبر العصور وتتفتح أزهاره العطرة وتتردد ترانيم أغاريده المحملة بأفراح الناس وشجنهم وبحبهم وأشواقهم وأنين أحزانهم وآلام جراحاتهم وصيحات انتصاراتهم وأصوات معاركهم. ومنذ الأعصر السحيقة وحتى عصرنا وأرض عمان تنبت أشعارها كما تنبت نخيلها وأشجارها دون توقف أو انقطاع على توالي الحقب وتتالي الأجيال.
ولاشك أن الكثير من هذا الشعر ضاع مع تقلبات الدهور والأعوام بسبب الحروب والإهمال وعدم التدوين وربما أهمل عن عمد في بعض الحالات لأسباب مذهبية وقطرية أو بسبب بعد عمان وعدم معرفة ما فيها وقد أبدى الباحث السوري المعاصر عز الدين التنوخي استغرابه الشديد من غياب الشعر العماني غيابا كاملا عن كتاب مثل "يتيمة الدهر" على طوله واستقصائه. وقد ظل الشعر العماني قرونا كثيرة شبه غائب عن صفحات ديوان الشعر العربي إلا في النادر القليل حتى تم اكتشافه في العصر الحديث فنال إعجاب محبي الشعر ومتذوقيه وبدأ يلفت أقلام الباحثين والدارسين خلال الخمسة أو الستة عقود الأخيرة فكتب عنه الاستاذ عز الدين التنوخي والدكتور سعد دعبيس والدكتور أحمد درويش والدكتور علي عبد الخالق الذي أخذ درجة الماجستير عن كتابه "الشعر العماني" وأخذ الدكتوراة بكتابه عن الشاعر الستالي إضافة إلى باحثين آخرين.
والعماني شاعر بفطرته وطبعه وحتى من لا يقول الشعر وهم الأغلبية يتذوقونه ويطربون له أما من واتته ملكة النظم فهو يرسل ما لديه سواء بلغة الشعر الفصيحة أو باللهجة العامية البحتة المنسابة وفق أطرها المعروفة المؤدية لمعانيها وفي هذا الشعر العامي بلاغة وصور نادرة وتراكيب بالغة الروعة.
وبعضهم يكتب باللغة الوسطى المتفاصحة غير المنضبطة بالنحو وحدوده وهي الخليط بين الفصحى والدارجة وهو الذي لعله قد يتشابه مع ما يسميه إخوتنا في اليمن "الشعر الحميني" وعلى العموم فإن من لم يستطع ولوج قواعد الشعر الفصيحة أطلق العنان لنفسه لتخرج مكنونات دواخلها كيفما تيسر لها وهنا تتجلى عبقرية الشعر المهيمنة على المكان العماني وإنسانه الموهوب لتبين لنا رسوخ جذور نخلة الشعر في تربته الخصبة.
وعلى مدى التاريخ العربي كان شعر عمان حاضرا قبل ظهور الإسلام وبعد ظهوره وانتشاره في عمان ثم على أيام الخلفاء وبعد ذلك أثناء الصراع الذي نشب بين الإمام علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان والفتنة التي وقعت في إطار هذا الصراع بين الإمام علي وفريق من أنصاره الذين خرجوا من جيشه بعد التحكيم حيث كان هناك المدح وكان الاحتجاج والعتاب وكذلك الرثاء لأولئك الذين طحنت الحرب أرواحهم. بمعنى أن شاعر عمان شارك في متابعة تلك الأحداث وما جرى فيها مع إخوانه من شعراء العربية. ومع هيمنة الدولة الأموية على الأمور وبداية تشكل الأحزاب وبروز الصراعات والتنافسات والسعي لاستقطاب الشعر كقوة مؤثرة في المناصرة والتأييد من جميع الفرق على اختلاف اتجاهاتها لم يكن الإبداع الشعري العماني بعيدا عن لجة ذلك الاحتدام بل كان في قلب المشهد وقد تألق وظهر وميضه ضمن موكب الشعر آنذاك من هو مع الدولة ومن هو مع معارضيها كل فريق يحشد حججه ومبرراته للجهة التي ينتمي لها. ثم واصل شعر عمان مسيره بعد ذلك على مدى القرون التي تلت والممالك التي تأسست. وبعد انهيار دولة الخلافة وانفصال عمان بدولتها المستقلة مثلها مثل أقطار عربية أخرى كان الشعر العماني صوت هذه الدولة وكان لسانها المعبر حالا بعد حال حتى عصرنا هذا الذي نحن فيه.
وقد نمت شجرة الشعر في عمان وتجذرت وبسقت فروعها واستطالت أركانها وأزهرت غصونها بالألوان المتنوعة عطرا شذي الرائحة وثمرا لذيذ المأكل والمذاق في مسيرة لا تعرف بدايتها عند لحظة تأسيس الشعر العربي.
مئات من الشعراء وألوف من القصائد وكم غير قليل من الشعر في مختلف الجوانب والأغراض شعر يعبر دوما عن حال قومه وعن عقيدتهم والتزامهم تعبيره عن مناشطهم وتوجهاتهم وصور حياتهم من الكرم والإيثار إلى الشجاعة والفخر إلى المروءة والوفاء إلى المدح والتأييد إلى الرثاء لمن افتقدوا شأنه في ذلك شأن الشعر في كل أقطار العروبة بل لعلي أقول حتى في أقطار العالم فالشعر كما نعرف جميعا هو سجل الأقوام وهو مخزن ذاكرتهم. ولكل جيل في عمان شعراؤه الذين يعبرون عن زمنه ولكل دولة شعراؤها المعلون لأمجادها والمفاخرون بإنجازاتها ابتداء من دولة اليحمد وانتهاء بدولة البوسعيديين مرورا بالنباهنة واليعاربة وقبل هؤلاء كلهم مالك بن فهم وبنو الجلندى. ولكن الشعر ليس فقط الذي يوالي ويمدح ويشيد أو الذي يعارض ويقدح ويبرز العيوب وإنما شعر الإنسان لذاته ولأحاسيسه شعر الطبيعة وشعر الأحزان وشعر الحب والانشراح. فشاعرنا العماني مثل غيره من الشعراء مس شعره العواطف وخفقات القلوب مثلما لامس الأحداث والتقلبات وأحوال الملوك والمعارك. ومعظم شعراء قطرنا معنيون بالغزل ومخاطبة المرأة والتودد لها والإعجاب بجمالها وبديع محاسنها لا يكاد يوجد بينهم من لم تجتذبه إشراقات الحسناء وخفايا عيونها الناعسة حتى الفقهاء الكبار وإن في استهلال قصائدهم. وللوصف كذلك مكانه في الشعر العماني ونعني بالوصف نعت الديار وتبيان حالاتها إن كانت محزنة أو مرضية وتصوير الخضرة والنخيل والأشجار والأفلاج. وكذلك الوديان ومياهها الصافية العذبة التي تتدفق في مجاريها وتوضيح مرائي الحصون والقلاع والحارات والأبنية, وذكر السفر وما يكون فيه إن كان بعيدا للهند وإفريقيا أو للحج أو سفرا داخليا في الربوع العمانية لدواع تقتضيها الرحلة من زيارة لصديق أو للقيام بحل مشكلة بين متخاصمين أو للسياحة والتنزه والصيد.
ولكن السمة الغالبة في شعر عمان هي المسحة الدينية التي تكاد تكون طاغية على ما سواها ومضمونها الثناء على الله والتضرع له والتماس عفوه ومدح النبي محمد والتشفع به وتوقير الصحابة وأئمة الدين والخوض في جوانب الفقه وتفسير أحكامه وتوضيح مقاصده وتوجيه الأسئلة في شؤونه إلى كبار العلماء والفقهاء. ولا يوجد في الشعر العماني ـ نكاد نقول بالمطلق ـ نزعات التشكيك في العقيدة والدين أو التساؤلات الملتبسة بشأن الغيب وما وراءه من المستور والخفي المحتجب. ونادرة فيه روح التعصب ضد مخالف الرأي والعقيدة. وفيه لدى بعض الشعراء ما يسمى ـ التوبات ـ وهي قصائد تستغفر الله من الذنوب وتتوب إليه من سيئات الأعمال. وفيه المدح للأئمة والملوك والأمراء والعلماء وأهل المكانة والأسخياء الأجواد الكرماء والشجعان المغامرين وذوي الحكمة والآراء السديدة. وفيه المراثي التي تفيض بالحزن والأسى للمفقودين الذين اختطفهم الموت من الأهل والأحبة والأصدقاء ومن القادة والأكابر وعلماء الدين وأعلام الأدب والتاريخ وأمثالهم وفيه الإفتخار بالذات وبالقبيلة والعنصر العربي والدين والموطن بل وحتى بالقرية والمدينة. وكغيره من شعراء العربية قام الشاعر العماني بمعارضة القصائد الشهيرة التي سبقته أو حتى التي عاصرته كما مارس تشطير وتربيع وتخميس أبيات وقصائد يحبها جريا على عادة الشعر العربي.
تلك هي معظم سمات وملامح شعرنا العماني في العموم بيد أن هناك خصائص في شعر كل شاعر على حدة يستطيع الباحث المتأمل والدارس المنقب أن يتلمسها ويضع يده عليها.
بقي أن أقول إن الأسماء التي أطلقتها عمان لتشرق في سماء الشعر العربي كثيرة سطعت أنوارها وامتد ضياؤها وتركت أثرها عميقا على مدى الأجيال المتعاقبة ولا أريد هنا الإحصاء والتعداد فذلك أوسع من أن يحاط به في مساحة قصيرة كهذه ومكانه المطولات من الكتب.
ولكني رأيت أن أذكر بعض الأسماء التي تراءى لي أنه لا يستقيم الحديث عن الشعر في عمان دون ذكرها ـ حتى مجرد ذكر ـ وسوف أذكر من المعاصرين رائد قصيدة النثر في الأدب العماني الأستاذ سيف الرحبي الذي لم نذهب إلى عاصمة عربية أو مشهد ثقافي عربي إلا وجدناه حاضرا أمامنا كرمز من رموز الحداثة العربية ليس بالضرورة بشخصه وإنما بشهرته الواسعة يكاد لا يذكر اسمه إلا وتذكر عمان ويذكر الأدب والإبداع فيها. وأذكر كذلك الشيخ هلال السيابي وأظنه اليوم الشاعر الأول بلا منازع في القصيدة العمودية العمانية وقد ظهر مؤخرًا ديوانه الضخم "أصداء من وادي عبقر" الذي يشتمل على أكثر من خمسة آلاف بيت من عيون الشعر. وأذكر الأستاذ عبدالله الطائي الذي نعتبره رائد التجديد والمعاصرة في شعرنا العماني وأذكر الشيخ عبدالله الخليلي الذي لم تشهد الساحة العمانية المعاصرة شاعرًا في حجمه ومكانته بعد أبي مسلم وأذكر أبا مسلم ذلك الشاعر العملاق المتميز الذي قصر الشعراء عن بلوغ مستواه ومرتبته الرفيعة. وأذكر العلامة الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي والعلامة الشيخ نور الدين السالمي والشيخ خلفان بن جميل السيابي والشيخ سالم بن حمود السيابي وهؤلاء الأربعة من الفقهاء العظام ولكن شعرهم يجيء في المقدمة من حيث البلاغة وقوة السبك ومتانة اللغة. وكذلك الشاعر أبو وسيم الأزكوي وهو شاعر رائع. ومن القدامى العلامة الفقيه ابن النظر السمائلي الذي قتل في عز شبابه عند الثلاثين أو دونها بقليل وضاع معظم شعره ولم يصل إلينا منه سوى قصائده الدينية التي تشي مقدماتها بطاقة شعرية فائقة يمكن أن تسفر عن شاعر غير هين لو لم تطفأ شرارة توهجها في بدايات لمعانها. وشاعر الدولة النبهانية الأولى الستالي أحمد بن سعيد الخروصي وهو شاعر عميق الأثر وقصائده في الذروة العليا من البلاغة والفصاحة والتناسق وقليل من شعرائنا من استطاع الوصول لمنزلته. ومثله كذلك الشاعر الضخم سليمان بن سليمان بن مظفر النبهاني الذي يعد من أعلام الشعر العماني وأساطينه الكبار وله ديوان تكررت طباعته اشتمل على روائع القصيد في الفخر والغزل وفي موضوعات أخرى. ومن العصور القديمة نذكر كعب بن معدان الأشقري الذي عرف بشعره العالي الجودة بين شعراء عصره وهو من شعراء العصر الأموي وقد اختص بشعره الزعيم الكبير المهلب بن أبي صفرة وأولاده وهو الذي قال الرواة إن شعره بهر الخليفة عمر بن عبد العزيز حتى أنه قال "ما كنت أحسب أن يكون لعمان مثل هذا الشعر" وأنا أتردد في قبول هذه المقولة عن ذلك الخليفة الجليل المعروف بالصدق والنزاهة وما أظنها إلا أكذوبة ملفقة من بين الأكاذيب الكثيرة التي لفقت يومئذ للإساءة إلى عمان والتقليل من نباهة أهلها في إطار الحملة التي اشتد أوارها بعد ثورة يزيد بن المهلب ضد الدولة الأموية حيث شاعت الدعايات وكثرت ضد أزد عمان إضافة إلى ما عرف عن مناوأة عمان لبني أمية ورفضها الخضوع لسيطرتهم وأهلها هم الخوارج المغضوب عليهم والمتهمون بالكفر والمروق فهذا الشاعر استثناء وبلاده يستحيل أن يأتي منها شاعر بهذا النبوغ وتلك العبقرية لأنها بلد عاقر!! والمقولة تنقل بلسان الخليفة الفاحص المتمكن والنزيه المنصف لكي لا يعارضها معارض ولتأخذ طريقها في الانتشار غير مشكوك في صحتها!! وعلى أية حال فكعب بن معدان بشاعريته الجزلة نموذج لما أعطته عمان في ميدان الشعر العربي.
وشاعر آخر من القدماء أود ذكره نقل الشيخ محمد بن راشد الخصيبي عن كتاب ابن خلكان "وفيات الأعيان" أنه كان يطلق عليه لقب "أشعر العلماء وأعلم الشعراء" وهو الشاعر الفذ إمام العربية ابن دريد صاحب "الجمهرة" وصاحب "الاشتقاق" الذي تتقاسمه عمان مع شقيقتها العراق ضمن شخصيات أخرى فهو عماني الأصل والمولد هاجر للعراق في أول شبابه واستوطنها ثم اشتاق لبلاده عمان فجاءها ومكث فيها اثنا عشر عاماً عاد بعدها إلى العراق ومات بها وقد شارك في حوادث عمان وصراعاتها وقال القصائد البليغة في تخليد تلك الوقائع وفي رثاء المقتولين من قومه وفي التحريض لأخذ الثار من فريق موسى بن موسى الذي رآه يتحمل المسؤولية في ما حدث وكان ذلك على أيام الإمام الصلت بن مالك الخروصي في القرن الثالث الهجري وابن دريد من كبار شعراء العربية يحتذى شعره ويقتفى أثره وحسبنا مقصورته التي كانت أساس المقصورات في الشعر العربي وقد نسج على منوالها عشرات الشعراء من بعده من العمانيين ومن غيرهم وشرحها الكثير من الشارحين وما زال الناس يتمثلون بأبياتها ومنها بيته النادر في الفخر بالعرب والاعتزاز بهم حيث يقول:
وقسما بالشم من يعرب هل
لمقسم من بعد هذا منتهى

وذلك يوم كان العرب يقسم بشرفهم إلى غير نهاية يستطيع المقسم وصولها لا كما هم اليوم الأقل قيمة بين أمم الأرض ينطبق عليهم قول شاعرنا الآخر المتأخر زمنا عن ابن دريد في مقصورته المحتذية لمقصورة ابن دريد وهو أبو مسلم الشاعر الكبير حيث وصفهم بأنهم ـ مثل اللقى أو غرضا لمن رمى ـ وفي مقصورة ابن دريد مدح مسرف للعراقيين الذين رأى أنهم هم الناس فقط ولا أحد في الدنيا أناس غيرهم وهم جديرون بالمدح لا شك.
ونأتي الآن إلى حالة شعرنا العماني في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين حيث بدأت علامات التطور والتحديث تصل إليه وبدأ الشاعر العماني يتأثر بالمتغيرات ويسعى للتواصل مع أشقائه العرب فقد رأينا شاعرنا الأكبر أبو مسلم يشارك مشاركة حارة وحماسية في دعم المؤتمر الإسلامي الذي عقد في القاهرة في عام 1910م:
لو يكون الشعر نصرا لم أزل
أنظم الأنجم لا أرضى الدرر
ورأينا ابن شيخان يبعث برثائه في وفاة شاعري العربية حافظ وشوقي ورأينا أبو سلام الكندي يتوجه بندائه إلى العرب للتناصر والتوحد في مواجهة الخصم الأوربي وصالح الخلاسي يرسل قصائده داعيا إلى مناصرة هتلر زعيم ألمانيا ضد فرنسا وبريطانيا المعاديتين للعرب والفارضتين قهرهما الاستعماري على الجزء الأكبر من ديارهم وهي الصيحة القومية ذاتها التي عم صداها بلدان الوطن العربي من المغرب إلى المشرق ابتداء من أخريات القرن التاسع عشر الميلادي وصولا لعصرنا الحاضر وفي هذه الأزمنة الحديثة توجهت مشاعر شعرائنا نحو القدس والقاهرة والجزائر والمغرب والعراق. ومع ظهور المخترعات الحديثة كالقطار والتلفون والسيارة والطائرة أخذ الشعر العماني يتحدث عن هذه المستجدات تعجبا وإعجابا كمثل قصيدة أبو مسلم في القطار الذي رءآه يسابق البرق في حركته وقصيدة أبو الصوفي في التلفون الذي حل قصر العلم في عهد السلطان تيمور يتكلم من غير فم وينقل الحديث من الأقاصي البعيدة وقصيدة الشيخ ابراهيم بن سعيد العبري في السيارات والآلات الجديدة التي بهرت الناس وقصيدة الشيخ سالم بن حمود السيابي التي يدعو فيها رسوله إلى استبدال الناقة التي اعتاد امتطاءها في أسفاره السابقة بالسيارة هذا الكائن العجيب الغريب كما بدأت قصائد شعرائنا تحمل مسميات ومصطلحات لم تكن تستخدم من قبل وبدأ التحامل على الاستعمار والغرب والدعوة إلى النهوض والصحوة وإلى الالتحام بالعرب والتكتل معهم وقد تكررت قصائد الشيخ السالمي المحذرة من العدو المستهدف للوطن والأمة تلتها استنهاضيات أبو مسلم للتحرك والانطلاق وقصائد عبدالله الطائي المحذرة المنذرة الداعية للارتباط بالأمة العربية وتنامى هذا الوعي واتسع مع مر السنين ليسكن الجميع الشيخ عبدالله الخليلي والسيد هلال بن بدر البوسعيدي والشيخ سعيد بن أحمد الكندي ثم الجيل الذي بعدهم الشيخ سليمان بن خلف الخروصي والشيخ هلال بن سالم السيابي وهلال العامري وسالم الكلباني وسعيد الصقلاوي وكانت قضية فلسطين حاضرة بقوة في ِأشعارهم.
وهكذا تمر الأحداث وتمضي الأزمنة وتتغير المفاهيم وتتجدد الرؤى وتتبدل الذائقة وتصل القصيدة الجديدة أخيرا إلى الشعر العماني في ما عرف بقصيدة ـ الشعر الحر ـ كما سميت وهي ما نعرفه اليوم بـ"شعر التفعيلة" وقد ظهر هذا التجديد أول ما ظهر ـ على حد علمنا ـ مع الأستاذ عبدالله الطائي في ستينيات القرن الماضي الميلادي وكان ظهوره على استحياء ولم يأخذ من مجمل أشعار عبدالله الطائي أكثر من عشرة بالمائة أو نحو ذلك. ثم توسع الأمر مع من يمكن تسميتهم بجيل ـ السبعينيات ـ على مذهب إخواننا المصريين في تقسيم الأجيال ابتداء من هلال العامري وسعيد الصقلاوي ثم الجيل الذي تلاهم من أمثال محمد الحارثي وصالح العامري وزاهر الغافري ومن معهم. أما الوافد الجديد الذي أطلق عليه اسم ـ قصيدة النثر ـ فقد ظهر لدى بعض مبدعينا مع نهايات السبعينيات وكان من أوائل ممارسيه سيف الرحبي وعيسى الطائي الذي يوقع كتاباته باسم "سماء عيسى" وبعدهما بقليل زاهر الغافري وقد كانوا ينشرون إبداعاتهم خارج عمان ـ حيث كانوا يقيمون للدراسة ـ ولم تصل قصيدة النثر لعمان إلا مع منتصف الثمانينيات حينما بدأ نفر من الشباب ينشرون ما يكتبونه منها في الصحافة المحلية متأثرين برموزها الكبار الذين يقرأون لهم وفي مقدمة هؤلاء كان مبارك العامري وعدد من رفاقه وتزايد انتشارها بعد ذلك مع تحول بعض شعراء التفعيلة إلى كتابتها من أمثال محمد الحارثي وصالح العامري وهلال الحجري الذي لحق بهما فيما بعد إلى أن اتسع نطاقها كثيرا كما نلاحظ اليوم.
وفي ختام هذه الأسطر لا بد من إطلالة عابرة على الحركة الشعرية العمانية في هذه اللحظة ما هو مستوى تطورها وأين موقعها في خارطة الشعر العربي اليوم؟ وأقول بكل ثقة إن هذه الحركة في تطور مذهل مبشر بأفق واسع من حيث الشكل ومن حيث المضمون ونحن نرى كل يوم بزوغ أنجم شعرية جديدة عمانية في مختلف مدارس الشعر واتجاهاته التي يسير فيها الآن من القصيدة النثرية التي تعاظم حضورها كما ذكرنا وبرز فيها من شبابنا من أجادوا وتفوقوا وقصيدة التفعيلة التي التزمها مجموعة من المبدعين الشباب وصاغوا فنياتها على أرقى المستويات وكذلك القصيدة العمودية الأساس لم يغادرها شبابنا بل نبغوا فيها نبوغ أسلافهم ولكن بلغة جديدة وجملة مختلفة وصور وأساليب ومعالجات وأخيلة لم تكن هي التي كان ينتهجها سابقيهم في ماضي الأيام فهي عمودية اليوم والغد وليس ابنة الأمس الذاهب ومن نماذج هؤلاء حسن المطروشي ومحمد الشحي وناصر البدري وأحمد الدرمكي ومحمد السناني وغيرهم من الشعراء الشباب ومن الشاعرات الشابات يمكن لنا ذكر رقية الحارثية وزميلاتها.
وحديثي هنا عن الشعر العماني الفصيح ولكن لا يفوتني أن أنوه بشعرنا العامي المتألق وأشير إلى تطوره المدهش فقد أحرز قصبات السبق ونال التفوق في المنتديات والملتقيات وأصبح ظاهرة ملفتة يشار إليها ويشاد بمستواها في منتديات الشعر العامي في الخليج العربي.
وأخيرا أقول إذا كانت عمان أعطت الشعر العربي في ماضيها أعلاما زاهرة مشرقة فإنها في راهنها ما زالت تواصل إسهامها ولئن أسهمت في الماضي بكعب بن معدان الأشقري وأضرابه فإنها تسهم اليوم بسيف الرحبي ومن جاء بعده من الشباب في حركة مستمرة تمضي ولا تتوقف.
وهذا يبين لنا خصوبة المكان العماني وحيويته ومشاركته الدائمة في الشعرية العربية قديمها والحديث وقدرته في الوقت نفسه على التعاطي مع الجديد والمساهمة في إبداع الحداثة التي بدأ يحفر دروبه في وطننا الصغير وفي وطننا العربي الأكبر.

* أحمد الفلاحي
* أديب عماني


أعلى








يوميات باردة.. بوكيه ورد

ـ هو لم يعد يحبها، لكن ما زال يطارده طيفها حتى بعد أن علم بزواجها..
ـ ولا يهمك.. الرجال هكذا، قلوبهم من حديد يصدأ دائما أمام النساء..
ـ لكن قلبه صدأ أمامها فقط.. وأنا اعرف انه لم يعد يحبها إطلاقا.. يحبني أنا..

ضحكت بصوت عال جدا، في ضحكتها اشتممت كثيرا من الاستهزاء، ولم يكن من عادة "مي" أن تستهزئ مني بهذه الطريقة إلا حين يكون رأيها صوابا في حالات أكثر خطأ من أفكارنا اليتيمة.. في ضحكتها علمت أني على خطأ أكثر من يقيني أنها على صواب، وانه يحبني فقط في الزاوية التسعين من فكره العميق.. ما زال في قلبه بقايا من فتات الماضي..

****

كان الليل نرجسيا.. أو حتى بوهيميا وهو يدق أوصاله في هدوء معلنا الساعة الثانية بعد منتصف الليل.. لم يكن خروجا عاديا ولم يكن حتى استثنائيا.. في اتجاه محطة القطار كنا نستمع للموسيقى.. كان همها الوحيد أن تستمع بينما كان همي الأوحد أن تسرع السيارة باتجاه طريق لا اعرفه، هروبا من شيء اعرفه.. أو كما هي أحلامنا الصغيرة.. مسرعة دائما باتجاه المجهول بعيدا عن زوايا المعلوم الذي صارت أجزاؤه مترهلة كبطن امرأة جميلة بعد أكثر من عملية ولادة عسيرة.. في الطريق كان سائق التاكسي يدير أغنية سعيدة فكري..
يا جبال الريف علاش تكذبي
وتباني قدامي فرحانة
الي خالقك قادر يبني في جنابك فول ووديان
جبال الريف أنا نشوفك تبكي ودموعك ذايقة المرارة
تكتمي همك ولا تشكي
من لونك باين البرهان
جات الريح عرات همومك
شفتك تبكي ما قديت نلومك
وهي كانت تحكي لي عن أشياء لم افهمها، لكني كنت استمع وأدير رأسي باتجاهات غير معينة غير مرئية غير واضحة .. مع استمرار الأغنية..
ـ هل تعلمين..
ـ ماذا؟
ـ ستتزوج قريبا..
ـ أعرف..
وصمتت.. ساد صمت غريب التاكسي وسعيدة فكري ما زالت تغني لجبال الريف الحزينة التي كانت تبكي وتخفي دموعها..
ـ الحب الذي ينتهي بكدمة لا يعول عليه..
بكل هدوء مستفز تمضغ العلك ووجهها باتجاه زجاج السيارة..
ـ لم لا ينقلب بنا هذا التاكسي مثلا لكي نعرف مقدرا حب الحياة لنا ومقدار حب الآخر لنا... لتتزوج أو تذهب إلى الجحيم حتى.. الله يسعدها ويسعدك معاها..
ابتسمت بعمق كبير أعمق من عتمة التفكير التي كانت تشل كل محاولة مهما كانت تافهة بالانتباه إلى ما تقول..

****

ـ شاهدت اليوم مسرحية أسرار التروبادور... كانت رائعة جدا.. الموت والعشق في زمن الخطايا..
ـ نعم نعم... أذكر أن المخرج أصيب بنوع من الذهول وهو يراك تصفقين... (تم بابتسامة صغيرة).. هي أول مرة يعجبك فيها عمل من أعماله... يال هذا الحب المسكين..
ـ (تبتسم ويدها على خدها).. قبل أن يشرع في العمل على أي نص يعرضه علي.. أما رأيي فأحب أن اطرحه عليه مباشرة.. أمام الناس كي لا أكون من سرب المنافقين الذي يعلنون إعجابهم في وجهك وأمام الناس يعلنون سخطهم..
ـ ما أجمل فلسفة المبادئ في عالم صار تستهويه فلسفة الأقنعة...
سار التاكسي قليلا..... فجأة صرخت.. كنت شاردة... خرس الصوت، وتوقف كل شيء عن الحركة والدوران.. شعرت بشيء لزج ينزل على وجهي.. في لحظة صغيرة تذكرت أني ضربت راسي بزجاج النافذة وهي.. لم أعي عنها شيئا ولا أتذكر إلا أنها كانت تصرخ.. لأي سبب؟ الله اعلم... و... انقطعت الكهرباء..

****

بعد ثلاثة أيام وجدت نفسي أوبخه على عدم زيارته لي في المستشفى..
كان قد أخذ الورود وذهب إلى حفل زفافها....
بعد شهر..
جاء حاملا بوكيه ورد برفقتها إلى حفل زفافي..

* ليلى آيت سعيد
* قاصة وشاعرة من المغرب


أعلى








قراءات في مهرجان المسرح العماني الثالث "5"
(رجل بلا مناعة).. الحقيقة التي تجعلك مستهدفاً من مجتمعك
تنافر الأسود والأبيض أوحى بازدواجية مزجت الواقع بالخيال
العلاقة العاطفية بين المريض والممرضة إشارة من الكاتب إلى أن الأمل موجود رغم قتامة الأحداث

يعد عرض مسرحية (رجل بلا مناعة) من تأليف الدكتور عبد الكريم جواد، ومن إخراج سيف المعولي، من العروض القديمة الحديثة، حيث عرض على خشبة مسرح الشباب بمسقط سابقا، وهو في ذات الوقت، يعتبر من العروض الحديثة، لكونه يتضمن موضوعا لا يزال حديث الساعة، وإن كانت حدة الذعر قد خفت قليلا عن السابق ولم يعد مريض الايدز يعامل بهذه القسوة!
واستهل هذا العرض بـ"لوحة تعبيرية" لخصت معاناة بطل العرض (مسعود)، كما ساعدت الأشكال التي وضعت على الخشبة ليتسلل الممثلون خلالها، وكان هناك ممثل مغطى بقطعة من القماش في الوسط... وبعد ذوبان تلك اللوحة التعبيرية ضمن إطار العرض العام، بدأت الأحداث تلامس الهم الواقعي، ليتحول إلى مشهد يتضمن مزيدا من الشحن النفسي من خلال حوار الزوجة مع زوجها. كما استخدمت الأطر الدائرية لدخول وخروج الممثلين ضمن أطار الخشبة، بدلا من الولوج إلى كواليس المسرح بالطرق التقليدية، مما شكل بنى متعددة تقوم على الانتقال بين الواقعية والرمزية.
اعتمد العرض على "مأساوية الحدث" كقاعدة عريضة بنت عليها معاناة بطل العرض. (مسعود) والذي عرف عنه كثرة الأسفار وإقامة العلاقات غير الشرعية، مما جعل زوجته تعيش مرارة الواقع المأساوي. وبعد إصابته بالمرض عايش صراعا داخليا حيث الآهات والحلم، ويمكن أن نلمس المعاناة، من خلال جدال مسعود مع زوجته، بعدما أصر على تجاوز المحظور، والجري وراء ملذاته: (مسعود: أنا الوحيد الذي لم استطع حفظ قائمة الممنوع.. العيب والحرام..) "النص، ص 51".
وهناك صراع آخر يعيشه بطل العرض، كونه بطلا تراجيديا يسعى إلى حتفه، لذا يكون أولا ضحية نفسه، وثانيا: ضحية الواقع المرير عندما يصطدم بحقيقة ويبدأ الجميع في محاربته وهو يشكل مصدر رعب للجميع... لذا نراه يترجى من زوجته بألا تتركه: (مسعود: بسمة.. شجرة حياتي يابسة كوني أنت فيها غصنا أخضر.. أرجوك لا تحرقي ما بقي من الشجرة.. الزوجة: لو كنت تريد أن تحافظ على الغصن الأخضر لكنت سقيته ورويته وحميته من هبة ريح تقتلعه من الجذور) "النص، ص 55"... عقب ذلك، يتم تكبيله بالقيود لأخذه إلى المستشفى، ومعاملته بقسوة كالمجرم!.
وبالإضافة إلى الحدث الرئيسي، أوجد الكاتب قصة ثانية رومانسية من وحي خياله من خلال تصوير العلاقة العاطفية التي بدأت تنشأ بين المريض بنقص المناعة والممرضة، التي زرعت في نفسه بذور الأمل، وبرغم عدم منطقية الأحداث وعدم ارتباطها بالواقع، إلا أن النص أراد القول إن الأمل موجود رغم قتامة الأحداث، إزاء واقع المريض الذي ينتظر الموت، إلا أن الحل كان عن طريق "زخات المطر" التي توحي بميلاد حياة جديدة بعد أن التقى بالممرضة، التي زرعت في نفسه حب الحياة ورسمت في شفتيه الابتسامة:
(مسعود: الغيوم السوداء تكتم أنفاسي.. لا تترك فسحة لحمامة بيضاء تقترب من أغصاني اليابسة.. الممرضة: حتى في الغيم الأسود خير.. يوم يتحول الغيم إلى مطر..مسعود: (متسائلا: المطر؟.. الممرضة: المطر فيض محبة ورحمة)" النص، ص87"، بينما عندما يموت رمز الأمل والحياة، يردد مسعود قائلا: (تغير لون المطر.. تغير حس المطر.. صار المطر جفافا) "النص، ص 112".. وكانت تلك آخر كلمات مسعود، قبل أن يغادر الحياة.. فالعرض يريد أن يقول ليس المرض هو الذي قتل مسعود، وإنما نظرة المجتمع والمعاملة القاسية التي يعامل بها مريض نقص المناعة، تكون أحيانا سببا في أفول نجمه وضياع عمره!.. ولو رجعنا إلى الوقت الحالي، سنجد أنه بالرغم من التوعية بطرق انتقال هذا المرض، حيث يمكن أن يكون ضحاياه عن طريق نقل الدم أو أولئك الذين يستخدمون الإبر الملوثة، بالرغم من ذلك، إلا الناس ما زالت تصاب بحالة من الذعر، عندما يسمعون عن هذا المرض.
عانى العرض من كثرة الشخصيات التي ظهرت على الخشبة، التي جعلت المشاهد حائرا ما إذا كان هذا العرض واقعيا، أم أن هناك لمسات فنية، حاولت أن تصعد الحدث، وتجعل هناك أكثر من ذروة درامية له، منها: (علم مسعود بمرضه وصراعه مع زوجته، القبض عليه، حركة الإبرة أثناء محاولة حقنه لتصيب العسكري، لقاؤه بالممرضة سماح، وقوف الأب والطبيب ضده واللذان يشكلان رأي المجتمع)... وأن كانت تلك "القمم الدرامية" تخفت قليلا في بعض المواقف فيهبط الإيقاع المسرحي، رغم استمرارية الحوار السردي.
بالرغم من واقعية الأحداث المغرقة في حيثيات الحياة، إلا أن المخرج سعى إلى تشكيل العرض، من خلال الاعتماد على تنافر لوني الأسود والأبيض في تشكيل الرؤية البصرية التي أوحت للمشاهد، بازدواجية التي تمزج بين الواقع والخيال، في حين ارتدى الممثلون أزياء واقعية، مثل الزوجة التي أرتدت الزي العماني، والشرطة الذين ارتدوا الملابس العسكرية، والممرضة والطبيب وكل الذين ينتمون إلى المستشفى ارتدوا ملابس تتلاءم مع طبيعة عملهم.
جسد شخصيات هذا العمل نخبة من الفنانين العمانيين، هم: حنان العجمية، ويونس البلوشي، وخميس الرواحي، ووليد الغداني، وإبراهيم البلوشي، وعلي العامري، وناصر الأخزمي.
ويجدر التنويه، إلى أن فرقة مجان المسرحية تأسست في مرحلة مبكرة من عمر المسرح العماني منذ عام 1988م، التي تكونت من رواد المسرح والدراما، وتم اشهارها عام 1998م، ومن أعمال الفرقة: مسرحية (البراقع) ومسرحية (العائد من الزمن الآتي) ومسرحية (السلم) ومسرحية (سعادة المدير العام) ومسرحية (العائلة).. وغيرها من الأعمال.

* عزة القصابي
* ناقدة مسرحية

 


أعلى








الْجُؤشُوش 3
كَضَوءٍ ثَجَّاجٍ يَنهَشُ الغِيَابَ

وَانقَذَفَ شَيْطانُ الرُّعبِ يَتغطَّسُ فِيْ مَسَارِحِ الْجُنُونِ الغَامِسَةِ يَستَنبِتُ الأشبَاحَ ويَستوقِدُ الظَّلامَ ، وَانتَفَضَ الْجُؤشُوشُ مُتوهِّجاً كَضَوءٍ ثَرٍّ يَنطُفُ الذَّهبَ الْمُقَطَّرَ صَاحِيَاً مِنْ إغفَاءةِ حُلمٍ شَرِسٍ كَانَ يَتَمثَّلُ حَسِيْسَ خَيالاتِهِ الصَّاخبَةِ أموَاهاً فَيَّاضَةً غَدِقَةً تَختَلِجُ فِي حَشوِهَا الْمَركُومِ حِجَارةٌ مُتَراصَّةٌ، تَنثَالُ عليهِ هَطلَى ثِقَالاً كأنَّما انشَقَّ القَمَرُ يتَمَطَّىْ بَطَّاشَاً مَيَّاسَاً يَضُخُّ لُفَافاتٍ ثَجَّاجاتٍ مِنْ رِيْقِ ضَوئِهِ الْجبَّارِ فِيْ مَأسدةٍ كَثِيفَةٍ تَتوحَّشُ فِيْهَا أسُودٌ وثَّابَةٌ كَاسِرَةٌ انقَضَّتْ علَيْهِ ثُبَةً مَنكُودَةً مَزَّقَتْهُ وَبَسَّتْهُ وقَضْقَضَتْ جَسَدَهُ الوَضَّاءَ لِيتفقَّعَ نَفخُ السَّرابِ الْمُتَبَخِّرِ ، وَمَا تَربَّثَ الْجُؤشُوشُ فِيْ مُكثِهِ يَتريَّثُ إِلا كَمَا يتلبَّثُ العُشَّاقُ لحظَةَ النُّزُوعِ الْكَالِحَةَ إلَىْ مَا ورَاءَ الغُرُوبِ يُعبِّؤونَ عَجِيْجَ الوجَعِ فِيْ مَخبُوءِ جُيُوبهِم الْمَبذُورَةِ فِيْ صُدُورِهِم ويَسلِقُونَ بَيَاضَ الأعيُنِ دَثَرَاتٍ مَنثُوراتٍ بِغَزَارَةٍ بَثِيْرَةٍ حتَّىْ هبَّ مُنصَعِقَاً كَوَثبَةِ النَّسرِ الظَّافرِ يَسلَخُ الْخَطوَ المَحفُورَ عَزمَاً ومَضَاءً.
وفِيْ صَبَاحِ رَاحتَيْهِ الْمَعجُونتَيْنِ بِمَلاذِّ الْحَنَانِ النَّابضِ تَتَحشَّرُ زُمَرَاً مَلائِكَةُ الْحُبِّ الوَارِفَةُ يهُشُّونَ أحْلامَ العَذَارَى بَيْضَاءَ تَجلُو كَالنَّوارِسِ الشَّارِدَةِ بَعِيْداً حَيْثُ تَلتَحِمُ نُفاضَاتُ الدُّمُوعِ الْمُبتَضَّةِ وَغُسَالاتُ الطَّواوِيْسِ النَّافِرَةِ بِرُقَاقاتِ أحشَاءِ الغِيَابِ النَّاشِفِ ثُمَّ يُطوِّقُونَ بِهَا تَعاوِيْذَ جَذلَىْ رِقَابَ الأطفَالِ الْمنذُورِيْنَ لِنَشوةِ السَّمَاءِ الْمُعشِبَةِ ، ويَنكَفِئُ الْجُؤشُوشُ تَتَشَاهَقُ بهِ قَدَماهُ المَغرُوسَتَانِ حَثحَثةً مَرَاهِصَ وَاسِعَةً ذَاتَ انبِسَاطٍ مُوغِلٍ يَتزَمَّلُ العُشبَ الأخضَرَ دِثَارَا مَرشُوشَاً بأُثعُوبِ الضَّوءِ الْمُفتَّتِ ، كَأنَّهُ رَمَثٌ مَشبُوكٌ قَد تَلَيَّثَ يَختَرِقُ أَجوَازَ المَجهُولِ الْمَحفُوفِ بِمِلاءَةٍ شَفيفةٍ مِنْ عَكُوبِ الضَّبَابِ المُتَطَايرِ إِذ تَضمَّخَتْهُ رَثيَةٌ مُلتهِبَةٌ تُشعِلُهُ غَوارِبُ الأموَاجِ الزَّافِرَةِ تَطفُرُ بِهِ وتَدفعُهُ بقُوَّةٍ خَاضِمَةٍ.
وَتبَعثَرَتْ أزرَارُ قَمِيْصِهِ الْمُشَرَّبِ بِبِلالِ غَلَسٍ رَطْبٍ تَتشعشَعُ مُتقاذِفَةً مُحتكَّةً بعضَها بِبعضٍ كأنَّها عَفطَةٌ منثُورَةٌ مِنْ تُرَابٍ منشُوحٍ ذُبِحَتْ دقائِقُها الطَّفِيْفَةُ غَرَقاً علىْ أرصِفَةٍ مَفرُوشَةٍ نُسِجَتْ مِنْ تَمَوُّجاتِ بَحرٍ مَشحُونٍ بُلَعَةٍ ، فَتفَسَّخَتْ أغطِيَةُ الصَّدرِ الْحَالِمَةُ وَتَخَلَّعَتْ أفرَاطُهَا الْمُشاغِبَةُ وبَرَزَتْ قُضبَانُ قَفَصِ الشَّقَاءِ مُثَغثَغةً بِعَصْفِ الصِّرَاعِ الْمُتآكلِ يَرشَحُ مِنهَا ضَبِيْبُ القُوَّةِ يُوَسوِسُ بِجُنُونٍ صَامتٍ ، وَانكَبَّ الْجُؤشُوشُ يَتركَّضُ مُغرِقاً فِيْ امتِطَاءِ صَهَوَاتِ الْمَدَى الْمُنفسِحِ قُدَّامَ قَفَزَاتِ رُوحِهِ الْمُتطَيِّرَةِ الْخَائِفَةِ ، يَتَسَلَّقُ عَرَائِشَ الْمَجهُولِ الوَجِلَةَ إِذ يَسلُكُ سُبُلاً مُستَوعِرةً فَظَّةً ويَتغَشَّىْ عَرائِسَ القَلَقِ الْمُتوجِّعَةَ يَفتَضُّ فِيهَا بَضَاضَةَ الْحِسِّ الْغَضَّةَ ، وَحَصَوَاتٌ صَاغِرَاتٌ تَتدَحرَجُ مُحجَّبَةً بقُرُوحٍ بَاهضَةٍ يَتَفَرقَعُ مِنهَا شَرَرٌ ألِيْمٌ يَندَهِقُ مِنْ صَعَقَاتِ جُنُونهِ الْمُتَنبِّئةِ.
وشَكَّةٌ ثَاقِبَةٌ تَنحَطُّ مِنْ لُجَّةِ الغَيْبِ آفِكَةً آبِدَةً كَرُمحٍ حَضْبٍ يَنقذِفُ مُستَبسِلاً مِنَ جَفَائِرِ السَّمَاءِ مَشبُوباً بِغَليِ الْجَحِيْمِ يَتَشرَّبُ مَسَارِبَ الفَضَاءِ الْمُتَرامِيَةَ الْمَدَى لِينغَرِسَ مُنطَفِئاً فِيْ لَحمٍ مَوظُوبٍ يَتَنزَّىْ منهُ ضَهَبُ الشِّواءِ ، وَتَحَدَّرَ بِهِ مَمشَاهُ الْمُتَعارِجُ يَنهَبُ أُرُوضَاً شَاحِبَةً يَتَعبَّسُ عَلَىْ سَطحِهَا البَارزِ قَحطٌ مَاحِلٌ يَتغضَّبُ نَقمَةً وضَجَرَاً ، وَاحلَولكَ الدَّلَسُ الفَظِيْعُ نَاشِلاً بَراثِنَ بَارِجَةً مُضَرِّسَةً تَتَقوَّسُ كَعَراجِيْنَ مَجذُومَةٍ تَنفُشُ فُقَاعاتٍ مُغتَصَبَةً تَلُوثُ لائِذَةً بِآبَادِ الرَّحِيْلِ السَّرمَدِ ، وَانتَصَبَ الْجُؤشُوشُ ضَارِعَاً يَجأرُ بِإلظَاظٍ غلِيْظٍ يَمحَقُ بِهِ صَهِيْلَ نَفسٍ مُتعثِّرَة وعَذرَاءُ صَدرِهِ الْمُتَكَوِّرَةُ تَخضَلُّ مُختَضَّةً بِرُضَابِ الأنهَارِ الْمُتبجِّسَةِ مِنْ سَمَاواتِ عَيْنيهِ الَمَسمُولَتَيْنِ بِمِثقَابِ الألَمِ البَاخِعِ ، وَانفَجَرَ يَحرِثُ كُرُومَ الظَّلامِ بِشَهَقاتِ رُوحهِ الْمَمضُوغَةِ ويَعتصِرُ عَناقِيْدَ البُكاءِ الْمُتَحفِّزَةَ يَجُوسُ بِالأغلالِ الثِّقالِ خَرائِبَ الأحلامِ الْمَوؤُودةِ:
أوَّاهُ أيَّتُها السَّماءُ النَّاهِدَةُ الْمُخضِرَةُ هَلاَّ رَشَشتِ نُثَارَ الضَّوءِ الْمُستَمَاحِ مِنْ جُيُوبِ أحضَانِ العَرُوسِ الْمُشتَهَاةِ يتَرقَّصُ جَذِلاً مُغتَلِماً فِيْ أعطَافِ الْحرِيْرِ الْمُفغَمَةِ بِضَمخَةِ العِطرِ الثَّمِلَةِ ؟ رُحْمَاكِ لَولا جَسَستِ حَسَاسَةَ النَّبضِ الْمَسفُوحِ خَفقَةً فَخَفقَةً مِنْ جَثَوَاتِ أجسَادِنَا الْمَسفُوعَةِ بِلَفَحَاتِ سِيَاطِ حَرِّ السَّمُومِ ، فَإمَّا ثَثقفِيْنَ شَظَايَا أحشَاءٍ مَدسُوسَةٍ يَتَضَوَّرُ فِي صَرَّةِ اكتِظَاظِهَا المُجلجِلَةِ رُعبُ الْجُنُونِ يَتَمَشَّى مُنتفِجَاً لَهُ أذيَالٌ مَشحُونَةٌ رِخوَةٌ تَندلِظُ عَجلَىْ مِنْ سَرَابِ اللاَّشُعُورِ تَتخَشخشُ كَشَّةً وطنِيْناً ، فَاخلَعِيْ عَبقَةَ الْجَمَالِ الْمُذهَّبِ يَتمَضمضُ مُزبِدَاً ثَمَدُ الْحُبِّ فِيْ قَمِيْصِهَا الْمُقَتَّلِ بِحِرَاشِ الْمُخاتلَةِ عسَاهَا تَرأفُ خَفَراً وهِيَ الْحَاضِنَةُ الرَّؤُومُ عَلَىْ أعشَارِ قَلبٍ مُهَشَّمٍ مَسكُونٍ يَتَحلَّجُ أغشِيَتَهُ الْمُخَمَّشةَ يُناشِطُهَا جَذبَاً رِشَاءٌ مَشكُوكٌ يَتَشمَّمُ أينَ كِلابُ الْموتِ الْمسعُورَة؟
وَهَذهِ الْمَصَاخِدُ الشَّوَابُّ إِذ تَتثَعلَبُ مُبَاغِضَةً وَعُوَاءُ الدِّئثِ الفَاحِشِ يُعَسعِسُ صَرَّاخَاً فَاجِرَاً يَلفَحُ مِنْ أشدَاقِهَا الْمُبَعَّجَةِ ، أَثَمَّ مَنْ يَبثِقُ رَشرَاشَ الثَّجِيْجِ يَنثَدِقُ كَاسِرَاً ضَارِيَاً لِيتَبَلَّعَ تَفَثَ الأجسَادِ الْمَشدُوخَةِ إِذ تبَثَّرَتْ فِيهَا أشَائِبُ الفُجُورِ تَطفَحُ بِوَضَرِ الأضَالِيْلِ الْمُغلَّفَةِ ؟ وَاستَسخَرَ الْجُؤشُوشُ ضَاحِكَاً يَتَهَزَّأُ مِنْ سُخفِ هذهِ الْمُبَاثَثَةِ الْمَنفُوثَةِ وتَرَعَّفَ لافِظَاً كَلِمَاتٍ مُرحَّضَةً اقتَنَصَها تَمرَعُ رَائِبَةً فِيْ أَبِّ غَثَيَانِ نَفسهِ الْخاثِرِ ، فانتَزَعَها بِفَظَاظَةٍ مُرعِبَةٍ وقَاءَهَا يُمرِّخُ بِبُصَاقِ قُبحِهَا الْمَشنُوءِ رَفرَفَ الوُجُودِ الفَارِهَةَ الرَّافِهَةَ وَاشتَعَلَ مَسِيسُ الْجُنُونِ يَتَجَيَّشُ قَضَّةً حَشِفَةً تَتَقمَّصُهُ لِتُلقِّمَهُ زَلزَلَةَ الأشلاءِ الْمَنبُوشَةِ مِنْ كِفَاتِ الأجدَاثِ الْمُضَرَّحَةِ.
وَبَرَزَت لَهُ أنقَاضُ كُوخٍ مَصلُوبٍ يَتثبَّطُ مَهوُوسَاً فِيْ غَاشِيَةِ الغَسَقِ الْمُلتَحِفَةِ يَتَكدَّسُ حُطَاماً مَرصُوصَاً وَضجِيْجٌ مَسحُورٌ يَكتَظُّ مَغمُوراً تَحتَ سَقفٍ أجلَحٍ يَتسرَّبُ مِنْ الْحَوَافِّ الْمُفلَّكَةِ نَاشِرَاً أنَامِلَ الْجُنُونِ ضَئيلَةً لَدِنَةً تَتَحسَّسُ الأروَاحَ الغَافِلَةَ لِتغشَاهَا مُرَاوَغَةُ الرَّغَشِ الْحَاصِرَةُ فَتُثقِلَهَا بِوَجَعِ الطَّمَثِ سِفَاحَاً مَثلُوبَاً ، وَتُوقِظُ فِيهَا تَهوِيْماتٍ شَرِهَةً بَلهَاءَ تُستَباثُ مَنجُوشَةً مِنْ أفوَاهٍ بُورٍ صَعقَهَا رَشفُ الْمَوتِ الْخَطَّافِ يُثلِّمُ قَوَارِيرَ زُجَاجِها الْمُمَرَّدِ فَاستَجذَبَهَا أنَاثَىْ رَوَابٍ غَوَانٍ يَسَتنقِعُ طُفُولَةَ الضَّوءِ الْمخبُوءِ فِي مَخفَرِ بَياضِهَا الْمشبُوبِ لَهَبَاً مَصبُوغاً ، وَاستَقَادَهَا خِرافَاً ضائِعَةً أضَالِيلَ يُفقِّعُ فِيهَا اخضِرارَ حُلمٍ مَذبُوحٍ يَتنوَّرُ احتِضَاراً مُنحَبِسَاً فِيْ مَحضَنِ عَزِيْفٍ مُشاكِسٍ.
وغيُومٌ آبِقَةٌ طاغِيَةٌ تُناوِشُ رِيشَ السَّمَاءِ بِخَمشِ أظفَارِهَا الْمَصقُولَةِ تَتَموَّجُ كَشيطَانٍ ملعُونٍ تَفُكُّ وَهَجَ صُدُورِهَا الْمُنجَّسَةِ بأرجَاسِ الفَواحِشِ الْمُستَرَقَةِ خِلسَةً وَشَطَطاً ، فَتثُورُ أفواهُها النَّاعِسَةُ بَخَراً تَرعَشُ بِجنُونِ شَبقٍ مَمضُوغٍ يَلُوكُ نُغَبَ شَرَابٍ ضَرِيْبٍ فيتَصَرَّخُ لُهاثٌ مَحمُومٌ هائِجٌ يَنخَرِقُ غلِيْظَاً مِنْ غَورِ قَاعٍ مَطمُورٍ كَصُبْحٍ مَذبُوحٍ يَتَقَتَّلُ فِيْ شَبَائِكِ الْجَحِيْم ، يَشطَحُ بِهِ تَرنِيقٌ مقبُوحٌ يَتشمَّسُ رَمَضَاً حَارِقَاً كَأنَّهُ سَغَبُ نارٍ قَاضِمَةٍ تُحتَطَبُ منْ سِجِّيْلٍ لافِحٍ ضَرِمَتْ وَقَّادَةً تَحمَارُّ فِيْ نُهُودِ السَّمَاءِ الكَاعِبَةِ كَأنَّ مَسَاسَها العَابِثَ جُنُونُ صِئبَانٍ راعِشَةٍ عَتَتْ طَغوَاهَا تَستخرِبُ رُؤُوساً رَوَاسٍ.
وَانْخَلَعَ الْجُؤشُوشُ كَخَطفَةِ الرِّيْحِ الوَاثِبَةِ يَنفُضُ الأرضَ مُتقَحِّماً يَؤمُّ الكُوخَ الْمُنغَرِسَ فِيْ غَابٍ مَزمُومٍ مِنَ الظَّلامِ السَّابِغِ فَمَا رَاعَهُ إلا صَوتٌ ذَاوٍ يَبزُغُ ضَعِيْفاً خَوَّارَاً ثُمَّ لا يَلبَثُ طَوِيْلاً حتَّىْ يَتَلكَّأ فَيَمُوتَ مُختَنِقَاً ، كَأنَّما يَتذرَّىْ حَالِقَاً مِنَ الْجِبَالِ النَّاطِحَاتِ فلا يُوشِكُ أنْ يَتَذوَّقَ الْجَمَالَ الْهَارِبَ لِيتلَمَّظَ لذَاذَتَهُ الْمَاتِعَةَ حتَّىْ يَخِرَّ هاوِيَاً إلَىْ حُفَرِ الْحَضِيْضِ الْمَفجُوعَةِ يَتكَسَّرُ حُطَاماً مَنفُوشَاً، أو زَورَقٌ عَذبٌ يَركبُ ثَبَجَ البَحرِ السَّاكِنِ يَتغنَّى كَحُورِيَّةٍ عَاشِقَةٍ تُفاكِهُ مَلائِكَةَ الغُيُومِ مُباهَجَةً لطِيْفةً تَرسِمُ بِرِيشَةِ أحلامِهَا الوَردِيَّةِ هَالاتٍ قَمَريَّةً تُغرِّدُ فِيْ غُدرَانِهَا الْمُذهَّبَةِ طُيُورٌ خُضْرٌ تَفجَؤُهُ غَضْبَةٌ سَاخِطَةٌ تَصرعُهُ وتُطوِّحُ بهِ قذَّافةً طَوَّافَةً لِينهشِمَ مَبسُوساً علَىْ ألوَاحٍ مُصَفَّحَةٍ مِنْ حَدِيْدٍ مَصهُورٍ.
رَاعَهُ الصَّوتُ الْمَذعُورُ وأيقَظَ فِيْ رُوحهِ حَسَاسَ الرُّعبِ الْغَائِصِ فانتَعَشَ وَاستَضَاءَ حِسُّهُ الْمَشبُوبُ يلفَحُ نَاراً حُطَمَةً وسَفَحَ الْخَطوَ النَّاهِضَ يَسلَخُهُ بَطِيئاً حَذِرَاً فِيْ تَناغُمٍ مُنسَجِمٍ مَشلُولٍ وَعَلَىْ أعرَاصِ الْكُوخِ الْمُتَربَةِ بِحَشَائشِ الْغُرُوبِ الْهَاوِيَةِ نَحوَ العَدَمِ الآفِلِ تَأرجَحَ يَترنَّحُ يَنزِفُ شَهَقَ الأنفَاسِ الْمبهُورَةِ يَستَنزِلُها مَحرُورةً مَسنُونَةً مِنْ صُقُورِ رُوحهِ الْمَسلُوبَةِ ، وَتَصفَّحَ مَنشُورَ الوُجُودِ الَكَئِيْبِ مُنكَّسَاً فِيْ الْخَلقِ مَذؤُومَاً بِنَظَرَاتٍ عَابِثَةٍ يَسفَحُهَا وَرَقَةً وَرَقَةً وَيلفِظُهَا قَطرةً قَطرَةً فإِذَا بغَشَشِ الْكَونِ الْمُتعكِّرِ يَلُوحُ لَهُ شَيطَانَاً مَخبُولاً يَسِفُّ حَبَائِلَ الفُخُوخِ الْخَالِبَةِ يَتضحَّكُ بِفَظَاعَةٍ بَشِعَةٍ ، وَانْهَارَ الْجُؤشُوشُ مُتهدِّمَاً مُندَحِراً يَتَغوَّثُ صَارِخَاً بَكَّاءً يَحثُو فُتَاتَ التُّرابِ الْمَنشُورِ يُحتحِتُهُ علَىْ مَيَامِنِ السَّبِيْلِ الْمُشرَعِ وعلَىْ مَيَاسِرِهِ وَيذرُوهُ ذَرَّاتٍ مَفكُوكَةً عَلَىْ جَدائِلِ شَعرِهِ الْمَضفُورَةِ ، وَانْجَرَدَ لَبِقَاً يَتبحَّثُ كَمَجنُونٍ يَعتلِفُهُ الْمَرَضُ الْخَوَّانُ يَركُضُ فَاغِراً شَقواهُ الضَّارِيَةَ الأبدِيَّةَ يَتَحَاتُّ مُتَهالِكَاً فِيْ تَعرِيْجَاتِ لُجَجِ الدَّغَلِ السَّحِيْقَة وطَرائِدُ دُمُوعِهِ الْمَدثُوثَةِ تَصرُخُ مَذعُورةً قَلِقَةً: وَاثُبُورَاهُ إنَّنِيْ أتَشَظَّىْ أوَّاهُ إنِّنَيْ أتعَذَّبُ.
عَبد المَلِكِ المَعوَلِي


أعلى









البيت الساحر المسحور


تسقط أحجار المنزل القديم
من البكاء.
سماء عيسى
"منفى سُلالات الليل"


معمار البيت

هذا بيت صديقي في الطفولة، أو بيت طفولة صديقي، الذي يطل على ضواحي القرية ومنها ضاحيتنا (الضاحية ـ البستان)، ومن المرجح أن بناءه يعود إلى ما قبل السبعين، إذ وعيت وصديقي على الدنيا والبيت ملعبنا، ويقال إننا ولدنا معا في عام واحد وانه يكبرني بعدة أشهر.
يتميز البيت بموقع فريد في القرية كلها، إذ يقع على دك (الدَك - ما يشبه التلة) يرتفع به عن البساتين التي تحفه من الجهات الأربع، أشبه بقصر منيف وسط غابة من النخيل والأشجار، فيما الشمس والقمر في منازلهما يزاورانه بالنور والضياء، كما العاشق رائحا وغاديا على شرفة الحبيبة.
ثمة ممر حجري يصعد من ضاحيتهم إلى حُجرات البيت المتجاورة التي تشبه خلايا النحل، وهي صغيرة بمقياس هذه الأيام، لكنها كانت واسعة القلب، بها من الحميمية والدفء بما يتعذر وصفه، خاصة في ليالي الشتاء ـ صار لدينا الآن ناطحات سحاب فيما قلوبنا ضيقة ـ وبعد صعود الدرج تدلف إلى باحة الدار أو بهو البيت الذي تتفرع منه الحجيرات المسكونة بالأسرار والحكايات عن بيت يقال عنه بأنه مسحور.
لا تزال باقية إلى اليوم بعض حاجيات البيت التي تساقطت بفعل جرح الزمن، وتناثرت هنا وهناك بين أكوام التراب واللقيا، إذ عثرت مثلا على حقيبة حديدية "سحّاره"، جرة فخارية (حِب)، ماعون من معدن "مَلة " منقوش عليها زهور حمراء وطيور ملونة، أبواب وأوتاد وغيرها من الحاجيات المتواضعة، تبكي أطلال بيت أحبة كانوا هنا، وكانت طفولتي تلعب معهم؟!

طفولة البيت

في هذا البيت عشت جانبا من طفولتي في السبعينات بصحبة صديقي، وكنا عند المغيب نتراشق بالحصى كلعبة مسائية، ضاحكين من قلوبنا حد التعب، وكنت أحيانا أبيت عندهم في حضن أمه زهرة، كتوأمين في هذا البيت العتيق، الأم زهرة التي خطفتها يد المنون مبكرا اثر مرض عضال، وكان صديقي صغيرا على الحزن والفقد؟!
بعد عشر سنوات من غيابها، صار هو نفسه صغيرا على الموت، إذ قطفه قطّاف الزهور ولما يكمل ربيعه العشرين.

الملازم في انتظار نجمة

كان يحلم بأن يكون "ضابطا"، فذهب إلى الكلية العسكرية، وقبيل تخرجه بعدة أيام غادر الدنيا دون زوج أو ولد أو تلد، في حادث بسيارته "الموستانج الصفراء" التي كان يقودها زميل له في العمل.
روي لي وأنا أتأمل جثمانه المسجى في المستشفى، انه قبيل هنيهة كان يصيح محتضرا وهو ينزف دما ودموعا: "ما أريد أموت بعدني صغير"!؟
لكن عوض أن "يشك النجمة" على كتفه، صار وحده نجمة في السماء، كلما برقت، هاجت الذكرى والتمع الزمن الجميل؟

الغياب

ثمة شاعرة هايكو تدعى تويوتا تقول فيما معناه "في قول ما لا يقال، ثمة قول يقال"، فلأدع الصور تكمل حكاية البيت والغياب!

رحمك الله يا "أبو فهد".

عبديغوث


أعلى



 





التراث الموسيقي ومفهوم التطوير
لم تتراجع الموسيقى العربية أو تتخبط إلا مع التخلي عن تراثها النظري المتوارث

صعوبة التوثيق والحوار مع الفنانين التقليديين لم نواجهها إلا بعد منتصف التسعينات، والسبب أنهم يجدون ألحانهم الخاصة قد استولى عليها وتم "تطويرها" دون تعويض مادي أو احترام حقوق ملكيتهم لها
نتطلع إلى تطوير تجربة مركز عُمان للموسيقى التقليدية في مجال الجمع والتوثيق، وتأسيس برامج بحثية موسيقية عميقة، ومتحف وقاعدة بيانات للتراث الموسيقي العُماني، وقسم التعليم الموسيقى العُمانية
التطوير الحقيقي يكمن في المحافظة على تراثنا والقدرة على استيعاب قوالبه، والتواصل مع التراث العربي الذي انقطع منذ قرون، والانفتاح على تطبيقات موسيقات الجوار الحضاري


التمهيد:
لا أتحمس كثيرا لكتابة مثل هذا النوع من المقالات ونشرها في الصحافة، ونادرا ما أفعل هذا لأسباب كثيرة، منها أن الكتابة في موضوعات فنية وموسيقية بشكل خاص تبدو لي وكأنها رمي إبرة في محيط لا تحدث صوتا ولا أثرا!.. وآمل أن أكون مخطئا في اعتقادي هذا.
في مطلع شهر سبتمبر من هذا العام نشرت مقالا في ملحق "نون" الذي تصدره الجمعية العمانية للكتاب والادباء بعنوان: "أهمية تضمين التراث في المناهج ـ الموسيقى نموذجا"، وكان بالأصل بطلب من مدير تحرير مجلة التراث المعنوي في أبوظبي (مجلة الكترونية صدر عددها الأول في شهر سبتمبر الماضي عن هيئة أبوظبي للتراث والثقافة)، ونظرا لأهمية الموضوع عرضته على الصديق محمد الشحري الذي أعجب به واقترح مشكورا نشره في الملحق المذكور. وبصراحة أنا أيضا تشجعت لهذا العرض على أمل أن يكون مفيدا للقارئ.
وخلال الشهر الماضي وجهت لي إدارة ملحق "نون" دعوة كريمة للمشاركة مع بعض الأساتذة الكرام في "حلقة نقاش عن التراث الشفوي العُماني"، وطبعا جرى طرح قضية التطوير هذه ضمن عدد من القضايا، وهكذا قررت إثر ذلك أن أكتب هذا المقال تحت عنوان: "التراث الموسيقي ومفهوم التطوير"، ذلك أن التطوير كمبدأ مرغوب ـ في كل شيء ـ يتسم في ظاهره بالايجابية، وأهدافه مقبولة، ويشاع تداوله عادة في مجالات حياتية عديدة، مثل: أن يقال تطوير القوانين، أو الخدمة الطبية، أو التعليمية، أو الطرق والمدن.. وغير ذلك من الأمور. ولكن لهذه القضية حساسية خاصة في مجال الفنون والثقافة والتراث لأسباب عديدة منها مثلا، لا يجوز تطوير الأعمال الفنية الإبداعية التراثية في الموسيقى أو في أي مجال من مجالات الأدب والفنون التي اعترف بها المجتمع وتقبلها، وإنما يجري توارثها واستيعابها بأي وسيلة من وسائل الحفظ والتعليم والإعادة والممارسة كصيرورة عملية يعيد من خلالها المجتمع إنتاج نفسه كهوية ثقافية (ما مبرر توارث الأدب الجاهلي؟). فلا أحد يتحدث مثلا، في أوروبا عن إمكانية تطوير الأعمال الموسيقية الكلاسيكية أو الرومانسية وغيرها التي تعود إلى أكثر من ثلاثة قرون، بل ويحرص الجميع على أصالتها، وحفظها وتعلمها وإعادتها بالطرق التي تؤكد ذلك؛ فتربى على ذلك التراث أجيال عديدة موسيقية وغير موسيقية، ولهذا هو تراث، وهذه هي قيمته، سواء كان أوربي أو عُماني أو عربي أو صيني.. فكل أمة تفتخر بتراثها وتعمل على صيانته وتناقله جيلا بعد جيل. وقد سعى الأوروبيون إلى نشر تراثهم ذلك والتعريف به وجعل الناس حول العالم تتذوقه وتحترمه.
وقد يُعتقد أن صيانة التراث والمحافظة عليه دعوة للبقاء في الماضي تحول دون تطور الموسيقى، كما قد تكون لدى البعض وجهة نظر أيديولوجية من نوع ما بشأن بعض الرواسب التاريخية والثقافية أو الاجتماعية التي تتصل بعرقية هذا النوع من التراث الموسيقي التقليدي أو غير ذلك، أو موقف تجاه ما قد يصاحب الأداء من سلوكيات سلبية وهي بطبيعة الحال ليس لها علاقة بذات الفن بل بنوع التعاطي الأخلاقي معه، وهنا أحيل القارئ الكريم لما يجري اليوم في بعض القنوات التلفزيونية من صور غير مرضية بناء على سياسة تلك القنوات أو شركات الإنتاج الفني.
إن التراث هو أكبر معلم للشعوب وأجيالها الحية التي تعمل باستمرار على تأكيد ذاتها وتضيف إليه، ولا تقتات عليه، على قاعدة:
ليس الفتى من قال كان أبي
ان الفتى من قال ها أنا ذا
إن اللغة الكلامية والموسيقى والفنون والشعر وأنواع الأزياء والتصورات والمعتقدات.. وغيرها من الفنون ليست كالحساب أو الكيمياء .. وغيرها من العلوم التي نبتكرها أو نجلبها إلى جامعاتنا وكلياتنا ومدارسنا؛ فالفنون عامة هي التي تشكل ذات المجتمع الثقافية وتميزه عن غيره، فالهوية الوطنية مقترنة بالهوية الثقافية؛ فلن يختل النسيج الثقافي الاجتماعي طالما استطاع أن يستمر في ممارسة فنونه، ولن يضره شيء ـ من ناحية الهوية الثقافية ـ إذ لم يكن يعرف الكثير عن الرياضيات أو الفيزياء وغير ذلك من العلوم التي لا شك أنها تساهم في تنمية المجتمع ورفع مستواه العلمي والثقافي أيضا، ولكن لا تشكل هويته الثقافية بالقدر الخطير الذي تساهم فيه الفنون.. فلا يستطيع الكثير من الناس مثلا الاستماع إلى موسيقى غير تلك التي تنتمي إلى بيئته الثقافية، ولكن بوسعه التعامل مع أي علم رياضي (حسابي أو فيزيائي..) دون أن تتأثر عنده تلك الذائقة والهوية الثقافية التي تثير وتدغدغ فيه الشجن والانتماء للأهل والوطن.. لذلك وجب العناية بالتراث الثقافي والموسيقي على وجه الخصوص.

خلفية تاريخية موجزة

يرى الباحثون في علم الموسيقى وتاريخها، بأن تاريخ التنظير الموسيقي العربي المستقل توقف منذ حوالي القرن السادس عشر (راجع مثلا، البروفيسور محمود قطاط)، ولم يعود إلاّ في القرن التاسع عشر، ولكنه وقع تحت تأثير التوجه الموسيقي الأوروبي، ومنبهرا (بجانب أشياء كثيرة) بالسلم الموسيقي المعدل (التونالي) الذي تمثل آلة البيانو المتقنة الصنع والأعمال الموسيقية الكلاسيكية الأوروبية العظيمة أبرز منتجات ذلك السلم الذي اكتمل تنظيمه وتحديد درجاته الموسيقية وتثبيته في القرن الثامن عشر تقريبا.. ومن المعلوم أيضا أن مساعي تحديد درجات السلالم الموسيقية عند الحضارات المختلفة ومنها العربية الإسلامية مسألة قديمة، واهتم بها الفلاسفة والمنظرين منذ الحضارات الصينية واليونانية قبل الميلاد، وربما كان أيضا شيئا من هذا التنظيم الموسيقي عند العراقيين والمصريين القدماء. ويشاع أن الصينيين القدماء رغم أنهم استدلوا على السلم الذي يعرف في نظريات الموسيقى بالسلم السباعي (المكون من سبع درجات نغمية) وصنعوا لذلك اثنتي عشرة قصبة كل منها مخصصة لإصدار نغمة من نغماته حسب تجزئة المسافة الصغيرة غير المتساوية (يناظرها في الموسيقى الأوروبية التونالية بنصف البُعد المتساوي)، إلا أنهم احتفظوا بسلمهم الخماسي (سلم موسيقي مكون من خمس درجات نغمية) انطلاقا من مفاهيم واعتقادات تتصل بثقافتهم، ولأهميتها عندهم كان يطلقون على درجاته النغمية أسماء، مثل: كونج ومعناها الامبراطور، وتشي ومعناه رئيس الوزراء.. الخ. من هنا ظلت جميع الشعوب الشرقية مثل: الصين، اليابان، كوريا.. الخ، تحترم هويتها الموسيقية التاريخية علميا وفنيا وتعمل على ضمان استمرار هذا حتى اليوم. (ملاحظة: لا يوجد في الأصل نصف بُعد بالمعنى الحسابي في السلم الموسيقي الطبيعي المستخرج من تتالي الخامسات والرابعات، وهذا إنما مصطلح حديث من استخراج السلم الأوروبي المعدل (التونالي) وأصبح شائعا في النظريات الموسيقية. ويحتوي السلم الموسيقي الطبيعي على: سبع درجات موسيقية، ويتكون من خمس مسافات كبيرة ومسافتين صغيرتين، ويكمن سر اختلاف طابعه الفني من موسيقى لأخرى في مقدار النسب والأنظمة المستعملة التي يتم تحديدها علميا ورياضيا، أو تتكرس عبر الممارسة والتداول والحفظ والنقل الشفوي كما في الموسيقى العُمانية التقليدية مثلا، لذلك تنوعت موسيقات الشعوب حسب إدراكها وذوقها للأبعاد الصوتية النغمية؛ فتوجد موسيقى هندية، وأخرى صينية، وأوروبية وعربية، وعُمانية.. الخ. وأبرز مثال للسلم الطبيعي في عُمان غناء أهل الجبل في ظفار مثل: نانا، والدبرارات.. وغيرهما، لذلك يجد بعض الموسيقيين صعوبة في تطويعها بسبب عدم إدراك هذا الاختلاف الدقيق في سلمها الموسيقي مع "السلم العربي" الشائع الآن).
وتاريخيا استعمل المنظرون والفلاسفة والموسيقيون العرب مصطلحات للدلالة على المسافات أو الأبعاد الصغيرة في السلم الطبيعي (الدياتوني) الشائع في التراث الموسيقي العربي النظري والتطبيقي، مثل: فضلة أو بقية أو ليما (راجع، الكندي والفارابي.. وغيرهم) وبناء على ما وصل لنا من تراث عربي مكتوب نرى تاريخيا أن التنظير العربي ساهم بشكل فعال في تطور الموسيقى العربية ـ الإسلامية، وما كنا لنعرف الكثير من موسيقى تلك العصور لولا جهود علماء العرب المسلمين منذ أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي (القرن التاسع الميلادي) وحتى اللاذقي (القرن السادس عشر)، بل وربما كان الخليل بن أحمد الفراهيدي (القرن الثامن الميلادي) العُماني هو صاحب علم الموسيقى في الحضارة العربية الإسلامية إذا استطعنا العثور على ما يؤكد صحة ما كتبه الجاحظ عنه. من جهة أخرى فالدراسات الموسيقية الأوروبية والغربية عموما المتخصصة بموسيقات الشعوب غير الأوروبية شكلت لعدة قرون الوعي العام لديها وتغلغل هذا الوعي في مستعمراتها منذ الاكتشافات الجغرافية العظيمة؛ فهذه الدراسات كانت نشأتها تلك في أحضان الاستعمار الأوروبي، ورغم الانجازات الباهرة في هذا المجال والجهود العظيمة للعلماء والمغامرين الأوربيين في العلوم الإنسانية والباحثين عن الحياة البدائية ومكتشفيها في أفريقيا وآسيا وأميركا واستراليا إلا أنهم في البداية بنو مواقفهم وتصوراتهم الفنية تجاه موسيقات تلك المجتمعات بالمقارنة إلى الفروق التي لاحظوها بين المستوى المادي والتقني لحضارات تلك المجتمعات والحضارة الأوروبية. إن ذلك الوعي كان يتعامل مع فنون الشعوب الأخرى على أنها أقل مستوى من موسيقاه، وكانت هذه النظرية شائعة عند الدارسين لحد وقت قريب، وتم نقد هذه النظرة تجاه موسيقى الشعوب غير الأوروبية التي ثبت أنها غنية في التعبير الفني وتتمتع سلالمها وأنظمتها ووظائفها وآلاتها الخاصة بخصائص تستحق الاحترام.. ولا يخفى علينا اليوم مدى تأثر الموسيقى الأميركية والأوروبية بأنواع عديدة من الموسيقات غير الأوروبية ومنها الأفريقية على وجه الخصوص. (ملاحظة: في الوقت الذي تم علميا الاستغناء عن هذه النظرة الاستعلائية تجاه موسيقات الشعوب بفضل تقدم الدراسات ووسائل الاتصال، إلا أنها ظلت تعشش في رؤوس السياسيين ومنظري التقدم في بعض أقطار العالم العربي تجاه موسيقاهم وتراثهم، فأحد أهم أسباب فشل التنمية فيها يكمن في عدم قدرتها على إدارة مواردها الثقافية، ذلك أنها ليست كالموارد الطبيعية والإنشائية التي يسهل لحد ما إحداث التغيير فيها في وقت قصير كما يمكن الاستعانة في هذه المجالات بقدرات وخبرات خارجية أو الاعتماد عليها بعكس الثقافة التي هي مسئولية أبناء المجتمع بشكل مباشر؛ فلابد من أي مجتمع حي أن ينتج ثقافته بنفسه بناء على حاجته الذاتية لأسباب تتعلق بوجوده، حتى لو تمت الاستعانة بخبراء وعازفين ومدرسين.. وغيرهم. يعني باختصار قضية حياة أو موت).
كما أن الشعوب الشرقية ذات الحضارات الشهيرة والقديمة في العالم العربي وآسيا لم يكن تقاليدها الموسيقية أقل مستوى من تلك الأوروبية، ولكنها تختلف من حيث أصناف سلالمها وأنظمتها المستعملة، ولم تتراجع الموسيقى العربية أو تتخبط إلا مع التخلي عن تراثها النظري المتوارث، واستبداله بالحديث الأوروبي.. وبشكل عام فإن علم الموسيقى يصنف موسيقات العالم ضمن ثلاثة سلالم موسيقية كبرى، ألخصها هنا مع بعض التصرف عن استاذنا البروفيسور محمود قطاط، وهي: ما قبل الخماسي، والخماسي والسباعي. وتستعمل في إطار هذه الأصناف أنظمة موسيقية متنوعة مثل: المونودي/ الهوموفوني (اللحني الانفرادي والمقامي). والبوليفوني (نظام علمي فني موسيقي)، والتونالي (حديث العهد ويعتمد على سلم موسيقي معدل ومثبت رياضيا مكون من اثني عشر نصف بُعد متساو).
وفي الحقيقة السلالم الموسيقية وأنظمتها مجالات أكثر تعقيدا، وما نلخصه إنما شديد الاقتضاب لغرض التوضيح وخدمة سياقات الطرح بهذا المقال المختصر فحسب.. وتنتمي الموسيقى العُمانية إلى النظام الهوموفوني، غير أنها تعتمد على التراكيب والحركات الإيقاعية بعكس موسيقات الأقطار العربية في الشام والعراق ومصر والمغرب العربي ذات الطباع والبناء المقاميين. كما أننا نجد في التراث الموسيقي العُماني سلالم موسيقية مختلفة تعود إلى بعض الواردة أعلاه.


باختصار عن نشأة التطورية العربية في الموسيقى العربية


يتعلق الأمر بقضية النهضة العربية منذ أكثر من قرنين وتوجهاتها الفكرية؛ فكان هناك من يرى أن على العرب والمسلمين أن يقلدوا أوروبا في كل مناحي الحياة (وهناك من طالب بكتابة اللغة العربية بالأحرف اللاتينية كما حصل في تركيا مثلا)، وهناك من تمسك بأصول التراث العربي العلمي والثقافي والهوية العربية الإسلامية رافضا التزحزح والانفتاح تحت أي تأثير أو دعوى، وخط ثالث انتهج سياسة وسطية تتمسك بالأصول كما تنفتح على الآخر. وهكذا كان الحال أيضا من الصراع والتخبط في الموسيقى العربية ولا يزال أثره حتى اليوم، غير أن المقلدين للغرب كان أثرهم على مستوى التعليم الموسيقي هو الأبرز، ساعده في ذلك تخلف التنظير الموسيقي العربي الحديث وجمود تقنيات صناعة آلاتنا الموسيقية. (ملاحظة: لا يمكن مثلا، أن تجد وترا موسيقيا للمحترفين لآلة العود من إنتاج مصانع عربية).
إن أدوات الموسيقى الأوروبية الفنية والعلمية (البوليفونية والهارموني.. الخ) والفرق الموسيقية والتنظيم الفني الاوركسترالي وتطور تقنيات صناعة الآلات الموسيقية.. وغير ذلك أبهر العرب ومنظري التقدم العربي منذ أكثر من قرنين؛ فقد دعا العديد منهم الموسيقيين العرب إلى الاتجاه غربا من أجل التطوير والارتقاء بالذوق العام ونبذ تلك الموسيقى التي يمارسونها؛ فقام بعض الموسيقيين العرب بإعادة صياغة بعض الأعمال الموسيقية التراثية العربية على الطريقة الاوركسترالية، وتم تأليف أعمال موسيقية تحاكي النموذج الغربي، وإدخال التونالية إلى الموسيقى العربية (نظرية المينور والماجير) في النظام التعليمي الموسيقي، وفي هذه الظروف تم تهميش الفروق الحاصلة بين الموسيقى العربية والغربية من جهة وبين موسيقات البلدان العربية والمركز الفني العربي والتقليل من أهميتها من جهة أخرى.. ولكن من الملاحظ أن هذه الأعمال لا تلقى رواجا شعبيا، وظل التعاطي معها (بالتأليف أو الاستماع) حكرا على بعض المثقفين من دعاة التطوير أو بالأصح التقليد.
ولكن ما المشكلة في استعمال آلة البيانو ذات السلم الموسيقي التونالي كآلة أساسية في التعليم ودراسة النظريات الموسيقية العربية والعُمانية؟.
أقول، إن المشكلة لا تكمن في هذه الآلة بذاتها أو ما تمثله من سلم موسيقي المختلف تماما عن سلمنا الموسيقي فحسب بل إن جعلها كذلك ـ آلة أساسية ـ ينسف كل تراثنا الموسيقي، فهذه الآلة بسبب ثبات دوزنتها واستحالة تعديل نسب درجاتها أثناء العزف لا يمكن تطويعها للتراث الموسيقي العُماني والعربي أيضا، وذلك مرده إلى أن تقسيم درجات السلم الموسيقي التونالي الغربي يختلف عن تقسيم درجات السلم الموسيقي العُماني والعربي. فالمسألة كما لو أن يقوم أحد منا بكتابة اسمه أو جملة عربية بحروف الخط اللاتيني دون أن يجري عليه تعديلات تناسب اللفظ العربي، فحتما ستسقط الكثير من الحروف، وسنضطر لقراءة أسمائنا بطريقة مختلفة (مثال، اسم: أحمد، لو كتبناه بالخط الانجليزي يصبح هكذا Ahmed، وهكذا سقط حرف الحاء، وحركات السكون والفتح وغير ذلك من خصائص اللغة العربية، فهذا ما سيجري فعلا على تراثنا الصوتي النغمي لو تمادينا فيما نبهنا عنه هنا.. ولكن مع ذلك يمكننا استعمال وتوظيف جميع آلات الدنيا وسلالمها الموسيقية في موسيقانا الحديثة على أن يتم ذلك عن دراسة وعلم وفن بموسيقانا التراثية وخصائصها وتلك التي نوظفها أو نستعملها؛ وهذا يشبه العملية الصناعية لإنتاج سلعة معدنية مثل: يتم توريد مواد خام ـ من أي مكان ـ ثم نقوم بصهرها بناء على تصورات محددة (هنا معمل الصهر تراثنا الثقافي) بعد ذلك نحصل على منتج جديد نقول عنه عُماني.. وهكذا، فباستطاعة المؤلف الموسيقي العُماني والعربي أن يؤلف موسيقى على السلم التونالي (المعدل) أو الكروماتيكي أو الطبيعي أو الخماسي أو العربي أو التركي والهندي والصيني.. وغير ذلك، فهذا الانفتاح ضروري ولكن الذي ننادي به أن يتم هذا عن علم ومعرفة بحيث نثري موسيقانا وثقافتنا على قاعدة التواصل العلمي مع تراثنا الفني، وليس إلغائه وتغيير خصائصه الفنية والثقافية عن جهل، لذلك كتبت في مقالي السابق أن التعليم الموسيقي العُماني الحديث ـ بجانب أسباب منهجية وفنية أخرى ـ لا يسير بشكل مرض.
صحيح أن النظرية الموسيقية العُمانية وتقاليد الممارسة الفنية لا تزالان شفويتين وتتناقلان بالتوارث (الملاحظة والتقليد)، ولكن يمكننا مع شيء من الجد والصبر تعليمها ونقلها أيضا بالوسائل المكتوبة وغير المكتوبة بفعالية والاستفادة من التراث الكلاسيكي النظري العربي الذي أشرنا إليه بدراسة تلك النظريات القديمة ونفض الغبار عنها وبثها في جسم الثقافة الموسيقية العُمانية الحديثة. ولا يمكننا في هذا السبيل انتظار الآخرين من العرب فعل هذا، ولكن علينا نحن أن نبادر إذا رغبنا في تطوير فعلي للموسيقى العُمانية، وتجنب الأخطاء التي وقع فيها الآخرون.. فهذا هو المدخل، والقرار لا يزال ممكنا.
إننا نجد اليوم كل التيارات الثقافية والسياسية العربية ممثلة لها في المجالات الفنية الموسيقية والتشكيلية، وكل منها يسعى إلى تكريس ونشر تصوراته ونظرياته بشكل مباشر وغير مباشر، ويبدو أن دعوة التغريب تلاقي على أرض الميدان نجاحات ملموسة على مستوى التطبيق (وخاصة التعليم والتربية) بمساعدة بعض المؤسسات التي تحاول تكريس النهج رغم فشله على مستوى القبول الاجتماعي، بل للأسف تخبطا وتشويها في أكثر الحالات (انظر مثلا، ما يجري في القنوات التلفزيونية العربية المتخصصة بالأغنية ـ ليس الموسيقى ! ـ ، فأكثر من نصف الذي يُبث فيها أو ينتج للسوق من هذه الأغاني يمكن اختصار نصوصها في ثلاثة أو أربع على أكثر تقدير، أما فنيا فيمكن أن يؤدي كل هذا الكم الهائل من الأغاني مغن واحد أو مغنية. وحدث ولا حرج عن عدد المقامات المستخدمة أو الإيقاعات.. كما تفنن المخرجون والمنتجون والمصورون في اختزال النجاح الفني بالصورة التلفزيونية المثيرة..)..
لا يزال في أرضنا منبت للفن والجمال، فأكثر المؤسسات التي يجب ـ في نظري ـ أن تغرق في الموضوعات المحلية هي المؤسسات الإعلامية والتلفزيونات على وجه التحديد، فليس الهدف أن نتشبه بالآخر بل إن نختلف عنه بصورة حقيقية إبداعية؛ ولقد تشكلت وتبلورت نظرتنا للآخر عبر القرون، ولا تتجلى هذه النظرة في الممارسات السياسية والاقتصادية فحسب بل في تنوع تراثنا الثقافي والفني بما يمكننا من البناء عليه والاستنباط منه. (ملاحظة، قبل عدة شهور حضرت حفل عرس بإحدى الولايات وقد لاحظت المشاركة الفعالة للشباب في الغناء والعزف والأداء الحركي، ورغم ملاحظات أحد كبار السن الذي كان يشرح لي أن هؤلاء "الأولاد" أداؤهم سريع جدا كما يصف مستنكرا، إلا أنني أعجبت فعلا بتلك المجموعة وبمستوى العزف على الآلات الإيقاعية التقليدية والغناء الجماعي والفردي المنسجم. وقد عرفت أن مثل هذه المجموعات والأفراد خارج الأضواء ويعتمدون على جهودهم الخاصة).
نحن هنا لا ندعو للانعزالية والتمترس في الخنادق بل إلى أكثر من انفتاح، وأكثر من معرفة بعلوم وفنون الآخر، ولكن عن وعي عميق للذات. وأتمنى أن أرى موسيقيينا العُمانيين ـ في المستقبل ـ لديهم القدرة على التعامل مع كل الموسيقات دون أن يؤدي ذلك إلى إلغاء ذاتهم وشخصيتهم الموسيقية والثقافية؛ فأرجو من يهمه الأمر (مثلا، التعليم الموسيقي ، الثقافة، الإعلام..) أن يطلب من أمانة المجمع العربي للموسيقى (المقر المؤقت بالعاصمة الأردنية) تسجيلا للحوار النادر الذي دار بين أعضاء من المجلس التنفيذي للمجمع العربي للموسيقى ـ جامعة الدول العربية وعدد من طلاب وطالبات التعليم الموسيقي في شهر أبريل من هذا العام 2009 (ومنهم كاتب هذا المقال) والذي أداره عضو المجلس التنفيذي للمجلس ممثل سوريا الشقيقة الأستاذ نبيل اللو، وسيكتشف بنفسه عمق الأزمة، بل حجم كارثة التعليم الموسيقي العربي عامة وتغريبه وفقدانه روح التربية والمعرفة بالتراث الموسيقي العربي النظري والتطبيقي من خلال آراء الطلاب والطالبات الذين حضروا وشاركوا ممثلين عن عدد من المؤسسات التعليمية الموسيقية. (ملاحظة: ما زلت أتمنى من أمانة المجمع العمل على نشر ذلك الحوار ـ وقد طلبت نشره في حينه ـ حتى يقرأه أهل التربية والتعليم والسياسة والثقافة والإعلام قبل أهل الفن لأن الأمر والنهي بيد هؤلاء وليس أهل الفن).
إن من أبرز الأحداث الموسيقية العربية في العصور الحديثة كان مؤتمر الموسيقى العربية الشهير الذي انعقد بالقاهرة في عام 1932، وشاركت فيه وفود موسيقية من كثير من الأقطار العربية باستثناء الجزيرة العربية، إلى جانب باحثين وموسيقيين من بلدان أوروبية مثلا (لا الحصر) الباحث البريطاني المتخصص في الموسيقى العربية هنري جورج فارمر، والموسيقار المجري بيلا بارتوك، وكارك وولف الألماني.. وغيرهم.
ومن ضمن القضايا الكثيرة التي كانت مطروحة على جدول أعماله أو حملها إليه المشاركون في ذلك المؤتمر الشهير (1932) هي قضية "تطوير الموسيقى العربية" فذهب بعض العرب إلى الاعتقاد بأن دعوة صيانة التراث العربي التي نادى بها الباحثون والموسيقيون الأوروبيون في المؤتمر بأنها تنطوي على نيات مبيتة هدفها الإبقاء على تخلف العرب ما جعل أحد الموسيقيين العرب يخاطب الأوربيين الحاضرين بقوله: ".. ولكن قبل أن تصدروا حكمكم على موسيقانا بوجوب إلزامها أسلوبا خاصة دعونا نلتجئ إلى ضمائركم هل لو طلبنا إليكم أن نبادلكم موسيقانا بما ترون فيها من جمال فتان بموسيقاكم تقنعون بهذا البدل راغبين؟" .. إن مطلب التطور والتقدم واللحاق بأوروبا في جميع المجالات كان ولا يزال هاجسا يقلق مضاجع العرب، وعمر هذا القلق في عُمان أربعون عاما، لهذا فالنهضة العربية والعُمانية قضية حضارية، والفنون والثقافة بشكل عام تاج على رأسها.
أثناء كتابة هذا المقال شاهدت في وسائل الإعلام مؤسسة عُمانية مهمة تقيم حفلا للدعاية عن عُمان في بلد أوروبي، ولكن كان ذلك الحفل على نغمات موسيقيين غير عُمانيين (من البلد المضيف)، فسألت نفسي أي رسالة ثقافية وسياحية تم توصيلها للجمهور في ذلك البلد؟.

التطوير العُماني
لم يدعُ أحد في عُمان للتخلي عن التراث الموسيقي المحلي ولكن الدعوة كانت إلى "تطويره" بمساعدة عربية، وبقدر ما تتضمنه هذه الدعوة في ظاهرها من إيجابية إلا أنها عمليا تنطوي على تحديات عديدة، فمثلا خلال بحوثي الميدانية التي تعود إلى 1989، يمكنني القول بأن صعوبة التوثيق والحوار مع الفنانين التقليديين لم نواجهها (في مركز عُمان للموسيقى التقليدية)، إلا بعد منتصف التسعينات، فكان بعض الفنانين يرفضون مقابلتنا والسبب أنهم يجدون ألحانهم الخاصة قد استولى عليها وتم "تطويرها" دون تعويض مادي أو احترام حقوق ملكيتهم لها.. لهذا ومن غير إطالة، فهذه المسألة تثير قضايا كثيرة: فنية وقانونية ومالية، علاوة على أنها غير علمية أو إبداعية. فالموسيقى التقليدية العُمانية فيها التراثي وغير التراثي بالمفهوم القانوني والحقوقي والفني، ومن المهم احترام هذا الواقع حتى في ظل غياب التشريع القانوني اللازم.
من جهة أخرى، ليس لأي أحد الحق أن يدعي أنه "مطور" لأي صوت أو شلة غنائية من الموسيقى التراثية بنوعيها: التراثي الخاص والعام (الخاص: هو الذي يعود لأفراد معروفين مثل: نوايح مطوع في الرزحة، وشلات محاد الفهد في الدبرارت.. الخ. والعام: هو الذي لا نعرف له صاحب ويتداوله الناس بالحفظ والممارسة جيل بعد آخر، كالصيغ الفنية اللحنية والإيقاعية، والشلات والأصوات والمقاصب .. وغيرها لا الحصر)، ولكن في المقابل للجميع الحق استحضارها بالاقتباس وإعادة صياغتها عن علم ومقدرة فنية واحترام لغرض التعليم أو الاستمتاع الفني أو توظيفها في أعمال موسيقية جديدة للتعبير عن بيئة معينة بحرية أو جبلية أو بدوية؛ مثال: أن يوظف مؤلف موسيقي صيغ إيقاعية أو شلات لحنية من غناء أهل البحر بهدف استحضار هذه البيئة لأغراض تعبيرية معينة في عمله الفني الجديد.. فالمجال واسع جدا للموسيقيين اليوم في هذا الشأن. وبهذه الطريقة يمكن صناعة موسيقى جديدة مقبولة ووطنية، فالتطوير الحقيقي للفنون يتحقق بتهيئة الظروف الملائمة للإبداع والمبدعين الذين لا يجود بهم الخالق باستمرار لحكمة في خلقه. وفي كل الأحوال لا يمكن أن يكون ذلك بديلا عن العمل الأصلي؛ فلن يُقبل ـ التطوير ـ في نصوص الشعر المتوارث ولا في الروايات الأدبية أو الحكايات.. كما أن العمل الفني مهم يكن يجب أن يلاقي القبول ويحقق الانتشار والاستمرار، ومن غير ذلك فلا قيمة له. فبعض الفنانين لا يقبلون إعادة صياغة أعمالهم الفنية من غير مشورته. كما يحكم على العمل الفني نوعيا وليس بكثرة عدد المؤدين (فرقة أو أوركسترا أو غير ذلك) فمغني واحد قد يستطيع أن يحتفظ بنا والاستماع إليه لساعات في الوقت الذي قد لا تستطيع فرقة أوركسترالية كاملة تحقيق ذلك لدقائق، والعكس صحيح أيضا والمسألة نسبية وفنية.. هذه هي الفنون!. هناك مسائل أخرى على قدر كبير من الأهمية لن أكررها هنا، ولمن يهمه الموضوع أرجو مراجعة مقالي المنشور في ملحق نون بتاريخ (7/9/2009) بعنوان: أهمية تضمين التراث في المناهج ـ الموسيقى نموذجا.
فحتى التسعينات من القرن الماضي كان النشاط الموسيقي العُماني في مجال الأغنية التجارية والتلفزيونية والإذاعية أكثر فاعلية وصدى منه في الوقت الحاضر (داخليا وخارجيا). ولكن تدريجيا اختفت الفعاليات الموسيقية وانسحبت شركات الإنتاج الفني القليلة أصلا وقل إنتاجها أو توقف مع الموسيقيين العُمانيين. جرى كل هذا في الوقت الذي تصاعدت فيه وتيرة المطالبة بـ"تطوير الأغنية العُمانية"، وربما بناء على هذا تأسس مهرجان الأغنية العُمانية أو في ظل هذه الظروف، وهذا وعي جديد اهتم بنوع واحد من إنتاج الموسيقى العُمانية.
ورغم الاعتبارات الفنية والعلمية التي أشرت لبعضها هنا، ما زلت أعتقد أن لو سارت ـ على الأقل ـ الأمور كما كانت عليه حتى نهاية الثمانينات من زخم واستمرت لليوم لكان للأغنية العُمانية الحديثة شأن آخر في الساحة الفنية المحلية والعربية غير الذي حاليا. فالذين توقفوا عن الغناء حينها ولم يكملوا مشوارهم الفني لم تتح لهم فرصة إنضاج تجربتهم التي كانت تحتاج إلى الوقت؛ فلهث الجميع وراء أغنية الموضة والفنان الموضة المستوردة.. واختزلت الموسيقى في "الأغنية". ويواجه الباحث العُماني وجامع المادة التراثية الموسيقية العُمانية صعوبات وتحديات كبيرة، وينصب الاهتمام الرسمي أكثر على الباحث الأجنبي الذي بمجرد أن يعبر عن إعجابه ـ بأي عنصر من عناصر التراث ـ يبث الثقة والرضا. ومن الملاحظ أن مشاركة الفنانين العُمانيين في المهرجانات (في مسقط وصلالة) ليست تقدر فنيا أو ماديا كأمثالهم العرب، وفي حالات أيضا لا يستطيع المشاركة مع الفرق الموسيقية (المصرية) التي ترافق الفنانين ضيوف المهرجانات، ورغم ذلك فإن المستويات الفنية التطبيقية في العزف والغناء هي بكل تأكيد أكثر مما كانت عليه في السابق.
إذن في ظروف الاهتمام بالأغنية نشط اجترار التراث رسميا وغير رسميا، وجمَد الابتكار (هذا فقط ينسحب على أغنية الإذاعة والتلفزيون والسوق)، وكان على الجميع البحث فيه عن لحن جميل والتعاطي معه، بإعادة تقديمه "تطويره" بعد أن يتم إلغاء كلماته الأصلية، وإضافة عليه ما يمكن إضافته، ثم تقديمه لموزع موسيقي (في العادة يكون مصريا) ويتصرف فيه كما يشاء بناء على ما يتمتع به الموسيقيون المصريون من مهارات فنية عالية المستوى، فيتفننون في إضافة اللزم واختيار الآلات الموسيقية المختلفة، وأسلوب العزف إلى غير ذلك، وفي مقدمة هذه الإجراءات كلها يتم إخضاع النسب النغمية العُمانية التقليدية للنسب المصرية (مثال: تعتبر نسب بعض الدرجات النغمية في التراث الموسيقي العُماني أعلى قليلا من تلك الموجودة في الغناء المصري، واليوم كل الخليج والجزيرة أصبح متأثرا بالطريقة المصرية، ولكن من المؤكد أن أي مستمع عُماني أو من الجزيرة العربية عندما يستمع لعمل غنائي محلي حسب التقاليد الفنية التراثية سوف يدغدغ في نفسه مشاعر مختلفة عن تلك التي يحسها عند سماع هذا الغناء الحديث، وفي هذا السياق أذكر أن الفنان أبو بكر سالم بالفقيه قدم ـ حوالي نهاية السبعينات أو بداية الثمانينات من القرن الماضي ـ عددا من الأغاني الصنعانية بتوزيع موسيقي أثر على طابعها، فثارت ثائرة العديد من الكتاب في الصحافة اليمنية بين معارض للمس بالطابع الخاص للون الصنعاني، وآخر موافق معتبرا التغيير بمثابة التجديد. وفي الثمانينات من القرن الماضي واجه الفنان عبد الرب إدريس هذه الإشكالية الواقعة في الدرجات النغمية في إحدى البروفات الموسيقية بالقاهرة، فلاحظ الفرق بين ما يعزفه ويغنيه، وما تؤديه الفرقة الموسيقية المصاحبة، فقرر دراسة هذا الموضوع في أطروحة الدكتوراه، فوضح جوانب مهمة من الفروق في نسب الدرجات النغمية والمقامات المعتمدة في مصر وتلك الشائعة في اليمن). وأعتقد جذور هذه الإشكالية في الخليج والجزيرة العربية تعود إلى السبعينات من القرن الماضي واستشرت مع الانفتاح على موسيقات العربية في مصر والشام؛ ولم تستعص على هذه التغييرات الحاصلة في النسب النغمية والطابع المقامي سوى الأنماط الموسيقية كالصوت الخليجي والموشحات الصنعانية وبعض الألوان اللحجية والحضرمية. وفي شهر أكتوبر 2009 كانت إذاعة خليجية تبث باستمرار تسجيلا جديدا لأغنية يمنية مشهورة على شكل جلسة بعنوان: "يا منيتي يا سلا خاطري" بصوت فنان خليجي مشهور ـ وكانت هذه الأغنية التي كتب كلماتها ولحنها الأمير والفنان اللحجي المشهور بالقمندان كما يقول الباحث اليمني الأستاذ جابر علي أحمد قد تم تسجيلها في السبعينات من قبل فنان كويتي ـ فعبر لي أحدهم أن التسجيل الجديد لم يعجبه مستغربا ومستفسرا ! وهذه الدرجة من السمع الدقيق شيء إيجابي جدا عند شخص عادي رغم عدم فهم الأسباب الحقيقية لما جرى من تغييرات جوهرية على الطابع المقامي الذي يرجع إلى إهمال الفروق الكائنة في النسب النغمية التي أشرت لها بين التراث الموسيقي بالجزيرة العربية ومصر. وكمثال ـ لا الحصر ـ أقترح لمن يهمه ملاحظة تلك الفروق الاستماع بعناية إلى التسجيلين الخليجيين لأغنية "يا منيتي يا سلا خاطري" ومقارنتهما مع التسجيل الأول للفنان اليمني محمد فضل اللحجي أو للمغنيين اليمنيين الذين سجلوا هذه الأغنية في السنوات التي تلت اللحجي. ويمكن أيضا التعمق أكثر والاستماع والمقارنة بين التسجيلات المختلفة للأغاني التراثية التي تعرضت للتوزيع الموسيقي. أما الأمثلة من الفنون الموسيقية العُمانية فشائكة لدرجة أن الأمر بحاجة إلى دراسة مفصلة حيث شملت التراكيب النغمية والصيغ الفنية والموازين الإيقاعية وغيرها.
فلو راجع أحد أرشيفات الإذاعة والتلفزيون سيجد أن شلات وأصوات من جميع أنماط الغناء العُماني بدوية أو حضرية أو جبلية، بحرية أو زراعية، أنماط الأفراح والأتراح قد أصبحت متشابهة فنيا (حتى لا أقول واحدة) في الوقت الذي كانت فيه مختلفة ومتنوعة، هذا عوضا عن ما جرى من استبدال لنصوصها رغم ما تحمله من مضامين تراثية وتاريخية وفنية.. كل هذا ونحن دعاة المحافظة على التراث. (ملاحظة، المحافظة على التراث مفهوم عصري استدعته تحديات عصرية أيضا، واستبدال نصوص الألحان كان عملا مقبولا في الفنون الموسيقية التقليدية، وشائع في التراث العُماني والعربي (بعضها ـ الفنون الموسيقية التقليدية العُمانية ـ لا يتم تغيير نصوصها ولا ألحانها أبدا بسبب ارتباطها بمعتقدات أو نوع معين من الأعمال أو الأحداث .. الخ)، فالصوت أو الشلة (اللحن بمصطلح اليوم) يجري التأليف عليه وإعادة إنتاجه باستمرار بنصوص جديدة من مغنيين وشعراء مختلفين، وفي العادة لا يُعرف صانع اللحن بل صانع النص، فالألحان ليست بالغزارة كالنصوص، وتوجد أمثلة عديدة لتداول الأصوات (الألحان) على المستوى الجزيرة العربية؛ وكان لهذا التقليد دور كبير في صياغة الطابع الفني والثقافي المشترك. كما كان بعض المغنيين ـ الشعراء في ظفار مثلا، يؤدي الصوت الواحد (اللحن) على أكثر من إيقاع مثل، أصوات البرعة، يمكن أو يؤديها فنان محترف على إيقاع الطبل العربي (طبل النساء) والعكس صحيح .. وهكذا، لا يجري هذا ضمن أي ادعاء بالتطوير كما هو حالنا اليوم، وهذا هو محل اعتراضنا).

الخاتمة
أذكر انني شاركت كملحن في مهرجان الأغنية العُمانية الخامس 2001 (وكنت أيضا عضوا في اللجنة المسئولة عن المهرجان بطلب من الأستاذ الشاعر الراحل عبدالله بن صخر العامري)، وفي ذلك الوقت شاركت كأول ملحن عُماني ينجز عمله الفني كاملا، فكتبت النوتة الموسيقية، واللزم المصاحبة للغناء وكامل التوزيع الموسيقي بالإضافة إلى أنني شاركت بالعزف على آلة العود مع الفرقة الموسيقية السورية، وذلك بسبب معرفتي بأن الصولو (عزف منفرد) الذي خصصته للعود يتسم بطابع الموسيقى المحلية الجنوبية العربية ولن يقدمه العازف السوري (مهما كانت إمكاناته الفنية) بالإحساس المطلوب. وهذا ما حصل فعلا، فلا يزال عازف العود السوري القدير حسين سبسبي يتذكر كلامه لي على مسرح قاعة قصر البستان ليلة الحفل عندما كنت مضطرا لاستخدام عوده الكهربائي لأسباب تقنية بالمسرح، فقال بلهجته السورية: "أنا لم أعط عودي لحدا غيرك!"، وكان قد جرى مشهد مثير لي في أول البروفات مع الفرقة السورية في بيت الضيافة بالغبرة حينما عزفت الوصلة الخاصة للعود وتوقف الجميع تقريبا للاستماع إليها وطريقة عزفي لها، ولما أنهيتها دار جدال بين بعض العازفين، فقال أحدهم معلقا "شو آل ما يعزفها أحسن عازف عود بالعالم!" موجها كلامه إلى الفنان حسين سبسبي الذي علق وقال: "النوته غلط"، ولكن قائد الفرقة الأستاذ أمين الخياط قال: "النوتة صحيحة".. هذا مثال بسيط للخصوصية الفنية والمحلية، فالفنان حسين سبسبي عازف كبير، وعزف مقطوعات وصولوهات تحتوي تعقيدات فنية متنوعة، ولكن ليس قادرا على فهم روح معزوفتي وعزفها بطريقتها الأصلية، وهذا مثال واحد فقط، وأنا أستطيع التأكيد بأن كل فنان ممارس يتعرض لمثل هذه الظروف عندما يتعلق الأمر بأداء عمل فني ينتمي لثقافة أخرى بسبب خصوصية التعبير الفني.. وهذا هو الذي نريد أن نحافظ عليه في موسيقانا العُمانية.. فموسيقانا نحن التي نصنعها ونعزفها ونبث فيها روحنا فتحمل خصوصيتنا.. لن يصنع أحد سوانا شعرنا ولا موسيقانا، فنحن وحدنا الذي نفعل ذلك إذا كنا نمارس لعبة الحياة على هذه الدنيا.
أعتقد أن علينا ـ المؤسسات والباحثين ـ الاشتغال على تراثنا الثقافي والموسيقي بشكل أعمق مما هو حاصل الآن من خلال الجمع والتوثيق والدراسة (البحث العلمي) وبالتربية والتعليم، واستنباط الوسائل التي تمكننا من التواصل مع تراثنا وإنتاج مادة موسيقية، وأفكار فنية جديدة تستجيب للتطورات والتحولات الاجتماعية، ومساعدة المؤسسات والأفراد والمجموعات الموسيقية على الاستمرار في نشاطهم بالوسائل والطرق التي يستوعبونها.. كما نتطلع إلى تطوير تجربة مركز عُمان للموسيقى التقليدية في مجال الجمع والتوثيق، وتأسيس برامج بحثية موسيقية عميقة، ومتحف وقاعدة بيانات للتراث الموسيقي العُماني، وقسم للتعليم الموسيقى العُمانية (أو بيت للموسيقى العُمانية، يمكن فتح فروع له في أكثر من محافظة ومنطقة)، ورعاية الموسيقيين التقليديين وصناع الآلات الموسيقية والباحثين والممارسين الشباب..الخ.
إن التطوير الحقيقي يكمن في المحافظة على تراثنا والقدرة على استيعاب قوالبه الفنية وصيغها وتراكيبها اللحنية والإيقاعية والشعرية، والتواصل مع التراث الموسيقي النظري العربي الذي انقطع منذ قرون، والانفتاح على تطبيقات موسيقات الجوار الحضاري التقليدي الآسيوي والأفريقي، والاستفادة من منهجيات الموسيقى الأوروبية وتطوير الآلات الموسيقية التي تناسب موسيقانا ..
يقال إن أحدهم جاء إلى المتنبي يسأله الطريقة أن يكون شاعرا فصرفه إلى حفظ خمسة آلاف بيت من الشعر العربي (التراث)، ومضى يكافح بالحفظ وبعد أن تم له الأمر عاد ثانية إلى المتنبي الذي قال له بكل بساطة: انسى ما حفظت وابدأ الآن فيما أنت تقصده.. الكل يعرف هذه الحكاية، فالمتنبي لم يصرفه إلى حفظ الشعر الصيني أو الفرنسي لكتابة شعر عربي..! إنني لأجد في هذا المثال التوضيح البليغ لفكرة التعامل الفني مع التراث الموسيقي والتطوير.


* مسلم بن أحمد الكثيري
* موسيقي وباحث .. مدير مركز عمان للموسيقى التقليدية

أعلى


 


حوار مع رئيس تحرير "الفلق"
أحمد اللمكي.. حديث لم ينشر

كان مرتبا لهذا الحوار مع أحمد اللمكي ـ المنجز عام 1991 ـ باعتباره صحفيا بارزا في زنجبار، فالرجل رأس تحرير "الفلق"، ثاني جريدة تصدر باللغة العربية بعد "النجاح" (1911) فـ"النهضة" ثم محررا في "المرشد". وكان يكتب باللغات الثلاث السائدة هناك: العربية والسواحيلية والانجليزية. لكن الرجل وقد تحددت توجهاته السياسية قبل اشتغاله بالصحافة؛ كان لابد للحوار أن يستفيد من تواجد اللمكي وسط الحركة الوطنية في زنجبار. حينما أفرغت التسجيل؛ اكتشفت أن تداعيات اللمكي ـ الشاهدة ـ على الصراع الأيديولوجي، للنخبة، الزنجباريين؛ بحاجة لمفاتيح على الهامش، لم تكن متوفرة وقتها. أما اليوم، وقد نشرت مجموعة دراسات وشهادات أمينة، عن زنجبار؛ يليق بالصحفي والسفير، الاستاذ أحمد اللمكي، أن نستمع إلى شهادته، التي لن يقرأها أبدا، برحيله الأبدي عام 1997.
** بدأت الحكاية في لندن، يقول اللمكي.
** كنا مجموعة من الشباب ندرس هناك، معظمهم من أصل عماني، وقلة جدا سواحيليون. كان عددنا يزيد على مائتي شخص. دعوتهم للاجتماع بمنزل رمضان حسن، كان مقيما يعمل هناك. بعضنا كانوا بحارة، وهناك من يعمل في الإذاعة البريطانية. بعض الحاضرين؛ علي سعيد وعمر زهران... كانوا من كبار موظفي الحكومة في زنجبار. أسفر اجتماعنا عن تكوين جمعية الزنجباريين (1952). أخذنا نراسل جميع الجمعيات في زنجبار، متطلعين لدمج الجمعيات في واحدة. كان لصوتنا هناك صدى وقوة. أول ردة فعل من الحامية البريطانية أن أصدرت قرارا بمنع جميع موظفي الحكومة من الانتماء إلى عضوية الجمعية.
** 1953 عدت إلى زنجبار ودعوت قادة الجمعيات. كان هناك عبيد كرومي، سيصبح رئيس زنجبار، ثابت كومبو، زعيم الحزب الوطني الزنجباري. عقدنا اجتماعنا لنسيان الفوارق الطائفية، وتنظيم جهودنا ضد المستعمر. كونا الاتحاد الوطني الزنجباري، وهذه المرة حاولت الحامية البريطانية إقناع رؤساء الجمعيات والأعيان بأن الشيوعية وراء هذا التجمع. ثم بثت دعاية مفادها أن العرب يتطلعون للقيادة. واستطاعت فعلا عزل الأفارقة والشيرازيين عنا. كما تراجع بعض الهنود، وانشلت الحركة.
** عام 1954 كون بعض العرب والشيرازيين: الحزب الوطني الزنجباري ـ أول حزب سياسي، ومنظم مظاهرة 1955 المطالبة بالجلاء ـ في نفس الفترة؛ صودرت جريدة "الفلق"، رأست تحريرها (1953 - 1954) بتهمة التأليب ضد الحكومة في زنجبار وأقطار أفريقية أخرى للمقالات المنشورة. وادينت اللجنة التنفيذية للجمعية العربية التي كنت سكرتيرها، وحكم علي بغرامة (12 ألف شلنج) أو السجن 4 سنوات. لكن الجمعية العربية دفعت الغرامة. طلب منا السلطان خليفة بن حارب أنا واللجنة التنفيذية أن نعتذر للمقيم البريطاني عما كتبته، قلت: أعتذر لك أيها السلطان، لا للمقيم. قال: أموافق أنت على ما كتبته؟ قلت: نعم. وتركنا نخرج. وبقيت تحت الإقامة الجبرية 9 أشهر.
** كنا نلتقط أخبار العالم عن طريق المذياع. ومراسلونا كانوا متعاونين، مثلما نعمل نحن، فقد كنا نعتمد على تمويل الجمعيات، كل الجرائد وإلا فإنها لن تستمر. اقترحت العمل على تحرير "الفلق" بثلاث لغات: العربية والسواحيلية والانجليزية، وهو نفس النمط الذي اتخذته مع جريدة المرشد فيما بعد.
** في العيد 25 لـ"الفلق" أصدرت حوالي 80 صفحة منها، ومطبعتها لا تحتمل هذا القدر. اتفقت مع الجريدة الهندية (زنزبار فويس) مساعدتنا في طبع بعض الصفحات كنوع من التعاون بيننا، وهذا ما تم فعلا وبلا مقابل. كانت الفلق تصدر 600 نسخة، ثم أصبحنا نصدر حوالي 2600 مع نهاية عام 1953. وقبل الظهر لا تجد نسخة واحدة، تباع جميعها في الساعات الأولى من الصباح الزنجباري، لدرجة أن بعض عمال المطبعة كانوا يخفون نسخا ويبيعونها لحسابهم الخاص.
** تلاحظ أنني ضعيف في النحو، لقد كانت مقالاتي تراجع لغويا.
** كانت صحافتنا تصل عمان عن طريق البريد. لنا اشتراكات كثيرة هناك.
كجريدة، لم تكن لنا اتصالات مع الإمام.
** نعم، كان المفهوم لدينا في زنجبار أن الإمام يختص الشؤون الدينية، بينما سياسة عمان من اختصاص السلطان سعيد بن تيمور.
** هاشل المسكري كان يزور عمان سنويا، وما كتبه حول الارتباك السياسي والاجتماعي كان يلمسه عن قرب.
** لا أعتقد أن الإمام الخليلي لم يطلع على جرائد زنجبار، وإذا ما قرأ كتابات المسكري ولم يحتج على اعتباره إياه إماما دينيا فقط؛ دون سلطة سياسية؛ فمرد ذلك، قد يكون، لعدم وضوح هذه المفاهيم في داخل عمان وقتها. إذ ما يهمهم كان تحقيق العدالة السماوية. (1).
** في أول حكومة بعد الاستقلال (10 - 12 - 1963) التي رأسها محمد شمتي حماد، عينت سفيرا للشرق الأوسط مقيما في القاهرة. كانت لنا خمس سفارات فقط: الهند، القاهرة، لندن، مندوبنا في هيئة الأمم، وأندونيسيا بحكم تجارتنا في القرنفل.
** كانت الجزائر تمد المساعدة لثوار أنجولا، الحركة متمركزة في دار السلام. كمبونا وزير خارجية تانجانيقا هو المشرف على مساعدات تحرير أنجولا. في 8 يناير 1964 وصلت دار السلام السفينة ابن خلدون محملة بالسلاح. وبواسطة كمبونا ونيريري؛ نقل بعض السلاح على مراكب صيد لإسقاط الحكومة الوطنية في زنجبار، فكانت المجزرة ليلة 12 يناير 1964. وقد أعلمت الأخضر الابراهيمي سفير الجزائر في القاهرة وقتها. اندهش، ولما سأل الحكومة الجزائرية أعلم بحقيقة ما جرى فعلا، وهو ما أزعجه تماما؛ كيف نرسل السلاح لحركة التحرير فيستعمل ضد العرب؟!
** نعم كانت لدي نسخة من تقرير (بيني) يثبت أن تأسيس حزب الأفروشيرازي من عمل الإنجليز لخلق معارضة للحزب الوطني.(2).

هامش:
(1) .. إننا نستعطف عظمة السلطان سعيد لجمع شمل الأمة العمانية.. فوجود حاكم ديني في داخل القطر ضروري لكف الفتن الداخلية ولإقامة الأحكام الشرعية بين القبائل.. جريدة "الفلق"، 29 يوليو 1939، ص2 ، مقالة كتبها هاشل المسكري.
(2) تقرير بيني عن انتخابات 1957 أتلفته الحكومة البريطانية، قال فيه: نظرا لوجود حزب سياسي واحد في زنجبار وهو الحزب الوطني المعروف بعدائه لبريطانيا رأت الحكومة البريطانية ضرورة إيجاد حزب منافس قبل إجراء الانتخابات، فرحبت وشجعت بفكرة تأسيس حزب الأفروشيرازي. زنجبار عبر التاريخ، فرحان عبيد، ص 20.

* إبراهيم اليحمدي
* اعلامي عماني


أعلى


 

أدب الطفل في الكويت
لم يقتصر أدب الطفل في الكويت على نشر النتاجات الشعرية والمسرحية والسردية ، بل شمل الاهتمام بالمعارض التشكيلية والبرامج الاذاعية والتليفزيونية
تقع كتب الموسوعات والمعارف العلمية والفنون الموجهة في أولويات الاهتمام بأدب الطفل في الكويت

تعتبر الكويت من الدول الخليجية السباقة إلى خدمة أدب الأطفال سردا وشعرا وصحافة ودراسة ونقدا، والدليل على ذلك كثرة الصحف والجرائد والمجلات التي كانت تسهر على نشر الثقافة العربية القومية والثقافة الكويتية المحلية. بل يمكن القول إن مسرح الطفل بالكويت قد شهد انتعاشا كبيرا وازدهارا منقطع النظير لم تشهده بعض الدول الخليجية الأخرى. فقد انطلق في سنة 1978م مع أول عمل مسرحي وهو:" السندباد البحري" تحت إشراف مؤسسة البدر للإنتاج الفني (عواطف بدر)، تأليف عبد الرحمن محفوظ وإخراج منصور المنصور. بيد أن علاء الجابر في كتابه" مسرح الطفل بالكويت" يرى أن أول عرض مسرحي بالكويت كان عرضا بواسطة الدمى والعرائس سنة 1994م تحت عنوان" أبو زيد بطل الرويد" للشاعر فايق عبد الجليل وإخراج أحمد خلوصي.
ولم يقتصر أدب الأطفال بالكويت على الشعر والمسرح والسرديات فحسب، بل نلاحظ أن ثمة اهتماما كبيرا من قبل الدولة والمبدعين الخواص بمجالات طفولية أخرى كإنشاء معارض الفن التشكيلي، وتلحين الأغاني وتأليف الأناشيد وتركيب الأوبريتات المشهدية والدرامية، ووضع البرامج الإذاعية والتلفزية الطفلية، ونشر كتب المعارف الأدبية والفنية والعلمية والتقنية والتربوية والنقدية التي تخدم الطفل الكويتي بصفة خاصة والطفل العربي بصفة عامة.
إذا، ماهو واقع أدب الأطفال في الكويت بين الماضي والحاضر؟ وماهي خصوصيات هذا الأدب ومميزاته في مختلف الفروع والأجناس والمسالك والمساقات والشعب؟.

شعر الأطفال

ثمة مجموعة من الأشعار والدواوين الشعرية التي توجه بها مجموعة من المبدعين إلى الأطفال الكويتيين، ومن بين هؤلاء الشعراء، نذكر: أحمد بن خالد المشاري، ومساعد الرفاعي، وعبد الله سنان، وخالد الفرج، وفهد العسكر، والشاعرة بزة الباطني.
وقد ارتبط شعر الأطفال بالكويت بتدريس مقرر نصوص المحفوظات والأناشيد الشعرية وقصائد الأطفال المعروفة في الوطن العربي كقصائد أحمد شوقي ومعروف الرصافي وسليمان العيسى على سبيل التخصيص. واقترن هذا الشعر كذلك بالمنهاج المدرسي الذي تسهر عليه وزارة التربية والتعليم (وزارة المعارف) بالكويت إعدادا وإشرافا وتوجيها.
وعلى أي، فقد تناول شعر الأطفال بالكويت موضوعات متنوعة شتى: قومية، ووطنية، واجتماعية، ودينية، وأخلاقية، ووصفية، وبيئية، وتربوية تعليمية، وقصصية... كما روعي في هذا الشعر الإيقاعات العروضية المجزوءة والخفيفة، واللغة الشعرية البسيطة الموحية، والتأرجح بين الشكل العمودي ونظام المقاطع، والمزاوجة بين وحدة الروي وتنوع القوافي مع استعمال الصور البلاغية والأساليب الفنية والمحسنات الجمالية العفوية.

سرديات الأطفال

ظهرت بالكويت مجموعة من الأعمال القصصية والروايات والحكايات الشعبية الموجهة إلى الأطفال والفتيان على حد سواء. ومن أهم كتاب السرديات الطفلية نستحضر: الكاتبة الكويتية أمل عبد الجبار الرندي التي أبدعت سلسلتها القصصية "حيوانات الحديقة"، و"مغامرات مريومة"، والكاتبة بزة الباطني التي كتبت مجموعة من القصص الطفلية كقصة "الأرض الخضراء" الصادرة عن الجمعية الكويتية لحماية البيئة عام 1994م ، وقصة "البيت الكبير" (1997م)، وقصة "الطفلة السمراء والولد الأشقر" (1999م)، وقصة "في مكان بعيد" ( 1999م)، وقصة "قائمة الأمنيات" ( 1999م)، وقد ألفت أيضا الكتاب الأول من سلسلة التراث الشعبي للأطفال عام 1987م، والكتاب الثاني من هذه السلسلة بعنوان: "الحكايات الخرافية الشعبية للأطفال" عام 1988م، ولها كذلك قصة "أمي أسميجة"، وهي قصة مصورة من التراث الشعبي للأطفال باللغة الإنجليزية.
ونستحضر كذلك ضمن قائمة المبدعين والمبدعات في مجال السرديات: الكاتبة الكويتية ثريا البقصمي التي كتبت "مذكرات فطومة الكويتية الصغيرة" عام 1992م.
ويلاحظ أن القصص الطفلية الكويتية تطبعها مجموعة من السمات التجنيسية التي يمكن حصرها في المواصفات التالية: القصة الخرافية، والحكاية الشعبية، وقصة البطولات والمغامرات، وقصة الفانطاستيك، والقصة الاجتماعية، والقصة التعليمية التربوية، والقصة الأسطورية، والقصة الوطنية، والقصة التوجيهية التحسيسية وخاصة القصص المتعلقة بمواضيع البيئة، والقصة الخارقة، والقصة العلمية التخييلية.

مسرح الأطفال

ظهر الاهتمام بمسرح الطفل بالكويت من خلال انفتاح المؤسسات التعليمية والتربوية على تنشيط الطفل دراميا من خلال تقديم مجموعة من العروض المسرحية والفرجات الركحية أثناء نهاية السنة الدراسية أو إبان الاحتفال بالمناسبات الدينية والأعياد الوطنية.
ومن تجليات الحركة المسرحية الطفلية بالكويت إسراع بعض الكتاب إلى تدوين مجموعة من النصوص المسرحية سواء أكانت نثرية أم شعرية. لذا، كان أول عرض مسرحي للجمهور من خلال مسرح العرائس قد قدم مكتوبا من قبل أحد الشعراء الغنائيين ألا وهو الشاعر الغنائي فايق عبد الجليل، الذي قدمت له فرقة المسرح الكويتي في 30 اغسطس 1974م أولى مسرحية طفلية بعنوان:"أبو زيد بطل الرويد"، وهي من بطولة: عبد المحسن خلفان ومحمد فتوح ، أما الإخراج الميزانسيني فقد تكلف به أحمد خلوصي.
وبعد هذه التجربة الفنية الأولى ، بدأت عواطف البدر بإنشاء مؤسستها الفنية الخاصة باسم "مؤسسة البدر للإنتاج الفني" التي أرست الدعائم الحقيقية لمسرح الطفل بالكويت، وانطلقت به نحو آفاق واسعة وناجحة بإبداع العشرات من العروض المسرحية الطفلية. فقد قدمت المؤسسة في عقد من الزمن ما بين 1978و1986م ما يقارب ثلاثين عرضا مسرحيا، وهذا إنتاج ضخم بالمقارنة مع نسبة التراكم الدرامي لدى الدول الخليجية الأخرى في مجال مسرح الطفل.
وكانت عواطف البدر تختار مواضيع مسرحياتها وعروضها الفرجوية الدرامية من: "التراث القصصي، أو تستوحي من هذا التراث ما يصلح للبيئة الكويتية. وقد أكد هذا الاتجاه المسرحي لديها مسرحيتها الأولى التي تمثل مطلع حياتها الفنية في دنيا مسرح الطفل، وهي مسرحية" السندباد البحري" التي تم عرضها عام 1978م. ثم توالت تجارب هذه المؤسسة الفنية العديدة، والخاصة بها.
ولكن من الملاحظ على طابع هذه العروض المسرحية أنه كان الطابع الغالب على أهدافها ـ هو ـ الطابع التجاري في المقام الأول. أما الأهداف التربوية والتعليمية فهي إلى جانب مباشرتها فإنها تأتي في المقام الأخير في معظم العروض المسرحية."1
ومن أهم المسرحيات التي قدمتها عواطف البدر مسرحية" البساط السحري" التي عرضتها سنة 1979م ، وهي لمهدي الصائغ، وحصلت بها المؤسسة على الجائزة الأولى في مهرجان أقيم في ليبيا لهذا الغرض، وشارك فيه أكثر من 15 دولة بينها الاتحاد السوفيتي.
كما قدمت المؤسسة عام 1980م مسرحية "ألف باء تاء"، فمسرحية "العفريت" عام 1981م، ثم مسرحية "قفص الدجاج" عام 1983م، وأخيرا مسرحية "سندريللا" للكاتب السيد حافظ، ومسرحية "الطنطل يضحك" للكاتب العراقي حيدر البطاط، ومسرحية "القرد المفكر" التي كتبها رؤوف مسعد بسطة وأخرجها قحطان القحطاني من البحرين.
ومن المعلوم أن مؤسسة البدر للإنتاج الفني قد: "طرحت روح التعاون بقصد خلق جو مسرحي خليجي تمتد جذوره وتغذى بالتجربة الفنية الحية، فها هي تستقبل نصا مسرحيا للطفل باسم" العفريت" كتبه لها الكاتب البحريني خلف أحمد خلف. كما أن هذه المؤسسة قد قدمت للطفل مسرحيين عربا. فاستقبلت أكثر من كاتب عربي إضافة إلى الكاتب المصري العربي محفوظ عبد الرحمن علاوة على استقطابها لفنانين وفنيين عرب من أجل خدمة عروضها المسرحية على المستوى الفني والأدائي التمثيلي."2
وعلى العموم، يمكن القول بأن عواطف البدر خدمت مسرح الطفل بالكويت بكل تفان وإخلاص وجدية وطنية مهما كانت الانتقادات الموجهة إلى هذه السيدة ، والتي تتمثل في اهتمامها كثيرا بالمسرح التجاري على حساب الطفل والفن، وتكرارها لنفس المواضيع المستهلكة، وعدم مراعاة عروضها المسرحية للأغراض التعليمية والتربوية والأخلاقية، وعدم مناسبتها لمتطلبات الطفل السيكولوجية ومستوياته العمرية.
وعلى الرغم من هذه الانتقادات، فإن عواطف بدر قد أرست دعائم مسرح الطفل بالكويت قبل الدول الخليجية الأخرى، واستطاعت أن تخلق الثقافة المسرحية الطفلية عبر عروضها الركحية وندواتها الفكرية النظرية والتطبيقية، وعبر ورشاتها الميدانية التدريبية والتأطيرية، وعبر استدعائها لكثير من الكتاب والمخرجين والفنيين العرب للرفع من مستوى مسرح الطفل بالكويت ليتبوأ مكانته اللائقة به بين دول الوطن العربي كافة.
وهناك مبدعون آخرون ينبغي الإشارة إليهم في هذه الدراسة بكل موضوعية علمية؛ لأنهم اهتموا بمسرح الأطفال اهتماما كبيرا ، ومن هؤلاء المهتمين: الفنان عبد الرحمن العقل أحد مؤسسي مسرح الطفل بالكويت منذ عام 1978 م من خلال التشخيص في مسرحية "السندباد البحري" التي قام بأداء بطولتها، ومن مسرحيات الأطفال التي قدمها إلى جانب "السندباد البحري" نذكر: مسرحية "البساط السحري"، ومسرحية "محاكمة علي بابا"، و"الزرزور"، و"ألف باء تاء"، و"طرازان"، و"الشاطر حسن"، و"النمر الوردي"، و"جسوم ومشيري"، و"جسوم ومشيري في الجيش"، و"راهم وراهم"، و"أبطال السلاحف"، و"كينغ كونغ والسلاحف"، و"روان والحرامية"، و"روز والأراجوز"، و"رحلة ABCD"، و"بلاي ستيشن"، و"السندباد البحري (2002)"، علاوة على الجزء الثاني من مسرحية " رحلة ABCD".
ونستحضر كذلك الفنانة المسرحية بزة الباطني التي أقامت عام 1975م مسرحاً للعرائس بمناسبة المهرجان الأول للطفولة تحت إشراف جمعية النهضة الأسرية. ونشرت في هذا الصدد كتابا قيما بعنوان" الدمى في تاريخ الشعوب"، كما ألفت مجموعة من المسرحيات الطفلية تحت عنوان" كلنا اليوم كبرنا " سنة 1996م.
ولا ننسى الناقد والفنان المسرحي علاء الجابر الذي ساهم بــ"15" عملا مسرحيا بين الاقتباس والإعداد والتأليف، والفنانة المبدعة هدى حسين التي قدمت مجموعة من العروض الدرامية الطفلية ذات الطابع الغنائي والأوبيراتي والاستعراضي.
زد على ذلك أن دولة الكويت أشرفت على مجموعة من المهرجانات المسرحية والندوات واللقاءات المرتبطة بمسرح الأطفال عن طريق التشجيع والتتبع والتحفيز المادي والمعنوي.
ولكن الغريب أن الكويت التي كانت السباقة في مسرح الطفل على مستوى منطقة الخليج العربي عام 1978م ، وكانت مضاهية لمصر والعراق وسوريا على مستوى إنتاج العروض الدرامية والفرجات الركحية، لم يقم فيها على الاطلاق مهرجان واحد لمسرح الطفل كما أكد ذلك الفنان الكويتي منصور المنصور أحد مؤسسي مسرح الطفل بالكويت ومخرج أول مسرحية طفلية ألا وهي:" مسرحية" السندباد البحري" سنة 1978م.
وهناك من الدارسين أيضا من يصرح بأن الكويت على الرغم من باعها الطويل في مجال المسرح الطفولي فإنها تفتقر إلى مبنى خاص يليق بتقديم عروض مسرح الطفل، ويليق كذلك بجمهوره المتذوق الواعي سواء أكان من الصغار أم من الكبار. بل هناك من يثبت بأن الكثير من الكتاب والممثلين والمخرجين والسينوغراف الكويتيين يلهثون وراء مسرح الطفل لدواع ربحية مادية وأسباب تكسبية تجارية بعيدا عن مساءلة قضايا هذا النوع من المسرح على المستوى الدلالي والفني والجمالي مع مناقشة جوانبه الدراماتورجية والميزانسية والرصدية.
وعلى الرغم من هذه الانتقادات التي قد تكون ذاتية أو موضوعية، فإن دولة الكويت قد أنتجت ميدانيا وعمليا ما بين 1978 و2003م ما يزيد على 171 عملا مسرحيا خضع لعمليات الاقتباس والترجمة والدراماتورجيا والإعداد والتأليف والتجريب والإبداع والتأصيل. وأغلب هذه المسرحيات نابعة من التراث العربي القديم، ومن التراث العالمي الإنساني، ومن الواقع الحديث والمعاصر، بله عن توظيف الدرامي للتجارب الشخصية الذاتية والموضوعية للمبدع المسرحي. وبالتالي، فقد تم أيضا تشغيل مجموعة من النصوص المستمدة موضوعاتها وفنياتها الجمالية والتقنية من العوالم التخييلية الكرتونية والسينمائية.


صحافة الأطفال

صدرت بالكويت مجموعة من الصحف من جرائد ومجلات مخصصة للأطفال. ومن أهم المجلات المعروفة في البلد نذكر: مجلة "سعد" التي خرجت إلى حيز الوجود عام 1969م، فتوقفت عن الصدور مرات عدة ، وهي أولى مجلة كويتية للأطفال ، مع العلم أن أولى مجلة كويتية للكبار هي مجلة" الكويت" التي ظهرت سنة 1928م على يد الصحفي الكويتي عبد العزيز الرشيد.
وبعد ذلك، صدرت مجلة" براعم الإيمان" عام 1975م عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية كملحق مرفق بمجلة الوعي الإسلامي مع مستهل كل شهر، ومازالت المجلة مستمرة في نشر رسالتها الدينية والتوعوية والتربوية إلى يومنا هذا.
هذا، وقد ظهرت مجلة "افتح ياسمسم" عام 1980م، ومجلة "العربي الصغير" التي صدرت عام 1986م مرفقة بمجلة العربي على غرار مجلة "العربي العلمي"، وتشرف عليهما وزارة الإعلام الكويتية.
وظهرت بالكويت، بعد ذلك، مجلات أخرى كمجلة "ماما ياسمين" عام 1986م، ومجلة "أزهار" سنة 1988م، ومجلة "دانة" سنة1989م، ومجلة " كويتنا" عام 1991م، ومجلة "جندي المستقبل" سنة 1992م، ومجلة "زينة حياتنا" سنة1992م، ومجلة "سدرة" سنة 1993م، ومجلة "الأصدقاء" سنة 1994م، ومجلة "أوقات" سنة 1994م، ومجلة "بنات وأولاد" سنة 1996م، ومجلة "القاصر" سنة 1998م، ومجلة "شاهين" سنة 1998م، ومجلة "خالد"، ومجلة "الشرطي الصغير" التابعة لوزارة الداخلية.
ومن أهم المجلات المهتمة بالأطفال دراسة وإبداعا ونقدا مجلة "الطفولة العربية" الصادرة عن الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة العربية التي توزع داخل الوطن وخارجه مع بداية كل شهر. وقد ظهرت هذه الجمعية عام 1980م لتهتم بالطفل من جميع جوانبه: النفسية ، والاجتماعية، والتربوية، والإعلامية، والأدبية.

كتب المعارف والموسوعات

تهتم الكويت كثيرا بكتب وموسوعات المعارف العلمية والفنون الموجهة إلى الأطفال الكويتيين بصفة خاصة، وأطفال العالم العربي بصفة عامة. لذا، تصدر الكويت كل شهر مجلة "العربي العلمي" ضمن مجلة العربي التي تصدرها وزارة الإعلام الكويتية. وتحفل هذه المجلة بمواضيع علمية غنية بالفوائد والمعارف الجديدة في مختلف شعب وأقسام التخصص العلمي باستثمار الصور الملونة واستعراض أهم الإنجازات العلمية التي تم التوصل إليها في الشرق والغرب معا.
كما تسهر وزارة الإعلام الكويتية على إصدار مجموعة من الكتيبات ضمن مجلة العربي الصغير، ومن أهم هذه الكتب الرائعة: "دون كيخوته"، و"مائة عام طيرانا"، و"نجيب محفوظ"، و"أريد أن أطير"، و"موسيقى وقصص أخرى"، و"أمنية عروسة قطنية"، و"موسوعة الآلات الموسيقية"، و"قصص فارسية"، و"سباق الجائزة الكبرى"، و"مغامرات روبنسون كروزو"، و"أنا وحماري"، و"حكايات كورية"، وهلم جر.
وقد ساهمت الباحثة الكويتية الدكتورة كافية رمضان في تأليف مجموعة من الكتب والمقالات والدراسات حول أدب الأطفال منها: "تقويم قصص الأطفال في الكويت" الصادر عن مطبعة حكومة الكويت سنة 1978م، وكتاب "قواعد الإملاء ومشكلات الكتابة العربية" بالاشتراك مع الدكتور حسن شحاتة ، وقد صدر عن دار المعرفة بالقاهرة عام 1983م، وكتاب "الدراسة العلمية لثقافة الطفل ـ المجلد الأول (ثقافة الطفل)" بالاشتراك مع الأستاذة الدكتورة فيولا الببلاوي ، وقد صدر المؤلف عن مطبعة حكومة الكويت عام 1984م، وكتاب "الدراسة العلمية لثقافة الطفل ـ المجلد الثاني (الاثراء الثقافي للأطفال)"، بالاشتراك مع الأستاذة فيولا الببلاوي ، وقد صدر الكتاب عن مطبعة حكومة الكويت عام 1987م.
هذا، وقد ألف الباحث الكويتي علاء الجابر سنة 2004م كتابه القيم "مسرح الطفل بالكويت" الذي أصبح مرجعا أساسيا ضمن مقررات جامعة الكويت في أدب الطفل.

دور النشر والطباعة

من أهم المؤسسات والمطابع الكويتية التي تكلفت بتشجيع أدب الأطفال دعما وتحفيزا وتوزيعا، ونشر كتب الأطفال إبداعا ودراسة وصحافة لابد من ذكر: مؤسسة البدر للإنتاج الفني لصاحبتها عواطف البدر التي من خلالها قدمت لمسرح الأطفال خدمات جلى ينبغي التنويه بها أيما تنويه وإشادة وثناء، ومطبعة حكومة الكويت التي مازالت تسهر بجدية وتفان على نشر مجلة "العربي الصغير"، ومجلة "العربي العلمي" ، وكتيبات مجلة العربي الصغير سواء داخل الوطن أم خارجه.

المجال الغنائي والفلكلوري والإذاعي

اهتمت المبدعة بزة الباطني إلى جانب الدكتورة كافية رمضان بوضع مجموعة من البرامج الإذاعية والغنائية لصالح الأطفال الكويتيين من أجل الرقي بمستوى الطفولة الكويتية والدفع بها نحو آفاق جديدة. لذا، اهتمت بزة الباطني خصوصا بالجانب الفلكلوري والشعبي حيث ألفت كتابا بعنوان" فولكلور النساء والأطفال في الكويت (التقاليد)" باللغة الإنجليزية عام 1987م.
ومن المعلوم أن بزة الباطني اختيرت عضوة في لجنة برامج الأطفال في تلفزيون الكويت بسبب كفاءتها الموسوعية ، وشواهدها العلمية العديدة، وقدراتها الإبداعية الواضحة في مجال السرديات والمسرح والفلكلور والتشكيل.
هذا، وقد شغَلت بزة الباطني التراث الفلكلوري في مجموعة من البرامج وأغاني الأطفال حيث كتبت للأطفال "برنامج افتح يا سمسم" (الجزء الثالث) من إنتاج مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لدول الخليج العربي، حيث ساهمت الكاتبة بكتابة 35 حلقة من أصل 130 موزعة على مجموعة من الكتاب في الوطن العربي، وتتكون كل حلقة من خمسة مشاهد تخدم أهدافاً مختلفة. كما ساهمت بكتابة ثلاثين أغنية للبرنامج نفسه، وتوظيف الأغاني والحكايات الشعبية في هذا البرنامج بكتابتها باللغة العربية الفصحى المبسطة.
وساهمت أيضا في إبداع برنامج "أوبريت" (طفل المستقبل) لوزارة الشؤون الاجتماعية بمناسبة يوم الطفل العربي. وكتبت أيضا قصة وسيناريو أول فيلم خليجي للرسوم المتحركة باللغة العربية المبسطة تحت عنوان " زعتور" على ضوء رؤية فلكلورية شعبية . وسهرت على إيجاد برنامج "افتح يا وطني أبوابك" في شكل حلقات وأغان من إنتاج مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك عام 1993م، كما قامت بتصميم الدمى والعرائس لهذا البرنامج الإعلامي الهادف والممتع.
ووضعت الكاتبة مجموعة من الأناشيد والمسرحيات لمدارس ورياض وزارة التربية، والعديد من قصص الأطفال والأناشيد لمجلة "جندي المستقبل" التي ساهمت بتأسيسها لمديرية العلاقات العامة والتوجيه المعنوي بوزارة الدفاع والإشراف عليها ما بين سنتي 1992و 1993م. 3
وساهم الكاتب والمبدع الفنان علاء الجابر في تأيف مجموعة من الأغاني الطفلية، ووضع العديد من البرامج الإذاعية والتلفزيونية الموجهة إلى الأطفال بالكويت.
وعليه، فلقد قدم التلفزيون الكويتي ما بين السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين الكثير من البرامج الدرامية والإذاعية التثقيفية والترفيهية الموجهة إلى الطفل الكويتي مثل : البرامج التي تناولت القصص التراثية كقصة "علاء الدين"، وقصة "الشاطر حسن"، وقصة "مدينة الرياح"، وقصة "علي بابا والأربعين حرامي"، وقصة "بدر الزمان" وغيرها من البرامج التي مازالت إلى يومنا هذا تخلب عقول الأطفال، وتدغدغ وجدانهم، وتثير مخيالهم الذهني والعاطفي والحركي.
ومن أهم البرامج التلفزيونية التي كانت تخدم الطفل الكويتي تسلية وتثقيفا برنامج "مجلة الأطفال" الذي كان يقدم صباح كل جمعة، وينتظره الكثير من أطفال الكويت بشوق وحماس ؛ لما له من أدوار تربوية وتعليمية وتهذيبية وأخلاقية إلى جانب دور الإمتاع والترفيه على سبيل الحصر والتقييد.

الفنون التشكيلية

اهتمت الكويت منذ فترة مبكرة بالفنون التشكيلية التي تنصب على الطفولة ، وتستهدف الرفع من ذائقة الأطفال الفنية والجمالية. ومن أشهر التشكيليين الكويتيين الذين اهتموا بالأطفال نذكر: الفنانة بزة الباطني التي شاركت في أول معرض تقيمه اليونيسكو لرسوم الأطفال، والذي أقيم في طوكيو سنة 1965م.
وبعد ذلك، عملت على إقامة مجموعة من حلقات العمل والندوات واللقاءات والمعارض التشكيلية الطفلية التي شارك فيها الفنانون الكويتيون سواء أكانوا من الكبار أم من الصغار من أجل عرض مالديهم من منتجات فنية وجمالية، وتقويمها تحليلا وتشخيصا ونقدا وتوجيها.

تركيب عام

هكذا ، نستنتج بأن أدب الأطفال بالكويت انتعش انتعاشا كبيرا في سنوات السبعين والثمانين من القرن العشرين، بيد أنه سيعرف نوعا من التعثر والتوقف النسبي بعد حرب الخليج الأولى والثانية ؛ لما لهذه الحرب العدوانية الغاشمة من آثار مدمرة وسلبية على نفسية الإنسان الخليجي بصفة عامة ونفسية المبدع والفنان الكويتي بصفة خاصة.
وعلى الرغم من مجموعة من الانتقادات المنصبة حول وضعية أدب الأطفال بالكويت نقدا وتقويما وتشخيصا وغيرة على مستقبل الوطن، إلا أننا نلفي أن ثمة إنتاجات عديدة وإنجازات إبداعية طفلية هامة قد تحققت بالكويت في مختلف الأجناس الأدبية والفنية والإعلامية والتعليمية.. بسبب إصرار المثقفين الخواص على خدمة أطفال بلدهم خدمة وطنية حقيقية تتسم بالإخلاص والغيرة والجدية والتفاني الصادق، ويعود ذلك أيضا إلى مجهودات الدولة التي عمدت إلى إقامة مجموعة من الورشات والمعارض والتظاهرات الأدبية والفنية والعلمية لخدمة ثقافة الطفل الكويتي ، مع تنظيم العديد من المهرجانات والندوات واللقاءات من أجل إثراء أدب الأطفال تنظيرا وتطبيقا ، وقد استدعي لذلك العديد من الطاقات الفكرية والإبداعية من داخل الكويت وخارجه.

1 - د. محمد مبارك الصوري: مسرح الطفل وأثره في تكوين القيم والاتجاهات، الحولية 18، 1997-1998م، ص:28؛
2 - د. محمد مبارك الصوري: مسرح الطفل وأثره في تكوين القيم والاتجاهات، الحولية 18، 1997-1998م، ص:29؛
3 - ليلى محمد صالح: ( بزة الباطني)، موقع شبكة الذاكرة الثقافية،
http://www.maraya.net/inner.php?Level=4&Id=77&list=


د. جميل حمداوي
ناقد مغربي، عضو الجمعية العربية لنقاد المسرح


أعلى


 

باحثون ونقاد من مختلف أرجاء الوطن العربي شاركوا فيه
"مؤتمر الرواية الفلسطينية" يشدد على ضرورة الاهتمام بالأدب الفلسطيني ويؤكد على أهمية ترجمته

نضال صالح: يتجاوز المكان في الرواية الفلسطينية كونه استكمالاً لعناصر السرد الروائي أو بوصفه حاضناً للأحداث والشخصيات إلى كونه فضاء فائراً بالرموز والدلالات
يوسف جاد الحق: المأساة اقتادتني للكتابة عن فلسطين لأنقل للأجيال حكاياتها وتراثها وأغانيها وكل فضاءاتها
حسين جمعة: في رواية "عائد الى حيفا" يرجع غسان كنفاني إلى واقعه وتاريخ وطنه ليحيل منهما واقعاً فنياً مميزاً ويجعل المكان منجزاً روائياً يعيش في فضائه الحر الذي تستدعيه مشاعره ومخيلته

دمشق ـ من وحيد تاجا:
شدد مؤتمر الرواية الفلسطينية الذي نظمته وزارة الثقافة السورية احتفاء بالقدس عاصمة للثقافة العربية عام 2009 والذي احتضنته دمشق في توصياته على ضرورة الاهتمام بالأدب الفلسطيني شعرا ونثرا والتركيز على ما يتصل منه بالقدس التي تتعرض اليوم لأبشع جريمة عرفتها البشرية كما أكد على ضرورة ترجمة أهم الأعمال التي تناولت القضية الفلسطينية إلى اللغات الحية وأن يتم إنشاء مكتبة للدراسات الفلسطينية وأن ترفد هذه المكتبة بكل احتياجاتها المتخصصة بقضية العرب الأولى وإعادة نشر الكتب النادرة والمفقودة من الأدب العربي المهتم بالقضية الفلسطينية ودعم المطبوعات التي تعنى بهذا الجانب من بحوث وشهادات وأن يقام مؤتمر الرواية الفلسطينية سنويا ويرفد بموضوعات وأدباء ونقاد وباحثين من الدول العربية كافة وإعداد الجداول عن الأدباء والكتب والموضوعات والأبحاث التي تناولت القضية الفلسطينية سواء أكان الكتاب عربا أم الأجانب.
وكان المؤتمر قد تضمن مجموعة من اوراق العمل التي ناقشته أوضاع الروائية الفلسطينية وأهم ملامحها الحالية.. اولى الأرواق كانت بعنوان "الرواية الفلسطينية.. الجوانب الفنية" قدمها الدكتور سلطان سعيد القحطاني من السعودية.
وناقش فيها قضيتين في الرواية الفلسطينية، من الجانب الفني، عند أجيال الرواية الفلسطينية الثلاث، وهو جيل ما بعد الاحتلال الصهيوني 1948، وجيل مابعد النكبة 1967، وجيل ما بعد انتفاضة القدس 1987.
وقال ان الدراسات تركزت على جيل المقاومة، وهذا حق مشروع، لكنها أهملت أو أضعفت الجوانب الفنية في الرواية الفلسطينية، منذ ظهور الأعمال الأولى بجانب الشعر الذي قيل في قضية العرب (فلسطين)، ولم تكن القضية غائبة في الأدب العربي (شعرا ونثرا)، مشيرا انه قلما نجد عملا إبداعيا عربيا يخلو من ذكر القضية وتشرد الشعب العربي الفلسطيني.. منوها ان الفلسطيني الذي يعيش داخل الارض المحتلة يشعر بجزيئات دقيقة لا يشعر بها العربي الذي يعيش خارج فلسطين، بمن فيهم الفلسطينيون أنفسهم، فقد كتب أدباء فلسطينيون روايات وهم خارج فلسطين فكان حظ القضية منها قليل، مثل" نجران تحت الصفر" للروائي يحيى يخلف، و"حمى البراري" لابراهيم نصر الله، و"الطريق الى بالحارث" لجمال ناجي وغيرهم.
من جانبه تحدث الدكتور خليل موسى من سوريا عن (العنوان والدلالة في الرواية المقدسية) متخذاً رواية "مدينة الله" للروائي حسن حميد أنموذجاً.. وقسم بحثه إلى أربعة مقاطع تناول في الأول منها "ما قبل القراءة" في الرواية المقدسية والتي تناول فيها الكاتب حسب "موسى" الروايات التي اتخذت من القدس مكاناً لأحداثها من خلال التسمية المباشرة أو التلميح ومنها "حارة النصارى" لنبيل خوري و"السفينة" لجبرا ابراهيم جبرا، وأردف موسى: لكن رواية "مدينة الله" تعد رواية القدس الأولى بامتياز. وفي المقطع الثاني تناول العنوان والدلالة في النقد المعاصر وخاصة في كتابات ما بعد البنيوية وتفصيل في وظائف العنوان وخاصة الإثارة في عملية الاقتناء ومساعدة القارئ في فهم النص.
أما المقطع الثالث فتناول العنوان والدلالة في "مدينة الله" وتحليل المستوى اللغوي والبحث عن مدلولاته من خلال البؤرة العنوانية التي تشكل مركزا نصيا مشعا بعد أن كان العنوان في الماضي عتبة نصية مهمشة، وأوضح "موسى" صلة العنوان الرئيس بالعناوين الداخلية.
وفي المقطع الرابع والأخير تحدث عن جدلية العنوان والنص ودرس فيه انتشار العنوان في النص وانضباب النص في العنوان في "مدينة الله" مركزا على الإطار الإيهامي والفواتح والخواتيم والشخصيات والأمكنة واللغة الشاعرة وانتهى بدراسة انضباب النص في عنوانه بعد حوار طويل ومعايشة مشتركة ليعبر عما يختزنه العمل الأدبي.
وقدم الدكتور غسان غنيم من سوريا ورقة عن "لغة السرد لدى الروائية الفلسطينية سحر خليفة ـ رواية عباد الشمس ـ أنموذجا". والتي تتحدث عن مآل الفصائل الفلسطينية في سبعينيات القرن الماضي.
واعتبر الباحث الروائية سحر خليفة من اهم الروائيين الفلسطينيين المعاصرين، وقبل ان يتحدث عن رواية "عباد الشمس" اشار الى روايتها "الصبار" التي تناولت واقع الهزيمة في يونيو 1967 واثارها في الواقع الفلسطيني في الداخل، واضطرار الفلسطينيين الى العمل في المصانع الإسرائيلية، مما عدته بعض فصائل الثورة نوعا من العمالة والخيانة، كما تناولت فكرة الكفاح المسلح وجدواه. اما في رواية "عباد الشمس" فقد تناولت مآل الفصائل الفلسطينية والعمل الفلسطيني في سبعينات القرن الماضي، وابتداء من هذه الرواية تحتفي سحر خليفة بالثنائيات فظهرت ثنائية الرجل والمرأة مثلا، لتبرز الكاتبة واحدة من دعاة حقوق المرأة لتكون متساوية مع الرجل في كل شيء. وهذا ما أكدته في غير رواية تالية من مثل "مذكرات امرأة غير واقعية" لنجد ان القضية الوطنية على أهميتها وإلحاحها وحضورها.. قضية اجتماعية لا تقل أهمية عنها.
فالمجتمع المأزوم الذي يعيش حالة صراع حقيقية ما بين الداخل والخارج ، ما بين التقليدية المعيقة. والتطلعات الثورية، التي تطمح الى الحرية، تجعل الأفراد في ازمة دائمة، إذ كيف تكون الحرية السياسية والإنسان محكوم بمفاهيم تقليدية قامعة؟! ورأى الباحث ان المسألة المهمة هنا .. تتعلق بالسرد داخل الرواية اكثر من تعلقها بالمضمونات التي عالجتها على أهميتها. فالكاتبة، حسب الباحث، روائية بارعة، قادرة على جذب المتلقي، ولكن اللغة الأدبية ليست مطواعة بين يديها. مضيفا، صحيح ان لغة السرد تتعدد بتعدد الشخوص، وبتعدد مستوياتهم الثقافية، إلا ان أدبية اللغة في الرواية تحتاج الى مزيد من الارتفاع لتتصالح لغة الراوي مع لغة الأديب الكاتب.
وقدم د. نضال الصالح من سوريا بحثا حمل عنوان: (المكان في الرواية الفلسطينية: القدس نموذجاً) قال فيه: يتجاوز المكان في الرواية الفلسطينية كونه استكمالاً لعناصر السرد الروائي أو بوصفه حاضناً للأحداث والشخصيات إلى كونه فضاء فائراً بالرموز والدلالات على غير مستوى واقعي، يبدو المكان الفلسطيني معه ومن خلاله مرجعاً بامتياز للجغرافية والتاريخ الفلسطيني وكنائي يرتبط، على نحو وثيق، بالمستوى الواقعي، ويعاضده في تمكين النص الروائي الفلسطيني من مواجهة المحاولات الصهيونية المحمومة لإبادة الذاكرة الفلسطينية وتشويهها، وإيهام الاخر، الصهيوني وغير الصهيوني، بأصول توراتية للجغرافية الفلسطينية، ولاسيما ما يعني أسماء القرى والمدن والأحياء والشوارع الممعنة، ـ كما تؤكد حقائق الجغرافية والتاريخ ـ في انتسابها الى الهوية العربية الفلسطينية.
ويؤكد الباحث ان دراسته تطمح إلى استجلاء الفضاء المكاني في الرواية الفلسطينية حضوراً ومعنى بل معاني، ويمثل لذلك بمدينة القدس التي استأثرت ولا تزال باهتمام كثير من الروائيين الفلسطينيين على اختلاف انتماءاتهم الجيلية وتعدد أشكال أدائهم الفني وتنوعه أمثال: نبيل خوري وجبرا إبراهيم جبرا وليلى الأطرش.‏ ولعل مسوغ ذلك بل مسوغاته على نحو أدق تلك الحمولة الرمزية للقدس نفسها، جغرافية وتاريخاً ورمزاً وما يؤكد ذلك أي الحضور اللافت للنظر للقدس في الرواية الفلسطينية ترددها واقعاً ورمزاً بآن في عدد قليل من الأعمال الروائية العربية أي تجاوزها الفضاء الإبداعي الفلسطيني إلى الفضاء الإبداعي العربي والعالمي أيضاً.‏ ولعل اجهر الأمثلة على ذلك وفيما يعني الرواية العالمية رواية الأميركي "صول بيلو" الحائز على جائزة نوبل في الآداب عام 1976: "رحلة الى القدس"، ولعل أهمها، فيما يعني الابداع العربي، رواية نجيب الكيلاني: "عمر يظهر في القدس"، ورواية علي بدر: "مصابيح اورشليم"، ورواية واسيني الاعرج : "سوناتا لاشباح القدس".
أما د. ابراهيم خليل من الأردن فقد قدم بحثاً تحت عنوان (فانتازيا السرد والمكان في الرواية الفلسطينية) حيث قال:‏ تنضوي الورقة تحت عنوان: فانتازيا السرد والمكان في رواية حسن حميد (مدينة الله) الصادرة في بيروت 2009 علاقة السارد فلاديمير بودنسكي بالمكان وهو القدس خاصة وفلسطين على وجه العموم والفلسطينيين وكذلك علاقة الحوذي جو مكميلان بهما وما يتجلى في سرد الراوي والحوذي من حكايات عن الأمكنة تتصف بالخيال المفرط الذي يضفي على بعضها طابع الغرائب، علاوة على ذلك تسلط الورقة الضوء على المشهد المكاني بما يتجاوز فيه الكاتب القواعد الوصفية القائمة على المحاكاة تجاوزاً يجعل هذا المشهد يقترب هو الآخر من القصص العجائبي في لغة تغلب عليها روح الشعر وتنتهي الورقة بتقويم للرواية مفاده: أنها نص لا يعني فيه المؤلف عناية مباشرة بالسرد الحرفي للحوادث أو بالتصوير الحرفي (الفوتوغرافي) للأماكن وإنما هو تصوير يختلط فيه الرمز بتعبيريّة الخطاب الحكائي.‏
ومن لبنان قدم الاستاذ الدكتور عبد المجيد زراقط بحثا بعنوان (فضاء اللجوء الفلسطيني الروائي) مشيرا الى أن الحدث في أي رواية يتمثل في حكاية السعي إلى تعويض فقد ما، والسعي هذا إنما يتم في أمكنة تمثل حيزه (فضاءه) ولا يخفى أن الفقد الفلسطيني يتمثل في فقد مكان الوجود (الوطن) واللجوء إلى مكان آخر مؤقت والإقامة فيه إلى أن تتم استعادة الوطن المفقود والعودة إليه بوصفه المكان الموعود الذي تمر طريق استعادته والعودة إليه بأمكنة كثيرة ومتنوعة، وهكذا تتشكل ثنائية مركزية طرفها الأول الوطن المفقود وطرفها الثاني مكان اللجوء (المخيم) حيث تعاش تجربة حياتية فريدة يعاني فيها اللاجئ قساوة الواقع ومرارته ويستحضر المكان المفقود ويرى في المكان الموعود حلماً ومن ثم سعياً إليه، فيمر بأماكن طريق الاستعادة والعودة، ما يمثل فضاء روائياً متميزاً سميناه فضاء اللجوء الفلسطيني. ويقول الباحث اننا استخدمنا مصطلح الفضاء الروائي بدلاً من المكان لأن الفضاء يشمل الأمكنة جميعها وأشياءها وعلاقاتها كما تقدمها عناصر القص المنتظمة في سياق حركة تشكل البناء الروائي، أي في سياق حركة الفعل الذي يجري فيها.‏ ويضيف: لقد تمثل فضاء اللجوء الفلسطيني في معظم الروايات الفلسطينية، وهذه الدراسة تحاول أن تتبين هوية هذا الفضاء كما تمثل روائياً وأن تتعرف على موقعه في البناء الروائي ودوره في انتاج فاعلية هذا البناء الجمالية الدلالية في رواية (تعالي نطيّر أوراق الخريف) لحسن حميد بوصفها أنموذجاً للرواية الفلسطينية الأكثر تمثيلاً لتجربة العيش في هذا الفضاء.‏
وفي دراسته القيمة حول (الروائي الفلسطيني كمؤرخ حقيقي) تحدث الناقد الفلسطيني الدكتور فيصل دراج عما قام به الروائيون الفلسطينيون بتسجيل ما أغفله المؤرخون المختصون، او بكتابة ما لا يستطيع المؤرخون كتابته، ذلك ان المؤرخ مشغول بمعاينة: الوقائع اليومية الكبرى، بينما يقتفي الروائي آثار امر اكثر اهمية: حياة الانسان الفلسطيني اليومية، المصاغة من شقاء واغتراب ومقاومة ، ومسرات قليلة، ولعل رصد اليومي الذي يفصح عن وجوه "المسألة الفلسطينية" المتعددة، هو ما يجعل من المتخيل الفلسطيني الروائي نصا عن التاريخ وشهادة عليه في ان ، يصف ماكان ويؤوله، ويشهد على ما هو كائن ويعلق عليه، وينظر الى ماسيكون، وكحال "ادب المضطهدين" بعامة فان حاضر النص الفلسطيني يحتضن ماضيه ، ويبشر ، ان استطاع ، بمستقبل تعود الامور في سوية ، بعد ان تتخلص من الاغتراب والشذوذ.
ورأى الباحث ان خمس روايات فلسطينية تعطي صورة واضحة عن مآل فلسطين، منذ ان كان الفلسطينيون يعيشون بألفة مع ارضهم، مرورا بالمنفى وشقائه، وصولا الى الوضع المأساوي الراهن، الذي تعيشه "المسألة الفلسطينية". وهذه الروايات هي: "انين القصب" لحسن حميد، التي استعادت زمنا غنائيا ، قبل ان يصل الفلسطينيون الى المنفى. و"صيادون في شارع ضيق" لجبرا ابراهيم جبرا، التي وصفت، ولو بقدر، وضع الفلسطيني بعد الخروج القسري. و"ام سعد" لغسان كنفاني، التي عبرت عن الانتقال من بؤس الانتصار الى الكفاح. و"ساكون بين الوز" لحسين البرغوتي، التي وصفت اطلال فلسطين بعد "اتفاقية اوسلو". و"العقرب الذي يتصبب عرقا" لأكرم مسلم، التي سجلت ملامح انسان فلسطين في زمن السلطة الفلسطينية والمعوقات التي تعانيها.
وقدمت الدكتورة لطفية برهم من سوريا ورقة بعنوان (أصل وفصل وحكاية ضياع البلاد). اتخذت فيها من رواية "اصل وفصل" لسحر خليفة "متنا لها" مركزة على تحليل الخطاب السردي للوصول إلى الحكاية الكبرى حول ضياع فلسطين عبر سيرة عائلة فلسطينية عريقة، كما روتها الجدات او الامهات او المصادر التاريخية.
وقدم الدكتور نذير جعفر من سوريا ورقة بعنوان "جماليات العنوان في الرواية الفلسطينية" أشار فيها إلى أن هناك كتابا يتيما يتناول عتبات العنوان في الرواية الفلسطينية ، التي تجاوز عددها 500 رواية حتى الان، وما تبقى هو عبارة عن دراسات متناثرة في المجلات العربية.
وقدم الباحث نموذجين الاول من داخل الارض المحتلة للكاتبة سحر خليفة رواية "صورة وأيقونة وعهد قديم"، والثاني من الشتات وهو رواية حسن حميد انين القصب. وقال ان سبب اختيارهما هو حداثتهما زمنيا وفنيا، ولارتباط الاول منها ارتباطا مباشرا بالقدس معايشة وفضاء مكانيا وتخييليا من جهة، وارتباط الثاني بالنزعة النوستالوجية الى مسقط الرأس عبر مخزون الذاكرة ، والمورورث الحكائي الشفوي ، والتراث الشعبي، ومزج كل ذلك عبر فنية مبتكرة من جهة ثانية.
كما قدم الدكتور عادل الفريجات من سوريا بحثا بعنون (رواية الواقع الفلسطيني الراهن) استعرض فيها بعض الروايات مثل حارة النصارى لنبيل خوري الصادرة عام 1969 وعودة الغريب لرشاد أبو شاور وبرج اللقلق لديمة السمان الصادرة عام 2007 ورواية مدينة الله لحسن حميد الصادرة في بيروت 2009.
وقدم عبدالله ابراهيم من قطر دراسة بعنوان "السرد والهوية في رواية البحث عن وليد مسعود" لجبرا ابراهيم جبرا، ورأى ان هذه الرواية تثير على مستوى التأويل السردي، مسألة جوهرية حول مفهوم "الهوية السردية" من خلال استخدام ثنائية الوجه والمرآة، فهل الفلسطيني المنفي، وليد مسعود، هو الوجه الذي يحتاج الى تعريف ذاته بمرآة الآخرين المحيطين به، ام انه المرآة التي يحتاج الآخرون إليها للتعرف الى ذواتهم؟ عبر التأويل المضاعف يمكن طرح سؤال اخر اكثر أهمية تقترحه الرواية في بنيتها السردية الكلية: هل الشخصيات المحيطة بوليد مسعود هي التي تعكس قضيته الفلسطينية، وتعطيها معنى في التاريخ والواقع ، ام انه هو وقضيته المرآة العاكسة للآخرين وقضاياهم الملتبسة؟
وقرأ الدكتور أحمد حيدوش من الجزائر ورقته تحت عنوان "المكان بوصفه فاتحة نصية لفضاء الرواية رواية وداع مع الأصيل أنموذجا" أشار فيها إلى أنه سعى في ورقته إلى تشريح المكان في الرواية المذكورة للكاتبة السورية فتحية محمود الباتع التي صدرت في الجزائر في طبعة ثانية سنة 1981.
وقدم الكاتب الفلسطيني يوسف جاد الحق شهادة عن أدبه القصصي وروايته عن ما قبل النكبة مشيرا إلى أن المأساة هي التي اقتادته إلى الكتابة عن فلسطين التي نزح عنها وعمره نحو ستة عشر عاما ثم بدأت الكتابة تجتذبه لينقل للأجيال وصفا عن فلسطين وحكاياتها وتراثها وأغانيها وكل فضاءاتها.
وقدم الدكتور حسين جمعة رئيس اتحاد الكتاب العرب بحثا بعنوان "المكان المقاوم والمقدس في رواية عائد إلى حيفا لغسان كنفاني"، قال فيه: العين مرآة الروح والخيال والقلم زفرة لجوهر الكلام المتألق والمعبر عن حساسية تلك المرآة وتعد الرواية جامعة للعين والدراية في تصميم واقع فني إبداعي مرسوم بكل عناية ودقة وحين يصمم الروائي روايته يبدأ من نقطة ما تاريخية أو مكانية أو زمانية أو اجتماعية وكذا كان الروائي الفلسطيني (غسان كنفاني) في روايته (عائد إلى حيفا) يرجع إلى واقعه وتاريخ وطنه ليحيل منهما واقعاً فنياً مميزاً ويجعل المكان منجزاً روائياً يعيش في فضائه الحر الذي تستدعيه مشاعره ومخيلته، فالمكان من جهة يجسد ملامح الحياة البائسة المعطوبة والموحشة ومن جهة أخرى يسبح في شغاف الرغبة المتطلعة للتحرر من تلك الوحشية، والمكان عند غسان كنفاني يكشف عن أسرار عميقة غير هشة ولا رخوة فهو يتطلع إلى الماضي الحزين ليراه ممتداً في المستقبل القادم وقد اكتسب بهاءه المتألق عن طريق الصبر والثبات كما الإنسان المقاوم الذي انزرعت فيه رغبة التحدي والكفاح لكل أشكال القهر والاستبداد، وبناء عليه فالمكان المقاوم الصامد صورة للثقافة الخصبة له ولأبناء وطنه وما من أحد قرأ تلك الرواية إلا وأدرك الوفاء لطبيعة المكان ولا شك في أن الرواية تعد تسجيلاً للأحداث التاريخية وللأفكار الآيديولوجية ولكنها لم تنفصل عن المكان بوصفه القاسم المشترك النضالي بين الشخصيات، فالمكان محرك ودافع أصيل في حركة العمل الروائي كما هو في الواقع وقد حاول هذا البحث أن ينهض بذلك وغيره.‏
وقدم نبيل سليمان من سوريا ورقة بعنوان "القدس كشخصية روائية" جاء فيها: للقدس أخيولتها الروائية التي تنهض على سيرة الكاتب في شطر من حياته كما هي الطفولة في رواية جبرا ابراهيم جبرا "السفينة" وقد تنهض تلك الأخيولة على ذكريات الآخرين وعلى القراءة إذ يعجنها خيال الكاتب الذي ولد بعد النكبة.
وحلل سليمان عددا من الروايات الفلسطينية التي تخدم عنوان بحثه مقدما في الوقت نفسه أعدادا عن الروايات التي عالجت القضية الفلسطينية في مختلف المراحل كرواية "أخطية" لإميل حبيبي وقال: إن القارئ يكتشف أن الزمن هو مفتاح المقاومة في التشكيل الروائي وإن كل شخصية تنبض بالمقاومة وحتى المكان من الحجر صعودا إلى كل شيء.
ثم قدم الدكتور حسن حميد من فلسطين دراسة بعنوان "القدس في الرواية الفلسطينية" قال فيها: تقف الدراسة عند أهمية القدس مكاناً وبشراً وتاريخاً بوصفها المكان الأكثر تمثيلاً للقضية الفلسطينية وجعلها الحدث الإطاري للكثير من الروايات التي تناولت حراكها الاجتماعي وقابلية استقبالها للآخر وتعلق الذات بها كجهة مكانية واجتماعية وروحية مؤثرة جداً.‏ وتتقفى الدراسة الآثار الروائية التي كتبها أدباء فلسطينيون في زمنين باديين:‏ الأول قبل احتلالها والثاني بعد احتلالها وما تناولته تلك الروايات من ترسيمات للنضال والمقاومة في محاولة لاستعادة الزمن الجميل الذي عاشته القدس قبل احتلالها زمن السلام والرضا والطمأنينة والوطنية الصافية.


أعلى


 



تــراثــيــات


صروف الدهر

لما فتح خالد بن الوليد "عين لتمر" سأل عن الحرقة بنت النعمان بن المنذر فدل عليها فأتاها وكانت عمياء فسألها عن حالها فقالت لقد طلعت علينا الشمس وما هي شيء يدب تحت "الخورنق" ـ أحد قصور النعمان ـ إلا تحت ايدينا ثم غربت وقد رحمنا كل من يدور به وما بيت دخلته "حبرة" ـ أي مسرة ـ إلا دخلته عبرة ثم قالت:
وبينا نسوس الناس والأمر أمرنا
اذا نحن فيه سوقة نتنصف
فأف لدينا لا يدوم نعيمها
تقلب تارات بنا وتصرف
فقال قائل ممن كان حول خالد والله لكان عدي بن زيد ينظر اليها حين قال:
ان للدهر صرعة فاحذرنها
لا تبيتن قد أمنت الدهورا
قد يبيت الفتى معافى فيردى
ولد كان آمنا مسرورا

ــــــــــــــــــــ


أقوال

* قال الخليل بن أحمد: الأيام أربعة: يوم أخرج فألقى فيه من هو أعلم مني فأتعلم منه فذلك يوم غنيمتي، ويوم أخرج فألقى من أنا اعلم منه فأعلمه فذلك يوم اجري، ويوم اخرج فألقى من هو مثلي فأذاكره فذلك يوم درسي، ويوم أخرج فألقى من هو دوني وهو يرى انه فوقي فلا أكلمه وأجعله يوم راحتي.
* قال علقمة: اصحب من ان صحبته زانك، وان اصابتك خصاصة عانك، وان قلت سدد مقالك، وان رأى منك حسنة عدها، وان منك ثلمة سدها، وان سألته اعطاك، واذا نزلت بك ملمة واساك، من لا يأتيك منه البوائق، ولا تختلف عليك منه الطرائق.
* سئل حاتم الاصم: لأي شيء لا نجد ما وجده المتقدمون؟
فقال: لأنكم فاتكم خمسة أشياء: المعلم الناصح، والصاحب الموافق، والجهد الدائم، والكسب الحلال، والزمان المساعد.
* قيل للأسكندري: لم تكرم معلمك فوق كرامة أبيك؟
قال: لأن أبي سبب حياتي الفانية، ومعلمي سبب حياتي الباقية.


ــــــــــــــــــــ

دروس

سئل السري السقطي عن بعض دروس الحياة التي يتمنى الآباء لو تعلمها منهم ابناؤهم؟ فأجاب: ان يعلموا انهم لا يستطيعون اجبار الناس على حبهم، ولكن يستطيعون بلا شك ان يجعلوا من أنفسهم شخصيات محبوبة. وليعلموا ان ما معهم ليس هو أثمن ما في حياتهم، ولكن من معهم. وليعلموا ان ليس من الحكمة ان يقارنوا انفسهم بالآخرين. وليعلموا بأن الغني ليس هو من يملك الأكثر، ولكنه من يحتاج الأقل. وليعلموا بأن الطريقة المثلى لتعلم المغفرة هي بممارستها. وليعلموا بأنه يوجد من يحبهم حباً جماً، ولكنه قد لا يملك طريقة للتعبير عن تلك المشاعر. وليعلموا بأن المال قد يشتري كل شيء إلا السعادة.

ــــــــــــــــــــ

إجابات حكيم

سئل حكيم كم عمرك؟ فقال: صحتي جيدة ولله الحمد، قال السائل: كم وفرت من المال؟ قال الحكيم: ليس عليّ ديون ، قال السائل: فكم عدو لك؟ قال الحكيم: قلبي نظيف ولساني عفيف فكيف يكون لي اعداء؟؟

ــــــــــــــــــــ

ابن القرية

دخل ابن القرية على الحجاج وكان من اكابر اهل زمانه فطنة وعلماً فسأله الحجاج: ما الكفر؟ قال: البطر بالنعمة، واليأس من الرحمة. فقال: ما الرضى؟ قال: الثقة بقضاء الله والصبر على المكاره. فقال ما الحلم؟ قال: اظهار الرحمة عند القدرة والرضى عند الغضب. فقال ما الصبر؟ قال: كظم الغيظ والاحتما لما يراد.


ــــــــــــــــــــ


سحر البيان

اجتمع عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهثم، فذكر عمرو الزبرقان قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إنه إطعام جواد الكف، مطاع في أدانيه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره. فقال الزبرقان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله إنه ليعرف مني أكثر من هذا، ولكنه يحسدني. فقال عمرو: والله يا نبي الله، إن هذا لزمر المروءة، ضيق العطن، لئيم العم، أحمق الخال، فرأى الكراهية في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اختلف قوله، فقال: يا رسول الله ما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الأخرى، ولكني رضيت فقلت أحسن ما علمت، وسخطت فقلت أسوأ ما أعلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحراً، وإن من الشعر لحكمة.

ــــــــــــــــــــ


كِلاَنَا يا بُثَيْنَ مريبُ

جميل بثينة


بثينة قالت: يا جميل، أربتني
فقلت: كِلاَنَا يا بُثَيْنَ مريبُ
وأريبنا من لا يُؤدِّي أمانةً
ولا يحفظ الأسرار حين يغيبُ
ألا تلك أَعْلاَمٌ لِبَثْنَةَ قد بدت
كأن ذراها عَمَّمَتْهُ سبيبُ
طَوَامِسُ لي من دُونِهِنَّ عداوةٌ
ولي من وراء الطامسات حبيبُ
بعيدٌ على من ليس يطلب حاجةً
وأما على ذي حاجةٍ فقريبُ


ــــــــــــــــــــ


صاحبكم أشعر الناس


قدم عمارة بن عقيلٍ بغداد، فاجتمع الناس إليه، وكتبوا شعره، وسمعوا منه، وعرضوا عليه الأشعار، فقال له بعضهم: هاهنا شاعر يزعم قوم أنه أشعر الناس طراً، ويزعم غيرهم ضد ذلك، فقال: أنشدوني له، فأنشدوه:
غَدتْ تستجيرُ الدمعَ خوفَ نوىَ غدِ
وعادَ قتاداً عندَهَا كـلُّ مَـرْقَـدِ
وأنْقَذَهَا مِنْ غَمْرَةِ الـمـوتِ أَنَّـهُ
صُدُودُ فِراقٍ لا صُدُودُ تَـعَـمُّـدِ
فأَجْرَى لها الإِشْفَاقُ دَمْعاً مُـورَّداً
من الدَّمِ يَجْرِي فَوْقَ خَـدٍّ مُـوَرَّدِ
هيَ البدْرُ يُغنِيهاَ تَوَدُّدُ وَجْـهِـهـاَ
إلى كُلِّ من لاقَتْ وَإِنْ لـم تَـوَدَّدِ

ثم قطع المنشد، فقال عمارة: زدنا من هذا، فوصل وقال:

ولكنني لم أحْوِ وَفْراً مُجَمَّعاً
ففُزْتُ بِه إلاَّ بشَمْلٍ مُبَـدَّدِ
ولم تُعطِني الأيَّامُ نوماً مُسَكَّناً
أَلَذُّ بـه إلا بـنَـوْمٍ مُـشَـرَّدِ

فقال عمارة: لله دره، لقد تقدم صاحبكم في هذا المعنى جميع من سبقه على كثرة القول فيه، حتى لحبب الاغتراب، هيه! فأنشده:
وطولُ مُقامِ المرءِ في الحَيِّ مُخْلِقٌ
لديباجَتَيْهِ فاغْـتَـرِبْ تَـتَـجـدَّدِ
فإنِّي رَأيتُ الشَّمسَ زيِدَتْ مَحَـبَّةً
إلَى النَّاسِ إذْ لَيْسَتْ عليهم بِسَرْمَدِ

فقال عمارة: كَمُل والله، إن كان الشعر بجودة اللفظ، وحسن المعاني، واطراد المراد، واستواء الكلام، فصاحبكم هذا أشعر الناس، وإن كان بغيره فلا أدري!.


ــــــــــــــــــــ

أيّ النّساء أحبّ إليك؟

قال معاوية لصعصعة: أيّ النّساء أحبّ إليك؟ قال: المواتية لك فيما تهوى. قال: فأيّهن أبغض إليك؟ قال: أبعدهنّ لما ترضى. قال معاوية: هذا النّقد العاجل. فقال صعصعة: بالميزان العادل.

ــــــــــــــــــــ


ماذا فعلت بالكيس؟

حكى أبو سهل الداري عمن حدثه عن الواقدي أنه قال: كان لي صديقان، أحدهما هاشمي، فكنا كنفس واحدة، فنالتني ضيقة شديدة، وحضر العيد، فقالت لي امرأتي: أما نحن في أنفسنا، فنصبر على البؤس والشدة، وأما صبياننا فلا صبر لهم، فقال: فكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة علي بما حضر، فوجه لي كيساً مختوماً، وذكر أن فيه ألف درهم، فما استقر قراره، حتى كتب لي صديقي الآخر يشكو إلي حاله فوجهت إليه الكيس بما فيه وخرجت إلى المسجد، فأقمت به الليل مختفياً من امرأتي، فبينا أنا كذلك إذ وافاني صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته، وقال: أخبرني عما فعلته فيما وجهت إليه به، فعرفته الخبر، فقال: إنك وجهت إلي، وما أملك إلا ما بعثت إليك، ثم كتبت إلى صديقي أسأله المواساة، فوجه إلي الكيس بخاتمي، قال: فاقتسمنا ألف درهم فيما بيننا ثلاثاً، فوصل الخبر إلى المأمون فدعاني، فشرحت له ما كان فأمر لنا بسبعة آلاف دينار، ألفين لكل واحد، وللمرأة ألف.


ــــــــــــــــــــ

لا أشاء

قيس بن الملوح

وقالوا لو تشاء سلوت عنها
فقلتُ لهمْ فانِّي لا أشَاءُ
وكيف وحبُّها عَلِقٌ بقلْبي
كما عَلِقَتْ بِأرْشِيَة ٍ دِلاءُ
لها حب تنشأ في فؤادي
فليس له-وإنْ زُجِرَ- انتِهاءُ
وعاذلة تقطعني ملاماً
وفي زجر العواذل لي بلاء

ــــــــــــــــــــ


ما هذه البلاغةُ التي فيكم؟


قال معاوية بن أبي سفيان لصُحارِ بن عَيّاش العبديّ: ما هذه البلاغةُ التي فيكم؟ قال: شيء تَجِيش به صدورُنا فتَقذفُه على ألسنتنا، فقال له رجل من عُرْض القَوم: يا أمير المؤمنين، هؤلاء بالبُسْر والرُّطَب، أبصرُ منهم بالخُطَب، فقال له صُحار: أجَلْ واللَّهِ، إنّا لنَعلم إنّ الرِّيح لَتُلْقِحُه، وإن البَرد ليَعقِدُه، وإن القمرَ ليَصْبِغُهُ، وإن الحَرّ ليُنْضِجهُ، وقال له معاوية: ماتعدُّون البلاَغَةَ فيكم؟ قال: الإيجاز، قال له معاويةُ: وما الإيجاز؟ قال صُحار: أن تُجيب فلا تبطئ، وتقولَ فلا تخطئ.

ــــــــــــــــــــ

نعم الفتى لو كان يعرف قدره

إبراهيم بن عمر الكوفي قال: كان حماد عجرد مولى لبني سوءة بن عامر بن صعصعة وكان معلماً ثم شهر بالشعر وامتدح الملوك. وكان بالكوفة ثلاثة يقال لهم الحمادون: حماد عجرد وحماد بن الزبرقان وحماد الراوية يتنادمون على الشراب، ويتناشدون الأشعار، ويتعاشرون أجمل عشرة، كانوا كأنهم نفس واحدة، وكانوا جميعاً يرمون بالزنذقة، وإذا رأى الناس واحداً منهم قالوا: زنديق. اقتلوه. وكان حماد بن الزبرقان عتب على حماد الراوية في شيءٍ فهجاه، فقال فيما يهجوه، وينسبه إلى شرب الخمر
نعم الفتى لو كان يعرف قدره
ويقيم وقت صلاته حماد
هدلت مشافرة الدنان فأنفه
مثل القدوم يسنها الحداد
وابيض من شرب المدامة وجهه
وبياضه يوم الحساب سواد



أعلى






الأدب الشعبي

مِتـْـ/ ـنـاهـي صِـغـَــرْ

بسيط.. مترامي تعب.. ساكت.. قليـل الأسئلـه
ما بين صوتي والجميع انسـان يذبـح كلمتـي
يوحي لي الشارع بزحمـة حارتيـه ومنزلـه..
إن المنازل حارة التشريـد.. مـا هـي لزمتـي
يا حارث نخيل الحبِر هو ويـن راس السنبلـه؟
عجينة الشعر استوت.. ما ذقـت منّـك لقمتـي
كم لي وانا اسند في حجر زاويتـيِ المستبسلـه
قصيدة التكويـن.. واطنـاب الوجـود قلامتـي
معْ شمس أخاديد النفوس البايره ما لـي صلـه
شبّت وذابت شمعة الأحـداث.. وآنـا بعتمتـي
قل لي.. إذا في نحرها بارت فصوص السلسلـه
من وين أصوغ لفاتنة عمر الأمانـي حرمتـي؟
الشارع عياله تخوّن بـك.. أبـد مـو مشكلـه
أم المصايب عشت مطعون العمر مـن لحمتـي
في نيّتي فكرة دمـار السجـن قبـل المقصلـه
وفي نية أطيب واحـدٍ شفتـه.. نهايـة قامتـي
لا باس.. واللي ما يجيـب نهايتـي باستسهلـه
اليمّ هاج.. وبين أيـادي البيـد مأمـن خيمتـي
لا صـارت الغربـان تنعـق بعْـد أذان النافلـه
ناديت يا الله العزيز أرجـوك هِبنـي عصمتـي
غريب.. متناهي صغر.. واعي.. وافوق المرحله
في غربتي عن كذبة العربان.. طالت هامتـي!!

جمال الشقصي

ــــــــــــــــــــ


أطويك يا صوتي المبحوح ..

أجدب من الحزن شوق ٍ مر في باله لجل باله
و التيه ما يرسم إلا شتات تخميني في تخميني
غريب ذا الهاجس المدفون بأهواله من أهواله
و لهاثي اللي طوى غربة عناويني لـ عناويني
أطويك يا صوتي المبحوح لجل صمتك و أغتاله
لو طال بالصمت غربالي وهو فيني ولا فيني
غريب والوقت لو يأنس له الطاري و غرباله
ما كن هالليل و أطراف الثواني البيض يسريني
صديت لا تسأل اللي تاه بطيوفك : ترى ظلاله
وشلون من طاري الأشواق تطويها, و تطويني
يشتاق في محجرك يا عين , سهاد ٍ ٍ قلت بـ اختاله
الدمع ما يلتفت لسهادك اللي لاح يا عيني
ما جيت من ربكة الخفاق , ألملم باقي أطلاله
إلا وذا الليل بي ينهل من الأطلال في سنيني
و ألتف بالجرح , قبل اللين , لو يبقى على حاله
من علم الوقت ينشدني : كذا يالجرح ناسيني
مليت كثر العنا و الجدب يرثيني بـهلهاله
مليت كثر الملل عقبك على الفرقا يواسيني

هجير

ــــــــــــــــــــ


َرغْبَه

* على لسان فتاة

أبيكْ تكتَبْني شعـْر وتْمـارس
تحليق فوق السربْ تحتْ رْمالي
إكتْبني البيـداء لـنْزوة فارس
ّضل بطريقـهْ واهْتَـدَى لْظلالي
أو كبوة الظل بهجيرٍ عابس
ما شاف قطرة في صميم ْجبالي
أعصرني كالديمه لشيحٍ يابسْ
واْشربني عن عمرٍ نوى غربالي
أنبتني في كفـك بنانٍ سادس
أوعـدّني بعضك وقول لْحـَالي
ادْخلني مع قرشك فقيره عَانس
واعتقني من رقّة حرير اْسمالي
ابيك فصْلٍ من لهيبـه قارس
يحـرقْ حنين الليلـه ويدفا لي
أو غيم ماطر في يدينه حابس
قطرات ترويني ظمأ ويظما لي
أبيك صدق ابريل كذبة مارس،
أبيك أكثر بس لو يسـوى لي
شغّاله في َمقهى ْوعمّي حارس
وابوي سائق مدرسة أطفـالي
أطفالي اصغرهم يصير الخامس
اطول من المستقبـل المتعـالي
ومستقبلي بآخر رصيفـه غارس
نخلـة تعب تتساقـط لأمثـالي
تْتسـاقط ويسقـط ظلامٍ دامس
اشبه لذاتي وطيني وصلصالي
يالله :/ بلا عثره نعّد السادس
تْتحمّل الرغبـه ضناْ تْرحَالي

خالد الداودي

ــــــــــــــــــــ

درب الأماني

درب الأماني سلك .. ما وصلك للمدى
إن جيت أورحت به .. ما بل ضاميه ريق
من قال لك .. إن فيه لإمنياتك هدى ؟
من قال لك .. طوف تلقى به اختصار الطريق
ظلك إذا هو تعدى قامتك قد بدى
فالإنحدار وتلاشى مع ظلال المضيق
وش لي تريده من الدنيا وطيرك شدى
يعزف تلاحين خمسينه وحاله غريق
أواااه دنياي يكفي من لحافك ردى
ما اريد من عالمك لا جاهٍ ولا صديق
يا كثر آمالي اللي فيك راحت سدى
أحس هالأرض كل لحظة بعيني تضيق
ياما تمنيت شوفك أنت قطر الندى
بس احتضار الغلا ثوبٍ ( ع ) جسمك يليق
إن هي جفتك الحضوض وصاب سهم الردى
ما هو تبقى بطريقك وانطفى هالبريق
درب الأماني سلك .. ما وصلك للمدى
إن جيت أو رحت به .. ما بل ضاميه ريق

سعيد بن خميس الرحبي

ــــــــــــــــــــ

بُرْكَـانْ كِبرْ


تخيلت الشعر بركان هّيـج بالغضـب فـوره
اذا شب الجمر من موقده تصعـد دخاخينـه
ويربك رجفة انسانن وقف ماشاف مقـدوره
انا كل الانـا يتلبسـه ساسـه الـى حينـه
يشب الجمْر في وقته مـهزه وقفـة غـروره
يناطح رعب دخانه سما عـن كبْـر واطينـه
تقول الارض ياكيده صغير الامس في جـوره
كبر ماخالطه طيني وهذا الكبْـر مـن طينـه
يفوح الجمر من يغلي وثور فـالارض ثـوره
وانا ثارت عزوم الشعْر فينـي مـع شياطينـه
ركدت ادري ولكن ما غفت عيني عن سطوره
تناظر لين ما شبّت وحطت عينـي بـعينـه
نخيت العزوه اللي من سليل السيف مامـوره
توطي للكبر خشمـه وتخلـع لـه جناحينـه
واذا قالوا شعر داوي ، يفزْ للشعْـر دكتـوره
يسيل ولا بعد ياقـف مدامـه وافيـن دينـه
ألوح للكبر بدري ،وبدري ماخفـت نـوره
مدامه فالسماء عالي طريقي اليـوم مضوينـه
فتيل الضوّء لو زادت به الطاقه علـى شـوره
تفجّر والسببْ شوره ونوره صـار مطفينـه
تسيّد هالكبر ناسه وبـان الذبْـل بزهـوره
تشوف الظاهر اشْ زينه ،رمى شاشه على شينه
يحسب انّ الخبثْ كاتم لا دارت لفة الـدوره
تفوح الرايحه بخبثـه وتنـزع ثـوب مخفينـه
ألا وش فايدة ثوبٍ لبسته وما ستـر عـوره؟
تجرّه اسنين وتكابر ولاجـادت بـه اسنينـه
تعرّى والسبب عينه،بصرها قاصـر الصـوره
يظن انْها سناده يوم ،ضاعـت بـه عناوينـه
وقفت وقلت يا سامع يمرّ الوقـت ودهـوره
شواهد هالكبر تربه وطت رجلـك ميادينـه
غرق فرعون فرعونه وكبْرك لاحـق بحـوره
تمسّك والحبل رايـق مـدام انّـك موازينـه
وحبلن راخي بنحرك يجي يومن علـى دوره
يشدك والحبل حامي يسوقـك لـي براكينـه

رضوان الهاشمي


ــــــــــــــــــــ

غصن أخضر

كأن الساعة أغنيّهْ
على ما يرتئي وقتي
ترتبني حديقة حب
وتنثرني مواعيد الهوى
والضي ْ
وترمي شي
ما عَرفه
ولا مر بطريقي هَم
ولا حسّيت به فرحه
ولا شاغب مساماتي
ولا حط بعروقي أه
ولا غرّدني أمنيّه
ولا ردّد معي آهةْ
أبدْ لاخير في وقتٍ يمر وما ،،،،
أمر
بخاطرك
ويذكّرك فيا

وأعيشك حلم
وأسبر ليلي الوارف دقيقه تفوت في روحي
ثواني تجر
خيالات الزمن الأوفى
سماوات الأمل لا ظلل بِجِنْحانه على كفي
وصار الشوق عزفي
والأمل ضيّه
عطش خلخل مسامات الوعي في داخلي
وأنهك صوابي
وأركض الـــ فيّه
عصافير،وغصون أفراح
سما
والنابضات أرواح
وأدورني خلالك
أم ،
صديقة وارفه
خيّه
وأشتاقك عزف كل المزامير
التي تنبت على أطرافها ألحان
محكيّه
ولا ألقاك
وأفزز عبرتي في داخل عروقي
تبعثرهم
حكايات
وغناوي صغار
روايات
وقصايد هجر
مرويّه
يصير الصوت في نبضي
أبد
لاخير في وقت يمر
وما .....
أمر
بخاطرك
ويذكرك
فيّه !


شيخة الجابري

أعلى


 




العين الساذجة والعين المُدربة

إن التطورات الحديثة في عالم الفن التشكيلي فتحت آفاق الفكر الإنساني إلى أبعد مدى ليطرح من خلالها ما بجعبة النفس البشرية من كوامن ذات رؤى متنوعة تجاه المحسوسات وغير المحسوسات من حولنا. وأقصد بذلك أن القدرة على تفريغ ما في الذات الإنسانية من انفعالات باتت سهلة بوجود الخيارات المفتوحة لوسائط التعبير في مجال الفن التشكيلي، ونرى ذلك جلياً عندما نلتقي مع أحد الفنانين الذين قدموا عملاً تجريدياً أو تركيبياً بالخامات المختلفة أو باستخدام الوسائط التكنولوجية الحديثة أو جمع ما أمكنه جمعه من القطع المتنوعة الشكل والتصميم وركبها على بعضها وفق رؤية فنية خاصة ليقدمها للمتلقي على أنها طرح فني أنبتته القريحة الإنسانية بتداعياتها الفكرية ومضامينها الداخلية التي هاج فيها الإحساس والشعور وتعالج مع الروح ليقدم هذا العمل الإبداعي الخاص.
وكثيراً ما يتعاطى الفنانون عنصر الرموز في أعمالهم الفنية ليوضحوا للمتلقي الأحاسيس والمشاعر التي أرادوا تقديمها، ليحصل من خلالها التلاقح الروحي بين الفنان والمتلقي تجاه العمل المعروض، فالرمز الذي يستخدمه الفنان ما هو إلا تجسيد لفكرة تتولد في نفسه قد ينم عنها الشكل الذي يحتويها ويلعب دور الشخصية الثالثة إذا اعتبرنا أن الفنان هو الشخصية الأولى، وأن الشخصية الثانية هي الكائن أو الشيء الذي يوحي بالشخصية الثالثة التي تظهر بعد أن تتم التجربة الفنية وهي تشبه إلى حد كبير الابن بين أمه وأبيه، فصياغة هذا التركيب الفني للعلامة التصويرية هي لعبة فطنه يستخدمها الفنان بدرجة عالية من الحساسية عندما يحول شعوره وتأملاته إلى رموز مختارة بعناية لتعطي المعنى المراد توضيحه والإحساس به عند الالتقاء بالعمل الفني.
وهنا يأتي دور المتلقي الذي ترتفع لديه درجة الحساسية تجاه الأعمال الفنية فيتأملها بعين فاحصة وفق منظور وفهم واعٍ لما يود الفنان أن يوصله إلى فكر المشاهد لأعماله، وذلك من خلال تدريب عينه الدائم والمتواصل لمشاهدة أعمال فنية كثيرة فتراه يستشعر وجودها ويدرك معانيها ويتخيلها كعلامة ناقلة للفكر الإنساني فيقف أمام العمل بروح تحترم كيان المبدع الذي أنتجه ويُحدث نفسه وهو يُشاهد العمل لأول مرة (حتماً أن العمل الذي أشاهده هو انعكاس حقيقي لإحساس عميق أتى به الفنان من أعماق روحه ووجدانه، فهو كريح باردة جميلة محملة بعبيق السحر، آتية من عالم الأرواح التي نسجت من خيوط معاناة النفس البشرية أجمل حكاية) ويدخل بعدها في إيجاد تفاسيره الخاصة ذات المعاني الجميلة تجاه ما يراه ويستشعره في ذلك العمل. فهذا الأنموذج السامي من العيون الباصرة لتلك المعاني المغروسة في الأعمال الفنية حتماً سيصل المتلقي معها إلى لذة خاصة عند تذوقه لها، وتأمله لرموزها المفعمة بالمعاني الجميلة، وكثيراً ما صادفت أُناس لا يرغبون في حضور المعارض الفنية من أول يوم تعرض فيه الأعمال ومرجع ذلك هو عدم حصولهم على درجة الاستمتاع التي ينشدونها في تأمل الأعمال المعروضة بسبب الازدحام الذي يحصل من قبل الزوار للمعرض في يوم العرض الأول، كما أن بعض أصحاب الذائقة الفنية الخاصة تراهم يترددون أكثر من مرة لزيارة المعرض ليشبعوا أنفسهم بشكل أكبر من التأمل والتذوق لتلك الأعمال المعروضة والتي يرونها سانحة جميلة للترفيه عن ذواتهم.
أما أصحاب العيون الغائمة والتي يعلوها الغبار ويحجبها القصور التأملي المتأني في لحظات الُلقيا الخاصة بالأعمال الفنية فهي حقاً عين ساذجة لم تر الجوانب الجمالية في هذه الحياة الإنسانية حق الرؤيا، فيرى صاحب هذه العين أن ما يقوم به الفنانون هو ضرب من ضروب الأوهام والخرافات والتخيلات والخزعبلات التي ليس لها حجم أو وجود، فمرحلة إدراك هذه العين محدودة ومُحجمة بمساحات ثابتة لا تتعداها، ويُخرجها العاقل عن دائرة الإدراك والحس الجمالي تجاه الموجودات الظاهرة والدواخل الباطنة التي وهبها الله للإنسان وامتن بها عليه ليتفكر فيها ويتأملها حتى يستشعر معها عظمة الخالق في إنشائه لهذا الكون البديع شكلاً ومضموناً. والذي يعصر النفس ألماً أن نرى أصحاب هذه العيون يعيثون الفساد في أنفس الزائرين للمعارض الفنية بما يقدمونه من آراء وتعليقات لا تمت إلى التذوق والنقد الفني البناء بصله، فترى الواحد منهم بسبب قصر ثقافته وجهله الفني تجاه الأعمال يرمي المصطلحات العابثة لهذا العمل وذاك، دونما مُبالاه بمشاعر الفنان المرهفة التي انعصرت أياماً طوال لتقدم تجربةً فنية متجددة الفكر والمضمون، كما أنه لا يبالي بالمتلقي صاحب العين الحساسة الذي جاء ليجدد روحه بما يشاهده من جمال وإبداع. وتكمن المشكلة في هذا الإطار بأن هذه الفئة إذا أحبت عملاً أعطته من المعاني أكبر من حجمه وإذا لم تستسغ الآخر رمته بأسوأ الألفاظ، والشواهد على هؤلاء كثيرة. ولكن أتمنى أن لا يُلتفت إليهم بأي حال من الأحوال لأنهم بذور فاسدة لا تنبت إلا فكراً فاسدا والله المستعان.

عبدالكريم الميمني


أعلى



وجوه وظلال (3)

مختارات ـ صالح العامري:
جنود

جندي ميـّت، من أهاجي نيكولاس غـْيين، من ديوانـِهِ "العـَجـَلةُ المـُسـَنـّنـَة"- ت.صالح عَلماني:

أية رصاصةٍ أردتـه قتيلاً؟
لا أحد يعرف؟
في أيـة قرية ولـد؟
في خوبـْيانوس، قالوا.
وكيف أحضروه؟
كان مـيـتاً على الطريق، ورآه جـنود آخـرون./ يا للرصاص الذي قتـله!/ عــروسـه هرعت، وقبـلـته./ باكـيـة أتت أمـه./ وعندما حضر الكولونيل: قال فقط "فـلـيـدفـنْ"!// ها هـو الجنديّ الميـت./ مـن الشارع أحضروه./ الجنديّ هـو آخـر ما نـفـكر بـه./ فلدينا جـند كثيرون...

********
الموت والجندي، للشاعرِ الروسيّ/ ألـكسندر تفاردوفـسـكي، من ملحمة فاسيلي تيوركين- ت.صبري حافظ:

من وراء تلك القـفار المـتـرامية: تـُقـْبـِلُ دمدمة المعاركِ ويتبدّى وهـجـها./ لكنّ صديقنا فاسيلي تـْيورْكين،/ يرقـد وحيداً تحت الثـلوجِ المـتساقطة،/ وكانت الثـلوج، حيث يرتمي الأبطال الجرحى، مـلطخة باللون القـرمـزي،/ وأتى الموت مـتلصـصاً كمومس: "هيـّا أيـّها الجـنـديّ..هيـا بعيداً، فقد حانَ أوان رحيلـك./ دعني أقود خـطاكَ وسـط هذه العاصـفة،/ فالأنواء تـدمـدم وتصطكّ ثـلوجـها،/ قاذفـة نـدفـها فوق آثار خـطانا"./ وشرع تـيوركين حيثما يـرقـد/ يتنفسّ بصعوبة وسـط الثــلوج:/"مـن دعاك أيـّـها السـليط.. إنـني مازلت حيـاً ولن اذهـب أبداً"./ عرّى الموت أردية بعضِ الهواجسِ: "ليس شيئاً ذا بال ما تـجاهـد مـن أجلـه،/ وبرغـم أنـك مازلت حتـى الآن حـيـاً، فإنـك لن تستطيع الحياة إلى الأبـد، فسوف ألمـسـك بـظـلـي،/ وخاصـة الآنَ؛ فإنـك شديد الضـعف،/ حتـى لـتدرك في أغوارك، أنّ نـدف الثـلج،/ لن تنصـهر أبداً فوق خـديك"...
"بكلمة واحـدة..اغربْ عن وجهي"./ تريـثَ الموتُ وتحسـب مـقـترباً.. ثم قال: "حسـَناً، لـم لا..سأحتـمل أنا كـلّ مـلامة،/ لا شيءَ قد حدث.. فالحياة عزيزة إلى أقصى حـد/ أيـها الصبـيّ الأخرق../ ألا تـدرك أنّ كـلّ الأمور سواء/ رغبـت فيها أم أعرضت عنها/ فـسـيـّان عندي إذا ما ازرقـتْ يـداك/ سـيـان عندي إذا ما أخطأت الرؤية عيناك/ أو إذا ما تيبـسـت شفـتاك".."امض ِ عـَنـِّي"..
"أنظـرْ..كم يـسـدل الليل سـتاره سـريعاً./ فلماذا إذن تطيل شـقاءك؟!/ إذا كـنـْت عاقـلاً، فإنك ستومـئ مـلـبيياً على الفور نـدائي،/ فدعـك من كـل هذا.. وتعال معي"./ (قالَ الجـنديّ):"إنـني أريد أن أبقى حـيـاً"./ (قال الموت):"لا تكـن أحمقاً، فأنـت مـتجـمـد بـرداً، ولن تستطيع احتمال العاصـفة،/ دعني أدَثـرك بعباءتي السـميكة،/ حتـى تنعم إلى الأبـد بالدفء والسـكينة/ أوه، أتـصـدقـني!1 أتصرخ!! إنَّ إذعانـك لي يجعـَلـني فـخوراً"./ (قال الجنديّ):"لا تـحاول أن توقـع بي في شراك أكاذيبـك،/ فإنني أصرخ مـن وطأة البرد..لا تصديقاً". (قال الموت):"تستوي دموع الفـرح، ودموع الألم في هذه الفيافي/ فالليل يـدلـف إليها خفيفاً ناعـماً، ولن يستطيعوا أبـداً/ أن يعثـروا عليك هـنا، وحتـى إذا ما وجـدوك../ أواثـق أنت من أنَّ في ذلـكَ سـعادتـك؟!/ فمـرة ثانيـة سوف تـطاردك الهـموم./ فالأفضل لك إذن أن تستكين وتموت في سـلام"./ (ردّ الجـنديّ):"لا تـحاول أن توقعـني في أحبولـــتـك"/ قال تيوركين وهـو يـكزّ مـغـلـقا فـمـه بشـدة:"لا بـد أن أعيش.. لن تـفـزعـني أو ترعبني/ فإرادة الحياة قويـة في داخـلي".
.....ارتجف تـيورْكينْ حيثـما يـرقـد../ ثم بدا أن بعض القـوّة قد انتابـتـه، فانتعش صارخاً../ "ابتـعـد عـنـي، وامكـث بعيداً../ إنني جـنديّ مازال حـيـاً،/ وسأظـَلّ أصرخ طالما بـقيت،/ وسوف أذوي على تلكَ الرّابيـة،/ ولكنني لن استسلـم لك أبداً،/ طـواعيـة وبـمـلأ رغبتي.."/ {قال الموت}:"تقبـلْ هذا الأمر بسـهولة، فإنّ استسلامـك ليس سـوى بـرهان على صـحة القاعـدة"./ (قال الجنديّ):"صـهٍ.. فإنّـهـم يبحثون..ثمّـة شخص قادم./ إنـّها البـعثـة الطبـيـة.."/
جاء شخص ومـرّ، ثـم تبعـه آخـر ومـعـه عـتـلة وجاروف....وفجأة بدا عليهـما وكأنـّهـما سـمـعا شخصاً، بصوت خافـت لكنـه مسموع../ فقفزا، وألقـيا نظرة، تيقنا بعدها من أنـه مازال حيـاً بـحـق... جسداً تنبض فيه الروح./ وأحسّ (الجنديّ تـْيورْكين) بأنّ روحـه قد آبـت إليه،/ وأنّ الفرحة قد دنـت حتـى لـمـسـتها الأنامـل/ فقد قـيـض لـه مـن يـعـبـر بـه مرّة أخرى إلى مملكة الأرض".//
"أمسكْ جاروفـك دونما تـوان،/ فإنـّه مـتــجمـد بـرداً،/ فقد تجمـد معطفه وتناثـر"./ وكانَ الموت يقول:"إنني سأتبـعـهـم، وكأنـهـم لم يعثـروا عليه أوْ يلتقـطوه،/ وسوف أستعيده منـهـم ثانـيـة،/ فلا بـد أن تعوقـه بعض الأحداث الجديدة: عن الهـرب من هؤلاء الرجال"./ طـرحا جاروفـيـهـما وحـزاميـهـما ودفـآه بـمـعطـفيـهـما./ حملاه بـبـطء وبـعـناية، وهـما يـحاولان بـصـعوبة أن يبتـعدا بـه،/ وكانَ يبدو سعيداً مــعهـم؛/ فقد خلـف الموت وراءه في تلك المنطقة.
"إنني أراهـن على أنّ لدينا عشر فـرص/ لإنقاذ هذا الجنـدي مـن الموت"/ فرد الآخر:" هذا صحيح. وعـلاوة على ذلك فإنـنا نـدرك أن علينا الحـفاظ على حياة اي إنسان،/ خاصـة وأنّ الموت يتربـص بالوطـن". /
والآن..بدا وكأنّ الريح قد أصبحت رخـيـة، وأنّ العاصـفـة قد لانت وترفـقـت./ "هل فقدت قـفـازك؟ إنّ يـديك مـتجمـدتان. لا عليك. خـذ قـفـازي، إنـه جـيـد ودافئ".
وحينما ساد الصـمت. أخذ الموت يـفـكـر./ أيّ قـدْر مـن المودّة يـكـنـّانـها للجـنـدي/ وتيقـن أنّ كـلّ آمالـه قد أخذت في النـقـصان،/ وأن عليه ألا يتبعهـما أكثر مـن ذلك؛/ فإنـه يستطيع أن يـرى أنـهـما لن يتركاه أبـداً/ حتـى يستطيع أن يصطـحبـه مـعـه/ وأحسّ بالحسرة لـفـشـله/ في الحـصول على ذلك الجـنـديّ./ فألقى نظرة أخيرة:/ ثـم استدار..ومضى.

********
من موت واحتضار سنـيـّة صالح، لمحمد الماغوط:
..ثلاثين سنة، وأنتِ تحملينـني على ظهرك كالجـنـديّ الجريح/ وأنا لم أستطـع / أن أحملـك بـضـع خـطـوات إلى قـبـرك..

********
من ديوانِ "أغان ٍ للجـُنود، وألحانٌ للسـُيـّاح" للشاعرِ الكوبيّ/ نيكولاس غـْيين - ت. صالح عَلماني:

قال الجنرال: خسائـرنا/ لا تـُذكـر:/ أربعة جـنود قتـلوا،/ ولم نخسـر أيّ ضابـط مـهـمّ.

********
جنديّ، يـحاول فنان أن ينقشه على كأس فضة، للشاعر اليونانيّ كافافيس- ت.سعدي يوسف:
على كأس الفضـّة المـمـْتازة هذا،/ الكأس الذي سيستقـرّ في بيت هيراكليديس،/ حيث الرفعة والذوق سائـدان/ وحيث الزّهـر والزّعـتـر/ والشـلالات الصغيرة/ وفي الوسـط، فتى جميل عارٍ،/ على هذا الكأس سأنـقشـه.. وإحدى ساقـيه/ تلعب في الماء-/ أتوسـل إليكِ يا ذاكـرتي، أن تـعينـينـني الآنَ/ أعينينـي الآن لأنقـش الفتى الذي أحببتـه/ ولِأنـْقـل ملامـحـه كامـلة.// صعوبة كبيرة تـواجـه عـمـلي؛/ فقد مـضـت عليّ خمس عـشـرة سنـة، بكـلّ ما فيها/ منذ أن سـقـط، جـنديـاً، في هزيمة ماغْنيزْيا.
* شاعر عماني

* يقدم الكاتب هذه المختارت من خلال تقسيم الشذرات النصية حسب المهن والوظائف والانشغال والاهتمام لفئة اجتماعية او فرد من الأفراد.

 

أعلى


 


أراقب قلبي يفيض بالرصاص

تقلدني رصاص وبندقية عتيقة
وقفنا واذاننا كمجسات الأقمار الصناعية
الرصاص والبندقية المحشوة وقلبي النابض
داخل أحراش تحت شجرة السرو العملاقة
سمعنا صياحا، سمعنا الدم ينبض،
صياحا قادما
كانت أصوات صفارد
لم يكن الجوع يقرص بطوننا
لم يكن الهواء ملوث بالكراهية
لم يكن الليل قريبا من ذلك النهار
لم تكن المعرفة إنسانية أبدا
... كان الجهل يحث الرصاص
الأخير يحث البندقية
البندقية تحث قلبي
أطل من بين الشجيرات صفردين كبيرين
تدور حولهما فراخهم الصغيرة الغضة ذات الأيام القليلة
أطل بؤس العالم في قبضتي والرصاصة المتهورة
أطل الخوف نافرا كدم تدفق بعدما أبكمت الرصاصة الفضاء
حلق أحد الوالدين عاليا مرفرفا مبتعدا
تسامى الآخر عاليا ليخر مضرجا بالدماء
أحاطت الفراخ بوالدها الذبيح
بينما غاب الحزن تلك الساعة
غابت الرؤية تلك اللحظة
همهمت البدائية كذئاب فجر بعيد
تلبستني وجوه الأجداد القدماء
وهم يسرجون الضباع والنساء والخمر
يسرجون الحياة والخطيئة المعتقة
جززت رأسه النافر وهششت تلك الفراخ
تواريت عنها وهي تحوم حول بقايا دمه
بقايا ريشه المبعثر على الأرض
بقايا رائحة قصة حزينة
بقايا رجل يعتمر الرصاص قلبه
بقايا نهار أسطوري كالحياة بكل بؤسها
..تواريت خلف جذع نخلة نخرها السوس
دسست الصفرد داخل شوال
فرغت البندقية من الرصاص
غسلت يدي من الدم
...
كانت تلك آخر الجنون
آخر النيران
بداية النزيف بقلبي
.. من يومها أسرج غضبي كل فجر جديد
امتطي صهوة الهضاب والوديان والجبال
أراقب الغزلان ترعى خيوط الشمس بين تلك الوهاد
أراقب العتمة وهي تلملم بقاياها
هاربة للمغاور والشقوق العميقة بين الصخور
أراقب قلبي الميت يفيض بالرصاص
* سلطان العزري



 

أعلى

 

 


الصفحة الرئيسية | المحليات | السياسة | اراء
الاقتصاد | الرياضة | ثقافة وفنون | الصفحة الدينية | كاريكاتير


 


 

.Copyright 2003, Alwatan©Internet Dept